بدت بهية وفي عينيها بريق حب لم تهلكه سنوات العمر الكثيرة...
هناك ... في زاوية نائية من بؤرة عينها ترقد فتاة كانت هي يوما ، تنصت كما كنا ننصت لحديثها الذي يأخذها ووحدي، أرقب أخذه لها إلى زمن استحضرته ذاكرتها بكل ما يعتريها من شوق إليه.
" كان جنديا في الجيش عندما اندلعت الحرب "
" جاء يوما خلسة وطلب مني أن أعود إلى بيت أهلي لخوفه على مصيري هنا وحدي"
" غاب كثيرا ... وبدأت أصدق ، أنه استشهد"
" نذرت ألا أبدل ملابسي إلى أن أعرف حقيقة ما آل إليه"
أخفضت رأسها إذ بدأت تتحدث عن خوف سكنها واستباح ليال كثيرة من عمرها فضتها منتظرة بقلب ينفطر جزعا من غد قد لا يأتيها عبقا برائحته.
"قالوا لي بعدها أنه حيا يرزق... فطلبت منهم أن يأخذوني إليه"
شعرت بشهقتها وكأنها تسمع خبر نجاته للتو ... وقد برقت عيناها أكثر وتوردت وجنتاها... بينما الفتاة الكانت ترقد في زاوية بؤرة عينها ، أخذت ترقص !!
" نقلتنا الحافلة ... إلى الضفة الأخرى وقد استنزفت يوما كاملا لكثرة التوقفات ونقاط التفتيش ... وبعد العبور، صعد جندي، جلس أمامي وقد بدا وكأنه يبحث عن أحدهم... شعرت بشيء يحثني لأن أسأله عمن يبحث، وما إن لمست كتفه حتى التفت إلي... صرخ، وصرخت حينها ، وعلى الملأ وأمام كل النازحين أوسعته قبلا وأغرقني عناقا ، معللا أني أخته وموضحة أنه زوجي !!"

يقدر الحب على الانبعاث ولكن لا يجرؤ على الظهور!!

اشتعل بعدها وجهها حمرة، صمتنا لقدسية القطرات المنسكبة على الوجنتين بينما الفتاة في زاوية بؤرة العين تتابع الرقص بإيقاع متصاعد حدا أرهقها ما يكفي لتنكمش على ذاتها وتغيب..