اللعنة .. أين المفتاح ؟ زمجر محتداً ، ثم أخرج إحدى يديه من جيب بنطاله ممسكة به، دسه في الثقب بأصابع مرتعشة وأداره دورتين ؛ فاستجاب الباب لدفعته .. صفقه خلفه وتهاوى على مقعد قريب يقطر جبينه عرقاً رغم برودة الطقس وتلاحقه ذكرى يوم عمل شاق أعادت الكدر إلى نفسه ، فأشعلت به سخطاً دفعه لأن يركل المقعد المقابل بحدة أسقطته أرضاً ؛ فأحدث ضجة أفزعت القط القابع في الركن المقابل ، ففرّ على إثرها هارباً صوب الشرفة . حدق فيه مفجوعاً بعدما كان قد نسيه في زحمة الأفكار التي تتصارع في رأسه ، وتساءل مستفسراً : لماذا لم يأت للتمسح بي مثلما يفعل كل يوم ؟ .. هل يشعر بسوء؟ أم له موقف مني هو الآخر ؟ ؛ لعله استشعر ما بي من سخط ، فآثر أن يظل صامتاً .. اللعنة ! أي أحمق أنا؟! كيف لم ألتفت إلى وجوده ..؟ أ إلى هذا الحد بتُ أنانياً ؟ كيف أنساه وهو ينتظر مجيئي منذ الصباح ؟ عليّ أن أصالحه ، فلابد أنه جائع.. أنا كذلك أشعر بالجوع . وقف متحاملاً على نفسه .. اتجه صوب المطبخ .. فتح البرَّاد .. ألقى نظرة على محتوياته .. تذكر الديك الذي اشتراه بالأمس ، كان قد أعده ليولم عليه عددا من الأصدقاء، لكنهم لم يأتوا لأسباب يجهلها ، فقرر أن يتقاسمه مع القط !. أخرجه بتشفٍ واضح .. وضعه على الموقد ، ثم ذهب لإعداد المائدة ، فشكلت الروائح المتصاعدة من المطبخ ، دعوة صريحة للقط ، لكي يتوجه إلى هناك ، دنا منه وراح يتمسح بقدميه، فوضع أمامه طبقاً يطفح بقطع اللحم ، ثم جلس في مكانه المعتاد من المائدة .. ارتشف من طبق الحساء بضع رشفات ، ثم دس في فمه قطعة لحم ، لاكها مرات متتالية ؛ فأبت أن تستجيب لأضراسه .. بصقها في الوعاء بتقزز ، ثم حمله وأسرع خارجاً صوب الفناء الخلفي للبيت . تبعه القط إلى هناك .. نظر إلى الوعاء .. تشممه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وأصدر مواء أقبلت على إثره قطط الجيران ملبية. تراجع إلى الوراء وراح ينظر إليها بشعور من الرضى ولسان حاله يقول : أنتم أحق بالوليمة من أولئك الأفاقين . عادت حبات العرق تتجمع فوق جبينه مرة أخرى ، يصاحبها انقباض في الصدر ورغبة في التقيؤ تراجع جراءها بخطا مترنحة نحو الأريكة .. استلقى عليها مسترخياً يراقب انكسار الظل على الجدار المقابل للنافذة وطلائع العتمة الزاحفة مع بدايات الغروب ..حاول أن ينهض لإشعال النور؛ فأحس بقواه تخونه .. نظر إلى ساعته ، فأشارت إلى السادسة وبضع دقائق .. همس محدثاً نفسه : سيأتون بعد قليل . خيم الظلام على الصالة .. كسا الأشياء من حوله عدا ذلك البريق الآتي من عيني القط القابع في الركن المقابل .. ينساب إلى أعماقه حاملاً معه ذكرى من طفولته البعيدة ، لم يكن يومها قد تجاوز الخامسة من عمره ، كان عائداً بصحبة أبيه من فرح لأحد الأقارب .. يسير إلى جواره ممسكاً بطرف قمبازه .. زقاق في حي من أحياء بغداد تنبعث منه رائحة عطنة، ونباح كلب يأتي من مكان بعيد يثير الخوف بداخله فترتعش أطرافه و يلتصق بأبيه .. ـ الرجال لا يخافون العتمة ..! " ينهره الأب قائلاً " تفلت صرخة من فمه .. يتشنج على آثارها متشبثاً بأبيه وعيناه لا تبرحان ذلك البريق الآتي من ركن في الزقاق . ـ ألم تر قطاً في حياتك ؟ " صاح الأب مستهجناً " .. ارتسمت على شفتيه ابتسامة سرعان ما خبت تحت دفقة الحنين التي تفجرت بداخله لذكرى الأيام الخالية .. طاف معها في مراحل العمر الأولى .. بغداد بشوارعها .. أزقتها .. مدارسها ومدن أخرى جابها .. لندن .. تونس وأخيراً غزة ، محطات سريعة تشبه احتساء فنجان قهوة على كافتيريا في محطة قطار . يا إلهي كم هي قصيرة هذه الحياة !! همس مفجوعاً ، ثم نظر إلى ساعته مرة أخرى ، فلم يتبين عقاربها .. ضغط على زر الإضاءة الصغير بجانبها الأيمن فأشارت إلى السابعة والنصف.. تساءل ضجراً : لماذا تأخروا ..؟ قد لا يأتون . - لا ..هاهم قادمون .. اسمع وقع أقدامهم في الخارج. - .. ها هو ابن عربي .. هاهي رابعة العدوية .. و.. - أين البقية …؟ لماذا لم يأت باقي الرفاق .. ؟ لماذا يبدوان واجمين على هذا النحو.. ؟ - يبدو أن في الأمر شيئاً ؟ حاول أن يهب للقائهما كالمعتاد ، فأعجزه ثقل يرزح على صدره .. اكتفى بالابتسام وأشار لهما بالجلوس إلى جواره فقبعا في الركن المقابل ، الأمر الذي أثار استهجانه ودفعه لأن يظل محدقاً بهما ؛ فأغفلا وجوده وراحا يتهامسان لبرهة من الوقت ، أخذا ينظران إليه بعدها نظرة ترقب وانتظار أثارت الفزع في نفسه، فكر أن يسألهما عن الرفاق الذين لم يأتوا ، ويبادرهما بالكلام، لكن شيئاً من هذا لم يحدث ، بل زاد الأمر تعقيداً حين انسحبت رابعة من المكان مطأطئة رأسها .. توقفت عند الباب للحظة ، ونظرت إليه بعين منكسرة واختفت . ظل بصره منصباً على تلك الجهة ، أملاً في عودتها ، لكنه بعد فترة تذكر أن هناك من يشاركه الغرفة ، نظر باتجاهه فكست شفتيه ابتسامة فجرها منظر القط المتمرغ في حجر ابن عربي وقد استهوته الأنامل التي تعبث في فروته . أصاخ السمع لطنين آخذ في الزحف من مكان بعيد .. راح يعلو شيئاً فشيئاً مجبراً الأبصار على التحديق إلى الأعلى صوب الجهة الآتي من قبلها ، شدته بؤرة ضوء هناك .. حاول أن يلتفت إليه ليرى ردة فعله تجاه ما يحدث حوله .. مسه شئ داخل ذلك الشعاع اللامتناهي وأجبره على مواصلة التحديق. هالات ضوئية ذات أشكال وأحجام متعددة ، تزحف نحوه.. تدنو منه .. يزداد الطنين قوة ويغمر الأشياء من حوله.. يتهاوى في بؤرة الضوء .. تسكره روائح شذية .. يشعر بالخدر يسرى في عروقه .. يستسلم للنشوة .. تحاصره الأشكال الغريبة .. تتهامس فيما بينها .. تدنو أكثر.. تلامس جسده .. تغوص فيه .. يشعر بها تتسلل إلى أعماقه .. تدور الهمهمات من حوله .. شيء يخرج من داخله .. يومض فيضيء المكان .. تتلقفه الأشكال .. تصعد به عبر ذلك الشعاع .. يحاول اللحاق بها .. فتصده لمسة انكفأ معها على وجهه . يحاصره فراغ مهول أفقد حواسه القدرة على التعامل مع الأشياء أو فهمها . سرعان ما انحسر متراجعاً ، لحظة أن عاد الشعاع مكوناً بؤرة ضوء جديدة ، يقبع في مركزها .. يحاصره طنين الأشكال وهمهماتها تغوص بداخله مرة أخرى.. تعيد له بعضاً من حواسه، ثم تنسحب لتقف على مقربة منه دون أن يزعجها ذلك الضجيج، الآتي من قبل الباب ولا الاندفاع الذي تلاه بفعل عدد من الأشخاص، استطاع أن يميز من بينهم أصوات ثلة من رفاق العمل.. بكاء أحدهم مترحماً . هزته المفاجأة .. همس مستسلماً : إنه الموت إذن. أثارته عبارات البعض .. أنفاسهم حين انحنوا لحمله، إلى العربة الواقفة عند الباب .. أحس ببرودة كف مرت فوق جفنيه لتسبلهما . صاح صاحب الكف متحشرجاً : - أقسم بأنه ابتسم لمشاهدتي ؟! أمّن على قول الرجل دون أن يشعر به أحدٌ . أسلم الجسد للشيخ الذي راح يهيئه للكفن داخل غرفة الموتى .. تدافعت الحشود مودعه .. تبعته إلى المقبرة .. كان ينظر إليها من على عربة المدفع وبه رغبة لأن يبصق على بعضها .. تحوم من حوله الأشكال وصور من شوارع بغداد.. مقاهي لندن .. شاطئ غزة ، وعند باب القبر كان في انتظاره ابن عربي وبقية الرفاق .. أكتوبر 1999