حين اقتربت من الباب داهمني صوتها .. حرك فيّ شيئاً أجهل كنهه ؛ فتسبب لي برجفة بدت ظاهرة للعيان .. دنوت بحذر لا أعرف مصدره أو أسبابه وولجت إلى البيت . باغتني حديثها المخنوق بفعل البكاء ، فوقفت من فوري أرهف السمع . تذكرت أنينها المكبوت من ليل أمس حين تسلل إلى مسامعي مخترقًا ذلك الجدار القائم بيننا ، فانتزعني من خلوتي وقذف بي أمامهما عاريًا ، عاجزًا عن فعل شيء ، سوى بعض نظرات مفجوعة ، مرعوبة ، أتابع من خلالها صراخ زوجها وسبابه المقذع.. ذلك الوجه المقيت الذي هيج فيّ رغبة للتقيؤ. لفت انتباهي انتفاخ أوداجه .. كانتا كحبتي باذنجان اكتمل نضوجهما ، تتوسطهما فجوة أثارت بي التقزز ؛ ربما بفعل الزبد المترسب على حوافها ، أو لعله الزبد المتطاير والمتساقط على وجهي ، يذكرني بتلك الحادثة يوم كنت ماراً على عجل ، بالقرب من بالوعة تتوسط الطريق .. يتراقص غطاؤها جراء ضغط الماء المتسرب من تحته شاقًا لنفسه مجرى في وسط الطريق ، وبعض الرواسب المتخثرة تحاصر الفجوة . اقتربت منها فأطلت عربة من الطرف المقابل للشارع .. لاحظت أنها مسرعة بعض الشيء ، أخذت حذري وابتعدت ما أمكن ؛ إلا أن اندفاعها حرف مسار المجرى ، فطالني من رأسي حتى أخمص قدمي ، وقفت في مكاني مصعوقًا .. رحت أنظر إلى ثيابي وأنا أتميز من الغيظ ، ثم عدت قاطباً إلى البيت، رفعت سماعة الهاتف واعتذرت عن الحضور. لا أدري لماذا داهمتني تلك الذكرى.. كدت أصرخ فيه كي يكف عن تسلطه ويعود لنفسه .. أذكره بالماضي الذي بات في نظره عاراً يلاحقه . وأمست هي خيطاً يربطه به .. أيقنت أنني في بيتي وليس من حقي التدخل في شؤونهما ، خصوصًا مع مخلوق يستمرئ الفضيحة ويتباهى بها . ـ أ أنا ابنة الكلب التي تذكره بالماضي ؟! .. قالت المرأة وأجهشت بالبكاء . ـ هوني عليك . قالت زوجتي . انغرست كلماتها في صدري .. انكفأت عليها أتلوى من الألم، محاولاً ما أمكن كتم آهاتي كي لا تشعرا بي . لحظات.. لم أدر كم هي ؟ رفعت رأسي بعدها أبحث عن الهواء الذي انحسر من حولي وسؤال يدوي بداخلي : - ما الداعي لكل ذلك .. ؟ شيء يشدني إليها ولا أعرفه ، أهو الحزن الذي يغلف وجهها ؟ أم ذلك البريق المنطفئ في عينيها ؟ لا ..، لعله التغيير الذي ألم به ، فسلخه عن ذاته حتى أضحى حديث الحي بأكمله.. أثار استياءهم بعنجهيته وغروره وكنت أنا الأوفر حظًا في تحمّل قرفه وقد جمعنا مكان عمل واحد ، يفرض علي أن أعيش صلفه وجلافته في التعامل مع الموظفين والسعاة ، حتى إن أبا أحمد الفراش فاض به الكيل وراح يفكر علنًا بالانتقال إلى مكان عمل آخر . أغرتني فكرة الرجل ، فقررت أن أحدو حدوه ، بل وصل بي الأمر أحيانًا التفكير في بيع بيتي الذي يحده . ـ إئذني لي بالانصراف قبل أن يعود ويسمعني ما لم يسمع. قالت المرأة . - فلتبق لبعض الوقت . ردت عليها زوجتي . صحوت من شرودي .. تراجعت بخفة إلى الوراء .. صفقت الباب وسعلت بشكل مفتعل كأنما وصلت للتو ، فهاجمني ذلك الوجه بلسان ممطوط يقطر سخرية وازدراء . ـ لدينا ضيوف . قالت زوجتي . لم أجبها .. صعدت الدرجات وأنا أشعر به يلاحقني .. يتبعني على الدرجات .. أرى لسانه يمر من بين قدمي ويسبقني إلى الأعلى، أسرعت الخطا .. رحت أقفز الدرجات كي لا يفوتني .. دخلت الغرفة وأقفلت الباب خلفي.. ارتميت على السرير ورحت أتنفس بعمق محاولا ضبط إيقاع أنفاسي .. كدت أنجح في ذلك ، لولا أن وجدته أمامي على الباب . عاد مرة أخرى ولا أدري كيف تمكن من اقتحام الغرفة وقد أغلقت الباب بيدي .. نظرت إلى النافذة .. كانت مغلقة.. شعرت بالخوف يسري في أوصالي .. حاولت تفادي رؤيته.. انكفأت على جنب ، فكان أمامي على الجدار.. استدرت إلى الجانب الآخر فسبقني إلى هناك .. عدت أحدق في السقف، عندها أثارني بشكل مرعب ، إذ لم يكتف بتلك الابتسامة المقيتة ولا بذلك اللسان الممطوط، كمصران اندلق من بطن جيفة متعفنة، بل راح يسيل لعابه على نحو مقزز، ليقطر في النهاية فوق رأسي قطرة..قطرة. قفزت من مكاني أتحسس جبيني المبلل .. يغشاني دوار لا أقوى على الوقوف معه .. اتكأت على الجدار فأحسست بلزوجة تحت كفي ، رددتها مذعورًا، طأطأت رأسي منهكًا ، فوجدته تحت قدمي، اندلق القيء من فمي حتى غمره ، انتفض منتشيًا ، ودوت ضحكاته في المكان .. أطبقت كفي على أذني وصحت بملء فمي : كفى ! لم أسمع لها صدى، وبدأت الأشياء تتلاشى من حولي.. تتمازج ألوانها فيطغى السواد مخلفًا فراغًا مظلمًا . فبراير 2000