القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
قصة قصيرة أمسك بساعة المنبه تأكد بأنه وضعها في تمام السابعة صباحا.. وبنفس يديه أطفأ المنبه على السابعة إلا ربع نهض من سريره فأحس بشيء حار كالشطة يحرق عينيه لكنه فطن بأنه لم يغمضهما طوال الليل... في غضون دقائق كان يرتشف فنجانا من القهوة وقد أشعل سيجارته الأخيرة..!!وخرج وما تزال زوجته تغط في النوم... في المكان المعتاد للقاء كان ينتظر حضورها بفارغ الصبر جاءت فرحة متهللة بالنبأ العظيم..!! وقبل أن تجلس أخبرته عن انتظار المولود الأول..دخل معها في سجال عقيم...أفاق على نفسه في العناية المركزة سمع الممرضة تهمس إلى زوجته بأنها جلطة دماغية نتيجة انهيار عصبي حاد لقد جاؤوا به محمولا من مكان ليس ببعيد..انه هناك حيث مقهى السعادة ..غاب هو بوعيه من جديد وغادرت زوجته على عجالة إلى حيث مكان الحادثة وهناك استدلت من صاحبة المقهى على حكاية زواجهما العرفي وحملها منه فضحكت بشكل هستيري وبحركة لا إرادية تحسست تقرير طبي نهائي في حقيبتها منذ أسبوع...!!! عندما أفاق من غيبوبته لثواني أخيرة لم تكن زوجته بجانبه اتصل بالمنزل فلم يجبه أحد كرر الاتصال ثانية ردت عليه الخادمة بان سيدتها في منزل أمها وقد أفرغت الدولاب وما على التسريحة...... وآخر حقيبة لحاجياتك ومتاعك قد أوصلناها إلى المقهى...أي مقهى ؟ ردت عليه إلى مقهى السعادة ... حضرت الممرضة مسرعة على صوت انذر جهاز المراقبة فوجدته قد غاب عن وعيه من جديد وما يزال ممسكا بسماعة التليفون التى التحمت مع قبضة يده ! حضر الطبيب لينتزع عنه جميع الأسلاك وكيس المحلول وأغمض عينيه. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالعالي بن علال أبوجليل
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
شبهات
انبطح قدور على الحصير بعدما خلع حذائه البلاستيكي بصعوبة . وضع رأسه على الوسادة ، بين الفينة والأخرى يحكها بأنامله النحيفة ليتطاير منها هباء رقيق من كثرة حمل أكياس الطحين على كتفيه ، لايهم ، فهو لا يريد سوى قليل من القيلولة . الأطفال يتصايحون ويتشاجرون على فتات خبز بارد ، نصف عراة ، برازهم يزركش باحة الكوخ الصغير الذي يلمهم جميعا. زوجته تغسل الثياب ، لم تستطع أن تصمد أمام صراخ رضيعها الصغير الذي ينقصه الحليب ، انه جائع . نفضت يديها من الصابون ، وهرعت إلى زوجها لتزعق فوق رأسه׃
־״ قم لتجلب الحليب إلى رضيعك أيها الكسول ، انك لاتشبع من الشخير ، لا فائدة ترجى منك ، قم بسرعة ، ألا تسمع ، انك شبه الحمار״ .
ثم قالت مستدركة ׃
־ ״ لو كنت كذلك لركبناك وأرحتنا .״
وزادت تأنبه ׃
־ ״ ليس لك من الرجولة سوى هذه اللحية العريضة الكثيفة״.
نهض قدور مرعوبا بسرعة ، ملطفا الجو بكلمات يشوبها الحزن والمرارة׃
־ ״ ماذا أفعل يا زوجتي ، لقد جبت المدينة عرضا وطولا ولم أجد من يشغلني״ .
هرول الى الخارج يجرجر حدائه البلاستيكي وشتائم زوجته تتساقط علي دماغه كشظايا قذيفة . رمت بالقفة على قفاه ، تلقفها بذراعه ، صائحة فيه׃
־״ تفو …! عليك يا منحوس…! إياك أن ترجع بها فارغة…״
لفظه الباب ، وأخذ يغمغم في سره بسخرية وتهكم ׃
־״ نعم يا زوجتي ، أنا شبيه الحمار ، لو لم أكن كذلك لكان معي مال كثير ، وأصبحت عليك شهريارا ، لتزوجت عليك ألف امرأة وامرأة ، لكن ماذا أفعل أمام جبروت الفقر ״ .
ثم انطلق إلى أقرب نقطة ليركب حافلة النقل إلى مدينة القنيطرة القريبة جدا من مدينة سيدي يحيى عله يجد من يشغله هناك ، إنها عريضة وكبيرة .
بعدما ابتلعته الحافلة مع بعض الركاب القلائل ، جلس على أقرب كرسي ووضع القفة بين رجليه . شعر قدور برجل بدين بجانبه يشاركه السفر ، يظهر عليه أنه من أهل النعمة ، له لحية عريضة وكثيفة هو أيضا . إلا أنها مشذبة بعناية ، تفوح منها رائحة المسك وسبحة في يده اليمنى يحركها بسرعة ، تململ وتنحنح ليشارك قدور الحديث ، ثم تجشأ بصوت مسموع ، قائلا׃
־ ״ الله يلعنك يا دجاج ، لقد أصبتني بحريق التخمة״
تقزز قدور من هذه الفرقعة التي خرجت من صدر هذا الرجل البدين. تذكر الأكلة الشهية التي حرمته منها زوجته وهي عبارة عن خبز بارد اشتراه بالكيلو من دكان الخرداوات وقسمته إلى جزيئات مهشمة ، وصبت عليه ايدام الشحم المجفف تحت أشعة الشمس منذ عيد الأضحى ، مزجته بالحلبة والبصل . لمزه الرجل البدين بكتفه العريض قائلا׃
־ ״ إلى أين أنت متجه يا أخي في الله؟ ״.
فأجابه قدور بفتور׃
־ ״ إلى أن تتوقف هذه الحافلة إن شاء الله״
وتابع الرجل البدين قائلا׃
־ ״ ليتك تذهب معنا يا أخي في الله ، سيأتي أحد أمرائنا ليحدثنا عن الجنة والنار ، وأهوال القبر ، انه خطيب بارع لا يشق له غبار״ .
لكن قدور لم ينتبه له وظل جاحظا بعينيه إلى القفة الفارغة بين رجليه والويل له من زوجته إن رجع بها فارغة ، لمزه الرجل البدين مرة أخرى حتى تمايل قائلا له׃
־ ״ لاشك أنك كنت معنا يوم أمس ، يا أخي في الله ، حينما ذهبنا إلى شاطئ المهدية ، لقد أدينا هناك صلاة العصر جمعا وقصرا ، واستمتعنا بنسيم البحر ، لقد كان الجو لطيفا ، كما قمنا بإرشاد بعض المارقين هداهم الله ، وطالبنا بمصطاف خاصا بنا . أراد قدور أن يجيبه في سره دون أن يسمعه׃
־ ״ وغدا ستناضلون من أجل ترخيص قاعات سينما خاصة بكم״
لكن هذه الجملة انفلتت من قدور جهرا دون إرادته . توترت أعصاب الرجل البدين من جواب قدور . فبدأ يتعوذ ويحوقل بانفعال ويهذي قائلا ׃
־ ״ انه مروق…! إنها زندقة …! انه كف.ف.ف …ر …! ״ .
ثم وضع رأسه على زجاج النافذة بعدما أدخل سبحته في جيبه بعصبية . بدأت شفتيه تتململ ببطء في صمت كأنه يتلو الشهادتين عند خروج الروح .
فجأة توقفت الحافلة ، ظهر من بابها الامامي رجل الامن ، متجهم الوجه ، يمسح بعينيه اليقظتين وجوه الركاب التي بقيت جاحظة كأن على رؤوسهم الطير . تقدم فورا الى قدور وسأله بعدما طلب منه بطاقة تعريفه ׃
־ ״ هل أنت متزوج ؟ ״ .
־״نعم ياسيدي ، لي ثمانية أولاد ، زائد الرضيع الصغير ، وأمهم ، وحماتي أم المشاكل وكلبنا ‹ دراج › . أما أنا فلا تحصيني لأنني غير موجود غالبا״ .
־ ״ هل أنت أصولي ؟ ״ .
־״ لا يا سيدي ، فأنا خصوصي״ .
־״ ولكن الاصولية تعرفك بهذه اللحية العريضة الكثيفة ״
־ ״ عفوا سيدي ، لم أجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
־ ״ لا تستهزئ مني يا ابن الك …! ״ .
فزاده ناهرا ׃
־ ״ أين تسكن؟ ״ .
־ ״ في حي الانهضة״
־ ״ هيا انهض واتبعني״ .
ثم قبض عليه من معطفه ليجرجره بحدائه البلاستيكي ، والقفة الفارغة يطوح بها في الهواء ، ماسكا عليها بقبضته الى أسفل الحافلة . قال رجل الامن لزملائه ׃
־ ״ أتدرون ما قاله هذا الابله أو هذا الذي يريد أن يكون علينا أبلها؟ ، لم يجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
قال كبيرهم ، بعدما هدأت بطونهم المتكورة من الاهتزاز من كثرة الضحك على هذه النكتة ׃
־ ״ تعالى نحلق لك وجهك مجانا ״ .
فارتموا عليه يلفون دراعيه الى الخلف ، ويضغطون على رأسه ، استل كبيرهم ملقاطا من جرابه خصيصا لهذه المهمة .ثم بدأ يطقطقه بيديه مقتربا به الى لحيته ليضع في القفة الفارغة وقدور يصيح ويستغيث .
عبدالعالي بن علال أبوجليل
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالعالي بن علال أبوجليل
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
شبهات
انبطح قدور على الحصير بعدما خلع حذائه البلاستيكي بصعوبة . وضع رأسه على الوسادة ، بين الفينة والأخرى يحكها بأنامله النحيفة ليتطاير منها هباء رقيق من كثرة حمل أكياس الطحين على كتفيه ، لايهم ، فهو لا يريد سوى قليل من القيلولة . الأطفال يتصايحون ويتشاجرون على فتات خبز بارد ، نصف عراة ، برازهم يزركش باحة الكوخ الصغير الذي يلمهم جميعا. زوجته تغسل الثياب ، لم تستطع أن تصمد أمام صراخ رضيعها الصغير الذي ينقصه الحليب ، انه جائع . نفضت يديها من الصابون ، وهرعت إلى زوجها لتزعق فوق رأسه׃
־״ قم لتجلب الحليب إلى رضيعك أيها الكسول ، انك لاتشبع من الشخير ، لا فائدة ترجى منك ، قم بسرعة ، ألا تسمع ، انك شبه الحمار״ .
ثم قالت مستدركة ׃
־ ״ لو كنت كذلك لركبناك وأرحتنا .״
وزادت تأنبه ׃
־ ״ ليس لك من الرجولة سوى هذه اللحية العريضة الكثيفة״.
نهض قدور مرعوبا بسرعة ، ملطفا الجو بكلمات يشوبها الحزن والمرارة׃
־ ״ ماذا أفعل يا زوجتي ، لقد جبت المدينة عرضا وطولا ولم أجد من يشغلني״ .
هرول الى الخارج يجرجر حدائه البلاستيكي وشتائم زوجته تتساقط علي دماغه كشظايا قذيفة . رمت بالقفة على قفاه ، تلقفها بذراعه ، صائحة فيه׃
־״ تفو …! عليك يا منحوس…! إياك أن ترجع بها فارغة…״
لفظه الباب ، وأخذ يغمغم في سره بسخرية وتهكم ׃
־״ نعم يا زوجتي ، أنا شبيه الحمار ، لو لم أكن كذلك لكان معي مال كثير ، وأصبحت عليك شهريارا ، لتزوجت عليك ألف امرأة وامرأة ، لكن ماذا أفعل أمام جبروت الفقر ״ .
ثم انطلق إلى أقرب نقطة ليركب حافلة النقل إلى مدينة القنيطرة القريبة جدا من مدينة سيدي يحيى عله يجد من يشغله هناك ، إنها عريضة وكبيرة .
بعدما ابتلعته الحافلة مع بعض الركاب القلائل ، جلس على أقرب كرسي ووضع القفة بين رجليه . شعر قدور برجل بدين بجانبه يشاركه السفر ، يظهر عليه أنه من أهل النعمة ، له لحية عريضة وكثيفة هو أيضا . إلا أنها مشذبة بعناية ، تفوح منها رائحة المسك وسبحة في يده اليمنى يحركها بسرعة ، تململ وتنحنح ليشارك قدور الحديث ، ثم تجشأ بصوت مسموع ، قائلا׃
־ ״ الله يلعنك يا دجاج ، لقد أصبتني بحريق التخمة״
تقزز قدور من هذه الفرقعة التي خرجت من صدر هذا الرجل البدين. تذكر الأكلة الشهية التي حرمته منها زوجته وهي عبارة عن خبز بارد اشتراه بالكيلو من دكان الخرداوات وقسمته إلى جزيئات مهشمة ، وصبت عليه ايدام الشحم المجفف تحت أشعة الشمس منذ عيد الأضحى ، مزجته بالحلبة والبصل . لمزه الرجل البدين بكتفه العريض قائلا׃
־ ״ إلى أين أنت متجه يا أخي في الله؟ ״.
فأجابه قدور بفتور׃
־ ״ إلى أن تتوقف هذه الحافلة إن شاء الله״
وتابع الرجل البدين قائلا׃
־ ״ ليتك تذهب معنا يا أخي في الله ، سيأتي أحد أمرائنا ليحدثنا عن الجنة والنار ، وأهوال القبر ، انه خطيب بارع لا يشق له غبار״ .
لكن قدور لم ينتبه له وظل جاحظا بعينيه إلى القفة الفارغة بين رجليه والويل له من زوجته إن رجع بها فارغة ، لمزه الرجل البدين مرة أخرى حتى تمايل قائلا له׃
־ ״ لاشك أنك كنت معنا يوم أمس ، يا أخي في الله ، حينما ذهبنا إلى شاطئ المهدية ، لقد أدينا هناك صلاة العصر جمعا وقصرا ، واستمتعنا بنسيم البحر ، لقد كان الجو لطيفا ، كما قمنا بإرشاد بعض المارقين هداهم الله ، وطالبنا بمصطاف خاصا بنا . أراد قدور أن يجيبه في سره دون أن يسمعه׃
־ ״ وغدا ستناضلون من أجل ترخيص قاعات سينما خاصة بكم״
لكن هذه الجملة انفلتت من قدور جهرا دون إرادته . توترت أعصاب الرجل البدين من جواب قدور . فبدأ يتعوذ ويحوقل بانفعال ويهذي قائلا ׃
־ ״ انه مروق…! إنها زندقة …! انه كف.ف.ف …ر …! ״ .
ثم وضع رأسه على زجاج النافذة بعدما أدخل سبحته في جيبه بعصبية . بدأت شفتيه تتململ ببطء في صمت كأنه يتلو الشهادتين عند خروج الروح .
فجأة توقفت الحافلة ، ظهر من بابها الامامي رجل الامن ، متجهم الوجه ، يمسح بعينيه اليقظتين وجوه الركاب التي بقيت جاحظة كأن على رؤوسهم الطير . تقدم فورا الى قدور وسأله بعدما طلب منه بطاقة تعريفه ׃
־ ״ هل أنت متزوج ؟ ״ .
־״نعم ياسيدي ، لي ثمانية أولاد ، زائد الرضيع الصغير ، وأمهم ، وحماتي أم المشاكل وكلبنا ‹ دراج › . أما أنا فلا تحصيني لأنني غير موجود غالبا״ .
־ ״ هل أنت أصولي ؟ ״ .
־״ لا يا سيدي ، فأنا خصوصي״ .
־״ ولكن الاصولية تعرفك بهذه اللحية العريضة الكثيفة ״
־ ״ عفوا سيدي ، لم أجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
־ ״ لا تستهزئ مني يا ابن الك …! ״ .
فزاده ناهرا ׃
־ ״ أين تسكن؟ ״ .
־ ״ في حي الانهضة״
־ ״ هيا انهض واتبعني״ .
ثم قبض عليه من معطفه ليجرجره بحدائه البلاستيكي ، والقفة الفارغة يطوح بها في الهواء ، ماسكا عليها بقبضته الى أسفل الحافلة . قال رجل الامن لزملائه ׃
־ ״ أتدرون ما قاله هذا الابله أو هذا الذي يريد أن يكون علينا أبلها؟ ، لم يجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
قال كبيرهم ، بعدما هدأت بطونهم المتكورة من الاهتزاز من كثرة الضحك على هذه النكتة ׃
־ ״ تعالى نحلق لك وجهك مجانا ״ .
فارتموا عليه يلفون دراعيه الى الخلف ، ويضغطون على رأسه ، استل كبيرهم ملقاطا من جرابه خصيصا لهذه المهمة .ثم بدأ يطقطقه بيديه مقتربا به الى لحيته ليضع في القفة الفارغة وقدور يصيح ويستغيث .
عبدالعالي بن علال أبوجليل
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هيئة التحرير
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
سلمى...
قصة قصيرة:
تنقل "سامر" بين النافذة وسريره، تمنى لأول مرة أن تكون غرفته أوسع، ولما اشتد الصراخ الحاد القادم من خلف السقف والجدران، اتكأ على كرسيه، حانيا جزعه، كيفما تيسر له، يشتهي لو تسقط أذنيه من مكانهما حتى لا يسمع شيئا!
- يا لجنونهما! يا لهما من شابين تعيسين حقا! يتصارعان ليلا ونهارا يستبيحان أي سبب ليتعاركا، لكن الأمر لم يعد يطاق!
توقف قليلا عن التفكير ، فقد سمع ارتطام شيء ما يتحطم بقوة !
صرخ بصوت شق سكون غرفته:
- "سلمى"...و"سلمى" كيف هي الآن!
حملق في السقف تمنى لو أمكن لنظراته أن تخترق "الإسمنت" وما عليه، ويرى حال تلك الطفلة البائسة في هذه المعركة الحمقاء، عاد يمشي ذهابا إيابا، وهو يحادث نفسه:
- حتما هي الآن تجثو باكية في واحدة من زوايا الغرفة، ترتجف! لا والدها "فادي" العربي، يهتم لحالها، ولا أمها "أماندا" الملوّنة من سكان الجزيرة تولي هذه الصغيرة شيئا من الأمان!
عاد صوتاهما أكثر قوة وصخبا، فهو يسمع عبارات الشتم الفاحشة، وكلمات السباب السيئة باللغة الإنكليزية وبكل وضوح، تختلط مع أصوات قادمة أخرى، تكهن أنها ارتطام جسميهما في الجدران أو سقوطهما على الأرض، لفظاظة الصوت وضخامة الضجيج، همّ أن يصعد إليهما، لكنه تذكر أنه في المرات السابقة، ولاسيما الأخيرة من شجارهما، حين حاول أن يصلح بينهما، كيف خذله "فادي" بقسوة، وأسمعه كلمات لم يحترم فيه حتى سنين عمره، فشعر بقرارة أعماقه بالحزن والأسى على هذا الشاب، لكنه الآن يحنق عليه لتصرّفاته الرعناء، ولعلاقاته المتعددة بالفتيات، غير آبه إلى أنه صار أب لـ "سلمى" من دون زواج، وأنه يعيش مع "أماندا" معا، ولكنه يصرّ على أن يبقي بينه وبينها عشرات العلاقات مع أخريات من الفتيات...
لم يهدأ الصراخ ! لكنه ميّز هذه المرة من بين كل الأصوات صرخة "سلمى" المدوية التي كادت تنتزع منه قلبه، فأخرجته عن طوره، فاندفع والشرر يسبقه، يقفز كل درجتين معا، وجد بعض الجيران الآخرين في وضعيات مختلفة في الشرفة أمام الباب الذي كان مفتوحا على مصراعيه، فدخل مسرعا إلى الصالون، في حين أغلق "فادي" الباب على نفسه وعلى "أماندا" ومعهما طلفلتها "سلمى" وما يزال صوته يختلط بصوت نحيب "أماندا"المرتفع جدا، طرق الباب عليهما بقوة، مرارا، إلى أن فتح له، فأطل "فادي" برأسه، وقد تخضب وجهه بألوان باهتة متماوجة ما بين الإصفرار والزرقة والإحمرار، فعاجله بعد لحظات سريعة من تبادل النظرات الغاضبة، بحركة سريعة لإغلاق الباب بوجهه، فلم يدري "سامر" من أين هبطت عليه تلك القوة التي مكنته من دفع "فادي" إلى الخلف، فاجتازه متقدما إلى الداخل، ازداد صراخ "أماندا" نحيبا عندما رأته، فهز لها رأسه ألما، لكنه مضى إلى طرف السرير الواسع حيث كانت "سلمى" تمد له يديها الصغيرتين النحيفتين، تصرخ باكية تناديه بما اعتادت أن تناديه به بعبارتها "العربية الإنكليزية" "جدّو ...جدّو..." فاحتضنها بين ذراعيه، كانت ثيابها مبلله من الدموع والعرق معا، وقلبها الصغير يطرق طرقات متتالية متسارعة، وما إن استقرت على صدره، وأحاطت بعنقه بقوة، وتدلت برأسها على كتفه، حتى شعر بسائل ساخن ينسكب من فم "سلمى" فأدرك أن الطفلة قد تقيأت عليه، فمسح شعرها براحة يده، ورمى "فادي" بنظرة حادة، ثم مضى تاركا لهما المكان، هابطا السلم إلى غرفته، والطفلة ابنة الثلاث سنوات تحاول أن تقص عليه بلسانها المتعثر وكلماتها المتقطعة، وشهيقها المتواصل، كيف أن أبوها سحب أمها من شعر رأسها، وكيف أن أمها ضربته بـ"الموبيل" وكيف تعاركا على الأرض و...و... فغسل وجهها، وأحضر لها العصير الذي تحبه، ثم شيئا فشيئا أخذت تفتح "الجارور" الذي اعتادت أن تجد فيه ما يشتريه لها من حلوى وشوكولاه وبسكويت، عندما تسلل إليه في أوقات النهار، فسألته :
- قطعة ...قطعة ايه جدّو!
فابتسم لها برقة وقال:
- اليوم يمكنك أخذ أكثر!...خذي ما تشائين كل هذه الحلوى والشوكولا لك يا جدّو!
قدم رجال"البوليس" أجروا تحقيقا مع "فادي" و"أماندا" ولم ينجً "سامر" والجيران الآخرين، من أسئلتهم، بعد أن عاينوا المكان، وأخذوا بعض خصال شعر "أماندا" من أرض الغرفة وسط ما تبعثر فيها من حطام وبقايا الكثير من الأشياء المكسرة، حتى "سلمى" قالت ما رأت، لكن "أماندا" أسقطت حقها في الإدعاء على "فادي"، فمضى الشاب حرا طليقا، ولكن ليس إلى "أماندا" وطفلته "سلمى" إنما إلى أحضان فتاة جديدة أخرى من فتيات مدينة الـ "سانت جونس" ...
د. أسعد الدندشلي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هيئة التحرير
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
شجرة الزعرور
كلّ مسامات جسمه صارت آذانا، صوت "الكابتن" يخترق كل شيء فيه، رغم ثيابه الشتوية الغليظة، "نحن نحلق فوق سماء بيروت ...درجة الحرارة..."
همس: بيروت ...بيروت... وأخيرا! ... تسع سنوات!.. لا! إنها تسع سنوات وخمسة أيام وليلة واحدة....يا الله!
لم ير ابتسامة المضيفة السمراء الممشوقة القوام التي استلطفها منذ بداية الرحلة وهي تقترب منه، تتفحص حزام الأمان الذي يشده إلى المقعد بقوة، قفز فكرة من الطائرة ومن المطار وجد نفسه في "الوادي" في ظل شجرة الزعرورة العتيقة الضخمة، في فسحة الدار، يشرب قهوته في فيئها، يسمع لعصافيرها، ولأيام زمان التي تسكن في أخاديد جذعها، تهب من مرقدها تحبو نحوه، تعشعش في الذاكرة...
أيقظته من غفلته تلك موجة الصفيق من حوله، طار قلبه من صدره، عاد يهمس:
- حقا أنا في بيروت هذه عادة الركاب اللبنانيين العائدين عندما تلامس عجلات الطائرة مدرج المطار!...
صفق ولكن بعد أن توقفت الطائرة، فابتسم علّه يزيح الإرباك الذي شعر به، أمام رفاق السفر الآخرين، فبادلوه الإبتسامات وعبارات التهنئة بالسلامة، فرد بالكثير من الكلمات...
وقف "شاكر" يستعجل مغادرة مقعده، يريد أن يسحب حقيبة يده، فأومأت له المضيفة أن يتريث، ففعل!
- هل ينتظرني " وليد" أم قطع الأمل، وانصرف بعد أن تأخرت الطائرة في "لندن" لأكثر من ثلاث ساعات عن موعدها ... لا بأس سيارات التاكسي تعج أمام المطار أنا في "بيروت"!
خطر بباله لوهلة أن يتمدد على الأرض عندما يهبط من الطائرة، يحضنها، ينشق بقوة حتى تصل إلى أنفه رائحة ترابها، ولو عبدت وفرشت بطبقات من الإسمنت والإسفلت، فهو يعرف كيف يستخرج عبقها، ولن تضلل أنفه في مسعاه رائحة بقايا الزيوت وعجلات الطائرات وآليات الخدمة، لكنه لن يطأ بقدميه الأرض فالتجهيزات الحديثة لن تتركه يفعل ذلك، إذ سرعان ما وجد نفسه يجتاز باب الطائرة إلى الممر "الخرطومي" فالمطار، ليقف في واحد من الصفوف الطويلة قبالة موظف الأمن العام...
شعر بالتعب من حقيبته فأسندها إلى جوار ساقه اليمنى، ولما أطل خارجا من قاعة الوصول، يدفع بصعوبة العربة التي وضّب عليها حقيبتي سفره الكبيرتين، ارتمت عليه الكلمات :
- أبي...أبي !
أحس بدوار تملكه، التفت يمنة يسرة، حوله لم يهتد لمصدر تلك الأصوات، تسع سنوات وخمسة أيام و... لم يسمع مثل هذه الكلمات، يا لله ! شعر أن عظامه، انسحقت في داخله، وأنها لم تعد تقوى على حمله، فاختلت خطواته، واختفى الريق من حلقه، وأن غشاوة بيضاء حطت على نظارته، ولما همّ أن يحفظ توازنه بأن يقف لبعض الوقت، كان "وليد" نجله البكر أول الممسكين يعانقه بشدة، فهمس في شبه غيبوبة:
- لا تقسو علي يا بني لم أعد شابا أقوى على مصارعتك كما أيام زمان!
ولما أحس بدموع ابنتيه، أدرك كم دموعه حارقة، وهي تنسكب على خديه، ثم عانق لأول مرة أحفاده الأربعة الصغار غير مكترث بذهولهم ...
قبل أن يصعد إلى السيارة إلى جانب ولده، قال :
- آه ...كم اشتقت لفنجان القهوة وأنا اسند ظهري إلى "شجرة الزعرور" يا وليد!
- المهم أنك عدت سالما يا والدي....!
- سأمرغ وجهي في أوراقها المتساقطة، وسأترك يديّ تسرحان ما تشاءان على ساقها، كم لو أستطيع بعد هذا العمر أن أعتلي أغصانها!...كم... كم! ...ولكني سأحاول!
- المهم أنك بيننا يا أبي!
شقت السيارة طريقها مجتازة "طرابلس" فطلب "شاكر" التوقف قليلا في ساحة "التل" فملأ رئتيه ببعض من هوائها، نظر في أرجائها...سمع صوت ابنه وليد:
- لدينا الكثير من الوقت لنمضيه هنا...
أخذ ابنه يتمتم أغنية وهو يقود السيارة، باتجاه "عكار" يسترق النظر إلى وجه أبيه خلسة، همس في نفسه :
- كم كبرت! ليتني أعرف كم عانيت وكم تعبت يا أبي! لكنك لا تتحدث عن شيء من هذا يا أبي؟
كان "شاكر" لحظتها قد أغمض جفنيه، واستسلم للنوم، فاستطاع أن يتأمله ما يشاء كلما سمحت له الفرصة، فقد أمضى في الطائرة إحدى عشر ساعة من "الكاريبي" إلى "بيروت" أضف إليها خمس ساعات انتظار في مطار "لندن".
مع توقف هدير السيارة، انتفض "شاكر" في مقعده، ولما فتح عينيه وجد نفسه أمام باب الدار، فاندفع نحو البيت، فيما صوت "وليد" يلاحقه بإلحاح، أن ينتظر قليلا، حاول أن يدفع الباب ويدخل لكنه كان مقفلا ، فانتظر وصول وليد وزوجته وحفيده،
شعر أن يد ابنه ترتعش بعض الشيء وهو يضع المفتاح في مكانه ليفتح الباب، ولما صار في "صحن" البيت علت من صدر"شاكر" شهقة مدوية، وصرخة جارحة كمن أصابته طعنة سكين فجأة:
- ماذا فعلت بشجرة "الزعرور" يا وليد!....بالله عليك ...بالله عليك يا ابني!
وركض إلى مكان الشجرة فوجد بقية أرومتها المستديرة الكبيرة، بمستوى أرض الدار، فانحنى فوقها، ثم جلس القرفصاء قربها، يمرر راحتيه على سطح ما تبقى من جذعها، الذي صيرته شفرة المنشار أملسا بعض الشيء، لم ينطق بأي كلمة
ولم يعد يسمع أي صوت من حوله، حدّق بنظره في شجرته الذبيحة، جثا في المكان، رغم برودة الطقس، كانت السماء تنذر بالمطر، نهض مسرعا أحضر إبريق ماء سكبه فوق بقايا الجذع، يربت فوقها، ينقر بأصابعه عليها من كل الجهات،
جاءه الصوت متوسلا من خلفه:
- أبي لقد هرمت الشجرة، وصارت ملجأ لأوكار النمل والديدان والحشرات، ولم تعد ثمارها كما تعرفها... حولت صحن البيت على مدار السنة إلى...
مرت الأسابيع الثلاثة، "حزم شاكر" حقائبه استعدادا للسفر، ولما هم خارجا من باب الغرفة المطلة على صحن الدار، وجد ابنه وليد وحفيده يحملان إبريق الماء يسقيان ما تبقى من جذع شجرة الزعرور، وفيما هو ينظر إليهما دون أن يشعرهما بما يفعله، وجد ابنه يصيح، وقد توقف عن سكب الماء فوق الجذع، وانحنى فوق المكان:
- يا الله! يا الله ! لقد خرج من جانب الجذع فرعين صغيرين أخضرين يا أبي!
الدكتور: أسعد الدندشلي