القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
قالت ندى وهي ترى أمها تذرف الدمعات بغزارة:
ـ لم ذبحوه يا أمي؟
نكست الشمس عينيها البديعتين.. تحول لون وجنتيها الوردي البهي إلى دم قان.. صرخ الخجل في مقلتيها.. والبدر..بدا كرة سوداء قاتمة.
قال أبوها :
ـ الأبطال يا ابنتي يعدمون كل فجر. وتأهب للرحيل، كانت هي صغيرة جدا. آنذاك لمحت الذعر في عيني أمها وهي تتوسل إلىأبيها ألا ينخرط في خلية المقاومين..
صرخ الوالد في وجه زوجته بقسوة مجنونة متهما إياها بالجبن لكنها دافعت عن نفسها بقولة مأثورة في أيام حالكة "من خاف سلم" ، استشاط الرجل غيظا : الظلم و الطغيان من خوفنا وضعفنا يتغذى . هدأ وهو يلمح الخوف في عيني ابنته الصغيرة أمل، اقترب منها واحتضنها بقوة ثم ودعها بكلمات لن تنساها أبدا:
ـ إياك والجبن يا ابنتي.. إياك والذل.. يموت الحر منتصبا ولا ينحني أبدا..بعد ذلك حمل بندقيته وغادر دون أن يودع الأم.. ولم تره أمل من يومها. لما كبرت فهمت أن أباها استشهد وهو يدافع عن كرامة بلده.
يرهقها التذكر.. ماذا تقول لندى الآن؟ يباغتها السؤال وهي تغرق في أحزانها "لم ذبحوه يا أمي؟!" أتقول الشجاعة ذُبحت.. هل تحدثها عن مساء حزين وليلة طافحة بالكوابيس.. وعن حلكة فجر دام؟ وتكشف لها مرارة الظلم وبشاعة الصمت؟
قالوا له اركع! فقال لن أركع! بدا الفزع في عيون غادرة عاودت المحاولة : اختر بين الذهب والياقوت أو الموت. لمع
شعاع ابتسامة هادئة في عينين تفيضان حبا وشجاعة: اخترت وطني، حبة رمل من تراب بلدي أغلى عندي من كل مغرياتكم! حاكموه .. خيم صمت رهيب واتنظار ممض. عزلوه عن الناس والعالم وعن محبيه هتف وطني من أجلك أموت.. لا يرهبني الرحيل لكن فراقك يدمي قلبي! أخاف على أطفالك من الجهل والجوع..وعلى حضارة الرافدين العريقة من الاندثار .. لا أخشى الجلاد لأنه جبان، لكني أرتجف على خيراتك أن تمتد لها أياد آثمة وعلى أولادك أن يجزعوا أو يخضعوا ، فتدوس أرضك حوافر صهيون وأتباعه.. فلتذكرني ياوطني إن تنكر لي زمني.ذبحوه فانتصبت العزة ،صرخت الكرامة ، ناحت المحبة والشجاعة. أدمى رحيله قلوبا شُجاعة بكته بحرقة هتفت لا للظلم لعنت الطغيان والخنوع والصمت بصوت عال، ثم عادت وهزجت: صدام لم يرحل هو بيننا وفينا يعيش!
بعد أيام قال الأطفال زارنا في المدارس..حاورنا.حول العلم وحب الأوطان. باحت النساء رأيناه في البيوت يحمل أرغفة ساخنة للأطفال..اعترف الشباب والشيوخ: بدا شاحبا، يملؤه الحزن وهو يرى متاحف العراق مقفرة وينابيع دماء تسيل في شوارعها.. قال أكثرنا نموت نموت ويحيا الوطن
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
أتذكر حين كنا صغارا ، و كان حبنا يحبو نصب أعيننا؟ كنا نخشى عليه الجراح ، و نجزع إن أَنَّ أو تعثر..
كبر حبنا و أينع ، و أزهر عطرا غمر قلوبنا فرحا. تذوقناه فأحببنا الحياة و الناس ، و غفرنا للأيام غضبها و صدها .
زرعنا وردا و ياسمينا ، و جنت أيدينا طيب ما غرسنا . لكن...... ما أصعب هذه اللاّكن!
وما أمرّ طعم حروفها تنزرع في الحلق علقما! حتى قلمي بين أناملي يأبى أن يخطها ألما يسيل في شراييني
أيمكن أن يولد الجفاء من تربة العطاء و البذل؟ هل للود أن يُمسي جراحا تدمي سويعاتنا و ثواني أيامنا؟ و أنا و أنت ،كيف تآمرنا مع الناس على خنق أجمل بسمة على شفاه وليدنا؟
ضَمّنا طائر الوجد الجميل ، بين أحضان روح عذبة ، فحلقنا في فضاءات لا تنتهي ، تضيء دربنا نجوم تتلألأ في حدقاتنا أملا ، و غدا نرنو إليه مزهرا
ما أعذب هذا الإحساس ، ينساب في قلوبنا دفئا و عطرا ! لكن ..كيف يتحول قطعا ثلجية تركض في دمائنا،؟ فتغشى الحياة عتمة ، و نرى الربيع أنصال عشب تجرح أمانينا ؟
:قال أهلك
كيف أسكرته هذه المرأة حدّ الثمالة ، إنه يسمع و يرى من خلالها، يفكر و يحس بعقلها. يا إلاهي ! أنسمح لها أن تدمره هكذا ؟
:و قال أهلي
هو لا شك يحتويها ، حتى لا تتكلم أو تحتج ، أو تقول رأيها إنها تُظهر بشاشة و سعادة ، لكن في صدرها تسبح الهموم . لم لا نتحدث إليها ؟ علها تعي حقيقة ما ينطوي عليه إنسان منحته كل أيامها
ما تحملانه بين ضلوعكما جوهرة حقيقية ، سقيتموها بسنين العمر ،لكن ريحا هوجاء كسرتها بقساوة!
فهل يا ترى حبيبي ، يمكننا أن نلملم شظايا حلمنا النازف؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
حال وصوله محطة القطارات المركزية قطع تذكرته في قطار الحادية عشرة والربع ليلا توقف عند كشك وابتاع منه بعض المجلات وصحيفة المساء فأمامه رحلة طويلة تستمر حتى الصباح ليعود إلى مدينته الصاخبة. صعد داخله يبحث على كبينة خالية ليستطيع فيها سحب مقعدين متقابلين على شكل سرير فيستريح قليلا من عناء يوم حافل بالإرهاق والانجازات..!! فكان ما أراد فالقي بحقيبة اليد في المكان المخصص والتي احتوت على حاجياته الضرورية في حال تعثر مهمته واضطراره للمكوث أكثر من يوم فهو لا يترك أبدا مثل هذه القضايا أن تفوته وخاصة في مثل هذه السفريات الطارئة.!! في المحطة الأولى على بعد ساعتين من الإقلاع توقف القطار لتبدأ حركة كثيفة للمسافرين بنزول وصعود فقد كانت محطة تبديل لملتقى قطارات المناطق الأخرى وما زال هو مستلقيا ومتظاهرا بالنوم حتى حطت الأم وابنتها في كبينته التى كان فيها حتى اللحظة وحيدا واستمر هو متظاهرا بالنوم فهناك ما يزال 4 مقاعد خالية حتى أن مفتش التذاكر لم يشاء أن يوقظه والذي عاد فيما بعد عندما علت ضحكاتهم خارج الكبينة ...مرت قرابة الساعة لينهض جالسا وبخفية تنم عن خبرة سابقة ارجع المقعدين إلى وضعهما السابق وجلس هو على أحدهما وأخرج زجاجة ماء من حقيبته وشرب قليلا ثم اتبعها بسيجارة وقبل إشعالها طلب السماح متوجها بحديثه إلى المرأة كبيرة السن كانت في الخمسينات من عمرها فردت مبتسمة لا ضرر فانا من قوم المدخنين أيضا فعزم عليها من سجائره المارلبورو المهرب عبر الحدود فهو رخيص الثمن مقارنة بمثيله من السجائر مدفوعة الجمارك ولكن كثيرين لا يعرفون أماكن بيعها فهي تجارة رائجة لكثير من الشباب العربي الهارب من العوز والحاجة وتفاقم البطالة ،ينتمون في معظمهم إلى دول شمال أفريقيا ..كانت سجائره الأمريكية قبل أن يتقيد بحملة المقاطعة على البضائع الأمريكية لاحقا تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعد أن علم بان شركة فيليب موريس تمنح دولة (إسرائيل ) 12% من صافى أرباحها... فالتقطت واحدة وقام بإشعالها لها من باب الاحترام وعزم على الفتاة الشابة التى ترافقها فرفضت شاكره له كرمه وأخرجت سجائرها الخاصة بسرعة حتى تشاركهم حفلة التدخين الجماعي وقام بإشعالها لها مما جعله يرى عن قرب عيناها اللتان تشبه اللوزتين في الشكل بزرقة مائلة إلى الخضار ؟ في غاية السحر والجمال كبيرتان فعلا تكسوهما رموش طويلة تتربعان على جبهة عريضة ناصعة البياض مائلة إلى الاحمرار الوردي وتحصران بينهما أنف طويل نسبيا يتناسق مع وجهها الرفيع وينساب عليه شعر أصفر فاقع طويل ناعم كخيوط الذهب.. لم يتعمق كثيرا في الحديث الذي انحصر في التعارف وعادات الشعوب في المأكل والملبس والقضايا الاجتماعية الخفيفة مما كانت سببا في علو الضحكات متتالية ومتبادلة لاختلاف الألفاظ أحيانا فيختلف المعنى المراد إيصاله فلم يكن قد مرت عليه فترة كافية لمعرفة أسرار المفردات ودلائلها لشعب يهتم كثيرا لما بين الجمل من عبارات المزاح والتهريج. !! فهن أيضا لم يسبق أن تقابلا مع أجنبى قبل الآن ولهذا كانت رفقة سفر متميزة كان الحديث كله يدور طوال الرحلة مع الأم حديث بسيط في معظمه أما ابنتها فكانت إما نائمة أو شاردة الذهن ؟؟ أو تنفث سجائرها الأمريكية والتي استبدلتها لاحقا وعن قناعة تامة ! شارف القطار على الوصول مع سطوع أشعة شمس التاسعة صباحا وقبل أن يفترقوا جميعهم قامت الأم بكتابة رقم تليفون بيتهم وعنوان سكنهم الذي كان قريبا جدا من مكان مصلحته اليومية ما جعلها تتشجع في كتابته له؟؟ التقطه واحتفظ به في مدونته الخاصة التى يدون فيها عناوين وهواتف أصحابه ومعارفه فهو للحقيقة ضعيف الذاكرة بالأرقام خاصة وكما أعلمني لاحقا بأنه لم يحفظ رقم جواز السفر أو حتى بطاقته الشخصية! وكذلك فعل هو بالمقابل ولم يكن ذا أهمية لأنه لم يستقر في سكنه هذا مطولا.... لم يكن يعلم بأن القدر سيتشكل بعد مضى قرابة أكثر من عام كامل على هذا اللقاء العابر الذي كسرته بضع مكالمات هاتفية منه متباعدة بمناسبات محددة لتبدأ بعدها الأحداث بتسلسل أشبه بأفلام كلاسيكية لتصبح الابنة فيما بعد هي الحب الكبير والأول من نوعه في حياته فقد سبقه حب من نوع آخر تمتزج فيه رائحة الأرض والطبيعة... والذي سيدوم أكثر من ثلاث سنوات كانت من أجمل أيام شبابه تتحول فيها الابنة من لا مبالية به قبل أكثر من عام إلى مدافع عنه حتى آخر رمق أمام أمها وخالها وأصدقائها فمنهم من اقتنع وصادق ومنهم من نأى بنفسه وهادن ومنهم من رفض حبها العنيف بلا حدود وقد يكون في حبها هذا سر كبير لأنها بهذا الغريب (كما أسمته الأم لاحقا ) ذو الأخلاق والشهامة والإرادة والذكاء وعنفوان الشباب الثائر والمنتمى لوطنه السليب..!! استطاعت معه أن تخرج من واقع أليم وضعف في شخصيتها وعذاباتها مع خطيبها البعيد في سكنه وتعقيدات أهله السخيفة لانتمائهم إلى العائلات الارستقراطية البائدة حتى أسدل عليها ستارا من الضجر والكآبة في معظم الأيام التى كانت تمر ثقيلة وبطيئة لتزيدها شعورا بالشيخوخة قبل أوانها فأحالها الغريب إلى امرأة قوية واثقة في مجتمع مادي مهزوز وزائف وسطحي بعيد عن قيم الخير والفضيلة لتتحدى ضعفها أمام أسرتها أولا ومجتمعها ثانيا الذي يتغنى بكرامة وحرية المرأة وهى شعارات ليس لها وجود على أرض الواقع فلا كرامة ولا عزة ولا تقدير لها عمليا بل إعجاب وشهوة للناظرين وسلعة للطامعين وضياع حقوق في العمل فقوانينه مجحفة بحقها حيث لا ينطبق على معظم أماكن العمل لقلة العدد المطلوب وهذا مقصود من أرباب العمل للتحايل على التشريعات الجائرة بحقهن....ولتجسد شخصيتها بكل ما تحويه من معاني كانت هي في أشد الحاجة لها لمجمل الظروف الصعبة المركبة والمعقدة التى أحاطتها منذ وفاة والدها وسيطرة أمها وعائلتها عليها فقد يكون أحد الأسباب القوية التى دفعتها للتشبث به وتحدى المستحيل مع هذا الغريب عن الديار ولتشهد معه وبه مجريات حياة صاخبة ونادرة من الحب والعطاء بلا حدود ومن الألم والعذاب بما لا يعقل ومن الفرح والسعادة بما لا يوصف ومن النجاح والأمل بما يبهر ويبلج الصدر... وفى الجانب الآخر تحولت الأم خلالها إلى أشبه بالعدو الوحيد له جراء أنانية مفرطة ومستهجنة ومخاوف وهواجس في رأسها حتى كانت سببا في نهاية الكون لاحقا ؟؟.... فالأم بهواجسها المريضة شحذت خنجرها المسموم في قلب الحب الكبير وكانت الرصاصة في القلب لحب جارف كاسح لم يتأتى قبله أو بعده حب للبشر!! أيام كان شابا يلهو بالقدر !! و يهوى المغامرة بل ويمارسها بكل مخاطرها!!... كانت بمثابة الجنون بعينه جراء الطرق بسادية هوجاء عمياء محكمة ومتتالية لا تتوقف.. حاصرت الابنة لسنوات دون هوادة ؟ وفى النهاية لم يجد هو بد من شهامة وكرم العربي الأصيل فجذبته ثقافته ومعتقداته التى تسبح في دمائه فهي في جينات تكوينه ولهذا فهي بلا شك تنتصر أخيرا إنها ثقافات الخير والتسامح والتضحية.... فالأم لم تكن هواجسها القاتلة كلها خاطئة فحسب وإنما كانت خطيئتها تجاه ابنتها وخطيبها قد تحولت إلى خطايا مع مرور الزمن وما نهجها في ساديتها تجاه نفسها وتفاقمها يوما بعد يوم إلا كورقة ضاغطة على الابنة مما أسرع بالغريب ليتخذ القرار الصعب والذي لابد منه وان كان مؤلما وقاسيا وتداعياته ستستمر طويلا .. ولكنه كان تعبيرا عن حب كبير يسمو على مغالطات وهواجس الأم التى تحولت إلى أشبه بمرض نفسي خطير لم يفارقها حتى كادت أن تفقد ابنتها الوحيدة التى أصابها انهيار عصبي كاد أن يذهب بها في عوالم المجهول لولا وقوف الحبيب إلى جانبها حتى شفيت سريعا وخرجت من أزمتها فبادرت بعدها الأم مهزومة كي تبدل شيئا من أطباعها المقيتة ولكنه كان قد فات الأوان فالقرار بالتضحية كان قد وقع ونفذ الأمر.. مرت شهور طويلة على فراق قد أفجع الاثنين معا ولكنها التضحية وشهامة رجل أبى أن يكون سببا في مصيبة لحبيبته فهي الوحيدة لأمها أو أن يسجل في قاموس حياته شيئا يخدش من مروءته وأصالته وشهامته يكون له كابوس في المستقبل ينخر بضميره الحي فينحرف عن القيم الأصيلة والذي كان حجته بعدم شعوره بالندم فابتعد نهائيا عنها واختفى بتغيير عنوان سكنه والابتعاد عن أصدقاء قد يرشدونها إليه مختفيا عن العيون ولكنه مع كل الأحزان التى واكبت هذا القرار الصعب وما بعده . في يوم دق تليفون المنزل ..كان حلاقه المفضل الذي تعرف عليه عن طريق خال حبيبته منذ سنوات وما يزال عليه.. كان يتحدث بتأثر واضح حيث اعلمه بأن أم (....) قد توفيت ليلا نتيجة لانهيار عصبي شديد في بيتها فهرع هناك صباحا معزيا أخاها الذي ما يزال يقدر ويحترم له موقفه الرجولي والشهم.. بحث بعينيه الحائرتين ليراها لتقديم واجب العزاء فلم يجدها فشعر بدوار في رأسه وصداع كاد أن يطيح به أرضا وهم بالانصراف فناداه خالها قائلا تعلم بان أختي سامحها الله قد وقعت مريضة بشكل جدي وها هي كما ترى انقلبت عليها أفلامها بشكل حقيقي منذ أن رحلت عنها (....) وتركت البيت بعد شهر تقريبا على خلفية ما حدث بينكما.. لقد نقلت عملها كخبيرة في أكبر مؤسسات التأمين إلى خارج البلاد و.....و...... في هذه اللحظات لم يعد يستمع له ولم يمهله مواصلة حديثه ولم يدعه يسترسل أكثر..... فقد شعر برغبة في البكاء ما لبث أن فاضت عيناه بدموع حارقه شعر بسخونتها تسيل من أسفل نظاراته لتغسل لحيته الخفيفة... وأحس بخفقان قلبه من جديد..وبأفكار تبادرت يقينا إلى ذهنه !!. أخيرا عندما سأله الراوي عن اسم حبيبته أصر الصديق على عدم البوح به على الرغم من مرور أكثر من 20 عاما على قصة حبه الكبير...؟؟؟ إلى اللقاء
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالله الشلماني
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
) الدزدان (
( 1 )
... أن تجد نفسك بين أشياء قديمةٍ تذكِّرك بماضٍ جميل , شعورٌ مبهج , يصعب وصفه أو شرح كنهه بالكلمات .. إلا إذا كان من تتحدث إليه قد عايش ذات الشعور . لقد رحل أبي .. ومع رحيله رحل جانبٌ كبيرٌ من جمال ذلك الماضي . لا أدري لماذا انحسرت الوجوه الطيبة عن الدنيا ؟ ليس فقط أبي .. أنا أعني كل الوجوه الطيبة ؟ تضاءلت مساحات الحنان في القلوب .. أصبح للناس وللأمكنة طابعٌ غير الطابع الأول .. أسفرت أغلب الإبتسامات عن أنيابٍ شرسة .. قبيحة .. الدنيا بدون تلك الوجوه قاحلة .. موحشة .. الليل في غياب تلك الوجوه مخلبٌ ضارٍ يتسلل من تحت الوسادات , ليغتال السكينة .. لينغرز في الأحشاء مكمِّماً الصرخة أن تفلت .. الصباحات والمساءات متشابهة .. رتيبة .. مجرد اجترار للزمن وللأشياء .. لم تعد الحياة بعدهم مثل ما كانت .
حتى الذين هم حولنا ممن نحبهم , افترقت بهم الدروب , وتسربوا داخل تشققات الغياب . دخلت على معادلات معاشهم معطياتٌ جديدة , صرنا نحن بموجبها خارج تلك المعادلات . لقد رحل أبي .. لأجد نفسي بعده - وأنا في العقد الثالث من عمري - طفلاً يمشي ويتعثر .. يبكي .. يتفرَّس في الملامح من حوله باحثاً عن حبٍ تبوح به النظرات .. يفتقد لحضن دافيءٍ يرتمي فيه عندما يخاف .. للمسةٍ حانية تهدهد نزقه عندما ينفجر متبرِّماً .. طفلٌ يتيم .. وحيد .. يبكي .. يبكي بحرقة .. يطاله الإعياء من طول البكاء .. يريد أن ينام .. أن ينام طويلاً .. لكنه لم ينم .. فهو يفتقد إلى همس ترنيمةٍ , تعوَّد ألا ينام دون الإنصات إلى صداها يتردد في كيانه ..
صندوق أبي .. البوابة إلى الماضي الجميل .. أشم منه عطر عباءة أبي , تلك التي أذكر أنه دثرني بها معه ذات ليلةٍ شتائيةٍ ماطرة ..
في داخل الصندوق , كانت أشياؤه ترقد بسلام .. المصحف , المسبحة , ساعة معصمه , نظارته الطبية , المروحة المنسوجة من سعف النخيل , سجلات الدكان , رسائلُ وسنداتٌ وفواتيرُ قديمة , و ... والدزدان@ ..
الدزدان الجلدي الأحمر .. المزركش بأناقة فائقة .. إنه من أهم لوازم رجالات ذلك الزمن .. تساءلت :
- كم من المال دخل تلافيف هذا الدزدان خلال خمسة وسبعين عاماً هي عمر أبي وكم من المال خرج ؟ كم من أفواهٍ فاغرةٍ سد رمقها هذا الدزدان ؟ كم خرجت منه من صدقة ؟ كم من قِرى ضيفٍ ومؤونة عائل ؟ كم من ضحكة فرحٍ مشرقة رسمها هذا الدزدان على شفاه سبعة أطفالٍ وأختهم لحظة أن منح ثمن بدلاتهم الجديدة ليلة العيد ؟ أو ثمن الأقلام والألوان والدفاتر وحقائب المدرسة ؟ وكم رسمها على شفاه أمهم وعمتهم التي لم تتزوج وظلت في بيت أخيها , عندما خرجت منه قيمة رحلتهما إلى الحج مع أبـي ؟
كم .. وكم .. وكم ؟ واليوم .. هاهو الدزدان يرقد داخل الصندوق بسلامٍ منذ عشر سنوات . منذ أن أعطانيه أبي حين خرجنا في الصباح سوياً من البيت , فعدت أنا يومها في المساء إلى البيت وحيداً , ولم يعد أبي ..
( 3 )
في ذلك اليوم , شعرت أن المقبرة ليست أبداً بالمكان الكئيب ولا المخيف .. لأنها ضمت بين جنباتها جسد أبي .. الذي سينثر فيها الحب والفرح والبهجة , مثلما كان يفعل معنا .. لأنه سيحمل إليها معه ما كان يتلوه كل يومٍ من الآيات , لـيبدد عنها الغربة والظلام والعزلة .. عشر سنواتٍ مرت .. منذ أن غادرنا أبي مع كل ما كان يمثله من معانٍ لكلمة " رجل " .. ليرقد هناك بسلام . وعشر سنواتٍ مرت .. منذ أن توقف الدزدان عن رسم آخر الإبتسامات المشرقة على الشفاه .. ليرقد هنا بسلام ..
.. رغم أن المشيعين كانوا معنا يومئذٍ بالمئات , إلا أنني لا أتذكر الآن من أصوات تلك المئات , سوى صوت نشيج ابن أخته المتوفاة , والذي عاش في بيت أبي طفلاً يتيماً لسنوات , وصوتٌ آخرُ لم أعرف صاحبه , سمعته يهتف فيما كان البعض يريد إقصائي شفقةً عليَّ من مشهد الدفن :
- دعوه .. دعوه يُدرج أباه في اللحد ..
لم أعد أتذكر سوى هاتين الومضتين .. وكأنه لم ينزل إلى الأرض يومئذٍ من نور الشمس سوى بؤرتين صغيرتين .. كتلك التي تُسلَّط على ممثل المسرح في المشاهد المعتمة .. إحداهما على ابن عمتي وهو ينتحب .. والأخرى عليَّ وأبي .. فيما كنت أُرتِّب له مضجعه المؤقت . يومذاك .. تعانقنا للمرة الأخيرة .. وافترقنا .. على وعدٍ باللقاء في عالمٍ أرحب .. وأجمل .. وأنقى ..!!
* * *