في بقعة معزولة عن العالم الخارجي،في مكان موحش منمق بنقوش الضيق و الملل، مكان قد طوقته أشجار أسطورية، عندما أوجه ناظري إليها...أحس أنها تتكلم، تحرك اغصانها، تتخذ شكلا آدميا، لكن بطريقة متميزة، جلست متربعا بإحدى زوايا هذا الركن الخالي من الدنيا، أترقب العدم و كلي أمل في الإفراج، وبعد أن دنت الشمس إلى المغيب و بان الشفق، قلت إن لكل بداية نهاية، تذكرت المد و الجزر، قلت إن لكل بداية نهاية، تذكرت قارون و فرعون قلت إن لكل بداية نهاية، تذكرت المعسكر الشرقي، قلت إن لكل بداية...،و تذكرت واقعي فقلت لعل لكل بداية نهاية.
و هاهي العتمة تحتل الوجود، تنشر أليافها لتنسج غطاء زنجيا إسمه الظلام، هذا الكائن الخرافي خلقه الله، فجعله لنا لباسا كما جعل النهار لنا معاشا...، وبعد هنيهة، لمحت شبحا يقترب مني...تسمرت في مكاني كتمثال إغريقي قديم ـ من شدة الخوف و الإنبهار ـ أحاطتني كتيبة من الوساوس، أشعلت مصباح الجيب ففتحت قرصا في الظلام، أرى من خلاله هذا الشبح بوضوح. دنا مني أكثر فأكثر، كان فارع الطول، عر يض المنكبين، أخفش العينين، مقطب الوجه، لا يرى في سحنته لا ضحك و لا حتى الإبتسام. نحنح قليلا ليكسر رتابة السكون، و صحبت نحنحته طقطقة أسناني و كأنهما جوقة، امتلكت نفسي لماما، و قلت: " أي الثقلين أنت؟ "
ضحك حتى كشر عن أسنانه فبانت نواجذه ـ أواه و أية نواجذ!؟ ـ ثم قال:أنا... أنا المطلق.
سؤالي واضح و محدد هل أنت إنسي أم جني؟
قلت لك أيها الآدمي الرعديد، سليل الدمار، سليل الشر، سليل الحقد، أنا أرقى درجة منك و من كل إنسان...
إن لم تكن مثلنا فأنت جني؟!
لست جنيا قلت لك أنا المطلق، ألا تفهم؟
أنا لا أفهم شيئا، و لا أريد أن أفهم شيئا، و لو كان عندي عقل أفهم به، لما جلست في هذه الأكمة الشؤم، كما أنني لا أعرف ما الذي تعني بالمطلق، لقد قرأت في احدى الكتب التي ابتعتها من أحد الباعة المتجولين بطنجة، أن هناك بعض الفلاسفة القدامى كأفلاطون و ديمقريطيس و سقراط يقولون أن العقل هو المطلق، و المطلق هو العقل - حسب فهمي - ، لكن ما هو العقل؟ و ما هو الضمير؟ أشياء كثيرة لا نعرف عنها سوى مسمياتها.فكم مرة تسأل أحدهم عن العقل فيجيبك بعد أن يحك قنة رأسه و هذه إحدى علامات الغباء السبع.: العقل، الـــعقـــل هو الدماغ. ثم تتمنى لو تنهال عليه ضربا حتى يستغيث.....
نظر إلي نظرة ملية ثم قال: بدأت حمى التخريف تأخذ منك حيزا وافرا، فأنتم معشر الإنس تخافون و لا تست....، ماتت قلو بكم و تحجرت عواطفكم...ومع ذلك فإن حالتك تثير الإستعطاف، لكن تذكر أنه على الباغي تدور الدوائر..
حالتي تثير الإستعطاف؟! و هل تحمل لي معك خاتم الحكمة، أو العصى السحرية، أو...هيا قلها! قل شبيك لبيك.
جلس القرفصاء قبالتي، كان جالسا على...عـ..لـ..ى لا شيء، لو رآه نيوتن لأعاد النظر في مسألة الجاذبية، كما أن ضوء البطارية بدأ يخفت، يخف.، يخـ..، يـ... لم أعد أرى سوى شبح، شب.،ش..، ...ثم توارى عن الرؤيا، و ظهر من جديد، لا أدري كيف؟ بدأت أراه لكن أوضح من السابق، قلت: هذه أفعال العفاريت...
استشاط غضبا وقد امتقع لون سحنته...
...أنا لست عفريتا أيها...عظ على شفته السفلى و استطرد، عدم المؤاخذة، لم أعتد سب أحد...!
جرتني مخيلتي إلى عوالم سحيقة، إلى د نيا اللاهوت، ثم من حيث لا أدري إلى أزليات سيف ذ اليزن و أيام الحلقة...
كنت دائما تواقا لمعرفة ما يصول و يجول في قريحة الراوي، و بما أنني كنت دائم الحضور في مجالسه، أصبح شكلي مألوفا لديه، فيجلسني مرارا على يمينه و يمرر يده فوق رأسي، فأزداد فخرا و اعتزازا لا تنقصني سوى أجنحة قد أطير بها. كانت أحجياته شيقة للغاية، نعم شيقة لدرجة أنها أنستني واجباتي المدرسية...كان يا ما كان...، لحيته تكسو وجهه و على رأسه عمامة بيضاء...و كان ينتعل نعلا أكل الدهر عليه و شرب و كان...و كان...
و كان يا ما كان...
- الغريب: دعك من أيام الحلقة ! و اسمعني...
تعجبت، انبهرت، و بانت على صفحة و جهي علامات استفهام؟؟؟، ثم تعجب!!!، ثم...ثم تخيلت رأسي كتابا مفتوحا يقلب صفحاته هذا الغريب، و هل يمكن للعفاريت أن تقرأ أفكارنا؟ إن ذلك من اختصاصات الخالق سبحانه.
...ثم إننا نقرأ أفكار بعضنا ، لكن ذلك يأتي مصادفة و ليس بصفة دائمة، ساورني شك أنه ربما يقرأ أفكاري، فأطرقت ...تأملت مليا...ثم: لست جنيا، و لا إنسيا...ماذا تكون إذا؟ أنا لا أعرف سوى هذين النوعين،ثم تعالى هنا ! إن صورتك آدمية أو شبه...آه صحيح، لقد سمعت أن العفاريت تظهر في صورة البشر...هل تكون ملاكا...مخلوقا نورانيا ... حاشا...لا يبدو عليك ذلك ...هل أنت شيطان...؟ إن أمرك لا يهمني أيا كنت!!!
- صه! قالها بلهجة غليظة
أحسست أن فرائصي بدأت تكل من كثرة التفكير و التعب معا... و ضع كفيه على ركبتي، فشعرت بقشعريرة تزلزل رجولتي، و برودة تخترق جسدي المنهك، و... ، و ... ، و طقطقت أسناني من جديد ...
فقلت في قرارة نفسي لعلها النهاية. و يا لها من نهاية!!!
الغريب ـ قائلا لا ضاربا ـ : لا تخف!!! لن أؤذيك!!! يكفيك ما فعله الزمان بك و بأمثالك!؟!؟
كنت أراه يلوك كلمات لم أعرف مغزاها، إنه يرمي الحديث على عواهنه ... أحسست بعدها أن بوما يعتلي رأسي، و غربانا معتمة تحوم من حولي، تصدر نشازا كنائسيا هو الأسوء لا شك...كل العناصر المقززة كانت حاضرة، و كنت أتخيل ثعبانا هنديا يلتف حول عنقي، و قططا سوداء تموء هنا و هناك، ثم هنا و هناك ...و بدأ عددها يزداد ... يزداد ويزداد حتى أصبحت كلا مظلما... لم أر بعدها سوى عيون براقة ... و كبس الثعبان على أنفاسي دون أن يلذغني... و كانت الغربان... و كان كل شيء أسودا، أسودا نعم، نع.. ، ن .. ، نـــــ... و قال الشبح ، و قلت أنا، و قال الشبح... و أطرقت، نظرت خلسة إلى قدمي الشبح و الذي لم يعد شبحا فلم أجد سيقان الماعز، بل كانت سيقانا آدمية مع إضافات دقيقة مميزة... ثم قال الشبح ...و قلت ... و قلت ... و قلت: أريد أن أكون و حيدا، لماذا اقتحمت عالمي؟ و أعطيت لنفسك الحق في تأنيبي؟؟؟ هيا ارحل!!! ـ وفي داخلي تساءلت كيف أتتني هذه الشجاعة ـ
الغريب: أنت من يجب أن يرحل!! أ لا تعلم أنني المالك الشرعي لهذه البقعة!!!، و أنك تجرأت على الجلوس هنا دون إذن مني!! و مع ذلك فقد تعاملت معك بما هو أحسن و أقوم، و لو رأيتك مرة أخرى لأوسعتك ضربا و لنفيتك وراء الشمس ...
أغرقت نفسي في التفكير حتى النخاع...لا بد أنه عفريت مسلم فمنهم المسلمون و منهم دون ذلك...كنت كثير الخيال و رأيته أمامي فيوداليا...، إنه يتحدث عن الأملاك و البقع... و ... و قلت هل أنت إقطاعي؟؟
قال ببرودة تامة و كأن أحدا أطفأ لهيب غضبه: أنا لست إقطاعيا، إن من الأدب أن نستأذن أصحاب الدار قبل دخولها!!!
سرحت بناظري هنا و هناك، فلم يكن هناك لا بيت و لا حتى كوخ... في الحقيقة كنت أبحث داخل العدم عن العدم...لكني لم أكن أعلم أنه صاحب العدم...! من الممكن أن يكون له منزل خفي يتكئ في ركن من أركان هذه البقعة!!! و قد تكون زوجته بالداخل تسرح شعرها!!! جنية من طينته... و تذكرت زوجتي، لا بد أنها تعد النجوم و حبات الرمال طمعا في رجوعي إذا رجعت...لو أن أحدا يدخل الآن داري في غيابي ...أواه أواه...لا أستطيع تصور ذلك!!!
قلت مطأطأ الرأس: المعذرة يا سيدي ، كنت أريد أن أختلي بنفسي لا غير.. . لكن أقسم أنني لم أكن أعلم...، لقد انتهكت حرمتك دون قصد... سأرحل ، سأرحل ...