زأر المخيم فاهتزت الأزقة والساحات .. زأر ثانية فتداعى الناس من كل حدب ، جاءوا بشيبهم وشبانهم .. أطفالهم ونسائهم .. سواعد مشمرة وهامات مرفوعة وحين زأر المخيم مرة أخرى ، أقسموا جميعا بأن الرعب كان باديا في الوجوه الغاصبة وأن هاتفا قصف صوته مزلزلا الأرجاء : اليوم يومك فطوبى لمن أقبل ولبى النداء . علا الهتاف وصدحت الزغاريد ممزوجة بدوي الانفجارات ورائحة البارود ، تململ الشيخ فوق مقعده المتحرك .. جال ببصره في الغرفة فلم يجد أحدا من حوله .. نادى بصوته المنهك بقسوة السنين فلم يأته جواب ، تلاشى صوته وسط دوي الانفجارات المتلاحقة . تقدم بمقعده نحو الصالة .. طاف في المكان فأدرك بأنهم خارج البيت ، مر بكفه ليمسح دمعة ساحت على خده وقد عز عليه أن يجتمع الكبر والمرض في لحظة هو أحوج ما يكون للتعاطي معها . صور من الماضي راحت تنساق أمامه مستحضرة معها ذكرى سنين ولت وانقضت .. يافا بشواطئها وساحاتها .. شوارعها وناسها .. بيارات البرتقال وبهيجة ابنة السبعة عشر ربيعا . الله يا أبا يوسف كيف تمضي السنون بنا ، بالأمس كنا فتية صغار تتقاذفنا الساحات والأزقة ، وحين اشتد الساعد قليلا تلقفتنا بيارات البرتقال ، نعطيها من فيض العافية وتعطينا ثمارا وستارا يخفي بقايا قصص وطيف حكايات . ترى أين هي الآن ؟ .. هل مازالت على قيد الحياة أم .. ربما ما زالت حية ، آه كم كنت جميلة يا بهيجة وكم أشعلت القلوب من حولك ،و قلبي مرجل يستعر بلا دخان ، كل الشبان طاردوك بنظراتهم .. بهمساتهم ، ألهبتهم سياط الفتنة المنبعثة من عينيك .. ضحكات الطفولة المغردة من شفتيك بين أشجار البرتقال .. صياح أبو علي الذي لازال يرن في أذني وهو يحثنا على إنهاء العمل قبل الغروب ، خشية الوقوع في كمائن اليهود . هل تذكرين يا بهيجة يوم أن قلت لي بأنك لاتلقين بالا لأي منهم ، كنت أدرك حينها بأنك تنادين شيئا بداخلي ، لكنه كان مشغولا عنك ، لا .. لا أقصد المساس بك فأنت فاتنة آسرة ، غير أن العين ترنو إلى العشق الأسمى . هل تذكرين يوم أن سالتني عن الجرح المضمد في يدي ، لم أصارحك يومها ، كان الحذر شعارنا ، ترى ما كنت قائلة لو علمت بأنه ناجم عن رصاصة كادت تخترق القلب فأصابت يدي ؟ ، هل ستصمدين لو عرفت أن عددا من رفاقي استشهدوا في تلك المعركة ؟ . في الحقيقة لم تكن معركة ، بل معارك يا بهيجة ، وفي كل مرة يداهمنا الموت من كل جانب ، يشاركنا عتمة الليل ، ثم يرحل مع بزوغ الفجر ، وفي تلك الليلة لم يفارقنا إلا و أحمد المختار في صحبته. طبيعي ألا تعرفيه يا بهيجة ، لأنه لم يعرف سوى الليل والبندقية ، كان قدرا يتخطف الأعداء في كل حين ، آه يا أحمد ، فلقد بكتك السماء والنساء .. الرجال وأغصان البرتقال التي ارتوت بدمائك الزكية وبقيت كلماتك حرزا أتقلده " لن نموت إلا كالأشجار واقفين " وهاهم بعد خمسين عاما يريدون لنا موتا آخر وأنا أجلس في مكاني عاجزا عن فعل شيء سوى رفضي لموت يريدونه ، تواسيني هذه الجموع وقد خرجت حاملة ذات الحرز في أعناقها . وقع أقدام بقربه أخرجه من من دهاليز الماضي وحطه في براثن الحظة الممزوجة بالنار والدم ، تأمل القادم .. نظر في وجهه الشاحب وصاح مستفسرا : ماذا وراؤك ؟ . إنهم يقتحمون البيوت عبر فجوات يحدثونها كالجرذان . والناس ؟ . يتصدون بكل قوة . فلم تركتهم وعدت ؟ . لأخرجك من البيت . ارجع إلى مكانك ودعني . يا أبتي إنهم قتلة . أخرج إلى الناس . يا أبت . قلت اخرج أو اعطني السلاح الذي تمسكه ، ثم لا ترني وجهك بعدها . سامحك الله يا أبي . خرج الفتى وعيون الشيخ تلاحقه إلى أن أوصد الباب خلفه ، أطرق الشيخ ثم حدق في الأفق الموشح بالسواد لبرهة بدا معها خارج الزمان والمكان ، ثم دفع الكرسي المتحرك بقوة ناحية النوافذ وراح يوصدها واحدا تلو الآخر ، تريث لبعض الوقت يلتقط أنفاسه المتلاحقة ، ثم اندفع جهة المطبخ .. مكث بداخله قليلا ، ثم غادر إلى الصالة . اقترب من إحدى النوافذ وأزاحها قليلا بما يسمح لمرور بعض الهواء ، أدنى أنفه من الفتحة وراح يراقب الأجواء من حوله . دوي انفجارات .. هدير طائرات لم توقفه عتمة الليل الزاحف من خلف التلال وصوت نسوة يجادلن الغاصبين الذين تجهد أصواتهم لأن تبقى في الخفاء ، تزمجر النسوة من جديد ، فيضيع الصدى وسط أزيز الرصاص . يزأر المخيم على نحو مفاجئ ، فترتج الأرجاء وتتناثر الحمم في كل اتجاه ، ثم يطبق صمت مهول ، فيحتار الناس ، ثم تتلوه جلبة تحدثها عربات الغاصبين ، فيتباشر الناس خيرا ، تصدح الزغاريد من وسط الدموع .. يعلو الهتاف و يندفع الخلق لكي يروا آثار الهزيمة المتناثرة في الأزقة والشوارع والكل يجهد لمعرفة سر الزئير ، البعض أقسم بأنه رأى شهبا تنقض من كبد السماء وتنال من جمعهم قرب أحد المنازل والبعض قال إن شيخا فجر نفسه في جمعهم ، أما بيانات الغاصبين فقالت إن أحد البيوت ابتلع جندهم ، ومن لهم دراية بالأمر قالوا إن اسطوانات الغاز كانت سببا لهذا الانفجار المهول ، بينما الشيخ تحت الأنقاض تؤنسه الجموع بتكبيراتها وتكسو محياه ابتسامة أقسم معها عدد من الحاضرين بأنه مازال حيا .