- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد ختاوي
- الزيارات: 5
لا تحوّل مجرى النهر قصة. بقلم / أحمد ختّاوي إن الأصيل .. الجو فاتر جميل ،نسيمات الشوارع الواسعة المزينة بأشجار السرو تبعث حفيفا تهتز له المشاعر .. الناسبين جيئة وذهاب .. كل المحلات والدكاكين مفتوحة ، ماعدا بعض المؤسسات الإدارية . كان يرتدي قمصا شفافا ..تطيّب ثم سرّح شعره الأملس..وانتظر بعد أن أعياه التجوال بالشارع الرئيس الواسع. أسند ظهره بلطف . إلى إحدى الشجيرات خوفا من أن يلطخ قميصه ببقايا علك أو ما قد يعلق بالشجرة . أعاد مشط شعره بحذر كيلا يُهمل تسريحته المعتادة . نظر إلى ساعته بقلق ..وراح يحاور سرا نفسه المتأججة : - تأخرتْ كثيرا ، قد تكون الحافلة مكتظة ...أو أعاقها حشد السيارات ، ما بها اليوم - ..ربما أبواها قد منعاها من الخروج ، لكنها وعدتني بالمجيء ..أقسمتْ مهما كانت الأحوال والظروف أن تأتي وفي الميعاد - يزداد خفقان قلبه ،يسبق في نبضه ترنّحَ ذلك المساء المنعش بأصناف المارة . - يحاور نفسه من جديد. - - ما العائق يا ترى ، وأن ترتيبات الموعد أتممناها معا ، قد تكون أمام المرآة ..هذا بالتأكيد ، أو قد تكون بين هذا الحشد العظيم من المخلوقات .. - يرسل نظرات ثاقبة عشوائية إلى أقصى الشارع ..متمنيا لو كان يرتدي نظارات كاشفة ، أو مجهرا يستطيع تمييز عشرات الناس على بعد مائة متر . - المارة مشغولون بشؤونهم ....حركة دؤوبة يعرفها الشارع ..جمهرة من الأطفال تحلقت ْحول شيخ هرم يترنح من السكر ..أصواتهم البريئة تتعالى ' :( عربيد بيّاع بلادو) . إزدحام الأرصفة يمنع فرز الوجوه . يداهمه سيل من الشباب وهو واقف إلى جذع شجرة يستقريء الآتي في ولع ، وكمن به ولع السنين والغربة يقرر في قرارة نفسه ، مخاطبا إياها : - - حان الآن التفكير في خطبتها ، لم يعد الوقت في صالحي إذا تأخرتُ ، وقد تضاعف مرتبي إعتبارا من التربص الأخير ..ثم أن صالح المغترب بفرنسا قد يأتي هذا الصيف ويأخذها مني ، لن أدعها له ..وإن كان إبن عمها . - تصرع ناظره موجة من الفتيات مررن بقربه يتهامزن بألقاب رجال كانوا قد عاكسوهن ،،أدرك هذا من خلال قهقهة إحداهن وهي تقول ( يا أخي عباد وجهوهم كالقردة )..حدّق فيها مليا بنظرة ثاقبة يستطلع ملامحها وجمالها ، ثم شرع يتصفح في غير تركيز مجلة إقتناها بصورة عشوائية لم يقع عليها اختياره لتخفيف وطأة الإنتظار ،بعدما تأكد أن ( مليكة ) لا توجد رفقة سرب البنات . - يبعث زفرة عالية يُردفها بنفس من سيجارة ( الريم ) . - يزداد الشارع ازدحاما .. صفير السيارات يصرع كيانه .. - وتمر الدقائق . - يختلط الشارع الواسع بهواجسه .. يتصوره لعبة صغيرة في يد طفل أو ضبابا في يوم بارد ،بالرغم من صفاء الجو في ذاك المساء ..تتشابه الوجوه أمامه، وهو واقف يستقريء اللحظات القادمة .. يهم بالإنصراف ، لكنه يتردد.. يداهمه نفر آخر من الشباب ..: الفريق الوطني الجزائري استعاد قوته وانسجامه ، جملة تفوّه بها أحدهم، كانت آخر ما التقطه بالرغم من محاولة تتبع ملامح المارة والغوص إلى مكامن إنشغالاتهم ،قبل أن يتلقى ضربة من منكب أحد المارة غير متعمدة .. - - اسمح لي –آه- رشيد ، ما ذا تفعل هنا ؟ - ويتعانقان بحرارة ..يدعوه لشرب قهوة بأحد المقاهي المجاورة ..يمتنع وقلبه يتقطع إربا إربا ..وبصوت مرتجف غير واع،يصدر عدة جمل لم يفهم منها صديقه سوى هذه الجملة (بودّي) لكنني أنتظر موعدا هاما ..يلح عليه..يمتنع..ينبض قلبه . - وتنبض الدقائق . - والناس في زهو يحرثون الشارع الواسع بين ذهاب وإياب ..فيما صديقه يكثر من الإلحاح..يتسمّر في مكانه كأنه مغروس مع الشجرة .. يلقي إليها نظرة حادة كأنه يوصيها ..يقبل الدعوة على مضض ..ثم يشد يد صديقه مرتجفا .. - ويتواريان عن الشجرة . - كان الشارع قد بدأ يستريح من مارته . - رشيد في صوت ممزوج بالخجل والتطلع، وهو يحاول رشف ما تبقى من القهوة في الفنجان : - - في الحقيقة يا ( مصطفى) ثم يصمت..يغلبه الخجل .. - - ماذا وراءك .. وما ذا يعتريك ..أرى وجهك شاحبا ؟ .. - --لا ..لا...لا... لا شيء..استيقظتُ اليوم باكرا ..ويحاول أن يحدّثَ مصطفى ،لكنه يخفق..كمن يخطب بنتا مباشرة من أبيها .. ثم يواصل . - -أتعبني المشي هذا اليوم.. يرمق ساعته خلسة ،فإذا هي الثامنة ليلا .. يدير رأسه صوب باب المقهى ،يترصد أخبار المارة .. يبادره مصطفى الحديث : - - قل لي كيف حالك ؟ . - - لا بأس ، والله ..سوى .. أنني . - - ماذا ؟ - - تعتريني بعض التقلبات النفسية هذه الأيام لم أعرف كنهها ..ربما نتيجة الإرهاق . - مصطفى وقد فهم الوضع : - - إنك تعشق يا رشيد ،من هي هذه الفتاة ؟. - يحاول كتمان السر ، لكن ملامحه تفضحه. - - كنتُ أعشق ..والآن انقطعت عن العشق بعدما اكتشفت – كما تعلم – خيانة ( نجاة) .. - - لا تحاول الهروب يا رشيد،عيونك تترجم ما تخفيه، قل لي من هذه التي ملكتْ قلبك .. ؟ - يمتنع عن البوح .. لكنه يتشجع .. فيرد في ارتباك : - - أصبتَ يا مصطفى .. تسكن قلبي فتاة جميلة إسمها ( مليكة) . - ودون تردد يرد مصطفى : - - تلك الفتاة التي قدّمتها لي مرة عند مدخل الجامعة .؟ - - هي بالذات ..ما رأيك فيها ؟ . - - جميلة، لكن ما نوع هذه العلاقة؟ . - يلملم رشيد لعابه : . - - سأنوي الزواج بها إن شاء الله ، لأن والدتي داهمتها الشيخوخة .. أما أختي الكبرى فستتزوج بعد شهر .. يتنهد ،ثم يضيف : . - - مسكينة أمي تعبثْ كثيرا في تربيتي وإعالتي بمنحتها الزهيدة التي تتلقاها لقاء نبل أبي الشهيد..وحتى إخوتي الأربعة لم ينجحوا في دراستهم. : - لا تحمل هما ..الآن أصبحتَ رجلا .. وموظفا محترما .. باستطاعتك تعويض الآم أمك إبان الإستعمار .. لكنني أوصيك بالتروي في اختيار شريكة حياتك.. يطرق رشيد..: ذاك ما يشغلني – على الصعيد المادي. - -والفتاة ، هل تعرف شيئا عنها ؟ . - يقطع حديثهما شاب غزير الشعر .. عريض المنكبين .. يتصدر باب المقهى طولا وعرضا .: - - صح عليكم يا شباب .. - - آه- ( السمينة) تعال يقولها رشيد وكأنه يحاول إشراكه الحديث: . - - فيما تتحدثان يا شباب ، يقول ( السمينة) في لهجة مفعمة بالتطلع والطرافة والتنكيت؟ هذه الجلسة غير عادية ؟ . - يقولان معا: . - - عادية ، ولا تنقصها إلا نوادر ( السمينة) .. - - ها هو'( السمينة) أمامكما ،ما ذا تبغيان منه؟ - في وجل ينطق رشيد:. - - اتهمني مصطفى بالعشق ، وقد أقلعتُ عنه . - له الحق ،يرد ( السمينة) : أنت حطمتَ الرقم القياسي فيه ..وتنفي ذلك عن نفسك .. - تملأ ضحكاتهم جو المقهى ..نكتُ ( السمينة) وتعددها تخترق هواجس وشعور رشيد الذي يبادر ( السمينة) بالقول: - - هذه المرة سيكون عشقي أبديا ،،سيدوم ..سينتقل إلى طفل أسميه بإسم أبي ..وطفلة وديعة أسميها بإسم والدتي التي كانت تطحن دقيق الجيران لقاء أجر زهيد .. أو صحن (كسكسي) (مبلل أكل منه أهل الدار) .. سأتزوج هذه المرة يا( السمينة) . - -ومن ستكون فراشة بيتك الخاوي ؟. - - (مليكة)بنت النجار .. - يتسمر ( السمينة ) في مكانه ..دارت الدنيا دورتها أمام عينيه :. - - لا تُحوّل مجرى النهر ، إن أباها هو الذي قتل أباك .. - تنطفيء بعض أنوار المقهى .كان المارة يسكنون إلى منازلهم الدافئة . - . - - - - - . - - - - :. - - - -
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالكريم القيشوري
- الزيارات: 4
حدثنا با لمعطي ذلك الرجل الطاعن في السن، المشتهر بمستملحاته و حكاياته الغريبة والعجيبة، وهو يسترجع ذكريات طفولته و شبابه بإحدى الأحياء التي كان يقطنها ، بأسلوب مشوق جعلنا نتحلق حوله، متخذيه مركزا لقطر دائري، مشخصين الأبصار في طريقة حكيه ومفتحين البصائر في المعاني البليغة التي تتضمنها مروياته٠٠
حدثنا قائلا : كان يوجد بحينا القديم ، رجل قوي يدعى الغول، طويل القامة، عريض المنكبين، واسع الصدر شكلا ،ضيقه رأفة ورحمة ٠٠يعبث بكل المخلوقات والأشياء، لا يدع ولا يذر ولا يخاف لومة لائم٠٠ولا يحن قلبه لمن استعطفه أو استنجد به ٠ لم يكن أحد يتجرأ للإشارة إليه ولو بالبنان٠٠بل السلطة الأمنية تهابه و تخشاه لهول ما يقوم به وتسمع عنه جبروته٠٠الكل يسعى للنجاة من بطشه٠٠استمر الحال على هذا المنوال إلى أن ضاق الجميع بهذا الذل والهوان ٠
بدأت مناوشات أفراد الحي جنينية تستفهم حول الوضع ، حي بكامله يخاف ويهاب رجل واحد ؟
كبرت الاستفهامات وكثرت معها الاجتماعات الخلوية زرافات وأفرادا٠٠كيف لرجل لمجرد اسمه الغول أن يزرع الرعب والهلع والخوف والبطش في حي بكامله٠؟
دوت صرخات جماعية داخلية محدثة ثورة بلا٠٠لا؛لا؛لا، وألف لا٠ يجب من الآن إعلان راية العصيان ؛ لا للذل ، لا للهوان ، لا للفرقة ،لا لا، لا٠٠ونعم للوحدة؛ نعم للتضامن ، نعم للتكتل٠٠!٠لم يكن يدرك الغول ما يحاك ضده للإطاحة به ، وإصابته بالضربة القاضية ٠ إستقررأي أفراد الحي على الكيد للغول بعدما وصل السيل الزبى، وذلك بالتربص له عند مقدمه فرادى و جماعات، هنا وهناك٠٠والالتفاف حوله بعد توزيع المهام فيما بينهم ٠ فمنهم من أسند إليه أمر رميه بالتراب على وجهه ليفقد السيطرة على نفسه وعدم تمكينه من الرؤية ، ومنهم من أسندت إليه عملية طرحه أرضا و إسقاطه وهي أصعب المهمات باعتبار الغول جبلا متحركا وليس جسما آدميا ٠ توحدت القوى ،فجعلت من الغول عود ثقاب بعدما جعلته طريحا على الأرض ينهال عليه بالرفسات والركلات، واللكمات من كل حدب وصوب، حيث خارت قواه ، وأصبح كحمل وديع يئن٠٠لم يستسغ آخرون أنينه أضافوا إليه صنفا آخر من الرفس والركل والسب و الشتم واللعن٠٠! كانت الضربة القاضية للغول ، ألحق على إثرها المستشفى ليلفظ أنفاسه الأخيرة٠ أخيرا سقط الغول بفعل تضامن أفراد الحي جميعهم وإذاقته الأذى الذي أذاقهم إياه لسنين٠٠سقط الجبار الظالم ؛ وكل جبار ظالم لا بد وأن تخور قواه كما خارت قوى الغول إن عاجلا أم آجلا ٠ عمت الفرحة الحي ، وعلت زغردات النساء معلنة نهاية مرحلة٠٠صاح الأطفال مهرولين ، سقط الغـــــــــــول ؛ سقط الغـــــــــــــــول٠٠٠
إسترد الحي حياته الطبيعية ؛ تحسنت العلاقات بين الأفراد٠٠؛ كثر التزاور بين الأسر و العائلات والأصدقاء٠٠أصبح الحي يضرب به المثل في الحياة العامة٠ ونحن ننصت بإذعان إلى با المعطي ذلك الرجل الطاعن في السن ؛ البشوش السريرة ، ذو الوجه الوضاء ،واللحية المنسدلة التي ينبعث منها الوقار ، وهو يسرد لنا حكاية الحي الذي كان يقطنه ، طلب منا في الختام ، أن نبلغ عنه الغائبين حكاية سقوط الغول ٠ وهأنذا قد بلغت فاشهدوا ٠٠
تحياتي: القيشوري
- التفاصيل
- كتب بواسطة: الحسين عصمة- الخميسات/ المغرب
- الزيارات: 4
(الفصل السابع من رواية قيد الإعداد للطبع)
على غير عادته عاد عمر باكرا إلى الدار. لقد قرر أن يكون له بعد اليوم شأن آخر مع نفسه ووقته وكل حياته.. قرر وعلى الفور بدأ في التنفيذ.. نجاح صديقه إدريس في إحدى المباريات كان بمثابة الصفعة التي أيقظته من سباته، وجعلته ينتبه إلى حاضره ومستقبله. كيف سيكون موقفه ووضعه في الدوار وأمام أسرته حينما سيصبح إدريس موظفا محترما ويبقى هو مجرد بائع خضار رغم أنهما حاصلان على نفس الشهادة .. الإجازة ! لن يبقى له عندئذ أي مبرر لعطالته. فأزمة التشغيل واستفحال الرشوه والمحسوبية في التوظبف .. باتت مبررات واهية وقد تحداها إدريس بعد أن تمكن أخيرا من انتزاع النجاح في مباراة لوزارة الداخلية. فما معنى ألا يرفع هو مثل هذا التحدي ويتمكن مما تمكن منه صاحبه ؟ تصور عمر صاحبه إدريس وهو يرتدي حلة أنيقة وتتدلى على صدره ربطة عنق حريرية تداعبها نسمات الريح.. تصوره وهو يقتحم الدوار ممتطيا سيارة فارهة تمشي متهادية بين دروبه تتبعها نظرات الإعجاب، وخاصة إعجاب الفتيات . هؤلاء اللواتي ستتطلع كل واحدة منهن لأن يكون إدريس من نصيبها .أما هو فرغم مستواه الدراسي، فإنه لن يكون في أعين الناس غير بائع خضار كسائر الباعة والحرفيين الأميين وربما أقل ممن لم يصل بعد إلى كفائتهم وحنكتهم . طيلة اليوم لم يشعر بجوع ولا بعطش.. ولم يشعر برغبة في الكلام أو المزاح كعادته دائما مع زملائه في السويقة.. يحس كأن أنفاسه تكاد تتوقف ويوشك أن يختنق.. عبئ ثقيل ثقيل يجثم على كل كيانه دفعة واحدة ويشل كل قواه.. يدفعه نحو الإنهيار..لكنه لا يبهار. وهذا سبب تعاسته .إذ لو انهار لارتاح ولانتهى كل شيئ ! ! بيد أن بصيص المقاومة الذي لا يزال ينبض فيه يحرمه من هذه الراحة . عبثا يحاول أن يقاوم وهو يبدأ نظامه الجديد كمن بيدأ الخطوة الأولى في طريق رحلة طويلة لا يعرف أين ولا كيف ستنتهي . في ركن البيت الذي اتخذه مأواه الخاص جلس يرتب على منضدة صغيرة بعض الكتب والمجلات التي جاء يحملها معه. لقد عقد العزم على أن يعيد ربط صلته معها ليتصدى لكل المباريات المحتملة بعد أن كان قد فقد ثقته فيها ويئس منها تماما..غير بعيد من مكانه كانت والدته وأخته منهمكتان في شؤونهما المنزلية. حين دخل والده وهو يلعن الزمن ويسخط على الأوضاع كعادته، ألقى بجسده النحيل على مقربة من زوجته. وما إن لفت انتباهه وجود ولده عمر حتى بادره بشكل تلقائي :
- أنت هنا ؟!
لم يرد عمر على تساؤل والده لأن سؤاله لا يحتاج إلى رد.. بل ضل منكبا على الكتب والمجلات التي بين يديه يرتبها ويتصفحها ..إلى أن فاجأه والده قائلا :
- الناس دبروا على روسهم ونت عاد رجعتي للكتب ! !
عرف أبوه خبر نجاح إدريس إذن.. ! وكيف ؟ ..لا شك أن السي سليمان والد إدريس هو الذي أخبره..لم يستطع كتمان سر نجاح ولده فأذاعه بين أصدقائه..من حقه أن يفتخر بولده..لكن ماذا سيقول هو؟ ! لم يزد على أن قال:
- بالكتب دبروا.
وكانت والدته أكثر دقة وهي تسأل في نفس الوقت :
- وشكون تاني اللى دبر على راسو ؟
وأقبل الرجل على زوجته غير عابئ برد ولده :
- الشوطين ديال مصطفى ولد بوشتى ! !
- بوشتى الحلاوي ؟!
- وشحال من بوشتى كاين فالدوار؟!
تنفس علي الصعداء.. الأمر إذن لا يتعلق بصديقه إدريس.. ولكن الأمر مع ذلك أثار انتباهه.فهو يعرف مصطفى هذا ..شاب غادر المدرسة باكرا وتقلب في حرف كثيرة لم يصمد في أية واحدة منها..اشتغل خبازا ونجارا وبائع حلويات ومرطبات مثل والده .. لكنه سرعان ما ترك ذلك كله للوقوف مع الشباب بالساحة الكبرى للحي أمام الدكاكين وحول حلقات لاعبي الورق.. ترى أي عمل اختار هذه المرة حتى ينال إعجاب والده .. وكأن والدته تلقفت ما يجول بخاطره فسألت زوجها :
- ومالو هاد مصطفى فاش اخدم ؟!
- امشى ل مصطفى ! !
- امشى للخاريج.. وشكون اداه ! !
- شكون داه ..داوه درعانو ! !
- وشكون دبر ليه الكنترادا ! !
- الكنترادا ؟! انت هبيلة ولا مالك .. باقي اليوم الناس يمشيو للخاريج بالكنترادا اليوم ما كاين غير الحريك
- لحريك ؟! الله يستر أسيدي ..الرزق عند الله.
- الله يستر..أنوضي الله يجبك على خير ..الحريك ساهل ؟! راه ما تيحركوا غير الرجال اللي تيغامروا ويوصلوا ويديروا الفايدة لهم ولوالدهم..
- إلى وصلوا . وإلى ما وصلوش ؟
- إلى ما وصلوش وحدة اللي كاينة ! !
- ياك لباس أسدي .. وبوشتى سخى بولدو ما خافش عليه يديه البحر ! !
- أنضي الله يجيبك على خير .. ولد بوشتى وصل وهدر مع باه كال ليه وصلنا بخير وعلى خير وراه حنا دبا فسبانيا ! !
تتبع عمر باهتمام هذا الحوار الذي دار بين والديه، خبر ذهاب مصطفى هذا للخارج جاء ليزيد حالته النفسية تأزما، ولتعمق من الهوة السحيقة التي يهوي فيها.. بعد عام أو عامين سيعود مصطفى ولد بوشتى من الخارج بسيارة فارهة وربما مصحوبا بشقراء .. حتى وإن كانت في عمر أمه .. سيصبح حديث الناس وموضع تقديرهم واحترامهم ..سيعتبره الجميع رجلا عرف كيف ينفلت من قبضة الفقر وبراثين الضياع.. الناس لايهمهم إلا المظاهر والشكليات ، أما ما يمكن أن تخفيه وراءها من تضحيات ومعانات ومن أثمنة باهظة تقتطع أحيانا من رصيد الشرف والمبادئ، فهذا ما لا يكاد يلتفت إليه أحد. لن يتساءل الناس كيف وصل مصطفى إلى إسبانيا ولا مذا كان يشتغل هناك ولا كيف كان يشتغل.. ولن يتذكر الناس مستواه الثقافي ولا حتى سلوكه الأخلاقي.. سيهتم الناس فقط بمظهره وسيتساءلون عن مقدار ما جلبه من أموال وأين عساه سيصرفها و يستثمرها.. أما هو، فلإن بقي على حاله هذه فلن يهتم أحد لأمره ولن يتذكر أحد أنه من طلائع المجازين الأوائل بالدوار .. وحتى إن ذكروا له هذا الجانب فللتعريض والشماتة وليس للتقدير والإكبار.لا قيمة اليوم لشيئ لا يمكن ترجمته إلى أشياء مادية يراها الناس بأعينهم وتهفوا إليها قلوبهم . فها هو ذا أبوه بدأ يتحدث عن مصطفى ولد بوشتى يشيئ من التقدير والإعجاب، هو الذي طالما احتقره وعيره بكونه شابا لا يصلح لشيئ. ومن الآن بدأ يتوقع ما سينجزه بعد عودته المظفرة من الخارج. قال الرجل لامرأته :
- سترين .. بعد أقل من عام سيعود ذلك الشويطن ليخرج أسرته من هذا الحي اللعين .. سيشتري لهم دارا في المدينة وسيصرف لوالده أجرة منتظمة تعفيه من بيع الحلويات والمرطبات للأطفال عند أبواب المدارس.. ولا يستبعد أن يقيم لأخيه مشروعا تجاريا وأن..
قاطعته زوجته وكأنها تريد أن تعيده إلى جادة صوابه:
- يا رجل .. الفتى لم يكد يصل إلى الخارج و الله وحده يعلم ماذا سيكون مصيره هناك، وأنت هنا تتوقع ماذا سيكون من أمره بعد عودته..
- قلت لك وسوف سترين ! !
- ماذا سأرى .. كان الله في عون ولد بوشتى المسكين من أعين الناس وأولهم أنت ! !
- أنا لا أحسده يا امرأة.. أنا فقط معجب بشهامته . لقد فاجأني ذلك الولد .. كنت أحسبه رخوا لا يصلح لشيئ فإذا هو رجل.
اهتز قلب عمر لهذا الكلام الذي يصدر عن والده على مسمع منه. لم يكن يحسب أنه سيقسو عليه إلى هذا الحد الذي يضربه في صميم كرامته.. ولم يدر عندها كيف خرج من صمته قائلا:
- رجل ؟ فقط لأنه غامر وهاجر أصبح رجلا ! فما بال من لم يغامروا لسبب من الأسباب .. أليسوا رجالا ؟! !
أدركت والدته مدى تأثره بمقالة أبيه فقالت تآزره :
هذا رجل أحمق لا يعي ما يقول ..
رد هو بإصرار:
- بل أعي جيدا ما أقول. المغامرة هي الرجولة والرجولة هي المغامرة.
وعلق عمر بتوتر حاول جاهدا مداراته :
- بل قل الرجولة هي المال والمال هو الرجولة ! !
وعلى الفور رد والده :
- لا فرق ! ! ولماذا يغامر الناس ؟ أليس من أجل المال ؟ وكيف يحصل الناس على المال ؟ أليس عن طريق المغامرة ؟ ! !
عروق عمر أصبحت مرجلا تغلي فيها دمائه من شدة الحنق على والده، أو بالأحرى على منطق تفكيره هذا الموغل في النفعية . أيقن للمرة الألف أن والده لا يكن له أي تقدير وهو على وضعه هذا ، بل إنه سيحتقره وهو يرى أترابه يتمكنون من الظفر بأعمال تدر عليهم مداخيل محترمة وقارة فيما يقعد هو قانعا بأقل القليل. هل من حق والده أن يقسو عليه كل هذه القسوة ؟ لو كان يفعل ذلك من باب حرصه على مستقبله ورغبته في أن يرى ابنه ذا شأن لغفرها له.. ولكنه موقن كل اليقين أن الذي يهم أباه في المقام الأول هو نفسه. إنه يريد أن ينتفع هو ويجني الثمار هو ولا يعنيه بعد ذلك أن يرضى ابنه أو يسخط أن يسعد أو أن يشقى.. ومع ذلك فإنه والده ! ! ولأنه والده وحتى لا تتكرس في نفسه مشاعر غير لائقة تجاهه، حاول أن يجد له بعض الأعذار .. فهو رجل أمي عانى كثيرا منذ طفولته من قساوة العيش، وباشر معترك الحياة مبكرا دون أن ينتزع من هذه الحياة شيئا غير لقمة عيش صعبة مريرة . لم تبتسم له الحياة يوما، فكيف يبتسم لها هو وكيف ينظر إليها بأمان واطمئنان ؟ أهم وأغلى درس تعلمه من الحياة هو أنها غابة تتصارع فيها بضراوة كل قوى الشر.. أما قوى الخير فلا وجود لها بالمرة في هذا العالم ! ! ولقد فهمت أم عمر عقلية زوجها بالفطرة وطول المعاشرة. فرغم أنها كانت دائما تعارضه وتكيل له اللوم على أفكاره ومواقفه الجافة الخشنة، إلا أنها، في غيابه كانت تدافع عنه أمام أبنائها خاصة حينما تحس أنه يقسو عليهم. كانت دائما تقول :
- الشقي .. قسوة قلبه من شدة قسوة قلوب الناس عليه.. منذ صغره كتب عليه ألا يذوق طعم الرحمة وكتب علينا ألا نذوقه معه.
أضفت هذه الخواطر بعض الإرتياح على قلب عمر .. كان الوقت يقترب من الغروب.. بدا له أن يخرج ليستنشق بعض نسمات الهواء .. اقتلع جسده ودفع به نحو الخارج دون أن يكون قد حدد أية وجهة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اسلام مصباح
- الزيارات: 4
أمنية ما بعد الموت
منذ ألاف السنين جاء مسافر غريب من الفضاء الخارجي إلى الأرض، كان قويا ومن شعب متقدم، قطع مسافات خرافية ليرى أهل الأرض، صحيح انه أحبهم ولكنه حب السيد للعبد، كان يعتقد أنه بسهولة سيصبح ملكا على الأرض، كان يعتقد انه بقوته سيخضع كل بشري لسطوته، كان يعتقد انه بذكائه ووسامته وكبريائه وعلو مكانته سيجندل كل فتيات الأرض في هواه.
دار حول الأرض لسنوات عديدة، كان عمره مئة ضعف عمر البشري العادي، فظهرت أجيال وماتت أجيال وهو ما يزال في قمة شبابه، ولم يكترث لوجود أية بشرية لأنه عرف أنها ستذوب في هواه بمجرد رؤيته، لقد كان غريبا وقويا ووسيما، حتى أن فتيات الأرض ظنوه إله وعبدوه، ولكن في مكان ما على الأرض ظهرت هي، أجمل بشرية سكنت هذه الأرض بعد حواء، أو هي حواء وقد عادت للحياة مرة أخرى، وكانت كأي حواء تهوى شخصا ما، فلاح فقير ولكنها تحبه ويحبها، شاهدها ذلك المسافر ووقع على الفور في غرامها، طلبها للزواج ولكنها رفضت ، حاول أن يغريها بالذهب والكنوز التي لم تقع عينا فتاة أرضية عليها من قبل ، وعدها بالخلود والقوة والعلم، وعدها أنه سيأخذها في رحلة لتشاهد الكون كله، ولكنها رفضت حبه وأصرت على حبها للفلاح الفقير.
هددها أنه سيقتل ذلك الفلاح إذا لم تطعه، ولكنها أخبرته ضاحكة إنه بقتله للفلاح ستزداد كرها له ولن تحبه أبدا، هددها أنه سيقتل أهلها، هددها أنه سيحرق الأرض، ولكنها رفضت طلبه بشجاعة، دار حول الأرض عدة مرات بمركبته وهو يطلق النيران منها عاليا، شاهد سكان الأرض نارا هائلة في السماء وعيون نارية تنظر لهم بغضب هادر، كل أهل الأرض سجدوا إلا هي، سجدوا في وحشية وحاولوا أن يقنعوها ويجبروها بالقوة، حتى الفلاح تخلى عنها وأخبرها بكرهه لها لأنها ستتركه يحترق، ولكنها رفضت.. رفضت وأصرت على موقفها، صعدت على الجبل ليراها المسافر في مركبته ويراها الناس على الأرض، وضعت ساقا على ساق بينما المسافر يدور في السماء وهو يهددها بالتدمير الشامل، سجد سكان الأرض مرات عديدة له ولكنها ظلت تضحك ولم تغير من جلستها، تلك الساق المستهترة فوق الساق الساخرة.
بكى المسافر أمامها وتوسل، تضرع إليها وأخبرها أنها ستصبح ملكته، ستصبح ملكة الأرض كلها، ثم عاد ليبكي بين يديها، قبل قدميها، ولكنه لم يجد منها سوى الرفض، حاول لفترة طويلة للغاية وجرب كل الطرق إلى قلبها، حتى انه سجد أمامها.. ثم لم يجد في النهاية إلا أن يقتل نفسه أمامها فقط لتشعر ببعض الحزن عليه أو يصاب قلبها بالأسف.. فقط الأسف.. هذا كل ما يريده، أقصى أمانيه أن تأسف على موته، أو تتذكر هيئته الحزينة وحبه لها في يوم من الأيام، هددها بذلك، سحب سلاحه وحز عنقه في بطء، ولكنها ظلت مبتسمة ورافضة، فقط عندما سالت دماؤه أمامها نهضت ووضعت يدها على شعره الأشقر، نظرت في عينه ذات اللون الغريب، تفحصت نظرته الحزينة ومعالم الهوى على وجهه، عندها فقط سالت دمعة حارة من عينيها وطبعت قبلة على رأسه.. لقد رفضت حبه وهو حي قوي، وقبلته هو ميت ضعيف.. ولكنها عرفت أنها حققت آخر أمانيه.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابتسام شاكوش
- الزيارات: 5
عنترة
استباحت خيل الأعداء ديار بني عبس , نهبت الأموال وسبيت عبلة مع النساء , ركض شداد الى أبنائه صارخا بأعلى صوته : النار ولا العار , لم يكترث أحد لصراخه
صرخ مرة أخرى أمام عنترة : كر عليهم يا عنترة
لم يجبه أحد
أعاد رجاءه : كر وانت حر , سألحقك بنسبي لتكون فارس بني عبس
رفع عنترة رأسه على مهل وتوقفت يداه عن فرز الأوراق والشهادات في الدرج أمامه التفت الى شداد قائلا بهزء : وما أفعل بنسبك ؟ ما أفعل بالحرية التي تعدني بها ؟ وبالفروسية ؟ أنا لا أملك ما يكفيني لتسديد فواتير الهاتف الجوال لي ولعبلة , أريد وظيفة تؤمن لي دخلا دسما فوق الراتب المعلوم , فهل لديك الواسطة؟
عبلة
سبيت عبلة مع نساء بني عبس واقتيدت في موكب الاماء , تلفتت للوراء , لم تر عنترة , صرخت تناديه فما استجاب , مدت يدها من خلال القيد الى حقيبة يدها , أخرجت المرآة وعلبة الألوان , أصلحت ماكياجها وجرت مهرولة الى حارس الموكب ,الجالس خلف نظارة سوداء في سيارة شبحية , لتشكو له تعب ساقيها من المسير في الطابور
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد مشّة
- الزيارات: 4
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد مشّة
- الزيارات: 3
- التفاصيل
- كتب بواسطة: وسيم المغربى
- الزيارات: 4
تخلع نعليك وتنتعل الأرض.. تُمنطق ما سمعت عن الفقه فتنزع الحذاء الأيسر فالأيمن وتدخل باليمنى فاليسرى.. تطفح أنفك بروائح جوارب لأرجل عفنة، تسُد معها كل منافذ الإحساس بالجمال، تنبعج لديك مفاهيم الإيمان وتنسحب تخيلاتك عن النسائم العنبرية العطرة.. من ذات المنطق الفقهي تتحاشى تخطي الرقاب.. تقاوم شعورك بالرصد، تمحو شعورك المضني بأنك المذنب الأوحد هنا.. بأنك نفثة شر وسط أخيار... تُسقط كل العيون المتطلعة إليك من الذهن، تُقنع نفسك بأنها وسوسة شيطان، وأن رغبتك في تطهير الروح العطنة لن تأتي على طبق من زبرجد.. حين تضع حذاءك بين أقرانه _عظيمًا بين وضعاء_ يواتيك قلق تتذكر على أعتابه سرقة حذاء جارك من بعيد، وتستعيد مظهره المركب، (بدلة) وفي القدم قبقاب!، فتطفو على وجهك بسمة.. تتربع أرضًا فور سماعك للخطيب المرتقي فوق المنبر يُلقي السلام.. ترد مع الباقين، تخرج المسبحة الزرقاء من جيبك لتعيش الحالة.. تُكبّر، تحوقل، تستغفر فيرق القلب خضوعًا.. يختل النسق الروحاني بموسيقى تنبعث من نقال إثر رنة.. تلتف مع الجمع تجاه المصدر فيسارع باتخاذ ما يلزم ليواري خجله.. تحصد عيناك المكان.. ترنو أذنك لصوت مستنكر «استدر نحو المنبر والقبلة أثناء الخطبة.» تلحظ المعني جالسًا بمواجهتك تبدو من جبهته علامة سجود يستند بظهره إلى أحد الأعمدة الموسومة بالزخرف.. تستغرق منك الدهشة إزاء فعله المزري بعض الوقت.. تنتبه لصوت الخطيب يستنكر على البعض استدبار القبلة، تشك بأنه قد سمع.. تتتبع دهشتك قيام المواجه بتذمر، حذاؤه بيده، يتمتم أثناء حراكه للبعيد حيث يضيع. يتسلل لثغرتَي وجهك رحيق أعواد بخور هندي يستدعي تخيلاتك المنسحبة.. تتجلى مراسم خشوعك من جديد حين تحاول الغوص في حديث الشيخ.. تصعد مع ما يتلو من آيات حيث مراتب النور.. تخضع لتكفير دنسك بالتندم.. ترتد بك الذكريات حيث أوقات البوار، مناطق التشظي التي كانت تدب بعيشتك صبح مساء.. حينها كنت تبحث عن الوصال، عن التخلص من كل قيود الجسد الفاني والعودة. تفريطك مد المسافة، جعلها قاسية قصية.. لكنك كنت تعلم أن الباب منفتح لكل باحث عن سكينة، وأنت الآن في المنبع.... تخترقك كلمات المنبر «لابد وأن نأخذ بالأسباب.».. تشعر أنها موجهة نحوك، مسددة لعقر قلبك، تؤكد لك فداحة غيابك بالكلية عن الأصل.. وأن خطواتك إلى النبع كانت حتمية لتغتسل وتتطهر. تشمل خلايا جسدك قشعريرة وترق في العين دمعة توبة.... يتمازج بإحساسك صوت مزعج.. تستبعد توقعك عما يكون.. تبحث عن يمينك، يسارك، هناك رجل نائم!.. تخبط كفًا بكف وتهز الرأس.. يقفز لعقلك قول (يأكل أرزاً مع الملائكة) تُفكر، أفي وضع كهذا تحيطه ملائكة؟!.. تجف دمعتك فوق حبات المسبحة.. تلوح تعابير الاستياء من أرجائك.. تتخبط بتلافيفك كل آيات القرآن وأحاديث النبوة.. تتماهى كل المعاني وتبهت.. توقف بالتروي جموح كيانك وتتبرأ مضغتك من الخطايا... تصب كافة حواسك صوب المنبر، حتى نبرات اللعب الطفولية بين صغيرين بقربك تمحوها مسامعك، وتريحك زجرة لأحد الرجال تقذفهم بعيدًا عنك... تصفو وتنشد السكينة.... تسمع «ارفعوا أكف الضراعة بالدعاء.».. تلبي وأنت تسأل الله التثبيت وتعود تكررها.. تتأرجح فتُزيد الكَرّة.. تنظر الساحة تميل أمامك والأعمدة منقلبة.. تستعيذ وتدعو.... تلحظ شخصين أمامًا يتهامسان، وتسمع فردين خلفك يتضاحكان.. كل الشفاه تتحرك.. يصّعّد في السماء صدرك.. تعثو وسط أفكارك "كلنا مذنبون.".... تعود كلمات المنبر لاختراقك «اللهم انصرنا على القوم الكافرين.. اللهم دمر الـ...».. تنتبه!!.... «وحطم الـ.......».. تتوقف!!.... «اللهم خذ الـ......».. تتجمد وحدك بين كُل منساق لقول «آمين.». تتسمر كثيرًا هاهنا.. تتلمس نقطة ارتكاز.. تصفعك خدعة الأخذ بالأسباب وتجاهد لمنع أذنك عن أن تستطيل.. تُفتضح براهين العجز في ناظريك وتكتشف فجأة أن هنالك أكثر من قبلة.. تبتلعك دوامة الزيف المحيط.. تدور رحاها فيك.. خَدَعَ.. يخدعُ.. خدعة، فهو مخدوع.. وهم مخدوعون.. يخدعون أنفسهم وأنفسهم تخدعهم.. يخدعون بعضهم.. مثلك مثلهم.. أحكامك على وشك الصدور فالنفاذ.... يُختتم الدعاء وأنت على شفا حفرة.... من الباب الخلفي يدخل محمولاً حينها، جسد مُكفن بالبياض ليقبع في نهاية الساحة، تلاحقه أصوات عويل وصراخ يقوض جدران احتمالك.. تهز كل ما بقي منك.. تتداعى نفسك المطمئنة.. تجدك ذاتك كزجاجة في مرمى تراشق بالحصى... «حي على الصلاة.. حي على الفلاح.» الكل على الأقدام واقفون يولون إلى القبلة شطرهم.... بينما حصاتك تولي قدمك شطر الباب الخلفي.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مصطفى الشمري
- الزيارات: 5
السلام عليكم ورحمة لله وبركاته
في يوم من
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مصطفى الشمري
- الزيارات: 5
السلام عليكم ورحمة لله وبركاته
في يوم
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زمن عبد زيد
- الزيارات: 5
قصة قصيرة
النوارس لا تحب الحرب
زمن عبد زيد الكرعاوي
كانت الاسراب البيضاء تحلق فوق زرقة الشاطيء مكونة لوحة للحب والحياة وكنت أفض بكارة الفجر برمي بقايا الخبز نحو قلب الشاطئ فتحلق حولها النوارس، طالما عشقت النوارس شاطئ الكوفة ، لكنها تكره مدن الحرب لذلك هجرت شاطئها وباتت حزينة فشربنا من مائه حزنا ، حتى الجسر الذي كان ساجدا أمام القبة الشريفة بخشوع صارت سجدته مثقلة متعبة ، وصار الصمت المشوب بحذر دستورا للمدينة وأهلها لايخترقه سوى أحاديث وضحكات المراهقين الملونة والمتفجرة عشقا وبعض شقاوة الاطفال وهم يعبثون بواجهات المحلات أثناء توجههم لمدارسهم .
كنا نتلظى في جوف تنور الصيف المبكر وحين يداهمنا الليل الأصم الأبكم بخطاه الثقيلة ويطبق بسواده فوق هامات المنازل المنكسرة لايخترق سواده سوى بعض المصابيح الخجلة التي لم يصلها ( القطع المبرمج ) للكهرباء ، فالتحالف الثلاثي بين التيار الكهربائي والصيف المتلظي والليل الأبكم جعلني اهرب للنوم فوق سطح المنزل ألتحف السماء واسأل الله ان يبعث نسمات هواء عذبة ، وسواء استجاب الدعاء ام لم يستجب تثقل جفوني بتعب وإرهاق اليوم الطويل وانهض صباحا على صوت المنبه يتبعه صوت الديك الذي يقابلني على ( التشريفة ) .
تلك الليلة حلمت بريح نتنة كانت تهب نحو مدينتي ثم جاءت سحابة حمراء تحمل عطرا طيبا غطى على الرائحة النتنة ثم امطرت تلك السحابة مطرها الأحمر ، صرخ منبه الساعة ، تثاقلت بفتح عينيَّ منتظرا
( مشاكس السطح ) ان يصيح الا ان الصوت الذي سمعته غريبا ، فتحت عينيَّ فرأيت هذا الغراب الأسود يقابلني على التشريفة بنظراته الغريبة فقفزت نحوه مشمرا بيديَّ
ــ كش كش
طار مبتعدا
ــ اللهم العن الشيطان
لبست قلقي وشددت على رأسي محاولا محاصرة بقايا هذا الكابوس الذي يسبب لي الصداع ، أغلقت باب الدار محاولا غلق باب التفكير ، سمعت صوت الشيخ ابي علي وهو يقرأ دعاءه الذي كلما سمعته تسمرت في مكاني لتشرب اذناي منه
ــ أصبحنا وأصبح الملك والعظمة لله وحده لأشريك له ، اللهم أسألك ان تجعل اول النهار صلاحا ووسطه فلاحا واخره نجاحا
وكعادتي رددت
ــ امين
وقبل ان اجتاز بابه خرج ولده علي يحمل بيده ( الموبايل ) واضعا بأذنه ( الهايتفون ) يستمع لأغنية يتمايل معها طربا
ــ صباح الخير . تسمع دعاء ابي؟
ــ كالعادة . وماذا تسمع انت ؟
ــ اغنية . اتود سماعها ؟
ــ انا بعجلة من امري
تلقفتني الشوارع الملتوية كأفعى والتي طالما ابتلعتني وقذفتني نحو ( شارع الجسر ) محاولا اختراقه وسط زحام الباعة والمتسوقين، الأصوات متزاحمة ممتزجة تؤلف سمفونية الحياة او كما يسميها اخي ( سمفونية الكد والشقاء ) فصوت بائع الطماطم
ــ ( احمر وريان)
يمتزج بصوت بائع الرقي
ــ ( احمر حلو وبجودة وماي الورد بخدودة )
اما رجل المرور فيقف بوسط الشارع مصفرا ( كمايسترو ) لتكتمل صورة الجوقة مع منبهات السيارات التي توقفت استجابة لأشاراته وصفارته ممتزجة مع ضحكات ( وكركرات ) طلبة الابتدائية وهم يخترقون الشارع عرضا نحو مدرسة( العقيلية الابتدائية ) ضحكاتهم كانت تدغدغ وجه الصبح .
تلقفني الشارع الجانبي ليرميني في محل عملي ،الضحكات الندية لملائكة الصباح ما زالت ترطب اذنيَّ وبزحمة هذه السمفونية الحياتية شممت رائحة نتنة وسمعت مكابح سيارة ثم انفجارا ، اهتزت الارض تحت قدمي ، تطاير الحديد وزجاج واجهات المحلات الذي راح يشظي ويذبح كل من يطاله، علت ألسنة النار واعمدة الدخان ، هرعت مع مئات الراكضين اللاهثين نحو الانفجار كانت الاصوات الراكضة تردد
ــ سيارة مفخخة
ــ انفجرت سيارة مفخخة ؟ على من ؟ لايوجد امريكان في المنطقة .
صار ( شارع الجسر ) لوحـة دمـوية، تتناثر على الاسفلت وعلى الارصفة ، بقايا جثث لشيوخ ونساء واطفـال وشباب ، لـون الدم مـع سواد الاسفلت جعـل العـيون معتمـة والاشـلاء المتناثرة مـع حطـام المحـلات اطفئت ضحكـات الشباب،هرعـت نحـو باب
( مدرسة العقيلية )فتسمرت امام ذراع طفل مبتورة تشبث كفها بحقيبته المدرسية ، ارتعدت مفاصلي والتفت الارض من حولي فسقطتُ مغشيا عليَّ
تمت
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خالد شاتي
- الزيارات: 4
تجـــــــــــــــــاوز
خالد شاتي
كان رجلاً لايشبه احد من رجال اهل الارض بكل قناعاته وتطلعاته,او ربما كان يظن انه خُلق لغير زمانه,لا لانه يعتقد انه الافضل أو انه قد عاش حياة افضل من حياة الاخرين,بل لانه يشعرأنه
أنسان وأنسان فقط من دون اضافات من شانهاأن تلقي بضلال القلق عليه.
لم اكن اعرفه بالمرة, كان هذا الرجل يستحوذ على حديث الاصحاب في مجالسهم الكثيرة,وكان هو بالضبط بوصلة أنسا نيتهم التي اضاعتها هموم العيش والفاقة واشياء اخرى بات الجميع يعرفها,
نعم ظل هكذا مليىء بالحياة حد السكر والثمالة,ومع هذا وذاك كان محورا لجلسات الاصحاب من دون تمييز,حتى تلك القدرة التي يتمتع بها من اصطناع الحوادث اصطناعا غريبا يغري على تمسكهم به,كان وعاء اهاتهم ومشاكلهم الذي يحتويهم من دون كلل او ملل يذكر,الكل يراه وعلى الدوام ضاحكا باسما,هذا ما قاله احد اصحابه وهو يصفه وعينيه تهربان الى تلك الفضاءات الواسعة وكأنه يبحث عنه بين تلك الغيوم الملبدة هناك وكأنها جبال عظيمة.
لم تكن معه الا كامرته الصغيرة يحملها معه اينما ذهب كأنها ابنته أو من بقية اسرته,فلم يُشاهد من دونها ابدا,كان مولعا بالتقاط الاحداث والمشاهد تحت كل الظروف والاسباب,
حتى أهل منطقته لم يكترثوا عندما يرونه يتسلق حائطهم الكبير ليلتقط صورة لطائر يلتقط شي من غصن صغير بين منقاره ويحرص أن لا يسقط منه,أهل منطقته الذين الفوا كل تلك الحركات التي يقوم بها من جلوس على الارض بملابسه الانيقة ليصور طفل صغير بيده لعبة يقبلها ويحظنها بقوة
واخرى يجلس القرفصاء تحت اشعة شمس الصيف اللاهب ليقتنص لقطة يعدها خطيرة جدا وهي ان ترمى قشرة موز قرب باب مدرسة للاطفال فيجلس هنيهات ليرى ردة فعل الاطفال حيالها,
هكذا فكل تصرفاته لم تعد تثير الناس الذين يعيشون بقربه حتى وأن رؤه ممددا على الارض كميت
ليصور لقطة لطائر في السماء,هكذا هو من دون أي اضافات اخرى,
قيل لي أنه يُحب الخضرة والربيع جدا وكانت اسا ريره تتفتح مع تفتح واخضرار الاشجار , لانه لم يكن يفصل نفسه عنها,وطالما شبه روحه بها,فعندما تزهر الاوراق والاشجار ,كان يزهر معها فيملىء الدنيا ضحكا وسرورا,وكان ان مرت به مواسم الخريف والذبول كأنها ترسل له اشارات غامضة تحيله الى ركام وذبول فيكتم الضحكة ويطفى البسمة ويتيه بعيدا عن نفسه وعن اصحابه.
حتى اصحابه يذكرون تلك الحادثة الرهيبة والتي كانت سببا مباشرا في القضاء على حياته برمتها فهم يذكرون جيدا ذلك اليوم الذي دعاهم معه لزرع برعم صغير لشجر (السدرة),فجاءوا معه وهم يتغامزون ويتهامسون عليه وعلى اصراره في زرعها قرب بيتهم القريب نوعا ما من الشارع العام وفعلا تم زرعها وكانوا يروا بام اعينهم كيف كان يعتني بها حد الغرابة وكانه يعتني بنفسه هو ويداريها ايما مداراة.
حتى تلك الامسيات التي كان ياتي بها الى بيته متاخرا في الليل ينظر بعا طفة غريبة عندما تقع عينيه على تلك الوريقات الناهظة با ستحياء فوق اغصان واهية نوعا ما,تحركها أي ريح بسيطة كيفما تشاء,فيجلس على الارض بهندامه المتكلفة ليمسح عن تلك الوريقات بقية الغبار المتكاثف فوقها لانه يظن ان هذا الغباريخنقها أن بقى عليها حتى صباح الغد,وعندما يطمئن عليها يغلق بابه وينام.
كبُرت تلك الشجيرة أمام عينيه وهو ينظر اليها بعطف وشغف كأنه أب حنون يخاف عليها من نسمات الهواء المارة قربها, لم ارى أنا ذلك بعيني لكن كان الكل يعرفه ويتعامل معه كواقع يعيشه هذا الرجل
بكل احداثه,حتى أنه أثار حفيضة جيرانه الذين اخذوا يتتلصصون عليه من وراء جدران بيوتهم كلما يخرج ليسقيها فيتعجبون ويزدادون تعلقا به وبشجرته اليافعة.
كبُرت شجرة(السدرة) والقت بضلالها الباسقة على بيته لتضلله بضلال منعش وكأنها ترد الجميل باحسن منه فترسل خضرتها وثمارها رسالة واضحة يٌفهم من خلالها انه قام بما هو مطلوب منه إنسانيا وادى ما عليه من واجب رعايتها وحمايتها باكمل صورة؟
كان مزهوا بها جدا حتى بات الاصحاب يدعون له ولشجرته بالعمر المديد,وهذا وحده يكفي ليجعل هذا الرجل يعيش فترة احلى ما يكون او يتمنى مع شجرته الحالمة.
لم ينسى تلك الساعة المشؤمة عندما جا ءه ذلك الاشعار الحكومي بقطعها بسبب انها تقف حائلا في بناء شارع جديد يمر عبرها.
لم ينم ليلتها يتقلب كتقلب اوراقها الخضر ,يتنهد كرفيف اغصانها الطرية,أنه يذكر تلك الليلة التي سبقت قطعها,عندما خرج اليها فجلس امامها طويلا لتمر امام عينيه حياته كلها بمرها وحلوها واخضرارها ويبسها.
يدخن سيكارته بنفس عميق يجعل من دخانها يتطاير بين اوراقها واغصانها ويلتف حولها كانه يقبلها او يحنو عليها,فهو يعلم علم اليقين أن جلسته امامها الان لا تعدوا الا ان تكون الاخيرة قبل تنفيذ حكم الاعدام بها وقطعها بتهمة(التجاوز) على ممتلكات الدولة(اليس الشارع من ممتلكات الدولة)!
حتى اخذ يسئل نفسه مليا هل أ نه هو المتجاوز فعلا ام شجرته وهل هي مَن ينفذ بها هذا الحكم ام هو
لكنه لا يهتدي لجواب لاتخاذ قراره الاخيروموقفه من ذلك التجاوز القاتل؟
في جلسته الاخيرة وقبل تردي حالته الصحية التي لم يرى بعدها حتى مماته,كان يروي تلك الحادثة بمرارة لم يعهدها اصحابه منه من قبل.
جاء(الشفل) يآن وأنا آآن معه ازداد أنينه فا زداد أنيني حتى قطع شجرتي فوقعت مغشيا علي!!!
ذبل يبست ايامه جفت عضامه,لم يشخص الاطباء علته ولم يهتدوا الى وصفة من شائنها أن تشفيه او تقلل من دائه حتى ذبل ومـــــــــات!!!
هذا ما جرى بالضبط او هكذا قيل لي على لسان احد اصحابه الذين عا يشوه وعاشوا معه تلك القصة العجيبة بكل تفاصيلها.
_________________