حمـــــامة الفتـى بقلم القاصّ والروائيّ / عمر حمّش .. من غزة كان الفتى : قام الفتى في المخيم يؤرجح الذراع ، كان الفتى مشعا بضوء الله ، ساطعا كنجمة الصباح . وقال الفتى : هنا سقط الرفيق ، هنا خرجت روح من خلف روح من خلف روح . وعندما جاءوا هتف الفتى : أقفلوا الطريق ، أن حكم الله الأبدي أن تسد الشوارع عليهم وتقطع الطريق . دنيا الله : دنيا الله هجوم الناس على ثكنة الأغراب ، دنيا الله قرميد مجنون يتطاير خلف العربات .. ألواح صفيح تتمزق في الجري ثم صفير وزعيق وتصفيق يدوى لانقلاب العربة الغبيّ . قال الناس : - كمن الفتى لها وفى اللحظة الحرجة سحب الحبل ، فهرولت صفيحة الزبالة عظيمة ، رهيبة إلى عيني السائق . وقال الناس : - زاغت إطارات العربة المرعوبة ، فانفجرت في العينين قنبلة الجير الملفوفة بورق المدارس. وقالوا : - هاج المجنون الأعمى ، فوقفت عربته صارخة على إطارين ثوان ثم أنهدت. وقال الشاهد : - هجم الفتى ، وفى بطن العربة المقلوب سمعنا صراخا بلغتين ثم رصاصا يصن ، وهدوءا لثوان . وقال : - أعقب ذلك أمطار حجارة ثم هجوم الناس الكاسح . دنيا الله في المخيم نار حمراء تأكل عربات الأغراب ، وتلون الرمل بلون الدم الفاقع . الله يعطى والله يأخذ ، وللرّب في خلق الفتى شؤون ومواقف . الشهيد : القمر يا دنيا قمر ، والشمس لازالت .لا يتغير تكوين كونه الله ، هذا حال لا يتغير إلا أن شاء الله . وعلى الأكف كان الفتى . وقال الشاهد : - في لحظة رفع الفتى ذراعه وصاح : القمر والشمس يتجاوران . وأقسم الشاهد : - أن الناس في عجب صاحوا : القمر والشمس فلكان في السماء يلتقيان ! واستمر الشاهد : على الأكف قال الفتى : هذه منحة من عند الرب ، وهذا أمر الله أن يستمر الطعن . وأقسم الفتى : أن الليل انقضى ، و أن النهار منذ الآن يتمدد . ونام الفتى ..! قال الشاهد : -على الأكف نام الفتى ، فجاءته حمامة لا أحد من قبل مثلها رأى ، ظّلت ترفّ فوق الصّدر الدامي وتخفق ، ونحن نجرى من شارع إلى شارع . قال الشاهد : - حين حوصرنا سمعناها تنادى ، اتركوه ! أقسم الشاهد وشدّد : - طار الفتى من أيادينا ثم حلّق ، ترفّ الحمامة فوقه كالقائد . وقال الشاهد : - أما الأغراب فحملقوا فاغرين . الجثة : حلّق الفتى وحلّق ، ثم لف في حلقات موزونة ، وتصاعد تحت الحمامة ، حتى اقتربا من قرص الشمس . ويقول الشاهد : - احترنا هل ذهب الفتى أم جاءت إليه الشمس . ويقول : - أخر صورة كانت دورات لجسد الفتى أسرع من أن تتبعها . فصار الجسد قرصا ضوئيا ، ابنا للشمس . وهتف الخلق : ما عادت لدينا جثة للفتى . وقال الخلق : بعث الفتى قبل البعث . و قال الشاهد : أما الأغراب فوقف ضابطهم يرتعد لدوران الجسد الموزون والجند تداعوا على الجدران وهم يتصايحون. الضريح : القمر والشمس ملكان يتربعان والناس لم يفارقوا المكان . أعلن الناس : - لا يمكن ألا يكون للفتى ضريح . وقالوا : - في ذات الموقع وتحت الشمس والقمر. وجاء الكل ونشأ الضريح . أقسم الشاهد أن ذات صباح ، جاءت حمامة الفتى ولم تبرح بلاط الضريح ، وأن شيخ الزاوية صاح : تعالوا يا ناس لتروا كيف تكتمل نعم الله على عبادة الصالحين . قال الشاهد : - ركضوا فوجدوها .. بيضاء ثلجية ، وعيناها فيهما حور ، لم تأبه لهم ولم تغادر ،ظلّت عذبة ترنو بعينيها الساحرتين ، حتى الصّبية مدوا الأكف ولامسوها،لحظتها زغردت النسوة وسحج الرجال الأكف في الأكف ، وغنى كلّ الناس. قال الشاهد : - غنى الناس ثم هزجوا ، ثم انتظموا في الحشد اليومي وهجموا . قال الشاهد : هجم الناس على أولى عربات الأغراب ، فطارت الحمامة على الرؤوس ، والناس تدافعوا تحتها كل يتمنى أن يكون اليوم قد حان دوره .