القصة والرواية
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رياض أبو بكر
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 5
البحـــث عن أمــل
أقبل الصبح يرتشف الندى، ونهضت البلابل تراقص زهرَ الرمّان، سكونٌ يصارع ضوضاء الصباح، استيقظتْ الطفلةُ أمل ابنة الخمسة أعوام من سريرها في زاويةِ البيت القديم، حملت دميتَها وخرجت حيث الحديقة، لا ترى في مقلتيها سوى عالمٍ باقٍ من سراديب الحقيقة.
فرخُ الدوري يغرّد على جانب عتبة البئر الذي تم بناؤه منذ قرابة ثمانية عشر عاماً ليستقي منه الجيران، كلّما أزفت أمل من فرخ الدوري المبتسم كلما حاول إبعادها والهرب برشاقة.
بدأ ضجيج الصباح في أروقة البيت، العمُّ جهاد والد أمل ينادي أبناءه النائمين" هيا استيقظوا، إلى أعمالكم"وكان له من الأبناء ثلاثة، رامس وقادس وأمل، رامس أكبرهم سناً وقادس أدهاهم وأذكاهم وأمل الطفلة المدللة بينهم والتي تكسو جدران البيت بملصقات رسوماتها الجميلة.
أمّ رامس قامت تسبّل شعرها وترشق وجهها بالماء البارد وترتّب الفراش المرهق طيلة نوم الليلة الماضية، الأمّ تود انتشال الماء من داخل البئر، تزوغ عيناها حين رأت نعلَ أمل على حافة البئر الذي لم يكن ليُغطى ببناء أو أي غطاء، تقول في ذاتها: أمل!، ما الذي أحضر نعلها هنا؟!، أليست نائمة؟!، تسرع وتترك الحبلَ يسقط في فم البئر، إلى سرير أمل، تصرخ: ويلاه أمل..أمل، أبو رامس رامس قادس، أين أمل؟.
حركة متداخلة بين الأبناء والأب والأم، أم رامس تقول: نعلُها على حافة البئر، يُصعق العمّ جهاد: ماذا؟، أتعرفين يا امرأة معنى هذا؟، لقد سقطت داخله وأنت نائمة، يخرج الأربعة بسرعة من داخل المنزل إلى حيث البئر في الحديقة، كلّهم يصرخون بصوت أرهق آذان الجيران، هبّ الجميع لمعرفة ما الذي يجري في بيت العمّ جهاد، والتفّ الناس حول البئر يبحثون عن أمل والنساء تمدّ يد الصبر إلى أم رامس بعد أن بدأت تلطم على وجهها وتقطع شعرها قائلة: أنا السبب، أنا السبب.
البئر عميق والماء يلتهم من يقترب منه، لكن العمّ جهاد قال: سأنزل إلى داخل البئر لأنفذها، قدم أحد الجيران وهو شعيب إذ كان في ريع شبابه واخترق الجموع الملتفة عند فوهة البئر وقال:احضروا حبلاً، وبعد أن حصل عليه ربطوه وأنزلوه إلى البئر وهم يرددون : يا الله.. يا الله، فرأى قبل أن يصل الماء حركة دائرية توحي بدليل غرق الطفلة أمل هناك، ولدى وصول شعيب الماء لم يتكلم بكلمة واحدة ما أذهل المنتظرين، فنادوه: هل وجدتها؟، لكن شعيباً بقي صامتاً دون أن يتفوه بشيء، فقال العمّ جهاد ودموعه تتساقط فوق ماء البئر: ارفعوه كي لا يصيبه مكروه لا سمح الله.
رامس وقادس كانا على النقيض من المشاعر، فرامس الشقيق الأكبر يبدو وكأنه غريب لا دخل له، وكأن أملاً ليست شقيقته أو ابنة جلده، أما قادس فيبدو عليه القلق إلى درجة الجنون والتخبط والتهوّر أحياناً، وكان ينتظر شعيباً بفارغ الصبر، فما أن شدوا الحبل وإلا به بوزن ريشةٍ سقط الطير عنها، فبدا الحبل بلا شعيب، بدأت الأصوات تزدحم خارج البئر وأم شعيب تصرخ مع الحاضرات: بني..شعيب..أجبني إن كنت تريدني ألا أموت، تجمّع سكان الحارة صغيرهم وكبيرهم ينتظر، ويعتصر ألماً.
خرج قادس من البيت ووجهة كالبركان تلتهب النيران داخله، فشعيب كان صديقة وأمل شقيقته، وغادر قليلاً منطقة النحيب الذي جمع السكان هناك، وفجأة يحدق قادس، إذ سمع صراخاً بعد أن مرت سيارة جيب عسكرية، فسارع يركض حيث مكان الصراخ، فلم يجد شيئاً لكنه فوجئ بوجود الدمية التي كانت تحملها أمل ملفوفة بالطين الذي صنعته عجلات الجيب، كما فُجع بوجود قطرات دمٍ على الطريق، فصرخ في ذاته: ماذا أحلّ بنا؟، يا ربّ صبّرنا على مصابنا الجلل، صديق رحل ورحلت أمل.
رجع قادس إلى البيت بخطوات تسابق الريح، فالتفت الباكون على جثة شعيب، وقالوا: ما هناك، فردّ بصوت يمتزج حزناً مع الجثة الملقاة على أرداف البئر: أمل ماتت تحت أقدام الغزاة، فقام جميع الجيران بمحاولة دمل الجراح التي تخترق أجساد والدي أمل وأخوتها ووالدي الشاب المقدام.
وفي مساء ذاك اليوم اجتمع أهل الحارة في بيت عزاء موحد لشعيب والطفلة أمل التي ما حضر جسدها، وفي لحظة صمتٍ قاهر يستلّ جلسات الماضي السعيد، وفي وقت تستسلم العيون فيه للدمع الذي قادها منذ ساعات الصباح، وفي أزقة وجوهٍ ترتشف الصبر من الإيمان بالقضاء والقدر، وقف الجميع على خطوات بريئة رقيقة، كانت أمل التي فُقدت منذ الصباح، تبكي قائلة: لقد ضاع العصفور والنعل والدمية ودمي، فبكي الحاضرون على شعيب، وقام والده يقول بكلّ رجولةٍ ومروءة: إن مات شعيب فالحمد لله أن أمل لم تمت أو تغب عن قلبنا وحارتنا المقدَّسة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد ختّاوي
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
هيروشيما في متحف اللوفر ؟ قصة بقلم /أحمد ختّاوي / الجزائر . امتلأ الجو رعبا .. قاذفات الروكيت تطحن الحي العتيق ، القابع على قارعة الطريق كطفل شحاذ فقد أبويه في لحظة مزمنة ..مسح محمود عبرات ظلت عالقة بخده المبتل بالصقيع الشتوي.. أدار رأسه نحو أنقاض ولدت منذ أسبوع ، بوضع آلي مرغوب فيه .. كانت أطلالا منذ سنة فقط . أخرج سيجارة نصفها مبلل ..لفظ آخر نفسٍ بها ..رماها في بركة تكوّنتْ منذ يوم فقط ..بل منذ ساعات معدودة ..تأمل الكون لحظة ، حاوره دهرا ..خطر بباله : قال الحائط واش أنا غير الفأر يثقبني قال الفأر واش أنا غير القط يغلبني . قال القط واش أنا ،غير الكلب يغلبني قال الكلب واش أنا غير العصا تطردني . قالت العصا واش أنا غير النار تحرقني . قالت النار واش أنا غير الماء يطفئني .. ..قال الماء واش أنا غير الجمل يشربني قال الجمل واش أنا غير ( المدية) تذبحني قالت ( المدية) واش أنا غير الحداد يصهرني .. قال الحداد واش أنا غير الموت تأخذني (1). الكون لحظة انفعال سيكولوجي صرف ، هكذا حدّث محمود نفسه وهو يقترب من دورية للعدو كانت تعبر إحدى الأزقة المترعة بالأتربة الصالحة للزراعة والوجود.. تقدّم نحوها بخطى ثقيلة ، كأن الأرض الطيبة تجذب بمغناطسها ذي الحرارة المتأججة بين الحب وا واللاحب ..بين الإرتباط واللارتباط . الشمس توشك أن تغرب . تعثّر بإحدى البرك الصغيرة .. تحوّلَ إلى شجرة مثمرة .. غمس رجليه في بركة أخرى ..أضحى برتقالا نصفه طازج .. ونصفه الآخر مرٌٌّ ..إحتار كثيرا ، أيكون –طوعا- جينرالا) وجوديا- أم كراهية – سمكة برمائية . سأل أطفال الحي العتيق ؟؟؟ ..نفوا معرفتهم مثل هذه الخرافات الحياتية . واحدهم : - إسأل نياق امريء القيس .. المهلهل المضربة عن الشرب تخبرك سرد الوجود الأبدي .. - - لم أملك ناقة في فصل الصيف ولا الشتاء حتى أسألها ..،ولهذا يبدو لي أن تدخّلك غير مجد في الوقت الراهن ، مادامت الأخبار الواردة من المدن القريبة تقول أن جابر بن حيان أخطأ في رسم بعض معادلاته الجبرية ، وأن أغلب العرب بيعت أمتعتهم ليحصلوا على جواز سفر أخضر يؤهلهم للحج مرتين في الموسم . - اسمح ،إسمح لي أيها الولد البار . ليست كل المحطات والفنادق متشابهة في العالم ..إسمح لي إن قلت:ساعة هارون الرشيد المهداة لشارلومان معطّلة .. تتأخر عن التوقيت العالمي بنحو خمسة عشر قرنا .. - اسمح لي إن قلت : - بيوتنا القصديرية أصبحتْ منذ اليوم أبنية وسطوحا عصرية .. مادامت ساعة العرب معطلة. - كل المدن تُقرع أجراسها ..تعلن ميلاد ليالي الفرح المنتظر .. ناطحات السحاب في الأفق الخلفي لناطحات الضباب عبر مشارف المدن العربية تقيم المآتم على غراب إفترسه غراب في واضحة النهار.. - الناس جيّاع بدون استثناء . - حتى محمود الذي يملك مملكة كلها بساتين .. وحقول ونخيل .. تسقيها روافد الجوع المزمن الذي أصاب أغلبية العجزة في متاهات السرو والأرز.. - -إلهي.. ما لها أغصاني تذبُل وقد سقيتها منذ لحظة فقط... أم أن الأتربة لم تُحرث منذ حرب البسوس ،أم أن ناقة البسوس داهمتْ حقولي ..فجفّّتْ ينابيعها ..ربما هذا بسبب إصابتي أنا كذلك بالجوع المزمن ..الفتّاك .قال محمود هذه الكلمات بصوت ممزوج بالحشرجة والبحة ..سكتَ ، ثم انتفض على كل قاله .. - من الأول إلى ما بعد الأخير ... - وواصل سيره ممتشقا سيفه الأبدي المسلول ؟؟؟ - - كم طردا وصلني إلى حد الساعة منذ نشأة عصبة الأمم المتحدة ؟ - - كم رسالة تلقّيتُ من الدول العربية منذ تأسيس لجنة حقوق الإنسان ؟. - - كم قميصا ارتديتُ منذ سافرتُ يوما ما ..إلى نيويورك لأزور مبنى الأمم المتحدة العظيم ...ولأُطل على نهر ( المسيسيبي )( المتدفق) بالمياه التي تمنيتُ أن أسقي بها حقولي...وقد أصابها الظمأ منذ فيضان النيل آخر مرة في التاريخ ؟ - -كم مفتاحا أضعتًٌ منذ الحروب الصليبية،لأفتح مدنا عربية لما تُفتح ؟؟. - كم عدد أزقة هذا العالم الموحش ، وكم عدد الرحلات في اليوم بالجو على متن الخطوط الجوية العربية المتحدة ...هذا ما أدركتهُ وغاب عني..منذ انبعاثي (في) المرة الألف ..؟؟؟؟ - - إرفعوا سياطكم أيها الجلادون .. هذه أختي ...وهذا أخي ..وابن أختي وابن عمي..وليس( ...) كما تدّعون .. ارفعوا سياطكم أيها الخونة وإلاّ أخبرتُ أمي .. - -من تكون ؟ - -محمود. - - آه .. إنك تذكرنا بحادثة أبرهة .. والفيل محمود ..ألستَ أنت الفيل الملقب بمحمود ؟ - - أبدا ذاك زمان .. وهذا زمان .. - -إذن من تكون ؟ - - خبز ملفوف في قضية . - كفانا تفلسفا ..ليس هذا وقت المزاح - قلتُ لكم دعوا هؤلاء .. - رئيس الجلادين في صوت آمر : - -خذوه إلى لزنزانة وأجلدوه أربعين جلدة ،ليكون عبرة لمن يعتبر. - يسير محمود والحرس وسط دهاليز لا قرار لها ،بصعوبة يفتك سيجارة من جيبه ، ثم يطلب من العسكري إشعالها ،يرفض ْ..يلح محمود . يسمح له بذلك ..ينفثها ..يرميها. يلتقطها العسكري خوفا من أن تشعل النار بالدهاليز ، أو تبعث بصيصا من نور فتكتشفها القوات المرابطة خلف القبو . - دار بينهما الحوار التالي: - - أنت عدوي،كيف تعرف ذلك ؟ - - بشرتك تشبه بشرتي تماما.. غير أن تطلّعاتك للمستقبل تختلف .. - -ما دام الأمر كذلك ، كيف تميز بيني وبينك أمام حشد من المخلوقات ؟ - - شواربك – يا محمود- أقصر من شواربي – وشواربي أقصر من شواربك .. - - إذا طلبت ُمنك أن تطلق سراحي ،هل تفعل ؟. يحنى العسكري رأسه. - -أجل ،لكن شرط أن تفتك هذا اللغز: باخرة محمّلة بالماء ، هل تساوي في حمولتها وثقلها باخرة مماثلة محمّلة بالبترول . محمود دون أن يفكّر مليا. - -لا ، باخرة الماء أثقل ،، في مفهوم الزمن الراهن .. - - مع الأسف ..لا أستطيع فك قيودك، لأنك لم تتوصل إلى الحل الصحيح . - - وما هي الإجابة الصحيحة ؟ - - الباخرتان من صنع يد واحدة ، ولهذا تستويان في الوزن والحمولة . - جلسا بعد التعب الذي أصابهما..أغمض محمود عينيه ،بينما ظل العسكري يراقبه ..رأى محمود في المنام أنه يذبح شعبا بكامله . فزع لهول ما شهد ( انفكتْ) قيوده ..تظاهر بأنه مقيّد. نام العسكري..تسلل مختفيا إلى أن ابتعد عنه .. دلف غرفة مظلمة دون أن يأبه الحراس .. قبع في إحدى زواياها ..غادر المكان في همس متناه . - قال : الدنيا لا تخلو من حراس. - حقوله الظمأى يسقيها رجل عجوز..وقف أمامه وسأله من يكون ؟ . - -حارسك يوم هربت َ. - - لكن شواربك أقصر من الرجل الذي كان يحرسني .ضحك وقال : - -ألم أقل لك بأن شواربك أقصر من شواربي ..وشواربي أقصر من شواربك ؟ . - - وماذا تفعل هنا ؟ - --أسقي نخيلك ونخيلي بالمناوبة. - - لم أفهم . - - كنت أحرسك –طوعا- وكنت أحرسك –كراهية . - -لم أفهم كذلك ما تقول ؟ظ - -فترة حراستي كانت ( مناوبة ) وفترة سقيي للنخيل كانت كذلك ( مناوبة) ، فأنت وأنا واحد .. فقط تختلف تطلّعاتنا إلى المستقبل ..ألم نتفق على هذا ؟. - - آه ..الآن فهمتُ ، قل لي بربك ، كم الساعة الآن ؟ - - خمسة عشر قرنا للوراء . - - كم عمرك ؟ - - خمسون عاما - - ما هي وظيفتك ؟ - - مناوب في المقاولة العامة لبناء التاريخ العربي . - - كم تتقاضى في الشهر ؟ - - قل في الدهر . - يردد محمود دون أن يناقش - - كم في الدهر ؟ - - وجودٌ بأكمله ، وبانهياره ،إذا مرض محاسب الرواتب ، أو تعطّل الكومبيتر ...ويسأل العسكري الذي تحوّل شيخ محمودا ؟ - - وأنت ما هي وظيفتك ؟ - - محاسب متقاعد إلى إشعار لاحق . - -لم أفهم . - - كنتُ أتقاضى مرتباتي من بعض البنوك العربية المقيمة عبر الخريطة العربية ، لكنها تلقتْ إشعارا من دول أخرى مفاده أن توقيعاتي لا تتناسب وأوراق هذه البنو ك، فجُمّدتْ رواتبي ، وأرصدتي..وأُحلت على التقاعد .. - - ومن يغذيك ؟ - - نخلتي التي تسقيها الآن . - - إذا عرضتُ عليك إبنتي للزواج ، هل تقبل ؟ لي إبنة إسمها (كوثر) . - - نعم .. لك شرط أن ترحل معي إلى حيث أقيم . - -أين تقيم؟ - - في كل قلب نابض. - - ذاك هو مكان إقامتي . - ****** **** - تزوّج محمود( كوثر) ..أنجبا طفلا بهي الطلعة إسمه ( رعد) مات قبل أن يرى النور ، ثم حملت كوثر مرة ثانية ،فأنجبتْ طفلا إسمه ( عز) مات قبل أن يرى النور ، وحبلتْ مرة أخرى كوثر فأنجبت بنتا شقراء، عيونها واسعة كالأفق ،اسمها ( كرامة ) ماتت قبل أن ترى النور ، ثم حملت كوثر ( في )المرة العشرين، فأنجبت ْطفلا دميما، إسمه ( صقر) ن فعاش،تزوج امرأة اسمها ( سدرة ) فأنجبا حلما ونخيلا وبرتقالا ،إلى أن وافتهما المنية في الشهور المتلاحقة من جانفي إلى ديسمبر ،مرورا بجوان (حزيران) وكل الأشهر .رحمهما الله واسكنهما فسيح جنانه وألهم ذويهما الصبر والسلوان ، إنه مجيب الدعوات . تعثّر محمود العجوز، وهو يعبر الطريق العام المودي إلى حقول النفط الملغومة ، يوزع النصائح والحكم بالمجان على الأطفال .قال : - هيروشيما ، حبيبتي .. لا تجزعي .. - فإن الذي بيني وبينك لا ينتهي .. - لا تيأسي..هيروشيما ..ما زلتُ أستطيب رائحة الدخان .. - هيروشيما ..كل البائسين معي..يستنشقون رائحتك الطيبة. - ينثرونها على مقاعد المفاوضات في ( لوزان ) - غبارا لا ينتهي . - ( لوزان) عشقها المطر ، طلقها المطر .. - هذه هي حكايتي إليك .. هيروشيما .. - إنها ليست سرا .. وليستْ غير الذي بيني وبينك . - هيروشيما .. يا تحفة في متحف اللوفر .. - فأين غرناطة .. وفيل أبرهة الحبشي ؟. وتبدّد الحلم .. كسا الجو ..فامتلأ ذعرا .. وراح محمود يردد من جديد : قال الحداد واش أنا ..غير الفأر يثقبني )) .سقط ..اندلعت النيران في حقول البترول ..مات محمود من الفزع . اهتز سريره .. كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحا عندما قرعت أمه الباب بلطف لتقول له : حان وقت الدراسة يا ولدي الصغير . .====== هامش / 1) -1)لعبة صبيانية من التراث الشعبي الجزائري ، كنا 2) نرددها ونحن صغار ، لا نعرف معناها . -
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6
قصة قصيرة
أيهذا الحفيد
ها أنت مستلقٍ على حشائش هجينة منحَّفة ، مستسلمة لطلقات البول وأحذية "المومسات" .. تبول أنت ــ أيضاً ــ على جدار التمثال رغم ادعائك أنه تمثال جدك، وأن روحة تناسخت في جسدك، وأنك آخر العباقرة .. تتأمل وجه التمثال وأنت تبول، وهو المستسلم لوقعته "المنيلة" منذ أن نصبوه هنا.. يستقبل وجه الصباحات والمساءات، والشمس تسأله عن سر المثول، ولا يجيب.. وتسأل أنت عن سر الشروق، وعن سر القلق الذى يربك السكون، ويطلق في شوارع القاهرة الزحام, وحين تهب في الصباح كي تغور في وجه الزحام مودعاً حشائشك حول جدار رخامي عتيق، لا تتورع عن النظر إلى وجه التمثال.. تمسحه بعينيك، وتتوقف عند حاجبيه البارزتين وشاربه الكث.. تفتش عن ملامح لعبقرية ما.. تعاود التذكر لكل ما قرأت في سيرة جدك.. تتمنى لو تقبض عينيك على وشيجة ظاهرة تعزز ما بينك وبين ذاك الرجل .
تقول ــ مرة ــ إنه جدك وعندما تفشل في إثبات النسب ــ مرة أخرى ــ تقول إن روحه تناسخت فيك، ومرات كثيرة قلت إن ما بينك وبينه تلك المحبرة المستلقية على راحته المفرودة دائماً، والريشة ــ تلك التي قلت إنها من ذيل ديك شركسي، ومرة من ديوك "أم القرى" وأحيانا هو من ديوك "أم الدنيا"، غير أنك في كثير من الأحايين تتجاهل نسب الديك.. تلعن كل ديوك الدنيا، وتبارك ديك "أم الكتابة"، ذا يفزعك في نومة تسنح على الحشائش.. يؤذن في "نافوخك".. تعتدل.. تفرك عينيك قليلاً .. تخش في ملكوت الحشائش التي لم تنم مذ فارقتها أرجل القرادين واعتلتها العناكب الزاحفة إلى جسد التمثال.. تتأمل وجه جدك قليلاً.. تتوقف عيناك على المحبرة.. ثم .... وتستأنف الكتابة في شهقة العاصفة.
مشمول أنت بسرك.. بقلق الكتابة.. تعتلي صهوة الأفق، وأنت البادئ من توت القرى!. فيا لك أيها الحفيد الذي تغور في زحمة القاهرة.. كم فزعتك رفسات أقدام العسس، إذ يفتشون عن/ في أوراقك.. يلقون على مسامعك قولاً ثقيلاً، قبل أن ترفع رأسك المتوسدة حقيبة الأوراق !، وأنت .....!.. دائماً مستسلم لتلك الرفسات كاستسلام جدك لصفعة المغيب.
أيها الحفيد .. أما زلت تفتح كتابا أسميته "تاريخ الـ...." لرجل البوليس علَّه يدرك أنك الحفيد الذي أتى من ريفه البعيد، علَّه يتركك، لتنام في ساحة جدك التمثال؟! .. يرفسك البوليسي وذاك الكتاب !.. وقلت مرة أنك رفعت قضية على الحكومة تطالبهم بثلاث وجبات فحسب مقابل بقاء التمثال شاخصاً، وقلت ......
أيها الحفيد .. إن حق استغلال الموتى مشاع لنا، ولك الله، والمجد في الآخر.
صامد أنت في وجه الجوع، كتمثال جدك صامد.. صامد في وجه الريح والشمس والطواحين السائرة.. تتمنى لو ينطفئ نور القاهرة ليلة.. ليلة واحدة لتنجز ما أنجزت المومس التي جلست بجوارك ليلة، وتلهت عن منظر وجهك بنتف شعر عانتها .. أفأنت تخجل، وتصر على أن تنجز مهمتك في ظلام القاهرة؟ .. أ فأنت تخجل أيها الحفيد، أم تخجل تلك القاهرة ؟!.
كل ما تدَّعيه مقبول أيها الحفيد، لكنما وجهك الأسمر.. عظامك البارزة.. جسدك النحيل.. عورتك البادية من الخلف .. لحيتك التي ... أف .. وتلك الرائحة!.
وتقول إن واحدة جاءتك ونسخت منك الكتاب ووعدتك بالزواج وبالنومة الناعمة. وتقول بأن مستشرقاً ــ لا تذكر اسمه ــ جاءك يوماً، وسألك بالعربية المكسرة عن قصة امتلاكك لهذا الكتاب الذى تتوسده.. أي كتاب أيهذا الرجل؟! أي كتاب وجدك الواقف على قاعدته الرخامية، يتشفع بالشمس والقمر وبالعبقريات التي تفر من حضرة البشر كي يغسلوه ولو مرة واحدة .
أما قلت إن عبقريتك تماثل عبقريته.. وأنك .... ألم تتعظ بعد يا صاحبي وتستمر في غيِّك، وفى ضلال الكتابة؟.
ماذا تكتب ؟! أفأنت داعرة ؟!.. ألك الأرداف، والنهود النافرة؟! .. انهض .. عد يا صاحبي إلى عصافير أريافك.. أ فزَّعتك العصافير أم الوهدة السانحة ؟! .. يا صاحبي هناك استفاض الوجد على الطين قبل انبثاق الأفئدة.. لماذا استكثرت على نفسك لقمتك السائغة، لماذا.... وعبق الصفصاف والسدر ورائحة الطمي حين تستريح بخدك على طراوته... لماذا...؟. والعشب النديُّ يُقَبِّل وجه فراشات الضحى .. يصافح أرغفة الفلاحين في جلسة الغداء......
.... أيهذا الحفيد.. قم .. جدك مُسخة القاهرة .. صنم تعتليه العناكب !، فليست أوراق جدك من أصناف ما تأكله الكلاب، ولا ذاك الكتاب الذي قلت إن جدك أودعه كل أسراره، وأشار فيه إلى كل مؤلفاته، ولا أنت أيهذا الحفيد الذى تحفظه من أصناف ما تحوي "الفتارين" التي تخطف الأنظار، وتستبيح المهج.
هل تحول الكتاب ـ تاريخ جدك ـ كل ذلك الذي قلت: "لا ريب..." إلى "سجق" .. "نقانق".. "همبرجر" .. " دجاج كنتاكي" .. أية أطعمة شعبية تخضمها أفواه تتثاءب وجع الليل على الإسفلت اللاعن وجه الصبح ؟!.
وأنت أيها الولد الصعلوك ذو الخصيتين الضامرتين، تفشل حتى في اعتلاء ناصية امرأة قحبة تسلَِّك لك الطريق، وتصر على أن الجوع والتشرد من دلالات العبقرية !.. إخ..خ..خصٌُُُ ثم إخص .. نعم .. جدك كان عبقرياً يصر على الغباء، إذ ينتج للناس مالا يمت إلى أسنانهم .. لكأنه كان يجتاز الحياة عن طريق "رأس الرجاء الصالح" وتناسى أن "معدة الرجاء الصالح" هي الطريق القصير.
هكذا أنت يا المعتنق الصمود.. تموت جوعاً، وتصر على مضاجعة الحشائش التي ترقد حول تمثال جدك.. تعطر خديك ببول الكلاب وطرطرات الجرابيع.. وأنت .. أنت الذى قلت إن تمثالك القادم منصوب ـ كتمثال جدك ـ في مُخيِّلة الغباء يسير إلى ميدان جديد فوق أرض القاهرة .
ألا أنهض أيها الحفيد.. أ فتترك قطار الحياة.. تستمسك بالرغبة في التَّصَنُّم بعد موتك ؟، ما ضُّرك لو متَّ وعبد الناس أصنام "أم القرى" أو "أم الدنيا" ولم يعبدوك وما أنفعك ؟!
أنسيت يا صاحبي أن جدك الآن لم يعد ـ رغم صنميته ـ يستشرف وجهاً واحداً يؤمن بالعبادة لغير البطن والفرج الـ...إخ..خ..خص.
استمسك أيها الحفيد برغبة أخرى .. افتح طاقة في جبهة القاهرة، سمها ما تشاء لكنما لتكن كما تشاء القاهرة : "كشري" تحت لمبة ينون .. يحج إليك الناس .. ولتدخل الآن دائرة الخلود.
أيها العبيط .. في هدأة الليل، وقد نامت الطواحين والمُوتورات .. تجافي "المومس" التي تنام بجنبك وقد باعدت لك بين ساقيها قليلاً.. تحملت رائحتك العفنة ، وشدًّت لحيتك المجعدة .. تداعبك ، وتزم شفتها السفلى ؟!.
تقول إنها عجفاء !. أو هل نسيت أن التي ليست عجفاء لن تعيرك حتى البصاق .. أيها الغبي .. تدًّعى العبقرية ؟!.. مُصرُُّ على احتضان تراث جدك؟!.. تتأمل التمثال صباح مساء، وتتوقف بعينك على حاجبيه البارزتين وشاربه الكث، وأنت تحتضن الأوراق والكتاب والقلم، تعتليك رغبة صامتة للخلود .. يشرد ذهنك في ملكوت التشرد والعباقرة.. تقيم للجوع .. وتبقى محفلة للجنون والعلل السائمة.. تشد أطرافهم إليك : ابن رشد، أبى العلاء، الجاحظ، شكسبير، كافكا، هو جو، لامارتين، جان جاك روسو..... إلخ إلخ .. دعك .. دعك .. إلى النيل قم.. يمم وجهك للشروق الجميل، واستقم.
لتكن مهنتك الصيد إذن .. من النيل إلى جيوب الناس .. فلتأكل الآن لحماً طرياً ولتنم عليه.. أ فلا يشق عليك أن تستمر في التأمل والشرود في الكف المفرود وريشة الطاووس والمحبرة ؟!.. أيهذا العبيط .. تهبُّ في هدأة الليل .. تتسلق التمثال .. وتضاجع تلك المحبرة ؟!
(تمت)
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نصرالدين نواري
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
قضــاء.. وغــدر / نصرالدين نواري
"مسكين أنا.. أسير في مدينة لا تعرفني وفي ليلة لا يرحم بردها، وفي ساعة أجزم أنها متأخرة..".
لا، لا....هذه الفكرة تبدو سطحية وغير مناسبة لبداية قصة أريدها أن تكون متميزة؛ فمعظم الأعمال الأدبية الناجحة هي تلك التي خُلّدت ببدايات رائعة ولنا في تاريخ الأدب الكثير من الأمثلة، فهذا الكاتب الانجليزي الكبير "تشارلز ديكنز" يبدأ روايته الشهيرة "دافيد كوبرفيلد" بافتتاحية خالدة: (اسمي دافيد كوبرفيلد.. وهاأنذا أكتب لكم قصة حياتي..ولدت في بلاندرستون وقد مات أبي قبل مولدي بفترة قصيرة.. وفي إحدى الأمسيات كانت أمي جالست قرب نار المدفئة وكانت حزينة على مصيرها ومصير طفلها اليتيم البائس...).
نعم.. إن أي عمل أدبي تظهر معالمه من بداياته، ولذا سأحاول أن أكتب افتتاحية تشد انتباه القراء وتثير اهتمامهم، ولكن هل باستطاعتي السير على خطى مالك حداد، تشارلز ديكنز، جون شتاينبك، نجيب محفوظ، ونيكوس كازنتزاكيس...؟، هل أملك من الأدوات الفنية والجمالية ما أتيح لهم؟
إذن لماذا لا تكون افتتاحية قصتي بهذه الطريقة: "شجاع أنا.. لا أعرف غير الإقدام عنوانا.. "
وقبل أن يكمل فاتح فكرته؛ رن هاتفه محدثا ضجة كبيرة ارتعدت لها أنامله التي تحسن الرقص مع القلم.
- ألو..من؟
- نعم أنا فاتح..وأنت ؟
-...آآ كريم ابن عمي كيف حالك مر زمن بعيد لم أسمع فيه صوتك، كيف الأحوال..؟
- ما.. ما.. ماذا.. ماذا قلت؟..أف انقطعت المكالمة.. تبا لك من هاتف أحمق سأرمي بك هذه المرة في بحر "المانش" ولا يهمني إن كنت لا تجيد السباحة!!
- قــ نـــ بـــ لـــ ـــة.. أظن أنه قال قنبلة؟..ولكن ما دخلي بالقنبلة.. كل ما أعلمه ويعلمه كريم هو أنني أكتب القصص وأشتغل بالصحافة.. هل أرادني أن أكتب قصة عن الحروب؟ ولكن ما دخله، لم أعهده يتدخل في عملي!
وضع فاتح رأسه بين كفيه ساحبا نفسا عميقا من هواء الغرفة المشبعة برائحة الكتب التي يعشقها حد الجنون، ثم استرسل متمتما:
- نعم كريم قال قنبلة أتراه يمزح.. لا لا أظنه يمزح فالوقت غير مناسب لهكذا أمور، كما أنه يستحيل أن يتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل ليطلب مني كتابة قصة عن الحروب والقنابل... آه لقد فهمت ربما أراد أن يقول أنّ !!..سأشغل التلفاز لأتأكد..
يا إلهي لطفك..اللهم استرنا بسترك الجميل.. ماذا يحدث.. أهذا؟.. نعم هذا إذن ما أراد كريم قوله.
على وقع الدموع والحسرات ومن دون أي انتظار قرر فاتح السفر على جناح السرعة إلى بلاده التي غادرها منذ سنوات هروبا من شبح القتلة الذين كانوا يتسابقون على قطف روحه البريئة الطاهرة الكارهة لكل الأحقاد والضغائن.
هاهو يعود الآن إلى وطنه مفجوعا كما غادره ذات يوم موجوعا وكأن الأقدار لم تُرد غير ذلك…
كُتب عليك يا فاتح أن تحزن، أن تبكي، أن تهيل الترب والدمع على من تحب..هي الأقدار أرادت أن يموت أصدقاؤك بالقنابل، بالرصاص، بالمدافع.. يموتون ليحيون في عقولنا، وبين تأوّهات أقلامنا، ذكراهم تاريخنا وروحهم سراج سينير حتما طريقنا.
نعم يا فاتح بإمكان مكالمة واحدة أن ترجعك إلى أرض عشقتها، إلى أرض رسمتها ذات يوم زهرة ياسمين ثم حذّرت مَن يحاول قطفها..كنت تفاخر دوما بجمالها بتربتها برملها بثلوجها بأبطالها وبتاريخها.. لذا كنت دائم الدعاء لها ليحفظها الله ويبعد الشر عن أبنائها.
الآن وبعد سنوات من الضياع.. من المنفى.. ها أنت تعود ولكن هل العود دائما أحمد؟.. هل سيتركك هذا الوطن لتغادره بسلام؟
في حديقة المدينة يجلس الآن مع ابن عمه كريم.. يبدوان في حالة من القلق والحيرة، فبالأمس فقط كانا من بين الألوف المشيّعة لضحايا الانفجار الهمجي الأخير الذي استهدف أعز أصدقائهما.
- هل مازلت حزينا على فراق الأحبة؟
بهذه الكلمات التي خرقت جدار الصمت؛ يضع كريم حدا لحالة الشرود التي كان عليها فاتح.
- وكيف لا نحزن وآلة الدمار تحصد أرواح الأبرياء في كل لحظة وحين.. وكيف لا نبكي ونتحسر ورائحة الموت تطارد الجميع في كل مكان، ألا ترى يا صديقي أن القتلة لا يزالون في ضلالهم القديم متبجحين برفع شعارهم العفن: "الرصاص والقنابل من أمامكم والسواطير والخناجر من ورائكم فأين المفر" ؟!!...
يقاطعه كريم والدموع تحتبس متلألئة في عينيه الزرقاوين:
- نعم أوافقك الرأي.. ولذا فأنا خائف عليك من بطشهم؟
- لا تخف الأعمار بيد الله..ولكن انظر هنالك؟
- أين؟
- أنظر إلى ذلك الشخص الذي يجر وراءه رغيف خبز، أظنه مجنون أليس كذلك؟
- إيه يافاتح أصبحت لا تعرف الناس؟
- أنا لا أعرفه يا كريم !
- بل تعرفه.. إنه مسعود صديقك في الجامعة
- مَن؟ مسعود الفيلسوف !! أنت تمزح
- الآن أصبحنا نناديه "مسعود الخبزة"
- وماذا حل به، لقد تغيّر كثيرا؟
- خطبه عظيم يافاتح.. لقد جن منذ سنتين والسبب هو ظروفه الاجتماعية الخانقة؛ فمنذ تخرجه من الجامعة وجميع طلباته المقدمة للعمل تقابل بالرفض بحجج بيروقراطية واهية، وهذا ما أدى به أمام الملأ إلى تمزيق ديبلوم الفلسفة الذي يحمله. ومنذ ذلك الوقت ومسعود يحترف كل الأعمال الشريفة وغير الشريفة للظفر بدريهمات يعيل بها أسرته الفقيرة..
- أكمل يا كريم لا تتوقف..
- وفي إحدى الأمسيات الممطرة وعند عودته من رحلة البحث عن عمل وجد سيارات الإسعاف والشرطة وجمع كبير من الناس يطوّقون منزله الذي انهار على جميع أفراد أسرته.. ومن يومها أصبح مسعود على الحالة التي ترى..
- هذا مؤسف حقا، كان الله في عونه.. ولكن ما قصة الخبزة التي يجرها؟
- أسِرع لنلحق به وستفهم من فمه.
- مسعود.. مسعود
التفت إليهما وكله غضب: ماذا تريدان مني أنا أحسن حال منكما.
رد عليه كريم: أعلم ذلك جيدا يا مسعود ولكن ألا ترحب بالضيف أولا؟..ألا تعرف فاتح صديقك في الجامعة؟
- أنا.. أنا لا أعرف الخونة الذين ذهبوا إلى إنجلترا وتركونا نصارع فقرنا، إن فاتح مثل "سكروج" ذلك الرأسمالي الجشع في أحد أعمال ديكنز.. على كل حال أنا أفضل منه بكثير ألا ترى أن الخبز هو من يجري ورائي يريد اللحاق بي بعدما كنت أسعى وأتعب من أجل الظفر بالقليل منه !!…
وما إن أتم مسعود هذه الكلمات حتى انطلق بسرعة كأنه ثور إسباني هائج تاركا فاتح غارقا في الحيرة التي سرعان ما بددها كريم:
- ما بك يا فاتح...ألا تريد الكلام؟
- يا أخي لقد صدمني حال مسعود الذي عرفته شخصا قوي الشكيمة غزير الثقافة، قال لي ذات يوم متبنيا قول الفيلسوف الدنماركي كيركيغارد إن "أوروبا تتجه نحو الإفلاس".. لكني أرى ياكريم أن مسعود هو من أفلس في الأخير وليس أوروبا، كما أتذكر تحججه الدائم بماركس وخاصة عندما يردد قوله الشهير "إن المحرك الحقيقي للتاريخ هو تغير ظروف الحياة المادية" وأظن أن مسعود وأستاذه كانا محقين في هذه النقطة بالذات.
قاطعه كريم: لكن ألا ترى أنه مازال شخصا مثقفا حكيما رغم جنونه؟
يجيبه فاتح وعلامات الحزن ترتسم على وجهه الذي لا يزال يشع شبابا:
- ألا تعرف المثل القائل خذوا الحكمة من أفواه المجانين، لكن شتان بين مسعود الفيلسوف الذي كنت أعرف وبين مسعود الخبزة الذي رأيت الآن..
المهم الآن أن تركّز معي جيدا ياكريم؛ أنا كما تعلم ملزم بالعودة بسرعة إلى انجلترا لارتباطاتي الكثيرة وكل ما أوصيك به هو أن تكون عضدا لهذا المسكين، وأنا من جهتي سأحاول مساعدته قدر الإمكان؛ حتى وإن تطلب الأمر مني نقله إلى أحسن المصحات الأوروبية لمحاولة علاجه ...وكما يعلم الجميع فإن الشفاء بيد الله، أليس كذلك؟
- معك حق يا فاتح إن الله على كل شيء قدير..أما من جهتي فسأحاول العمل بوصيتك وسأحرص على مساعدته...
- إذن اتفقنا
يجيبه كريم بابتسامة بريئة: اتفقنا.
في رحلة العودة إلى انجلترا، يجلس فاتح داخل طائرة الـ"آربيس A320" متثاقل الجسم منهك القوى، أكيد أن أحوال بلده وموت أصدقائه وجنون المسعود قد أثر فيه بشكل كبير ودفعه إلى المغادرة بسرعة، غير أنه وقبل ركوبه الطائرة قدّم وعدا لكريم بأنه سيعود بصفة نهائية إلى وطنه بعد تسوية جميع قضاياه الشخصية.
من جهته، وبعد أن قام بتوديع فاتح منذ ساعات في المطار، يشغّل كريم جهاز التلفاز ليشاهد نشرة أخبار القناة التي تأكل مع الذئب وتبكي مع الراعي والتي تعتبر نفسها قوة إعلامية عالمية لا يضاهيها أحد..
- أهلا بكم من جديد.. نعود للخبر الذي أوردناه منذ قليل:
في تطورات للغز انفجار طائرة الـ"آربيس A320" فوق بحر "المانش"؛ أعلن منذ قليل تنظيم "الأساس" مسؤوليته عن عملية التفجير التي أودت بحياة كل من كان في الطائرة المتجهة إلى مطار "هيثرو"..
نصرالدين نواري 1/1/2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد إبراهيم محروس
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 4
نور وقطعة الشيكولاتة .
بقلم محمد إبراهيم محروس
طفلة صغيرة تتراقص في الطريق تحمل على وجهها ملامح قسوة .. تعبر الطريق أمامك ، ولا تعبر ..تظل تتراقص بين العربات في قسوة وعنف .. بندول متحرك وهي تمد يدها للمارة بعلبة المناديل .. تتابعك بعينيها المتسعتين ،وقد غطى ملامحها الطفولية شيء من الغموض ، وكأنها قادمة من عالم آخر ..
تتعلق عيناك بها لثوان ، ثم تتركها؛ لتكتشف أن هناك شيئًا يحدث بداخلك ..
تتعلق بك في روحتك ومجيئك ، تجد ظلا لطفلة تتشبث بملابسك ، تحاول أن تفر منها ، ولكن تلاحظ أن الإلحاح شيء من طبيعتها ، برغم سنواتها التي لم تتجاوز الخمس ، ولكنها كأنما جبلت على الحياة دون قصد .. وكأنها تعرفك جيدًا ما تفعله ..
تمد أنت يدك في جيبك ، تتحسس أوراقًا مالية ضخمة ، تبحث عن فكة وسطها ، تجد نصف جنيه أصابه التمزق ، تعطيه لها وتنصرف .
تلمحها تتباعد؛ لتتشابك يدها بملابس آخر يعبر الطريق، وهي تمد يدها بعلبة المناديل ..
ترى في عينيها – ووجها الذي بدأ الشحوب يرسم معالمه عليها- نوعًا من التمرد على الدنيا .. ترسم في خيالك صورة لها في المستقبل ..وتتمزق أمعاؤك ..
بعد فترة ولمكوثك الدائم بالقرب من مكان تواجدها ، تتعود عيناك على رؤيتها ، تفتقدها أحيانا .. تبدأ تضع في جيوبك فئات صغيرة من العملة تحسبًا للظروف ، وفي جيب جاكت البذلة تضع قطعة كبيرة من الشيكولاتة .. بعد فترة تبحث بعينيك عنها ، تحاول أن تتقرب منها ، ولكن نصف الجنيه الأول الممزق أعطاها إحساسا بأنك غير عطوف ..
تهرب هي من طريقك ، وقد ترميك بنظرة متنمرة .
تحاول أن تبدو إنسانا تقترب منها ، تضع في يدها عملة ورقية كبيرة ، وتخرج من جيبك قطعة الشيكولاتة؛ لتمدها إليها ، لا تهتم بالعملة الورقية ، تنغرس عيناها في قطعة الشيكولاتة، تأخذها بأصابع مرتجفة، تفتح ورقها اللامع ، تقضم منها في تلذذ ، تنظر إليها في فرح ، تري ابتسامتك ، تعيد لك الورقة المالية في أنفة عجيبة ،وهي تقسم القطعة نصفين ، وتعطيك نصفها لتشاركها ، تتوجس نفسك خيفة، وأنت ترى قذارة يدها .. ترى هي تلك النظرة الخائفة في عينيك ، وتتنمر ملامحها ، تلف القطعة في ورقتها وتدفعها في يدك .. تشعر أنك خيبت رجاءها ، تنظر إليها في تسامح لا تعرف من أين يأتي ، ثم تخرج قطعة الشيكولاتة من ورقتها ، وتضعها في يدها مرة أخرى ، ثم تأخذها من يدها وتقسمها نصفين ، وتدفع النصف الذي يخصك في فمك وأنت تبتسم ، تبدأ هي في استحلاب الباقي .
تعتاد مع الوقت وجودها بجوار عملك ، تخرج تبحث عنها دائما .. تعرف أن اسمها نور ..
أصبح باكو الشيكولاتة الفاخر أحد أهم الأشياء في جيبك ، وكأنه هاتفك المحمول .. تمد يدك دوما تتحسس جيبك لتطمئن على وجوده ..
البعض ينظر إليك متشككا أحيانا وأنت تقف بعربتك في الإشارة ، وتفتح لها الباب لتدخل ، تدلف بملابسها الرثة ، يحتل جسدها جزءًا صغيرًا من المقعد بجوارك ، تدفع يدك في جيبك، تخرج باكو الشيكولاتة ، تدفعه في يدها لتقسمه اثنين ، وترمي الغلاف الفضي خارج السيارة ، تقسمه بيدها ؛وكأنها تؤكد سيطرتها عليك ، وتدفع لك النصف تضعه في فمك وتبتسم .. تشعر بنبع من الصفاء الداخلي لا تعرف من أين يأتي .
تتأمل وجهك في مرآة السيارة الأمامي ، وتتأكد من نظافته جيدًا ، تمد يدها بعلبة مناديل من التي تبيعها إليك وترفض أخذ ثمنها ..
أصبحت العادة أن تقف بسيارتك في الإشارة؛ لتتناول أنت وهي قطعة الشيكولاتة في تلذذ غامض غريب ، وسط استنكار البعض ، ونظرات الفضول ..
تمر الأيام ، تجد أن التعلق بها أصبح غريبًا جدًا عليك .
لا تبغي أحيانا وسط ملل الحياة سوى أن تتطلع إلى وجهها الهادئ ، الذي هربت منه بعض ملامح القسوة .
تبدأ يومك بإحساس مختلف .. تبتسم وتتذكرها ، وتتذكر أن هناك شبه ميعاد بينك وبينها ، وكأنها أصبحت من ثوابت حياتك ، تتأكد من رابطة عنقك التي تشعرك بالاختناق ، تذيل بعض الغبار العالق بالبذلة ، وتضع عطرك الفاخر ، وتتأمل وجهك ، شعور بالانتشاء يشملك .
تشعر أنك تأخرت ، تهبط في لهفة ،تخرج بالسيارة مسرعًا ، لا تريد أن تتأخر على ميعادها ، تراها في الإشارة ، تلمحها تتنطط بين العربات في سرعتها وشقاوتها ، تري هي سيارتك ، تقبل مسرعة- وفي عينيها ألق رهيب وطاقة من النور مرتبطة باسمها نور - وهي تتراقص بين السيارات العابرة .
لا تنتبه هي للسيارة الفارهة التي تقطع الطريق بسرعة ، تتسمر ملامحك على السيارة المسرعة وأنت تصرخ : نور.
تسمع صوت الارتطام كانفجار مكتوم ضرب جسدك كله، الذي انتفض بعنف ، وقد طار جسدها الصغير في الهواء لأمتار قبل أن يرتطم بالأرض .. قلبك تتسارع دقاته بفزع .. ترى جسدها على الأرض ينتفض بعنف ، تجري وتجري ، ترفعها بين يديك تغرق الدماء بذلتك وعلبة المناديل ، التي كانت تحفظها من أجلك .
ترى الناس تحدق فيك ، ودموعك تغرق وجهك كله ، تصرخ بانكسار رهيب ، عندما ترى أنها فارقت الحياة .
يتوقف الزمن بك ، تضع جسدها على الأرض وأنت تبكي .. تجلس بجوارها على الرصيف تبكي ، وتبكي .
تمد يدك في جيبك لتخرجك باكو الشيكولاتة ، تتحسس جيوبك وتفتشها لا أثر لقطعة الشيكولاتة ، تكتشف أنك نسيتها .. ترى باكو المناديل الذي يخصك قد غرق بالدماء .
تزداد دموعك في الانهمار وللأبد .