وجدنا في هذه الدنيا كي نحارب ..
النهر يحارب مجراه كي يغطس في البحر ..
الوحش يحارب جماله كي يبقى وحشاً ..
الجنين يحارب عزلته كي يستقل بالحياة ..
و كلٌ يحارب بطريقته ..
***
(صفية) .. هذا هو الاسم الذي خُلقت له ..
ذات السبعة أعوام .. لا تختلف مطلقاً عن أي فتاة تتنفس في نفس السن .. قيل لها أنها تسير على الأرض من أجل هدف ما .. لم تعرف ما هو ؟ .. لم يخبرها أحد ما هو ؟ .. أو بالأحرى لازال باكراً عليها أن تعرف ما هو .
مصرية .. تشبعت بشرتها بملوحة ماء البحر المتوسط .. لكن ومضة في روحها لها لهفة عطشة لرمال الصحراء .. هناك في مدينة (العريش) العتيقة حيث يسكن جدها ، سعيداً بتلك البساطة و الهدوء .. تزوره (صفية) بين حين و آخر .. أو لم هذه التقليدية في الكلام ! لقد باتت صاحبة البيت بعد رحيل جدتها .. تسعد معه بكل لحظة كما لا تسعد بساعات داخل مكعبات الاسمنت أو كما يسمونها بالبيوت العصرية .
مسرحية .. لا يمكن أن تصنف إلا بالتراجيدية .. أبطالها دخلوا للمشهد بلا ترتيب أو نصوص .. لم يعرف جدها كم أخطأ حين حجز لها مقعداً وسط الرمال البعيدة .. لم يتمكن من اعتراض فضولها من متابعة تلك المسرحية .. المشهد عبارة عن أسوار من حديد أشبه بخيوط العنكبوت قطعت الأرض لشبرين دون إذن .. و هم بذلك أسموا ما شطروه الأول ب(رفح الفلسطينية) و الآخر ب(رفح المصرية) .. تركوا بينهما جزءً ضيقاً انحشرت داخلها الأجساد الحية بمختلف الهيئات الآدمية .
(فلسطينيون) .. هم أبطال المسرحية .. جُل ما أرادوه أن يكملوا حياتهم ما إن يجدوا الفرصة لإكمالها .. ففي أرض مصر تقبع أصغر أحلامهم .. حلم الحصول على علاج مجرد مثال .. و متأخراً لم يدركوا أن هنالك من نصب نفسه حارساً لهذه الأحلام .. لست أتكلم هنا عن الشياطين .. أتكلم عن بشر مثلهم .. (اسرائيليون) هكذا يُطلق عليهم .. و هذا هو هدفهم في الحياة .. و هو ألا تبتسم شفاه هؤلاء .. و هم حين دخلوا بأقدامهم بين أحضان هذا السجن المكبر بتهمة المطالبة بالبقاء على قيد الحياة .. فقد وافقوا على التهمة بكامل قواهم العقلية .. و بقي لهم أن يتمسكوا برقم من مليون يمثل فرصة أن يسمح لواحد منهم .. واحد فقط سيذهب إلى مصر .. و تدوم هذه الحالة ل3 أشهر ! .. و إياكم أن تستغربوا ! .. فأنا أتحدث عن أقل فترة ممكنة !.. عندها فإن نظر ناظر لحالهم فإنه ليسمع حمد كلاب الحراسة على أنها خُلقت كلاباً .
رغم بعد المسافة بين المشهد و بين ناظريها .. و رغم أنها تقوي ضعف بصرها بعيونات طبية .. لكن (صفية) كانت لتجزم أن قد أحاطت بالمشهد كله .. "هل هذا المشهد حقيقي ؟ " تسأل جدها .. فتشعر أن معجزة أرغمته كي يؤدي ايماءة مجردة .. " و لماذا لا نفعل شيئاً ؟" تسأله بعد الأولى .. فلا يجيب ! و كأن لسانه قد سبقه إلى قبره .. و من بعدها لم تعد تسأله أبداً .
و من يومها صارت تسابق الشمس في صحوتها .. تسابقها كي تحجز مقعداً وسط تلك الرمال .. تتابع هذه المسرحية مكررة المشاهد بشغف .. فيرفض شيطان الملل أن يوسس لها .
فيما عدا ذلك اليوم !.. عندما نسيت امرأة فلسطينية أن جسدها لم يعد ملكها وحده ! ..امرأة حامل تركت أسنان السياج تعضها في سبيل الخروج من هذا السجن .. و بقدرة قادر نجحت بعبور ما عجز عنه الأبطال أنفسهم .. فهي لم تنسى أنها حامل .. لأنها ما فعلت ما فعلته إلا لأنها حامل .. فهي مطالبة وفق مواثيق الأمومة أن تفعل أي شيء لإنقاذه .. فكانت (صفية) هي أول من واجهته عند بر الأمان .. (صفية) التي انتصبت لها بالمقابل و كادت أن تصدق أنها أمام مسرحية عندما همت بالتصفيق .
هذا في حال اكتمل المشهد !.. فقبل أن تصل إليها بثانية .. لاحظت سائلاً أحمر قد تفجر في صدرها .. فخرت أمامها مباشرة و لم تقف مطلقاً .. فالسجانون لم يوقعوا بعد على صك حريتها !.
اتجهت أنظار (صفية) لا إرادياً صوب رأس برج يتوسط الحاجزين .. يتزين فوقه جندي اسرائيلي أنزل بندقيته بعد أن أدى مهمته .. و لم يدع المرأة الفلسطينية تبتسم في النهاية .. إلتقت نظراتهما رغم هذا البعد شاسع .. لم تعرف حقاً مالذي ستفعله ! .. و مالذي ستفعله طفلة أمام ما يعد كيان دولة بأكملها !.
لكن نقاء فطرتها وحده من جعلها تلتقط أول حجر يظهر في طريقها فتقذفه باتجاهه .
رأت في مخيلتها أن الحجر قد أصاب جبهة هذا الاسرائيلي فأردته قتيلاً .. لذلك تراجع الجندي خوفاً عندما رأها تقذفه بالحجر .. و لكن لا تلك و لا ذاك !.. فالحجر الواقعي أسقط نفسه في ربع المسافة بينهما .
أخذ الاسرائيلي وقته ليختار رد الفعل المناسب .. و كذلك فعلت هي .. فكانت النتيجة أن انخرط هو في موجة ضحك هستيريا .. و أما هي فعادت أدراجها بما تبقى لها من كبرياء .. و خلال الطريق سقت الرمال بجود من دموع عينها .. لاحظ الاسرائيلي عليها ذلك .. فرفض أن ينهي عليها رغم تفاهة الأمر عنده .. لأنه أخذ يردد في نفسه " لسوف تعود بالتأكيد " .
***
" جدي .. سأذهب لأحارب اسرائيل" ..
باتت تلقنه العبارة كل يوم .. فلم يعد يلقى لكلامها بالاً كما في المرة الأولى .. فيذهب إلى شغله و يدعها تلعب أو تطعم الحمام أو أي شيء مما تريد فعله .
لم يعلم أنها لازالت تواعد ذلك الاسرائيلي كل يوم في نفس الأرض و على نفس المسافة .. تلتقط أي حجر .. تلامسه بشفتيها .. تهمس له و كأنها ترقيه بأيات من القرآن .. و من ثم تتغير وضيعتها مباشرة عندما تقذف به نحو قمة البرج .
من يراقب حركة ظلها كما ترسمها الشمس ليوحى إليه أنه أمام بطل اغريقي أسطوري .. لكن نسج الخيال هذا سيطير من رأسك عندما لا يلتزم الحجر بحكايتك .. فهو حجر و لو تلون بلون السحب فإنه ينتمي للأرض .. و لندع الطيران لأصحابه .
و لأن الحجر صلب .. فلن تجد ما هو أصلب من عناده .. لكن (صفية) وحدها من استطاعت أن تجعله صفواناً بين أناملها .. روضته كما لم يتمكن الفلسطينيون على مر تاريخهم أن يفعلوا .. هجرت كل ألعابها ليضحي هو كل ألعابها .. تجمعه كل فجرية فتعطيه حماماً خاصاً كي يكون طاهراً مثلها عندما تقذفه .. طوعته فصار يقطع نصف المسافة .. و شيئاَ ثلاث أرباعه .. ثم صار يتجاوز الحاجز .. فيصطدم بالبرج .. لكن أن تصيب جبهة الاسرائيلي فهذا بحاجة منها إلى عمر بحاله .
لم تعش وحدها هذه العلاقة الفريدة بين انسان و حجر .. فحتى الاسرائيلي أضحى جزءً من الحكاية .. هو الآخر يسابق صحوة الشمس و يترقب حضورها .. قلبه يخفق حقاً لمرآها .. ستقول أن هنالك عشقاً قد تولد بينهما ! .. أقول لك نعم .. ليس عشق قيس لليلى .. إنه عشق من نوع آخر بين عدو لعدوته .. يقف بحماس على كل حركة مفصل تؤديه كمن يتابع مباراة فريقه المفضل .. تمنى و بصدق أن يصل إليه الحجر بقدر خشيته أنه قد يؤدي إلى مقتله .. سخر منه رفاقه على لهفته الحمقاء تلك !.. لايهتم .. فهي قصة أرق من أن تخترق خوذات رأسهم .. صارت بطلته الأولى بلا منازع .. أصغر محاربة لم تنخرط في أي تدريب عسكري من قبل .
***
و أخيراً .. نال أحد الفلسطينين رحمة السجانين .. أُذن له بالخروج من الحاجز ليذهب إلي حيث يشاء و ليفعل ما يشاء .
لم يكن هنالك جندي متفرغ ليحرره سوى جندي البرج .. فاضطر أن يتخلى عن عرشه كي يفتح له أبواب الحرية .
ركله كي يترك قصره .. كأنه من أجبره على الانحشار في قارورة و إخراجه منها بنفس الطريقة .
راقبه قليلا و هو يتجاوز الحدود .. و كاد أن يعود أدراجه لو لم تردعه حواسه عن ذلك ..
فقد وجدها تقف أمامه !.. و أخيراً بطلته ذات السبعة أعوام تقف على مسافة قريبة منه.. لم يعرف كيف يتصرف !.. و هل للإنسان قدرة أن يتصرف عندما يكون داخل حلم !..
أما هي فحولت أحلى أحلامه إلى أبشع كوابيسه .. فقد نالت فرصتها السانحة أخيراً .. و لن يعترض أحداً سبيلها في هذه اللحظة ! .. عندها ألقت به .. ألقت الحجر !..
و حتى هنا حافظ الحجر على عناده .. أو ربما تخلى عنه عندما فضل المكوث بين سجن أصابعها .. لأن (صفية) من سقطت على ظهرها .. كما يسقط الحجر !..
لم يصدق الاسرائيلي أنه قد فعلها !.. ففي لحظة خوف أنهى على أسطورته بنفسه .. بطلقة جبانة من بندقيته .. هرع إليها بما تبقى له من إنسانية .. دمع عليها بما سمحت له عيناه الحقود .. لكن الحلم انتهى .. و ترجلت الفارسة عن جوادها .. و صارت كما الذي في يدها .. غادرها ما كان يحركها ليصعد إلى الجنة .. و عندما لم يجد الاسرائيلي سبيلا لإعادة الزمن .. قرر الاحتفاظ بتذكار .. و قد كان ذلك الحجر الأول و الوحيد الذي خطر على باله .. و سيحتفظ به داخل قلبه بعد أن دفن قاذفته دفن الأبطال .
***
لم يعرف جدها حقاً ما جرى لها ! .. لم يعرف أي رمال في أي أرض قد ابتلعتها ! .. لم يعلم أنها ودعت الدنيا ! .. لم يعرف عنها شيئاً البتة !؟ ..
و عندما عجز عن نبش الأرض بطريقته .. قرر الاستعانة بكل السبل الأخرى .. بلغ سلطات البلاد عنها .. فوعدوه بأن يفعلوا ما بوسعهم .. وعد تحت بند " بنا ما يكفينا و هذا ما ينقصنا " .. و هو بذلك فعل كل ما بوسع انسان فعله .. و بقى انتظار رحمة الله ..
و من ضمن هذا الانتظار .. كان لابد من جريدة يتصفحها كل يوم.. لعل و عسى يجد فيها حروف الأمل .. لكن الجريدة نفسها صارت تسخر من أمله الواهي هذا .. ففلسطين لم تحرر بعد .. لذا لا هم لها سوى ما يحدث هناك من تدمير .. مظاهرة .. اغتيال .. مفاوضات .. فوضى .
لكن أحداً لم يدرك أن الصفحة الأولى وحدها من حملت الخبر اليقين :
(مقتل مسؤول رفيع في الجيش الاسرائيلي بحجر ألقاه أحد جنوده لرفضه مواجهة الانتفاضة الفلسطينية) ..
و قد فعلتها (صفية) ..
لقد فعلها الحجر .
{ و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى }
صدق الله العظيم .