- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- الزيارات: 4
قصـــة قصـــــــيرة
عبد الجواد خفاجى
الدَّغل
الدَّغل لا ينتهي ، والطريق طويلٌ طويل .. مُلـفَّح بأنفاسٍ حرشاء، ومرشق بالبصبصات، وهى ....
وحدها تسير فى هَذِي الطريق
مُشَّرعة كسيسبانة تعتنق المسير ، ممشوقة على وجه هذا الدغل .. والنهر عن يمينها يغازلها بلفحة باردة تمرق حيناً من بين أعشاب الحلفاء التى تضاجع الشاطئين، وحيناً من بين الأشجار التى طمس الليل خضرتها ، وتركها كأشباح شاخصة تعتنق الصمود .
يستحم الدغل فى ظلامه بالصقيع .. والتلصص وحده سيد هذا الحراش، والبنت وحدها تسير ميممة وجهها للظلام .. وقع خطوها : تك .. تك .. تك . يضاجع الهسيس والحفيف والنقيق، و.... ولم تكن نجوم السماء وحدها تبص . الصياد أيضاً فى مكمنه بَصَّ .. ترك مجدافى قاربه، والشِّباك، والقارب الذى هو فى جوفه تركه يرعى ، تهدهده الأمواج كيفما تشاء النسمة الفائتة ... والنسمة الفائتة حملت معها رأس الصياد، تـنـثـنى إذ تـنـثـنى الطريق ، تمشى مع خطوات البنت : ترك .. ترك .. تـ .. يترقرق القارب .. ينزلق كيفما تدفعه الأمواج المتكاسلة فوق نجوم السماء التى ترقد على صفحة النهر والقارب خالٍ تماماً إلا من " البطانية ".
والبنت وحدها فى هذا الصمت والظلام والصقيع .. هل يترك القارب ويخرج للطريق؟. كحَّ ..كحَّ .. تنحنح .. لم تعبأ البنت ..ربما لم يصل إلى أذنيها شيء .. طاخ .. طاخ .. ضرب وجه الماء بعصاته الطويلة والبنت لم تبص .. لم تتوقف .. لم ... أكواخ الصيادين ترسل ضوء مشاعلها وبعض الهمهمات التى تختلط بالصرير والنقيق والعواء . ولم تهدأ نفس الصياد ...الجو صقيع والبنت وحدها والبطانية فى القارب : ـ يا بنت ... يا ... مسك بمجدافيه ، وألقى بأطراف الشباك العالقة بالقارب .. تركها ترعى فى الماء وجدَّف ــ آه لو تأتى .. آه لو تنظر لليمين !!.
ولم يكن الصياد وحده يرصد البنت ــ الذئب الذى يرصد الصياد فى عرض النهر لما سمع خطوها التفت .. شرَّع ذيله وأذنيه، وأعطى جنبه للنهر، ثم غز المسير بين الطريق والنهر فى المسافة المسكونة بالحشيش .. والذئب سيِّد الحشيش .. يَمْرُس الضفادع والجراد النائم والسحالى الكامشة ويرمح : تشك .. تشك .. تشك ، ويلهث: ها ها ها .. والبنت لا تنـتبه .. تعوى الذئاب البعيدة ..الثعالب تموء .. الضفادع تنق .. الشجر يحف أحياناً .. المساحات كلها معبأة بالهسيس، والذئب وحده صامت إلا من اللهاث .. سيلحق بها .. يخرج من الحشيش .. وقفزة واحدة إلى مؤخرتها .. يهبرها .. تفزع البنت .. يطوقها من الخلف .. يتسلقها .. ينشب أظافره فى جسدها .. يغرس أنيابه فى خدها .. تقع .. يبرك فوقها و... فى صمت يترك ما شاء ويأكل ما يشاء و.... ها .. ها .. ها .. لهات لا ينقطع .. والبنت تسير .
الذئب ـ فى لحظة نادرة كان سيغادر فيها الحشائش ويقفز ـ أدرك شيأ متحركا زاول عينيه .. توقف للحظة .. شَرَّع ذيله وأذنيه .. لمحه على جانب الطريق الشمال : كان فى كوخه يود لو ينام والقنديل على وشك أن يمتص زيته .. لحظة واحدة بينه وبين الظلام .. لكنها أعادت صحوته .
لما نبح الكلب ، نظر من خصاص الباب .. رآها وحدها تسير .. ثوبا نسائيا أسود ..ضوء قنديله الهزيل كشف له عن جسد أنثوي ممشوق داخل هذا الثوب .. اهتزاز ردفيها لما رصدها من الخلف حرك شهوته .. خصاص الباب لم يشبعه .. فتحه .. صرَّ الباب: صررر ..صررر .. لم تنتبه البنت .. خرج لدفءٍ آخر جديد .. بعد قليل سيعود ومعه البنت .. يضع الزيت فى القنديل، ويشعل الموقد .. يشرب هو والبنت الجنزبيل .. رشفة من الجنزبيل ورشفة من شفتيها .. والكوخ صغير .. محكم .. لما يفعفع الدفء فيه تخلع البنت الثوب الأسود ، وتخش فى عباءته .. نعم .. فى حضنى .. تحكى لى عن كل شيء من طقطق إلى " سلام عليكم " .. إيه اللى مشَّاها فى الليل . وإيه اللى خلاها تشرد .. هى مهرة شاردة ولا بنت هَمّ ؟ .. الكوخ من غير وليف قبر .. وأنا .. وحشنى الدفا النسوانى .. البنت يمكن تِفْضَل على طول معاى . أديها وتدينى .. وأبوس لحمها كل يوم . وأحضنها جواى .. المهرة لو شاردة أنا ألجمها .. والسر فى البير .. بلعها الدغل .. أكلتها الديابة .. وقعت فى النهر .. غرقت . بس لو ترضى .. أنا هأرمى عليها الستر طول العمر . لو بنت هَمّ الهم أنا أشيله .. أديها اللى مش لقياه .. نـتفة أمان .. كتف راجل ترمى عليه الحمول .. وشوية رضا .. أنا والبنت .. ها ندى بعض .. واحنا الاتنين هانِّدى الخص .. الخص لما البنت تخلع فيه يسحر .. على نور الفانوس يلمع لحمها الأبيض ويشيع فى الخص النَّفَس الحريمي ، والدفا .. ونأكل لقمة طرية .. وأنا .. وأنا اللى طول عمرى عايش وحيد .. البنت من دول تخش الخص ساعة .. تدى ريق حلو .. أشوف الدنيا حلوه .. ساعة وتغيب .. تاخد طعم الحياة وتروح .. أدور على غيرها .. أدور .. أدور .. وفين لما .. البنت دى مش ها تطلع .. دى آخر بنت ـ إن شاء الله ـ ها تدخل الخص ، ومش رايحة تطلع تاني .. مش هأفرط فيها مهما يكون ".
و" الرِّجل تدب مطرح ما تحب " .. ودبت رِجل الرَّجل خارج الخص .. يسير فى الجهة اليسرى من الطريق .. يخشى لو يسير وسط الطريق و..تبص البنت وراءها .. تفزع .. تصرخ .. تستغيث .. ينشق الظلام تفتح الأكواخ والعشش أبوابها .. تنشق الأرض وتنطلق الشهامة .. ألف شهم وشهم : ــ الرجل الهلس خطف البنت .. جايبها فى عز الليل و... البنية من فين؟ .. الكلب دا عمل لك حاجة؟ .. كان عاوز يعمل لك آيه؟ سليمة ولاّ .. فيكِ حاجة؟! الحمدلله .. جات سليمة .. كتِّفوه .. ابن الكلب لحد الصبح .. الصباح رباح .. وتعالى يا شابة ، وياخدوا البنت مني !!.
والبنت باين عليها حلوة والعين تطمع في الحلو .. وأنا صياد وحوش .. وصياد الوحوش لازم يكون وحش .. والوحش هو اللى ياكل الغزالة من غير فضايح.
الذئب عندما جفل .. نظر إلى البنت نظرة استئذان .. ونظرة أخرى إلى " ابن الكلب " الذى يرصدها من الخلف .. والقلق عند الذئب زاد والهم أصبح همين .. والجوع للحم البنت وحده همّ .
والقلق عند " ابن الكلب " أيضا زاد . مرة يُجذِّف برجليه يمينا ومرة يجذِّف شمالاً .. مرة يسرع ومرة يتنطع .. ومرة يحط يده فى وسطه وكأنه سيسحب سلاحاً .. والهم عندالذئب زاد .. الذئب حيران : " أنا لازم أ وألف شهم وشهم عمل حاجة .. قبل ما ابن الكلب يحس بوجودى ويسحب سلاحه " .. والهم عند الذئب ــ فجأة ــ بقي وألف شهم وشهم ثلاثة هموم .. والهم الثالث كان لما نبح الكلب الذى يمشى وراء ابن الكلب صياد الوحوش !
ـ آه .. كلب؟! قبل ما أخلص من ابن الكلب طلع لى عفريته !! طيب ياسي كلب .. إن كنت إنت شمام ونبَّاح أنا فطَّاط ونطَّاط .. آه .. يا اين الحلوف .. شميتنى وأنا جو الحلفا .. نبحت .. نبهت صاحبك؟؟ .. وانتبه؟! .. خليه ينفعك ..شميتنى ياسي كلب .. ياوفي ! .. نسيت إنك بتقايض الوفاء بلقمة يابسة .. يا مُخْلِص .. يا حارس .. يا أمين .. يا أبوالصفات الجميلة كلها .. طظ فيك .. مخلص؟! .. للبشر؟! .. لبني آدم؟! .. ياخي هاع ! .. بص .. شوف صاحبك مشغول بهَمّ قُدَّامة .. مشغول بلحم بنت بيرعص قدَّامة .. ونسيك .. انبح مهما تنبح مش هايبص لك .. لحم البنت جو توبه الأسود نسَّاه الخطر ! .. أنا وحدى اللي هأقبض روحك ـــ بأذن الله ــ وإن كنت إنت شمَّام ونبَّاح .. أنا فطَّاط ونطَّاط .. وليلتك سودا زى توب البنت اللى ماشية هناك دي .
وكان على الذئب أن يتخلص من الكلب وابن الكلب معاً .. وفى لحظة فاصلة بين الرغبة والتردد قفز الذئب من الغرب إلى الشرق .. لم ينـتبه صياد الوحوش المأخوذ برغبة تشده من الأمام إلى حيث يتحرك لحم البنت التي تجتاز الظلام بجراءتها وتسير كما لو كانت مشقاً من سرٍّ بهيٍّ يربطه بالجنة التى هى الخصُّ بعد أن تدخل فيه الحورية وتضئ قنديله الوحيد . وكان الخص هو الرغبة الأخرى التى تشده من الخلف .. دفئه المفقود فى هذا الصقيع .. بصيصه المتلصص بجوار الطريق .. طاقته الهادئة المفتوحة دوماً .. هدوؤه المنسرب إلى هدوء هذا الكون المتلفع بأسراره .. الكون الجميل .. الرائع الذى ولد هذه البنت التى تشده من الأمام .. أهو القنديل الآن تراه يدغش فى الظلام دغله،أم تراه انطفى؟.. يا ترى هأعود وتعود معي الحورية ؟ تحط الزيت فى الفانوس .. وتهتك ستر الضلمة .. ونهتك أنا وهى بعضنا .. يا ريت ارجع بيها وتخش جو صدري وتلعب .. وتسمع لأسراره .. صدري اللى ياما انفرد على صدور نسوان ما بتبوحش .. أنا .. الليلة هأدخل السر الغويط .. هأخش فى صدرها وأغوص .. وأغووووص ....
وغاص الكلب فجأة فى ترعة محازية للطريق من الشرق .. المسكين ـ لما قفز إليه الذئب كالقضاء المستعجل المفاجئ واستلقى فوق ظهره ـ بَرَك .. لف جسده سريعاً .. رفس برجليه .. لف جسده ثانية .. لكنما الترعة هى التى استلقفته فى اللحظة التى كان الذئب قد غرس فيها أنيابه في تلابيبه، وظل المسكين معلقاً من رقبته بين فكيِّ الذئب والماء الراكد فى جوف الترعة .. حاول أن يتخلص .. رفس برجليه فى الوحل عدة رفسات متتالية.. ضرب الهواء بذيله وأرجله .. ضربة ضربتان ..ثلاث .. لكنما النَّفَس .. المشكلة كانت فى النَّفس المنحبس . . لا هو داخل ولا هو خارج .. ماذا يفعل المسكين ؟ حاول .. ولكن حلاوة الروح ـ التى تود الخروج ـ جعلته يندفع كصخرة هاوية تاركا حلقومه وما حوله من أمشاج فى فم الذئب مندفعا إلى هوة جديدة قارسة .. و.. طاااش .. طشة واحدة وابتلعته الترعة .
هل يتركه الذئب ويغز المسير إلى ابن الكلب الذى يتابع اللهاث وراء البنت ؟!.. أيخلع .. حلقومه هو الاخر و..ينط فوق الطريق ..يحبس نفساً عميقاً فى جوفه ويقلع إلى أعلى .. يضرب الهواء بأرجله وذيله ، ضربتان ..ثلاث ـ ثم ينزل كالقضاء المستعجل فجأة فوق أرداف البنت يطوقها من الخلف .. فى لحظة يمزق العائق الأسود الذى يصر اللحم .. ثم يُدْخِل رأسه كلها .. كلها فى اللحم ..يهبر ويلعق ويتوغل و.. والبنت مستمرة فى المسير ، وهو متشبث بها من الخلف ،وذيله يكر وراءه على تراب الطريق إلى أن يأكلها تماما من الخلف .. والبنت مستمرة فى المسير .. يستدير إلى الأمام ..تطوقة هى بذراعيها ..يأكلها من الأمام ..تستعذب هى الأكل .. تسلمه نهديها .. يأكل .. يلعق ويتوغل و.. حتى يحولها تماما إلى عظام .. تتكوم .. يسحبها إلى أعشاب الحلفا .. يخرأ عليها وينطلق عائدا إلى "ابن الكلب الثانى" / صياد السمك الذى يحتمى بقاربه فى جوف النهر مستأثرا ـ وحده ـ بالقراميط .
كل شئ كان يمكن أن يتحقق .. وكل شئ عند الذئب جائز .. ممكن .. أكيد .. لولا أنه ـ ما أن يمم وجهه جنوباً واستنشق أول نسمة فائتة آتية لتوها معبأة برائحة لحم البنت ـ اكتشف وهو يصرُّ على أسنانه ويشحذ كل ملكاته انـتشاء جميلاً ممزوجا بألمٍ ما .. يخفت أجيج شهوته رويداً ، ويتصاعد الألم .. فى لحظة ما برج به الألم .. عقص ذيله وارتاح عليه .. رفع رجليه الأماميتين .. نصب جسده لأعلى .. نظر إلى أسفل .. سيال من الدماء كان بين فخذيه ــ لقد أخذ الكلب بثأره !!.. أنا .. البطل .. قاهر الليل وكل الكلاب المستوحشة .. أنا . يفزر هذا الكلب قربتي ؟! .. هذا الجبان يمزق صفن خصيتيّ ؟! .. هى رمية بغير رامٍ إذن !!
لقد انغرست أظافر رِّجل الكلب فى الحظة التى حاول فيها ان ينقلب وهو تحت الذئب .. بدون قصد صادفت الرِّجل صفن الذئب .. انغرست الأظافر الحادة فيها .. حبس الكلب نفسه .. استجمع فى لحظة حرجه قوته دفع الصفن للخلف .. استغل قوة الارتكاز على محور خصيتى الذئب و.. هوب .. كان رد الفعل أن انقلب .. صحيح ان الترعة كالنهر كالبحر غدارة ، وصحيح أنها غدرت بالكلب واستلقفته ، لكن الصحيح أيضا أن كيس الخصيتين تمزق .. والكلب أخذ بثأره دون قصد ، فمن يدخل الآن خصيتى فى الصفن .. من يوقف النزف؟.. انا أبو الديابة يموتنى كلب؟!.. كلب ابن كلب شغال حراسة عند بني الآدميين من أجل لقمة ناشفة يرموها له تحت الحائط؟!.. لازم أغوص فى هذه الترعة كي أمثَّـل بجثته .. لازم ، ولابد .. وهيلا هووب .. طاااش .. غاص الذئب فى الترعة !.. كانت بعض الطرطشات لكنما الحركة هدأت بعدها .
والدار لما تخشها البنت تحولها إلى جنة .. ترشرش الميه على أرضيتها وتكنس .. تتمشى عليها مشية غزلاني .. تهمد الأرض .. التراب ينام .. تستحم البنت وترش ميه الحموم على أرض السقيفة .. وتفوح فى الدار ريحة حريم .. وأخش .. أفتح الباب لوحدى .. أدخل .. تولع البنت الكانون .. تحط حلة الميه على النار وتحط لقمة لأبي القراميط .. آكلها وأشرب زجاجة " الكينا " .. أحدف الفاضي فى أي ركن واصحى .. وأنا سكران أصحى .. أشيل البنت بين أديا .. ألف بيها الدار وأدخل بيها الغرفة الجوانية الهمدانة الساكتة وعلى نور اللمبة اللى منوراها البنت من أول الليل أعمل اللى ما تعملش .. هافضل طول عمرى خافي سرها .. هاخفيها فى الدار القبلية اللى ما حدش دخلها من يوم موت المرحومة أمي .. هاقفل عليها بقفلين .. واحط المفاتيح فى جيبي .. ها خفيها .. أخش أنا وبس .. كل ليلة أعمل اللى ما تعملش لحد الصبح . البنت دى باين عليها هتعمر البيت .. وأنا .. صياد .. هأهنيها سمك .. وعيش ، وفجل ، وصابون بريحة و.. هتربى لها قطة تونِّسها .. وتزرع ف صحن الدار شجرة ترمي ضلها على بوص السقف .. وأعيش .. البنت دى مش زى أي بنت .. دي أحسن من أيتها واحدة ممكن أتجوزها على عيوشة .. عيوشة مراتي اللى شاخت ودابت .. وهتدوبنى معاها .. السر اللى ف البنت دي بعشر حريم .. وباين على خطوتها إنها شابة واكيد بيضه .. جسمها فارع .. فرسه .. وأنا الخيَّال .. وأنا الليل بأحبه وأحب اللي حبوه ومشوا فيه .. طول عمره المرحوم أبويا كان يقول : ناس رزقها فى النور وناس رزقها فى الضلمة .. واحلى ما فى الرزق الحريم ، وأنا رزقى جاني .. أسيبه يفلت ؟! .. الحكاية دى لازم تتم قبل طلوع الفجر .. الليل له عازه .. وأنا الليل بحبه، وبأحب اللي حبوه ومشوا فيه و...
لما تعبت زراعا صياد السمك من التجديف، حضَّن بقاربه على الشط .. طاطأ بجسده .. أدخل يده تحت البطانية .. فتش .. فتش .. سحب المسدس .. حطه داخل جرابه الجلد .. حزم نفسه بحزامه الجلد الذي يشبك فيه الجراب .. ربط القارب في بوص الغاب وخرج من النهر .
وتحركت أرجل صياد السمك جنوبا .. استلقى الذراعان المتعبان جانبا وتحركت القدمان .. يمَّم وجهه للبنت ومشى ، فى المسافة التى بين الطريق والحلفا النابت واليراع الذى يحْضُن ما النهر .. والقصة نفس القصة .. النهر على اليمين والبنت على الشمال .. والبنت سائرة فى طريقها لاتعبأ بالحركة ولا بالسكون .. لا بالهسيس ولا بالحفيف .. البنت تجتاز الدغل بلا عيون .. أرجلها تعرف وحدها الطريق .. والبنت وحدها فوق الطريق .. تقطع خط ضوء مارق من بعيد .. تدخل فى الظلام .. تجتازه إلى ضوء آحر ، وعند كل خط ضوء كانت البنت مستورة وكان الوجود مفضوحاً .. يتحرك الوجود .. يتلصص على البنت من الخلف .. من قفاها .. يحاول أن يخترق الثياب يعجز .. ينحدر النظر إلى قدميها .. كعب البنت يحكى عن أشياء كثيرة تعلوه .. وحركة الردفين تحت الثياب نغم تتردد على نبرته الحكايا.
وسبب الحكايا ضوء .. وستر البنات عن الضوء واجب .. ما دام وجه الوجود بصاص .. وما دامت البنت تغوى على الفضائح .. وأصل الفضائح بنت .. البنت التى خلقها رب الكون من ضلع أعوج أصبحت بقدرة كل صياد محترف مخلوقة من نن عين الوجود !.
البنت التى خلقها رب الكون من ضلع أعوج ماشية فى الطريق وسط الظلام مثل الشهاب المستقيم، تلتوى إذ الطريق تلتوى .. السكة تتلتوى لكن البنت فى الأصل ماشية فى الطريق مستقيمة .. والخط قد يستقيم لكنما آدم على جنب الطريق من الشرق يتلوى ، وآدم على جنب الطريق من الغرب ــ أيضا ــ يتلوى .. وآدم الغربى وآدم الشرقى هما الاثنان وقعتهم مثل لحظة الخلق الأولى: طين فى طين .
صياد السمك وقع .. الرجل المقرفصة فى المركب لما تمشى لا بد تلتوى .. والأرض كلها مطبات . والعين كليلة فى الظلام .. والعين كليلة لما تحب البنت؟ .. وقع .. جلد ركبته انسلخ .. آآه .. سمع الآهة صياد الوحوش .. بص .. لمحه .. كوم لحم يحاول الوقوف .. شبح .. إنس أم جن؟
ــ مين ؟!..
الشرقى راح للغربى . وقف على بعد خطوتين .. خنجره فى وسطه .. والبندقية فى اليد الشمال .. والنبلة فى الكتف اليمين والسبابة على الزناد و ... :
ــ مين إنت؟.. تكلم ..
ــ صياد سمك .
ـــ ورينى الأمارة .
ـــ الشبك والمراكب .
ــ فين .
ــ الضلمة حيشاهم .
ــ وحيشاك إنت كمان .. ارفع إديك لفوق .
رفع يدا واحدة .. والثانية حاولت سحب المسدس من جرابه .. صياد الوحوش وَحْش .. رمى عود كبريت والعاً .. ولَّع .. رأى المسدس فى يد صياد السمك .. اللعبة خفة يد .. وخفة اليد مطلوبة فى الصياد و " صدنى أو أصيدك " .. والشاطر هو الذى يعجل بالهجوم .. والهجمة كانت من الماسورة الطويلة .. صياد الوحوش يغلب .. والبنادق معقود على نواصيها الرزق .. وطااخ .. مات ... نفض جسمه نفضتين .. وطبَّ ساكتاً .. تكوم جسمه فى الحلفا .. خش صياد الوحوش عليه .. بصق على وجهه .. التقط المسدس الواقع جنبه .
والذئاب لها رزق .. ورزق الكل على الرزاق مضمون .. وخُشّ على البنت يا أبو الوحوش .. سبع الليالى أنا .. وأنا السبع وحدي .. والبنت ماشية .. حتى طلقة الماسورة لم تـنبهها .. البنت ماشيه زى الطلقة للأمام وبس .. والطلقة دَوَّت فى الدغل كله .. ما خافت ولا وقفت .. ولا حتى بصت .. البنت دى مش بنت . البنت دى جن مرصود !.. والطلقة صَحَّت كلاب الليل ونبهت الديابة .. والطريق مش أمان .. والصقعة بتشل الإدين والدنيا ضلمة .. والرزق قدام بيتحرك .. البنت لازم توقف .. وكفاية لفح البرد وحرق دم .. كفاية .. لازم توقف .. المسافة طالت .. وطالت .. والرجعة هتكون صعيبة .. والفجر هيشقشق علينا ف الطريق . والصبح فضَّاح زى الحريم .. والنجم فوق بيترقص ،ونص الليل الأولانى راح .. دخلنا ع النص الأخير.. والنص الأخير ما فهوش عقل .. وأنا عقلى طار .. أنا هامشى ف نص الطريق .. هانده ندهتين .. وهأرمح .. هامسكها وزى ما يكون يكون .
ـ يا بنت .
رمح .. البنت ماشة لم تلتفت :
ـ الله يخرب بيت الحريم .. يا بنت .
استعجل .. مسك المسدس .. طاااخ .. طاااخ .. طلقتان في الهواء .. لم تلتفت .. المسافة بينه وبينها قصَّرت .. قرَّب .. لمح خدها .. مليانة لحم .. مفرودة ومنصوبة .. النسمة نسمة ، والموجة موجة ، والبنت بنت .. ماشية البنت وهى بتحرك الوسط .. يرقص يمين وشمال .. والبنت ماشية للأمام غنيوة سلام .. والموجة دافية، والنسمة هايفة، والبنت هايفة وملمومة ومضمومة ودافية وزى نسمة ليل .. وضمة البنت غنيوة تانية فيها الشفا .. والقلب مجروح .. والبنت عايزة الضَّم ، ولما البنات تمشي من غير ضمّ تبقى أحضان الرجال خرايب .. تشرد بنات الحور .. والبنت دي شاردة ينقصها ضَمّ .. وطاااخ .. طاااخ .. طلقتين تاني في الهوا .. دي مش بنت .. دي جنيَّة !.
والبنت لما الطريق إلتوت إلتوت .. العطفة كانت يمين .. وصياد الوحوش وَحْش فارد جسمه للريح .. رامح .. عطف يمينا .. قرَّب على البنت .. قرَّب .. قرَّب .. قلبه قلب حصان .. يدق دق الطبل .. و "الرِّجل تدبِّ مطرح ما تحب " ، وهو حَبّ البنت .. والرِّجل دِبِّ دِبِّ .. و .. دَبَّ الرَّجلُ على الحصى : تك .. تك .. و .. تك .. مدَّ يده للقفا .. شدَّ الطرحة .. طلعت في يده .. تركت رأس البنت والتفت على يده .. شمَّها .. دفن رأسه فيها:
ـ عنبر .. مسك .. ريجة حريم .. يارب ياللي خلقت النسا منى .. البحر بحري والعطش مني .. من ضلع أعوج دي ولا من نني ؟!. وها .. ها .. ها .. هه.. وقف والبنت ماشية لم تقف .. عفريت شق الأرض وطلع .. مسك صياد الوحوش من قفاه .. حَضَّن بذراعيه على جنبيه .. مسك المسدس والنبلة والخنجر والبندقية والذراعين .. الوحش بات مأسور!
.. شمال .. يمين .. يتحرك .. حاول .. لكن الوقفة هى الوقفة .. المستحيل ملفوف حواليه . خطوة واحده لم تكن .. حاول يخلص ذراعاً واحداً .. يداً .. إصبعا .. لم يستطع . ثَبُتَ .. رصد .. حاول أن يتعرف على الجن الذى ثبته .. الجن الذى فاجأة من الخلف .. إنس أم جن ؟! .. وحش أم بني آدم؟.. من؟ .. لم يواجه غير الصمت والرصد والثبات والمستحيل الملفوف حواليه، والنَّفَس الحار الذى يلفح رقبته من الخلف .. النفس قرَّب .. قرَّب .. التفّ حول الرقبة إلى الأمام قليلا و.. هوب .. مسك .. مسك عرقين جنب بعض فى جنب الرقبة اليمين .. شدها بأسنان كالإبر .. وأربعة أنياب انغرست فى اللحم إلى الداخل و... الدم سال .. ومص مصاص الدماء .. مص ..مص .. مص .. والنفس ساخن غير مساره .. دار من اليمين للشمال .. كرر نفس الفعلة .. مص .. مص . مص .. لما شبع دم شد اللحم .. خَلَّص لنفسه هُبرة على قد فمه .. انتفض أبوالسباع صياد الوحوش نفضتين .. ثلاث . وهمد .. لما همد رماه مصاص الدماء على جنب الطريق .. والطريق طويل والدنيا ظلام .. ونظر إلى الأمام .. لم تكن البنت بعيدة عنه :
البنت لوحدها .. وصياد السمك لوحده .. يـبقى البنت لصياد السمك وحده .. صياد الوحوش وَحْش .. والوحش غبي.. ال"بنى آدم " أذكى بكثير .. والعقل وحده هو اللي يغلب .. والصبر صبَّار لكن آخرة الصبر الفرج .. وأنا .. السمكة اللى ف جوف البحر أجيبها .. بالصبر تيجي .. تتجرر لحد الشبك .. واللى يشد الشبك بشويش ويصبر ينول حورية البحر .. والبحر زى الليل كله أسرار وضلام وأنفاس .. وحورية الليل لساها ع الطريق ماشية وفاردة ولا هي هنا .. شدة واحدة وهتيجي .. وشوية صبر، وخطوتين لقدام وتكون من نصيبي .. الغبي .. ظن إنى مت .. ها .. ها .. ها .. ظن أنه موتني .. طلقة البندقية خشت فى الحلفا تحت رجلي .. وقعت .. وقع صياد الوحوش .. اكتفى بالمسدس ومشى .. البنت دى مش وحش .. مش غزال .. الغزال يخاف من وحوش الليل يندس بين الشجر .. يجفل من الوحوش .. يجرى .. البنت دى حورية .. حورية ليل نازلة لأول مرة ع الطريق .. نازلة م النجوم ملفوفة بسرها .
والدغل لا ينتهى .. والطريق طويل .. طويل .. ملفح بأنفاس حرشاء ، والتلصص وحده سيد الحراش .. والكائنات تطلق غبار أنفاسها والنهر ساج يستقبل هذا الغبار .. يعجنه فى بطنه .. يرميه على الضفتين والضفتان بوص غاب وحلفا وعشب .. وفى العشب كان " حنش " .. والحنش جوعان .. مص دم الورل .. والورل مات . كمش لفروجة البحر جنب الماء بالضبط .. راحت المسكينة تشرب .. شرب هو دمها .. وآخر وجبة كانت بيضة التمساح . فتح فكيه على قدها .. بلعها .. وضغط .. ضغط .. ضغــ .. شرب محها كله .. والحنش راقد الآن فى العشب جوعان .. والجوع كافر .. والكفر هو الكفر والجوع هو الجوع .. لكنما .. لما يدخل الكفر على الجوع أو يدخل الجوع على الكفر يبقى الحنش لازم يمص دم صياد السمك ، و ... تفْضَل البنت
وحدها تسير فى هذى الطريق
( تمت )
أبوتشت
في
12 /12 / 1996 م
نُشِرت هذه القصة بمجلة القصة الصادرة عن نادي القصة بمصر في عددها رقم 103 الصادر في مارس 2001 م .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر عبد الرحمن
- الزيارات: 3
في يوم ما الثلج يتساقط في نيويورك كانت هنالك فتاة شابة جميلة جدا تمشي في ذلك الشارع المضلم تقريبا ورجلا ينضر اليها باعجاب وباندهاش وهو يرى تلك الفتاة التي بشرتها بلون الثلج الذي يتساقط وعينيها الزرقاوتين كأنها مصابيح أنارة زرقاء وابتسامتها كابتسامة الموناليزا وانها ايضا غريبة الاطوار من جهة ! فأنها تضع احمر الشفاه بلون احمر فاقع ولاتضع شيئا على عينها وقد وضعت صبغ الضافر الاحمر الفاقع ايضا على الابهام والاصبع الاخير فقط وان لديها شعر اسود غامق وهي تضع نصف حلق في اذنيها وتلبس معطف قصير وحذاء صيفي احمر اللون وتمشي وكأنها في قصر ودفعه الفضول لان يسالها عن اشياء كثيرة مثل ما أسمك ؟ هل انت متزوجة ؟ ما جنسيتك ؟ من اي عائلة انت ؟ وغيرها , ولم تكن تفعل غير الابتسام اليه وعندما انته من الكلام جاوبته على كل الاسئلة التي سئلها عدا سؤال واحد م أسمك ! ؟ وطلب منها الزواج ! ومعا العلم انه رجل غني وطيب ويسكن في ولاية كليفورنيا وهو ثري لانه يملك ابار نفط في الولايات المتحدة الامريكية , وقد وافقت بسرعة على هذا الطلب وقد اخبرته عن اسمها وتزوجا واشترتط عليه ان يكتب لها شيئا باسمها وان بشتري لها الذهب والالماس واللؤلؤ , وقام بكل ماكانت تطلبه منه وتقول له اشتري هذا البيت , اشتري هذه الارض , اشتري هذه المزرعة , وفي احد الايام قالت له اريد ان تحضر لي خادمة جديدة لان هذه الخادمة متكبرة ومتعجرفة ولا احبها وهل تسمح لي بأن اختار الخادمة الجديدة فقال بالطبع , واختارت الخادمة وكانت تشبهها كثيرا جدا , وفي احدى الايام دخلت الى الغرفة فوجدته يخونها مع الخادمة الجديدة فتركت البيت ورفعت عليه دعوى قضائية للطلاق , فطلقتهما المحكمة واخذت ما كان يملك من الاملاك اضافة الى الاشياء التي كتبهها لها وذلك لان في ولاية كلفورنيا في الولايات المتحدة الامريكية تاخذ المرأة نصف ميملك الرجل اذا طلقها , وقد اتت اليه بعد ايام ومعها الخادمة وقالت له : ان هذه اختي الصغرى وقد نصبنا عليك لانك مغفل ونحن من عائلة فقيرة لانملك شيئا الا الجمال , وقد قلت لك ان تشتري لي هذه الاشياء حتلى عندما يحدث الطلاق اكسب املاكا اكثر , وان اختي وضعت لك المخدر في الاكل واخذتهالى غرفته وقد كنل متفقتين على كل هذا , وتركتاه , ومافعل غير انه اغلق الباب ولبس البدلة ورتب المنزل وفتح الخزانة واحضر المسدس وصوب في رأسه واطلق على نفسه النار .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عائدة المحمد
- الزيارات: 4
وحدكِ من ستختار أثاث هذا البيت قطعة ً قطعة . إنه مملكتك , وأنت وحدكِ مليكته ومليكة قلبي
غمرتْه بنظرةٍ دافئةٍ مداعبةً
ولكن يا حبيبي أرى أن تختاره بنفسك, فربما استبدلت مليكتك بأخرى
رماها بنظرة عتب , ثم رفع يديه نحو السماء وصرخ
أقسم أنه لن تكون مليكةً سواك أنتِ أو لا امرأة
صحيح أنه فارقها إلى أخرى, لكنه ما خان وعوده, ولا حنث عهوده
فقد نُمي إليها أنه قد ابتاع منزلاص جديداً وأثاثا جديدا للملكة الجديدة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحى سعد
- الزيارات: 3
شـعاع ضـوء فـى زقـاق مـعـتـم
جلست فى المقهى ، رحت أراقب البحر ، طيور النورس ، والوجوه المكحَّلة بالنعاس ، وأنا مازلت أحبو صوب أجنحة المدى ، علَّنى أمسك باستفاقة العصافير النائمة 0
تجمعت كرات الصقيع فوق زجاج المقهى ، وعينىَّ تضاجع شيخوخة أحلام الذين يعبرون أمامى بملابسهم الناشعة بالبرودة 0
توقفت عربات البوكس ، قفزت العساكر كالأرانب البرية ، وهى تحاصر المقهى ، نزل ضابط وسيم جدًّا ، ومن أشعة نجومه اللامعة ، وثبت طفلة متسخة الثياب ، وركضت صوب البحر ، فتلقتها فتاتى التى ابتسمت لى ، وهى تلقى صوب الأمواج شعاع ضوء ، ثم خبأتها فى كم فستانها 0
هرب رواد المقهى ، وهم يتعثرون فى أربطة الأحذية الخشنة ، أمرنى بالوقوف ، أجتاحتنى رائحة أمسيات مشبعة بالرطوبة ، واللطمات ، وشراسة العتمة فى حجرة صغيرة لاتتجاوز مساحتها نصف متر ، تتصاعد منها رائحة أخرة صرخات مطلية بصفعات الريح ، والفجيعة 0 لم يمهلنى أن أضع فنجان القهوة ، ثم صفعنى ، بينما شهوات الكلاب التى جاءت معه تحكم الحصار من حولى ، ثم أنتزعنى ، ومضى بى صوب الميدان منشباً ذكورة أحد كلابه فى مؤخرتى ، وفى زقاق معتم أخرج من كم معطفه كلباً صغيراً ، وتركه يبصق على مؤخرتى ، ثم رحل بلا كلمة ، بعد أن فتح له صاحب المقهى زجاجة " بيريل " مثلجة 0
فركضت صوب الفتاة التى ابتسمت لى ، وهى تلقى صوب الأمواج شعاع ضوء ، لتخبئنى تحت جلدها ،وشرايينها ،وعندما لم أجدها ، ألقيت بنفسى فى ماء البحر0فـتـحــى سـعـــد
مــــــــصــــــــــــــر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بديعة بنمراح
- الزيارات: 4
حرقتها الأشواق، و هي ترتشف كاسات الغياب، و لوّن شوك السهاد لياليها الثلاثة كآبة.
بعد لحظات، سينبثق أمامها، جذِلا بحلاوة اللقاء. سيعتصرها بين ذراعيه بقوّة، و يمطرها قبلات. بينما تعبث أنامله بخصلات شعرها المنسدل، بحنوّ.
تمدّ ريم رقبتها نحو المرآة، فتلفى وهج فرح يضيء وجهها، و يبدو فستان نومها الأزرق الجميل، يحضن جسدها برقّة، و يبرز غنج مفاتنه.تسكب فيضا من عطر، و تهفو نحو الباب تفتحه.
يسبقها جمال لفتحه.
- مساء الخير!
يرمي التحية ببرود، و هو يدلف إلى الداخل. تجهش ألما، و هي تغض عيونها عنه، كي لا تشي دموعها بها.
" آه ! لو تعرف كم كنت متعبة بدونك"
- أحس تعبا يسري فيّ، سأغفو قليلا!
فلتتركه يرتاح، عّل الكرى يزيح عنه شبح الإعياء، و لْتُهَيّء عشاء مبهجا على ضوء الشموع!
تتردّد بين مائدة زينتها بحب، و لمسات رقيقة، و بين غرفة نوم تضم حبيبها. تود لو توقظه. لكنها تخشى أن تخدش أحلامه بقربها.
يدب فيها الملل رويدا، فتحتمي بالحمّام، يغسل وحدتها، و يبعث فيها من جديد حيويتها.
تشتعل، وهي تحت فيض دفئ، يدغدغ جيدها، ويداعب برقة نهديها، لينثال شلالات لذة تغمرها .
تضع الرّوب عليها، و تترك الحمّام منتشية.
الآن، ستوقظ زوجها، ليتذوق ما صنعته أيديها. و على ضوء الشّمعات، ستهمس له باشتياقها. تمشي على أطراف الفرح. فتصطدم بالفراغ. تعبس حين تفكر أن زوجها الآن هناك، بين أحضانها، تضمها عيونه بولَهٍ، و تعبث أصابعه بأحرفها بلهفة.
- كل هذا الشوق إلها؟
تدعوه للعشاء، فيرجوها أن تؤجله لبعض الوقت.
تخرج على جناح الوجع، لتشارك شموعها البكاء.
وحين تضيق بها الحياة، تسرع إلى الشرفة، تستنشق أملا. فتراه هناك، في الشرفة المقابلة، يتأمل نفور نهديها و تفاصيلها بشبق. تصفع الباب و تدخل، و تنام في حضن الخيال
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحى سعد
- الزيارات: 4
شهقة
كان يسير بحازة البحر ،وأطواق القواقع تتقافز منها همسات المحبين الذين عبروا من شرفات المساءات الحزينة 0
فتش فى توابيت الموتى ، عن جثته المخبأة فوق موائد مقاهى الصمت ، والشاغرة بالأتربة ،والبرودة 0
فتش عن وجهه الذى سرقته امرأة ارتدت كآبة شتاء غاضب ،ثم راحت ترقص عارية فى ضجيج الميادين الغارقة فى إضاءة مصابيحها المكَّسرة 0
تدحرجت رأسه بين الموائد المكتظة بالسكارى ، والتوابيت المتآكلةحوافها ، عندما غافلته رائحة امرأته ، وهى تعاقر زجاجة نبيذ ، بينما رجل يمازحها بص حلمة ثدييها ، والنادل - الذى كان مبتسما - ينحنى بذيله الرمادى ، مقدماً لهما المزَّة 0
فأصطدمت الرأس المتدحرجة بالذيل الخشن ، فاندفعت فى تدحرجها ، لتلتصق بالتوابيت التى تصرخ بشهقة الضحكات المترجرجة 0
فـتـحـى سـعــد
مــصـــــــر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحى سعد
- الزيارات: 5
قلب صغير مفتون بالفل
هل تعرف الحد بين الإغفاءة ، واليقظة ؟
وهل أصغيت يوما مّا لصوت الحلم ، بينما عيناك تراقبان ظلك ، وهو ، يتسكع فى حلم قصير جداً ؟
بينما كلاب الأرصفة تطاردك مزمجرة فى وجه الريح ،وأنت تتعثر فى أنفاسك الحبيسة داخل تابوت روحك، وغبار الشوارع يتناثر فى عينيك اللامعتين بالأتربة ، وأنت تسير فى طرقات مشبعة بالمطر ، الوحل ، والبرودة ،وعسكرى الدرك ،يجرجر امرأة ثملة ، تفوح من أصباغ وجهها رائحة الوجع0
هل رأيت إيزيس ، وهى تركض فوق حجارة الرصيف القديم ، أحياناً ، أمسك بها داخلى ، فتغمرنى أطياف نوارنية ، وتجتاحنى ألوان الطيف ، فأشعر أنى طفل يقفز من مياه البحر الثقيلة ، والغامقة ، فأركض صوب مسارب روحها ، بنفسجة متوهجة بالضياء ، وعصفوراً يحلق فى فضاء ملون بأشعة عينيها بزهور الياسمين ، والفل ، وإيقاعات حالمة ، نرقص عليها كطيفين نورانيين 0
وإيزيس التى استيقظت ، ذات صباح بارد ، ومساحات شاسعة من الضباب ، سرقت قرص الشمس ، فلم تجدنى لتقول لى : بحبك موووووت! فلمست دمائى الطازجة فوق حافة الفجيعة ، فركضت صوب أطراف الكون ، وعبر مسافات معتمة ، لتلملم أجزائى المقطعة فوق كور الثلج ، لتعيد تكوينى ، ثم تعِّمدنى فى شعاع عينيها ، وتمنحنى وجه الحياة ، وفرساً أصغى لصهيله فى الخلاء الواسع بلون الضياء0 ثم يترجل الطفل بداخلى ، ليقيم تحت جلدى مملكته بنكهة الصخب ، وفى قلب أشعة الشمس ، يتوارى ، مختبئاً ، قابضاً على بالونات ملونة بقوس قزح ، راكضاً وراء بقايا فقاعات مسحورة بالضحك ، ثم يتقافز من شرفات تطل على صباح بارد جداً ، فيسقط فى دوائر ملونة بأحلامى التى أحاول أن أقبض عليها ، فتراوغنى ، عبر أمسيات باردة ، وذكريات تائهة فى منحنيات مغموسة بمذاق العتمة ، وسراب تفاصيل صغيرة تراوغنى ، والطفل يمر عبر مسامات روحى مطارداً فراشات مفتونة بالنهر ، فروع السيسبان ، وأوراق البنفسج ، ومحلقة بأجنحتها المضيئة فى تجاعيد روحى ، فيطلق الطفل بالوناته ، أسراباً فوق مروج الحلم ، أضواءً صغيرة ، ولامعة ، تذوب خجلاً0
فلمحت المرأة ، وهى تزيح أكوام الأصباغ المبللة بدموعها ، ثم أخرجت من حقيبتها الصغيرة ، بضعة أوراق نقدية ، ودستها فى يد العسكرى الذى لانت قبضته الممسكة بها ، وهو يتوارى فى العتمة ، ماسحاً عن عينيه المطفأتين تلال من النعاس0 حلقت أسراب فراشاته ، صوب أفضية مغمورة بندف القطن ، خلف زوايا مغلولة ، لنجمات تنز ملحاً بفقاعات الوهم ، ثم نشرت أجنحتها الحبيسة عند حافة الكون ، فأحتضنتها قارعة الشتاء، وضلوع البرودة ، فسقطت أجنحتها ثملة فوق حافة شرفات العتمة ، وهى تنزف دماءً طازجة ، نازعة ملابسها ، فركض صوبها الطفل الخارج تواً من النهر، منتزعاً سهماً أسود مغروساً فى قلبها0
صرخت إيزيس عندما استيقظت ، ولم تجدنى لتقول لى : بحبك موووووت 0
أمسك بالسهم الأسود ، وراح يكسره ، خرج معه ، قلبها الملون بزهور الفل 0
فتحى سعد0 مصر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحى سعد
- الزيارات: 4
قلب صغير مفتون بالفل
هل تعرف الحد بين الإغفاءة ، واليقظة ؟
وهل أصغيت يوما مّا لصوت الحلم ، بينما عيناك تراقبان ظلك ، وهو ، يتسكع فى حلم قصير جداً ؟
بينما كلاب الأرصفة تطاردك مزمجرة فى وجه الريح ،وأنت تتعثر فى أنفاسك الحبيسة داخل تابوت روحك، وغبار الشوارع يتناثر فى عينيك اللامعتين بالأتربة ، وأنت تسير فى طرقات مشبعة بالمطر ، الوحل ، والبرودة ،وعسكرى الدرك ،يجرجر امرأة ثملة ، تفوح من أصباغ وجهها رائحة الوجع0
هل رأيت إيزيس ، وهى تركض فوق حجارة الرصيف القديم ، أحياناً ، أمسك بها داخلى ، فتغمرنى أطياف نوارنية ، وتجتاحنى ألوان الطيف ، فأشعر أنى طفل يقفز من مياه البحر الثقيلة ، والغامقة ، فأركض صوب مسارب روحها ، بنفسجة متوهجة بالضياء ، وعصفوراً يحلق فى فضاء ملون بأشعة عينيها بزهور الياسمين ، والفل ، وإيقاعات حالمة ، نرقص عليها كطيفين نورانيين 0
وإيزيس التى استيقظت ، ذات صباح بارد ، ومساحات شاسعة من الضباب ، سرقت قرص الشمس ، فلم تجدنى لتقول لى : بحبك موووووت! فلمست دمائى الطازجة فوق حافة الفجيعة ، فركضت صوب أطراف الكون ، وعبر مسافات معتمة ، لتلملم أجزائى المقطعة فوق كور الثلج ، لتعيد تكوينى ، ثم تعِّمدنى فى شعاع عينيها ، وتمنحنى وجه الحياة ، وفرساً أصغى لصهيله فى الخلاء الواسع بلون الضياء0 ثم يترجل الطفل بداخلى ، ليقيم تحت جلدى مملكته بنكهة الصخب ، وفى قلب أشعة الشمس ، يتوارى ، مختبئاً ، قابضاً على بالونات ملونة بقوس قزح ، راكضاً وراء بقايا فقاعات مسحورة بالضحك ، ثم يتقافز من شرفات تطل على صباح بارد جداً ، فيسقط فى دوائر ملونة بأحلامى التى أحاول أن أقبض عليها ، فتراوغنى ، عبر أمسيات باردة ، وذكريات تائهة فى منحنيات مغموسة بمذاق العتمة ، وسراب تفاصيل صغيرة تراوغنى ، والطفل يمر عبر مسامات روحى مطارداً فراشات مفتونة بالنهر ، فروع السيسبان ، وأوراق البنفسج ، ومحلقة بأجنحتها المضيئة فى تجاعيد روحى ، فيطلق الطفل بالوناته ، أسراباً فوق مروج الحلم ، أضواءً صغيرة ، ولامعة ، تذوب خجلاً0
فلمحت المرأة ، وهى تزيح أكوام الأصباغ المبللة بدموعها ، ثم أخرجت من حقيبتها الصغيرة ، بضعة أوراق نقدية ، ودستها فى يد العسكرى الذى لانت قبضته الممسكة بها ، وهو يتوارى فى العتمة ، ماسحاً عن عينيه المطفأتين تلال من النعاس0 حلقت أسراب فراشاته ، صوب أفضية مغمورة بندف القطن ، خلف زوايا مغلولة ، لنجمات تنز ملحاً بفقاعات الوهم ، ثم نشرت أجنحتها الحبيسة عند حافة الكون ، فأحتضنتها قارعة الشتاء، وضلوع البرودة ، فسقطت أجنحتها ثملة فوق حافة شرفات العتمة ، وهى تنزف دماءً طازجة ، نازعة ملابسها ، فركض صوبها الطفل الخارج تواً من النهر، منتزعاً سهماً أسود مغروساً فى قلبها0
صرخت إيزيس عندما استيقظت ، ولم تجدنى لتقول لى : بحبك موووووت 0
أمسك بالسهم الأسود ، وراح يكسره ، خرج معه ، قلبها الملون بزهور الفل 0
فتحى سعد0 مصر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فتحى سعد
- الزيارات: 4
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يوسف حسن العوض الحاج
- الزيارات: 4
قصة قصيرة جداً
ظلت تبكى طوال اليوم !!!!!!!! دموعها مسترسلة فى شكل إخدود متعرج لدرجة حيرت كل من حولها !!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟ فى اليوم التالى ....... سألتها صديقتها عن سر بكائها المفاجئ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ردت آآآآآآآهــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اخيراً سيتزوجوننى !!!!!!!!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- التفاصيل
- كتب بواسطة: يوسف حسن العوض الحاج
- الزيارات: 5
قصة قصيرة جداً
وقف متكئياً على عصاه إلى جانب باب العربة ..... يتسامر مع محبوبته حتى تمتلئ العربة ....... بعد لحظات اعطاه الكمسارى ما قسم الله وطلب منه أن
يرحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟
السودان /كسلا
00249122163033
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد الطواب
- الزيارات: 4
مصرى اصيل
كنا ذات يوم ثلاثة فى مهمة عمل وقد اوشكت الرحله على الانتهاء ووصلنا الى الطريق شبه الصحراوى الغربى للنيل فى تخوم محافظة قنا . ودرجه الحراره تكاد تقترب من الاربعين درجه او يزيد او هكذا احسسنا بها عندما اضطرتنا الظروف لتغيير اطار السياره الذى كان قد خلا من الهواء اللازم لمواصلة السير و اضطررنا الى الخروج من السياره حتى ينتهى السائق من تغيير العجله الاحتياطى ( الاستبن) وواصلنا السير بعد ذلك فى هذا الجو الخانق الحارق الذى يكاد يشوى الوجوه (خارج السياره فقط طبعا ) ....ومع ان الشمس قد اوشكت على الاختباء فى الافق البعيد خلف الجبال التى تصطف بنتوءاتها وكهوفها و ارتفاعاتها و انخفاضاتها بطول الطريق على يسار السياره الا ان شدة الحراره جعلت الطريق كادت تخلو تماما من البشر و الحيوانات و الطيور و من كل اشكال الحياه وكأن الحياه على الارض قد اقتصرت على ثلاثتنا فقط .. وكنا نتجاذب اطراف الحديث و كنا نؤكد لبعضنا البعض انه لولا خطورة و اهمية المهمه الموكله الينا لما كنا ابدا نفكر فى الخروج من بيوتنا فى مثل هذا الجو و نحن صائمون فى شهر رمضان ..و لكن للضرورة احكام كما يقولون ..ولأن فضل الله علينا كبيرا بما سخره لنا من وسائل الراحة و تخفيف المشقه فقد كانت السياره و لله الحمد والشكر من النوع السريع المريح المكيف الهواء .. و الحق يقال ان السائق ايضا حاول جاهدا ان يصل الى نهاية الرحله قبل موعد الافطار او قبل غروب الشمس و لكن لظروف الطريق و ضيقه احيانا ووعورته احيانا خرى و اضطرار السائق الى ان يهدئ من سرعته مرات عديده مما حال دون تحقيق هدفه النبيل .
و كانت النتيجه ان حل علينا وقت المغرب و لازال امامنا بعض الوقت للوصول الى نهاية الرحله... فتوقفنا فى الطريق عند قريه صغيره متاخمه للجبل.
و قد كنا نحمل معنا الكثير من المياه المثلجه و الاطمعه اللازمه للافطار جلبناها معنا من القاهره و لكن المشكله لم تكن لا فى الطعام و لا فى الشراب و لكن المشكله كانت فى المكان الذى وصلنا اليه وقد حان وقت الصلاة و لم نرى فى الافق اى اثر لمسجد اوحتى زاويه قريبه ...ودخلنا فى وقت الصلاه ..ففكرنا ان نصلى على الارض مفترشين بعض اوراق الصحف عوضا عن المسجد او الزاويه .. ولكن ظهرت فى الافق مشكلة ثانيه اخطر ولا يصعب حلها وهى حاجتنا الى الماء للوضوء والى مكان نتوضأ فيه حتى نتمكن من اللحاق بالمغرب ..لآن المغرب غريب كما يقول اجدادنا ...ووقفنا فى حيرة من امرنا الى أن بدد حيرتنا ظهور رجل متوسط العمر.. فصير القامة الى حدما ..عارى الرأس ... اسمرالبشره .. جاد الملامح و شعره يشوبه بعض البياض وكان يسير وحيدا على قارعة الطريق و يمسك بيده عصا صغيره ..وكان فى عجلة من امره ويسير فى خطى سريعه كمن يريد اللحاق بأمر جلل...
استوقفناه سائلين عن اى مكان قريب نتمكن من الوضوء فيه من اجل اللحاق بالصلاه ..فغير الرجل من وجهته الذى كان ينتوى السير فيها وتخلى عن الصرامه التى رسمت على وجهه وحل محلها بشاشه و ترحاب كبيرين و كأنه كان ينتظرنا لمساعدتنا و لكنه مع هذا قليل الكلام او يكاد يكون عديم الكلام.. مما اضفى بعضا من الغموض على شخصيته ... و مع هذا قررنا مجبرين على ان نتبعه الى المكان الذى اشار اليه دون معارضه ...واحترمنا صمته ولم نزعجه بالاسئله .
و و هو بدوره لم يقل لنا سوى جملة واحده : اتفضلوا يا بهوات ...يا مرحبا يادى النور ... وسرنا خلفه فى درب ضيق متعرج و منحدر ثم دلف يمينا فجأه و بدء الظلام فى مد استاره علينا ولم نكن لنتبين شكل و لون حوائط الجدران الضيقه جدا و التى تكاد تطبق علينا .. و لاندرى لماذا هذا الضيق فى هذه الاراضى الصحراويه الشاسعه ربما كان هذا يعكس نوعا من الحميميه بين افراد هذا المجتمع الى حد التصاق البيوت بعضها ببعض ... و الطرق ضيقه جدا بدرجه انها لا تسمح لشخصين اثنين بالسير جنبا الى جنب علاوة على انحدارها بعض الشئ مما جعلنا نسير خلفه فى طابور و كأننا فى ثكنة عسكريه نؤدى بعض التمارين الاجباريه و الخطوه المعتاده ... سرنا فى صمت مطبق لا نسمع فيه الا اصوات اقدامنا وفى اعتقاد كل منا انه يسير بنا الى مسجد قريب او الى زاويه صغيره هنا او هناك .
و لكن رغم كل هذا السير لم تظهر فى الافق اية شواهد او علامات لوجود ذلك المسجد المرجو او تلك الزاويه المنشوده الا فى مخيلتنا فقط .. و بدأ الشك و الخوف و الحيره و التأفف و الضجر وشعور هو خليط مكون من كل هذه الاحاسيس يتغلغل فى نفوسنا بالاضافة الى تساؤل صامت خفى .. ترى الى اين يأخذنا ذلك الرجل ؟!!
الوقت يمر... و الظلام يحل رويدا رويدا وكأنه لص يتسلل بين ظهرانينا والمغرب غريب كما يقولون ..وقد يفوتنا موعد الصلاه ..ومر على الاذان وقت ليس طويلا و لكنه يمر علينا و كأنه دهر ..
و فجأه توقف الرجل الغامض الصامت اما مبنى صغير مكون من دورين بالطوب النيئ ( اللبنى) ومدهون بالجير بلون فاتح لعله اصفر و محاط بخطوط طوليه و عرضيه لعلها كما رايتها عندما فتح الباب و تسرب بعض الضوء عليها كانت باللون الازرق الفيروزى شأنه شأن الكثير من البيوت الريفيه فى دلتا مصر و صعيدها ..وفتح باب قاعه فى خلفيه الدار واشار الينا بالدخول فدخلنا ففتح لنا بابا لدورة مياه صغيره متواضعه و لكنها نظيفه و مرتبه و بها كل ما نحتاجه للوضوء و اسرع و احضر منشفه (فوطه) وقف امامنا ينتطر الواحد منا ليعطيها له بعد الانتهاء من الوضوء ..و كرر هذه المسأله مع ثلاثتنا ...و توضأنا جميعا فى صمت و عندما خرج آخرنا من دورة المياه و جفف يده ووجهه بنفس الفوطه رغم تأففه و لكنه احترم رغبة الرجل الذى يقف زنهارا واخذها منه و جفف بها وجهه و يديه ..ووقفنا للحظات ينظر كل منا الى الاخر متسائلا فى صمت ثم ادرنا ووجوهنا نحو الرجل دفعه واحده وكأننا نسأله ماذا بعد ..اين سوف نصلى ؟ ...اين ؟ دون ان ننبس ببنت شفه .. و ادرك الرجل ذلك بفطنته وقال فى صوت قاطع ناهيا بذلك المشكله : صلوا هنا يا بهوات و باركونا ..
ثم احضر من ركن من اركان الغرفه حصيره بلاستيكيه نظيفه و كبيره و اشار لنا عن جهة القبله .. واذنت انا للاقامه و اصطففنا و تلفتنا فيما حولنا لنسأل هذا الرجل ان يأمنا فى الصلاه لانه يكبرنا فى السن و .. و لكنه كما يقولون فص ملح وذاب و اختفى فى الحجرات المجاوره و لم يظهر ثانية الا بعد ان انتهينا من الصلاة التى اديناها على عجل ولم نصبر على انتظاره خوفا من الدخول فى وقت صلاة العشاء ...وهممنا بالخروج لنستكمل رحلتنا و نأكل و نشرب ما جلبناه معنا فى السياره التى اصبحت بعيدا عنا الى حدا ما ...
و انتظرنا قليلا لنستأذن الرجل فى الرحيل و لكنه عندما ظهر مره اخرى و احس اننا نستعد للرحيل .. صاح قائلا : لايمكن ابدا تخرجوا قبل ما تجرحوا صيامكم .. ده يبقى عيب قوى فى حقنا .
....ووقف امام الباب معترضا و قد رسمت على وجهه صرامة شديده و لسان حاله يقول : هذه دعوه مؤكده لتناول الطعام و ليست عزومة مراكبيه ...وما كنا لنرفض دعوته الكريمه و نجرح كبرياؤه و نقلل من قدره بين جيرانه اذا شاهدنا احدا من جيرانه خارجين من منزله فى مثل هذا الوقت وقت الافطار ...هذا ما شرحته لمرافقى فى صوت خفيض لاقنعهما بالبقاء و تناول الطعام حفاظا على مشاعر الرجل .. ورضخنا لرغبته, فأ دخلنا الرجل الى غرفه مجاوره و ارتشفنا بعضا من المشروبات التى قدمها لنا الرجل بعد ان اعدها على عجاله و التى
لا ادرى ما هيتها الى الان و لكنها كانت لذيذه و ذات مذاق فريد و روت عطشنا وبلت عروقنا ..ثم اكلنا دجاجا محمرا طازج وارزا معمرا دافئ و هو اى الارز على مايبدوا كان معدا من قبل لاناس غيرنا ..وما يؤكد وجهة نظرنا ان الدجاج كان طازجا و ذبح خصيصا لنا فور وصولنا .... هوأن زميلاى قد لاحظا على ملابس الرجل حين عاد الينا بعد الصلاه كانت تحمل بعضا من بقايا دماء خفيفه وبعضا من الريشات الصغيره او الزغب الذى يكثر تحت رقبه الدجاج .. و هذا يعنى ان الرجل كان مشغولا عنا و لم يصلى معنا لانشغاله بالذبح او بالمساعده فى الذبح و تحضير الطعام وهذا مجهود يشكر عليه على كل حال... و بعد الانتهاء من تناول الطعام سريعا.
وكنا و كأننا قد تعودنا على البيت و اصبح بيننا وبينه الفه غريبه و محببه ...اخذ كل منا من تلقاء نفسه طريقه الى دورة المياه السابقه و التى توضانا بها من قبل وغسلنا ايادينا و حمدنا الله و شكرنا للرجل كرمه و سعة صدره ...ذلك الرجل الذى كان يسرع الخطى عندما قابلناه ..نراه الان قد نسى الامر كلية ..و صب كل اهتمامه علينا و على اكرامنا .
وعندما رآنا الرجل نستعد للخروج ... لم يعطنا الرجل الفرصه هذه المره للهرب او لمواصلة الرحله ..فقد امسكنى من يدى و قال مخاطبا الجميع فى تحد واضح و ثقه و فخر وزهو و ود او خليط من كلهم معا : دلوقتى ميعاد الشاى بعد الاكل ..
و لم نستطع ان نقاوم او نرفض كل هذا الكرم الفياض ....كل هذا و لازالت علامات استفهام كبيره تدور فى روؤسنا جميعا ... لماذا لم يشاركنا الرجل صلاتنا ؟ ..هل فعلا لانشغاله بأعداد الطعام ؟ ..ام ترى ايكون قد صلاها عند حلولها فى وقتها ؟ و الى اين كان يذهب هذا الرجل فى موعد كهذا ؟! ...و لكن لكى نستريح من هذ التساؤلات, فقد اختار كل منا السبب الذى يستريح له قلبه وانا شخصيا و بعد مونولوج طويل مع نفسى استرحت الى ان اشتراكه فى اعداد الطعام هو ما منعه من مشاركتنا الصلاه ..وايا كان السبب فهو ليس مهم الان .. خاصة و اننا لم نرى من الرجل الا كل خير و كرم.
......و هذا يكفى ... و بعد انتهاءنا من الاغتسال دلف بنا الرجل الى غرفه اخرى مقابله للغرفه التى اكلنا بها و سماها هو الصالون و حين فتح الباب رأينا بها صالونا ضخم او تلك الكراسى الوثيره المطليه بالذهب و المغطاه بالمخمل الاحمر ..سمينا الله و دخلنا جميعا. و ما ان دخلت الغرفه و نظرت يمينى حتى تسمرت مكانى بحيث سددت الباب على الاخرين .. فقد كانت المفاجأه ... رايت شيئا ما ..فسر لى الكثير من الغموض و التساؤلات الحيرى .. ولم يتمكن زملائى من الدخول لوقوفى متسمرا بمدخل الغرفه .. الى ان افاقنى صوت زميلى .. و اخرجنى من غفوتى سائلا : فيه حاجه وقفت ليه ؟!.. فتداركت الامر بسرعه و دخلت... و القيت بجسدى المنهك و عقلى الحائر و دهشتى على احد تلك الكراسى الوثيره و كذلك فعل زملائى مثلما فعلت تماما ..وساد صمت طويل و حوار بدون صوت ..حوار بالاعين ..
و كأنما يقول كل منا للاخر كيف فاتنا هذا !!! ..كان من المفروض ان ندرك هذا لأول وهله و نستنتج ذلك من البدايه .. وان لم يكن ليغير هذا فى شئ سواء عرفنا ذلك ام لم نعرف ... و لكن كيف فاتنا هذا ؟!! ....
ترى ... ماذا رآيت حينما استدرت يمينا و انا ادخل الحجره وجعلنى اتسمر مكانى ..... رأيت صوره كبيره للسيدة العذراء مريم البتول تحتضن وليدها السيد المسيح عليه السلام .....
عرفتم و عرفنا معكم اين كنا نحن ؟ ...كنا وبكل الحب فى بيت مواطن مصرى اصيل
.. تحياتى