قالت ندى وهي ترى أمها تذرف الدمعات بغزارة:
ـ لم ذبحوه يا أمي؟
نكست الشمس عينيها البديعتين.. تحول لون وجنتيها الوردي البهي إلى دم قان.. صرخ الخجل في مقلتيها.. والبدر..بدا كرة سوداء قاتمة.
قال أبوها :
ـ الأبطال يا ابنتي يعدمون كل فجر. وتأهب للرحيل، كانت هي صغيرة جدا. آنذاك لمحت الذعر في عيني أمها وهي تتوسل إلىأبيها ألا ينخرط في خلية المقاومين..
صرخ الوالد في وجه زوجته بقسوة مجنونة متهما إياها بالجبن لكنها دافعت عن نفسها بقولة مأثورة في أيام حالكة "من خاف سلم" ، استشاط الرجل غيظا : الظلم و الطغيان من خوفنا وضعفنا يتغذى . هدأ وهو يلمح الخوف في عيني ابنته الصغيرة أمل، اقترب منها واحتضنها بقوة ثم ودعها بكلمات لن تنساها أبدا:
ـ إياك والجبن يا ابنتي.. إياك والذل.. يموت الحر منتصبا ولا ينحني أبدا..بعد ذلك حمل بندقيته وغادر دون أن يودع الأم.. ولم تره أمل من يومها. لما كبرت فهمت أن أباها استشهد وهو يدافع عن كرامة بلده.
يرهقها التذكر.. ماذا تقول لندى الآن؟ يباغتها السؤال وهي تغرق في أحزانها "لم ذبحوه يا أمي؟!" أتقول الشجاعة ذُبحت.. هل تحدثها عن مساء حزين وليلة طافحة بالكوابيس.. وعن حلكة فجر دام؟ وتكشف لها مرارة الظلم وبشاعة الصمت؟
قالوا له اركع! فقال لن أركع! بدا الفزع في عيون غادرة عاودت المحاولة : اختر بين الذهب والياقوت أو الموت. لمع
شعاع ابتسامة هادئة في عينين تفيضان حبا وشجاعة: اخترت وطني، حبة رمل من تراب بلدي أغلى عندي من كل مغرياتكم! حاكموه .. خيم صمت رهيب واتنظار ممض. عزلوه عن الناس والعالم وعن محبيه هتف وطني من أجلك أموت.. لا يرهبني الرحيل لكن فراقك يدمي قلبي! أخاف على أطفالك من الجهل والجوع..وعلى حضارة الرافدين العريقة من الاندثار .. لا أخشى الجلاد لأنه جبان، لكني أرتجف على خيراتك أن تمتد لها أياد آثمة وعلى أولادك أن يجزعوا أو يخضعوا ، فتدوس أرضك حوافر صهيون وأتباعه.. فلتذكرني ياوطني إن تنكر لي زمني.ذبحوه فانتصبت العزة ،صرخت الكرامة ، ناحت المحبة والشجاعة. أدمى رحيله قلوبا شُجاعة بكته بحرقة هتفت لا للظلم لعنت الطغيان والخنوع والصمت بصوت عال، ثم عادت وهزجت: صدام لم يرحل هو بيننا وفينا يعيش!
بعد أيام قال الأطفال زارنا في المدارس..حاورنا.حول العلم وحب الأوطان. باحت النساء رأيناه في البيوت يحمل أرغفة ساخنة للأطفال..اعترف الشباب والشيوخ: بدا شاحبا، يملؤه الحزن وهو يرى متاحف العراق مقفرة وينابيع دماء تسيل في شوارعها.. قال أكثرنا نموت نموت ويحيا الوطن
اخترت وطني
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5