سلمى...
قصة قصيرة:
تنقل "سامر" بين النافذة وسريره، تمنى لأول مرة أن تكون غرفته أوسع، ولما اشتد الصراخ الحاد القادم من خلف السقف والجدران، اتكأ على كرسيه، حانيا جزعه، كيفما تيسر له، يشتهي لو تسقط أذنيه من مكانهما حتى لا يسمع شيئا!
- يا لجنونهما! يا لهما من شابين تعيسين حقا! يتصارعان ليلا ونهارا يستبيحان أي سبب ليتعاركا، لكن الأمر لم يعد يطاق!
توقف قليلا عن التفكير ، فقد سمع ارتطام شيء ما يتحطم بقوة !
صرخ بصوت شق سكون غرفته:
- "سلمى"...و"سلمى" كيف هي الآن!
حملق في السقف تمنى لو أمكن لنظراته أن تخترق "الإسمنت" وما عليه، ويرى حال تلك الطفلة البائسة في هذه المعركة الحمقاء، عاد يمشي ذهابا إيابا، وهو يحادث نفسه:
- حتما هي الآن تجثو باكية في واحدة من زوايا الغرفة، ترتجف! لا والدها "فادي" العربي، يهتم لحالها، ولا أمها "أماندا" الملوّنة من سكان الجزيرة تولي هذه الصغيرة شيئا من الأمان!
عاد صوتاهما أكثر قوة وصخبا، فهو يسمع عبارات الشتم الفاحشة، وكلمات السباب السيئة باللغة الإنكليزية وبكل وضوح، تختلط مع أصوات قادمة أخرى، تكهن أنها ارتطام جسميهما في الجدران أو سقوطهما على الأرض، لفظاظة الصوت وضخامة الضجيج، همّ أن يصعد إليهما، لكنه تذكر أنه في المرات السابقة، ولاسيما الأخيرة من شجارهما، حين حاول أن يصلح بينهما، كيف خذله "فادي" بقسوة، وأسمعه كلمات لم يحترم فيه حتى سنين عمره، فشعر بقرارة أعماقه بالحزن والأسى على هذا الشاب، لكنه الآن يحنق عليه لتصرّفاته الرعناء، ولعلاقاته المتعددة بالفتيات، غير آبه إلى أنه صار أب لـ "سلمى" من دون زواج، وأنه يعيش مع "أماندا" معا، ولكنه يصرّ على أن يبقي بينه وبينها عشرات العلاقات مع أخريات من الفتيات...
لم يهدأ الصراخ ! لكنه ميّز هذه المرة من بين كل الأصوات صرخة "سلمى" المدوية التي كادت تنتزع منه قلبه، فأخرجته عن طوره، فاندفع والشرر يسبقه، يقفز كل درجتين معا، وجد بعض الجيران الآخرين في وضعيات مختلفة في الشرفة أمام الباب الذي كان مفتوحا على مصراعيه، فدخل مسرعا إلى الصالون، في حين أغلق "فادي" الباب على نفسه وعلى "أماندا" ومعهما طلفلتها "سلمى" وما يزال صوته يختلط بصوت نحيب "أماندا"المرتفع جدا، طرق الباب عليهما بقوة، مرارا، إلى أن فتح له، فأطل "فادي" برأسه، وقد تخضب وجهه بألوان باهتة متماوجة ما بين الإصفرار والزرقة والإحمرار، فعاجله بعد لحظات سريعة من تبادل النظرات الغاضبة، بحركة سريعة لإغلاق الباب بوجهه، فلم يدري "سامر" من أين هبطت عليه تلك القوة التي مكنته من دفع "فادي" إلى الخلف، فاجتازه متقدما إلى الداخل، ازداد صراخ "أماندا" نحيبا عندما رأته، فهز لها رأسه ألما، لكنه مضى إلى طرف السرير الواسع حيث كانت "سلمى" تمد له يديها الصغيرتين النحيفتين، تصرخ باكية تناديه بما اعتادت أن تناديه به بعبارتها "العربية الإنكليزية" "جدّو ...جدّو..." فاحتضنها بين ذراعيه، كانت ثيابها مبلله من الدموع والعرق معا، وقلبها الصغير يطرق طرقات متتالية متسارعة، وما إن استقرت على صدره، وأحاطت بعنقه بقوة، وتدلت برأسها على كتفه، حتى شعر بسائل ساخن ينسكب من فم "سلمى" فأدرك أن الطفلة قد تقيأت عليه، فمسح شعرها براحة يده، ورمى "فادي" بنظرة حادة، ثم مضى تاركا لهما المكان، هابطا السلم إلى غرفته، والطفلة ابنة الثلاث سنوات تحاول أن تقص عليه بلسانها المتعثر وكلماتها المتقطعة، وشهيقها المتواصل، كيف أن أبوها سحب أمها من شعر رأسها، وكيف أن أمها ضربته بـ"الموبيل" وكيف تعاركا على الأرض و...و... فغسل وجهها، وأحضر لها العصير الذي تحبه، ثم شيئا فشيئا أخذت تفتح "الجارور" الذي اعتادت أن تجد فيه ما يشتريه لها من حلوى وشوكولاه وبسكويت، عندما تسلل إليه في أوقات النهار، فسألته :
- قطعة ...قطعة ايه جدّو!
فابتسم لها برقة وقال:
- اليوم يمكنك أخذ أكثر!...خذي ما تشائين كل هذه الحلوى والشوكولا لك يا جدّو!
قدم رجال"البوليس" أجروا تحقيقا مع "فادي" و"أماندا" ولم ينجً "سامر" والجيران الآخرين، من أسئلتهم، بعد أن عاينوا المكان، وأخذوا بعض خصال شعر "أماندا" من أرض الغرفة وسط ما تبعثر فيها من حطام وبقايا الكثير من الأشياء المكسرة، حتى "سلمى" قالت ما رأت، لكن "أماندا" أسقطت حقها في الإدعاء على "فادي"، فمضى الشاب حرا طليقا، ولكن ليس إلى "أماندا" وطفلته "سلمى" إنما إلى أحضان فتاة جديدة أخرى من فتيات مدينة الـ "سانت جونس" ...
د. أسعد الدندشلي