- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر حمّش
- الزيارات: 4
دنيا الحمير
قصة قصيرة
عمر حمّش / قاص وروائي من غزة...
من إلى القاع المفروش بالروث يدفعني؟
إلى كلب يتمطى!
وصديق يزدان، ويأتيني!
يختال ويأتيني!
- أغمض عينيك وافتحهما أضعك في حضرة أصحاب السلطان!
فنبح الكلب، والروث علا!
ولما اندار صديقي، انكشف ذيل، فتباهى، ونهق، ثمّ غاص في نهر الروث، وتعمّق!
أمّا الكلب فصار يجوح كمنكوب!
لحظتها جسدي هبّ للمرآة!
قلت: أغسل وجهي!
فهاج في عينيّ حمار!
أغرقت رأسي في الصنبور، لكنّ لسانا تدلى، وتأرجح في الماء كحزام!
استمسكت، وتفرست، فثار غبار!
حاولت البصق، فسقطت يغمرني الماء!
تقافزت إلى السوق، قابضا إليتي، فصدمتني نسوة، يحملنّ رؤوسا بأبواز مشروخة، وفي خلفياتهنّ اهتزّت ذيول!
أمّا الباعة فنهقوا، والصبيّة انفلتوا، فتناطحوا!
وأنا صعقت لنمنمة تسري في خلفي، فتعرّيت على عجل في وسط السوق، وتحسست جسدي!
ثمّ التقطت جموعا تترافس، قصفوا الأرض بحوافرهم، وزفوا صديقي المختال!
اختال المزفوف، ثمّ استعرض نطحات، وبضعا من نهقات!
ورأيتهم يفتشون، وينقبون، ولمّا أمسكوني، حملوني كومة لحم هائجة إلى الميدان!!
قالت الحمير:
- عيناه يا ربع كالعندم حمراوان!
- كان يقبض على إليته ويهتزّ!
- كاد المغدور يموت، ولمّا يدخل جنتنا!
وصديقي قال:
- ربّ العباد ربّ الغفرانّ!
ومدّ إليّ بزهو حوافره، ومطّ رقبته، وفرد ذيله، ثمّ اتأد!
قال من فمّه المشروخ:
- أتوق إليك، وصحبتك لا تهون!
فتيبست كفيّ على إليتي، فتفتحت كوة في السماء!
ناديت ملتاعا، فانزاح عن رقبتي قابض، وانفلت إلينا عمود نار!
انفلت هائلا ينثني!
فجمدت تحت القوس، أرقب اليابسة المشتعلة!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر حمّش
- الزيارات: 3
عذراء حارتنا
قصة قصيرة
بقلم / عمر حمّش..
قاص وروائي من غزة
عذراء حارتنا ولدت ولدا!
نساؤنا في البدء تهامسن، وأشاح الرجال.
- فتاة تلد ولدا!
في بيت المخيم ولدته، بلا ترقب ولا انتظار،ولمّا حارت الناس، وسؤال الشكّ علا، خرجت عذراء حارتنا بثياب بيضاء إلى العتبة.
واثقة خرجت، ترفع ذراعيها وتطلبهم، فاقتربوا وربّما ارتجفوا، أمّا أنا فاندفعت، ورأيت لحية شيخ الحارة تهتزّ، وهو يصيح تحت عصاه المرتفعة:
- من أبوه؟
لم تتزعزع، وبعينيها الواسعتين رمته، زمّت شفتيها، ولم أدر أتعاتبه أم تغازله، ثمّ ضحكت وقالت:
- يا شيخ، هذا ابني بلا أب .
وتثنّت عذراء حارتنا وهيّ تفجر قنبلتها ..
- هوّ يا شيخ المهدي المنتظر .
ورقص شيخ الحارة، رأيت عصاه تحوم على عينيه، وساقيه تموجان في الدشداشة.
حارتنا انهلكت، النسوة ألغين الهمسّ، وبدأن يزغردن، ثم جرين ليعبرن الكوخ أليها، فدخلت لأراهنّ يلثمن يديها، ثمّ يلامسن لفافته .
في اليوم التالي زحف قطاع غزة،صار اللاجئون يجيئون إلى محرر البلاد، فيجدون أمّه أميرة تجلس في غرفتها، وتوزع على النسوة هدايا السماء.
هذا منديل من أمّنا عائشة، وذاك من السّيدة زينب، ومن مريم أمّ المسيح زجاجة عطر فوّاح.
ضجّ الناس، تصايحوا لكلّ منديل، وهزجوا، ثمّ في الأركان انعقدت حلقات الدبكات
أنا عقلي مني طار،وطرت صرصارا، في حارة اندفقت عليها الحارات.
شارعنا الترابيّ ظلّ يأتيه كلّ من هبّ ودبّ، حتى زمجرت فجأة موتوسيكلات تحوّط سيارة طويلة،فعفرتنا عجلاتهم بالتراب.
ولهثت أنا، رأيت رجلا هائلا نزل،وسمعت المتراجعين يقولون:
( الحاكم ) ولم يهدأ جسدي، تسللت ثائرا بين الأرجل المهمّة،وتقرّبت تقرّبت، حتى وقفت تحت ساقيّ الحاكم،ورأيت خديه الكبيرين يواجهان العذراء، والمهدي تمطّى لحظتها وماء كقطة .
تثنّت عذراء حارتنا،و ذراعاها ماجتا على خاصرتيها،لكنّ الحاكم المصريّ صاح، وشتم، ثمّ هدّد، وتوّعد، وقال كلاما عقلي لم يفهمه، ثمّ مضى مع موكبه.
ودهشت من أمّ المهدي التي أخذت تتطأطيء ساكنة.
وهدأت حارتنا، عادت بعد أيام خالية، إلا من أهلها، الرجال أقعوا تحت جدران الأكواخ فاغرين الأفواه واجمين، وبعض الشبان ظلوا ينّقلون عيونا مترصدة ما بين الأنحاء والعتبة، أمّا النسوة فعدنّ يرقعن ملابسنا، ويرقبن موعد استلام تموين الأمم المتحدة.
وأنا أتنطط، فرخ نسر مهاجما الرمل في النهار، وفي المساء أحلّق باحثا في الأفق عن قمربلادنا الهالك.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر حمّش
- الزيارات: 4
حمـــــامة الفتـى بقلم القاصّ والروائيّ / عمر حمّش .. من غزة كان الفتى : قام الفتى في المخيم يؤرجح الذراع ، كان الفتى مشعا بضوء الله ، ساطعا كنجمة الصباح . وقال الفتى : هنا سقط الرفيق ، هنا خرجت روح من خلف روح من خلف روح . وعندما جاءوا هتف الفتى : أقفلوا الطريق ، أن حكم الله الأبدي أن تسد الشوارع عليهم وتقطع الطريق . دنيا الله : دنيا الله هجوم الناس على ثكنة الأغراب ، دنيا الله قرميد مجنون يتطاير خلف العربات .. ألواح صفيح تتمزق في الجري ثم صفير وزعيق وتصفيق يدوى لانقلاب العربة الغبيّ . قال الناس : - كمن الفتى لها وفى اللحظة الحرجة سحب الحبل ، فهرولت صفيحة الزبالة عظيمة ، رهيبة إلى عيني السائق . وقال الناس : - زاغت إطارات العربة المرعوبة ، فانفجرت في العينين قنبلة الجير الملفوفة بورق المدارس. وقالوا : - هاج المجنون الأعمى ، فوقفت عربته صارخة على إطارين ثوان ثم أنهدت. وقال الشاهد : - هجم الفتى ، وفى بطن العربة المقلوب سمعنا صراخا بلغتين ثم رصاصا يصن ، وهدوءا لثوان . وقال : - أعقب ذلك أمطار حجارة ثم هجوم الناس الكاسح . دنيا الله في المخيم نار حمراء تأكل عربات الأغراب ، وتلون الرمل بلون الدم الفاقع . الله يعطى والله يأخذ ، وللرّب في خلق الفتى شؤون ومواقف . الشهيد : القمر يا دنيا قمر ، والشمس لازالت .لا يتغير تكوين كونه الله ، هذا حال لا يتغير إلا أن شاء الله . وعلى الأكف كان الفتى . وقال الشاهد : - في لحظة رفع الفتى ذراعه وصاح : القمر والشمس يتجاوران . وأقسم الشاهد : - أن الناس في عجب صاحوا : القمر والشمس فلكان في السماء يلتقيان ! واستمر الشاهد : على الأكف قال الفتى : هذه منحة من عند الرب ، وهذا أمر الله أن يستمر الطعن . وأقسم الفتى : أن الليل انقضى ، و أن النهار منذ الآن يتمدد . ونام الفتى ..! قال الشاهد : -على الأكف نام الفتى ، فجاءته حمامة لا أحد من قبل مثلها رأى ، ظّلت ترفّ فوق الصّدر الدامي وتخفق ، ونحن نجرى من شارع إلى شارع . قال الشاهد : - حين حوصرنا سمعناها تنادى ، اتركوه ! أقسم الشاهد وشدّد : - طار الفتى من أيادينا ثم حلّق ، ترفّ الحمامة فوقه كالقائد . وقال الشاهد : - أما الأغراب فحملقوا فاغرين . الجثة : حلّق الفتى وحلّق ، ثم لف في حلقات موزونة ، وتصاعد تحت الحمامة ، حتى اقتربا من قرص الشمس . ويقول الشاهد : - احترنا هل ذهب الفتى أم جاءت إليه الشمس . ويقول : - أخر صورة كانت دورات لجسد الفتى أسرع من أن تتبعها . فصار الجسد قرصا ضوئيا ، ابنا للشمس . وهتف الخلق : ما عادت لدينا جثة للفتى . وقال الخلق : بعث الفتى قبل البعث . و قال الشاهد : أما الأغراب فوقف ضابطهم يرتعد لدوران الجسد الموزون والجند تداعوا على الجدران وهم يتصايحون. الضريح : القمر والشمس ملكان يتربعان والناس لم يفارقوا المكان . أعلن الناس : - لا يمكن ألا يكون للفتى ضريح . وقالوا : - في ذات الموقع وتحت الشمس والقمر. وجاء الكل ونشأ الضريح . أقسم الشاهد أن ذات صباح ، جاءت حمامة الفتى ولم تبرح بلاط الضريح ، وأن شيخ الزاوية صاح : تعالوا يا ناس لتروا كيف تكتمل نعم الله على عبادة الصالحين . قال الشاهد : - ركضوا فوجدوها .. بيضاء ثلجية ، وعيناها فيهما حور ، لم تأبه لهم ولم تغادر ،ظلّت عذبة ترنو بعينيها الساحرتين ، حتى الصّبية مدوا الأكف ولامسوها،لحظتها زغردت النسوة وسحج الرجال الأكف في الأكف ، وغنى كلّ الناس. قال الشاهد : - غنى الناس ثم هزجوا ، ثم انتظموا في الحشد اليومي وهجموا . قال الشاهد : هجم الناس على أولى عربات الأغراب ، فطارت الحمامة على الرؤوس ، والناس تدافعوا تحتها كل يتمنى أن يكون اليوم قد حان دوره .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم أوحسين
- الزيارات: 4
أخذت ذاك القرار الصلب ، فكوني لم أسمعه لأحد ، لا يعني أن يكون سرا مخفيا .. استطعت أن أترك رسميات الورقة واليراع .. الواقع لم يتغير ، سواء كتبت أو لم أكتب .. ماذا جد اليوم فاستثنيتها من طقوسي اليومية ؟
طلبت من النادل فنجانا آخر ، فأعلنت التمرد والثورة على أوراقي استعدادا ليومها الأخير.. أخذتني الحيرة التي وضعت قدما على بكرسي أمامي تعد القاصي والداني.. القيام بثورة أجدى والكتابة عنها أهون . هنا عثرت على الصفر الذي أبحث عنه .. أن أكتب عن شيء أعتزل بعده الكتابة .. ما الثورة ؟؟
أن نكتب ما يعيش فينا ، لا أن نكتب ما نعيشه .. أخذت نفسي فبدأت أكتب .. ليست الثورة أبنية زجاجية ترى فيها ملامح البؤس والشفقة .. ليست جدرانا ونقوشا من أصفهان .. ليست تعداد أهرامات .. ليست اغتصاب أرض شخص نحيل وإهداءها لجبار مليء بالهواء .. ليست استنجادا بالآخرين من أجل رغيف .. ليست محفلا تدعى إليه غانية تغني وترقص عارية في شوارع المدينة .. ليست وليست ... الثورة أوروبا .. وعلم .. ويابان .. ماذا جد اليوم فاستثنيتها من طقوسي اليومية ؟ كانت الثورة التي قتلتني كما قتلت من قبل أبناءها ..
كنت أنتظر حينها ذاك الشخص الذي كتبني لأول مرة . مازالت أتذكر أنني كتبت أول أقصوصة فوضوية ، فمدحني وأثنى بمكر علي ، فكانت فرحتي كفرحة طفل دعته أمه لمدينة الألعاب .. مازلت ذاك أنتظر لأطلق أمامه الجنون كما تزوجته منه ببركة من قساوسته..
كيف لهذا أن يحدث في جلسة واحدة.. وما الذي أوصلني إلى هذا العبث ؟ كنت أكتب حالي ، لا بل أندبها ، كنت ألمع صورة الأيام ، لا بل أجمع رفاتها .. لهذا كنت أموت كل يوم .. لهذا فقط كنت أكتب .. فماذا جد اليوم إذن فاستثنيتها من طقوسي اليومية ؟
مازال طابور الانتظار طويلا، أتسلى باغتيال أعقاب السجائر، وارتقاء سلم اليأس مع ورقة عانس تنتظر زوجا.. لاحدود للنهار في يوم صيفي ، والشعراء كما أذكر فراشات تموت في الصيف.
أفقت من غفوتي على كف تربت على كتفي..كان عبد الله الذي من أجله انتظرت الطلاق الأخير..
- بلا مقدمات .. أريد أن أشفى من لعنة القلم والورق..
- لا تستطيع ..
- لا تضع أمامي حواجز مستحيلة ، كفاك سخرية .. أريد أن يتوقف الزمن الآن.. كنت السبب في غصة الحلق.. أرفض فعل الكتابة .. هذا كل شيء .
- لا تستطيع الفكاك من إنسان يكتب بدواخلك ، كما لا تستطيع الهروب من رفيقي اليمين والشمال .. إنها زوبعة فنجان فقط ، لا تلبث أن تهدأ بعد حين ..
لحظتها بدا لي أن معين دمعي وشيك ، ربما لإيثار الصمت الرهيب أمامه ، أو لانهزامي على الطاولة بشكل رائع .. المهم أنني تجاهلت أرواح المقهى ململما أوراقي ، معلنا كتابة ثورة أخرى.. وفق طقوس أخرى ..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر حمّش
- الزيارات: 5
قصص قصيرة / عمر حمّش
زهرة
ريح المخيم مفلوتة، تضخ ترابا!
ريح صرصر تنحر الظهيرة الخجلى
فتجوح الشمس في العالي!
تجوح كبهيمة مذبوحة!
بعدها هطلت، فتعبأ صحن الكوخ، فهاج الولد إلى أزقة صارت أنهارا!
هاج الولد، واستقر على المصب عند ملتقى السيول!
استقر الولد!
ارتجف طويلا، يرقب سطح البركة الهادر، وأفق الله المسدود!
وكان برق، وقصف رعد!
وضفادع صارت تقفز مهتاجة!
وظلّ الولد حتى اندحرت هجمتها، ثمّ انقشعت!
فعادت شمس الله تغادر غفوتها!
وجاء نور، ففرح الولد!
ثمّ أضاءت، فلمع الرمل!
ضربه بأصابع رجليه، ثمّ تقافز مكتشفا زهرة قد بقيت!
وهجم الولد!
فانزلقت، وانزلق معها!
هويا مع كتلة وحل، وضجّ السطح!
غاص الولد!
غاص كحجر، فاتسعت دوائر ثمّ ضاقت على عجل، وانفقأت أخر فقاعة!
وأخر خيط لشمس الدنيا عبر كهفا أسود!!
مسعود
اليوم لم يسعد مسعود، فالشمس ضربها غيم فأقفلها فولاذا، عيناه لم تكشفا مروحيتي الأباتشي!
وبعربته تعمق مسعود في جوف الغول!
لم ترق له الأشجار، ولم يصفر للحن المذياع!
أحصى قتلى الأمس، قبل أن يأتي الصاروخ !
ضرب المقود، وطارد الإسفلت، انزلق في دنيا بلون لم يخلقه الله!
حطّ الصاروخ على التقاطع، وقبل الدوىّ، قفز ، مغادرا عربته، تكوّر، واندفع!
وفي الصاروخ الثاني تمرغ، ثمّ تقطّع!
وجاءت غزة!
كان الوقت صباحا، والسماء كانت تنقفل فولاذا!
جمع الناس مسعودا في كيس!
وأرعدوا بعيون حمراء، تحت عقربتين كانتا تغادران السماء !!
جنازة
خلف النعش كان، بين الجموع الزاحفة!
والمسجى صبيّ، يشهر جبينا كحدّ السكين!
عيناه بلون الضوء!
يغمزان لحجر بيده الناشفة!
زاحم الحشد، باحثا عن هواء الله!
في سماء سقفها حديد!
أيدفن الصبيّ والحجر بقبضته!!
رفع الصبيّ ذراعه!
فانخلع القلب!
هل رأى الزاحفون؟
ولمّا ابتسم الوجه المسجى!
صرخ، ولم تخرج صرخته!
تعلّق بالفم المنفرج، بالحجر الزاحف بين الأصابع!
تنفرد، وتنقبض!
بالعينين الصغيرتين، تحت الثقب الأحمر!
ظلّ يجري هائما بالكشف!
ولمّا انخسفت الجنازة، وجد نفسه ينزف بجوار النعش!
لقد هجمت اليهود!
صار المسجى فوق وحيدا!
ضحكت له عينا المسجى!
وجد الجبين قد تزود بثقوب جديدة!
وذراعه الصغيرة أخذت تتأرجح بقبضة فارغة!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد نصار
- الزيارات: 5
زأر المخيم فاهتزت الأزقة والساحات .. زأر ثانية فتداعى الناس من كل حدب ، جاءوا بشيبهم وشبانهم .. أطفالهم ونسائهم .. سواعد مشمرة وهامات مرفوعة وحين زأر المخيم مرة أخرى ، أقسموا جميعا بأن الرعب كان باديا في الوجوه الغاصبة وأن هاتفا قصف صوته مزلزلا الأرجاء : اليوم يومك فطوبى لمن أقبل ولبى النداء . علا الهتاف وصدحت الزغاريد ممزوجة بدوي الانفجارات ورائحة البارود ، تململ الشيخ فوق مقعده المتحرك .. جال ببصره في الغرفة فلم يجد أحدا من حوله .. نادى بصوته المنهك بقسوة السنين فلم يأته جواب ، تلاشى صوته وسط دوي الانفجارات المتلاحقة . تقدم بمقعده نحو الصالة .. طاف في المكان فأدرك بأنهم خارج البيت ، مر بكفه ليمسح دمعة ساحت على خده وقد عز عليه أن يجتمع الكبر والمرض في لحظة هو أحوج ما يكون للتعاطي معها . صور من الماضي راحت تنساق أمامه مستحضرة معها ذكرى سنين ولت وانقضت .. يافا بشواطئها وساحاتها .. شوارعها وناسها .. بيارات البرتقال وبهيجة ابنة السبعة عشر ربيعا . الله يا أبا يوسف كيف تمضي السنون بنا ، بالأمس كنا فتية صغار تتقاذفنا الساحات والأزقة ، وحين اشتد الساعد قليلا تلقفتنا بيارات البرتقال ، نعطيها من فيض العافية وتعطينا ثمارا وستارا يخفي بقايا قصص وطيف حكايات . ترى أين هي الآن ؟ .. هل مازالت على قيد الحياة أم .. ربما ما زالت حية ، آه كم كنت جميلة يا بهيجة وكم أشعلت القلوب من حولك ،و قلبي مرجل يستعر بلا دخان ، كل الشبان طاردوك بنظراتهم .. بهمساتهم ، ألهبتهم سياط الفتنة المنبعثة من عينيك .. ضحكات الطفولة المغردة من شفتيك بين أشجار البرتقال .. صياح أبو علي الذي لازال يرن في أذني وهو يحثنا على إنهاء العمل قبل الغروب ، خشية الوقوع في كمائن اليهود . هل تذكرين يا بهيجة يوم أن قلت لي بأنك لاتلقين بالا لأي منهم ، كنت أدرك حينها بأنك تنادين شيئا بداخلي ، لكنه كان مشغولا عنك ، لا .. لا أقصد المساس بك فأنت فاتنة آسرة ، غير أن العين ترنو إلى العشق الأسمى . هل تذكرين يوم أن سالتني عن الجرح المضمد في يدي ، لم أصارحك يومها ، كان الحذر شعارنا ، ترى ما كنت قائلة لو علمت بأنه ناجم عن رصاصة كادت تخترق القلب فأصابت يدي ؟ ، هل ستصمدين لو عرفت أن عددا من رفاقي استشهدوا في تلك المعركة ؟ . في الحقيقة لم تكن معركة ، بل معارك يا بهيجة ، وفي كل مرة يداهمنا الموت من كل جانب ، يشاركنا عتمة الليل ، ثم يرحل مع بزوغ الفجر ، وفي تلك الليلة لم يفارقنا إلا و أحمد المختار في صحبته. طبيعي ألا تعرفيه يا بهيجة ، لأنه لم يعرف سوى الليل والبندقية ، كان قدرا يتخطف الأعداء في كل حين ، آه يا أحمد ، فلقد بكتك السماء والنساء .. الرجال وأغصان البرتقال التي ارتوت بدمائك الزكية وبقيت كلماتك حرزا أتقلده " لن نموت إلا كالأشجار واقفين " وهاهم بعد خمسين عاما يريدون لنا موتا آخر وأنا أجلس في مكاني عاجزا عن فعل شيء سوى رفضي لموت يريدونه ، تواسيني هذه الجموع وقد خرجت حاملة ذات الحرز في أعناقها . وقع أقدام بقربه أخرجه من من دهاليز الماضي وحطه في براثن الحظة الممزوجة بالنار والدم ، تأمل القادم .. نظر في وجهه الشاحب وصاح مستفسرا : ماذا وراؤك ؟ . إنهم يقتحمون البيوت عبر فجوات يحدثونها كالجرذان . والناس ؟ . يتصدون بكل قوة . فلم تركتهم وعدت ؟ . لأخرجك من البيت . ارجع إلى مكانك ودعني . يا أبتي إنهم قتلة . أخرج إلى الناس . يا أبت . قلت اخرج أو اعطني السلاح الذي تمسكه ، ثم لا ترني وجهك بعدها . سامحك الله يا أبي . خرج الفتى وعيون الشيخ تلاحقه إلى أن أوصد الباب خلفه ، أطرق الشيخ ثم حدق في الأفق الموشح بالسواد لبرهة بدا معها خارج الزمان والمكان ، ثم دفع الكرسي المتحرك بقوة ناحية النوافذ وراح يوصدها واحدا تلو الآخر ، تريث لبعض الوقت يلتقط أنفاسه المتلاحقة ، ثم اندفع جهة المطبخ .. مكث بداخله قليلا ، ثم غادر إلى الصالة . اقترب من إحدى النوافذ وأزاحها قليلا بما يسمح لمرور بعض الهواء ، أدنى أنفه من الفتحة وراح يراقب الأجواء من حوله . دوي انفجارات .. هدير طائرات لم توقفه عتمة الليل الزاحف من خلف التلال وصوت نسوة يجادلن الغاصبين الذين تجهد أصواتهم لأن تبقى في الخفاء ، تزمجر النسوة من جديد ، فيضيع الصدى وسط أزيز الرصاص . يزأر المخيم على نحو مفاجئ ، فترتج الأرجاء وتتناثر الحمم في كل اتجاه ، ثم يطبق صمت مهول ، فيحتار الناس ، ثم تتلوه جلبة تحدثها عربات الغاصبين ، فيتباشر الناس خيرا ، تصدح الزغاريد من وسط الدموع .. يعلو الهتاف و يندفع الخلق لكي يروا آثار الهزيمة المتناثرة في الأزقة والشوارع والكل يجهد لمعرفة سر الزئير ، البعض أقسم بأنه رأى شهبا تنقض من كبد السماء وتنال من جمعهم قرب أحد المنازل والبعض قال إن شيخا فجر نفسه في جمعهم ، أما بيانات الغاصبين فقالت إن أحد البيوت ابتلع جندهم ، ومن لهم دراية بالأمر قالوا إن اسطوانات الغاز كانت سببا لهذا الانفجار المهول ، بينما الشيخ تحت الأنقاض تؤنسه الجموع بتكبيراتها وتكسو محياه ابتسامة أقسم معها عدد من الحاضرين بأنه مازال حيا .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بدرة فرخي
- الزيارات: 5
انتظر طويلا حرقة الأسى و وبالأمس كانت تراوده عن نفسه تدعي روحا عتيدة فراحت تستغيث برجع الصدى عله ينتعش اليوم بقطرة نذى ظلت تمارس قهرا غير محبذ يتكلس بجبروت واد بكى همه لحظة اعتراف بكتها أيام الشتاء وتجرعت مرارها قيلولة الربيع التي هرولت إلى بساتينها فوجدتها كومة نار دفينة تلسع البواطن وتزعم البراءة والألفة.....
واليوم يجف كنهه ويتحجر نفس التعاطف معه وبات يشكو إلي همه وإثمه فينهمر في غضبه سيلا جارفا هتك بمئات الأبرياء وابتغاهم شهداء أشعلوا منارة التاريخ وبيضوها صومعة تقدس اسم الجلالة وتحذر من غفلة التنكيس بالنفس الأمارة بالسوء .
وهاهو في نفس موطنه وفي المكان عينه يداعب خيالا يشده إلى سوء القدر ويستبق ىفاقا محلقة تفشي أسرار العشاق المتكلسين وتعهد بالإمارة مفنذا كل قوانين الدولة معترفا بدستور واحد يجول قلبا له صار مالكا .ومضى ينعتني بخواطره فيجدني بلا شراع تتقادفني لحظات الجنون فتتركني شهيدة مع أوراق الخريف ومن دون وصية تأخذ بثأر الفضيحة التي نفثها الصيف أمام العامة
كأنه يمتثل لموعد مع الهجرة والسفريدردش بعبارات ترسم بعضا من سرورهوقد غزته فياضانات دبلوماسية لا تعترف بالكم معيارا للكوارث وتأملته في المرايا وتأكدت من هويته وشخصه فتمالكني شعور الندم في خضم صراعات ماضوية ألفيتها كالشظايا تعبث بأركان السكينة والوقار
إنها سخرية القدر وتوحش النأي ولوعة السهر ،فكيف لا أكون روحه وفي بعدي صاحبه الهم والضرر؟كيف يعقل أن تخشع له العين هياما ما ألفت في بني البشر.
....................................................................
يتكتك في فراغ رهيب يريده ربيعا غير منتظر ورقصا تحت المطر مخترقا بيداء الحجر مهترئا في صفحات كان يامكان
يترجى رفقة مع القمر ،حتى يحجب شفق السقوط والاندثار...
لم يعلم حينها بأن التاريخ يسلب القمم بطواعية ،بمنطقية العلم والهمم
هذا ما وقعه القدر
...........................................................
وجال راحتي وتسرب من ترتيلة القبلة والحكم
وخلد حيث خشيت رخلوده واقسم على المشاغبة والدلع ولم أسأل بعد عن شيئ ،وجزمت بانني الأجمل
في صفوف البشر
البدو منهم والحضر
البربر والغجر
وسبحت على طول الساحل وأغلت مشابكي من غير شراع منقذ
وتريثت في الإقلاع المبكرمن غير نرجس يسافر مع النوارس وقلت :
إني بارعة حد الخبث ، فالبحر صديق مخلص لا يعترف بالرشوة والإطاحة لايتغمد غير الأرواح الطاهرة التي رحلت بعد رسالة سليمان إلى ملكة سبأ .ولمستها تعبق بعطره ،أزهار النرجس تشرق من جديد كنور فجر عربي قادم تفشي كثيرا من أسراره وتذغذغ فوضى حواسي وتطيحها في متن الذكرى ،فأتلمسه بفيض مشاعري وأقرأ شفرة ظلت رهينة المطاردة ،سجينة في أضلعه وأراه هناك كما عهدته في ثوب الرأفة والطيبة ،يشع لهفة ودفئا ينتهي حيث تنتهي الليالي العجاف وابتسم من جديد وأقسم على الرحيل متناسيا لولبة القوانين تاركا كل القضايا مترفعا عن الدستور مستسلما لأصدق القوانين :
لو تعلمين كيف أشدو إلى روحك لأدعس بها عتمة أفقرت الليل من ظلامه وأطالت في تواليه مع النهار،لو تعلمين أنك النور الذي ترجيته والعمر الذي أضعته والحب الذي خشيته والطعم الذي فقدته،آه يا سيدتي ما عرفت قبل اليوم مأساتي وها أنت تكشفين عن عبثية أهل الدهر وترفعينني حد السماء فأكتفي ببدر يوازي بدر السماء حتى أسعى في رحابك فأجني ما عجزت فيما مضى عن جنيه وتثمر بذور الحب وتعطي زهرة الأمل وتكونين أميرة العبق ...
بدأ العمر في عام مضى ،في فضاء الجنة والخلد حيث العينان العسليتان تخجلان الشفق وتجعلان للشمس المليحة خمارا يفطر أحياء ويمنحهم حق التنفيذ..لقد جعلني الله أخيرا من المكرمين فالحمد له والشكر و امتنان وصلاة على سيد الرسلين
.........................................................................................................
تتأمله بوجه بريئ يرتقب درجة علا وبفؤاذ يمتهن دفا أكيدا ،يصارع حبكة ترفض الحرية والتقيد بالمصير. وتنظر إليه بجرأة معهودة مفصحة عن بعض من قدرتها: تغيب كلماتي وتعجز وتضيق مخيلتي وتقصر عن احتواء لوعتي ومهجتي وشوقي ولهفتي
لو تعلم كيف عاقبني القدر بعدك ،فأرغمني على تكبد الحسرة والشجن. فحملتهما في أحشاء المشاعر غير راغبة في شرعيتهما أو تبنيهماوسلكت مدافن الغجر وجلت بعدها سواحل هوامشي أشعر بالجناية من غير ذنب فأطيحها في خيال المستنقعات الواهية، في كفن الإمبريالية والديكتاتورية.
وتأملتها في مرآة الأحلام فما ظفرت بغير ذكرى عابرة.......
وفكرت في الرحيل وما وجدت عفسا يشدني إليك وتريثت في القرار وتعهدت بالصبر والانتظار وقلت :يارب ماهذا القدر ،؟. يارب قد فصلت بين الخير والشر، وبين الحق والباطل أعني على الفصل بين الحيرة والصبر وأن أرضى بحكمتك حد اللحد وبكل أمر
وتآلفت مع غول التغريب وحلمت بغربتك وفعلتها مجددا وبكيت لحظة الفراق وكسرت كل الحواجز وترفعت عن الالتزامات وأكدت عجرفة القوانين وتعسف السلطة . وعدت إلي حيث وجب أن تكون، وعاهدتني على الحب والوفاء ،على العيش معا في حديقة النرجس . وأقسمت بدوري على التحدي حتى أنتهي إليك فلا قيمة ألا أنتهي إليك ولا بأس سأعانق السهر بين رجفة سهاد تقاذفها ليل وليل وسأبغي اللقاء الجديد الذي سيشهد يوما جديدا يصب في ثرى القصائد والمخطوطات ...................................................................................
لو تعلم كيف أطربتني بحلو الكلام والنغم، وكيف جردتني من جماليات التصوير والكلم. فاختصرت معك كل القواميس وأجزتها في صوامتك فزادت جلالة كدرر مبثوثة تعانق مساحة الجبل الزهري في المدينة الثلجية .وكنت وكيلي قاضيا في أمري ورئيسا يرسم فسيفساء حياتي لتقهر حضور الدولة وتقرني أخيرا دولتك ،قانونك وحياتك
فكيف يعقل أن نكون اثنين ؟
وأنا أتكلم بفكرك وتتكلم بفكري ؟وألغو بمزاحك وتنظم بذكر اسمي.
فلن يكون إلا بقاء واحدا أو غيابا واحدا لأننا حقيقة خالدة في روح كائنة كينونة واحدة......تتبع
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم أوحسين
- الزيارات: 4
تراني قد بدأت يومها باقتراف حماقاتي ، الواحدة تلو الأخرى ، وأنا أمسك القلم بشراهة لأكتب كل التفاصيل ؟ لم أكن أخدم الحقيقة إلا بتفاهات من الكذب، والواقع حقا، أصبح مشهدا تمثيليا .. يتكرر فيمضي .. فما جدوى الكتابة إذن ؟ أخذت ذاك القرار الصلب ، فكوني لم أسمعه لأحد ، لا يعني أن يكون سرا مخفيا .. استطعت أن أترك رسميات الورقة واليراع .. الواقع لم يتغير ، سواء كتبت أو لم أكتب .. ماذا جد اليوم فاستثنيتها من طقوسي اليومية ؟ طلبت من النادل فنجانا آخر ، فأعلنت التمرد والثورة على أوراقي استعدادا ليومها الأخير.. أخذتني الحيرة التي وضعت قدما على بكرسي أمامي تعد القاصي والداني.. القيام بثورة أجدى والكتابة عنها أهون . هنا عثرت على الصفر الذي أبحث عنه .. أن أكتب عن شيء أعتزل بعده الكتابة .. ما الثورة ؟؟ أن نكتب ما يعيش فينا ، لا أن نكتب ما نعيشه .. أخذت نفسي فبدأت أكتب .. ليست الثورة أبنية زجاجية ترى فيها ملامح البؤس والشفقة .. ليست جدرانا ونقوشا من أصفهان .. ليست تعداد أهرامات .. ليست اغتصاب أرض شخص نحيل وإهداءها لجبار مليء بالهواء .. ليست استنجادا بالآخرين من أجل رغيف .. ليست محفلا تدعى إليه غانية تغني وترقص عارية في شوارع المدينة .. ليست وليست ... الثورة أوروبا .. وعلم .. ويابان .. ماذا جد اليوم فاستثنيتها من طقوسي اليومية ؟ كانت الثورة التي قتلتني كما قتلت من قبل أبناءها .. كنت أنتظر حينها ذاك الشخص الذي كتبني لأول مرة . مازالت أتذكر أنني كتبت أول أقصوصة فوضوية ، فمدحني وأثنى بمكر علي ، فكانت فرحتي كفرحة طفل دعته أمه لمدينة الألعاب .. مازلت ذاك أنتظر لأطلق أمامه الجنون كما تزوجته منه ببركة من قساوسته.. كيف لهذا أن يحدث في جلسة واحدة.. وما الذي أوصلني إلى هذا العبث ؟ كنت أكتب حالي ، لا بل أندبها ، كنت ألمع صورة الأيام ، لا بل أجمع رفاتها .. لهذا كنت أموت كل يوم .. لهذا فقط كنت أكتب .. فماذا جد اليوم إذن فاستثنيتها من طقوسي اليومية ؟ مازال طابور الانتظار طويلا، أتسلى باغتيال أعقاب السجائر، وارتقاء سلم اليأس مع ورقة عانس تنتظر زوجا.. لاحدود للنهار في يوم صيفي ، والشعراء كما أذكر فراشات تموت في الصيف. أفقت من غفوتي على كف تربت على كتفي..كان عبد الله الذي من أجله انتظرت الطلاق الأخير.. - بلا مقدمات .. أريد أن أشفى من لعنة القلم والورق.. - لا تستطيع .. - لا تضع أمامي حواجز مستحيلة ، كفاك سخرية .. أريد أن يتوقف الزمن الآن.. كنت السبب في غصة الحلق.. أرفض فعل الكتابة .. هذا كل شيء . - لا تستطيع الفكاك من إنسان يكتب بدواخلك ، كما لا تستطيع الهروب من رفيقي اليمين والشمال .. إنها زوبعة فنجان فقط ، لا تلبث أن تهدأ بعد حين .. لحظتها بدا لي أن معين دمعي وشيك ، ربما لإيثار الصمت الرهيب أمامه ، أو لانهزامي على الطاولة بشكل رائع .. المهم أنني تجاهلت أرواح المقهى ململما أوراقي ، معلنا كتابة ثورة أخرى.. وفق طقوس أخرى ..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: إحسان جمبي
- الزيارات: 4
وجدنا في هذه الدنيا كي نحارب ..
النهر يحارب مجراه كي يغطس في البحر ..
الوحش يحارب جماله كي يبقى وحشاً ..
الجنين يحارب عزلته كي يستقل بالحياة ..
و كلٌ يحارب بطريقته ..
***
(صفية) .. هذا هو الاسم الذي خُلقت له ..
ذات السبعة أعوام .. لا تختلف مطلقاً عن أي فتاة تتنفس في نفس السن .. قيل لها أنها تسير على الأرض من أجل هدف ما .. لم تعرف ما هو ؟ .. لم يخبرها أحد ما هو ؟ .. أو بالأحرى لازال باكراً عليها أن تعرف ما هو .
مصرية .. تشبعت بشرتها بملوحة ماء البحر المتوسط .. لكن ومضة في روحها لها لهفة عطشة لرمال الصحراء .. هناك في مدينة (العريش) العتيقة حيث يسكن جدها ، سعيداً بتلك البساطة و الهدوء .. تزوره (صفية) بين حين و آخر .. أو لم هذه التقليدية في الكلام ! لقد باتت صاحبة البيت بعد رحيل جدتها .. تسعد معه بكل لحظة كما لا تسعد بساعات داخل مكعبات الاسمنت أو كما يسمونها بالبيوت العصرية .
مسرحية .. لا يمكن أن تصنف إلا بالتراجيدية .. أبطالها دخلوا للمشهد بلا ترتيب أو نصوص .. لم يعرف جدها كم أخطأ حين حجز لها مقعداً وسط الرمال البعيدة .. لم يتمكن من اعتراض فضولها من متابعة تلك المسرحية .. المشهد عبارة عن أسوار من حديد أشبه بخيوط العنكبوت قطعت الأرض لشبرين دون إذن .. و هم بذلك أسموا ما شطروه الأول ب(رفح الفلسطينية) و الآخر ب(رفح المصرية) .. تركوا بينهما جزءً ضيقاً انحشرت داخلها الأجساد الحية بمختلف الهيئات الآدمية .
(فلسطينيون) .. هم أبطال المسرحية .. جُل ما أرادوه أن يكملوا حياتهم ما إن يجدوا الفرصة لإكمالها .. ففي أرض مصر تقبع أصغر أحلامهم .. حلم الحصول على علاج مجرد مثال .. و متأخراً لم يدركوا أن هنالك من نصب نفسه حارساً لهذه الأحلام .. لست أتكلم هنا عن الشياطين .. أتكلم عن بشر مثلهم .. (اسرائيليون) هكذا يُطلق عليهم .. و هذا هو هدفهم في الحياة .. و هو ألا تبتسم شفاه هؤلاء .. و هم حين دخلوا بأقدامهم بين أحضان هذا السجن المكبر بتهمة المطالبة بالبقاء على قيد الحياة .. فقد وافقوا على التهمة بكامل قواهم العقلية .. و بقي لهم أن يتمسكوا برقم من مليون يمثل فرصة أن يسمح لواحد منهم .. واحد فقط سيذهب إلى مصر .. و تدوم هذه الحالة ل3 أشهر ! .. و إياكم أن تستغربوا ! .. فأنا أتحدث عن أقل فترة ممكنة !.. عندها فإن نظر ناظر لحالهم فإنه ليسمع حمد كلاب الحراسة على أنها خُلقت كلاباً .
رغم بعد المسافة بين المشهد و بين ناظريها .. و رغم أنها تقوي ضعف بصرها بعيونات طبية .. لكن (صفية) كانت لتجزم أن قد أحاطت بالمشهد كله .. "هل هذا المشهد حقيقي ؟ " تسأل جدها .. فتشعر أن معجزة أرغمته كي يؤدي ايماءة مجردة .. " و لماذا لا نفعل شيئاً ؟" تسأله بعد الأولى .. فلا يجيب ! و كأن لسانه قد سبقه إلى قبره .. و من بعدها لم تعد تسأله أبداً .
و من يومها صارت تسابق الشمس في صحوتها .. تسابقها كي تحجز مقعداً وسط تلك الرمال .. تتابع هذه المسرحية مكررة المشاهد بشغف .. فيرفض شيطان الملل أن يوسس لها .
فيما عدا ذلك اليوم !.. عندما نسيت امرأة فلسطينية أن جسدها لم يعد ملكها وحده ! ..امرأة حامل تركت أسنان السياج تعضها في سبيل الخروج من هذا السجن .. و بقدرة قادر نجحت بعبور ما عجز عنه الأبطال أنفسهم .. فهي لم تنسى أنها حامل .. لأنها ما فعلت ما فعلته إلا لأنها حامل .. فهي مطالبة وفق مواثيق الأمومة أن تفعل أي شيء لإنقاذه .. فكانت (صفية) هي أول من واجهته عند بر الأمان .. (صفية) التي انتصبت لها بالمقابل و كادت أن تصدق أنها أمام مسرحية عندما همت بالتصفيق .
هذا في حال اكتمل المشهد !.. فقبل أن تصل إليها بثانية .. لاحظت سائلاً أحمر قد تفجر في صدرها .. فخرت أمامها مباشرة و لم تقف مطلقاً .. فالسجانون لم يوقعوا بعد على صك حريتها !.
اتجهت أنظار (صفية) لا إرادياً صوب رأس برج يتوسط الحاجزين .. يتزين فوقه جندي اسرائيلي أنزل بندقيته بعد أن أدى مهمته .. و لم يدع المرأة الفلسطينية تبتسم في النهاية .. إلتقت نظراتهما رغم هذا البعد شاسع .. لم تعرف حقاً مالذي ستفعله ! .. و مالذي ستفعله طفلة أمام ما يعد كيان دولة بأكملها !.
لكن نقاء فطرتها وحده من جعلها تلتقط أول حجر يظهر في طريقها فتقذفه باتجاهه .
رأت في مخيلتها أن الحجر قد أصاب جبهة هذا الاسرائيلي فأردته قتيلاً .. لذلك تراجع الجندي خوفاً عندما رأها تقذفه بالحجر .. و لكن لا تلك و لا ذاك !.. فالحجر الواقعي أسقط نفسه في ربع المسافة بينهما .
أخذ الاسرائيلي وقته ليختار رد الفعل المناسب .. و كذلك فعلت هي .. فكانت النتيجة أن انخرط هو في موجة ضحك هستيريا .. و أما هي فعادت أدراجها بما تبقى لها من كبرياء .. و خلال الطريق سقت الرمال بجود من دموع عينها .. لاحظ الاسرائيلي عليها ذلك .. فرفض أن ينهي عليها رغم تفاهة الأمر عنده .. لأنه أخذ يردد في نفسه " لسوف تعود بالتأكيد " .
***
" جدي .. سأذهب لأحارب اسرائيل" ..
باتت تلقنه العبارة كل يوم .. فلم يعد يلقى لكلامها بالاً كما في المرة الأولى .. فيذهب إلى شغله و يدعها تلعب أو تطعم الحمام أو أي شيء مما تريد فعله .
لم يعلم أنها لازالت تواعد ذلك الاسرائيلي كل يوم في نفس الأرض و على نفس المسافة .. تلتقط أي حجر .. تلامسه بشفتيها .. تهمس له و كأنها ترقيه بأيات من القرآن .. و من ثم تتغير وضيعتها مباشرة عندما تقذف به نحو قمة البرج .
من يراقب حركة ظلها كما ترسمها الشمس ليوحى إليه أنه أمام بطل اغريقي أسطوري .. لكن نسج الخيال هذا سيطير من رأسك عندما لا يلتزم الحجر بحكايتك .. فهو حجر و لو تلون بلون السحب فإنه ينتمي للأرض .. و لندع الطيران لأصحابه .
و لأن الحجر صلب .. فلن تجد ما هو أصلب من عناده .. لكن (صفية) وحدها من استطاعت أن تجعله صفواناً بين أناملها .. روضته كما لم يتمكن الفلسطينيون على مر تاريخهم أن يفعلوا .. هجرت كل ألعابها ليضحي هو كل ألعابها .. تجمعه كل فجرية فتعطيه حماماً خاصاً كي يكون طاهراً مثلها عندما تقذفه .. طوعته فصار يقطع نصف المسافة .. و شيئاَ ثلاث أرباعه .. ثم صار يتجاوز الحاجز .. فيصطدم بالبرج .. لكن أن تصيب جبهة الاسرائيلي فهذا بحاجة منها إلى عمر بحاله .
لم تعش وحدها هذه العلاقة الفريدة بين انسان و حجر .. فحتى الاسرائيلي أضحى جزءً من الحكاية .. هو الآخر يسابق صحوة الشمس و يترقب حضورها .. قلبه يخفق حقاً لمرآها .. ستقول أن هنالك عشقاً قد تولد بينهما ! .. أقول لك نعم .. ليس عشق قيس لليلى .. إنه عشق من نوع آخر بين عدو لعدوته .. يقف بحماس على كل حركة مفصل تؤديه كمن يتابع مباراة فريقه المفضل .. تمنى و بصدق أن يصل إليه الحجر بقدر خشيته أنه قد يؤدي إلى مقتله .. سخر منه رفاقه على لهفته الحمقاء تلك !.. لايهتم .. فهي قصة أرق من أن تخترق خوذات رأسهم .. صارت بطلته الأولى بلا منازع .. أصغر محاربة لم تنخرط في أي تدريب عسكري من قبل .
***
و أخيراً .. نال أحد الفلسطينين رحمة السجانين .. أُذن له بالخروج من الحاجز ليذهب إلي حيث يشاء و ليفعل ما يشاء .
لم يكن هنالك جندي متفرغ ليحرره سوى جندي البرج .. فاضطر أن يتخلى عن عرشه كي يفتح له أبواب الحرية .
ركله كي يترك قصره .. كأنه من أجبره على الانحشار في قارورة و إخراجه منها بنفس الطريقة .
راقبه قليلا و هو يتجاوز الحدود .. و كاد أن يعود أدراجه لو لم تردعه حواسه عن ذلك ..
فقد وجدها تقف أمامه !.. و أخيراً بطلته ذات السبعة أعوام تقف على مسافة قريبة منه.. لم يعرف كيف يتصرف !.. و هل للإنسان قدرة أن يتصرف عندما يكون داخل حلم !..
أما هي فحولت أحلى أحلامه إلى أبشع كوابيسه .. فقد نالت فرصتها السانحة أخيراً .. و لن يعترض أحداً سبيلها في هذه اللحظة ! .. عندها ألقت به .. ألقت الحجر !..
و حتى هنا حافظ الحجر على عناده .. أو ربما تخلى عنه عندما فضل المكوث بين سجن أصابعها .. لأن (صفية) من سقطت على ظهرها .. كما يسقط الحجر !..
لم يصدق الاسرائيلي أنه قد فعلها !.. ففي لحظة خوف أنهى على أسطورته بنفسه .. بطلقة جبانة من بندقيته .. هرع إليها بما تبقى له من إنسانية .. دمع عليها بما سمحت له عيناه الحقود .. لكن الحلم انتهى .. و ترجلت الفارسة عن جوادها .. و صارت كما الذي في يدها .. غادرها ما كان يحركها ليصعد إلى الجنة .. و عندما لم يجد الاسرائيلي سبيلا لإعادة الزمن .. قرر الاحتفاظ بتذكار .. و قد كان ذلك الحجر الأول و الوحيد الذي خطر على باله .. و سيحتفظ به داخل قلبه بعد أن دفن قاذفته دفن الأبطال .
***
لم يعرف جدها حقاً ما جرى لها ! .. لم يعرف أي رمال في أي أرض قد ابتلعتها ! .. لم يعلم أنها ودعت الدنيا ! .. لم يعرف عنها شيئاً البتة !؟ ..
و عندما عجز عن نبش الأرض بطريقته .. قرر الاستعانة بكل السبل الأخرى .. بلغ سلطات البلاد عنها .. فوعدوه بأن يفعلوا ما بوسعهم .. وعد تحت بند " بنا ما يكفينا و هذا ما ينقصنا " .. و هو بذلك فعل كل ما بوسع انسان فعله .. و بقى انتظار رحمة الله ..
و من ضمن هذا الانتظار .. كان لابد من جريدة يتصفحها كل يوم.. لعل و عسى يجد فيها حروف الأمل .. لكن الجريدة نفسها صارت تسخر من أمله الواهي هذا .. ففلسطين لم تحرر بعد .. لذا لا هم لها سوى ما يحدث هناك من تدمير .. مظاهرة .. اغتيال .. مفاوضات .. فوضى .
لكن أحداً لم يدرك أن الصفحة الأولى وحدها من حملت الخبر اليقين :
(مقتل مسؤول رفيع في الجيش الاسرائيلي بحجر ألقاه أحد جنوده لرفضه مواجهة الانتفاضة الفلسطينية) ..
و قد فعلتها (صفية) ..
لقد فعلها الحجر .
{ و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى }
صدق الله العظيم .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 4
خرج لتوه من مركز البريد القريب منه بعد أن دفع فاتورة الكهرباء والماء وإذ بها تبكى بنبرات صوتها المرتبك الفاضح لأرقها ومعاناتها فهو أقرب بالنحيب منه إلى البكاء ...كانت هناك واقفة على مقربة من المبنى على طرف الطريق . تضع يدها على عينيها وقد أمسكت بطرف منديلها الملون كفستانها المزركش الذي أحاط بجسدها الأسمر الداكن الملتف باكتناز وطول مميز لإفريقيات جلبهن الهروب من الفقر والصراعات التى لا تنتهي في أقطار العالم الثالث ورمت بهم أحلام مستحيلة في عالم لا يرحم ولكنه أقل قهرا وأكثر أمنا من هناك حيث أقسمت الشعوب أن تبقى رهينة للبطش والتخلف والثارات على حساب تقدمها وازدهارها ؟ والاستكانة لجلادين وسماسرة يقولوا بأنهم وجدوهم فجأة يحكمون ؟؟!!! ... كان بكائها مسموعا فما كان من صاحبنا بطبعه المعتاد من الوداعة والتسامح وحب مساعدة الآخرين حيث يحس الغربة وآلامها وقسوتها فهي الشعور القوى بالشراكة التى توحد المشاعر في قلبه النابض بشوق وحنين للعودة للديار آملا في تغيير للمفاهيم الباطلة الخاطئة حيث تكاد أن تصبح تراثا أو موروثا كاذبا يحل مكان قيم الخير والحب والجمال .... وهى ما تزال تغطى وجهها خجلا من الموقف وقف أمامها وسألها ما بك يا فتاة هل من مساعدة ؟ رفعت رأسها قائلة ماذا تريد منى ! أجاب أنت تبكى وانأ أحاول تقديم المساعدة إن أمكن فكما يبدو لي أنك غريبة عن هنا في هذا البلد مثلى تماما فالتفتت إليه بعينيها الصغيرتان نسبيا وخدود وجنتيها الناعمة المنتفخة ودقة أنفها واكتناز شفتيها التى تحيط بفم صغير وبغرة منكوشة لشعرها الخشن الأسود من مقدمة منديلها ولونها الأسمر الداكن كقطع الليل حين يغيب القمر ...لقد سرقوا منى حقيبتي وليس معي ثمن عودتي للمنزل فابتسم وقال هل استطيع دفعها لك وهل يلزمك أكثر فأجابت لا وشكرته وهمت بالتحرك ولكنها سألته أين محطة المترو فقد فقدت تركيزها فأشار بإصبع يده ها هي هناك قريبة وأنا ذاهب أيضا إليها فهي محطتي الوحيدة اليومية .... وكانت ترخى سمعها إلى آخر جملة تفوه بها وفى طريقهما إلى المترو عرف بان اسمها فاطمة من الصومال وعلمت بأن اسمه بلال يسكن مجاورا للمحطة نزلا معا وذهب كل واحد في اتجاه معاكس وبإشارة من يدها ودعته ولم يرد عليها لأنه لم ينتبه ولم يتوقف كثيرا عند هذا المشهد العادي فلم يعرها أي اهتمام وقد نسى الموقف للحظة مع زحام المنتظرين وزحام أفكاره ومشاغله اليومية وهى ما تزال ترقبه على الجهة المقابلة بعينيها حتى غاب....... لم يمر أسبوع على فاطمة حتى كانت بانتظاره على مخرج محطة المترو الأرضي وقد اتكأت على شجرة مقابلة بانتظاره ويعلم الله كم من الوقت وهى على هذا الحال حتى خرج بلال مسرعا ومن خلفه يسمع صوتا ينادى باسمه فيلتفت وإذا هي فاطمة تحمل كيسا تفوح منه رائحة طعام شهى.. فقبل أن يتلفظ بأي حرف والذهول والتعجب في عينيه قالت تفضل هذا من دار أختي صنعناه سويا اليوم وتذكرتك لتشاركنا أكله فأجابها يا فاطمة ولماذا هذا الجهد فانا عملت أقل من الواجب تجاهك ..أجابت أنت ساعدتني وكنت رحيما معي فابتسم وقال إذا لنأكله سويا ما رأيك فبيتي هنا قريبا فأجابت اقتراح سليم فعرج على بقالة أسفل العمارة واشترى زجاجة كولا وقليلا من الخبز وبعض من الجبن بالبكتيريا الحلوة الذي يفضله وصعدا إلى البيت فتح باب الشقة واتجهت فاطمة فورا إلى طاولة السفرة في نهاية الصالة ووضعت ما بيدها وقالت لنفتح ورق السيل وفان معا ..انظر هل تعرف ما هذا ؟؟...فضحك من قلبه وأجابها بصوت مرتفع وفرحة في عينيه لا توصف هذه قطع السامبوسك المقلي برائحة لحم وبصل وفلفل حار شهي فقلت نعم وهو من صنعي وأختي اليوم فانا اسكن معها وقد أعلمتها بالأمر فقررت عمل ذلك خصيصا ومكافئة لك..كان السمبوسك شهيا فقد تذكره منذ سنوات خلت وتذكر الأهل والأسرة وخاصة والدته رحمها الله وعلى طاولة السفرة كان حديثها لا ينقطع أعيش مع أختي المتزوجة من بلدياتنا ومعها 3 أطفال والرابع على الطريق اعمل مربية في حضانة أطفال والحمد لله...كان وجهها نضرا هذه المرة فقد تغير إلى وضع مطمئن ناعم بسواده الداكن الجميل وبنعومته الظاهرة فلا بثور ولا تعاريج و دون شحوب كالمرة الأولى كانت تلبس فستان مزركشا وقد وضعت منديلا على رأسها تتناسق ألوانه مع فستانها...وعندما انتهيا من الغذاء شكرها على أطعم وجبة منذ زمن طويل بالنسبة له فهي أعادته إلى ذكرياته الجميلة هناك نحو الوطن والأهل والديار....ثم بدأت في غسل الصحون وترتيب المكان بينما هو انشغل في عمل القهوة وأشعل سيجارته وبانتهائها كان واقفا وهم أن يستأذن منها لأنه يجب إن يغادر إلى حيث مصالحه ففهمت ذلك من حركاته وقبل أن يطلب منها ذلك كانت واقفة تلقى عليه نظرات الاحترام الكامل له ولموقفه الشهم والمؤدب المتكرر تجاهها ..!! وهى على بوابة العمارة رمته بنظرات فيها نوع من الغرابة لم يستطع تمييزها فقد كانت مزيج وخليط من عدة أمور لم يجهد نفسه أبدا في تحليلها لاحقا.....ولكن كلمتها الأخيرة له بقولها إلى اللقاء أوقفته متفكرا في قصدها هذا.!! فالأجدر بها أن تقول مع السلامة ولكنه لم يعر كلمتها أي اهتمام ورد قائلا مع السلامة يا فاطمة وسلمى لي كثيرا على أختك وزوجها والأطفال جميعا. وافترقا بعد عدة خطوات فقد ذهب هو إلى قضاء مواعيده المسبقة قريبا في المنطقة مشيا على الأقدام وذهبت هي باتجاه العودة إلى منزل أختها...... مر وقت ليس بالقليل وبينما هو عائد متأخرا في الليل إلى مسكنه سمع خطوات تتسارع إليه من خلفه و صوتا ينادى بلال ...بلال التفت مذعورا وإذ بها فاطمة !! ماذا تفعلين هنا في وقت متأخر ؟؟وقد غادر آخر مترو إلى منطقة سكناك أجابت منذ 3 ساعات وأنا انتظرك فلم تكن في البيت فتألم وتأسف لها على الرغم من عدم معرفته بقدومها ولكنه أدب الحديث وسماحة معاملاته مع الغير فقال لها وما العمل الآن فضحكت قائلة أنا قدمت لأبيت عندك الليلة فقد تشاجرت مع زوج أختي في غيابها اليوم وهى ما تزال بعملها ولم تكن المرة الأولى !! وبدا على صوتها نبرات حزن وآسى عميقين فهي ما تزال تخفى أسرار ثقافات وعادات غريبة ومؤلمة بالرغم من كون الصومال دولة عربية مسلمة ؟؟!!!!!كما شرحتها له لاحقا........ اصطحبها من يدها حيث أحس بجسمها يرتجف بردا من خلال برودة يدها نتيجة لساعات الانتظار فقد اقتربت الساعة على الواحدة بعد منتصف الليل وقبل أن يدخلا الشقة وحدهما هذه المرة كان الشيطان قد تسلل من بينهما خلسة ليسبقهما إلى غرفة نومه !!. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.إبراهيم ياسين
- الزيارات: 4
ألفة من نوع ما د.إبراهيم ياسين . وهو في كوخه البئيس ، اعتاد أن يستلقي على ظهره ... يتأمل السقف ...هذه الأخشاب المهترئة ... يناوشها ، يشكو إليها مرارة الفقر والحاجة ، لكنه ، بعد حين استدرك ليقول : كفى من الشكوى ...أنا والكوخ ... ورفع يده عاليا ...كهذين الأصبعين ، أنا والكوخ جسد واحد ، روحان في جسد واحد ، أو جسدان فيهما روح واحدة ، أو ... لم يدر ما يقول . كان يمقت الفلسفة عن آخرها ، يحتقر هؤلاء وأولئك من الذين يجرون الأسماء والحروف والأفعال ... يمططونها ليستخرجوا منها هرطقة أو سفسطة ... أو هراء كما تعود أن يسميه ... لكنه الآن في حاجة إلى الفلسفة ، على الأقل ليحلل ويفلسف ... لم يعد معه غير المجردات ... بعد أن غادرته الماديات ، طرد من عمله ، وغادرته زوجته ، وتخلى عنه أصدقاؤه ، لم تستثن منهم الخيانة أحدا ... قرر أن يكمل طقوسه ؛ يستلقي على وجه أمه الأرض ، لا يفصله عنها فاصل ... يستمد منها الدفء ، وإن كان سطح الزليج باردا ، تبا للخيال ، ما أوسعه وما أوسع ما يدركه ... فضاء الخيال مجرة قائمة بذاتها ، بكواكبها ونجومها ... بشموسها وأقمارها ... يستبد الخيال بالفضاء بعيدا عنه ... الفضاء الذي هناك لا الذي هنا ، استعطفه ... لا جدوى ، أصر بكل ما يملك من رغبة وإرادة وتصميم ، لكن الخيال ، بقسوته الغريبة ، بفضاضته وشراسته ... أبى أن يذعن ، بقدر ما يزداد هذا إلحاحا يزداد الآخر رفضا وعنادا ... لم يكن أمامه من خيار ... العالم في نظره عالمان : عالم المثاليات ، المجردات ... باختصار عالم الخيال باتساعه ... بموجوداته التي لا تنتهي ... بسخائه الذي لا يعرف حدودا ... في عالم الخيال ، هو سيد الزمان والمكان ، فضاء الخيال ، مساحته ، طوله ، عرضه ... كلها طوع أمره . الماديات ، العالم الآخر ، أو هو النصف الآخر للعالم الذي يستمتع فيه بالدقيقة والثانية ... هذا العالم ، فضاء مظلم ، ضيق ...لا يتجاوز كوخه المعتوه ... هذا الفضاء القابع فوق سطح ضيق من الأرض ، وفي بادية من البوادي النائية ، القاسية ، الشرسة ... بمساحة تتجاوز بالكاد قبر الجندي المجهول ... أربعة جدران تحده من الجهات الأربعة ... وسقف أليف ، يخترقه ببصره وبصيرته ، يعانقه ، ولو عن بعد ، وسطح ، يقبع تحته ، يحمل عنه جسده النحيل ، بكيلوغراماته الباهتة ... بجسمه الخيطي الأنيق ... بقلبه النابض نوعا ما . الرفاق : كرسي مهتريء ، وسرير ورقي ... والباقي جسمه النحيل ، جسده الذي لا يملأ من فضاء الغرفة إلا ما يملأه جسد أبي الطيب المتنبي وهو يشكو هزاله ونحافته : كفى بي نحولا أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني كان يتذكر هذا البيت ، ينشده بصوته الأجش ، كلما نظر في وجه المرآة ، هذه الرفيقة التي عدا عليها الزمن ، فأحدث في جبهتها خدوشا ... وشقوقا ، يظهر من خلالها الوجه الواحد أوجها ، كلما ألقى بصره تذكر أبا الطيب ، ويحزنه أن أبا الطيب وجد من يخاطبه ، من يدرك وجوده ولو من خلال الصوت ... أما هو فلم يكن يجد من يراه أو يسمعه أو حتى يبصق في وجهه ... الطقوس طقوس ، لابد أن يمارس عادته ، يستلقي على الأرض ، يغلق عينيه ... ينتظر ... هكذا دأب أن يفعل منذ سنين ... يستلهم ... قطرات هنا ، وقطرات هناك ... يجهد نفسه ، يسلكها حبة حبة ... وبتأن جميل وصبر عليل ، يصوغها قصيدة ، يخطها بيمينه ... يلقي بها في الظرف ، يرسلها إلى ملحق ثقافي بئيس في جريدة أبأس ... ينتظر أن تنشر . وبعد أسبوع ... أو شهرين ، يجد قصيدته وعليها اسمه وصورته ، وعلى صفحة من الصفحات التي لا يقرأها أحد ... وهكذا وبعد أن يتصفحها يفرشها على الأرض ... ومع مرور الوقت تشكلت ... صارت تلا فاتخذه سريرا... أما ما كان ينتظره ؛ من تعويض أو جائزة أو تقدير على الأقل ... فتلك أمور من نصيب أولئك الذين يحسنون أن يستقبلوا ... وينحنوا للسيد الرئيس ... وبعد أخذ ورد بينه وبين نفسه ـ طبعا ـ أدرك نعمة أن يكون عموده الفقري متخشبا متصلبا ... لا يعرف الانحناء ... فألفة ما ... خير من ذلة ما .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سعد رفعت راجح
- الزيارات: 4
|
قصص خيال علمى (1) |