شجرة الزعرور
كلّ مسامات جسمه صارت آذانا، صوت "الكابتن" يخترق كل شيء فيه، رغم ثيابه الشتوية الغليظة، "نحن نحلق فوق سماء بيروت ...درجة الحرارة..."
همس: بيروت ...بيروت... وأخيرا! ... تسع سنوات!.. لا! إنها تسع سنوات وخمسة أيام وليلة واحدة....يا الله!
لم ير ابتسامة المضيفة السمراء الممشوقة القوام التي استلطفها منذ بداية الرحلة وهي تقترب منه، تتفحص حزام الأمان الذي يشده إلى المقعد بقوة، قفز فكرة من الطائرة ومن المطار وجد نفسه في "الوادي" في ظل شجرة الزعرورة العتيقة الضخمة، في فسحة الدار، يشرب قهوته في فيئها، يسمع لعصافيرها، ولأيام زمان التي تسكن في أخاديد جذعها، تهب من مرقدها تحبو نحوه، تعشعش في الذاكرة...
أيقظته من غفلته تلك موجة الصفيق من حوله، طار قلبه من صدره، عاد يهمس:
- حقا أنا في بيروت هذه عادة الركاب اللبنانيين العائدين عندما تلامس عجلات الطائرة مدرج المطار!...
صفق ولكن بعد أن توقفت الطائرة، فابتسم علّه يزيح الإرباك الذي شعر به، أمام رفاق السفر الآخرين، فبادلوه الإبتسامات وعبارات التهنئة بالسلامة، فرد بالكثير من الكلمات...
وقف "شاكر" يستعجل مغادرة مقعده، يريد أن يسحب حقيبة يده، فأومأت له المضيفة أن يتريث، ففعل!
- هل ينتظرني " وليد" أم قطع الأمل، وانصرف بعد أن تأخرت الطائرة في "لندن" لأكثر من ثلاث ساعات عن موعدها ... لا بأس سيارات التاكسي تعج أمام المطار أنا في "بيروت"!
خطر بباله لوهلة أن يتمدد على الأرض عندما يهبط من الطائرة، يحضنها، ينشق بقوة حتى تصل إلى أنفه رائحة ترابها، ولو عبدت وفرشت بطبقات من الإسمنت والإسفلت، فهو يعرف كيف يستخرج عبقها، ولن تضلل أنفه في مسعاه رائحة بقايا الزيوت وعجلات الطائرات وآليات الخدمة، لكنه لن يطأ بقدميه الأرض فالتجهيزات الحديثة لن تتركه يفعل ذلك، إذ سرعان ما وجد نفسه يجتاز باب الطائرة إلى الممر "الخرطومي" فالمطار، ليقف في واحد من الصفوف الطويلة قبالة موظف الأمن العام...
شعر بالتعب من حقيبته فأسندها إلى جوار ساقه اليمنى، ولما أطل خارجا من قاعة الوصول، يدفع بصعوبة العربة التي وضّب عليها حقيبتي سفره الكبيرتين، ارتمت عليه الكلمات :
- أبي...أبي !
أحس بدوار تملكه، التفت يمنة يسرة، حوله لم يهتد لمصدر تلك الأصوات، تسع سنوات وخمسة أيام و... لم يسمع مثل هذه الكلمات، يا لله ! شعر أن عظامه، انسحقت في داخله، وأنها لم تعد تقوى على حمله، فاختلت خطواته، واختفى الريق من حلقه، وأن غشاوة بيضاء حطت على نظارته، ولما همّ أن يحفظ توازنه بأن يقف لبعض الوقت، كان "وليد" نجله البكر أول الممسكين يعانقه بشدة، فهمس في شبه غيبوبة:
- لا تقسو علي يا بني لم أعد شابا أقوى على مصارعتك كما أيام زمان!
ولما أحس بدموع ابنتيه، أدرك كم دموعه حارقة، وهي تنسكب على خديه، ثم عانق لأول مرة أحفاده الأربعة الصغار غير مكترث بذهولهم ...
قبل أن يصعد إلى السيارة إلى جانب ولده، قال :
- آه ...كم اشتقت لفنجان القهوة وأنا اسند ظهري إلى "شجرة الزعرور" يا وليد!
- المهم أنك عدت سالما يا والدي....!
- سأمرغ وجهي في أوراقها المتساقطة، وسأترك يديّ تسرحان ما تشاءان على ساقها، كم لو أستطيع بعد هذا العمر أن أعتلي أغصانها!...كم... كم! ...ولكني سأحاول!
- المهم أنك بيننا يا أبي!
شقت السيارة طريقها مجتازة "طرابلس" فطلب "شاكر" التوقف قليلا في ساحة "التل" فملأ رئتيه ببعض من هوائها، نظر في أرجائها...سمع صوت ابنه وليد:
- لدينا الكثير من الوقت لنمضيه هنا...
أخذ ابنه يتمتم أغنية وهو يقود السيارة، باتجاه "عكار" يسترق النظر إلى وجه أبيه خلسة، همس في نفسه :
- كم كبرت! ليتني أعرف كم عانيت وكم تعبت يا أبي! لكنك لا تتحدث عن شيء من هذا يا أبي؟
كان "شاكر" لحظتها قد أغمض جفنيه، واستسلم للنوم، فاستطاع أن يتأمله ما يشاء كلما سمحت له الفرصة، فقد أمضى في الطائرة إحدى عشر ساعة من "الكاريبي" إلى "بيروت" أضف إليها خمس ساعات انتظار في مطار "لندن".
مع توقف هدير السيارة، انتفض "شاكر" في مقعده، ولما فتح عينيه وجد نفسه أمام باب الدار، فاندفع نحو البيت، فيما صوت "وليد" يلاحقه بإلحاح، أن ينتظر قليلا، حاول أن يدفع الباب ويدخل لكنه كان مقفلا ، فانتظر وصول وليد وزوجته وحفيده،
شعر أن يد ابنه ترتعش بعض الشيء وهو يضع المفتاح في مكانه ليفتح الباب، ولما صار في "صحن" البيت علت من صدر"شاكر" شهقة مدوية، وصرخة جارحة كمن أصابته طعنة سكين فجأة:
- ماذا فعلت بشجرة "الزعرور" يا وليد!....بالله عليك ...بالله عليك يا ابني!
وركض إلى مكان الشجرة فوجد بقية أرومتها المستديرة الكبيرة، بمستوى أرض الدار، فانحنى فوقها، ثم جلس القرفصاء قربها، يمرر راحتيه على سطح ما تبقى من جذعها، الذي صيرته شفرة المنشار أملسا بعض الشيء، لم ينطق بأي كلمة
ولم يعد يسمع أي صوت من حوله، حدّق بنظره في شجرته الذبيحة، جثا في المكان، رغم برودة الطقس، كانت السماء تنذر بالمطر، نهض مسرعا أحضر إبريق ماء سكبه فوق بقايا الجذع، يربت فوقها، ينقر بأصابعه عليها من كل الجهات،
جاءه الصوت متوسلا من خلفه:
- أبي لقد هرمت الشجرة، وصارت ملجأ لأوكار النمل والديدان والحشرات، ولم تعد ثمارها كما تعرفها... حولت صحن البيت على مدار السنة إلى...
مرت الأسابيع الثلاثة، "حزم شاكر" حقائبه استعدادا للسفر، ولما هم خارجا من باب الغرفة المطلة على صحن الدار، وجد ابنه وليد وحفيده يحملان إبريق الماء يسقيان ما تبقى من جذع شجرة الزعرور، وفيما هو ينظر إليهما دون أن يشعرهما بما يفعله، وجد ابنه يصيح، وقد توقف عن سكب الماء فوق الجذع، وانحنى فوق المكان:
- يا الله! يا الله ! لقد خرج من جانب الجذع فرعين صغيرين أخضرين يا أبي!
الدكتور: أسعد الدندشلي