البحـــث عن أمــل
أقبل الصبح يرتشف الندى، ونهضت البلابل تراقص زهرَ الرمّان، سكونٌ يصارع ضوضاء الصباح، استيقظتْ الطفلةُ أمل ابنة الخمسة أعوام من سريرها في زاويةِ البيت القديم، حملت دميتَها وخرجت حيث الحديقة، لا ترى في مقلتيها سوى عالمٍ باقٍ من سراديب الحقيقة.
فرخُ الدوري يغرّد على جانب عتبة البئر الذي تم بناؤه منذ قرابة ثمانية عشر عاماً ليستقي منه الجيران، كلّما أزفت أمل من فرخ الدوري المبتسم كلما حاول إبعادها والهرب برشاقة.
بدأ ضجيج الصباح في أروقة البيت، العمُّ جهاد والد أمل ينادي أبناءه النائمين" هيا استيقظوا، إلى أعمالكم"وكان له من الأبناء ثلاثة، رامس وقادس وأمل، رامس أكبرهم سناً وقادس أدهاهم وأذكاهم وأمل الطفلة المدللة بينهم والتي تكسو جدران البيت بملصقات رسوماتها الجميلة.
أمّ رامس قامت تسبّل شعرها وترشق وجهها بالماء البارد وترتّب الفراش المرهق طيلة نوم الليلة الماضية، الأمّ تود انتشال الماء من داخل البئر، تزوغ عيناها حين رأت نعلَ أمل على حافة البئر الذي لم يكن ليُغطى ببناء أو أي غطاء، تقول في ذاتها: أمل!، ما الذي أحضر نعلها هنا؟!، أليست نائمة؟!، تسرع وتترك الحبلَ يسقط في فم البئر، إلى سرير أمل، تصرخ: ويلاه أمل..أمل، أبو رامس رامس قادس، أين أمل؟.
حركة متداخلة بين الأبناء والأب والأم، أم رامس تقول: نعلُها على حافة البئر، يُصعق العمّ جهاد: ماذا؟، أتعرفين يا امرأة معنى هذا؟، لقد سقطت داخله وأنت نائمة، يخرج الأربعة بسرعة من داخل المنزل إلى حيث البئر في الحديقة، كلّهم يصرخون بصوت أرهق آذان الجيران، هبّ الجميع لمعرفة ما الذي يجري في بيت العمّ جهاد، والتفّ الناس حول البئر يبحثون عن أمل والنساء تمدّ يد الصبر إلى أم رامس بعد أن بدأت تلطم على وجهها وتقطع شعرها قائلة: أنا السبب، أنا السبب.
البئر عميق والماء يلتهم من يقترب منه، لكن العمّ جهاد قال: سأنزل إلى داخل البئر لأنفذها، قدم أحد الجيران وهو شعيب إذ كان في ريع شبابه واخترق الجموع الملتفة عند فوهة البئر وقال:احضروا حبلاً، وبعد أن حصل عليه ربطوه وأنزلوه إلى البئر وهم يرددون : يا الله.. يا الله، فرأى قبل أن يصل الماء حركة دائرية توحي بدليل غرق الطفلة أمل هناك، ولدى وصول شعيب الماء لم يتكلم بكلمة واحدة ما أذهل المنتظرين، فنادوه: هل وجدتها؟، لكن شعيباً بقي صامتاً دون أن يتفوه بشيء، فقال العمّ جهاد ودموعه تتساقط فوق ماء البئر: ارفعوه كي لا يصيبه مكروه لا سمح الله.
رامس وقادس كانا على النقيض من المشاعر، فرامس الشقيق الأكبر يبدو وكأنه غريب لا دخل له، وكأن أملاً ليست شقيقته أو ابنة جلده، أما قادس فيبدو عليه القلق إلى درجة الجنون والتخبط والتهوّر أحياناً، وكان ينتظر شعيباً بفارغ الصبر، فما أن شدوا الحبل وإلا به بوزن ريشةٍ سقط الطير عنها، فبدا الحبل بلا شعيب، بدأت الأصوات تزدحم خارج البئر وأم شعيب تصرخ مع الحاضرات: بني..شعيب..أجبني إن كنت تريدني ألا أموت، تجمّع سكان الحارة صغيرهم وكبيرهم ينتظر، ويعتصر ألماً.
خرج قادس من البيت ووجهة كالبركان تلتهب النيران داخله، فشعيب كان صديقة وأمل شقيقته، وغادر قليلاً منطقة النحيب الذي جمع السكان هناك، وفجأة يحدق قادس، إذ سمع صراخاً بعد أن مرت سيارة جيب عسكرية، فسارع يركض حيث مكان الصراخ، فلم يجد شيئاً لكنه فوجئ بوجود الدمية التي كانت تحملها أمل ملفوفة بالطين الذي صنعته عجلات الجيب، كما فُجع بوجود قطرات دمٍ على الطريق، فصرخ في ذاته: ماذا أحلّ بنا؟، يا ربّ صبّرنا على مصابنا الجلل، صديق رحل ورحلت أمل.
رجع قادس إلى البيت بخطوات تسابق الريح، فالتفت الباكون على جثة شعيب، وقالوا: ما هناك، فردّ بصوت يمتزج حزناً مع الجثة الملقاة على أرداف البئر: أمل ماتت تحت أقدام الغزاة، فقام جميع الجيران بمحاولة دمل الجراح التي تخترق أجساد والدي أمل وأخوتها ووالدي الشاب المقدام.
وفي مساء ذاك اليوم اجتمع أهل الحارة في بيت عزاء موحد لشعيب والطفلة أمل التي ما حضر جسدها، وفي لحظة صمتٍ قاهر يستلّ جلسات الماضي السعيد، وفي وقت تستسلم العيون فيه للدمع الذي قادها منذ ساعات الصباح، وفي أزقة وجوهٍ ترتشف الصبر من الإيمان بالقضاء والقدر، وقف الجميع على خطوات بريئة رقيقة، كانت أمل التي فُقدت منذ الصباح، تبكي قائلة: لقد ضاع العصفور والنعل والدمية ودمي، فبكي الحاضرون على شعيب، وقام والده يقول بكلّ رجولةٍ ومروءة: إن مات شعيب فالحمد لله أن أمل لم تمت أو تغب عن قلبنا وحارتنا المقدَّسة.