- التفاصيل
- كتب بواسطة: هيثم جبار الشويلي
- الزيارات: 5
* ريثما انتهى من حديثٍ مطول استغرق عدة ساعات... اكتشف انه يتكلم مع ظلٍ له كان يتكيءُ على احد الجدران.
* بعد ان لم تستجب لما جادت به نفسه من رغباتٍ شهوانية شاذه، قام بإطفاء سيجارته في أعلى صدرها.
* كيف حالك حبيبي !! سقط الهاتف بحركة لاشعورية منه على الارض، وهي قبل نصف ساعة اسمعتني كلامُ لايحمد عقباه.
* بعد ان ذاع صيتهُ في كلِ بقاع الارض ، أقسم انه لايحب الشهرة.
* كلُ الابوابَ موصدة بوجهي الا باب واحدة تدعى باب الله.
* قضى يوماً مريراً يصارع فيه الجوع والعطش ملبياً نداء ربه في قضاء أول يوم من رمضان، الا انه بعد تلك المرارة ، أفطر على كوبٍ من الخمر.
* دار بينهما سجالاً عنيفاً ، وعند الانتهاء، ايقنت بأن الاثنين خاسران.
* بعد ان وقف طويلاً، سئم الانتظار، حسب ان ساعة الزمن بدأت تتوقف.
* دنا منه هامساً بأذنه شيئاً ما، اعطاه علبة جميلة تسر الناظرين، بعدها افترقا، دقائق معدودة حتى اصبح الكم الهائل من الناسِ كومة رماد.
* - ألو.
- تفضلوا.
- هل تعرف صاحب هذا الهاتف.
- كيف لا ، وهو صديقق عزيزٌ عليّ.
- اذن اسرع لاستلام جثتهِ المضرجةِ بالدماء.
* كان متواضعاً جداً ، ولكن بعد ان طغى أصبح لا يطاق.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 5
شعر بتكرار ألم في منطقة صدره، فكان رأى أصدقائه أن يقلع عن التدخين، ولكنه فضل الداء على الدواء.. حتى جاء يوم لا مفر منه فقد كان عسيرا عليه، شديد الألم بوخز عنيف في أضلعه، فاصطحبه صديقه الحميم إلى المستشفى.. وفى قسم التصوير الطبقي الملون بالأشعة الذرية أظهر وجود التهابات متوسطة في منطقة الرئتين.. وأكد التشخيص لاحقا بأن التدخين كان سببا مباشرا وهنا عزم في داخل نفسه على الإقلاع نهائيا عن تناول السموم البطيئة بمحض إرادته و عن اقتناع تام و رضي فهنا الخوف سيد الموقف!! تلك السموم التى يشربها دخانا محملا بالقطران والنيكوتين في كل ساعة على مدار اليوم والشهر والسنة.. تردد على قسم الأشعة بحكم مراجعة الفحوصات المتتالية، وهناك كانت هي تجلس وراء شاشة التحكم بجانب الطبيبة المختصة فوظيفتها كانت متابعة آلة التصوير وإخراج المقاطع لكل زاوية في الرئتين عبر جهاز فريد من نوعه، حيث يتمدد المريض ويدخل في نفق من المعدن يتذكر الإنسان من خلاله القبر وحياة المقابر، ولهذا ارتبط الجهاز بالرهبة والجزع ! كان موضوعا داخل غرفة ينفرد فيها المريض بعد تهيئته من قبل الممرضة وشرح قواعد التحكم له قبل أن يتركه ويبدأ الجهاز بالعمل.. وهناك عبر شباك من الزجاج السميك كانت ماريا توجه تعليماتها إلى أحمد بالحركة يمينا وشمالا أو بأخذ نفس عميق أو بكتمان النفس للحظات ، يحدث هذا عبر ميكروفون وسماعة للصوت تُسمع بوضوح في أرجاء الغرفة الكبيرة.. أنهى فحصه الأول وتكررت زياراته للمتابعة وتغيير نوعية العلاج مع الطبيبة المختصة في القسم.. كانت ماريا بعيونها المتسعة ورموشها السوداء الطويلة وشعرها الناعم داكن السواد وصدرها البارز من خلف ملابسها الخاصة ذات اللون الأخضر النباتي كورق الأشجار، تبتسم له في كل مرة ولكن في آخر مشوار له كانت تبدو أكثر سعادة وهى تزف له بشرى امتثاله للشفاء ولم تخفى فرحتها وسعادتها فلم يكن احمد مريض عادى بالنسبة لها، حيث كانا يتبادلان الحديث في كل مرة ويتأخر قليلا قبل الانصراف فهناك على باب الغرفة المتسعة كانا يقفان معا بداية، ومن ثم اختارا لهما ركن بعيد نسبيا في الممر يتبادلان الأحاديث والتعارف.. وهو ما يزال يمسك بيديه ظرفا به صور الأشعة وهى تشرح له في كل مراجعة تعليمات الطبيب الصارمة بخصوص التدخين وأمور أخرى.. حتى أصبح يتمنى المراجعة في كل يوم فتحول رهبة المكان وتلك الآلة إلى مكان يبشر ببزوغ وولادة أمرا كان القدر يرتب له ويصيغه ويضع لمساته بهدوء وعناية.. وأحمد مستمر في كل مراجعة له في التحديق بعينيها حتى أصبح يرى فيهما أشياء كثيرة ومزيج بداخلهما ما بين البريق والخفوت يتبدل ويختلف في نفس اللحظات؟؟..وعندما بشرته بالخبر السعيد بامتثاله للشفاء التام عاجلها باقتراح مباشر لها بأنه يدعوها على العشاء خارج العمل ،حيث اعلمها بأنه يعلم مكان يقدم بيتسا رائعة في مكان هادئ سيسرها.. فأومأت برأسها مبتسمة بالموافقة وقد انشرح صدرها وشكرته حيث بدا ظاهرا على وجهها وحركات يديها التى تشابكت مع يديه وبسرعة البرق رفع يدها اليمنى وقام بتقبيلها وإذ بنظرة فرح ممزوجة بحزن ظهرت سريعا على تقاسيم وجهها.. لمحها وأحس بها قبل أن تختفي سريعا كالعادة !!. اتفقا على أن يحضر يوم الأربعاء مساءً حيث تنتهي من عملها.. وكان بانتظارها على البوابة الخارجية وانطلقا في عربته المتواضعة والصغيرة من نوع فيات باندا وما أن دخلا مطعم البيتسا حتى رحب به مستقبل الزبائن ورد بعض التحيات على العاملين فيه ، فتأكدت بأنه زبون معروف لدى المكان، وهذا ساعد ماريا على الشعور باطمئنان أكثر وثقة أكبر بصديقها.. خلال جلستهما الأولى وخروجهما الأول معا لاحظ احمد بأن فتور من نوع معين يكتنفه حزن يظهر ويختفي على وجهها ذلك المحيى الجميل الذي تظهر عليه ملامح البحر المتوسط ، حاول أن يبين لها مدى خبرته بالجغرافيا التى تنعكس على لون وتقاطيع الوجوه للبشر ، فأكدت له ظنه فحدثته عن نفسها وأسرتها بأنها انتقلت مع أسرتها من أقصى ريف الجنوب الساحر بطبيعته الخلابة وبأسراره الكامنة عبر التاريخ المتعاقب والمتشرب بدماء الشرق عبر الفتوحات الإسلامية بين سكانه ،وبعاداته المتوارثة عبر الأجيال والتي لا يستطيع فهمها إلا من يعيش في تلك المناطق .. وحدثته كيف انتقلوا إلى الشمال بحثا عن عمل، وفعلا استقروا هنا وهى وحيدة أبويها .. كانت ضحكاتهما تعلو بين الفينة والأخرى تمهد لانسجام قاد حتميا إلى علاقة صداقة تميزت يوما بعد يوم، وتوطدت من خلال مكالمات تليفونية أصبحت بشكل يومي وخصوصا تلك المكالمات المطولة من ماريا التى تستمر حتى منتصف الليل لتقول له جملتها المعهودة تصبح على خير أحمد.. فيرد متمنيا لها أحلاما سعيدة بصوته الحنون المتلهف للقاء الذي تجدد في كل نهاية أسبوع حتى كان اليوم المحتوم ؟... بعد عناء يوم حافل وجميل في غابة عامة (حديقة ضخمة ) شعرا بإرهاق جراء المشي واللهو وملاحقة قطة هربت من صندوقها لسيدة تعدت السبعين من عمرها وما تزال تضع ماكياجها وتلبس فستانها بأناقة ، وتسرح شعرها وتخرج بصحبة قطتها ماربلو.. كانت السيدة تبكى وتنوح باضطراب كبير وقد طلبت مساعدتهما مستجدية فيهما الشباب والعافية ،مما دفعهما بأن يأتوا بالقطة بأي شكل كان تصميم من أحمد ووعد للسيدة العجوز أيدته ماريا بكل أحاسيسها عندما رأته قد تأثر كثيرا لحال السيدة وقررا البحث عن القطة.. وهذا استدعى مجهودا وصبرا وعزيمة وإرادة توافرت منهما الاثنان .. وفى النهاية لا نعلم من شعر بالتعب والاستسلام أولا هم الاثنان أم القطة ؟؟ حتى جاؤوا بها للسيدة فردا إليها الروح من جديد، ودعت لهما بالسعادة والهناء وقد انشغلت نهائيا بقطتها، تمسح على ظهرها بحنان ودموع الفرح تنهمر حتى اختلطت بماء أنفها فلم تكفى محرمتها الناعمة فتناولت أخرى من حقيبتها وهما ينظران إلى الموقف شعرا براحة وسعادة في تلك اللحظات فعلا، مما بدا أنها سيدة فاضلة وقد استجاب الله لدعائها فورا.. ألقوا تحية الوداع على السيدة فأشارت بيدها لهم وهى سابحة بأحلامها مع قطتها العائدة..انطلقا بخطواتهما بعيدا وهما متشابكا الأيدي بينما تزال السيدة العجوز منشغلة بقطتها تعاتبها بلهجة مميزة لم يستوعبونها جيدا .. على اثر هذا المجهود المشترك والذي تكلل بالنجاح والسعادة التى شعر بها الجميع.. اقترح عليها أن يذهبا لشقته، للراحة وتكملة السهرة فأيدته وهنا لف ذراعه على كتفها واستكانت بخدها على يده بناحية اليمين حيث ما يزال ذراعه يطوق رقبتها ومشيا يتأبط بعضهما الآخر حتى وصلا العربة وانطلقا إلى بداية فصل جديد من مسرحية الحياة الكبرى..!! في طريقهما للشقة تذكر احمد بأنه مر على معرفته لمريا قرابة الشهرين، واستذكر جيدا سعادتها التى كانت تكتنفها أحيانا لحظات من حزن عميق تخفيها سريعا، فكلما زاد في تقربه لها كلما كانت تبادله فتور لم يدل على نفور أو رغبة في الابتعاد .. بل على العكس كانت أشبه بأنها تصارع بإصرار وتحدى أمر ما في نفسها تريد أن تتعداه، أن تتخطاه وأن تقفز عليه بكل الوسائل ولكنها كانت تحت تأثير قوة جذب من نوع غريب !! لم يستطيع تميزه ، ولم يستطيع التكهن به، فكثيرا فكر في أنها قد تكون تحت تأثير طبيعة أسرتها الجنوبية، وقد تكون جراء عدم رضاها من داخل عملها، لكن أحمد لم يستعجل السؤال وترك الأيام تكشف الحقيقة لأنه كان على يقين بأنها تسعى إليه وتريده وتسعد بلقائه كما هو تماما فهي التى أصبحت تتصل يوميا، وهى التى تطلب منه الخروج أسبوعيا، فكانت هي المبادرة قبل أن يطرح عليها الخروج معه فهذا دليل على صدق نواياها وشعورها المتنامي تجاهه.. ما أن وصلا الشقة حتى ألقت بجسدها على أول كنبة وجدتها أمامها منهكة وتعبة فتنهدت مسترخية وقد مدت ساقيها الجميلتان فلم تكترث لفستانها القصير الذي شمر فبانت أطراف أردافها..وأطلقت بعض التأوهات من ألم بساقيها وأسفل قدميها من جراء الجري وراء تلك القطة ولكنها كانت راضية بالنهاية السعيدة لتلك السيدة وما أن تذكرتها حتى قهقهت مذكرة أحمد كيف كانت تؤنبها وتتحدث إليها كصديقة من جيلها وبلدتها فقد كانت اللهجة الخاصة بأهل الشمال قد طغت على عباراتها التى أصبحت لهما بمثابة شيفرة من الصعب حلها مما أضطرهما للانسحاب بهدوء.. فقهقه أحمد من قلبه بينما كان قد اختفى في أحد أركان الشقة فلم تعد تراه وإنما سمعته فنادت عليه طالبة منه بعمل فنجان كبير من القهوة .. رد عليها قائلا يا حبيبتي لو تريثتِ قليلا فالقهوة أصبحت على الغاز .. وما هي إلا لحظات حتى كان بجوارها قد مد ساقاه وانزلق على الكنبة بظهره حتى لامست رأسه وسادة مطرزة كانت موضوعة على الكنبة مستسلما لتعب وألم قدميه فضحكت ماريا من شكله المنهك فنظر إليها وابتسم، ثم اعتدل بعد أن صبت هي القهوة في فنجانان كبيران، و بدأت في تغيير محطات التلفاز بشكل متتالي كأنها تبحث عن قناة معينة ولكنها في الحقيقة لم تكن سوى حالة من قلق وارتباك لما تخيلته من مشاهد قادمة ؟؟. في هذه الأثناء انكب أحمد على ارتشاف القهوة وحن إلى إشعال سيجاره وهو المدخن بنهم كبير في سابق عهده ولكنه كان مجرد شعور عابر فقد اقلع نهائيا عنه..انتقل احمد إلى جوار ماريا وبحركة تلقائية قام باحتضانها بذراعه فوضعت رأسها على جانب صدره الأيمن وبدأت بيدها اليمنى تتلمس وجه كأنها ضريرة تتفرس ملامح جديدة عليها بأناملها.. تمر بأناملها على عينيه وتتفحص حاجبيه وانفه ووجنتيه وتداعب شفتيه وهنا ابعد يدها برفق وحنان فرفعت رأسها إليه، وانعدمت المسافات بين شفاههما حيث تعانقت فيهما شفتيهما الساخنتين المولعتين بحب ازداد وهجا عبر الشهرين الماضيين.. فكانت قبلة طويلة.. وفجأة وعلى غير توقع من أحمد فقد ارتجفتا شفتاها وبردتا كأنهما وقعتا في بركة ماء نتجت عن تصدع في سطح متجمد في القطب الشمالي، ويكاد يُسمع ضربات شفتاها كنبضات قلب خائف مذعور أو كانسان تعرى في قطب جليدي فأصابته حيرة أكثر من كونها دهشة ؟..ما بك هل ضايقتك في شيء يا حبيبتي سألها أجابته بدموعها وحشرجة في صوتها لم يعد يفهم الكلمات الخافتة من بين شفتيها المرتجفتان ..!! انتفض واقفا وبسرعة عاد بكأس ماء ارتشفت أكثر من نصفه وقام بإشعال سيجارة لها فأخذت نفسا عميقا ونفثت جزء في السماء واستدارت نحوه وما يزال الدخان يخرج من فمها فقد ملأت رئتيها بذلك النفس الغريب ،فذكرها بحالته التى كانت هي على اطلاع كامل بها سابقا، ولكنه التبغ اللعين والنيكوتين وإدمانه انه آفة كل شعوب الأرض وقاسم مشترك بين الغنى والفقير والرجل والمرأ.. بدأت بعدها في الاسترخاء قليلا، وتجفيف دموعها والشعور بنوع من الراحة والثقة بعد أن أحست بخوفه عليها مضيفا على مسمعها بأنه سيفعل المستحيل من أجل أن تكون بخير، فصحتها تعنيه بالدرجة الأولى وسعادتها من أمنياته لها في الحياة،وهنا كان سؤاله المؤجل لها فقد حان ميعاده ،فالوقت مناسبا تماما لأن يسألها فهي في وضع تريد البوح بما يكتنفها من أسرار شخصية ولأن تقول ما بداخلها وتفصح عن سرها الذي تخفيه ،فهي بحاجة ماسة لهذا البوح والحديث الذي لابد منه فقد شعر بأنها تريد التخلص من حمل جاثم على صدرها.. ومن أمر يلاحقها كالشبح ويحيل حياتها مع أحمد إلى شبه مستحيل.. فماريا تأكدت بأنها يجب أن تصارحه، فقد حانت ساعة المصارحة والمكاشفة والحقيقة ، فالعلاقة أصبحت بينهما على المحك ووصلت إلى نقطة كان يجب فيها الفصل والاعتراف..؟؟ وبينما هي تتهيأ لقول ما تخفيه عن أحمد كان قد بادرها القول سأسمعك حتى النهاية فلا تخفى شيئا عما بداخلك فانا حبيبك وصديقك فان كان أحد معين ما يزال في قلبك بعد ولم استطيع أن ادخل أنا إلى أعماق قلبك فسأبارك لك اختيارك وصراحتك وسنكون أصدقاء.. فانا لا أريد إلا الخير لك والحياة الهانئة والسعادة، وهنا رمته بنظرة إعجاب وحب لم تكن الأولى ففي مواقف سابقة كانت تسعد وتزداد ثقة والتصاقا به فأجابته قائلة :أرجو أن يتسع صدرك لما سأقوله لك يا أحمد فهز برأسه وهو ينتظر على أحر من الجمر فقد شعر بنفسه كصياد ينتظر مطولا منهكا وقوع العصفور الذي يلهو بكل أريحية في شبكته .. نعم يا أحمد في قلبي حب آخر.. لم أستطيع التخلص منه وأنت في قلبي ساكن أيضا !! ولكنى.... أجابها أحمد بهدوء وحذر شديد وكيف يا عزيزتي يكون ذلك ؟؟ أهي فزوره لا أعلمها !! فهل أنت تبادليني الحب أم ....لم تجعله يكمل جملته..أجابته مسرعة أنا أحبك من كل قلبي ولكنى فشلت في استمرار تدفق الأحاسيس الجميلة التى تعترى قلبي وجسدي.. فسرعان ما يهمد نارها ووهجها كل هذا يحدث لي في لحظة وأنا معك وبين ذراعيك وشفتاي تلامس شفتاك.. وينتصر حبي الآخر ؟؟؟ حينها انتفض أحمد ولم يعد يستطيع التركيز فساد الصمت.. وفكر في داخل نفسه بأمر توارد إلى عقله للحظة وهو أن ماريا تعانى من انفصام في الشخصية حتما.. وهو مرض تزداد نسبته في المجتمعات المتقدمة تحديدا.. فسألها مباشرة حول إذا ما كانت تعانى من انفصام في الشخصية وهل تزور طبيب أمراض نفسية فضحكت ضحكة ممزوجة ببكاء حارق وألقت برأسها على كتف أحمد فاحتضنها طالبا الأسف من سؤاله فقالت لا ليس هذا ما حز في نفسي ويحيل حياتي إلى اضطراب وجحيم لا يطاق بعد أن عرفتك وخرجت معك وأحببتك بكل جوارحي ..فكم تمنيت لو كنت مريضة بما تقول لكان الأمر أكثر سهوله مما أنا فيه..!!!! تمالك أحمد نفسه ووسط ذهوله وقلة حيلته فقد انقطع حبل تفكيره.. وبينما هو يمسح بأنامله على شعرها الأسود ويتحسس خدها الناعم ويمسح دموعها المنسكبة التى غسلت أنامله أعاد عليها سؤاله ما بك إذا ؟ تكلمي يا ماريا فانا كلى آذان صاغية ولن أعقب على شيء، سأسمعك فقط لن أقاطعك .. أخرجي كل شيء في أعماقك تخبئينه بين ضلوعك وداخل قلبك الحنون والملوع.. بدأت حكايتها قائلة منذ أربعة سنوات تعرفت على فتاة في أحد الرحلات الجامعية وتطورت بيننا الأمور حتى أحببنا بعضنا البعض ومنذ ذالك الحين وحتى تعرفت عليك قبل شهرين حاولت التخلص من حبها والتخلص من هذا الوضع الغير طبيعي والشاذ..لكنها تلاحقني ومتشبثة بى وتهددني بالانتحار فيما لو فكرت في هجرانها، وحتى أنها قالت ستصيبك بسوء لإبعادك عنى لو اضطرت لذلك .. وهنا اعتدل أحمد بعد أن أجلسها بجانبه ولكن أنت هل حسمتِ أمرك داخل قلبك وعقلك فهذه الأمور وهذا الحب من نفس الجنس الواحد يرجع إلى أسباب نفسية خالصة واستكانة الإنسان لها ،وعدم اتخاذ القرار الملزم والحازم فتضعف شخصيته و تهتز مشاعره وتتلعثم قراراته وتتراجع.. فقالت حاولت جاهدة يا أحمد فمن خلالك قررت أن أتخلص منها للأبد فشعوري نحوك يزداد كل يوم ولكن في لحظات معينة وأظنك لاحظت ذلك..أتخيلها أمامي فيبرد حبي وتهدأ ثورة عواطفي وشهوتها نحوك كرجل أحببته من أعماق قلبي وتنتصر هي.. ولا اعلم كيف سأتدبر أمري فانا ما بين رغبتي القوية بعلاقة طبيعية معك، وما بين تلك الصديقة التى ما زِلْت أسيرا لرغباتها الجامحة فلا تطاوعني نفسي على تركها فهي أربعة سنين طويلة من الحب الشاذ المتواصل بيننا ؟؟ .. وبينما السكون ضرب أطنانه وأرخى الصمت والوجوم ستائره الداكنة على تفكير أحمد ،وشعر بحاجته القوية لإشعال سيجارة بأي ثمن ولكنه انتصر لحياته وصحته.. عندها كانت دقات ساعة الحائط تعلن منتصف الليل، وهنا استعاد أحمد وعيه المفقود من هول ما يسمع وانتهز فرصة قد سنحت ليقول لها لا عليكِ ستتدبرين الأمر لاحقا وستنتصر إرادتك وسأكون إلى جانبك ، أما الآن فسأوصلك إلى البيت وغدا يوم جديد...وطوال الطريق كانت ترقبه بنظراتها الحائرة الخائفة والخجلة وبين الفينة والأخرى تمسح دموعها التى لم تتوقف أبدا.. أما هو فقد كان صامتا يحاول التركيز بالطريق بصعوبة كبيرة فالشاحنات الثقيلة بدأ تحركها في هذا الوقت فكان يتجاوز عجلاتها التى تعلو سيارته الصغيرة برعب زاد منه شريط ذكريات هذه الليلة ولكنه لم يفكر بحلول معينة وإنما حاول جاهدا التركيز على الطريق ، فهو قد اخذ الطريق الالتفافي حول المدينة لعدم رغبته في اختراق مركز المدينة وشوارعه الكثيرة وانعطف يسارا خارجا من هذا الطريق السريع وما هي إلا دقائق حتى كان أمام منزل ماريا فأوقف عربته و التفت إليها بنظرات لم تراها أبدا من قبل ولم تفهم معانيها.. فسألته ماريا: أحمد هل سنلتقي مجددا وهل أتلفن لك في الليل لأقول لك تصبح على خير فانا لا استطيع النوم قبل سماع صوتك .. كانت تتكلم باستجداء وخوف وحيرة وخجل قد اعتراها فتصببت عرقا ،والحزن يعتصر قلبها ، أما أحمد فاستمرت نظراته التى لم تراها ولم تعهدها و لم تتعود عليها منه سابقا.. وعندما نزلت متثاقلة تجر ساقيها بصعوبة واضحة ولكنها تمالكت نفسها .. عاجلها قائلا هل تريدي الخلاص منها للأبد ؟؟ قالت نعم .. وهى تتضرع باكية له فساد الصمت بينهما .. ثم ابتسم .. وترك لها نظرة كالتي عهدتها منه سابقا قبل أن تعترف له بالحقيقة.!! وأدار ماتور عربته وانطلق مسرعا.. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مروة محسن
- الزيارات: 5
تحليل قصيدة بين ريح وشجيرة لمحمد ابراهيم نجا
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد عبده العباسي
- الزيارات: 4
" حسبك من القلادة ما يحيط بالعنق "
ركب من سيارات توافدت متتابعة ، وقع أقدام تناهي دبيبها علي الأرض إلي مسامعه ، ثمة ريح قوية توالي هبوبها ..
كل ذلك أقض مضجعه ، الليل كان هادئاً ، استـــرق السمع ليعي ما زلزل سكونه ،توجس خيفة بعد أن زاد وقع الأقـدام ثقيلة ، كانت عفيـــة وهي تدب كأنها أقدام غزاة ، كأن مطارق تدق رأسه ، تلتهـــا رتابـــة، تعيّن علي ذلك أن ساوره ضجر..
جـــاءت سيارة تطلق صوت بوقها دون رحمة بدت كعقيرة سكير طائش في ليل ساكن ، ضاقت نفسه ..
قلق امتزج بوقت يمضي رتيباً ،والحــــال كما هو ، سيارات تمضي وأخري تعود ، باب شقته الموصـــــد منحه بعض أمان نفـــسي :
ــ لابد أن ثمة شيئاً ما حدث في الخارج ،"قال لنفسه" أردف :
ــ لعلها سيارات شرطة جاءت تطارد محدثي الصخب أو تسعي للقبض عـلي لص ممــــن زادت أعـــــدادهم
في المدينة مؤخراً بعد زوال شمس حـــــــــركة البيع والشراء في المنطقة الحرة وموتها الإكلينيكي بفعــــل القرارات الاقتصادية ؟
من واقع خبرته في تمييـز الأصوات اطمأن،عاد إليه بعض هدوئه ، خفت مخاوفه ، قال لنفسه :
ــ لابد أن الفيلا المجاورة سكنهــا أحـــــد المسئولين الكبار أو آلت ملكيتهـــا لوزير جديد ..
تـذكر جيداً أن مدينتـــه لم تنجب من قبل وزيراً ..
*****
حدة البرد هذا النهارخفت ، طلعت علي المــــدينة ألف شمس وشمس ، استجابت أكتاف الشوارع للدفء وحملت المعطف الجميل يدثرهـــــــــا من حومة البرد القارس الذي اجتاحها منذ أيام ..
*****
كل العيـــــــــون في الدنيا هذه الليلة تتجه لتحدق في شاشات التلفاز، سؤال يتردد علي كل الشفـــــــــاه بقوة بل ويؤرق بال الجميع بحلول الألفيــــــــــة الثالثة التي ينتظرها العالم بأسره:
ـ كيف يمكن التغلب علي مشكلة الصفرين عند التعامل
مع أجهزة الكمبيوتر ؟
*****
التلفاز هوالحبل السري الذي يربط ـ البحرـ بالعالم ، كل الفضائيات أعلنت مشاركتها في نقل الحــدث علي الهواء مباشرة من كافة ربوع الدنيا بهذه المناسبة ..
سيلجأ الآن لمقعده ، مستقراً به مستدفئاً من بــــــرد المدينة ، أمامه شطائر محببة لنفسه أعدها بمهـــارة ،
الشاي الأخضر شئ أساسي ، يرشف من كوبه
و يدخن سجائــره ، يــري في ذلك ما ينعش نفسه ويؤنس وحدته ..
ـ ستكون سهرة ممتعة حقاً .. " قال لنفسه ".
*****
منذ أحيل للتقاعد بعد" ماراثون" طويل مع الحياة والعمل الشاق الذي استهلك أكثر مــن نصف عمره ، وهو لا يبرح بيته ،لا يغادره إلا لماماً، انقطعت كـــل صلاته بالحياة إلا من صحـــــف ومجلات يقضي جل وقته في قراءتها غير مجلدات وكتب بأعداد لم يحصها بعد ،اقتناها من كل المـدن التي زارها أو وزع عمــره بينها،كلها تحمل له من الذكريات تاريخ ومكان الشراء بورسعيد، عمـان ،الإسكندرية ،القاهرة ، بغداد، دمشق ، بيروت ، عـدن طرابلس ، مكناس ، مدريد ،موسكو، باريس ، لندن..
*** ***
بالطبع لا ينسي أسمـــــاء باعة الصحف وأصحـاب المكتبات ، جالت بخاطره الآن تلك الذكريات القديمة مع فرنسية حسناء أحبها في خلال سنوات بعثته لفرنســـــا هاتفها يوقظه كل صباح علي موسيقي " موتسـارت" ، وصـــــوتها الرقيق ، فيقطع السبيل إليها سريعاً طائراً علي جناح من الشوق ..
غضـــة مثل برعم ندي ، ناعمة كنسيم الصبح ،غادة في العشرين من عمرها ، غمرها بحبه ، هي تجربتــه الأولي ، تتيه فخراً به ، اجتــاحت قلبـــه بعـــد وصوله مبـاشرة إلي عاصمة النور لدراسة الأدب الفرنســــي،
رسمت معه خطي جميلة قطعاها في كافـــــــة دروب باريس ..
" صوفي " تدرس في "السوربون " ، تعمل بائعــــــة كتب بمكتبة في الحي اللاتيني ..
هكــذا قالت له صفيـة مؤنس زميلته في البعثة وتمت خطبتها لمحام مغربي ..
في أول لقاء علي الفور استسلمت حصونه ، سقطت كل قلاعه تباعاً ، صار كل جنود حروبه أسري ..
"صــــــوفي " بارقة أمل لاحت له في أوائل سنوات العمر، لمست أناملها الرقيقة يده ، رجف قلبه، ارتعدت فرائصه ، وتفصد جبينه عرقاً..
ناولته قائمة الكتب التي وصـلت مؤخراً ، جال بيـــن السطور ووجهها ..
نصف ابتسامة خجلي ارتسمت علي وجهها الطفلي ، بــرقت مــن عينيها لمعة كست ملامح وجهها ،ثم علاه بعض خجل .
استقلا معاً المترو إلي ضـاحية غربي باريس حيث تسكن وجدها الجنرال المتقاعد..
شيخ في الثمانيــــن ، زار الشيب كل شعر رأسه ، يرتدي حلة جميلة ورباط عنق زاهٍ ..
تبـــــادلا الحديث والابتسامات وعبارات الترحيب ، جلس فـــي المقعد المقابل للشيخ في شرفة تطل بعنقها علي مشهد طبيعي رائع ، شاركهما الجلسة دخــــــــان كثيف ينفثه الشيخ :
ــ أنا عاشق حقيقي لمصر ، مازلت أذكر حلم بونابرت فيها ، كان مثلي الأعلي في الحياة ، رائعة مصر حقاً ، أنا زرتها مراراً ..
ــ وما ذكرياتك عنها ؟
ــ أعظم بلد في التاريخ ،أهلها كرام ،حاضرة العروبة تاريخــها وحضارتها صفحات مضيئة في سجــــــــــل البشرية ، يؤمها الناس جميعاً بُغيــة الثقافة والسيــــاحة والاصطياف والعلم والنيل والبشر والجمال الأصيل ..
ــ أخجلتم تواضعنا ..
تنهد الشيخ وحملق في الفضاء الرحب ، بانت بعـض سحب صغيرة تأتم بأكبر منها في سماء زرقاء شمسها ناعمة ، راح يشعل سيجاراً في تؤدة ويلوح بيده لصبية عابرة ، مزحت معه بفرنسيـــة لم تفسرها أذنه جيداً ..
عاد الشيخ لتدخينه الشره ، ردد مــن بين شفتيه لحناً من نشيد "المارسيليز "، قال :
ــ لم يفتني أي كتاب واحد تناول سيرة بونابرت ؟
أعاده الشيخ تواً من رحلة قصية سرح فيها خاطـــره في ربوع الوطن الذي فارقه منذ فترة، لحق به :
ــ لقد قرأت أنا أيضاً عن نابليون ..
قال الشيخ وقد علا وجهه بعض حزن :
ــ أحزنتني حقاً تلك النهاية الأليمة التي حدثت له ، نفيه إلي جــــزيرة "سانت هيلانــــة " ، لقد زرتها أكثر من مرة ، ووقفت علي كل أثر فيها ..
تنفس الشـــيخ بعمق ، خلع نظارتيه ، ليمسح بمنديل فوق جبينه ،وترك رأسه تتدلي للخلف ، مغمضاً عينيه في صمت ..
"صوفي " التي غابت قليلاً ، تركته فريسة لحكايات الـرجل الهرم الذي يتمتع بذاكرة حديدية ، وكان يحكي كمن يعش وحده حلماً جميلاً رأه :
ــ قرأت أن بونابرت عشق في مصر امـرأة فرنسيــــة تدعي"بولين" كانت زوجاً لأحد ضباط الحملة الفرنسية اسمه " جان فوريس "، طلقها منه ، واتخذها عشيقة له طيلة إقـــامته بمصر..
سكت الشيـــــــخ قليلاً ، تنفس بعمق وتناول رشفــــة من قدح القهوة جاءت به الخادمة "إيلين " ، همس فــي أذنها ، انصرفت وعادت تحمل كتاباً:
ــ هذه هي نسخـــــــــة الرواية التي كتبها أديب فرنسي يدعي " روجيه ريجيس " عن غرام نابليون في مصر
هل قرأتها؟
طمأنه :
ـ بالطبع ، قرأت ترجمة لها بالعربية في مصر ..
ــ رائع ، رائع ...
في الوداع منحه الشيخ غليوناً من الأبنوس هدية له ، ثم أوصاه علي الصبية الجميلة التي أحبها ..
ــ هي وردة ندية ، هل أطمئن من الآن علي حفيدتي ؟
*** ***
فارق كبير بين ما يراه ـ البحر ـ الآن وبين ما سبق أن رأي ..
من بين خصاص النافـذة ومن باب الشرفة الموارب كان يتابع منذ أيام العمل المتواصــــل في ترميم الفيلا المجاورة المهجورة منذ زمن ، يجري العمل فيها علي قدم وساق ،أهملها أصحابها زمناً ، فعاثت فيها جيـوش الفئران والهوام ، كل يوم يزداد تبرمه وضيقه مـــــــن الضوضاء التي يحدثها العمال بأصوات معداتهم ..
لحظ أنه في وقت قياسي تبدلت كل الأحوال تمامــاً ، عمل دؤوب لا ينتهي إلا مع انتصاف الليل ، شكــاوي الجـــيران لم تجد لها صدي عند المسئولين في الحي ، دخان في الهواء ، ولـــم يتحرك لها أحد ..
*** ***
ثمة أضواء تغمر الحديقــة ، أسقطتها في بحر لجي من الإبهـــار، كانت مئات الحكايات قد تناثرت ،رددت الأفواه قصصــاً عن الفيلا التي كانت تسكنها إحـــــدي الأسر اليونانيـــة التي عادت لبلادها عقب حرب 56 ، ثم نالها الإهمال ولم يهتم بها أحد، وآلت ملكيتهـا لواحد أثرياء المـدينة، بعــد موته تنازع الورثة أمـــــرها فيما بينهم طويلاً ، فاشتراها مؤخراً أحـد الذين سبحوا علي سطح بحيرة الانفتاح الاقتصادي بمــا كسب من أوراق لعبة الدولارات..
مئات من الحكايات تناثرت عنه :
ــ غسيل أموال ..
ــ تهريب ..
ــ تجارة عملة ..
حكايات كلها لم تشف صدراً ، لكن أحداً لم يذكر اسم المشتري :
ــ من قال أنه لوغاريتمات " قال رفاعة بك المستشار السابـــق ، بينما راهن الدكتور حامد علي أن المشتري هو أحد الطفيليين الجدد في زمن الانفتـاح الاقتصادي.
انبري المهنـــدس حسيب مدافعـــاً بقوله:
ـ أيا كــان الرجل الذي اشتري ، كل هذالا يهم ، المهم أن يد الإصلاح امتدت لتزيل الوحشة وتقتل الأفــــاعي والثعـــابين لترحمنا من نباح الكلاب ومواء القطط ليل نهار ..
جلسة السكان انتهت بالدعاء لصاحب الفيلا الجديـــد بأن يمنحه الله الصحة والعافية ...
تبادل الأعضاء نخب الجلسة قهقهات وقفشــــــــات ، وغطي دخان سجائرهم الثمين سقف المكان ..
*** ***
لابد أن الجيران الجدد قد توافدوا الآن "قال لنفسه "، إلي هذا الحد تبلغ أعداد النساء ، يا للهــــول كما يقول يوسف بك وهبي :
ــ نساء رائعات حقاً . آه لو تؤنس واحدة منهن وحدتي.
سرح خاطره ، تمني لويبتســـم له الحظ فيجـــد نفسه من بين المدعوين ..
خادم نـــــــوبي بزيه الأبيض يطرق الباب ، يفتح له الباب فينحني له في احترام :
ــ سعادة البحر " بك "..
ويقدم له بطاقة دعوة مع اعتذار عن السهو :
ـ حسناً ، لا مانع لدي ، سأكون جاهزاً بعد بضع دقائق قل لسيدتك أني قادم ..
انصرف الخادم ، قال البحر لنفسه ، وردد بصـــوت مسموع :
ــ إنها امرأة ساحرة حقاً ..
كانت تتقدم الركب وحدها ، ترحب بالنساء ، تشد ، تهز رأسها برفق للرجال ، تمد ذراعاً للأمام ، تشير واثقة ، والخطو متئد، رشيقة القـد معتدلة القوام ، تترك من خلفهـا شعراً كستارة ليل دامس ينسدل ، تتألق فوق محياها بسمة تشرق كشمس قادمة بعد طول غيــاب ، تتمنطق خاصرتها بحــــــزام ذهبي ..
ــ ســــاحرة بالفعل ، لكنها بلا رجل ..
*** ***
أكثر من رجل يدعوها للرقص ، تعتذر في أدب جم، محط أنظار الجميع ، أجمل النساء قاطبة ...
وحدته طالت في الشرفة ، لا بأس ، سيتهيأ للأمر في بساطة ، سيتقـــــدم منها ، سيقبل يدها كما فعل الرجال من قبله :
ــ اسمي البحر ، تجاوزت الستين ..
ــ لكنك لا زلت شباباً .. " ضحكت " ..
ــ وظيفتي قبـل سن المعاش لا بأس بها ، لي ولـــــدان وبنتان ، أرمل ..
ربما يضـــفي علي المشهـــــد بعض أداء تمثيلي يجده عـــن هؤلاء الأبناء العاقين ، لا أحد منهم يكلف نفســه
مرة في السؤال عنه إلا نادراً ، سيخبرها برصيده في البنك حتما ، يأتيه بعائد مجزٍ فيكفل له حياة رغـــــــدة ناعمة ، أكـــــثر من ذلك سيذكر لهــــا خبر الـ"شاليـه" الرائع عند غربي المدينــة، أشبه ما يكون إلي " فيلا " سيبهرها الموقع الفريد عند ناصية البحر ، ستنـــــدفع متهورة للموافقـــــة وإن تآمرت علي نفسها ، ستقع في غرامه هو الآخر:
ــ رائع أنت يا أستاذ " بحر " ..
ــ لا داعي للقب الأستاذ ، بحر ، بحر فقـــــط ، وأنت الحورية ..
ــ المكان عبقري ، بحر ممتد في دعة ، نسيـــــم عليل يغسل الروح مما علق بها من أدران، حياة بلا تطفل..
ــ أجمل سنوات العمر سنقضيها معاً ..
حلم معــها بالسعادة ،متعة بلا نهاية مع رجل حالــــم
مثله ، مسلٍ ، حميمي العلاقة ،لا يهمه من العالم بأسره أي شئ،ربي أولاده تربية حسنة ، قضي مسئولياتـــه ، مشكلته الكبرى كانت في رحيل زوجه مبكراً،في وقت كان أشــد احتياجاً لها ، قام بدور الأب والأم معا قال محدثاً نفسه:
ــ بالطبع ستوافق ..
جاءه صوت من بعيد :
ــ أيها الواثق من نفسه ـ قل لي ـ كيف تقبل امرأة فـــي منتصف العمر أن تتزوج من كهل بلغ من العمر عتياً؟ هل سبـــــــق أن رأيتها ؟ هل حدثتها ؟ هل ستقبل أنت بشروطها ؟.
حملق باحثاً عن موقع الصوت ، تمطي كأنما يزيح من فوق كاهله ثقلاً :
ـ مهلاً ، أنا لا أقبل بأية شروط ،سيدات كثيرات يتمنين أن أشير لهن بطرف خفي ، علي الفور سيتزاحمن ..
ـ أنت رجل مغرور ،إلي هذا الحـــد تصور لك وحدتك أنك الفارس الذي لا يباري ...
*****
الفيلا درة وسط بحر فيروزي تطل علي ربوة جاءه سمسار عقارات في الصيف الماضي ..
ــ مليون جنيه ..
هـــز رأسه نافياً فكرة التفريط في "الجنة التي تنتظر الحورية" كما يطلق عليها ، ربما لم تولد بعد ..
*****
مثل طوق ألُقي لمن يصـارع موجاً عتياً ،جـــــاءت ترفل فـــــي ثوب يكشف عن قد بلوري ممشــوق بلون مرمر وردي ..
في البدء حام طيفها من حوله كفراشة ناعمة ، سيدة جاءت من وادي الأساطير ، طغيان أنوثتهــــــا يــزداد شيئاً فشيئــاً ،اقتربت منه ، مدت له يداً خفيـــــة اقتلعته من جذوره وهي تلوذ به ..
ترفق بها ، ضمهـــا إليه ، كطفلة تسعد بصدر أبيها ، نامت وهي تعبث بشعره الفضي ،ارتجفت يدهــــا في كفه كعصفور بلله مطر مفاجئ يبغي دفئاً من حـــرارة
يده ، فستانهـا الضيق من عند الخاصرة لفظ صـــدراً ناتئــــاً كرابية تخفي بين تلالها طائرين يسعيان بجهــد للفرار من محبسهما ..
جمالها اللاهث يبيت بين يديه ، يشعل كل نفسه بلهب متقد ، هي الآن في سن العشرين وهو في مثل عمرها
طوقها بذراع قوية ، تثنت في دلال أنثي ، فلتت منه، جري من خلفها ، دارت حول نفسها كــــــراقصة باليه برشاقة قدها ، طـارت كفراشة ، حطت مثل مركبـــــة فضاء عند مجرة بعيــدة ..
في لحظة واحدة سلب النجوم حريتها ، قبــــض علي
الكواكـب ، ضم القمر ، دار بين المجرات والمــدارات والأفلاك ،خاض في مياه المحيطات والبحار والأنهار، في لحظة واحدة نطق بكل لغات العالم ..
معاً ارتقيا درجات سلم حجري لكهف يرجع للعصور الوسطي عند آخر طرف بالمعمورة ..
ابتسمت فبـــــان الدر في أسنانها لامعاً أضاء ظلمة الكهف، عبير عطرها سري في المكان فأسكره وخدره أتت من كل الفلوات أسود وضباع وفهود منصاعة فـي ذل العبيد ، فرشت مهاداً ناعماً من قماش مخملي نسج قسراً من خيوط جاءوا بها من الفضاء السرمدي..
ضمها بقسوة إلي صدره ،تأوهت..
ـ حنانيك .." قالت"..
وليتها ما قالت ..
فرت كضوء شارد، تســـربت مثل ماء من بين يديه وانســـاب إلي شلال ،أفــاق يبحث عنها وسط رتل من النساء ..
ــ أين أنت ؟
سأل نفسه ، ثم استطرد:
ــ ألا يحق لي الزواج ؟
******
متاهة من سنوات عشــر سلبته بعض عمره ، طوقته أغلال من تقاليد باليـة ، رحلت الزوجة، وتركت فراغاً
زاد من جرحه كلمات :
ــ زوجة جديدة ستكيل بمكيالين ..
ــ ستحيل حياتك إلي جحيم ..
ــ والأبناء في سن خطيرة ..
ــ ستجد شروخاً في البناء ، وربما تصدعاً ..
أول الأمر جفل ، سرقته السنوات في السعي الدؤوب عبر سبل الحياة ، الأبناء تنقلوا معه من مدينة لمدينـــة ومن بلد لبلد ..
حتى رست سفينته في مرفأ مدينته التي عشقها ..
******
السنوات الأخيرة كانت حبلي بالأحـــداث ، أحيل إلي التقاعد ، استقل عنه الأبناء تبـــــاعاً ، كل منهم سارفي اتجـاه مختلف تماماً عن الآخر نحو حياة جديدة..
عبلة تزوجت هدايت ، شهيرة تزوجت وصـــــفي ، جـــــــاء دور وفيق فتزوج نيهال ومجد تزوج فدوي ، في ليلة واحدة فرغ البيت عليه ، أضحي وحيداً ، سافر من سافر، وبقي من بقي ..
عبـلة هي الوحيدة التي لا تنفك تســــأل عنه ، كــــل بضعة أيام تتصل به من إمارة الشارقة، شهيرة تشغلها وزوجها ضرورة الانتهاء من مناقشة رسالة الدكتوراه ، سـوف يعودان نهاية الشتاء وطفلهما بهي الدين الذي لــــم يره جده ..
وفيق ومجد يزورانه في الأسبوع الأخيرمن كل شهر ، يقضونه معاً ، يداعب الجد أحفاده ، يمــارس حياته القديمة ، يرعي زياداً ويلاعب مريم الصغيرة ..
ـ تشبه جدتها " دنيا" ..
يقهقه بطريقته المعروفة :
ـ لا أحد يشبهها ، هي مائة جميلة معاً ..
ـ هل هذا صحيح يا جدي .." يقول زياد "..
يسرع الجد إلي مكتبته ويخرج " ألبوم"الصور تبدو فيه دنيا مثل أميرات الأحلام جاءت من وراء السحـب كقطعة من الثلج الطاهر وحدها لتبحث عنه وتتزوجه .
******
لا صوت في البيت عاد يؤنسه سوي صوت صــديقه مأمون ..
يفتقده الآن بعد أن رحل عن الدنيا منذ عام ...
في الصباح كان صوته يوقظه علي الهاتف ،يمزحان معاً، مأمون يرسل له مع الســـــاعي زهرات بنفسج ، صحف الصباح المجلات الأسبوعية ، أوراق يكتبـــها تضم سطورها ما يشبه مذكرات..
مأمون كان سياسياً لا يشــــق له غبار ، لكنه اعتزل العمل السياسي الذي يستلزم الكثير من الجهد، مرضـه
اللعين حال بينه وبين الاستمرار ..
كان مأمون خطيباً مفوهاً ورث عن أبيه المحامي المخضرم ملكة الخطابة ..
كان الأب يمتلك حنجرة آسرة ، تجلجل تحت قبة برلمان ما قبل الثورة ، جاء من قريته ــ وابنه ــ بعد أن ضاعت أطيانه التي ورثها عن أجداده علي أيــدي ثوار يوليو وقاموا بتوزيعه علي الفلاحين ..
مأمون رغم كل شئ نسي الموضوع برمته ، لكنــــه لم يغفل عن ذكرذلك في الأوراق ، استند لمذكـــــرات كتبها الأب الذي لقب نفسه بـ "الجريح " وظـــل يكتب ويكتب ..
كل صباح يرسل له الجديد ، الساعي الذي وفرته له المصلحة التي كان وكيلاً لوزارتها ، يقوم علي خدمته ، يأتي له بمتطلبات المعيشة في قائمة تعد لـــــه سلـفاً، تأتيه "سيدة" انتقاها " علوان " سائقـه الخاص منــــــذ نصف قرن من بين مائة سيدة ، متوسطة العمر تعد له الطعام بطريقــــة جيدة ..
ـ ترعي أيتاماً يا " بك"..
يجزل لها في العطاء ويوسع لها في الرزق،لا تتأخر يوماً واحداً عن خدمته ..
ذات صباح لم يستيقظ علي صوت مأمون كعادته ، انفلق النهار عن شمس حامية ، اعتراه قلق..
اليوم هو موعدهما الأسبوعي للقاء في نادٍ معـــــلق عند جبين البحر ، يقضيان النهار معـاً..
يتطلعــــــان للسماء الرحبـــة ، يعدان النوارس وطيور الغاق،يراقبان "معدية "بورفؤاد وهي تحمل الناس بين ضفتي القناة ، يستعيدان الذكريات،يغني مأمون كعادته أغان ٍ لسيد درويــش ، وناظم الغزالي ، يعبث بأوراق معه أو يفرد أمامه صحف الصباح ..
يرشفان القهوة ، يتناولان طعــام غدائهما ، سمك تم صيده من بحيرة "البردويــــــــل " سيناقشان اليوم مع مهاد هانم رشدي الخطة السرية لاجتياح منافسيهــا في انتخابات مجلس إدارة النادي ، سيديران لها ـ بالطبع ــ حملتها الانتخابية بما لهما من سابق خبرة ..
رائعة هي مهاد ، زوجها ــ صديق رابع ــ ضــــابط سابق في الجيش ،أبلي في نصر أكتوبر بــــلاءً حسناً يمت ـ للبحرـ بصلة قرابة ...
بعد العصر يلهوان كصغيرين وهما يمارســان لعبة التنس بالجري العبثي وراء الكرات كأطفال بلا مدرب ينهرهما..
حك رأسه يبحث في ذاكرتـــه عن رقم هاتف مؤنس ولده الأكبر ،أسعفته أجندة يحتفظ بها ،أدار القرص ..
علي الطرف الآخر جاء صوت طفلة تبكي :
ـ جدي مات يا " بحر"..
أنها " ُربي "حفيدة مأمون ، دائماً تناديه دون لقب..
جزع حين رأي صديقه مسجي في الفراش، فـــــرت من عينه دمعة ذكرتــــــه بالأيام الخوالي وهما في سن صغيرة،يلهوان معاً كما يحلو لهما، يسبحان في صخب بحـر لا يأبهــــان بأمواجه العتية ، مـــــأمون هو الذي أسماه "البحر" ..
ـ أنت مشروع مثقف كبير يا " بحر" ..
من يومها ولا أحد يناديه إلا بـ "البحر" ، بالرغم من كونه ينتمي لعائلة كبيرة إلا أن هذا الاسم طغي ..
ألقي علي صديقه نظرة وداع ، قبـــــــله ، شعر بدنو الأجل وانصرام العمر ، تحامل علي نفسه حتي وسدوه الثري ..
سرت في جسد "البحر" قشعريرة رغم حرأغسطس الشديد،علي أثرها لـزم الفراش ، سقط في بحيرة عرق عميقـة، غـرق حتي أذنيه..
عاده مؤنس ومعه ربُي ..
قال البحر: الآن فقدت آخر حصوني يا مؤنس ..
*****
كان وقع الأقدام يزداد وضوحاً ، من النافــــذة راح يرقب المساحة الخضراء الواسعة من الفيـلا ، ويراقب كل الوجوه ..
أرتال من نســـوة راحت تتوالي متتابعة ، تخففن من ثيابهن ، انطلقت من أردانهن رائحة عطور سخية ،في خطوهن رقة ،وفي صوتهن عذوبة ..
ــ المشهد يوحي بسهرة لا بأس بها ،لا ،ثمــــة حفل زفاف سيقام الليلة ، في زاوية صُبت عليهــــا شلالات من أضواء ملونة ، قبعت العروس جميلة بجوار شاب في مثل عمرها ..
بذخ وإسراف وسفه لا يصدقه عقل ، موائد مـــدت في نظام ، مقاعد مذهبة في جميع الجنبات ، صـــــوت موسيقي عذبة ينساب في رقة ، خطوات معــــــدودة ، نساء لم يسبق أن رأهن مجتمعات في مكان واحد ..
سري هدوء قبل اندلاع موسيقي ساخنة ،الراقصـــة جــاءت تتمايل في براعة ،هدأت الموسيقي ولم تتوقف الراقصة ، وسط حماس دافق من مدعوين لم يكفـــــوا عن التصفيـق بلهاث من يجري خلفها ، نساء في سباق محموم شاركنها في حلبة الرقص ..
انتهت النمرة ،راح المذيع الداخلي يعلن عن اسمها الشهير ، جاءت بعدها موسيقي نـــاعمة حملتــه لزمان خلي ..
*****
كان في أوائل الشباب حين عرف "دنيا " ، تزوجـــا في حفل بسيط لم يدعوان إليه أحد ..
" دنيــــا " لم تخيب ظنه فيهــــا ، حاربته الأسرة في الزواج منها ، الأب وقف له بالمرصاد ، رفض في أن يعترف بالزواج ، اتحد معه أخوته ، أمه هي الوحيـــدة التي كانت ستناضل من أجله وتقف في صفه لكنها قبل
عامين رحلت ..
قال كبير اخوته يوبخه :
ـ كيف تتزوج من أرملة ؟
وقال آخر متعجباً :
ـ إنها أرملة شهيد ..
كانت " دنيا" أنشودة للبساطة والرقة وسط زخم من نسـاء أخوته ، لفظوها،الأب أصر عــلي موقفه في ألا يتزوج غير نهي :
ـ رائعة، عائدة تواً من بلاد العم سام مع أبيها الثري ..
ـ وماذا في الأمر ؟
ـ سيصحبونك معهم ، الحياة هناك رائعة ، ستبدأ عهداً جديداً في بلد الأحلام ..
******
حياتهـا الأمريكية لم تتفق مع ميوله ، نهمها للشراء تعيش علي الوجبات الجاهزة ، ترتدي "الجينـــــــــز " الأزرق والبلوزات الضيقة ، ثم أنها تدخن بشراهة..
نظر له الأب شزراً :
ـ لم تعجبك ..
احتفظ بالرد لنفسه وتعلل بالتفكير في الأمر ..
ـ صغيرة ، "خام " ، فرصة العمر أيها الغبي ..
ـ لكنها لا تعجبني ، أنا غير متفق معها ..
ـ إذن ، تروق لك فقط الأرملة الطروب ..
للمرة الأولي يغضب من قول لأبيه ، شعر بغصــــة في حلقه لم يعهدها منه من قبل، انصرف والــــــدموع تحرق مآقيه..
نصـل استل من غمده بقوة وطعن به في صدره ، كانت كلمات أبيه ، سُدد بإحكام نحو القلب ، فأدماه ..
زلزال عاتٍ أطـاح بمدنه الخيالية اقتلعها من جذورها ،علا الغبار الشوارع ، اصطخب البحر، وهاج الموج ، أنشبت الريـــــح كالضواري أنيـــــــابها تلغ في دماء ســكان المدن وتتعلق بأعناقهم، تكتم الأنفاس ، والناس يجأرون بالشكوي ..
ساد ظلام دامس ، بعد ارتطام الأرض بنيـــــــــازك وشهـب ..
بدت قصيدة "الأرض الخراب" التي كتبها "إليوت "
متمثلة أمامه :
( أبريل أقسي شهور السنة .
ينبت الزنابق من الأرض الخراب .
يخلط الذكري بالشهوة ، يثير الجذور
الحزينة تحت أمطار الربيع .)
عز عليه أن يجد نفسه وحيداً ، يجابه هجوماً ضارياً لا حد له ،لا يكف عن هدم عزمه والنيل من قواه ..
******
بدلت العـروس فستانها، راقصت العريس ، كل شئ يبدو رائعاً ، عارية الذراعين ، بارزة الصدر، ممشوقة القوام، أمها تطلق الزغاريد ..
إنهــــا المرأة نفسها ، من حولها ثلة من نساء أحطن بها ، قلادة هي في وسط عقد يتلألأ، هــــوانم من زمن فــات ، تراصت مئات من باقات الورد ، انتصبت عدة كاميرات للفــيديو تدور، وغيرها فوتوغرافية يلمع بين حين وحين وميضها لتسجل جمال المشهد، تنقــله علي شاشات عرض ضخمة ، كل شئ هذا المساء مبـــاح ، الأعناق مشرئبة لأعـــلي لتري المتاح وغير المتــاح ، أعناق من بلور صافٍ ..
ما أجمل الفوضي ، ما أحلي العبث ، رائع أن يحيـــا المرء كيفما يشاء دون تعقيدات أو حدود ،المشهـــــــــد يوحي بمزيد من فوضى ستعم لولا تحذيرات بُثت عبر مكبر الصوت تدعو للنظام ..
انفجرت فوهات زجاجات الخمر ، علا دخان أزرق سقف الحديقة غطاها كغبار خيول تصهل في الفلوات يحجب الرؤية ، اخـــــــترقه صوت غناء غث لمطرب راح يترنح كسكير ، موسيقي تعزف بلا ضبط أو ربط وبلا انقطاع ، شئ أشبه بالغثيان،حفل تنكري حمل كل من فيه قناعه ، بدل من ملامحه الحقيقية بمكياج آخـــر وملابس غريبة ، تخاذلت الموسيقي معلنة :
ــ حان الآن موعدنا، انتصف الليل..
قال المذيع الداخلي ، دقت أجراس وساد هدوء وعم صمت، سقط الجميع في عتمة ليس فيها أي ضوء ..
انطفأت الأنوار،ســادت حالة من الهرج والمرج كلها تدعو للدهشة ،زاد صوت ضحك امتـــــــزج بمجون ، خالطته أصوات مبحوحة ، صراخ موصـول بنشيــج ، لوم وعتاب ، فحيـــح كالأفاعي ، مواء كالقطط ، عواء كالذئاب ..
فجأة انقشع الظلام ..
حالة من الوجد والهيام ، البعض أصابته لوثــــة من أثر السكر ، حاق الجنون بهوس الرقص، البعض نسي المواقيت وهام مع من هــام...
بدلت العروس فستانها للمرة الثالثة ..
سقطت الأقنعة مرة أخري ، ثمة أصوات جاءت مثل خوار البقر ظلت تتردد من بعض الجنبات ..
******
شهق قلبه فجأة ..
إنها هي .. نهي ..
تخترق المـــوكب في ثوب زاه ، حملق فيها جيداً ..
ـ نهي ، يا للهول .. "قالها دون أن يدري "..
سمعته ، التفتت كلها تبحث عن مصدر صوت تتيقن منه تماماً ، تواري خـــلف أواني الزهر المتراصة في الشرفة ..
وحدها ، عادت تتلصص بين أونة وأخري دون أن يلحظها أحد ..
كاد أن يصرخ ثانية متحدياً كل البشر ..
احتبست أنفاسه في مكمنه وظل مختفياً :
ـ لابد أنها عرفت صوتي ، سترسل لي دعوة لأشاركها وحدتها ، لأقف بجوارها ،إنها من غير رجــل يشد من أزرها في ليلة كتلك..
عادت نهــــــي خلسة تنظر باتجاه الصوت وترهـف السمع بعد أن قطعت صوت الموسيقي بإشارة من يدها ـ إنها وحيدة ، لابد أنها تبحث عني لأكون بجوارها ..
كل الرجال يخطبون ودها ، تتدلل أكثر، تنظـر جهة الصوت ثانية..
قالت لنفسها :
ـ أعرف صوته ، إنه هو ، صوت البحر ، إنني أشعــر بصخبه .
دارت حول نفسها وسقطت في شبه إعياء ..
فزعت العروس وارتاعت بعد سقوط أمها ، رجــال الأمن تدخلوا قبل أن تسود فوضي أبدية ..
ـ لا شئ ، لا شئ ، إنه مزيد من الإرهاق ..
قال طبيب من بين المدعوين ، وأردف موجهاً كـــلامه للعروس :
ـ لا وقت للدمــــــوع يا صغيرتي ، ما أجملها لو كانت دموع الفرح . ثم بصوت عالٍ هتف :
ـ لتصدح الموسيقي ..
نهي كانت تتمتم في شبه لهاث :
ـ البحر ، إنه البحر ..
قالت نميرة زهدي :
ـ البحـــر ، ماذا به ، إنه اليوم هادئ ، نائم علي مقربة منا في دعة ..
أجهشت نهي في البكاء ، رددت :
ـ لا ، إنني أسمع صخب البحر ، صــــوته الهادر يملأ أذني ، أريده الآن ..
رددت بعض نسوة في صوت جماعي :
البحر بيضحك لي
وأنا نازله أدلع أملا القلل ..
وكأنما هو نشيد وطني سعي الحشد جميعه لتـــرديده مع الموسيقي التي عزفت ..
كان الدمع ينساب مدراراً من عيني نهـــــي وهي في حالة من اللاوعي ..
نميرة فقط ضمتها لصدرها ، بكت نهـــي كما لم تبك من قبل ،أراحت رأسها علي كتفها كطفلة يتيمة لم تذق من قبل طعم حنان الأم ..
عادت لطيفة بشري تسأل نميرة عـن سر ما حدث، لم تعبأ نميرة بها ، اكتفت بأن نظرت لها شزراً..
انتحت لطيفة جانباً إلي جوار نتيلة عمران ، وسارة المهدي ، ووسمية رشدان ، ووجنات السيوي ..
كلهن رحن يلقين بسهامهن في كل اتجاه ، ساعيـــات لفك الشفرة ومعرفة السر :
ـ كانت علي أحسن حال ، وفجأة ..
قالت لطيفة بشري ،بينما تولت نتيلة عمران مسألــــة إجادتها للتخمين :
ـ لكي نعرف السر لابد من محاصرة نميرة زهدي..
نميرة زهدي وحدها لا تفصح عن شئ ،شك الطبيب ذراع نهي بحقنة مهدئة ، خُدر لذيذ سري في جسـدها فكاد يسكرها ولكنه أراحها ، ودت لو تنام طويلاً،أمــر إجباري ود الطبيب لو يصدره ولو لبعض وقت ..
*****
غفت نهي في نـوم خفيف ، سقط رأسها علي وسادة ناعمة هي ساق نميرة ، بعد قليل عادت من غيبوبتهـــا المؤقتة ، راحت ثانية تنظر ناحية الصوت ..
طمأنتها نميرة :
ـ الشرفات كلها مراقبة بكاميرات خفية ..
في ضعف واستكانة قالت نهي :
ـ إنه صوت البحر يا نميرة ..
ـ أي صوت وأي بحر ..
ـ إنه صوته ، نعم صوتـه ، أعرفه من بين آلاف البشر ـ لابد أنك محمومة ياعزيــزتي ، فمن أين يأتي ، أؤكد أنه لم يزل هناك ، يعيش في الخليج ..
ـ لا تخدعيني يا نميرة ، إنني أشعر به ..
مضت معها حيث تنـــــاولت سهي كأساً من عصير الليمون بينما اكتفت نميرة بفنجان من القهوة ..
جلستا في شرفة عند آخرالبهو الذي صممته العروس بنفسها بعد أن تخصصت في فن الديكور ..
******
نهي هي أم العروس ، سنوات عمرها لم تـــزل عند أعتاب الشباب ، لم يخض الشيب إلا النزر القليـــل من غمار الليل الأسود الذي يطوق وجهها ..
ظن البحر أن شهقته تلك سمـــعتها كل الآذان وبأن من بالحفل جميعاً سيبحثون عن مصدرها ..
التفتت نهي وحدها جهة الشرفة تبحث عنه ، تـواري
خلف نباتات غطت جانب الشرفة..
من حين لحين كانت تتلفت ، والبحريتــــواري حابساً أنفاسه الملتهبة من أن تتصاعد من بين ضلوع مؤججة يراقصها الشوق ..
استعد للنـــزال كجندي ينتظر إشارة من جنرال خفي سيتهيأ الآن للقيام بدوره ، سيبدل ثيابه سريعاً ، سينتقي أجمــل حلة لديه ، رباط عنق اشتراه من أشهـــر متجر في المدينة ، سيغرق في بحر عطر ، وسيرتدي أحدث حذاء :
ـ حتما سيقودني النادل النوبي من عند الباب ، سيرسم ابتسامة عريضة ، سيقدمني لسيدته ،سيطغي حضوري علي جميع الحضور، ربما يظن البعض أني أحد نجوم السينما قد جاء يهنئ ..
هاجمه سؤال بغيض :
ـ لماذا ؟ هل أنت من بين المدعوين ؟
وتذكر أشعب ، قال في نفسه :
ـ دعك من هذا الهراء ..
الضحكات لم تزل ترن في أذنيه تعلو، ثمة نســـاء انخرطن في رقصة جماعية تتوسطهن العروس وأمها في سباق محموم للتخفف بكل ما يثقل الكاهل ..
بدت النساء مثل قطع من رخام وردي خرجن عن الطوق، الرجال خلعوا حللهم الأنيقـة وألقوا بها بعيداً دون أن يأبهوا لقيمتها أولأسعارها الفلكية ..
حول حوض السبـاحة التي لمعت صفحته الفضية مثل قمر زاه بزغ فجأة ، راح الجميع يرقصــون في جنون حول دورانه ، الموسيقي تزداد اصطخـــــاباً،الألحــان تتواثب في غرابة ، اشتد أوارها واحتدمـت ، الجميــع يرقصون في تنــــــافر كأنهم أمواج مصطخبة تتلاطم في سرعة وعصبية ، ربما تتوقف حياتهــــــــم إذا هم توقفوا، يرفعون أيـديهم لأعلي ، وأرجلهم مطوحـــة ، ورؤوسهم في كـل اتجاه ، حركاتهم تتسم بحـــدة دون أي قدر من تنــــاغم، تفرز أجســـــادهم عرقاً غزيراً، وتوتراً غريباً كأنهم يطردونه بعيداً عنهـــــم ، البعض يصرخ،وصوت الموسيقي يغطي علي كل الأصوات..
فجأة توقفت الموسيقي ، قليل من الوقت مر ، عادت بعده الموسيقي تصدح بلحن استجابت له كل خاصـــرة النساء والفتيات ، شاركن الراقصات وتبارين فــــــــي رقصة اهتزت فيها الأرداف والصدور ، برزت مواقع الفتنة ..
واحدة تدور حول نفسها ، أخــــــري تتثني في دلال وتنحني حتى يكاد صــــــدرها يصل لساقيها ،وشعرها المبلل بالعرق يلتصق بالأرض ، لتستقيم مرة أخري ، شدت انتباه الجميع ببراعتها ،انحسر شعرها عن وجــه ملائكي طاب للجميع أن يذهلوا أمام ملامحه ، يتأمـــل الجميع صدرها المكشوف بإعجاب لم يقل عن جمالهــا
وهي تتثني مع الأنغام ..
رحلة مرهقة ..
******
باح المذيع الداخلي للمرة الأولي بعدة أسماء جعــلت صخب "البحر" يصمت كمن أصابه الخرس ..
رجال من المدينة علي كافة الأصعدة ، ساسة ،تجار ، ومن مهن أخري ...
تذكر أنه يعرف العديد من أصحابها ، شعر بسعـــادة كبيرة تغمره ، إلا أن المذيع ردد اسماً معيناً ..
لفظ كالبحر زبده ، أعلن استنكاره ..
تقدم صاحب الحظوة خطوة خطوة كأحد الذين تعلموا أصول البروتوكول وجبلوا عليه ، صخب البحر ولـــم يزدرد ريقه الذي جف ، نطق :
ـ من ؟
تحشــــرج صوته ، التفت صاحب الحظوة ، يبدو أنه
سمع ، فلم يجد من حوله أحداً غير المدعوين ..
*****
ربع قرن جرف البحر ليتذكر وقفته في قاعـة الدرس وسط صخب تلاميذ هاجوا بفوضى افتعلها التلميذ الذي أخفق في دراسته ،لا يأبهـــــون شرح الدرس ، بعد أن قادهم ضده ، قومه ليردعه ولكنه أصر بعنـاد ، وخرج مــن القاعة دون إذن من معلمه..
ولم يعد للدراسة بعدها ...
ومرت السنوات ، وبقي صخب البحر ..
*******
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد عبده العباسي
- الزيارات: 4
الحصة الأخيرة
قصة قصيرة
استعاض الأستاذ عن التحديق في دفتر النشرات لينظر فــــي وجه الموظف الذي قدمه إليه ، رفض الأستاذ التوقيع بالعلم . إنها المرة الأولي في حياته العملية ، نيف وثلاثـــــون عاماً مضت من عمره الوظيفي وهو يرفض الانصيــــــاع لمثل هذا الأمر :
ــ سأعمل معلماً حتى آخر دقيقة من عمري ..
هز الموظف رأسه عجباً ، ثم عاد للمحاولة مرة أخري :
ــ أمرك يا أستاذ ، لكنها أوامر السيد مدير المدرسة ..
كاد أن يثور في وجهه ، لكنه تحكم في نفسه برباطة جأش ، راح يغمغم بينه وبين نفسه :
ــ ها قد حانت لحظة النهاية .. قالها في لهجة مسرحية ، ثم نظر إلي فناء المدرسة الذي يكتظ بالطلاب يمرحون ..
*** ***
ماراثون طويل امتد لأكثر من نصف عمره ، ثمــــــة علاقة حميمية بينه وبين طلابه ، لا يفصلهـــا سوي جرس المدرسة النحاسي الذي تغير مع الأيام إلي زر كهربي ..
ابتسم في مرارة وهو يجد اعتذاراً من مدير المدرسة :
" إدارة المدرسة تعتذر عن عدم إسناد جدول حصص لكم هذا العام لقرب إحالتكم إلي المعاش .."
ــ سبحان الله ..
قـال مدير المدرسة وهو ينظــــر في عجب مخاطباً الموظف العائد إليه بخفي حنين ، فأسرع بنفسه يستطلع الأمر :
ــ أظن أن الوقت قد حان للفارس أن يستريح ..
ــ من قال أني متعب ..أنا أعترض.. ــ أسبوع واحــد بعد بدء الدراسة وتحال إلي المعاش ، مـــــن الواجب عليّ الاهتمام بحفل يقام لتكريمكم ..
ــ لا ، أرجو أن تسجل اعتراضي ، ولك أن تتخذ ما تشـــاء من إجراءات ، لن أتراجع..
تأزم الموقف ، لم يجد المدير تفسيراً للأمر ، ليس أمامه إلا أن يستسلم ..
*** ***
علي مدي أعوام مضت ، تخرجت علي يديه أجيــــال وأجيال نهلت من معين عطائه ، لم يدخر وسعاً في أن يلقنــهم عشق مادته ، لم ينطق في خلال الحصص سوي بلغـة الضاد، فشــب طلابه علي عشقها كما لم يعشقوا أي مادة أخري ..
العديد منهم ارتقي أعلي المناصب بإمتداد مساحـة مصر والوطن العربي ، وعلي كافة الأصعدة ، يعـــــودونه بين وقت وآخر ، يتحلقون من حوله كالمريدين ليتذكـروا سـوالف الأيام في بهجة كلما اجتمعوا :
ــ الأستاذ قامة سامقة في حقل التعليم قلما يصل إليها أحد ...
قال الأستاذ عمران مدرس اللغة الفرنسية... بينما فاخر الأستاذ حسونة مدرس الفيزياء بقوله :
ــ كان الأستاذ زميلاً لي في أيام الجندية ، قبيل حــــرب أكتوبر المجيدة ، لم يترك فرداً واحداً من المجندين الأميين إلا وألحقه بفصول محو الأمية ..
ابتهج الأستاذ منصف مدرس التربية الرياضية قائلاً:
ــ عرفته شاعراًُ لا يشـــــق له غبار ، اسمه ورد ضمن معجـم عبد العزيز سعود البابطين للشعراء العرب..
تنهد الأستاذ وصفي مدرس الرياضيات :
ـــ هو من علامات العطاء علي مستوي المدينة..
قال الأستاذ علاء مدرس اللغة العربية الجديد:
ــ أذكر عند أول تعييني أن حذرني البعض منه ، قالوا عنـه سيبويه ، صحيح أنه عقد لي امتحاناً لولا تفوقي فيه لمـــــا كنت بينكم الآن..
الأستاذ رجائي أدلي بدلوه قبل أن يمضي ليلحق بحصته التي حان موعدها:
ـ رغم ذلك لم تتم إعارته إلي أي دولة عربية من دول النفط ، في الوقت الذي تكالب فيه من هم أقل منه للسعي إلي هناك..
تدخل موظف شئون العاملين الذي جاء يستدعي الأستاذ عبد الحفيظ ولم يجده:
ـ لازمه سوء الحظ مراراً ، قواعد الإعارة كانت تشترط الأكبـر سناً حيناً ، يجد نفسه الأصغر ، تشترط الأقدمية في التعييــــن فيكون هو الأحدث ،حتى إذا ما أن انطبقت عليه الشروط كمــا يقولون ، فغر الجميع أفواههم ، قال الموظف :
ـ الأعلي في التقارير السنوية..
تنهدت أسارير الأستاذ وصفي بعد أن بلغ به الصبر محله:
ـ أخيراً...
لكن الموظف عاد ليلقي بالمفاجأة :
ـ أعد الأستاذ العدة ، بارك له الجميع ، الكويت هي وجهته ، أوصاه البعض بالهدايا ، حجز مقعده بالطائرة ، ولم يسافر..
بكل الدهشة راحوا جميعاً ينظرون في تساؤل واستغراب ، قال:
ـ قوات صدام احتلت الكويت صباح الثاني من أغسطس ..
أسُقط في يد الجميــع ، ردد الأستـــــاذ علاء بيتاً من شعر إبراهيم ناجي:
هي الدنيا كما كانت وماذا ينفع الوعظ
فلا هانت ولا خانت ولكن خانك الحظ
*** ***
كعادته كل صباح يأتي إلي المدرسة مبكراً ،يتابع اللوحة الضخمة التي خطهــــــا بيمينه بخط الثُلث وتحمل اسم المدرسة ، وتلك الأبيات من الشعر التي كتبها علي الجدران بخط ما بين الرقعة والنسخ والديواني والكوفي والطغراء..
*** ***
صباح الســبت السابع والعشرين من سبتمبر تقدم الأستاذ تلاميذه كقائد نبيل ،اصطفوا من بعده كجنود طائعين ، أكثرهم خبرة قدم افتتاحية البرنامج الإذاعي لفصل 3/ 1 أدبي ..
طابور الطلاب في الفناء في حالة من الإنصات التام ، كـأن علي رؤوسهــــم الطير ، تقدم مدير المدرسة معقباً علي حسن الأداء ، شاكراً الأستاذ وتلاميذه ، منبهاً بأن المدرســة ستقيم في الحصة الأخيرة حفلاً لتكريم الأستاذ :
ـ سيحضر السكرتير العام نائباً عن اللواء المحــــافظ ، والسيد وكيل وزارة التربية والتعليم ونواب مجلسي الشعب الشوري الذين تتلمذوا علي يدي الأستاذ ، ووفد من نقابـة المعلمين التي حمل أمرها علي عاتقه ، وكافة مديري المدارس بالمحافظة ..
تواري الأستاذ في خجل وتواضع العلماء ،المدير افاض في الثناء عن دور الأستاذ في مهنة هي مهنة الأنبياء والرسل ..
*** ***
المرة الأولي التي كادت فيها قطعة الطباشير أن تسقط من يده كتب علي السبورة بخط النسخ " النثر في الأدب العربي".
فجأة ، ترنحت لوحات الإيضاح الورقية علي جدران الفصل، واضطربت النوافذ أمام جحافل رياح خريفية عاتية داهمتهــا ، ارتعدت فرائص الأستاذ للمرة الأولي و اصطكت أسنانه ،انعقد لسانــــــه ، تفصد من جبينه العرق ، ظل يقاوم مثل شجرة ثابتة لم تحـــن هامتها للرياح التي هبت من ناحية المتوسط الثائر ..
لم يفق الأستاذ من شـــــرح الدرس ، إلا والجرس الكهربي يصعق أذنيــه ينبئ عن مـــوعد الحصـــة الأخيرة معـــلناً عن نهايتها ، ويسدل الستار ...
محمد عبده العباسي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد عبده العباسي
- الزيارات: 4
القــــــــــارب " قصة قصيرة "
القارب الذي اشتراه جدي منذ زمن بعيد.. رفض أن يبيعه بعد أن كبر سنه.. وأضناه طول التعب وخوض غمار البحيرة..
كل الذين عرفوه.. أشاروا عليه بضرورة التقاعد واعتزال العمل.. فالبحيرة أضحى ماؤها ملوثا بعد أن صبت فيها المحافظات المجاورة مياه الصرف الصحي والزراعي ومخلفات المصانع.. (هكذا أكد أبي الذي يحمل شهادة عالية ويعمل موظفا في الحجر الصحي).
جدي أصر على أن يستمر في العمل.. وتجاهل رأي الجميع.. دعا الله ألا يميته إلا وهو يعمل.. قال قولة شهيرة ظلت تطن في أذني لفترة:
ـ أنا ولدت علي شاطئ البحيرة.. وأتمنى أن أموت بها..
قال الذين عارضوه:
- ولكنك في سن تحتاج إلى الراحة.
فرد ذراعيه ولم يتثاءب ، بل أعلن:
ـ لا راحة في الدنيا، أنا أكثركم شبابا وحيوية..
ونفخ في قبضتيه كبطل يستعد للمنازلة.
أري جدي في القارب عند طرف البحيرة الملاصق لجنوبي المدينة.. يعتني به يدهنه.. يرمم أخشابه.. "يقفلط" بينها.. يمسح على جوانبه بحنو بالغ كصديق يلاطفه .. يعيد بعض رسوم محتها المياه..
حين "يقلع" به مغادرا.. يشمر عن ساعديه.. ويدعوني لصحبته.. يوافق أبي على مضض.. يغريني بمزيد من النقود تساعدني على شراء تذكرة "بلكون" في سينما الأهلي بدلا من مقاعد "الترسو".. يغمز بطرف عينه.. أثِبُ مثل أرنب.. أرفع يدي مودعا.. وهم جميعا على الشاطئ يغادرونه عائدين إلى البيت..
يخلع جدي جلبابه ويلفه بهدوء ويدسه بين الأخشاب.. ثم يفك إسار قماش الصاري فيملؤه الريح الناعم.. ينطلق بعدها القارب يشق وجه الماء دون توقف.. يجذب طرف الحبل ويضم إلى صدره ذراع الدفة في حنو بالغ..
رغيف الخبز بالحلاوة الطحينية.. "حالة من الشبع المؤقت" يؤكد ذلك ويشير إلى وابور الجاز.. ومع أول رزق يسوقه الله إلى الشباك "ينشل" الأسماك من الماء.. يقوم بتنظيفها.. وغسل الأرز.. ووضع "الإدام".. وخرط البصل.. ودعكه بيد واحدة بالفلفل والكمون.. بعدها يتنهد.. ويرسل نظرة جهة طيور الخضيري والشرشير والغُر والحمراوي.. يتمنى صيدها.. أردد أمامه أن أبي سيشتري لي بندقية.. يقول في سخرية:
ـ منين يا ولداه؟ العبد وسيده على المحطة!
أحاول الفهم.. لكنه يتصنع الصمم ويشير إلى قرص الشمس.. ويطلب مني أن أعد السحب في السماء الصافية.. أدرك ساعتها تمام سخريته..
لا أحد في البحيرة يعرف أسرارها ومخابئ السمك فيها مثل جدي "العباسي".. يشير للجميع إلى مواضعه.. يقول في ثقة:
ـ ارموا الشباك.
يتكالب من بعده عشرات الصيادين الذين استغرقوا وقتا في البحث عن مواقع الأسماك.. يفعلون ما أشار عليهم به.. يفوزون بالرزق الوفير.. بعدها تلهج الصدور بالدعاء له ويثنون عليه..
جدي لا يستخدم المجداف أو "المدراة" إلا لمامًا.. ويعرف مواقع النجوم وزمن هبوب الرياح.. ومواعيد النوات.. ويعرف الساعة دون أن تكون في معصمه.. ويردد علي الدوام مواقيت الصلاة.. وينطلق صوت المؤذن..
شراع المركب من القماش الأبيض السميك.. كتب في أعلاه لفظ الجلالة بخط يده.. يفخر بأنه تعلمها وحده من دون أن يرسله أبوه إلى شيخ "الكتاب" الموكول إليه أمر تحفيظ القرآن ومبادئ الحساب.. أشير عليه بأن يشتري موتورا لقاربه.. ينظر إلي متعجبا.. يفحص ذراعيه مليا.. يرفعهما معا ليوازيا كتفيه مزهوا:
ـ عندك عضلات زي دي؟
ويقهقه فيملأ فضاء الكون من حولنا.. ويكمل:
ـ الموتور للناس الثانية.
*****
مات جدي على ظهر قاربه مثلما تمنى..
القارب وصل إلى طرف البحيرة وحده..
كان حبل الدفة مربوطا بيمينه..
وكانت طيور البحيرة كلها تحوم حول القارب.. تودع صاحبه وتحرسه.. مرشدة إياه إلى طرف البحيرة دون أن يرتطم بالجزيرة.. أو يسحبه تيار الماء إلى المجرى الملاحي.. أو يعيقه ورد النيل أو البشنين والهالوك أو أعواد الغاب..
كان منكفئا على الدفة.. كأنما يعض عليها بالنواجذ.. ولم يتحرك بعد ليربط قاربه في العمود الذي غرزه في الماء.. ولم يهتز مع اصطفاق الموج في جنبات القارب.
ـــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سمير ناجي
- الزيارات: 5
- الشبح -
خرجت فاطمة لتوّها من المحكمة بعد أن أنهت ارتباطها بمحمد زوجها الظالم, الذي لم يتعلم من رابط الزوجية المقدس سوى ممارسات التعذيب التي كان يتفنن بها, وإمضاء توقيعه القاسي على جسد فاطمة الناعم ضربات وحروق جعلت طعم الحياة معه مثل العلقم , لم يعد بالامكان أن تضع نفسها بين يديه القاسيتين مجددا , و بعد عراك دام أكثر من سنتين , أطلق محمد سراح زوجته في المحكمة بعد إجبارها التنازل عن حقها أمام القاضي .
لم تعطي اهتماما للمال , لم تكن مثل أولئك النساء القويات اللواتي يصمدن في وجه المجتمع الذكوري لينلن مرادهن , اكتفت بالرحيل بسلام من جحيمها الذي ترك بصمة لن تنساها فاطمة طوال حياتها .
لاحظ أباها الذي تمكث عنده الآن تغير ظاهرا في شخصية ابنته المرحة , النشيطة , وميلها لمصاحبة الوحدة في غرفتها , ورغبتها المتواصلة لشرب القهوة مع ذكرياتها بصمت كل صباح, مسترجعة سيناريو الألم الذي لم تخرج من فوهته لحد اللحظة , تشاور مع أمها وتناقشا حتى طلوع الشمس لإيجاد طريقة لإخراج ابنتهم الوحيدة من عالمها المظلم هذا , وفتح أبواب الأمل أمامها, فهي لم تزل صغيرة على حمل الهموم من الآن, توصل الوالدان الى الانتقال من المدينة والرحيل الى منزل آخر , علها تستطيع محي صورة طليقها ومعاناتها معه من ذهنها بتبديل جلد التفاصيل الغامقة التي حفظتها معه في هذه المدينة .
وهذا ما حصل فعلا , بدأ أبو فاطمة البحث عن منزل في المدينة المجاورة , وبعد مدة وجد مراده , منزل صغير مع حديقة خضراء , حوله القصور والمنازل الحجرية الراقية , باع منزله فورا و كل محتوياته من أثاث وفرش , واشترى البيت وأثاثا جديدا مغيرا بذلك مرحلة من حياتهم بالكامل من اجل ابنته المدللة .
وصلت العائلة صباحا الى المنزل الجديد , وبدأ العمّال بتنزيل الأثاث إليه , تحت إشراف أبو فاطمة , وبينما كان مشغولا هو وعائلته بمساعدة العمّال إذا برجل يقترب منهم ويسلّم على أبو فاطمة , أنه جارهم الجديد حسّان الذي يسكن في البيت المجاور , طوال الوقت كانت نظراته لوالد فاطمة غريبة وفيها الدهشة التي لاحظها عليه عبد المجيد – أبو فاطمة – فسأله عن السبب ...
- ما بك يا سيد حسان أثمة شيء يريبك ؟
- نعم سيد عبد المجيد ... لا لا ليس هناك أي شيء
- ماذا تقول نعم ثم لا أهناك شيء فينا لم يعجبك ؟ أم هناك شيء في المنزل؟ عطلا ما , خلل ما , أخبرني فأنا لم أوقع عقدي مع صاحبه بعد ؟؟
يقترب حسان منه ثم يقل بصوت منخفض ..
- ان هذا المنزل كما يقول الكثيرون في الحي مسكون بالأشباح والعياذ بالله
- ماذا؟ هذه خرافات أنا رجل مؤمن ولا أؤمن بوجود مثل هذه الخرافات
- أنت حر أيها السيد , لكن واجبي كجار لكم يحتم عليّ تحذيركم .
- شكرا يا سيد حسّان على تحذيرنا , لكنا مصرون على العيش في هذا المنزل فهو مميز وجميل، والأيام ستثبت لنا وللجميع صحة أو ضعف روايتك
- أنتم أحرار كما قلت لكم , عائلات قبلكم سكنت هنا , ولم يطل مكوثهم أكثر من شهور ثم يسمعون أصوات و يشاهدون أشياء تتحرك في المنزل .
- أيها السيد أنا وابنتي وزوجتي مؤمنون بقضاء الله , و إن أصابنا أي مكروه فهو من عنده سبحانه و تعالى .
- على أية حال , أهلا وسهلا بكم , وأتمنى أن لا أكون قد أثقلت عليكم
- لا , سيد حسّان شكرا لك وأتمنى أن نصبح أصدقاء
- إذا اسمحوا لي سأغادر الآن
- مع السلامة
لم تبالي العائلة بما سمعته من حسّان , و بعد الانتهاء من عملية النقل , أغلقوا الباب على حياتهم السابقة , وفتحوا بابا للأمل في أياما أجمل ومستقبل أكثر إشراقا لابنتهم التي ما زالت في مكنون أفكارها تعيش في ذكريات الماضي .
دخلت الى غرفتها الجديدة, بدأت رحلة الاستطلاع في محيطها تضيء بسمة على وجهها , فتحت نافذة الروح بتنهيدة , جلست على سريرها وصارت تشم وردة كانت قد التقطتها من الحديقة محاولة أن تنقي دماغها من جراثيم البال التي لوثت الإنسان الجميل في داخلها .
خيم الليل , لم تستطع فاطمة النوم في الليلة الأولى , فلم تتأقلم بعد على رسم اللوحات الجميلة في الغرفة, وما زالت عالقة بألوان الماضي المتشابكة , أغمضت عيونها لتخلد الى النوم , ولتغادر نحو الأحلام , فجأة أوقفها سماع صوت غريب في غرفتها , هناك من يبكي , أنها تسمع الصوت بوضوح , قامت الى النافذة و نظرت الى الخارج , لم تجد أحد , فتحت الباب وخرجت الى غرفة الجلوس , ليس هناك احد يبكي والكل نيام, إن الصوت قادم من غرفتها , وما زال يتعالى , وبعد بحث دام نصف ساعة تأكدت فاطمة إنها متعبة وان هذه أوهام , فاليوم كان شاقا كثيرا, قررت تجاهل الصوت والنوم, لكنها ما أن وضعت رأسها على الوسادة, حتى سمعت الصوت مجددا, انه واضح هذه المرة ...
- من هناك , من الذي يبكي ؟؟؟؟ أرجوكم هذا ليس مزاحا ..
شعرت بالخوف يسري داخلها , ارتعشت أطرافها معلنة القلق في أرجاء جسدها كله, توقف النحيب فجأة وعاد الهدوء لغرفتها , خلدت فاطمة للنوم بعدها .
تكرر سماعها للصوت لليلة الثانية , وصار الموضوع أكثر جدية , صارت تصرخ بصوت عال ..
- من هناك ؟؟ أخرج أيها الجبان ؟؟؟ أمي أبي ألحقاني
استيقظ الوالدين مذعورين وتوجها بسرعة لغرفتها
- ماذا هناك يا ابنتي , أهو كابوس ؟؟؟
- لا ليس كابوس يا أبي , أنا اسمع صوت بكاء هنا في الغرفة وقد تكرر سماعي إياه لليوم الثاني أرجوك أبي
نظر عبد المجيد الى منى زوجته بنظرة مهمومة وكأنه يقول لها , لم تتخلص بعد من حالتها , فهزت منى رأسها موافقة ثم حضنت ابنتها مهدئة إياها بقراءة آيات قرآنية لها حتى نامت .
تأقلمت فاطمة مع سماع البكاء كل ليلة كاتمة في داخلها أي شعور بالخوف أو القلق, حتى لا يظن أهلها بأنها لم تتخلص من ماضيها بعد, ويعيدون الاسطوانة القديمة , لكن في هذه الليلة لم يحدث شيء لم يبكي أحد , كان أمر روتينيا بالنسبة لها, صارت حالة البكاء أمر لا ترغب في اختفاءه فصار نوعا من التسلية لها وعادة صارت تستحبها مثل شرب القهوة والجلوس لوحدها, لم تنم حتى الآن منتظرة صوت البكاء ليلبي نداءها, تطور الأمرأكثر فبدلا من البكاء صارت تسمع صوتا يكلمها هذه المرة ....
- مرحبا فاطمة
بدأ قلبها بالخفقان وأحست بنوع من الخوف مجددا, من يكلمها الآن , لم تشأ أن تنادي أهلها حتى تتأكد من مصدر الصوت جيدا ...
- من هناك ؟؟ من أنت ؟؟؟ وكيف عرفت اسمي ؟؟
- أحبك يا فاطمة أحبك
- ماذا ؟؟ ماذا تقول ؟؟ تحبني , من أنت أخرج أيها الوقح , أخرج قبل أن أطلب الشرطة لتقبض عليك ...
اختفى الصوت , أسرعت فاطمة للنظر من النافذة لتشاهد صاحب الصوت لكن لم تلحظ أي حركة في الحديقة , ولم يفتح الباب , صارت تجول في خاطرها أسئلة كثيرا , أصرت أهذي ؟؟؟ أجننت ؟؟؟
استنتجت أن كلام والديها حول تخلصها من حالتها صحيحا, وهذه الأصوات ما هي إلا منبه داخلي يذكرها بعدم نسيان الماضي الذي تجاهد من اجل محوه من ذاكرتها .
استيقظت في الصباح بنشاط غريب , تغيرت غرفتها بشكل جميل , أشعة الشمس تتغلغل من بين قضبان النافذة والستائر , ورد بنفسجي مدهش يزين طاولتها..
- ما أجمل هذه الورود , آه أنها تبعث فيّ الفرح , سأشكر أمي لأنها وضعته لي في مزهريتي .
توجهت للمطبخ حيث أمها , قبلّتها على غير عادتها وجلست تساعدها في تحضير الفطور وهي تدندن وتغني بفرحة ... طالت أمها الفرحة وقالت ..
- وأخيرا يا ابنتي , منذ زمن لم أراك بمثل هذه الحيوية , أدعو الله أن تعودي لنا كما كنت
- نعم يا أمي , لقد عدت والفضل لورودك البنفسجية التي وضعتها في غرفتي , وكوب القهوة .
اندهشت الأم , وتبدلت ملامح وجهها , لقد وضعت فنجان القهوة بالفعل , لكنها لم تضع أية وردة ... فقالت في داخلها ...
- ماذا تقول ابنتي ؟؟ عجبا , ثم قالت لها
- أي ورد تقصدين , أنا لم أضع لك أية ورد , يبدو انه والدك , فقد أورثك هذه العادة منذ الصغر وجعلك تغرمين بالزهور مثله تماما ..
- إذا سأشكره حينما يرجع الى المنزل
- لقد خرج منذ الصباح الباكر , وأظن أن هذا وقته , هيا ضعي الأطباق على طاولة السفرة
- حاضر يا أمي
حملت فاطمة الأطباق وذهبت الى غرفة السفرة وإذا بوالدها يفتح الباب ويطل حاملا معه باقة من الورود قطفها من الحديقة
- صباح الخير يا حلوتي , ها ما كل هذا النشاط على غير العادة , تفضلي يا ابنتي هذه الأزهار لقد قطفتها لك توا .
- شكرا يا أبي , لكن الزهور التي قطفتها لي صباحا أجمل بكثير ..
- زهور , أي زهور ؟؟ أنا لم أقطف لك سوى هذه الزهور التي في يدي , قد تكون أمك من فعلت !!
رجفت يديها وأوقعت الصحون منها وكسرتها , أسرع أبوها نحوها .. لكنها توجهت لغرفتها لتحضر الزهور وكانت هناك المفاجأة ... لقد اختفت الزهور ... لقد كانت هنا قبل قليل ... صدمت فاطمة .. وكانت الصدمة عنوان جديد أضافه عبد المجيد لهموم ابنته السابقة ...
- لا عليك يا ابنتي ... يبدو انك كنت تحلمين .. لا تقلقي
- لقد كانت هنا الآن , أنا متأكدة صدقني يا أبي .. لقد شممتها وضممتها صدقوني أنا لا اهذي .
بكت فاطمة , حضنها عبد المجيد مطمئنا إياها , ومصدقا لروايتها عل هذا الشيء يخفف من الأزمة قليلا ....
دخل البيت الحزن أكثر , فعلى ما يبدو أن الموضوع معقد أكثر مما يظن الجميع , لكنهم قرروا إرجاء الموضوع للأيام آملين أن تنسجه بشكل أفضل .
أرخى النهار ستائره , وحل الليل على المنزل الحزين , فاطمة امرأة مكسورة الجناح , امرأة مسكينة نثرت جرحها على البيت كله , وأرغمت الجميع على ارتداء الألم والهم , دخلت غرفتها لتنام أغمضت عيونها مصرة على إغماض أجفان الوهم , لكنه يسهر معها واليوم كلمّها أكثر من ذي قبل .....
- مساء الخير فاطمة ...
- أعدت من جديد ؟؟؟
- لا تتصوري مدى سعادتي ... اعتيادك على حضوري الى غرفتك أعاد لي ذكرياتي في هذا المنزل ... حركني من سكون سنين ... أخرجني من قيدي المغبر المتعفن على جدران البيت .
- منذ متى وأنت تسكن هنا ؟؟
- منذ زمن بعيد جدا ... كنت أول من سكن هذا المنزل ... لم يرغمني احد على تركه سوى العمر الذي توقف عند أول محطة للمرض واصلا بي بخطوات سريعة للموت ..
- أنت غير مرئي أنا لا أراك .
- نعم ، ليست مجاملة لك , لكنك الوحيدة التي اطمأن قلبي المتوقف عن النبض لها ، زارني الكثيرون لم يكونوا أبدا مثلك , شاهدت ضعفهم وقاسيت مع صراخهم المزعج كل يوم , حتى قررت محاربتهم ليخرجوا من مملكتي الصغيرة محملين بالخوف , أنت مميزة بجراحك , بصمودك الرائع , ببكائك الجذاب الذي شجعني أن أسكن أوجاعك وأشاركك إياها , أحضنك عندما تبتسمين من غير أن تشعري , أعتقد أني ...
- قل ما بك ؟؟ لا تذهب مرة أخرى أرجوك قلها
ظهر طيف غريب أمامها , شاب وسيم يملأ وجنته النور وابتسامة على محياه مثل دواء يزيح عن القلب همه ولو كان بسعة السماء , يرتدي الأبيض الناصع , مد يده لها وقال ...
- تعالي ..
شعرت بالخوف ووجلت , خشيته فهو شبح , لم تستطع المشي ولو لخطوة ...
- تعالي , لا تخافي أرجوك , أريد أن تشعري بحضني , لا أملك قلبا , لكنك خلقت في هالة من الحنان والجمال داخلي , أسست فيّ حضارة من الدفء وأريدك أن تشاركيني إياها ... تقدمي هيا
تقدمت نحوه مترددة , لم تجد سواه حضنا لترتمي عليه وتشكو له , تأملت بشكل سريع ملامح الحنان فيه وتجذّرت فيها ورمت نفسها عليه , حضنها برقة, شعرت به يواسيها ويبكي , لقد شاهدته للمرة الأولى يبكي , هو أيضا يحتاج لمن يتشارك معه أحزانه , نظرت لوجهه الملائكي , مسحت دموعه التي ما أن حضنت يدها حتى فاحت منها رائحة عطر جميلة ....
- لا أريد أن أراك تبكي , أنت رجلي لن اسمح لأي شيء أن يضعفك من الآن .. أتسمعني ؟؟
- ما يبكيني ... وما يضعفني , أنت , ضعفك , انكسارك , أنا انعكاس لك , أتوه إذا قرأت في عينيك الضياع , ساعديني لأن أتغلغل في عمق الجراح لامحيها من روحك .. هيا اجعلي الفرحة تدخل من نوافذ غرامنا عصافير مغردة سعيدة , وابتسامتنا وضحكاتنا كل ليلة عالم آخر لا يسكنه غيرنا .. أتوافقين
- نعم
رحل وتركها لتخلد للنوم , فمنذ اليوم علمت أن هناك من يحميها من حزنها , وصارت كل ليلة تتكلم معه حتى قدوم الفجر اللئيم, الذي يفرق ضحكاتهم عن بعضها لقدوم ليل آخر يحمل في طياته عشق من نوع آخر
ذات ليلة ارتدت أجمل ثيابها, تزينت بأجمل حليها, وعندما حضر طلبت منه أن يرقص معها , أرادت أن تصل معه الى نشوة رومانسية خالصة , أن يصل الانجذاب بينهم الى ذروته ... ضمها , أمسك يدها , وبدأا يرقصان على موسيقى وضعتها ...
في هذه الأثناء استيقظت أمها لتشرب الماء , سمعت صوت الموسيقى , تتبعت المصدر , حتى قادها الى غرفة فاطمة , فتحت الباب الذي يخفي خلفه مفاجأة غير سارة ... رأت فاطمة ترقص لوحدها ... مرتدية فستانها الأبيض ...
- فاطمة .. فاطمة
استيقظت فاطمة من انسجامها , هرب الشبح وتركها
- أين تذهب , أرجوك لا ترحل , لا تخف أنها أمي ... أمي أريد أن أعرفك على حبيبي
- ابنتي ما بك , يا الهي أنها تهذي , يا أبا فاطمة , يا أبا فاطمة
هرع عبد المجيد الى هناك وأخبرته أمها بالقصة كلها , وقرر أن يعرضها غدا على طبيب نفسي ..
- حبيبي, لا ترحل انتظرني أريد أن اذهب معك
سمعت صوته يقول ....
- لا يمكن , أنهم يفرقونا ... أنهم يمزقون حبنا , يبددونه , وداعا
صارت تصرخ فاطمة ..
- لا تتركني حبيبي , لا تتركني أيها الشبح , أمي أبي , أنه يذهب , أنتم السبب أخرجوا من غرفتي هيا قبل أن ....
وتنهار على الأرض
- ابنتي .. لقد انهارت .. اتصل بالإسعاف
أسرع والدها الى الهاتف واتصل بالمستشفى , حضرت سيارة الإسعاف وأخذتها , بعد أن فحصها الطبيب , أخبر الوالدين بأنها لا تعاني من مرض مادي , أي أن مشكلتها نفسية وتحتاج لعرضها على طبيب نفسي , فشد الأعصاب الذي تعرضت له ليس ناتجا عن أي أمراض فعلية , إنما هو نتيجة لصدمة نفسية ...
في اليوم التالي توجه الأب المسكين مع ابنته لطبيب نفسي , كانت فاطمة صامتة طوال الوقت , لم تتفوه بأي كلمة , طلب الطبيب من والدها أن يخبره بحادثة كان لها الأثر عليها , فأخبره أنها تطلقت قبل فترة وهذا ما قد أثر عليها كثيرا مما جعلهم ينتقلون الى منزلهم , وفيه تطورت حالتها الى الأسوأ فقد شاهداها بعد منتصف الليل ترقص مرتدية فستان ومشغلة الموسيقى , و أيضا كانت تهذي بعبارات غريبة .. لا تتركني ... أيها الشبح .. أحبك , لقد شخص الطبيب حالتها...
- لقد أثرت الحادثة القديمة فيها , وعند رحيلكم الى المنزل الجديد , حاولت أن تتغير وان تخرج منها بخلق شخصية مثالية من عالم آخر , شخصية تمنحها ما لم يستطع زوجها السابق منحها إياه , الحنان , سيد عبد المجيد , يقف العلم عاجزا أمام حالة ابنتك الصعبة لقد تفاقمت حالتها , و أنا مضطر الى تحويلها الى مستشفى الأمراض العقلية واحتاج لموافقتك على هذا حالا, و إلا فأنت تقود ابنتك الى نتائج لا تحمد عقباها ومنها الموت أو فعل أي شيء غير متوقع بنفسها ...
- لا أعرف أيها الطبيب , كما تشاء , إذا كان هذا الأفضل لها فافعله
صرخت فاطمة و ثارت في العيادة , كيف يريدون أخذها لمستشفى المجانين , انه يحبها ذاك الشبح , ولكنهم لا يفهمون ...
- أنا لست مجنونة يا أبي , أنهم المجانين , أبي أرجوك , أنا أراه أنه يحبني , قل لي أنك تصدقني .. قل لهم أن يدعوني وشأني , أيها الشبح تعال وأنقذني لا تتركني أرجوك
لقد حضر الشبح الى هنا , صار ينظر إليها ويبكي , مد يده لها , لكنها لم تستطع لمسها , هاجت كثيرا وصرخت
- لا ترحل أخبرهم أني لست مجنونة , وأنك تحبني هيا أيها الشبح , هيا أخبرهم أنت تحب ... وتسقط
حضر الممرضين و أخذوها من العيادة لينقلوها للمصحة , و الأب المصدوم لم يجد سوى الصبر حاجزا يوقف به ثورة على الممرضين الذين يقودون ابنته الوحيدة الى الجنون .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 5
دموع في مقبرة المسيح. بقلم م. زياد صيدم ألو ..سنيور جان كارلو..نعم .. سنيور قرأت إعلان عن وجود غرف خالية للإيجار عندكم فهل ما زالت ؟ نعم تستطيع الحضور لرؤيتها ..هل تعطيني العنوان من فضلك ... نعم إليك هو ولن تجد صعوبة فهو في منطقة الجامعة .. شكرا لكم ، سأحضر حالا....... كانت مكالمة قصيرة ولكنها موفقة تحركْتُ سريعا من بيت صديق لي كنت في ضيافته لخمسة أيام لم أذق خلالها طعم للراحة ولا للمقلوبة التى أمطرني بها يوميا فقد عمل كمية تكفى لعشرة مدعوين على شرفي لم يحضر أحدا منهم في ذاك اليوم ؟ حيث حالت مباراة لكرة القدم بين فريق المدينة وفريق آخر لا أذكره لعدم شغفي في الكرة دون حراك أحد من بيته.. فقد وطئت قدامى أرض مدينة التجارة و البز نز ، مدينة الأزياء والموضة ،مدينة بغايا الليل والشواذ والجنس الثالث ،مدينة العلم والعلوم فمن هندسة العمارة إلى هندسة الطائرة وعلوم الفضاء والذرة والأدب والقانون والاجتماع ، مدينة الحب والجمال والغلاء والصخب، مدينة الرياضة وكرة القدم فلها فريقان عريقان يتصدران الدوري الأسبوعي..إنها ميلانو في منتصف الربع الشمالي من دولة أخذت شكل جزمه شتوية لسيدة تزهو بها بين سيدات المجتمع داخل البحر المتوسط كشبه جزيرة ،مدينة منبسطة تحيط بها جبال خضراء تتراءى عبر الأفق البعيد لناظر يمتاز ببصر قوى ثاقب.. مضت نصف ساعة كنت قد وصلت منتصف الشارع المكتوب في العنوان، كان مخرج محطة المترو الأرضي قد قادني إلى حيث وجدت يافطة نحاسية عفا عليها الزمن ولكن الكتابة بالأسود كانت واضحة تماما باسم الشارع فور صعودي إلى سطح الأرض، فلم يستدعيني التكلف بالسؤال عنه ،فاتجهت صوب العمارة وضغط إبهامي على زر كتب عليه اسم جان كارلو فرد على مرحبا ونطق كلمتين فقط :الدور الثالث ، دخلت متجها صوب الدرج فالدور الثالث لا يستدعى استخدام المصعد الكهربائي لشاب في الثانية والعشرين من عمره ،كان يرقب باب المصعد عندما فاجأته من الخلف ناطقا باسمه، فالتفت مرتبكا فقد فاجأته حيث لم يتوقع ..رحب بى وقادني إلى داخل الشقة وبدأ في استعراض مكوناتها ومدللا على الغرف المهيأة للسكن وكانت غرفتا نوم وضع في كل منهما سريران وكانت الغرفة الثالثة لوالدته الختيارة سنيوره لينا، ما تزال عفية البنية مبتسمة الوجه خفيفة الروح من شكلها الذي دل عليها ومن الوهلة الأولى كان تقييمى لها من بشاشة وجهها الذي يقفز منه نور غريب !! قبل أن نكتشف بأنها أكثر من رائعة ثم الصالون والمطبخ وحمام وحيد ولكنه كان متكامل ومتسع. بعد اقتناعي بالأجرة الشهرية، ورخصها مقارنة بالشقق الأخرى ومكانها القريب من الجامعة فهي تبعد خطوات لا تتعدى خمس دقائق مشيا على الأقدام ،المواصلات الميسرة السريعة المحيطة بالمكان حتى أن إحدى محطات القطار الفرعية كانت على بعد خطوات أيضا ، فقلت وهل من تليفون سيدي فقال نعم وتستطيعون استخدامه فقد وضعت عداد حتى يسجل المتحدث مكالماته فلا يحدث مشاكل بينكما وهذه الفكرة اهتديت لها عن تجارب سابقة..! فابتسمت له قائلا سأجرى مكالمتين الآن وان لم نوفق بالسكن هذا فعلى من نسجلها ؟؟ فقهقه طويلا وخرجت من قلبه الضحكات وربت على كتفي قائلا من زمن لم اضحك هكذا أيها الشاب طبعا سأوقعها باسمي جان كارلو وقهقه ثانية فاستبشرت خيرا من تلك الوجوه الطيبة المبتسمة فحتى أن سنيوره لينا شاركتنا الضحكات دون أن تعلم عن ماذا نتحدث ، وللحقيقة ما أن علم من حديثا ونحن ما نزال واقفين بعد باني فلسطيني حتى كاد وجه أن ينطق بلوعة وحنين إلى بيت لحم حيث مهد المسيح عليه السلام ، فظهر واضحا بأنه من الأسر المحافظة ، فقمت بالاتصال سريعا لصديقين يبحثان عن سكن مثلى فهي فرصة وتوفيق من الله فوافقا على الفور وخولاني بالتصرف، وفعلا تم حجز الغرف بعربون دفعته لجان كارلو حتى الغد لاستقدام الشباب والأمتعة وما شابه فأعطى لى مفاتيح الشقة والبوابة الكبيرة السفلية للمبنى على أن نلتقي غدا في وقت نتفق عليه ونكون قد جئنا بأمتعتنا .. في اليوم الثاني كان بانتظارنا وصنعت والدته سنيورة لينا لنا القهوة قائلة قولها المشهور وهو مثل قديم روماني فاصلها من مدينة روما وكان والدها يعمل في سراي ضخم لملك روما آنذاك، قالت: القهوة تشرب ساخنة ونحن جالسين ولا يجب أن نفكر بشيء آخر؟ فقلت لها وهذا يعنى بان لا نتحدث نهائيا ونحن في نشرب القهوة احتراما لها فقالت نعم وكانت جادة ومصرة على قولها المأثور فعلمت بأنها فعلا تنحدر من جيل آخر وما تزال تحافظ عليه، تماما كما يفعل كبار السن في بلادنا.. كانت سيدة فاضلة في الثمانينيات من عمرها وهى لا تعترف بسنها وتحاول أن تختصر سنوات كثيرة شأنها شأن جميع النساء في العالم، فهذه سبحان الله ميزة نساء الأرض وستلاحقهن في السماء إن لم أكن مبالغا لولا خلود البشر هناك لأقنعتكم بهذا ...؟؟!! كانت تلك الجلسة الأولى بداية ومدخلا للتفاهم على كثير من الأمور الهامة مثل حريتنا في التحرك والتصرف وهنا تدخل ابنها محاولا الظهور بان تلك الأمور لا تعنيه قائلا :كان قبلكم عمال عرب لم أرى في وجوههم هذه البسمة والثقة في حديثكم فقلنا جميعا هناك فوارق يا سيدي ما بين الطلاب والعمال فنحن غير منتجين ونعرف كبرجوازية صغيرة وهم يشقون ويكدون وينتجون لهذا تجدهم عابسي الوجوه آخر النهار..قطعت حديثنا الختيارة وهو الاسم الذي شاع بيننا على مدار سنتان تقريبا متجه بالقول إلى ابنها لو كان ابنك ما يزال حيا لكان في أعمارهم وبدأت في البكاء العنيف لم نرى مثله أبدا أو أننا لم نعتقد بأن هذا العالم المادي قد يبكى ويحزن مثلنا ونحن الذين نعطى للروح والمعنويات كل حياتنا.. واتفقنا على أننا أحرار بالتصرف وباستخدام المطبخ واستقدام الأصدقاء من كل لون !! على أن نحترم خصوصية الختيارة فلا نفتعل الضجيج أو نزعجها في غرفتها بعد العشرة ليلا حيث اكتشفنا لاحقا بأن شخيرها كان يسبق العاشرة دوما..فزدناه القول وهذا من اجل الجيران أيضا فنحن نعلم القوانين ونحترمها فلا عليكم بهذا.. وهكذا يوما بعد يوم بدأنا في التأقلم مع وجود تلك الختياره في غرفتها فهي لا تخرج منها إلا لقضاء حاجتها أو المكوث لوقت قليل في المطبخ وتبقى أمام التلفاز الذي ما زال أبيض واسود، كان يأتي لها ابنها ثلاث مرات أسبوعيا قبل أن نريحه من مشوارين على الأقل فاكتفى بالقدوم مرة واحدة لاحقا.. وأحيانا يعتذر منا لانشغاله فنغطى له الأسبوع كاملا عن طيبة قلب وخاطر ، تدفعنا إليها حاجتنا الغريبة واستئناسنا بتلك الختياره، وشعورنا بنوع من أجواء الأسرة المفقودة.. فكنا نتسابق على تقديم السباغيتى وأحيانا بعض من قطع البستيك من لحم البقر حتى أننا وجدنا في كثير من الأحيان في ثلاجتها الصغيرة الموجودة في ركن قرب النافذة في غرفتها، قد تكدس الطعام فهي قليلة الأكل وحريصة جدا على صحتها، فكان طعامها اللبن والجبن وما نقدمه من سباغيتى ساخن تفرح به كثيرا.. اعتاد جان كارلو الحضور في الفترة الصباحية محضرا لها الفاكهة والطعام الذي لا يأخذ وقتا في التجهيز ويجالسها نصف ساعة و يمضى خارجا.. وهى تحضر بنفسها غذائها منتصف النهار تماما كما هي عادة أهل البلاد ، فلا نراها في المطبخ أبدا لاختلاف المواعيد بيننا..وللحقيقة شعرنا وكأنها جدة لنا جميعا وفى يوم الأحد حيث العطلة الأسبوعية نستمتع مع ابنها بالحديث والاستشارات المختلفة، فلم يبخل علينا بشيء حتى في بعض خصوصياتنا وأسرارنا الشخصية ومغامراتنا كان لنا الناصح والمستشار، بحكم خبرته وسنه ودرايته، فأصبح لنا صديقا عولنا عليه كثيرا في بعض القضايا الهامة على المستوى الشخصي والعاطفي تحديدا ،كان رجلا وصديقا بمعنى الكلمة..كان جان كارلو قد قارب على الثامنة والخمسين من عمره، يهتم بصحته وخصوصا بشعره حيث كان يضع الجل فيبدو لامعا، وبتسريحة دائمة قد اعتاد عليها تظهره في نهاية الأربعينيات من عمره. تعرف على أصدقائنا ومعارفنا الذين كانوا صدفة ينامون عندنا.. ففي الصباح حيث يصادف وجوده يوم الأحد كان يعمل القهوة لنا بنفسه، ونجلس معا نتحدث بأمورنا، ومشاكلنا الدراسية وبقصص من مغامرات الأصدقاء مع الحسناوات فهذا قد فشل في تعليق واحدة من أسبوع يرمى بغزله دون فائدة.. وآخر سيذهب اليوم لمقابلة حسناء قد يبدءا مشوارهما معا.. وآخر مازال على العهد مع صديقته الشقراء لا ينطق إلا بالقليل عنها وهكذا.. نتحدث دوما بالسياسة ففي كل مرة يأتي بصحيفة الكورييرا دلا سيرا حيث الصفحة الخارجية، وبعناوين عن فلسطين أو العراق أو لبنان ونذكر جيدا عندما زار الراحل عرفات روما ، واستقبله البابا لم يستطيع جان كارلو النوم حتى يعلمنا بذلك عبر التليفون وصوته يرقص طربا وفرحا..كان مناصرا لقضايانا بحزم وقناعة..تعرف على صديقاتنا وزميلاتنا في مناسبات متعددة فكان يروج لنا كثيرا وعن قناعته مازحا معهن بأنهن محظوظات فعلا عن ربيباتهن من الأخريات ..!! ،كنا ندعوه بيننا وفى أعياد الميلاد المسيحية كنا نقيم حفلة صغيرة لسنيورة لينا احتراما وتكريما لها ،ندعوه بيننا ثم نذهب نحن ويمكث هو مع والدته منشرحين ،فرحين،كأننا أسرة واحدة، كان منفصل عن زوجته منذ خمسة عشرة سنة وفاقد لولده الوحيد بحادث سير مروع ، نجا هو وزوجته السابقة بأعجوبة،كان يقيم وحدة في شقته الصغيرة في القسم الآخر من المدينة.. جاء صيف حار وعلى ما اذكر كان في عام 1986 تأثرت به الختيارة كثيرا وبدأت في الظهور عليها علامات التعب والإرهاق، ونوع من الدوخة وعدم القدرة على المشي مما أضرها للمكوث على السرير ولم يمض وقت طويل حتى توفاها الله ، وقد اكتشفنا ذلك صباحا..ماتت بهدوء لم تتعذب في مرضها، فقد كانت حتى الأمس تتكئ على عكاز أحضرناها لها في الآونة الأخيرة لأن الدوخة كانت تصيبها في أي لحظة ..وقمنا بإعلام ابنها على الفور.. الذي بدأ فورا بعمل الإجراءات اللازمة من بلدية ومقبرة ونحن في ذهول من الأمر.. فقد عز علينا فراقها كثيرا وقمنا بمرافقة الختياره (رحمها الله) إلى مقبرة المدينة البعيدة حيث إست قلينا سيارتين من سيارات أصدقائنا، وسرنا خلف عربة البلدية المخصصة للموتى حيث ركب ابنها معنا وجاء آخرين من معارفه وأصدقائه ولكنه فضل أن يكون معنا.. ونحن وللحقيقة قد فضلنا أن يركب جوارنا وهناك بعد أن انهوا الصلاة عليها في كنيسة صغيرة بنيت خصيصا لهذا الغرض كنا ثلاثتنا ورابعنا جان كارلو ،فقد تنحى جانبا أصغرنا سنا ، لإفساح المجال لجان كارلو أن يأخذ مكان له لنمسك جميعنا بأطراف أربعة لحبال غليظة ، تمسك تابوت خشبي من جهتيه الأمامية والخلقية يحتضن بداخله الختياره لينا، التى كانت على مدار سنتين بمثابة جدة للجميع وأكثر !! وبدأنا في إنزاله رويدا ..رويدا حتى لامس أرضية القبر الذي حفر مسبقا وسحبنا الحبال وبدأت جرافة صغيرة جدا بإزاحة الرمل عليه حتى امتلأت الحفرة فأخذنا المعاول وبدأنا في تهيئة الرمل وتسويته ورش قليل من الماء طلبناه نحن لهذا الغرض، وغرسنا نبات أخضر عليه ونثرنا بعض الورود ..كان المشهد حزينا والوقت يمر ثقيلا، وانسكبت منا الدموع الصادقة وامتزجت بالماء المرشوش على قبرها.. فكأننا ندفن جدتنا التى لم نراها في حياتنا أو لم نتمكن من المشاركة في جنازتها وطقوس الدفن والعزاء فقد توفيت جداتنا جميعا ونحن في الغربة، فقمنا بكل واجبنا تماما والألم يعتصر قلوبنا فقد كانت لنا أكثر من أم صديق لنا..فشعرنا كأننا في طقوس جنازة في بلادنا.. وبعدها أخذنا تعازي جان كارلو ودعوناه للبيت فورا وهناك عملنا القهوة السادة وتقبلنا التعازي من المعارف والأصحاب على مدار 3 أيام ..كان خلالها جان كارلو بيننا والدموع لم تجف من عينيه حتى أصبحتا كالجمر وقبل أن يودعنا قال جملته التى لا تنسى: لم أتوقع أن أرى بعيني ولا بحياتي ملائكة على شكل إنسان..فانتم تستحقون الحياة لا الموت الحاصل لكم، والقهر الواقع عليكم ..فما فعلتموه لا وصف له عندي ولا اعتقد أن أجد وصفا من آخرين هنا يوفيكم حقكم.. كان يتحدث وعيناه المحمرتان قد اغرورقا بدموع كانت تحمل أكثر من معنى؟ وأكثر من ثناء..؟؟ وفى اليوم الثاني كنا قد قررنا جميعا دون استثناء ترك الشقة نهائيا، فلم نتعود هنا أن نعيش بدون جدتنا !!فالمكان أصبح موحشا والهواء ثقيلا والفرحة قد اختفت ومضت إلى غير رجعة.. واستمرت علاقتنا لاحقا بالرجل الكريم والصديق الوفي الرائع عبر التليفون ، وأحيانا في مكان نتناول فيه فنجان قهوة لنستأنس برأي أو مشورة في أمر يتطلب دراية وحكمة .. و هو لا يدخر قولا وتعريفا بنا إلى معارفه وشعبه فيقدمنا كملائكة تمشى على الأرض، هكذا كانت كلماته.. وما يعنينا من الأمر سوى ردة الفعل من شعب نعيش بينه ونأخذ من علومه وعلمه بأن يزداد حبا ونصرة لقضيتنا فنشعر بشعور لا يوصف من الفخر وبأمل يدفعنا نحو الرجاء والنصر..لقد دفنا سنيورة لينا هناك منذ اثنا وعشرون عاما وما تزال ذكرى الدموع في المقبرة خير شاهد . إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هارون الرشيد
- الزيارات: 5
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عمر حمّش
- الزيارات: 4
من لهيب الذاكرة المهاجرة
مواسمنا في عسقلان
عمر حمّش
تقول راويتي الطاعنة:
واعلم يا ولدي أنّ لنا في بلادنا – قبل أن يطردنا اليهود – مواسم أفرحت الكبير قبل الصغير، وأعدّت لها الملابس الزاهية من قبل أيام، واستعرض لها ما اشتهي وطاب، وأنّ أعظم شهورنا كان شهر نيسان، الذي فيه البلاد تغدو حديقة، والفضاء يعبق بأريج الأزهار، والأمواج الهادئة تتهادى مختالة على صفحة بحر عسقلان الوسيعة! وأننا يا ولدي تعودنا - قبل مجيء اليهود - أن نقسّم أسابيع نيسان الأربعة، ونصنّفها أبا عن جدّ، تصنيفا مدروسا لا يختلّ!
فالجمعة الأولى أسميناها التائهة، ذلك علامة بدء شهرنا الجميل، أمّا الثانية فالنبات، على تقدير أنّ الأرض تستكمل زينتها فيها، وتفصح الأنواع عن تلاوينها، وتبدأ مجدل عسقلان باستحلاب مكنونات البساتين، وأزهار جنبات الحوا كير، المتسللة تحت أكعاب أشجار الصبار الهائلة!
أمّا الثالثة، فخصصناها يا ولدي لزيارة القبور، للترحم على الأرواح المغادرة، والتذكر لمآثرهم، واستجداء الخالق أن يعطف في شأن مخا ليقه!
والرابعة الأخيرة، وهي مربط الحصان في الشهر كلّه، فكانت الحلوات، نسبة لما يجري فيها من ابتهاج، ورمزا لما يصرف فيها على صناعة وشراء الحلويّات!
وأهمّ ما في ذلك الأسبوع نصفه الأخير، من الثلاثاء إلى مساء الخميس، ففي الثلاثاء كانت المجدل تستقبل الآلاف المؤلفة من فلسطين، فتصطحبهم إلى شاطئها الجميل، المعدّة منذ أيام خيامه، والمنتشرة عليه بسطاته، لتستعرض عسقلاننا أسرارها، وتعلن في إبرة أيوب أبهى زينتها ، وتبدأ بممارسة ألعابها، فأولئك الفرسان يتسابقون، وهناك الأولاد يتأرجحون، وزمر الرجال - بهنادي الألاجا أو الشامي - يتبارون، أو يرقبون جمال الصّبايا الفتّان، وهنّ بثياب الحرير، يهزجن أحلى المواويل، ويناشدن البحر منح الشفاء مثلما منح من قبل - ببركة الله - أيوب العليل، وللعاقر كانت يا ولدي فرصة الحمل العزيز!
كلّ هذا والبحر هادئ رقراق يؤدي طقوسا متسقة مع الموسم المعتاد، ويقلّب على شاطئه ويدحرج الصّغار!
تقول راويتي الطاعنة:
ويستمر الأمر إلى المساء، فيبدأ الناس بالانتقال - وليس الرحيل - إلى تلال عسقلان التاريخية، ويبيتون ليلتهم في رمالها الذهبية، تحت أشجار الجميز العملاقة!
وفي الصباح يتدفق الخلق من جديد، على مواسم وادي النّمل الشهيرة، فيتزاحمون كما النّمل على التلال، ويبدؤون من جديد، لا شيء يعكر صفوهم، ولا مكرهة تفسد غبطتهم، وما كان جرى على البحر يجري على التلال، منذ الصباح إلى أن يقطف البحر قرص الشمس الجميل!
عندها يا ولدي يحتشدون، كأنّهم إلى ساحة وغى ذاهبون، وفي لحظات يمسون جيشا عرمرما، تقودهم فرق الدراويش المرعدة، والفرق الكشفية صاحبة الطبول الهادرة، والمدائح تنطلق إلى عنان السماء، وتسمع بين الحين والأخر أشخاصا يهدرون:
- دستور يا حسين!
ذلك موسم سيدنا الحسين يا ولدي، الذي كان - قبل مجيء اليهود - يبدأ مساء الأربعاء، يقود جحافله شيخ مجدلي، فيخرج على الناس ممتطيا فرسه، رافعا من فوق عمامته البيضاء( سنجقه ) يجاوره عشرات الفرسان، والمشايخ، ويمضي الركب العظيم، مومضا في بقايا غسق الشمس المغادرة!
وتقول وهي تهتز:
وعند خروج السنجق العالي من ضريح سيدنا الحسين، تنصفق الكاسات ، والطبل يجنّ، وزفة ( السنجق ) تحتدم من الحسين إلى المجدل!
واعلم يا ولدي أنّ موسم الحسين في بلدنا كان أعظم المواسم، لا يضاهيه ما كان يجري في فلسطين كافة من مواسم وأعياد!
أمّا الزفة فتدخل البلدة، وكلّ جوقة آتية ترفع رايتها، وتصدح بضرب صوانيها، حتى يصلوا جميعا إلى باب مسجدنا المملوكيّ، وعندها يدخل الشيخ ( بالسنجق ) ويرفعه فوق المنبر، ثمّ يبدأ الخلق بالعودة حالمين!
فيكون في الصباح يوم الخميس، وهو يوم الحلوى يا ولدي، المنتشرة بكلّ أنواعها كالقرعية الصفراء، والشيشية البيضاء، وكذلك ( الطقاطق ) الأخرى كالفزدق، والبندق، والجوز، واللوز، والقطين، والزبيب، فينتشر أهالي القرى على البسطات، يشترون لعوائلهم بالأرطال، فتكون مؤونة لشهور!
وتدمع محدثتي العجوز، وتضرب كفا هزيلة بكف:
أما أهالي المجدل يا ولدي فكانوا يبدؤون بتبادل الأطباق المحملة بحلوى الموسم، ( وطقاطقه ) وترى الناس يهنئون الناس، والنسوة يقبلن النسوة، كأنهم في أعظم يوم!
وتتنهد راويتي والدمع يجري في عينيها الرانيتين إلى البعيد، وتتمتم:
كلّ هذا قبل أن يطردنا إلى المخيمات اليهود!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 4
تعود سكان مدينته البعيدة عن شواطئ البحر في بلد مترامي الشواطئ أن ينطلقوا تجاه المناطق الساحلية في كل صيف، وفى هذا الصيف بالذات قرر سعيد أن يذهب هو الآخر بعد أن أقنعه صديقه بسحر وجمال المكان، فلولا زوجته التى أصرت على قضاء هذا الصيف في بلد مجاور لكانوا هناك كعادتهم المتبعة من سبع سنين .. وصل سعيد إلى المصيف حسب العنوان بعد غياب الشمس وكان تعبا مرهقا من عناء الطريق المزدحمة بآلاف الزاحفين و المنتشرين على الطرقات وفى المحطات يقصدون الشواطئ التى بمائها المالح يتخلصون من عوالق وشوائب على أبدانهم وفى عقولهم على مدار عام كامل فيرمون أثقالهم من الهموم والجراح والأفكار التى وسوست بهم في مياه البحر المالحة. نام ليلته في البنسيون الملحق بالمصيف وفى الصباح استيقظ على صوت يدق عليه باب غرفته ومن خلف الباب صوت الشغالة برق و حنان تطلبه بالنزول إلى القاعة للفطور.. عندما انتهى من قضاء خصوصياته لبس ملابسه التى تناسب حياة المصايف في شهر أغسطس الحار ونزل عبر سلم داخلي يربط الطابقين الوحيدين إلى القاعة والاستقبال ، اختار طاولة صغيرة تتسع لاثنين وما أن جلس حتى جاءته فتاة يافعة تحمل صينية بتا فنجان من الكابوتشينو وقطعة جاتو وعصير برتقال وبيض مقلي أضيف إليه شرائح من المارتاديلا وفى صحن كان المربى والزبد .. شعر براحة غامرة فقد تذكر كلام صديقه عن المكان وخدمته الراقية ووفرة وكرم أصحابه مع زبائنهم الدائمين في كل عام ، نظر بعينيه متفحصا القاعة والحضور ومر على معظم الوجوه الجالسة فلم يتأخر أحدا فقد كانت القاعة ممتلئة بالنزلاء ولفت نظره فتاة كانت تقد اختارت مثله طاولة صغيرة ..كانت هي بلحمها وشحمها فقد لمحها أمس لحظة وصوله إلى صالة البنسيون فابتسم لها ملقيا تحيته فردت عليه التحية . ما بين البحر ورمال الشاطئ ، وما بين عصائر مثلجة وساندويتشات خفيفة مر الوقت سريعا، وقرُبت الشمس إلى المغيب فبدأ في لملمة حاجياته للعودة للاستراحة واخذ حمام من المياه العذبة، وما إن وصل حتى بادرته صاحبة البنسيون بإعلامه عن موعد العشاء وعن مفاجأة للنزلاء الجدد ؟؟.. تجمعت أسرة البنسيون في المعاد المحدد وكان في الهواء الطلق في مكان تم إعداده بعناية فائقة فالكل يحاول تقديم أجمل ما عنده لراحة الزبائن الدائمين لكسبهم في كل عام، وهذا ما يحدث فعلا فالجميع هنا من النزلاء قد تعودا على القدوم كل صيف وهم يعرفون بعضهم البعض جيدا، وعلى أنغام الموسيقا المتنوعة ما بين الرومانسية الهادئة والصاخبة وانبعاث روائح الشواء الشهية التى تسيل اللعاب في المكان استعدادا لحفلة العشاء الرئيسية المعتادة فقد كان الجوع يضرب الجميع لم تخفيه فرحة الوجوه حول مواقد الشواء الذي تنوع ما بين اللحم والأسماك والدجاج فالجميع طوال اليوم قد أنهكوا جراء السباحة وأشعة الشمس اللآفحة والهواء والأكل الخفيف الذي لم يكن يستقيم مع جهد يوم حافل ... جلس سعيد إلى ركن بعيد بعض الشيء فما زال غريبا عن الجميع، واختلس نظرات متفحصة يستكشف الحاضرين، يبحث عنها عله يجد رفيقته فهو وحيدا كغيره ،شعر بارتياح يملأ قلبه عندما لحظها حيث كانت هناك جالسة وحيدة تبدو عليها علامات إحراج وتململ فهي أيضا مستجدة على هذا المكان... تبادلا النظرات و التحية للمرة الثانية .. لم يمر وقت طويل حتى تقدمت صاحبة البنسيون تعلن للجميع عن ضيفين جديدين ينضمان إلى المجموعة لهذا العام فتنبه سعيد إلى ذكر اسمه واسم آخر لفتاة فهز رأسه وعرف بسريرته أنها هي كلاوديا كان اسما على مسمى فعلا كصاحبته، حيث قدمتهما لمجموعة المصطافين الذين جاءوا من أنحاء مختلفة ليقضوا إجازاتهم كأسرة واحدة فصفق الجميع لهما ودعوهم للمشاركة بالرقص على حلبة أعدت لهذا الغرض أشبه بخشبة مسرح تعلوها أضواء ملونة تضيء وتتحرك حسب الأنغام الموسيقية، وعلى وقع هذه الأنغام الرائعة السابحة في أرجاء المكان الذي تلون بألوان الليزر المختلفة المنبعثة من السقف كأنها سماء اقتربت بنجومها المتلألئة، تقدما بخطوات مترددة ولكن سرعان ما تشابكت الأيدي في الرقص معا بناء على الدعوة الموجهة وكان التصفيق صاخبا ترافقه أصوات الإعجاب والفرح.. بعد انتهاء الوصلة الراقصة ،قامت صاحبة البنسيون بدعوتهم للعشاء على نفقتها الخاصة هذه الليلة كتعارف وهى عادة تتبعها لكل مستجد تنم عن كرم وحسن ضيافة... جلس سعيد بالقرب من كلاوديا واستكملا التعارف أكثر وتبادلا الضحكات وانسجما مع الجميع في ليلة رائعة وسهرة جميلة استمرت حتى ساعات الفجر الأولى ، بعدها عاد الجميع إلى مضجعه منشرحا ومنتشيا وراضيا وقام سعيد بمرافقة صديقته الجديدة حتى باب غرفتها وحتى الغد افترقا على موعد باللقاء سبقتها ابتسامة عذبة من ثغرها الساحر.. في صباح الغد عندما استيقظ سعيد قام بطلب كلاوديا عبر التليفون مستفسرا إذا كانت ترغب في شرب القهوة وتناول الفطور بصحبته فأبدت سعادتها وموافقتها الفورية .. مرت ربع ساعة بالضبط عندما حضرت كلاوديا و على ثغرها ارتسمت ابتسامة عذبة و بدت مشرقة الوجه بنضارة تتفتق من وجنتيها وشفتيها وبشعرها المسدل إلى أسفل أكتافها دون كوابح تلجمه وبقوام ممشوق تناسقت فيه أنوثتها بملابس صيفية خفيفة .. تناولا القهوة ثم طلبا الفطور وأشعلا سجائرهما معا و حدثها بكل صراحة عن وحدته فهو هارب من قصة أدمت قلبه الكبير العامر بالحب ما يزال !! فابتسمت مقتنعة وراضية ونطقت مختصرة حديث لم يكن معاده قد حان بعد !! أنا أقضى إجازتي وحيدة هنا يا سعيد ولم تسترسل بالحديث كثيرا ؟! ثم غيرت الموضوع سريعا وبذكاء واضح تخفى شيئا تريد له الكتمان في هذا الوقت هكذا فهم سعيد بذكائه وخبرته قائلة بأنها مندهشة من اسمه الغريب فقهقه وأين الغرابة تساءل.. نعم فانا غريب فأصابتها بلبلة للحظات فسارعت بالقول أأنت أجنبي ؟ لم أتخيل هذا فلهجتك وشكلك لا يدلان على ما تقول فقد اعتقدت أنك من احدي مدننا الجنوبية فرد : لا عليك فانا من منطقة الجنوب في بلادنا !! .. ولا فرق وقهقه عاليا وأردف قائلا : الجنوبان متشابهان عندكم وعندنا في الكثير من النواحي وضحك مرة أخرى وضحكت هي أيضا .. سألته عن إقامته حاليا فلما أجابها بدت عليها علامات الارتياح والفرح يا للصدفة فانا أقيم على ضواحي مدينتك وأعمل محاسبة في البلدية فابتسم وشعر براحة غريبة في أعماقه وهمس لها نحن الآن أصدقاء على الدوام ولن نكون مثلهم مجرد صداقات موسمية فابتسمت ابتسامة فيها نوع من الذكاء والحذر ! وهذا يعتمد عليك يا سعيد قالت....؟؟!! حاول أن يستوعب الموقف ولكنه أجل فهمه وتحليله لما بعد..... انقضى النهار سريعا كما الأيام والأوقات الجميلة بالعادة تمضى، وفى المساء قررا الانفصال عن المجموعة والذهاب إلى مكان مجاور للعشاء استدلوا عليه من دليل البنسيون حيث طلبا أطباق من السمك الطازج والذي يميز المكان وشربا قليلا من الجعة و النبيذ الأبيض الذي قدمه المطعم متناسبا مع الأسماك كعادة متبعة.. شعرا بالانتعاش الذي بدا واضحا على كلاهما وحركاتهما فقد ذابت الحواجز بينهما ورفع التكليف..!! واقتربت الشفاه المرتعشة تمثل مرآة لكل منهما وحاجة كل واحد للآخر.. كانت قبلة تعلن بداية لعلاقة حميمة لم يسمحا للقدر أن يقف حاجزا بين رغبتيهما الجامحة في هذه اللحظات.. مضت الأيام سريعا كلمح البصر وكانت سعادتهما مع بعضهما تتعمق في كل دقيقة وساعة تمر فلا يفترقان فنالا إعجاب جميع من يراقبهم، وبدئوا ينسجون حولهما قصصا وحكايات في غيابهما وفى وجودهما أضفت نوعا من التغيير والمرح على الجميع . عندما قرب موعد مغادرة سعيد بعد اقتراب انتهاء مدة إجازته حيث يتوجب أن يكون في عمله في اليوم الحادي والعشرين من يوليو فقد بقى على هذا التاريخ ثلاثة أيام فقط حيث لم يعد مرغوبا به فكلما كان يقترب هذا اليوم كلما شعر سعيد وتهيأ له بأنه وحش يريد الانقضاض على سعادته فيرغب بقتله وهكذا يتخلص منه ويبقى مجاورا إلى حبيبته .. بينما هو في تخيله طالبته كلاوديا أن يمكث يوما آخرا فوافق.. وفى الغد كانت في وداعه وهى تقول له هذا عنوان عملي وتليفون مكتبي الخاص ؟؟ سنلتقي بعد أسبوع حال انتهاء إجازتي اللعينة !! ... لن يؤخرني عن لقائك إلا....أطبقت يدها على فمه قائلة لا تكمل سنلتقي إن شاء الله فأحس بدفيء يدها وحرارتها التى تعكس وهج قلبها المتدفق بالحب .. رافقته إلى محطة فرعية قريبة فاحتضنته دون تقبيله على أمل اللقاء به من جديد.. وطبع قبلة على جبهتها وبنظرة اشتياق وألم من كلاهما على لحظات الفراق تخلص من ذراعها بهدوء بعد أن سلمها رسالة قصيرة كتب عليها عنوانه ورقم تليفونه، وسطور تمنى فيها أن تتكرر برؤيتها ثانية وقريبا.. أوشك القطار على الحركة وصفارة المراقب بدأت تصرخ بصفير يقترب فترتجف لها طبلة أذنيهما ، تحذرهم فيها لآخر مرة بالصعود وبإغلاق الأبواب...فكانت إشارته التالية بالوداع من خلف زجاج الشباك وهى ما تزال هناك واقفة حتى اختفى القطا ر عن الأنظار...... انتظم سعيد بعمله بالتاريخ المحدد وكانت تبدو على وجهه حيوية ونشاط غير معهودين، وعينين فيهما بريق على غير عادته، انه إحساس فريد من نوعه يكتسح مشاعره فتفيض على حركاته ونظراته وتصرفاته مع زملائه وغير هم بشيء من الارتقاء والتسامي، إنها سعادة في أعماق قلبه الذي عاد ليخفق، فتنعكس على مجمل حياته بعد أن اكتست بحلتها من جديد..!! لم ينقض الأسبوع بعد حتى دق تليفون منزله من المتحدث.. أجابت أنا كلاوديا لقد وصلت الآن محطة القطارات المركزية !! كيف أستطيع الوصول إليك ؟؟ فاخبرها برقم الحافلة الثاني عشر التى ستستقلها و مطعم البيتزا الذي ستزل أمامه حيث سيكون في انتظارها.. وهو في طريقه إلى المكان المحدد تذكر بأنه باق لها خمسة أيام على انتهاء إجازتها هناك، حيث البحر والهواء والراحة والاستجمام فحك رأسه مبتسما.. ولكنه لا يريد أن يستبق الأحداث وما هي إلا دقائق حتى نزلت كلاوديا من الحافلة وكانت المفاجأة فهي ما تزال تحمل بيدها حقيبتها الكبيرة وهذا يعنى أنها لم تذهب لبيتها وجاءت مباشرة إليه...!! وما أن اقتربت منه حتى ارتمت بين ذراعيه هامسة له هناك لم أعد أحتمل البقاء دونك حيث صغر البحر على كبره وضاق بى الكون على اتساعه و اختنقت أنفاسي بدونك وبدا الناس هناك كالأشباح في نظري ولم يعد للحياة طعما في غيابك.. لقد جئت لأمكث معك بقية إجازتي فهل تسمح لي ! فأجابها تسبقه لهفته واشتياقه هذا أجمل كلام أسمعه في حياتي وسكت منطق الكلام واصطحبها منطلقا إلى شقته ..وهناك سُمعت أصوات الموسيقا الرومانسية التى استمرت تنثر أنغامها حتى ساعات الفجر !!. في اليوم الخامس والأخير والذي حسبته بدقة متناهية ؟؟ سألته بصراحة إن كان قد فهم شيئا عن وضعها الخاص ،فأجابها فكرت في كثير من كلماتك الغامضة أحيانا ،ومن الممكن أن أكون قد فهمت بأنك.....أجابته بعد أن قطعت عليه الكلام نعم فأنا متزوجة ولكنى لا أحب زوجي فقد كان زواجي منه نتيجة لأوضاع مركبة يطول شرحها.. فأجابها سعيد كنت أشك بذلك من دلالات كلماتك وإجاباتك المتقطعة وأنك تبحثين عن شيء مفقود بداخلك يا كلاوديا ولكنى لم أكن متيقنا ولكنك أخطأت العنوان !! فانا لا استطيع السير على هذا الطريق وبيننا رجل آخر يحول دون تواصل مشاعري تجاهك فهذه أنانية مفرطة حد القسوة بل انها سادية لن أمارسها على الآخرين فهو أحق منى بجسدك وحبك الذي بمرور الوقت قد يحن قلبك له يوما ما...؟ فليس من أخلاقي أو مبادئي أو عاداتى في الحياة أن ابني حبا على أنقاض وعذابات الآخرين وتعاستهم فهل نسيت بأني أنحدر من بلد يعانى أهلة الحرمان و قهر العالم وسادية المحتلين .. فاني أعتذر لقلبي ومشاعري الصادقة.. ولقلبك أن يتراجع ويُحكم العقل فمن يحب بصدق لا يتمنى إلا الحب والخير للجميع.. ولتكن أيام سعادتنا القصيرة التى أمضيناها معا ذكرى نتذكرها دوما فهي لا تمحى من الذاكرة.. فهي هنا مغروسة في ركن عميق في قلوبنا الكبيرة والعامرة بالحب والبعيدة عن معاني الأنانية والخيانة للآخرين فهم هناك ينتظرون عودتك بشوق .. هنا أيقنت بأنها نهاية قصة حبها العابر فأخرجت من حقيبتها وردة حمراء وتركتها على الطاولة، وبنظرة حزينة صادقة إليه بدموعها ألقت و مضت.. و هو هناك متسمرا في مكانه كالتمثال ولكن من عينيه تحركت دمعتين تدحرجتا على صحن خده ومسحهما بيده اليمنى من على لحيته الخفيفة.. فكانت النهاية. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سلطانة نايت داود
- الزيارات: 6
1
هو: ساعاود الاتصال بعد 10 دقائق
مرت 24 ساعة دون ان يتصل بعثت له رسالة بريدية تقول " مازلت انتظر نهاية العشر دقائق"
رد برسالة اخرى "بهذا الجواب.. انتظري 25 دقيقة اخرى"
2
العاشقة: حبيبي غدا عيد الحب..
العاشق: اين يصلون حبيبتي؟؟
3
- الجارة: حمدا لله على سلامته
- المرأة: ربنا يخليك
- الجارة: ابنك ابن حلال و يستحق كل الخير
- المرأة: شكرا
- الجارة: فرحت جدا لسماع الخبر.. اين هو؟
- المرأة: في السجن..
4
هو: مابك؟ تحدثي .. لا تظلي هكذا .. صامتة..
هي: انتظرك حتى تنتهي من اشغالك؟
هو: اذن.. تصبحين على خير..
5
-
الصديق: سمعت انك توزع دواوينك على اصحابك.. يا رجل الا تقول صاحبي اولى بها؟
-الاديب: اسف و الله لم انتبه.. هذا ديواني، و هذا توقيعي عليه..
-الصديق: ديوان واحد فقط؟ تعرف صديقي ان الجرائد لم تعد صالحة للف الاغراض