القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
خرج لتوه من مركز البريد القريب منه بعد أن دفع فاتورة الكهرباء والماء وإذ بها تبكى بنبرات صوتها المرتبك الفاضح لأرقها ومعاناتها فهو أقرب بالنحيب منه إلى البكاء ...كانت هناك واقفة على مقربة من المبنى على طرف الطريق . تضع يدها على عينيها وقد أمسكت بطرف منديلها الملون كفستانها المزركش الذي أحاط بجسدها الأسمر الداكن الملتف باكتناز وطول مميز لإفريقيات جلبهن الهروب من الفقر والصراعات التى لا تنتهي في أقطار العالم الثالث ورمت بهم أحلام مستحيلة في عالم لا يرحم ولكنه أقل قهرا وأكثر أمنا من هناك حيث أقسمت الشعوب أن تبقى رهينة للبطش والتخلف والثارات على حساب تقدمها وازدهارها ؟ والاستكانة لجلادين وسماسرة يقولوا بأنهم وجدوهم فجأة يحكمون ؟؟!!! ... كان بكائها مسموعا فما كان من صاحبنا بطبعه المعتاد من الوداعة والتسامح وحب مساعدة الآخرين حيث يحس الغربة وآلامها وقسوتها فهي الشعور القوى بالشراكة التى توحد المشاعر في قلبه النابض بشوق وحنين للعودة للديار آملا في تغيير للمفاهيم الباطلة الخاطئة حيث تكاد أن تصبح تراثا أو موروثا كاذبا يحل مكان قيم الخير والحب والجمال .... وهى ما تزال تغطى وجهها خجلا من الموقف وقف أمامها وسألها ما بك يا فتاة هل من مساعدة ؟ رفعت رأسها قائلة ماذا تريد منى ! أجاب أنت تبكى وانأ أحاول تقديم المساعدة إن أمكن فكما يبدو لي أنك غريبة عن هنا في هذا البلد مثلى تماما فالتفتت إليه بعينيها الصغيرتان نسبيا وخدود وجنتيها الناعمة المنتفخة ودقة أنفها واكتناز شفتيها التى تحيط بفم صغير وبغرة منكوشة لشعرها الخشن الأسود من مقدمة منديلها ولونها الأسمر الداكن كقطع الليل حين يغيب القمر ...لقد سرقوا منى حقيبتي وليس معي ثمن عودتي للمنزل فابتسم وقال هل استطيع دفعها لك وهل يلزمك أكثر فأجابت لا وشكرته وهمت بالتحرك ولكنها سألته أين محطة المترو فقد فقدت تركيزها فأشار بإصبع يده ها هي هناك قريبة وأنا ذاهب أيضا إليها فهي محطتي الوحيدة اليومية .... وكانت ترخى سمعها إلى آخر جملة تفوه بها وفى طريقهما إلى المترو عرف بان اسمها فاطمة من الصومال وعلمت بأن اسمه بلال يسكن مجاورا للمحطة نزلا معا وذهب كل واحد في اتجاه معاكس وبإشارة من يدها ودعته ولم يرد عليها لأنه لم ينتبه ولم يتوقف كثيرا عند هذا المشهد العادي فلم يعرها أي اهتمام وقد نسى الموقف للحظة مع زحام المنتظرين وزحام أفكاره ومشاغله اليومية وهى ما تزال ترقبه على الجهة المقابلة بعينيها حتى غاب....... لم يمر أسبوع على فاطمة حتى كانت بانتظاره على مخرج محطة المترو الأرضي وقد اتكأت على شجرة مقابلة بانتظاره ويعلم الله كم من الوقت وهى على هذا الحال حتى خرج بلال مسرعا ومن خلفه يسمع صوتا ينادى باسمه فيلتفت وإذا هي فاطمة تحمل كيسا تفوح منه رائحة طعام شهى.. فقبل أن يتلفظ بأي حرف والذهول والتعجب في عينيه قالت تفضل هذا من دار أختي صنعناه سويا اليوم وتذكرتك لتشاركنا أكله فأجابها يا فاطمة ولماذا هذا الجهد فانا عملت أقل من الواجب تجاهك ..أجابت أنت ساعدتني وكنت رحيما معي فابتسم وقال إذا لنأكله سويا ما رأيك فبيتي هنا قريبا فأجابت اقتراح سليم فعرج على بقالة أسفل العمارة واشترى زجاجة كولا وقليلا من الخبز وبعض من الجبن بالبكتيريا الحلوة الذي يفضله وصعدا إلى البيت فتح باب الشقة واتجهت فاطمة فورا إلى طاولة السفرة في نهاية الصالة ووضعت ما بيدها وقالت لنفتح ورق السيل وفان معا ..انظر هل تعرف ما هذا ؟؟...فضحك من قلبه وأجابها بصوت مرتفع وفرحة في عينيه لا توصف هذه قطع السامبوسك المقلي برائحة لحم وبصل وفلفل حار شهي فقلت نعم وهو من صنعي وأختي اليوم فانا اسكن معها وقد أعلمتها بالأمر فقررت عمل ذلك خصيصا ومكافئة لك..كان السمبوسك شهيا فقد تذكره منذ سنوات خلت وتذكر الأهل والأسرة وخاصة والدته رحمها الله وعلى طاولة السفرة كان حديثها لا ينقطع أعيش مع أختي المتزوجة من بلدياتنا ومعها 3 أطفال والرابع على الطريق اعمل مربية في حضانة أطفال والحمد لله...كان وجهها نضرا هذه المرة فقد تغير إلى وضع مطمئن ناعم بسواده الداكن الجميل وبنعومته الظاهرة فلا بثور ولا تعاريج و دون شحوب كالمرة الأولى كانت تلبس فستان مزركشا وقد وضعت منديلا على رأسها تتناسق ألوانه مع فستانها...وعندما انتهيا من الغذاء شكرها على أطعم وجبة منذ زمن طويل بالنسبة له فهي أعادته إلى ذكرياته الجميلة هناك نحو الوطن والأهل والديار....ثم بدأت في غسل الصحون وترتيب المكان بينما هو انشغل في عمل القهوة وأشعل سيجارته وبانتهائها كان واقفا وهم أن يستأذن منها لأنه يجب إن يغادر إلى حيث مصالحه ففهمت ذلك من حركاته وقبل أن يطلب منها ذلك كانت واقفة تلقى عليه نظرات الاحترام الكامل له ولموقفه الشهم والمؤدب المتكرر تجاهها ..!! وهى على بوابة العمارة رمته بنظرات فيها نوع من الغرابة لم يستطع تمييزها فقد كانت مزيج وخليط من عدة أمور لم يجهد نفسه أبدا في تحليلها لاحقا.....ولكن كلمتها الأخيرة له بقولها إلى اللقاء أوقفته متفكرا في قصدها هذا.!! فالأجدر بها أن تقول مع السلامة ولكنه لم يعر كلمتها أي اهتمام ورد قائلا مع السلامة يا فاطمة وسلمى لي كثيرا على أختك وزوجها والأطفال جميعا. وافترقا بعد عدة خطوات فقد ذهب هو إلى قضاء مواعيده المسبقة قريبا في المنطقة مشيا على الأقدام وذهبت هي باتجاه العودة إلى منزل أختها...... مر وقت ليس بالقليل وبينما هو عائد متأخرا في الليل إلى مسكنه سمع خطوات تتسارع إليه من خلفه و صوتا ينادى بلال ...بلال التفت مذعورا وإذ بها فاطمة !! ماذا تفعلين هنا في وقت متأخر ؟؟وقد غادر آخر مترو إلى منطقة سكناك أجابت منذ 3 ساعات وأنا انتظرك فلم تكن في البيت فتألم وتأسف لها على الرغم من عدم معرفته بقدومها ولكنه أدب الحديث وسماحة معاملاته مع الغير فقال لها وما العمل الآن فضحكت قائلة أنا قدمت لأبيت عندك الليلة فقد تشاجرت مع زوج أختي في غيابها اليوم وهى ما تزال بعملها ولم تكن المرة الأولى !! وبدا على صوتها نبرات حزن وآسى عميقين فهي ما تزال تخفى أسرار ثقافات وعادات غريبة ومؤلمة بالرغم من كون الصومال دولة عربية مسلمة ؟؟!!!!!كما شرحتها له لاحقا........ اصطحبها من يدها حيث أحس بجسمها يرتجف بردا من خلال برودة يدها نتيجة لساعات الانتظار فقد اقتربت الساعة على الواحدة بعد منتصف الليل وقبل أن يدخلا الشقة وحدهما هذه المرة كان الشيطان قد تسلل من بينهما خلسة ليسبقهما إلى غرفة نومه !!. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.إبراهيم ياسين
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
ألفة من نوع ما د.إبراهيم ياسين . وهو في كوخه البئيس ، اعتاد أن يستلقي على ظهره ... يتأمل السقف ...هذه الأخشاب المهترئة ... يناوشها ، يشكو إليها مرارة الفقر والحاجة ، لكنه ، بعد حين استدرك ليقول : كفى من الشكوى ...أنا والكوخ ... ورفع يده عاليا ...كهذين الأصبعين ، أنا والكوخ جسد واحد ، روحان في جسد واحد ، أو جسدان فيهما روح واحدة ، أو ... لم يدر ما يقول . كان يمقت الفلسفة عن آخرها ، يحتقر هؤلاء وأولئك من الذين يجرون الأسماء والحروف والأفعال ... يمططونها ليستخرجوا منها هرطقة أو سفسطة ... أو هراء كما تعود أن يسميه ... لكنه الآن في حاجة إلى الفلسفة ، على الأقل ليحلل ويفلسف ... لم يعد معه غير المجردات ... بعد أن غادرته الماديات ، طرد من عمله ، وغادرته زوجته ، وتخلى عنه أصدقاؤه ، لم تستثن منهم الخيانة أحدا ... قرر أن يكمل طقوسه ؛ يستلقي على وجه أمه الأرض ، لا يفصله عنها فاصل ... يستمد منها الدفء ، وإن كان سطح الزليج باردا ، تبا للخيال ، ما أوسعه وما أوسع ما يدركه ... فضاء الخيال مجرة قائمة بذاتها ، بكواكبها ونجومها ... بشموسها وأقمارها ... يستبد الخيال بالفضاء بعيدا عنه ... الفضاء الذي هناك لا الذي هنا ، استعطفه ... لا جدوى ، أصر بكل ما يملك من رغبة وإرادة وتصميم ، لكن الخيال ، بقسوته الغريبة ، بفضاضته وشراسته ... أبى أن يذعن ، بقدر ما يزداد هذا إلحاحا يزداد الآخر رفضا وعنادا ... لم يكن أمامه من خيار ... العالم في نظره عالمان : عالم المثاليات ، المجردات ... باختصار عالم الخيال باتساعه ... بموجوداته التي لا تنتهي ... بسخائه الذي لا يعرف حدودا ... في عالم الخيال ، هو سيد الزمان والمكان ، فضاء الخيال ، مساحته ، طوله ، عرضه ... كلها طوع أمره . الماديات ، العالم الآخر ، أو هو النصف الآخر للعالم الذي يستمتع فيه بالدقيقة والثانية ... هذا العالم ، فضاء مظلم ، ضيق ...لا يتجاوز كوخه المعتوه ... هذا الفضاء القابع فوق سطح ضيق من الأرض ، وفي بادية من البوادي النائية ، القاسية ، الشرسة ... بمساحة تتجاوز بالكاد قبر الجندي المجهول ... أربعة جدران تحده من الجهات الأربعة ... وسقف أليف ، يخترقه ببصره وبصيرته ، يعانقه ، ولو عن بعد ، وسطح ، يقبع تحته ، يحمل عنه جسده النحيل ، بكيلوغراماته الباهتة ... بجسمه الخيطي الأنيق ... بقلبه النابض نوعا ما . الرفاق : كرسي مهتريء ، وسرير ورقي ... والباقي جسمه النحيل ، جسده الذي لا يملأ من فضاء الغرفة إلا ما يملأه جسد أبي الطيب المتنبي وهو يشكو هزاله ونحافته : كفى بي نحولا أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني كان يتذكر هذا البيت ، ينشده بصوته الأجش ، كلما نظر في وجه المرآة ، هذه الرفيقة التي عدا عليها الزمن ، فأحدث في جبهتها خدوشا ... وشقوقا ، يظهر من خلالها الوجه الواحد أوجها ، كلما ألقى بصره تذكر أبا الطيب ، ويحزنه أن أبا الطيب وجد من يخاطبه ، من يدرك وجوده ولو من خلال الصوت ... أما هو فلم يكن يجد من يراه أو يسمعه أو حتى يبصق في وجهه ... الطقوس طقوس ، لابد أن يمارس عادته ، يستلقي على الأرض ، يغلق عينيه ... ينتظر ... هكذا دأب أن يفعل منذ سنين ... يستلهم ... قطرات هنا ، وقطرات هناك ... يجهد نفسه ، يسلكها حبة حبة ... وبتأن جميل وصبر عليل ، يصوغها قصيدة ، يخطها بيمينه ... يلقي بها في الظرف ، يرسلها إلى ملحق ثقافي بئيس في جريدة أبأس ... ينتظر أن تنشر . وبعد أسبوع ... أو شهرين ، يجد قصيدته وعليها اسمه وصورته ، وعلى صفحة من الصفحات التي لا يقرأها أحد ... وهكذا وبعد أن يتصفحها يفرشها على الأرض ... ومع مرور الوقت تشكلت ... صارت تلا فاتخذه سريرا... أما ما كان ينتظره ؛ من تعويض أو جائزة أو تقدير على الأقل ... فتلك أمور من نصيب أولئك الذين يحسنون أن يستقبلوا ... وينحنوا للسيد الرئيس ... وبعد أخذ ورد بينه وبين نفسه ـ طبعا ـ أدرك نعمة أن يكون عموده الفقري متخشبا متصلبا ... لا يعرف الانحناء ... فألفة ما ... خير من ذلة ما .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سعد رفعت راجح
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
|
قصص خيال علمى (1) |
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر حمّش
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
عفريتُ الفضّة عمر حمّش قصة قصيرة 1-2-2008 قبيلَ العيدِ! شمسُ المخيمِ تملؤها الكآبة! واليهودُ طيروا في العيون ِصفيرَ الزنانة! الصفيرُ لا ينام! لا بيعَ في السوقِ، لا شراء! فقط عواء! * * * * * فيروزُ نادت: يا قدسُ! تعبت فيروزُ! وتعبنا نحنُ! تعبت العربُ! للقدسِ سلامٌ! فتاة ٌتمرُّ، رُغمَ الحزنِ، صدرُها هاجَ، فشقَّ القماشَ! وانتفضَ منه ديكانِ ينقران! وجاءَ الأولاد! الأولادُ في السوقِ شرٌّ مستطير! صدحت فيروزُ: - آت آت. فماجت السماءُ، وتزودت بحوت! يصكّ أنيابا من حديد! - آت آت فصرخت السماء، ثمّ انسدت! عينُ الشمسِ استكانت كالذبيحة! جرت الناسُ! و أبواق السيارات! جرى الترابُ، والحجارةُ! واحتارت بقايا عصافير! الهواءُ غادره الأكسجينَ ، وفرَّ منه ما تبقى من رحيق! نحر الحوتُ عينَ الشمسِ! ألقاها في البعيد! احتضرت فيروزُ ! وهوى المخيمُ ! وحباتُ البرتقالِ من أيادي الأولادِ كانت تطير! تناثر السوقُ في لحظةٍ! مثلَ أوراقِ الخريف! * * * * * تمطّى الحوتُ، ثمّ استقام ! وجاء الصاروخ! بلونِ الفضّةِ جاءَ، يتلوى، مثل أفعى راقصة! ارتجّت الأرجاءُ، واحتشدَ الخلقُ! أنا انخرطتُ في التدفقِ المجنون! في المسيرةِ الهائجة! رفعتُ اليد، وهزجتُ مع الجموعِ الهازجة: شدي حيلك يا بلد من شيخك حتى الولد شدي حي يلك الليل اشتد وجدّ الجدّ وما في عتمة للأبد! * * * * * تزاحمتُ حتى شعلةِ النارِ، التي كانت تعاندُ ماء الخراطيم! وهواءٌ طرأَ، فنشرَ رائحةَ الشواء إلى البعيد! طوقنا النارَ، حتى انحسرت، فانكشفتْ العربةُ، كومةَ حديد! سوداءَ ممضوغةً، وأبوابُها ملقاةٌ ممزقة! كانت عيونُ الناسِ تائهة تنزفُ على رأسينِ متباعدين! على اللحمِ المقطعِ في الطريق! شعري تصلب، وجسدي خفّ، صرت ريشةً تهتزُّ لرأس امرأة، احترق فيه الشعرُ ، وكان الرأسُ بلا عينين! * * * * * أنا في داخلي هاجَ نَمِرٌ! ماج بحرُ! طرت! أكلت من عينيِّ الحوتِ، وما شبعت! شربتُ دَمَهُ، وما ارتويت! وبين أسناني جأرَ، وهمدَ، وما بردت! كان الرجال يجمعون فتاتَ اللّحمِ في كيسين! هذه أصبعُ! وهذا ضرسٌ! تلك القدمُ! وتلك اليدُ! لمن العينُ! صاح صائحُ: ؟ احتاروا في تصنيفِ الأعضاء - لا تجمعوا بين الأعضاء! ولهث الصائحُ - المرأة جارته!! - صعدت معه لتشتري حوائج َكعكِ العيد! وسمعتُ امرأةً تصيح: - أختي!! التفتُ للصوتِ، وإذ بفتاةِ السوقِ صاحبةِ الصدرِ، تترنحُ ممتقعةً بلا صدرٍ! هوتْ الفتاةُ! أنا ريشةٌ بين الناسِ تهتزُّ! لم يتبقَ لعينيَّّ نورٌ، وساقايَّ كبوصتينِ مشروختينِ، لم تحملانِي!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد نصار
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
اللعنة .. أين المفتاح ؟ زمجر محتداً ، ثم أخرج إحدى يديه من جيب بنطاله ممسكة به، دسه في الثقب بأصابع مرتعشة وأداره دورتين ؛ فاستجاب الباب لدفعته .. صفقه خلفه وتهاوى على مقعد قريب يقطر جبينه عرقاً رغم برودة الطقس وتلاحقه ذكرى يوم عمل شاق أعادت الكدر إلى نفسه ، فأشعلت به سخطاً دفعه لأن يركل المقعد المقابل بحدة أسقطته أرضاً ؛ فأحدث ضجة أفزعت القط القابع في الركن المقابل ، ففرّ على إثرها هارباً صوب الشرفة . حدق فيه مفجوعاً بعدما كان قد نسيه في زحمة الأفكار التي تتصارع في رأسه ، وتساءل مستفسراً : لماذا لم يأت للتمسح بي مثلما يفعل كل يوم ؟ .. هل يشعر بسوء؟ أم له موقف مني هو الآخر ؟ ؛ لعله استشعر ما بي من سخط ، فآثر أن يظل صامتاً .. اللعنة ! أي أحمق أنا؟! كيف لم ألتفت إلى وجوده ..؟ أ إلى هذا الحد بتُ أنانياً ؟ كيف أنساه وهو ينتظر مجيئي منذ الصباح ؟ عليّ أن أصالحه ، فلابد أنه جائع.. أنا كذلك أشعر بالجوع . وقف متحاملاً على نفسه .. اتجه صوب المطبخ .. فتح البرَّاد .. ألقى نظرة على محتوياته .. تذكر الديك الذي اشتراه بالأمس ، كان قد أعده ليولم عليه عددا من الأصدقاء، لكنهم لم يأتوا لأسباب يجهلها ، فقرر أن يتقاسمه مع القط !. أخرجه بتشفٍ واضح .. وضعه على الموقد ، ثم ذهب لإعداد المائدة ، فشكلت الروائح المتصاعدة من المطبخ ، دعوة صريحة للقط ، لكي يتوجه إلى هناك ، دنا منه وراح يتمسح بقدميه، فوضع أمامه طبقاً يطفح بقطع اللحم ، ثم جلس في مكانه المعتاد من المائدة .. ارتشف من طبق الحساء بضع رشفات ، ثم دس في فمه قطعة لحم ، لاكها مرات متتالية ؛ فأبت أن تستجيب لأضراسه .. بصقها في الوعاء بتقزز ، ثم حمله وأسرع خارجاً صوب الفناء الخلفي للبيت . تبعه القط إلى هناك .. نظر إلى الوعاء .. تشممه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وأصدر مواء أقبلت على إثره قطط الجيران ملبية. تراجع إلى الوراء وراح ينظر إليها بشعور من الرضى ولسان حاله يقول : أنتم أحق بالوليمة من أولئك الأفاقين . عادت حبات العرق تتجمع فوق جبينه مرة أخرى ، يصاحبها انقباض في الصدر ورغبة في التقيؤ تراجع جراءها بخطا مترنحة نحو الأريكة .. استلقى عليها مسترخياً يراقب انكسار الظل على الجدار المقابل للنافذة وطلائع العتمة الزاحفة مع بدايات الغروب ..حاول أن ينهض لإشعال النور؛ فأحس بقواه تخونه .. نظر إلى ساعته ، فأشارت إلى السادسة وبضع دقائق .. همس محدثاً نفسه : سيأتون بعد قليل . خيم الظلام على الصالة .. كسا الأشياء من حوله عدا ذلك البريق الآتي من عيني القط القابع في الركن المقابل .. ينساب إلى أعماقه حاملاً معه ذكرى من طفولته البعيدة ، لم يكن يومها قد تجاوز الخامسة من عمره ، كان عائداً بصحبة أبيه من فرح لأحد الأقارب .. يسير إلى جواره ممسكاً بطرف قمبازه .. زقاق في حي من أحياء بغداد تنبعث منه رائحة عطنة، ونباح كلب يأتي من مكان بعيد يثير الخوف بداخله فترتعش أطرافه و يلتصق بأبيه .. ـ الرجال لا يخافون العتمة ..! " ينهره الأب قائلاً " تفلت صرخة من فمه .. يتشنج على آثارها متشبثاً بأبيه وعيناه لا تبرحان ذلك البريق الآتي من ركن في الزقاق . ـ ألم تر قطاً في حياتك ؟ " صاح الأب مستهجناً " .. ارتسمت على شفتيه ابتسامة سرعان ما خبت تحت دفقة الحنين التي تفجرت بداخله لذكرى الأيام الخالية .. طاف معها في مراحل العمر الأولى .. بغداد بشوارعها .. أزقتها .. مدارسها ومدن أخرى جابها .. لندن .. تونس وأخيراً غزة ، محطات سريعة تشبه احتساء فنجان قهوة على كافتيريا في محطة قطار . يا إلهي كم هي قصيرة هذه الحياة !! همس مفجوعاً ، ثم نظر إلى ساعته مرة أخرى ، فلم يتبين عقاربها .. ضغط على زر الإضاءة الصغير بجانبها الأيمن فأشارت إلى السابعة والنصف.. تساءل ضجراً : لماذا تأخروا ..؟ قد لا يأتون . - لا ..هاهم قادمون .. اسمع وقع أقدامهم في الخارج. - .. ها هو ابن عربي .. هاهي رابعة العدوية .. و.. - أين البقية …؟ لماذا لم يأت باقي الرفاق .. ؟ لماذا يبدوان واجمين على هذا النحو.. ؟ - يبدو أن في الأمر شيئاً ؟ حاول أن يهب للقائهما كالمعتاد ، فأعجزه ثقل يرزح على صدره .. اكتفى بالابتسام وأشار لهما بالجلوس إلى جواره فقبعا في الركن المقابل ، الأمر الذي أثار استهجانه ودفعه لأن يظل محدقاً بهما ؛ فأغفلا وجوده وراحا يتهامسان لبرهة من الوقت ، أخذا ينظران إليه بعدها نظرة ترقب وانتظار أثارت الفزع في نفسه، فكر أن يسألهما عن الرفاق الذين لم يأتوا ، ويبادرهما بالكلام، لكن شيئاً من هذا لم يحدث ، بل زاد الأمر تعقيداً حين انسحبت رابعة من المكان مطأطئة رأسها .. توقفت عند الباب للحظة ، ونظرت إليه بعين منكسرة واختفت . ظل بصره منصباً على تلك الجهة ، أملاً في عودتها ، لكنه بعد فترة تذكر أن هناك من يشاركه الغرفة ، نظر باتجاهه فكست شفتيه ابتسامة فجرها منظر القط المتمرغ في حجر ابن عربي وقد استهوته الأنامل التي تعبث في فروته . أصاخ السمع لطنين آخذ في الزحف من مكان بعيد .. راح يعلو شيئاً فشيئاً مجبراً الأبصار على التحديق إلى الأعلى صوب الجهة الآتي من قبلها ، شدته بؤرة ضوء هناك .. حاول أن يلتفت إليه ليرى ردة فعله تجاه ما يحدث حوله .. مسه شئ داخل ذلك الشعاع اللامتناهي وأجبره على مواصلة التحديق. هالات ضوئية ذات أشكال وأحجام متعددة ، تزحف نحوه.. تدنو منه .. يزداد الطنين قوة ويغمر الأشياء من حوله.. يتهاوى في بؤرة الضوء .. تسكره روائح شذية .. يشعر بالخدر يسرى في عروقه .. يستسلم للنشوة .. تحاصره الأشكال الغريبة .. تتهامس فيما بينها .. تدنو أكثر.. تلامس جسده .. تغوص فيه .. يشعر بها تتسلل إلى أعماقه .. تدور الهمهمات من حوله .. شيء يخرج من داخله .. يومض فيضيء المكان .. تتلقفه الأشكال .. تصعد به عبر ذلك الشعاع .. يحاول اللحاق بها .. فتصده لمسة انكفأ معها على وجهه . يحاصره فراغ مهول أفقد حواسه القدرة على التعامل مع الأشياء أو فهمها . سرعان ما انحسر متراجعاً ، لحظة أن عاد الشعاع مكوناً بؤرة ضوء جديدة ، يقبع في مركزها .. يحاصره طنين الأشكال وهمهماتها تغوص بداخله مرة أخرى.. تعيد له بعضاً من حواسه، ثم تنسحب لتقف على مقربة منه دون أن يزعجها ذلك الضجيج، الآتي من قبل الباب ولا الاندفاع الذي تلاه بفعل عدد من الأشخاص، استطاع أن يميز من بينهم أصوات ثلة من رفاق العمل.. بكاء أحدهم مترحماً . هزته المفاجأة .. همس مستسلماً : إنه الموت إذن. أثارته عبارات البعض .. أنفاسهم حين انحنوا لحمله، إلى العربة الواقفة عند الباب .. أحس ببرودة كف مرت فوق جفنيه لتسبلهما . صاح صاحب الكف متحشرجاً : - أقسم بأنه ابتسم لمشاهدتي ؟! أمّن على قول الرجل دون أن يشعر به أحدٌ . أسلم الجسد للشيخ الذي راح يهيئه للكفن داخل غرفة الموتى .. تدافعت الحشود مودعه .. تبعته إلى المقبرة .. كان ينظر إليها من على عربة المدفع وبه رغبة لأن يبصق على بعضها .. تحوم من حوله الأشكال وصور من شوارع بغداد.. مقاهي لندن .. شاطئ غزة ، وعند باب القبر كان في انتظاره ابن عربي وبقية الرفاق .. أكتوبر 1999