قضــاء.. وغــدر / نصرالدين نواري
"مسكين أنا.. أسير في مدينة لا تعرفني وفي ليلة لا يرحم بردها، وفي ساعة أجزم أنها متأخرة..".
لا، لا....هذه الفكرة تبدو سطحية وغير مناسبة لبداية قصة أريدها أن تكون متميزة؛ فمعظم الأعمال الأدبية الناجحة هي تلك التي خُلّدت ببدايات رائعة ولنا في تاريخ الأدب الكثير من الأمثلة، فهذا الكاتب الانجليزي الكبير "تشارلز ديكنز" يبدأ روايته الشهيرة "دافيد كوبرفيلد" بافتتاحية خالدة: (اسمي دافيد كوبرفيلد.. وهاأنذا أكتب لكم قصة حياتي..ولدت في بلاندرستون وقد مات أبي قبل مولدي بفترة قصيرة.. وفي إحدى الأمسيات كانت أمي جالست قرب نار المدفئة وكانت حزينة على مصيرها ومصير طفلها اليتيم البائس...).
نعم.. إن أي عمل أدبي تظهر معالمه من بداياته، ولذا سأحاول أن أكتب افتتاحية تشد انتباه القراء وتثير اهتمامهم، ولكن هل باستطاعتي السير على خطى مالك حداد، تشارلز ديكنز، جون شتاينبك، نجيب محفوظ، ونيكوس كازنتزاكيس...؟، هل أملك من الأدوات الفنية والجمالية ما أتيح لهم؟
إذن لماذا لا تكون افتتاحية قصتي بهذه الطريقة: "شجاع أنا.. لا أعرف غير الإقدام عنوانا.. "
وقبل أن يكمل فاتح فكرته؛ رن هاتفه محدثا ضجة كبيرة ارتعدت لها أنامله التي تحسن الرقص مع القلم.
- ألو..من؟
- نعم أنا فاتح..وأنت ؟
-...آآ كريم ابن عمي كيف حالك مر زمن بعيد لم أسمع فيه صوتك، كيف الأحوال..؟
- ما.. ما.. ماذا.. ماذا قلت؟..أف انقطعت المكالمة.. تبا لك من هاتف أحمق سأرمي بك هذه المرة في بحر "المانش" ولا يهمني إن كنت لا تجيد السباحة!!
- قــ نـــ بـــ لـــ ـــة.. أظن أنه قال قنبلة؟..ولكن ما دخلي بالقنبلة.. كل ما أعلمه ويعلمه كريم هو أنني أكتب القصص وأشتغل بالصحافة.. هل أرادني أن أكتب قصة عن الحروب؟ ولكن ما دخله، لم أعهده يتدخل في عملي!
وضع فاتح رأسه بين كفيه ساحبا نفسا عميقا من هواء الغرفة المشبعة برائحة الكتب التي يعشقها حد الجنون، ثم استرسل متمتما:
- نعم كريم قال قنبلة أتراه يمزح.. لا لا أظنه يمزح فالوقت غير مناسب لهكذا أمور، كما أنه يستحيل أن يتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل ليطلب مني كتابة قصة عن الحروب والقنابل... آه لقد فهمت ربما أراد أن يقول أنّ !!..سأشغل التلفاز لأتأكد..
يا إلهي لطفك..اللهم استرنا بسترك الجميل.. ماذا يحدث.. أهذا؟.. نعم هذا إذن ما أراد كريم قوله.
على وقع الدموع والحسرات ومن دون أي انتظار قرر فاتح السفر على جناح السرعة إلى بلاده التي غادرها منذ سنوات هروبا من شبح القتلة الذين كانوا يتسابقون على قطف روحه البريئة الطاهرة الكارهة لكل الأحقاد والضغائن.
هاهو يعود الآن إلى وطنه مفجوعا كما غادره ذات يوم موجوعا وكأن الأقدار لم تُرد غير ذلك…
كُتب عليك يا فاتح أن تحزن، أن تبكي، أن تهيل الترب والدمع على من تحب..هي الأقدار أرادت أن يموت أصدقاؤك بالقنابل، بالرصاص، بالمدافع.. يموتون ليحيون في عقولنا، وبين تأوّهات أقلامنا، ذكراهم تاريخنا وروحهم سراج سينير حتما طريقنا.
نعم يا فاتح بإمكان مكالمة واحدة أن ترجعك إلى أرض عشقتها، إلى أرض رسمتها ذات يوم زهرة ياسمين ثم حذّرت مَن يحاول قطفها..كنت تفاخر دوما بجمالها بتربتها برملها بثلوجها بأبطالها وبتاريخها.. لذا كنت دائم الدعاء لها ليحفظها الله ويبعد الشر عن أبنائها.
الآن وبعد سنوات من الضياع.. من المنفى.. ها أنت تعود ولكن هل العود دائما أحمد؟.. هل سيتركك هذا الوطن لتغادره بسلام؟
في حديقة المدينة يجلس الآن مع ابن عمه كريم.. يبدوان في حالة من القلق والحيرة، فبالأمس فقط كانا من بين الألوف المشيّعة لضحايا الانفجار الهمجي الأخير الذي استهدف أعز أصدقائهما.
- هل مازلت حزينا على فراق الأحبة؟
بهذه الكلمات التي خرقت جدار الصمت؛ يضع كريم حدا لحالة الشرود التي كان عليها فاتح.
- وكيف لا نحزن وآلة الدمار تحصد أرواح الأبرياء في كل لحظة وحين.. وكيف لا نبكي ونتحسر ورائحة الموت تطارد الجميع في كل مكان، ألا ترى يا صديقي أن القتلة لا يزالون في ضلالهم القديم متبجحين برفع شعارهم العفن: "الرصاص والقنابل من أمامكم والسواطير والخناجر من ورائكم فأين المفر" ؟!!...
يقاطعه كريم والدموع تحتبس متلألئة في عينيه الزرقاوين:
- نعم أوافقك الرأي.. ولذا فأنا خائف عليك من بطشهم؟
- لا تخف الأعمار بيد الله..ولكن انظر هنالك؟
- أين؟
- أنظر إلى ذلك الشخص الذي يجر وراءه رغيف خبز، أظنه مجنون أليس كذلك؟
- إيه يافاتح أصبحت لا تعرف الناس؟
- أنا لا أعرفه يا كريم !
- بل تعرفه.. إنه مسعود صديقك في الجامعة
- مَن؟ مسعود الفيلسوف !! أنت تمزح
- الآن أصبحنا نناديه "مسعود الخبزة"
- وماذا حل به، لقد تغيّر كثيرا؟
- خطبه عظيم يافاتح.. لقد جن منذ سنتين والسبب هو ظروفه الاجتماعية الخانقة؛ فمنذ تخرجه من الجامعة وجميع طلباته المقدمة للعمل تقابل بالرفض بحجج بيروقراطية واهية، وهذا ما أدى به أمام الملأ إلى تمزيق ديبلوم الفلسفة الذي يحمله. ومنذ ذلك الوقت ومسعود يحترف كل الأعمال الشريفة وغير الشريفة للظفر بدريهمات يعيل بها أسرته الفقيرة..
- أكمل يا كريم لا تتوقف..
- وفي إحدى الأمسيات الممطرة وعند عودته من رحلة البحث عن عمل وجد سيارات الإسعاف والشرطة وجمع كبير من الناس يطوّقون منزله الذي انهار على جميع أفراد أسرته.. ومن يومها أصبح مسعود على الحالة التي ترى..
- هذا مؤسف حقا، كان الله في عونه.. ولكن ما قصة الخبزة التي يجرها؟
- أسِرع لنلحق به وستفهم من فمه.
- مسعود.. مسعود
التفت إليهما وكله غضب: ماذا تريدان مني أنا أحسن حال منكما.
رد عليه كريم: أعلم ذلك جيدا يا مسعود ولكن ألا ترحب بالضيف أولا؟..ألا تعرف فاتح صديقك في الجامعة؟
- أنا.. أنا لا أعرف الخونة الذين ذهبوا إلى إنجلترا وتركونا نصارع فقرنا، إن فاتح مثل "سكروج" ذلك الرأسمالي الجشع في أحد أعمال ديكنز.. على كل حال أنا أفضل منه بكثير ألا ترى أن الخبز هو من يجري ورائي يريد اللحاق بي بعدما كنت أسعى وأتعب من أجل الظفر بالقليل منه !!…
وما إن أتم مسعود هذه الكلمات حتى انطلق بسرعة كأنه ثور إسباني هائج تاركا فاتح غارقا في الحيرة التي سرعان ما بددها كريم:
- ما بك يا فاتح...ألا تريد الكلام؟
- يا أخي لقد صدمني حال مسعود الذي عرفته شخصا قوي الشكيمة غزير الثقافة، قال لي ذات يوم متبنيا قول الفيلسوف الدنماركي كيركيغارد إن "أوروبا تتجه نحو الإفلاس".. لكني أرى ياكريم أن مسعود هو من أفلس في الأخير وليس أوروبا، كما أتذكر تحججه الدائم بماركس وخاصة عندما يردد قوله الشهير "إن المحرك الحقيقي للتاريخ هو تغير ظروف الحياة المادية" وأظن أن مسعود وأستاذه كانا محقين في هذه النقطة بالذات.
قاطعه كريم: لكن ألا ترى أنه مازال شخصا مثقفا حكيما رغم جنونه؟
يجيبه فاتح وعلامات الحزن ترتسم على وجهه الذي لا يزال يشع شبابا:
- ألا تعرف المثل القائل خذوا الحكمة من أفواه المجانين، لكن شتان بين مسعود الفيلسوف الذي كنت أعرف وبين مسعود الخبزة الذي رأيت الآن..
المهم الآن أن تركّز معي جيدا ياكريم؛ أنا كما تعلم ملزم بالعودة بسرعة إلى انجلترا لارتباطاتي الكثيرة وكل ما أوصيك به هو أن تكون عضدا لهذا المسكين، وأنا من جهتي سأحاول مساعدته قدر الإمكان؛ حتى وإن تطلب الأمر مني نقله إلى أحسن المصحات الأوروبية لمحاولة علاجه ...وكما يعلم الجميع فإن الشفاء بيد الله، أليس كذلك؟
- معك حق يا فاتح إن الله على كل شيء قدير..أما من جهتي فسأحاول العمل بوصيتك وسأحرص على مساعدته...
- إذن اتفقنا
يجيبه كريم بابتسامة بريئة: اتفقنا.
في رحلة العودة إلى انجلترا، يجلس فاتح داخل طائرة الـ"آربيس A320" متثاقل الجسم منهك القوى، أكيد أن أحوال بلده وموت أصدقائه وجنون المسعود قد أثر فيه بشكل كبير ودفعه إلى المغادرة بسرعة، غير أنه وقبل ركوبه الطائرة قدّم وعدا لكريم بأنه سيعود بصفة نهائية إلى وطنه بعد تسوية جميع قضاياه الشخصية.
من جهته، وبعد أن قام بتوديع فاتح منذ ساعات في المطار، يشغّل كريم جهاز التلفاز ليشاهد نشرة أخبار القناة التي تأكل مع الذئب وتبكي مع الراعي والتي تعتبر نفسها قوة إعلامية عالمية لا يضاهيها أحد..
- أهلا بكم من جديد.. نعود للخبر الذي أوردناه منذ قليل:
في تطورات للغز انفجار طائرة الـ"آربيس A320" فوق بحر "المانش"؛ أعلن منذ قليل تنظيم "الأساس" مسؤوليته عن عملية التفجير التي أودت بحياة كل من كان في الطائرة المتجهة إلى مطار "هيثرو"..
نصرالدين نواري 1/1/2008