- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر حمّش
- الزيارات: 5
عفريتُ الفضّة عمر حمّش قصة قصيرة 1-2-2008 قبيلَ العيدِ! شمسُ المخيمِ تملؤها الكآبة! واليهودُ طيروا في العيون ِصفيرَ الزنانة! الصفيرُ لا ينام! لا بيعَ في السوقِ، لا شراء! فقط عواء! * * * * * فيروزُ نادت: يا قدسُ! تعبت فيروزُ! وتعبنا نحنُ! تعبت العربُ! للقدسِ سلامٌ! فتاة ٌتمرُّ، رُغمَ الحزنِ، صدرُها هاجَ، فشقَّ القماشَ! وانتفضَ منه ديكانِ ينقران! وجاءَ الأولاد! الأولادُ في السوقِ شرٌّ مستطير! صدحت فيروزُ: - آت آت. فماجت السماءُ، وتزودت بحوت! يصكّ أنيابا من حديد! - آت آت فصرخت السماء، ثمّ انسدت! عينُ الشمسِ استكانت كالذبيحة! جرت الناسُ! و أبواق السيارات! جرى الترابُ، والحجارةُ! واحتارت بقايا عصافير! الهواءُ غادره الأكسجينَ ، وفرَّ منه ما تبقى من رحيق! نحر الحوتُ عينَ الشمسِ! ألقاها في البعيد! احتضرت فيروزُ ! وهوى المخيمُ ! وحباتُ البرتقالِ من أيادي الأولادِ كانت تطير! تناثر السوقُ في لحظةٍ! مثلَ أوراقِ الخريف! * * * * * تمطّى الحوتُ، ثمّ استقام ! وجاء الصاروخ! بلونِ الفضّةِ جاءَ، يتلوى، مثل أفعى راقصة! ارتجّت الأرجاءُ، واحتشدَ الخلقُ! أنا انخرطتُ في التدفقِ المجنون! في المسيرةِ الهائجة! رفعتُ اليد، وهزجتُ مع الجموعِ الهازجة: شدي حيلك يا بلد من شيخك حتى الولد شدي حي يلك الليل اشتد وجدّ الجدّ وما في عتمة للأبد! * * * * * تزاحمتُ حتى شعلةِ النارِ، التي كانت تعاندُ ماء الخراطيم! وهواءٌ طرأَ، فنشرَ رائحةَ الشواء إلى البعيد! طوقنا النارَ، حتى انحسرت، فانكشفتْ العربةُ، كومةَ حديد! سوداءَ ممضوغةً، وأبوابُها ملقاةٌ ممزقة! كانت عيونُ الناسِ تائهة تنزفُ على رأسينِ متباعدين! على اللحمِ المقطعِ في الطريق! شعري تصلب، وجسدي خفّ، صرت ريشةً تهتزُّ لرأس امرأة، احترق فيه الشعرُ ، وكان الرأسُ بلا عينين! * * * * * أنا في داخلي هاجَ نَمِرٌ! ماج بحرُ! طرت! أكلت من عينيِّ الحوتِ، وما شبعت! شربتُ دَمَهُ، وما ارتويت! وبين أسناني جأرَ، وهمدَ، وما بردت! كان الرجال يجمعون فتاتَ اللّحمِ في كيسين! هذه أصبعُ! وهذا ضرسٌ! تلك القدمُ! وتلك اليدُ! لمن العينُ! صاح صائحُ: ؟ احتاروا في تصنيفِ الأعضاء - لا تجمعوا بين الأعضاء! ولهث الصائحُ - المرأة جارته!! - صعدت معه لتشتري حوائج َكعكِ العيد! وسمعتُ امرأةً تصيح: - أختي!! التفتُ للصوتِ، وإذ بفتاةِ السوقِ صاحبةِ الصدرِ، تترنحُ ممتقعةً بلا صدرٍ! هوتْ الفتاةُ! أنا ريشةٌ بين الناسِ تهتزُّ! لم يتبقَ لعينيَّّ نورٌ، وساقايَّ كبوصتينِ مشروختينِ، لم تحملانِي!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد نصار
- الزيارات: 4
اللعنة .. أين المفتاح ؟ زمجر محتداً ، ثم أخرج إحدى يديه من جيب بنطاله ممسكة به، دسه في الثقب بأصابع مرتعشة وأداره دورتين ؛ فاستجاب الباب لدفعته .. صفقه خلفه وتهاوى على مقعد قريب يقطر جبينه عرقاً رغم برودة الطقس وتلاحقه ذكرى يوم عمل شاق أعادت الكدر إلى نفسه ، فأشعلت به سخطاً دفعه لأن يركل المقعد المقابل بحدة أسقطته أرضاً ؛ فأحدث ضجة أفزعت القط القابع في الركن المقابل ، ففرّ على إثرها هارباً صوب الشرفة . حدق فيه مفجوعاً بعدما كان قد نسيه في زحمة الأفكار التي تتصارع في رأسه ، وتساءل مستفسراً : لماذا لم يأت للتمسح بي مثلما يفعل كل يوم ؟ .. هل يشعر بسوء؟ أم له موقف مني هو الآخر ؟ ؛ لعله استشعر ما بي من سخط ، فآثر أن يظل صامتاً .. اللعنة ! أي أحمق أنا؟! كيف لم ألتفت إلى وجوده ..؟ أ إلى هذا الحد بتُ أنانياً ؟ كيف أنساه وهو ينتظر مجيئي منذ الصباح ؟ عليّ أن أصالحه ، فلابد أنه جائع.. أنا كذلك أشعر بالجوع . وقف متحاملاً على نفسه .. اتجه صوب المطبخ .. فتح البرَّاد .. ألقى نظرة على محتوياته .. تذكر الديك الذي اشتراه بالأمس ، كان قد أعده ليولم عليه عددا من الأصدقاء، لكنهم لم يأتوا لأسباب يجهلها ، فقرر أن يتقاسمه مع القط !. أخرجه بتشفٍ واضح .. وضعه على الموقد ، ثم ذهب لإعداد المائدة ، فشكلت الروائح المتصاعدة من المطبخ ، دعوة صريحة للقط ، لكي يتوجه إلى هناك ، دنا منه وراح يتمسح بقدميه، فوضع أمامه طبقاً يطفح بقطع اللحم ، ثم جلس في مكانه المعتاد من المائدة .. ارتشف من طبق الحساء بضع رشفات ، ثم دس في فمه قطعة لحم ، لاكها مرات متتالية ؛ فأبت أن تستجيب لأضراسه .. بصقها في الوعاء بتقزز ، ثم حمله وأسرع خارجاً صوب الفناء الخلفي للبيت . تبعه القط إلى هناك .. نظر إلى الوعاء .. تشممه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وأصدر مواء أقبلت على إثره قطط الجيران ملبية. تراجع إلى الوراء وراح ينظر إليها بشعور من الرضى ولسان حاله يقول : أنتم أحق بالوليمة من أولئك الأفاقين . عادت حبات العرق تتجمع فوق جبينه مرة أخرى ، يصاحبها انقباض في الصدر ورغبة في التقيؤ تراجع جراءها بخطا مترنحة نحو الأريكة .. استلقى عليها مسترخياً يراقب انكسار الظل على الجدار المقابل للنافذة وطلائع العتمة الزاحفة مع بدايات الغروب ..حاول أن ينهض لإشعال النور؛ فأحس بقواه تخونه .. نظر إلى ساعته ، فأشارت إلى السادسة وبضع دقائق .. همس محدثاً نفسه : سيأتون بعد قليل . خيم الظلام على الصالة .. كسا الأشياء من حوله عدا ذلك البريق الآتي من عيني القط القابع في الركن المقابل .. ينساب إلى أعماقه حاملاً معه ذكرى من طفولته البعيدة ، لم يكن يومها قد تجاوز الخامسة من عمره ، كان عائداً بصحبة أبيه من فرح لأحد الأقارب .. يسير إلى جواره ممسكاً بطرف قمبازه .. زقاق في حي من أحياء بغداد تنبعث منه رائحة عطنة، ونباح كلب يأتي من مكان بعيد يثير الخوف بداخله فترتعش أطرافه و يلتصق بأبيه .. ـ الرجال لا يخافون العتمة ..! " ينهره الأب قائلاً " تفلت صرخة من فمه .. يتشنج على آثارها متشبثاً بأبيه وعيناه لا تبرحان ذلك البريق الآتي من ركن في الزقاق . ـ ألم تر قطاً في حياتك ؟ " صاح الأب مستهجناً " .. ارتسمت على شفتيه ابتسامة سرعان ما خبت تحت دفقة الحنين التي تفجرت بداخله لذكرى الأيام الخالية .. طاف معها في مراحل العمر الأولى .. بغداد بشوارعها .. أزقتها .. مدارسها ومدن أخرى جابها .. لندن .. تونس وأخيراً غزة ، محطات سريعة تشبه احتساء فنجان قهوة على كافتيريا في محطة قطار . يا إلهي كم هي قصيرة هذه الحياة !! همس مفجوعاً ، ثم نظر إلى ساعته مرة أخرى ، فلم يتبين عقاربها .. ضغط على زر الإضاءة الصغير بجانبها الأيمن فأشارت إلى السابعة والنصف.. تساءل ضجراً : لماذا تأخروا ..؟ قد لا يأتون . - لا ..هاهم قادمون .. اسمع وقع أقدامهم في الخارج. - .. ها هو ابن عربي .. هاهي رابعة العدوية .. و.. - أين البقية …؟ لماذا لم يأت باقي الرفاق .. ؟ لماذا يبدوان واجمين على هذا النحو.. ؟ - يبدو أن في الأمر شيئاً ؟ حاول أن يهب للقائهما كالمعتاد ، فأعجزه ثقل يرزح على صدره .. اكتفى بالابتسام وأشار لهما بالجلوس إلى جواره فقبعا في الركن المقابل ، الأمر الذي أثار استهجانه ودفعه لأن يظل محدقاً بهما ؛ فأغفلا وجوده وراحا يتهامسان لبرهة من الوقت ، أخذا ينظران إليه بعدها نظرة ترقب وانتظار أثارت الفزع في نفسه، فكر أن يسألهما عن الرفاق الذين لم يأتوا ، ويبادرهما بالكلام، لكن شيئاً من هذا لم يحدث ، بل زاد الأمر تعقيداً حين انسحبت رابعة من المكان مطأطئة رأسها .. توقفت عند الباب للحظة ، ونظرت إليه بعين منكسرة واختفت . ظل بصره منصباً على تلك الجهة ، أملاً في عودتها ، لكنه بعد فترة تذكر أن هناك من يشاركه الغرفة ، نظر باتجاهه فكست شفتيه ابتسامة فجرها منظر القط المتمرغ في حجر ابن عربي وقد استهوته الأنامل التي تعبث في فروته . أصاخ السمع لطنين آخذ في الزحف من مكان بعيد .. راح يعلو شيئاً فشيئاً مجبراً الأبصار على التحديق إلى الأعلى صوب الجهة الآتي من قبلها ، شدته بؤرة ضوء هناك .. حاول أن يلتفت إليه ليرى ردة فعله تجاه ما يحدث حوله .. مسه شئ داخل ذلك الشعاع اللامتناهي وأجبره على مواصلة التحديق. هالات ضوئية ذات أشكال وأحجام متعددة ، تزحف نحوه.. تدنو منه .. يزداد الطنين قوة ويغمر الأشياء من حوله.. يتهاوى في بؤرة الضوء .. تسكره روائح شذية .. يشعر بالخدر يسرى في عروقه .. يستسلم للنشوة .. تحاصره الأشكال الغريبة .. تتهامس فيما بينها .. تدنو أكثر.. تلامس جسده .. تغوص فيه .. يشعر بها تتسلل إلى أعماقه .. تدور الهمهمات من حوله .. شيء يخرج من داخله .. يومض فيضيء المكان .. تتلقفه الأشكال .. تصعد به عبر ذلك الشعاع .. يحاول اللحاق بها .. فتصده لمسة انكفأ معها على وجهه . يحاصره فراغ مهول أفقد حواسه القدرة على التعامل مع الأشياء أو فهمها . سرعان ما انحسر متراجعاً ، لحظة أن عاد الشعاع مكوناً بؤرة ضوء جديدة ، يقبع في مركزها .. يحاصره طنين الأشكال وهمهماتها تغوص بداخله مرة أخرى.. تعيد له بعضاً من حواسه، ثم تنسحب لتقف على مقربة منه دون أن يزعجها ذلك الضجيج، الآتي من قبل الباب ولا الاندفاع الذي تلاه بفعل عدد من الأشخاص، استطاع أن يميز من بينهم أصوات ثلة من رفاق العمل.. بكاء أحدهم مترحماً . هزته المفاجأة .. همس مستسلماً : إنه الموت إذن. أثارته عبارات البعض .. أنفاسهم حين انحنوا لحمله، إلى العربة الواقفة عند الباب .. أحس ببرودة كف مرت فوق جفنيه لتسبلهما . صاح صاحب الكف متحشرجاً : - أقسم بأنه ابتسم لمشاهدتي ؟! أمّن على قول الرجل دون أن يشعر به أحدٌ . أسلم الجسد للشيخ الذي راح يهيئه للكفن داخل غرفة الموتى .. تدافعت الحشود مودعه .. تبعته إلى المقبرة .. كان ينظر إليها من على عربة المدفع وبه رغبة لأن يبصق على بعضها .. تحوم من حوله الأشكال وصور من شوارع بغداد.. مقاهي لندن .. شاطئ غزة ، وعند باب القبر كان في انتظاره ابن عربي وبقية الرفاق .. أكتوبر 1999
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 4
قصة قصيرة أمسك بساعة المنبه تأكد بأنه وضعها في تمام السابعة صباحا.. وبنفس يديه أطفأ المنبه على السابعة إلا ربع نهض من سريره فأحس بشيء حار كالشطة يحرق عينيه لكنه فطن بأنه لم يغمضهما طوال الليل... في غضون دقائق كان يرتشف فنجانا من القهوة وقد أشعل سيجارته الأخيرة..!!وخرج وما تزال زوجته تغط في النوم... في المكان المعتاد للقاء كان ينتظر حضورها بفارغ الصبر جاءت فرحة متهللة بالنبأ العظيم..!! وقبل أن تجلس أخبرته عن انتظار المولود الأول..دخل معها في سجال عقيم...أفاق على نفسه في العناية المركزة سمع الممرضة تهمس إلى زوجته بأنها جلطة دماغية نتيجة انهيار عصبي حاد لقد جاؤوا به محمولا من مكان ليس ببعيد..انه هناك حيث مقهى السعادة ..غاب هو بوعيه من جديد وغادرت زوجته على عجالة إلى حيث مكان الحادثة وهناك استدلت من صاحبة المقهى على حكاية زواجهما العرفي وحملها منه فضحكت بشكل هستيري وبحركة لا إرادية تحسست تقرير طبي نهائي في حقيبتها منذ أسبوع...!!! عندما أفاق من غيبوبته لثواني أخيرة لم تكن زوجته بجانبه اتصل بالمنزل فلم يجبه أحد كرر الاتصال ثانية ردت عليه الخادمة بان سيدتها في منزل أمها وقد أفرغت الدولاب وما على التسريحة...... وآخر حقيبة لحاجياتك ومتاعك قد أوصلناها إلى المقهى...أي مقهى ؟ ردت عليه إلى مقهى السعادة ... حضرت الممرضة مسرعة على صوت انذر جهاز المراقبة فوجدته قد غاب عن وعيه من جديد وما يزال ممسكا بسماعة التليفون التى التحمت مع قبضة يده ! حضر الطبيب لينتزع عنه جميع الأسلاك وكيس المحلول وأغمض عينيه. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالعالي بن علال أبوجليل
- الزيارات: 4
شبهات
انبطح قدور على الحصير بعدما خلع حذائه البلاستيكي بصعوبة . وضع رأسه على الوسادة ، بين الفينة والأخرى يحكها بأنامله النحيفة ليتطاير منها هباء رقيق من كثرة حمل أكياس الطحين على كتفيه ، لايهم ، فهو لا يريد سوى قليل من القيلولة . الأطفال يتصايحون ويتشاجرون على فتات خبز بارد ، نصف عراة ، برازهم يزركش باحة الكوخ الصغير الذي يلمهم جميعا. زوجته تغسل الثياب ، لم تستطع أن تصمد أمام صراخ رضيعها الصغير الذي ينقصه الحليب ، انه جائع . نفضت يديها من الصابون ، وهرعت إلى زوجها لتزعق فوق رأسه׃
־״ قم لتجلب الحليب إلى رضيعك أيها الكسول ، انك لاتشبع من الشخير ، لا فائدة ترجى منك ، قم بسرعة ، ألا تسمع ، انك شبه الحمار״ .
ثم قالت مستدركة ׃
־ ״ لو كنت كذلك لركبناك وأرحتنا .״
وزادت تأنبه ׃
־ ״ ليس لك من الرجولة سوى هذه اللحية العريضة الكثيفة״.
نهض قدور مرعوبا بسرعة ، ملطفا الجو بكلمات يشوبها الحزن والمرارة׃
־ ״ ماذا أفعل يا زوجتي ، لقد جبت المدينة عرضا وطولا ولم أجد من يشغلني״ .
هرول الى الخارج يجرجر حدائه البلاستيكي وشتائم زوجته تتساقط علي دماغه كشظايا قذيفة . رمت بالقفة على قفاه ، تلقفها بذراعه ، صائحة فيه׃
־״ تفو …! عليك يا منحوس…! إياك أن ترجع بها فارغة…״
لفظه الباب ، وأخذ يغمغم في سره بسخرية وتهكم ׃
־״ نعم يا زوجتي ، أنا شبيه الحمار ، لو لم أكن كذلك لكان معي مال كثير ، وأصبحت عليك شهريارا ، لتزوجت عليك ألف امرأة وامرأة ، لكن ماذا أفعل أمام جبروت الفقر ״ .
ثم انطلق إلى أقرب نقطة ليركب حافلة النقل إلى مدينة القنيطرة القريبة جدا من مدينة سيدي يحيى عله يجد من يشغله هناك ، إنها عريضة وكبيرة .
بعدما ابتلعته الحافلة مع بعض الركاب القلائل ، جلس على أقرب كرسي ووضع القفة بين رجليه . شعر قدور برجل بدين بجانبه يشاركه السفر ، يظهر عليه أنه من أهل النعمة ، له لحية عريضة وكثيفة هو أيضا . إلا أنها مشذبة بعناية ، تفوح منها رائحة المسك وسبحة في يده اليمنى يحركها بسرعة ، تململ وتنحنح ليشارك قدور الحديث ، ثم تجشأ بصوت مسموع ، قائلا׃
־ ״ الله يلعنك يا دجاج ، لقد أصبتني بحريق التخمة״
تقزز قدور من هذه الفرقعة التي خرجت من صدر هذا الرجل البدين. تذكر الأكلة الشهية التي حرمته منها زوجته وهي عبارة عن خبز بارد اشتراه بالكيلو من دكان الخرداوات وقسمته إلى جزيئات مهشمة ، وصبت عليه ايدام الشحم المجفف تحت أشعة الشمس منذ عيد الأضحى ، مزجته بالحلبة والبصل . لمزه الرجل البدين بكتفه العريض قائلا׃
־ ״ إلى أين أنت متجه يا أخي في الله؟ ״.
فأجابه قدور بفتور׃
־ ״ إلى أن تتوقف هذه الحافلة إن شاء الله״
وتابع الرجل البدين قائلا׃
־ ״ ليتك تذهب معنا يا أخي في الله ، سيأتي أحد أمرائنا ليحدثنا عن الجنة والنار ، وأهوال القبر ، انه خطيب بارع لا يشق له غبار״ .
لكن قدور لم ينتبه له وظل جاحظا بعينيه إلى القفة الفارغة بين رجليه والويل له من زوجته إن رجع بها فارغة ، لمزه الرجل البدين مرة أخرى حتى تمايل قائلا له׃
־ ״ لاشك أنك كنت معنا يوم أمس ، يا أخي في الله ، حينما ذهبنا إلى شاطئ المهدية ، لقد أدينا هناك صلاة العصر جمعا وقصرا ، واستمتعنا بنسيم البحر ، لقد كان الجو لطيفا ، كما قمنا بإرشاد بعض المارقين هداهم الله ، وطالبنا بمصطاف خاصا بنا . أراد قدور أن يجيبه في سره دون أن يسمعه׃
־ ״ وغدا ستناضلون من أجل ترخيص قاعات سينما خاصة بكم״
لكن هذه الجملة انفلتت من قدور جهرا دون إرادته . توترت أعصاب الرجل البدين من جواب قدور . فبدأ يتعوذ ويحوقل بانفعال ويهذي قائلا ׃
־ ״ انه مروق…! إنها زندقة …! انه كف.ف.ف …ر …! ״ .
ثم وضع رأسه على زجاج النافذة بعدما أدخل سبحته في جيبه بعصبية . بدأت شفتيه تتململ ببطء في صمت كأنه يتلو الشهادتين عند خروج الروح .
فجأة توقفت الحافلة ، ظهر من بابها الامامي رجل الامن ، متجهم الوجه ، يمسح بعينيه اليقظتين وجوه الركاب التي بقيت جاحظة كأن على رؤوسهم الطير . تقدم فورا الى قدور وسأله بعدما طلب منه بطاقة تعريفه ׃
־ ״ هل أنت متزوج ؟ ״ .
־״نعم ياسيدي ، لي ثمانية أولاد ، زائد الرضيع الصغير ، وأمهم ، وحماتي أم المشاكل وكلبنا ‹ دراج › . أما أنا فلا تحصيني لأنني غير موجود غالبا״ .
־ ״ هل أنت أصولي ؟ ״ .
־״ لا يا سيدي ، فأنا خصوصي״ .
־״ ولكن الاصولية تعرفك بهذه اللحية العريضة الكثيفة ״
־ ״ عفوا سيدي ، لم أجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
־ ״ لا تستهزئ مني يا ابن الك …! ״ .
فزاده ناهرا ׃
־ ״ أين تسكن؟ ״ .
־ ״ في حي الانهضة״
־ ״ هيا انهض واتبعني״ .
ثم قبض عليه من معطفه ليجرجره بحدائه البلاستيكي ، والقفة الفارغة يطوح بها في الهواء ، ماسكا عليها بقبضته الى أسفل الحافلة . قال رجل الامن لزملائه ׃
־ ״ أتدرون ما قاله هذا الابله أو هذا الذي يريد أن يكون علينا أبلها؟ ، لم يجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
قال كبيرهم ، بعدما هدأت بطونهم المتكورة من الاهتزاز من كثرة الضحك على هذه النكتة ׃
־ ״ تعالى نحلق لك وجهك مجانا ״ .
فارتموا عليه يلفون دراعيه الى الخلف ، ويضغطون على رأسه ، استل كبيرهم ملقاطا من جرابه خصيصا لهذه المهمة .ثم بدأ يطقطقه بيديه مقتربا به الى لحيته ليضع في القفة الفارغة وقدور يصيح ويستغيث .
عبدالعالي بن علال أبوجليل
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالعالي بن علال أبوجليل
- الزيارات: 3
شبهات
انبطح قدور على الحصير بعدما خلع حذائه البلاستيكي بصعوبة . وضع رأسه على الوسادة ، بين الفينة والأخرى يحكها بأنامله النحيفة ليتطاير منها هباء رقيق من كثرة حمل أكياس الطحين على كتفيه ، لايهم ، فهو لا يريد سوى قليل من القيلولة . الأطفال يتصايحون ويتشاجرون على فتات خبز بارد ، نصف عراة ، برازهم يزركش باحة الكوخ الصغير الذي يلمهم جميعا. زوجته تغسل الثياب ، لم تستطع أن تصمد أمام صراخ رضيعها الصغير الذي ينقصه الحليب ، انه جائع . نفضت يديها من الصابون ، وهرعت إلى زوجها لتزعق فوق رأسه׃
־״ قم لتجلب الحليب إلى رضيعك أيها الكسول ، انك لاتشبع من الشخير ، لا فائدة ترجى منك ، قم بسرعة ، ألا تسمع ، انك شبه الحمار״ .
ثم قالت مستدركة ׃
־ ״ لو كنت كذلك لركبناك وأرحتنا .״
وزادت تأنبه ׃
־ ״ ليس لك من الرجولة سوى هذه اللحية العريضة الكثيفة״.
نهض قدور مرعوبا بسرعة ، ملطفا الجو بكلمات يشوبها الحزن والمرارة׃
־ ״ ماذا أفعل يا زوجتي ، لقد جبت المدينة عرضا وطولا ولم أجد من يشغلني״ .
هرول الى الخارج يجرجر حدائه البلاستيكي وشتائم زوجته تتساقط علي دماغه كشظايا قذيفة . رمت بالقفة على قفاه ، تلقفها بذراعه ، صائحة فيه׃
־״ تفو …! عليك يا منحوس…! إياك أن ترجع بها فارغة…״
لفظه الباب ، وأخذ يغمغم في سره بسخرية وتهكم ׃
־״ نعم يا زوجتي ، أنا شبيه الحمار ، لو لم أكن كذلك لكان معي مال كثير ، وأصبحت عليك شهريارا ، لتزوجت عليك ألف امرأة وامرأة ، لكن ماذا أفعل أمام جبروت الفقر ״ .
ثم انطلق إلى أقرب نقطة ليركب حافلة النقل إلى مدينة القنيطرة القريبة جدا من مدينة سيدي يحيى عله يجد من يشغله هناك ، إنها عريضة وكبيرة .
بعدما ابتلعته الحافلة مع بعض الركاب القلائل ، جلس على أقرب كرسي ووضع القفة بين رجليه . شعر قدور برجل بدين بجانبه يشاركه السفر ، يظهر عليه أنه من أهل النعمة ، له لحية عريضة وكثيفة هو أيضا . إلا أنها مشذبة بعناية ، تفوح منها رائحة المسك وسبحة في يده اليمنى يحركها بسرعة ، تململ وتنحنح ليشارك قدور الحديث ، ثم تجشأ بصوت مسموع ، قائلا׃
־ ״ الله يلعنك يا دجاج ، لقد أصبتني بحريق التخمة״
تقزز قدور من هذه الفرقعة التي خرجت من صدر هذا الرجل البدين. تذكر الأكلة الشهية التي حرمته منها زوجته وهي عبارة عن خبز بارد اشتراه بالكيلو من دكان الخرداوات وقسمته إلى جزيئات مهشمة ، وصبت عليه ايدام الشحم المجفف تحت أشعة الشمس منذ عيد الأضحى ، مزجته بالحلبة والبصل . لمزه الرجل البدين بكتفه العريض قائلا׃
־ ״ إلى أين أنت متجه يا أخي في الله؟ ״.
فأجابه قدور بفتور׃
־ ״ إلى أن تتوقف هذه الحافلة إن شاء الله״
وتابع الرجل البدين قائلا׃
־ ״ ليتك تذهب معنا يا أخي في الله ، سيأتي أحد أمرائنا ليحدثنا عن الجنة والنار ، وأهوال القبر ، انه خطيب بارع لا يشق له غبار״ .
لكن قدور لم ينتبه له وظل جاحظا بعينيه إلى القفة الفارغة بين رجليه والويل له من زوجته إن رجع بها فارغة ، لمزه الرجل البدين مرة أخرى حتى تمايل قائلا له׃
־ ״ لاشك أنك كنت معنا يوم أمس ، يا أخي في الله ، حينما ذهبنا إلى شاطئ المهدية ، لقد أدينا هناك صلاة العصر جمعا وقصرا ، واستمتعنا بنسيم البحر ، لقد كان الجو لطيفا ، كما قمنا بإرشاد بعض المارقين هداهم الله ، وطالبنا بمصطاف خاصا بنا . أراد قدور أن يجيبه في سره دون أن يسمعه׃
־ ״ وغدا ستناضلون من أجل ترخيص قاعات سينما خاصة بكم״
لكن هذه الجملة انفلتت من قدور جهرا دون إرادته . توترت أعصاب الرجل البدين من جواب قدور . فبدأ يتعوذ ويحوقل بانفعال ويهذي قائلا ׃
־ ״ انه مروق…! إنها زندقة …! انه كف.ف.ف …ر …! ״ .
ثم وضع رأسه على زجاج النافذة بعدما أدخل سبحته في جيبه بعصبية . بدأت شفتيه تتململ ببطء في صمت كأنه يتلو الشهادتين عند خروج الروح .
فجأة توقفت الحافلة ، ظهر من بابها الامامي رجل الامن ، متجهم الوجه ، يمسح بعينيه اليقظتين وجوه الركاب التي بقيت جاحظة كأن على رؤوسهم الطير . تقدم فورا الى قدور وسأله بعدما طلب منه بطاقة تعريفه ׃
־ ״ هل أنت متزوج ؟ ״ .
־״نعم ياسيدي ، لي ثمانية أولاد ، زائد الرضيع الصغير ، وأمهم ، وحماتي أم المشاكل وكلبنا ‹ دراج › . أما أنا فلا تحصيني لأنني غير موجود غالبا״ .
־ ״ هل أنت أصولي ؟ ״ .
־״ لا يا سيدي ، فأنا خصوصي״ .
־״ ولكن الاصولية تعرفك بهذه اللحية العريضة الكثيفة ״
־ ״ عفوا سيدي ، لم أجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
־ ״ لا تستهزئ مني يا ابن الك …! ״ .
فزاده ناهرا ׃
־ ״ أين تسكن؟ ״ .
־ ״ في حي الانهضة״
־ ״ هيا انهض واتبعني״ .
ثم قبض عليه من معطفه ليجرجره بحدائه البلاستيكي ، والقفة الفارغة يطوح بها في الهواء ، ماسكا عليها بقبضته الى أسفل الحافلة . قال رجل الامن لزملائه ׃
־ ״ أتدرون ما قاله هذا الابله أو هذا الذي يريد أن يكون علينا أبلها؟ ، لم يجد بعد شفرة الحلاقة ״ .
قال كبيرهم ، بعدما هدأت بطونهم المتكورة من الاهتزاز من كثرة الضحك على هذه النكتة ׃
־ ״ تعالى نحلق لك وجهك مجانا ״ .
فارتموا عليه يلفون دراعيه الى الخلف ، ويضغطون على رأسه ، استل كبيرهم ملقاطا من جرابه خصيصا لهذه المهمة .ثم بدأ يطقطقه بيديه مقتربا به الى لحيته ليضع في القفة الفارغة وقدور يصيح ويستغيث .
عبدالعالي بن علال أبوجليل
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هيئة التحرير
- الزيارات: 5
سلمى...
قصة قصيرة:
تنقل "سامر" بين النافذة وسريره، تمنى لأول مرة أن تكون غرفته أوسع، ولما اشتد الصراخ الحاد القادم من خلف السقف والجدران، اتكأ على كرسيه، حانيا جزعه، كيفما تيسر له، يشتهي لو تسقط أذنيه من مكانهما حتى لا يسمع شيئا!
- يا لجنونهما! يا لهما من شابين تعيسين حقا! يتصارعان ليلا ونهارا يستبيحان أي سبب ليتعاركا، لكن الأمر لم يعد يطاق!
توقف قليلا عن التفكير ، فقد سمع ارتطام شيء ما يتحطم بقوة !
صرخ بصوت شق سكون غرفته:
- "سلمى"...و"سلمى" كيف هي الآن!
حملق في السقف تمنى لو أمكن لنظراته أن تخترق "الإسمنت" وما عليه، ويرى حال تلك الطفلة البائسة في هذه المعركة الحمقاء، عاد يمشي ذهابا إيابا، وهو يحادث نفسه:
- حتما هي الآن تجثو باكية في واحدة من زوايا الغرفة، ترتجف! لا والدها "فادي" العربي، يهتم لحالها، ولا أمها "أماندا" الملوّنة من سكان الجزيرة تولي هذه الصغيرة شيئا من الأمان!
عاد صوتاهما أكثر قوة وصخبا، فهو يسمع عبارات الشتم الفاحشة، وكلمات السباب السيئة باللغة الإنكليزية وبكل وضوح، تختلط مع أصوات قادمة أخرى، تكهن أنها ارتطام جسميهما في الجدران أو سقوطهما على الأرض، لفظاظة الصوت وضخامة الضجيج، همّ أن يصعد إليهما، لكنه تذكر أنه في المرات السابقة، ولاسيما الأخيرة من شجارهما، حين حاول أن يصلح بينهما، كيف خذله "فادي" بقسوة، وأسمعه كلمات لم يحترم فيه حتى سنين عمره، فشعر بقرارة أعماقه بالحزن والأسى على هذا الشاب، لكنه الآن يحنق عليه لتصرّفاته الرعناء، ولعلاقاته المتعددة بالفتيات، غير آبه إلى أنه صار أب لـ "سلمى" من دون زواج، وأنه يعيش مع "أماندا" معا، ولكنه يصرّ على أن يبقي بينه وبينها عشرات العلاقات مع أخريات من الفتيات...
لم يهدأ الصراخ ! لكنه ميّز هذه المرة من بين كل الأصوات صرخة "سلمى" المدوية التي كادت تنتزع منه قلبه، فأخرجته عن طوره، فاندفع والشرر يسبقه، يقفز كل درجتين معا، وجد بعض الجيران الآخرين في وضعيات مختلفة في الشرفة أمام الباب الذي كان مفتوحا على مصراعيه، فدخل مسرعا إلى الصالون، في حين أغلق "فادي" الباب على نفسه وعلى "أماندا" ومعهما طلفلتها "سلمى" وما يزال صوته يختلط بصوت نحيب "أماندا"المرتفع جدا، طرق الباب عليهما بقوة، مرارا، إلى أن فتح له، فأطل "فادي" برأسه، وقد تخضب وجهه بألوان باهتة متماوجة ما بين الإصفرار والزرقة والإحمرار، فعاجله بعد لحظات سريعة من تبادل النظرات الغاضبة، بحركة سريعة لإغلاق الباب بوجهه، فلم يدري "سامر" من أين هبطت عليه تلك القوة التي مكنته من دفع "فادي" إلى الخلف، فاجتازه متقدما إلى الداخل، ازداد صراخ "أماندا" نحيبا عندما رأته، فهز لها رأسه ألما، لكنه مضى إلى طرف السرير الواسع حيث كانت "سلمى" تمد له يديها الصغيرتين النحيفتين، تصرخ باكية تناديه بما اعتادت أن تناديه به بعبارتها "العربية الإنكليزية" "جدّو ...جدّو..." فاحتضنها بين ذراعيه، كانت ثيابها مبلله من الدموع والعرق معا، وقلبها الصغير يطرق طرقات متتالية متسارعة، وما إن استقرت على صدره، وأحاطت بعنقه بقوة، وتدلت برأسها على كتفه، حتى شعر بسائل ساخن ينسكب من فم "سلمى" فأدرك أن الطفلة قد تقيأت عليه، فمسح شعرها براحة يده، ورمى "فادي" بنظرة حادة، ثم مضى تاركا لهما المكان، هابطا السلم إلى غرفته، والطفلة ابنة الثلاث سنوات تحاول أن تقص عليه بلسانها المتعثر وكلماتها المتقطعة، وشهيقها المتواصل، كيف أن أبوها سحب أمها من شعر رأسها، وكيف أن أمها ضربته بـ"الموبيل" وكيف تعاركا على الأرض و...و... فغسل وجهها، وأحضر لها العصير الذي تحبه، ثم شيئا فشيئا أخذت تفتح "الجارور" الذي اعتادت أن تجد فيه ما يشتريه لها من حلوى وشوكولاه وبسكويت، عندما تسلل إليه في أوقات النهار، فسألته :
- قطعة ...قطعة ايه جدّو!
فابتسم لها برقة وقال:
- اليوم يمكنك أخذ أكثر!...خذي ما تشائين كل هذه الحلوى والشوكولا لك يا جدّو!
قدم رجال"البوليس" أجروا تحقيقا مع "فادي" و"أماندا" ولم ينجً "سامر" والجيران الآخرين، من أسئلتهم، بعد أن عاينوا المكان، وأخذوا بعض خصال شعر "أماندا" من أرض الغرفة وسط ما تبعثر فيها من حطام وبقايا الكثير من الأشياء المكسرة، حتى "سلمى" قالت ما رأت، لكن "أماندا" أسقطت حقها في الإدعاء على "فادي"، فمضى الشاب حرا طليقا، ولكن ليس إلى "أماندا" وطفلته "سلمى" إنما إلى أحضان فتاة جديدة أخرى من فتيات مدينة الـ "سانت جونس" ...
د. أسعد الدندشلي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هيئة التحرير
- الزيارات: 5
شجرة الزعرور
كلّ مسامات جسمه صارت آذانا، صوت "الكابتن" يخترق كل شيء فيه، رغم ثيابه الشتوية الغليظة، "نحن نحلق فوق سماء بيروت ...درجة الحرارة..."
همس: بيروت ...بيروت... وأخيرا! ... تسع سنوات!.. لا! إنها تسع سنوات وخمسة أيام وليلة واحدة....يا الله!
لم ير ابتسامة المضيفة السمراء الممشوقة القوام التي استلطفها منذ بداية الرحلة وهي تقترب منه، تتفحص حزام الأمان الذي يشده إلى المقعد بقوة، قفز فكرة من الطائرة ومن المطار وجد نفسه في "الوادي" في ظل شجرة الزعرورة العتيقة الضخمة، في فسحة الدار، يشرب قهوته في فيئها، يسمع لعصافيرها، ولأيام زمان التي تسكن في أخاديد جذعها، تهب من مرقدها تحبو نحوه، تعشعش في الذاكرة...
أيقظته من غفلته تلك موجة الصفيق من حوله، طار قلبه من صدره، عاد يهمس:
- حقا أنا في بيروت هذه عادة الركاب اللبنانيين العائدين عندما تلامس عجلات الطائرة مدرج المطار!...
صفق ولكن بعد أن توقفت الطائرة، فابتسم علّه يزيح الإرباك الذي شعر به، أمام رفاق السفر الآخرين، فبادلوه الإبتسامات وعبارات التهنئة بالسلامة، فرد بالكثير من الكلمات...
وقف "شاكر" يستعجل مغادرة مقعده، يريد أن يسحب حقيبة يده، فأومأت له المضيفة أن يتريث، ففعل!
- هل ينتظرني " وليد" أم قطع الأمل، وانصرف بعد أن تأخرت الطائرة في "لندن" لأكثر من ثلاث ساعات عن موعدها ... لا بأس سيارات التاكسي تعج أمام المطار أنا في "بيروت"!
خطر بباله لوهلة أن يتمدد على الأرض عندما يهبط من الطائرة، يحضنها، ينشق بقوة حتى تصل إلى أنفه رائحة ترابها، ولو عبدت وفرشت بطبقات من الإسمنت والإسفلت، فهو يعرف كيف يستخرج عبقها، ولن تضلل أنفه في مسعاه رائحة بقايا الزيوت وعجلات الطائرات وآليات الخدمة، لكنه لن يطأ بقدميه الأرض فالتجهيزات الحديثة لن تتركه يفعل ذلك، إذ سرعان ما وجد نفسه يجتاز باب الطائرة إلى الممر "الخرطومي" فالمطار، ليقف في واحد من الصفوف الطويلة قبالة موظف الأمن العام...
شعر بالتعب من حقيبته فأسندها إلى جوار ساقه اليمنى، ولما أطل خارجا من قاعة الوصول، يدفع بصعوبة العربة التي وضّب عليها حقيبتي سفره الكبيرتين، ارتمت عليه الكلمات :
- أبي...أبي !
أحس بدوار تملكه، التفت يمنة يسرة، حوله لم يهتد لمصدر تلك الأصوات، تسع سنوات وخمسة أيام و... لم يسمع مثل هذه الكلمات، يا لله ! شعر أن عظامه، انسحقت في داخله، وأنها لم تعد تقوى على حمله، فاختلت خطواته، واختفى الريق من حلقه، وأن غشاوة بيضاء حطت على نظارته، ولما همّ أن يحفظ توازنه بأن يقف لبعض الوقت، كان "وليد" نجله البكر أول الممسكين يعانقه بشدة، فهمس في شبه غيبوبة:
- لا تقسو علي يا بني لم أعد شابا أقوى على مصارعتك كما أيام زمان!
ولما أحس بدموع ابنتيه، أدرك كم دموعه حارقة، وهي تنسكب على خديه، ثم عانق لأول مرة أحفاده الأربعة الصغار غير مكترث بذهولهم ...
قبل أن يصعد إلى السيارة إلى جانب ولده، قال :
- آه ...كم اشتقت لفنجان القهوة وأنا اسند ظهري إلى "شجرة الزعرور" يا وليد!
- المهم أنك عدت سالما يا والدي....!
- سأمرغ وجهي في أوراقها المتساقطة، وسأترك يديّ تسرحان ما تشاءان على ساقها، كم لو أستطيع بعد هذا العمر أن أعتلي أغصانها!...كم... كم! ...ولكني سأحاول!
- المهم أنك بيننا يا أبي!
شقت السيارة طريقها مجتازة "طرابلس" فطلب "شاكر" التوقف قليلا في ساحة "التل" فملأ رئتيه ببعض من هوائها، نظر في أرجائها...سمع صوت ابنه وليد:
- لدينا الكثير من الوقت لنمضيه هنا...
أخذ ابنه يتمتم أغنية وهو يقود السيارة، باتجاه "عكار" يسترق النظر إلى وجه أبيه خلسة، همس في نفسه :
- كم كبرت! ليتني أعرف كم عانيت وكم تعبت يا أبي! لكنك لا تتحدث عن شيء من هذا يا أبي؟
كان "شاكر" لحظتها قد أغمض جفنيه، واستسلم للنوم، فاستطاع أن يتأمله ما يشاء كلما سمحت له الفرصة، فقد أمضى في الطائرة إحدى عشر ساعة من "الكاريبي" إلى "بيروت" أضف إليها خمس ساعات انتظار في مطار "لندن".
مع توقف هدير السيارة، انتفض "شاكر" في مقعده، ولما فتح عينيه وجد نفسه أمام باب الدار، فاندفع نحو البيت، فيما صوت "وليد" يلاحقه بإلحاح، أن ينتظر قليلا، حاول أن يدفع الباب ويدخل لكنه كان مقفلا ، فانتظر وصول وليد وزوجته وحفيده،
شعر أن يد ابنه ترتعش بعض الشيء وهو يضع المفتاح في مكانه ليفتح الباب، ولما صار في "صحن" البيت علت من صدر"شاكر" شهقة مدوية، وصرخة جارحة كمن أصابته طعنة سكين فجأة:
- ماذا فعلت بشجرة "الزعرور" يا وليد!....بالله عليك ...بالله عليك يا ابني!
وركض إلى مكان الشجرة فوجد بقية أرومتها المستديرة الكبيرة، بمستوى أرض الدار، فانحنى فوقها، ثم جلس القرفصاء قربها، يمرر راحتيه على سطح ما تبقى من جذعها، الذي صيرته شفرة المنشار أملسا بعض الشيء، لم ينطق بأي كلمة
ولم يعد يسمع أي صوت من حوله، حدّق بنظره في شجرته الذبيحة، جثا في المكان، رغم برودة الطقس، كانت السماء تنذر بالمطر، نهض مسرعا أحضر إبريق ماء سكبه فوق بقايا الجذع، يربت فوقها، ينقر بأصابعه عليها من كل الجهات،
جاءه الصوت متوسلا من خلفه:
- أبي لقد هرمت الشجرة، وصارت ملجأ لأوكار النمل والديدان والحشرات، ولم تعد ثمارها كما تعرفها... حولت صحن البيت على مدار السنة إلى...
مرت الأسابيع الثلاثة، "حزم شاكر" حقائبه استعدادا للسفر، ولما هم خارجا من باب الغرفة المطلة على صحن الدار، وجد ابنه وليد وحفيده يحملان إبريق الماء يسقيان ما تبقى من جذع شجرة الزعرور، وفيما هو ينظر إليهما دون أن يشعرهما بما يفعله، وجد ابنه يصيح، وقد توقف عن سكب الماء فوق الجذع، وانحنى فوق المكان:
- يا الله! يا الله ! لقد خرج من جانب الجذع فرعين صغيرين أخضرين يا أبي!
الدكتور: أسعد الدندشلي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- الزيارات: 4
قالت ندى وهي ترى أمها تذرف الدمعات بغزارة:
ـ لم ذبحوه يا أمي؟
نكست الشمس عينيها البديعتين.. تحول لون وجنتيها الوردي البهي إلى دم قان.. صرخ الخجل في مقلتيها.. والبدر..بدا كرة سوداء قاتمة.
قال أبوها :
ـ الأبطال يا ابنتي يعدمون كل فجر. وتأهب للرحيل، كانت هي صغيرة جدا. آنذاك لمحت الذعر في عيني أمها وهي تتوسل إلىأبيها ألا ينخرط في خلية المقاومين..
صرخ الوالد في وجه زوجته بقسوة مجنونة متهما إياها بالجبن لكنها دافعت عن نفسها بقولة مأثورة في أيام حالكة "من خاف سلم" ، استشاط الرجل غيظا : الظلم و الطغيان من خوفنا وضعفنا يتغذى . هدأ وهو يلمح الخوف في عيني ابنته الصغيرة أمل، اقترب منها واحتضنها بقوة ثم ودعها بكلمات لن تنساها أبدا:
ـ إياك والجبن يا ابنتي.. إياك والذل.. يموت الحر منتصبا ولا ينحني أبدا..بعد ذلك حمل بندقيته وغادر دون أن يودع الأم.. ولم تره أمل من يومها. لما كبرت فهمت أن أباها استشهد وهو يدافع عن كرامة بلده.
يرهقها التذكر.. ماذا تقول لندى الآن؟ يباغتها السؤال وهي تغرق في أحزانها "لم ذبحوه يا أمي؟!" أتقول الشجاعة ذُبحت.. هل تحدثها عن مساء حزين وليلة طافحة بالكوابيس.. وعن حلكة فجر دام؟ وتكشف لها مرارة الظلم وبشاعة الصمت؟
قالوا له اركع! فقال لن أركع! بدا الفزع في عيون غادرة عاودت المحاولة : اختر بين الذهب والياقوت أو الموت. لمع
شعاع ابتسامة هادئة في عينين تفيضان حبا وشجاعة: اخترت وطني، حبة رمل من تراب بلدي أغلى عندي من كل مغرياتكم! حاكموه .. خيم صمت رهيب واتنظار ممض. عزلوه عن الناس والعالم وعن محبيه هتف وطني من أجلك أموت.. لا يرهبني الرحيل لكن فراقك يدمي قلبي! أخاف على أطفالك من الجهل والجوع..وعلى حضارة الرافدين العريقة من الاندثار .. لا أخشى الجلاد لأنه جبان، لكني أرتجف على خيراتك أن تمتد لها أياد آثمة وعلى أولادك أن يجزعوا أو يخضعوا ، فتدوس أرضك حوافر صهيون وأتباعه.. فلتذكرني ياوطني إن تنكر لي زمني.ذبحوه فانتصبت العزة ،صرخت الكرامة ، ناحت المحبة والشجاعة. أدمى رحيله قلوبا شُجاعة بكته بحرقة هتفت لا للظلم لعنت الطغيان والخنوع والصمت بصوت عال، ثم عادت وهزجت: صدام لم يرحل هو بيننا وفينا يعيش!
بعد أيام قال الأطفال زارنا في المدارس..حاورنا.حول العلم وحب الأوطان. باحت النساء رأيناه في البيوت يحمل أرغفة ساخنة للأطفال..اعترف الشباب والشيوخ: بدا شاحبا، يملؤه الحزن وهو يرى متاحف العراق مقفرة وينابيع دماء تسيل في شوارعها.. قال أكثرنا نموت نموت ويحيا الوطن
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- الزيارات: 5
أتذكر حين كنا صغارا ، و كان حبنا يحبو نصب أعيننا؟ كنا نخشى عليه الجراح ، و نجزع إن أَنَّ أو تعثر..
كبر حبنا و أينع ، و أزهر عطرا غمر قلوبنا فرحا. تذوقناه فأحببنا الحياة و الناس ، و غفرنا للأيام غضبها و صدها .
زرعنا وردا و ياسمينا ، و جنت أيدينا طيب ما غرسنا . لكن...... ما أصعب هذه اللاّكن!
وما أمرّ طعم حروفها تنزرع في الحلق علقما! حتى قلمي بين أناملي يأبى أن يخطها ألما يسيل في شراييني
أيمكن أن يولد الجفاء من تربة العطاء و البذل؟ هل للود أن يُمسي جراحا تدمي سويعاتنا و ثواني أيامنا؟ و أنا و أنت ،كيف تآمرنا مع الناس على خنق أجمل بسمة على شفاه وليدنا؟
ضَمّنا طائر الوجد الجميل ، بين أحضان روح عذبة ، فحلقنا في فضاءات لا تنتهي ، تضيء دربنا نجوم تتلألأ في حدقاتنا أملا ، و غدا نرنو إليه مزهرا
ما أعذب هذا الإحساس ، ينساب في قلوبنا دفئا و عطرا ! لكن ..كيف يتحول قطعا ثلجية تركض في دمائنا،؟ فتغشى الحياة عتمة ، و نرى الربيع أنصال عشب تجرح أمانينا ؟
:قال أهلك
كيف أسكرته هذه المرأة حدّ الثمالة ، إنه يسمع و يرى من خلالها، يفكر و يحس بعقلها. يا إلاهي ! أنسمح لها أن تدمره هكذا ؟
:و قال أهلي
هو لا شك يحتويها ، حتى لا تتكلم أو تحتج ، أو تقول رأيها إنها تُظهر بشاشة و سعادة ، لكن في صدرها تسبح الهموم . لم لا نتحدث إليها ؟ علها تعي حقيقة ما ينطوي عليه إنسان منحته كل أيامها
ما تحملانه بين ضلوعكما جوهرة حقيقية ، سقيتموها بسنين العمر ،لكن ريحا هوجاء كسرتها بقساوة!
فهل يا ترى حبيبي ، يمكننا أن نلملم شظايا حلمنا النازف؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 4
حال وصوله محطة القطارات المركزية قطع تذكرته في قطار الحادية عشرة والربع ليلا توقف عند كشك وابتاع منه بعض المجلات وصحيفة المساء فأمامه رحلة طويلة تستمر حتى الصباح ليعود إلى مدينته الصاخبة. صعد داخله يبحث على كبينة خالية ليستطيع فيها سحب مقعدين متقابلين على شكل سرير فيستريح قليلا من عناء يوم حافل بالإرهاق والانجازات..!! فكان ما أراد فالقي بحقيبة اليد في المكان المخصص والتي احتوت على حاجياته الضرورية في حال تعثر مهمته واضطراره للمكوث أكثر من يوم فهو لا يترك أبدا مثل هذه القضايا أن تفوته وخاصة في مثل هذه السفريات الطارئة.!! في المحطة الأولى على بعد ساعتين من الإقلاع توقف القطار لتبدأ حركة كثيفة للمسافرين بنزول وصعود فقد كانت محطة تبديل لملتقى قطارات المناطق الأخرى وما زال هو مستلقيا ومتظاهرا بالنوم حتى حطت الأم وابنتها في كبينته التى كان فيها حتى اللحظة وحيدا واستمر هو متظاهرا بالنوم فهناك ما يزال 4 مقاعد خالية حتى أن مفتش التذاكر لم يشاء أن يوقظه والذي عاد فيما بعد عندما علت ضحكاتهم خارج الكبينة ...مرت قرابة الساعة لينهض جالسا وبخفية تنم عن خبرة سابقة ارجع المقعدين إلى وضعهما السابق وجلس هو على أحدهما وأخرج زجاجة ماء من حقيبته وشرب قليلا ثم اتبعها بسيجارة وقبل إشعالها طلب السماح متوجها بحديثه إلى المرأة كبيرة السن كانت في الخمسينات من عمرها فردت مبتسمة لا ضرر فانا من قوم المدخنين أيضا فعزم عليها من سجائره المارلبورو المهرب عبر الحدود فهو رخيص الثمن مقارنة بمثيله من السجائر مدفوعة الجمارك ولكن كثيرين لا يعرفون أماكن بيعها فهي تجارة رائجة لكثير من الشباب العربي الهارب من العوز والحاجة وتفاقم البطالة ،ينتمون في معظمهم إلى دول شمال أفريقيا ..كانت سجائره الأمريكية قبل أن يتقيد بحملة المقاطعة على البضائع الأمريكية لاحقا تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعد أن علم بان شركة فيليب موريس تمنح دولة (إسرائيل ) 12% من صافى أرباحها... فالتقطت واحدة وقام بإشعالها لها من باب الاحترام وعزم على الفتاة الشابة التى ترافقها فرفضت شاكره له كرمه وأخرجت سجائرها الخاصة بسرعة حتى تشاركهم حفلة التدخين الجماعي وقام بإشعالها لها مما جعله يرى عن قرب عيناها اللتان تشبه اللوزتين في الشكل بزرقة مائلة إلى الخضار ؟ في غاية السحر والجمال كبيرتان فعلا تكسوهما رموش طويلة تتربعان على جبهة عريضة ناصعة البياض مائلة إلى الاحمرار الوردي وتحصران بينهما أنف طويل نسبيا يتناسق مع وجهها الرفيع وينساب عليه شعر أصفر فاقع طويل ناعم كخيوط الذهب.. لم يتعمق كثيرا في الحديث الذي انحصر في التعارف وعادات الشعوب في المأكل والملبس والقضايا الاجتماعية الخفيفة مما كانت سببا في علو الضحكات متتالية ومتبادلة لاختلاف الألفاظ أحيانا فيختلف المعنى المراد إيصاله فلم يكن قد مرت عليه فترة كافية لمعرفة أسرار المفردات ودلائلها لشعب يهتم كثيرا لما بين الجمل من عبارات المزاح والتهريج. !! فهن أيضا لم يسبق أن تقابلا مع أجنبى قبل الآن ولهذا كانت رفقة سفر متميزة كان الحديث كله يدور طوال الرحلة مع الأم حديث بسيط في معظمه أما ابنتها فكانت إما نائمة أو شاردة الذهن ؟؟ أو تنفث سجائرها الأمريكية والتي استبدلتها لاحقا وعن قناعة تامة ! شارف القطار على الوصول مع سطوع أشعة شمس التاسعة صباحا وقبل أن يفترقوا جميعهم قامت الأم بكتابة رقم تليفون بيتهم وعنوان سكنهم الذي كان قريبا جدا من مكان مصلحته اليومية ما جعلها تتشجع في كتابته له؟؟ التقطه واحتفظ به في مدونته الخاصة التى يدون فيها عناوين وهواتف أصحابه ومعارفه فهو للحقيقة ضعيف الذاكرة بالأرقام خاصة وكما أعلمني لاحقا بأنه لم يحفظ رقم جواز السفر أو حتى بطاقته الشخصية! وكذلك فعل هو بالمقابل ولم يكن ذا أهمية لأنه لم يستقر في سكنه هذا مطولا.... لم يكن يعلم بأن القدر سيتشكل بعد مضى قرابة أكثر من عام كامل على هذا اللقاء العابر الذي كسرته بضع مكالمات هاتفية منه متباعدة بمناسبات محددة لتبدأ بعدها الأحداث بتسلسل أشبه بأفلام كلاسيكية لتصبح الابنة فيما بعد هي الحب الكبير والأول من نوعه في حياته فقد سبقه حب من نوع آخر تمتزج فيه رائحة الأرض والطبيعة... والذي سيدوم أكثر من ثلاث سنوات كانت من أجمل أيام شبابه تتحول فيها الابنة من لا مبالية به قبل أكثر من عام إلى مدافع عنه حتى آخر رمق أمام أمها وخالها وأصدقائها فمنهم من اقتنع وصادق ومنهم من نأى بنفسه وهادن ومنهم من رفض حبها العنيف بلا حدود وقد يكون في حبها هذا سر كبير لأنها بهذا الغريب (كما أسمته الأم لاحقا ) ذو الأخلاق والشهامة والإرادة والذكاء وعنفوان الشباب الثائر والمنتمى لوطنه السليب..!! استطاعت معه أن تخرج من واقع أليم وضعف في شخصيتها وعذاباتها مع خطيبها البعيد في سكنه وتعقيدات أهله السخيفة لانتمائهم إلى العائلات الارستقراطية البائدة حتى أسدل عليها ستارا من الضجر والكآبة في معظم الأيام التى كانت تمر ثقيلة وبطيئة لتزيدها شعورا بالشيخوخة قبل أوانها فأحالها الغريب إلى امرأة قوية واثقة في مجتمع مادي مهزوز وزائف وسطحي بعيد عن قيم الخير والفضيلة لتتحدى ضعفها أمام أسرتها أولا ومجتمعها ثانيا الذي يتغنى بكرامة وحرية المرأة وهى شعارات ليس لها وجود على أرض الواقع فلا كرامة ولا عزة ولا تقدير لها عمليا بل إعجاب وشهوة للناظرين وسلعة للطامعين وضياع حقوق في العمل فقوانينه مجحفة بحقها حيث لا ينطبق على معظم أماكن العمل لقلة العدد المطلوب وهذا مقصود من أرباب العمل للتحايل على التشريعات الجائرة بحقهن....ولتجسد شخصيتها بكل ما تحويه من معاني كانت هي في أشد الحاجة لها لمجمل الظروف الصعبة المركبة والمعقدة التى أحاطتها منذ وفاة والدها وسيطرة أمها وعائلتها عليها فقد يكون أحد الأسباب القوية التى دفعتها للتشبث به وتحدى المستحيل مع هذا الغريب عن الديار ولتشهد معه وبه مجريات حياة صاخبة ونادرة من الحب والعطاء بلا حدود ومن الألم والعذاب بما لا يعقل ومن الفرح والسعادة بما لا يوصف ومن النجاح والأمل بما يبهر ويبلج الصدر... وفى الجانب الآخر تحولت الأم خلالها إلى أشبه بالعدو الوحيد له جراء أنانية مفرطة ومستهجنة ومخاوف وهواجس في رأسها حتى كانت سببا في نهاية الكون لاحقا ؟؟.... فالأم بهواجسها المريضة شحذت خنجرها المسموم في قلب الحب الكبير وكانت الرصاصة في القلب لحب جارف كاسح لم يتأتى قبله أو بعده حب للبشر!! أيام كان شابا يلهو بالقدر !! و يهوى المغامرة بل ويمارسها بكل مخاطرها!!... كانت بمثابة الجنون بعينه جراء الطرق بسادية هوجاء عمياء محكمة ومتتالية لا تتوقف.. حاصرت الابنة لسنوات دون هوادة ؟ وفى النهاية لم يجد هو بد من شهامة وكرم العربي الأصيل فجذبته ثقافته ومعتقداته التى تسبح في دمائه فهي في جينات تكوينه ولهذا فهي بلا شك تنتصر أخيرا إنها ثقافات الخير والتسامح والتضحية.... فالأم لم تكن هواجسها القاتلة كلها خاطئة فحسب وإنما كانت خطيئتها تجاه ابنتها وخطيبها قد تحولت إلى خطايا مع مرور الزمن وما نهجها في ساديتها تجاه نفسها وتفاقمها يوما بعد يوم إلا كورقة ضاغطة على الابنة مما أسرع بالغريب ليتخذ القرار الصعب والذي لابد منه وان كان مؤلما وقاسيا وتداعياته ستستمر طويلا .. ولكنه كان تعبيرا عن حب كبير يسمو على مغالطات وهواجس الأم التى تحولت إلى أشبه بمرض نفسي خطير لم يفارقها حتى كادت أن تفقد ابنتها الوحيدة التى أصابها انهيار عصبي كاد أن يذهب بها في عوالم المجهول لولا وقوف الحبيب إلى جانبها حتى شفيت سريعا وخرجت من أزمتها فبادرت بعدها الأم مهزومة كي تبدل شيئا من أطباعها المقيتة ولكنه كان قد فات الأوان فالقرار بالتضحية كان قد وقع ونفذ الأمر.. مرت شهور طويلة على فراق قد أفجع الاثنين معا ولكنها التضحية وشهامة رجل أبى أن يكون سببا في مصيبة لحبيبته فهي الوحيدة لأمها أو أن يسجل في قاموس حياته شيئا يخدش من مروءته وأصالته وشهامته يكون له كابوس في المستقبل ينخر بضميره الحي فينحرف عن القيم الأصيلة والذي كان حجته بعدم شعوره بالندم فابتعد نهائيا عنها واختفى بتغيير عنوان سكنه والابتعاد عن أصدقاء قد يرشدونها إليه مختفيا عن العيون ولكنه مع كل الأحزان التى واكبت هذا القرار الصعب وما بعده . في يوم دق تليفون المنزل ..كان حلاقه المفضل الذي تعرف عليه عن طريق خال حبيبته منذ سنوات وما يزال عليه.. كان يتحدث بتأثر واضح حيث اعلمه بأن أم (....) قد توفيت ليلا نتيجة لانهيار عصبي شديد في بيتها فهرع هناك صباحا معزيا أخاها الذي ما يزال يقدر ويحترم له موقفه الرجولي والشهم.. بحث بعينيه الحائرتين ليراها لتقديم واجب العزاء فلم يجدها فشعر بدوار في رأسه وصداع كاد أن يطيح به أرضا وهم بالانصراف فناداه خالها قائلا تعلم بان أختي سامحها الله قد وقعت مريضة بشكل جدي وها هي كما ترى انقلبت عليها أفلامها بشكل حقيقي منذ أن رحلت عنها (....) وتركت البيت بعد شهر تقريبا على خلفية ما حدث بينكما.. لقد نقلت عملها كخبيرة في أكبر مؤسسات التأمين إلى خارج البلاد و.....و...... في هذه اللحظات لم يعد يستمع له ولم يمهله مواصلة حديثه ولم يدعه يسترسل أكثر..... فقد شعر برغبة في البكاء ما لبث أن فاضت عيناه بدموع حارقه شعر بسخونتها تسيل من أسفل نظاراته لتغسل لحيته الخفيفة... وأحس بخفقان قلبه من جديد..وبأفكار تبادرت يقينا إلى ذهنه !!. أخيرا عندما سأله الراوي عن اسم حبيبته أصر الصديق على عدم البوح به على الرغم من مرور أكثر من 20 عاما على قصة حبه الكبير...؟؟؟ إلى اللقاء
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالله الشلماني
- الزيارات: 5
) الدزدان (
( 1 )
... أن تجد نفسك بين أشياء قديمةٍ تذكِّرك بماضٍ جميل , شعورٌ مبهج , يصعب وصفه أو شرح كنهه بالكلمات .. إلا إذا كان من تتحدث إليه قد عايش ذات الشعور . لقد رحل أبي .. ومع رحيله رحل جانبٌ كبيرٌ من جمال ذلك الماضي . لا أدري لماذا انحسرت الوجوه الطيبة عن الدنيا ؟ ليس فقط أبي .. أنا أعني كل الوجوه الطيبة ؟ تضاءلت مساحات الحنان في القلوب .. أصبح للناس وللأمكنة طابعٌ غير الطابع الأول .. أسفرت أغلب الإبتسامات عن أنيابٍ شرسة .. قبيحة .. الدنيا بدون تلك الوجوه قاحلة .. موحشة .. الليل في غياب تلك الوجوه مخلبٌ ضارٍ يتسلل من تحت الوسادات , ليغتال السكينة .. لينغرز في الأحشاء مكمِّماً الصرخة أن تفلت .. الصباحات والمساءات متشابهة .. رتيبة .. مجرد اجترار للزمن وللأشياء .. لم تعد الحياة بعدهم مثل ما كانت .
حتى الذين هم حولنا ممن نحبهم , افترقت بهم الدروب , وتسربوا داخل تشققات الغياب . دخلت على معادلات معاشهم معطياتٌ جديدة , صرنا نحن بموجبها خارج تلك المعادلات . لقد رحل أبي .. لأجد نفسي بعده - وأنا في العقد الثالث من عمري - طفلاً يمشي ويتعثر .. يبكي .. يتفرَّس في الملامح من حوله باحثاً عن حبٍ تبوح به النظرات .. يفتقد لحضن دافيءٍ يرتمي فيه عندما يخاف .. للمسةٍ حانية تهدهد نزقه عندما ينفجر متبرِّماً .. طفلٌ يتيم .. وحيد .. يبكي .. يبكي بحرقة .. يطاله الإعياء من طول البكاء .. يريد أن ينام .. أن ينام طويلاً .. لكنه لم ينم .. فهو يفتقد إلى همس ترنيمةٍ , تعوَّد ألا ينام دون الإنصات إلى صداها يتردد في كيانه ..
صندوق أبي .. البوابة إلى الماضي الجميل .. أشم منه عطر عباءة أبي , تلك التي أذكر أنه دثرني بها معه ذات ليلةٍ شتائيةٍ ماطرة ..
في داخل الصندوق , كانت أشياؤه ترقد بسلام .. المصحف , المسبحة , ساعة معصمه , نظارته الطبية , المروحة المنسوجة من سعف النخيل , سجلات الدكان , رسائلُ وسنداتٌ وفواتيرُ قديمة , و ... والدزدان@ ..
الدزدان الجلدي الأحمر .. المزركش بأناقة فائقة .. إنه من أهم لوازم رجالات ذلك الزمن .. تساءلت :
- كم من المال دخل تلافيف هذا الدزدان خلال خمسة وسبعين عاماً هي عمر أبي وكم من المال خرج ؟ كم من أفواهٍ فاغرةٍ سد رمقها هذا الدزدان ؟ كم خرجت منه من صدقة ؟ كم من قِرى ضيفٍ ومؤونة عائل ؟ كم من ضحكة فرحٍ مشرقة رسمها هذا الدزدان على شفاه سبعة أطفالٍ وأختهم لحظة أن منح ثمن بدلاتهم الجديدة ليلة العيد ؟ أو ثمن الأقلام والألوان والدفاتر وحقائب المدرسة ؟ وكم رسمها على شفاه أمهم وعمتهم التي لم تتزوج وظلت في بيت أخيها , عندما خرجت منه قيمة رحلتهما إلى الحج مع أبـي ؟
كم .. وكم .. وكم ؟ واليوم .. هاهو الدزدان يرقد داخل الصندوق بسلامٍ منذ عشر سنوات . منذ أن أعطانيه أبي حين خرجنا في الصباح سوياً من البيت , فعدت أنا يومها في المساء إلى البيت وحيداً , ولم يعد أبي ..
( 3 )
في ذلك اليوم , شعرت أن المقبرة ليست أبداً بالمكان الكئيب ولا المخيف .. لأنها ضمت بين جنباتها جسد أبي .. الذي سينثر فيها الحب والفرح والبهجة , مثلما كان يفعل معنا .. لأنه سيحمل إليها معه ما كان يتلوه كل يومٍ من الآيات , لـيبدد عنها الغربة والظلام والعزلة .. عشر سنواتٍ مرت .. منذ أن غادرنا أبي مع كل ما كان يمثله من معانٍ لكلمة " رجل " .. ليرقد هناك بسلام . وعشر سنواتٍ مرت .. منذ أن توقف الدزدان عن رسم آخر الإبتسامات المشرقة على الشفاه .. ليرقد هنا بسلام ..
.. رغم أن المشيعين كانوا معنا يومئذٍ بالمئات , إلا أنني لا أتذكر الآن من أصوات تلك المئات , سوى صوت نشيج ابن أخته المتوفاة , والذي عاش في بيت أبي طفلاً يتيماً لسنوات , وصوتٌ آخرُ لم أعرف صاحبه , سمعته يهتف فيما كان البعض يريد إقصائي شفقةً عليَّ من مشهد الدفن :
- دعوه .. دعوه يُدرج أباه في اللحد ..
لم أعد أتذكر سوى هاتين الومضتين .. وكأنه لم ينزل إلى الأرض يومئذٍ من نور الشمس سوى بؤرتين صغيرتين .. كتلك التي تُسلَّط على ممثل المسرح في المشاهد المعتمة .. إحداهما على ابن عمتي وهو ينتحب .. والأخرى عليَّ وأبي .. فيما كنت أُرتِّب له مضجعه المؤقت . يومذاك .. تعانقنا للمرة الأخيرة .. وافترقنا .. على وعدٍ باللقاء في عالمٍ أرحب .. وأجمل .. وأنقى ..!!
* * *