مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

الروائية الفلسطينية(بشرى أبو شرار...........وعبق المكان فى ر

التفاصيل
كتب بواسطة: ابراهيم موسى
نشر بتاريخ: 19 نوفمبر 2007
انشأ بتاريخ: 19 نوفمبر 2007
الزيارات: 14

من رحم (غزّة ) - الحبيبة الى كل عربى - خرجت الروائيّة /بشرى أبو شراروحصلت من الاسكندرية بمصر على ليسانس الحقوق واشتهرت فى الأوساط الأدبية بمصر بنشاطها الملحوظ وغزارة الانتاج القصصى والروائى فقد صدر لها الروايات : (أعواد ثقاب ) و (شهب من وادى رام ) و ( شمس ) و ( من هنا وهناك ) و (أنشودة الشمس ) كما صدر لها عدد من المجموعات القصصية أذكر منها : (أنين المأسورين ) و ( القلادة ) و ( جبل النار ) و ( اقتلاع ) التى خرجت طبعتها الثانية فى أرض مولدها – غزّة – سنة 2005. عانت الكاتبة من تطور الصراع العربى الاسرائيلى ومرارة هزيمة 1967 ( إنّه الجيل الذى عاش تناقضات مرحلة الاستقلال الوجيزة بين رحيل الانجليزى ومقدم الصهيونى الكريه مضحّيا بحريته من أجل بناء الوطن فضاعت حريته ووقع الوطن فى أسر الهزيمة أمام الكيان الصهيونى )(1) لذلك كان الاحساس بالمكان المفقود والحنين اليه من الدوال المسيطرة والمؤثرة فى معظم نتاجها القصصى والروائى فى توحّد مع الذات يعكس الشعور بالمرارة: مرارة الذات والواقع معاً بمصاحبة صمت وعجزعربى وعالمى ليتبدّى الواقع فى أبشع صورة :( إنّ شعوراً بالمرارة يملؤنا ونحن نراقب هذا التسلسل الذى تتراكم فيه الأشياءوتتجاور بشكل مضحك يتنافى مع أى انسجام يمكن أن تطرحه الحياة أو أى اتّزان يجعل للوجود أى معنى سوى هذة الأقدار المرعبة التى تتلقفنا من فاجعة الى فاجعة ) (2) ساعد على ذلك وجود التفكك والانشقاق العربى والوقوع أحيانا فى براثن التبعيّة مع قيام قيم وسقوط قيم أخرى ليؤدى ذلك الى : ( اختلال فى علاقة الفكر العربى بواقعه كما إنّ محاولات رأب الصدع لم تفلح حتى الآن فى أن تؤسس نموذجا لفكر يأخذ به المجتمع فينتشله من ذلك التخبّط الذى يعيشه منذ تفتّح وعيه) (3) . فى هذا الجو العاصف نشأ إبداع بشرى أبو شرار الروائى والقصصى وتعتبر روايتها ( أنشودة الشمس ) تتويجا لمسيرتها الروائية لما تتميز به تلك الرواية من سمات وخصائص تتجاوز حدود السرد بمفهومه التقليدى الى استبطان الذات فى مونولوج داخلى يفجّر مرارة الذات والواقع معاً ز والمكان – كما ذكرت – دالة أساسية فى هذة الرواية ويأخذ عدّة محاور هى المكان المعاش (خارج فلسطين ) والمكان الحلم ( العودة ) والمكان الأول حيث المولد والنشأة والتهجير الجبرى (فى عملية فلاش باك ) ضد النسيان . دالة أساسية نسيطر على النص سواء ظهرت بالتصريح المباشر أو الرمز أو الايحاء والاشارة من بعيد زلتتنوع مستويات التعبير عنه دون أن يغيب : وأنت يا صاحبي كيف تتسرب الحياة منك؟.. وتتوقف كل الموجودات من حولك عن صراع الحب، والحقد، الشفقة، الأنانية، التضحية؟ كيف تنسحب دون إرادتك إلى كون آخر؟ قد يكون أثيراً لنا ونعود إلى ما بنيناه هناك.. وقد لا نعود.. كيف تتسرب الحياة من خلجات روحك؟ من بوابات الفقد لا ترى ولا تسمع، من يعرفك وأنت الوحيد؟! تعرفهم ولا يعرفونك.. تراهم ولا يرونك.. تخبو خلاياك، تظل جذوة رمادك خامدة.. كما أصير أنا.. بالأمس غافلني العدم للحظة، بعدت عن الأرض وعيناى مفتوحتان عليها، أرى كل الأشياء وقد ابتعدت وأنا القريبة أراها، الرؤيا مغبشة، تتسربل في هدوء من عيني، راحة يد صغيرتي تناشدني في لوعة الأسى أن أعود.. السكينة تسكنني، هدوء يهدهد روحي، سكون من يأخذه اليقين لرحيل قريب..(4). وها هو الحنين الى العودة الى العودة يتجلى فى تلك الأنشودة الرائعة : - بعدت المسافات، وطويت أوراق سفري القريب. - وأنت؟ - أنا قادمة، كنت أخاف أن أطأ الوطن وأنت بعيدٌ عني، حسبت أن اللقاء قريب هنا.. فكانت مساحات الوطن أشد اتساعاً.. تنتظر العائدين. أعود وأجلس على حقائبي أمام حاجز زجاجي، أنتظر من يدق على جواز سفري ختم الدخول.. تقذفني حافلة إلى هناك.. أحتضن الشمس.. الهواء.. الأرض تلم كياني المنثور من بقاع الدنيا، أعود إلى شهب سطعت.. ترقب الأرض.. لمكان آمن لسقوطها.. أسقط هناك..(5). ولا راحة لمغترب إلاّ فى العودة لحضن الوطن الدافئ بذكرياته حتى وإن افتقد الانسان للوسيلة المنطقية لتحقيق هذا الهدف المنشود : - لا أريد التحليق.. تعبت من الإقلاع والهبوط، أريد أن أركن إلى محطة أخيرة.. هل أجد حضن أمي؟ هل يعود حنانها إلى بعد أن غادرني؟ قل لي.. لماذا حمل صوتها الرجاء بأن أعيد عليها أشعاري، زجلاً غادر ذاكرتي؟ رجاؤها قطع حبل الهواء في صدري، بكيت ملء قلبي، لو كنت أعرف أنها ستسألني أشعاري القديمة لما ضيعتها، لم ألقيتها بين الدروب، لتزهر زهرات ليلكية، يقطفها الغريب حين يمر بها.. شمس تعود إليها كتلة قرمزية تتسطح آخر حدود اليم في كنعان القديمة..(6) ويصل الشعور بالاغتراب الى حد التوحّد مع كل من يمر بنفس المعاناة كما نرى فى الأنشودة الخامسة والثلاثين : متعبة أنا يا صاحبي، متعب أنت، أصبحنا حالين في حال واحدة. تنقر بصوتك على بوابة الغياب، تأخذك لساعات لا أعرف مساحتها، ولا أعرف متى تعيدك إلىَّ، يسافر صوتك، يحمل في حقائبه ضحكاتنا، وحكاياتنا من حروف لم تكتمل.. تتناثر من حولك أشياء من بقايا الأرض، زيف، رهانات، الكسب والخسران، فقد ووحدة واغتراب..(7) . ويأتى التذكر لعجز المكان الحالى أن يسد بعضا من الفراغ الناتج عن فقد المكان الأصلى –الوطن – فنجد (غزّة ) وتوديع الكاتبة لآخر قطاف العنب وغرفة الخزين وعلى بابها الميزان الذى يلعب به الصبية الصغار وفرن الطين وبساط جدتها الذى نسجته جدتها بيديها وذكرى الخروج الحزين فى حضور قوى للمكان يطغى على أى شئ آخر : تمضي العربة، الشبابيك مشرعة على بحر غزة، بشواطئه الساكنة، صدره خيوط من الفضة، تلثم الثرى، مدت يدها تقبض على الهواء، قد يحمل موجاته إليها، لتستلقي على كف يدها، أجهشت، تناثرت حبات دمعها على عتمة الفراق، لم يلحظ السائق قلباً أدماه الحريق، يتحدث عن طريق "أبو هولي" كيف الوصول إليه ليأخذ رأس الدور، تتسرب موجات البحر من عينيها، وحديثه إليها.. هو بحرنا.. لنا.. وهي الماضية عنه، ومن رآها تمضي في دروب حديقتها، تلمس بجلد يدها ما عشقته فيها من سنين، عرفت كيف ينخر السوس سيقان الدوالي، كيف يموت المكان برحيل أصحابه، وجدتها يوم ركنت على كتف الباب تودع آخر قطاف العنب، تقضم حبة واحدة وتمضي، فالرحلة باتت قصيرة، شمس تتحسس المطارح بكف يدها، بنور عينيها، تبكي، تنوح، تصاحب الأنين، بساط جدتها من غزل يدها قطعت أجزاءه، ألقى منه في بيت الخزين، وقطعة أمام فرن الطين، وأخرى مغبرة متكومة هناك، هل تأخذ ما تبقى من خيوط جدتها؟.. يصرخ داخلها.. لا.. لم يعد ما كان، أشارت للصبية: - هنا كنت أطير الوقت ويطيرني، في غرفة الخزين تحضرني الخيالات، تأتيني على بساط ألف ليلة وليلة.. ميزان ملقى على بابها، لعب فيه الصغار، على كل كفة كان الميزان مليئاً بالحجارة، يتوازن العالم أمامها بكفتين من الحجارة، قد تلحقنا عدالة السماء، قد تشير إليها أصابع الصغار.(8) حتى المقاومة لا تغيب عن فكرها فى لوحة رائعة للصبى فى الزنزانة والموت قتلا فى المدينة التى كانت لهما هناك: يصلها صوته مشوشاً، أحبال الهواء تتقطع وتعود تلم أطرافها بعناد وإصرار أشد، ليصل ما تبقى من صوته وصوتها. - الضربة ستكون قوية وقريبة. على أحبال الهواء تجدل ضفيرة الزنانة والأباتشي، وعين الصبي وأنفاس تقطعت على مدارات الأرض، ارتطام، انفجار، أشلاء تناثرت، زجاج تهشم يحمل صورهم التي كانت من الحكاية ولم يتبق إلا حفرة عميقة يسكن فيها رمادهم.. وخيوط مظلة واحدة ضمت ليل مدينة كانت لهما هناك( 9 ) . ورغم كل هذة المعاناة وذلك الاحساس – الطبيعى - بالعجز يبقى الأمل فى العودة فى الأنشودة العشرين كما يستمر الأمل حاضرا فى أدق التفاصيل لدرجة أنّ الحمّام تأخذه لتزيح بعض اغترابها فى الأنشودة الحادية والعشرين والبحث عن الممر الآمن الذى يأخذها الى رام الله والخليل ونابلس والقدس . وتستخدم الكاتبة فى سردها الاستبطان الداخلى فى حوار هادئ مع الذات واستخدام الرمز أحيانا أخرى لتترك لدى المتلقى حالة من الاندهاش (تترك له حرية التلقى والتأويل فهو- أى الكاتب - لا يقدّم عالما يمرره بوعيه هو وإنّما يقدمه ممرراً وعابراً لوعى المتلقى نفسه الذى يكون متحفّزاً لاستيعاب المكان وتجليّاته بصورة أكبر ) (10 ) ويتجلّى ذلك فى استخدام الكاتبة لدالة الرمز وكانت (الشمس ) من أكثر الدوال الرمزية وضوحا فى تلك الرواية حيث ترمز لفجر العودة للوطن مرّة أخرى وتحريره وهى فى كل هذا تعتمد على ضمير المتكلم :ذلك المتكلم الذى قال عنه (باختين ) : (المتكلم فى الرواية هو دائما وبدرجات مختلفة منتج أيديولوجيا وكلماته هى دائما عيّنة أيديولوجيّة واللغة الخاصة برواية ما تقدّم دائما وجهة نظر خاصة عن العالم تنزع الى دلالة اجتماعية ) (11).وهذا ما فعلته الكاتبة فى روايتها لتوقظ داخل وعى المتلقى ما بالعالم من ظلم وغياب للعدالة وما يعانيه شعب كامل من اغتراب . ولعل استخدام أسلوب الحوار الداخلى مع الذات فى معظم أنشودات الرواية يعطى للرواية المزيد من القدرة على التأثير لآنّ (شكل الرواية الخارجى هو فى الأساس سيرة حياة فالخاصيّة العضوية التى تميل اليها سيرة الحياة هى الوحيدة التى تستطيع إدخال الموضوعية فى التردد بين نظام للمفاهيم تتسرب منه دائما مفاهيم الحياة وتركيبة حيّة لا تستطيع أبداً الوصول إلى اكتمال الذات ) (12) . هذا الحضور القوى للمكان والذات معاً رغم المعاناة واستمرار البحث عن الممر الآمن للعودة يؤكد أنّ المكان لا يموت برحيل أصحابه. الشواهد : 1-جماليّات الحساسية والتغيّر الثقافى ) د . صبرى حافظ .مجلة فصول ص 74 العدد الرابع من المجلّد السادس سنة 1986 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2-(من التعدّد إلى الحياد) د . أمجد ريّان ص 32 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 3- ( شهادة الشاعر سمير الفيل ) مجلة الثقافة الجديدة العدد الثانى نوفمبر سنة 1986 مصر . 4- رواية ( أنشودة الشمس ) بشرى أبو شرار . الأنشودة الأولى. 5-المصدر السابق : الأنشودة الثالثة. 6- المصدر السابق : الأنشودة الرابعة. 7-المصدر السابق: الأنشودة الخامسة والثلاثين . 8- المصدر السابق : الأنشودة الرابعة عشرة . 9- المصدر السابق : الأنشودةالثانية عشرة . 10- (الكلمة فى عصر الصورة ) د . مصطفى الضبع ص 103 كتاب مؤتمر الجيزة الأدبى الأول –الجيزة - مصر . 11- ( المتكلم فى الرواية ) ميخائيل باختين ترجمة د . محمد برادة مجلة فصول ص 105 – العدد الثالث من المجلد الخامس سنة 1985 –مصر . ( نظرية الرواية ) جورج لوكاتش ص 72. ********************************** قراءة ابراهيم موسى النحّاس رئيس نادى الأدب بيت ثقافة الصف-حلوان- lwv

ليعذرنا الحكيم سمير جعجع على ما نق

التفاصيل
كتب بواسطة: برهان إبراهيم كريم
نشر بتاريخ: 19 نوفمبر 2007
انشأ بتاريخ: 19 نوفمبر 2007
الزيارات: 12

                          ليعذرنا الحكيم سمير جعجع على ما نقوله في هذا المقال

وتبقى بعض العواصم  قبلة يحج إليها الوطنيون والأحرار والشرفاء من كل ملة وأمة ولون ولغة ودين.

وبكل محبة مفعمة بكل تقدير واحترام وفرح وسرور تفتح ذراعيها لاستقبالهم بكل ما يليق باستقبال الرجال. وزوراها يهرعون إليها بشوق وفرح ولهفة وحنين وشعور من الفخر والاعتزاز لما يحظون من حفاوة وتقدير. وهذه العواصم تزهو بزوارها, في حيت ترى عواصم أخرى تعلن الحداد, حين يكون زوراها من العملاء والخونة والقتلة واللصوص والمجرمون.وتستقبلهم بوجوم لما قد تسببه لها زيارة مثل هؤلاء من إهانة وذل وعار.

فهي ترى أن زيارات هؤلاء  لها إنما هي إذلال وهوان وإهانة بحقها ولكل أرض  يطئونها أو يحطون فيها الرحال. فالإنسان فطر على احترام وتقدير ومحبة الرجال وعلى ازدراء أشباه الرجال, خصوم كانوا أم حلفاء وأصدقاء. وكم يجد المسئولين أنفسهم في أي دولة وبلد حيارى ومرتبكون ومحرجون أمام جماهير شعبهم حين يزورهم أو يفرض عليهم استقبال مجرمون وعملاء ولصوص وفاسدون. وكم هذه النماذج من أمثال هؤلاء وحلفائهم ومناصريهم تأكل قلوبهم نار الغيرة غيظا وحقدا, وهم في حسرة,حين يجدون أبواب بعض العواصم وقلوب جماهيرها وجماهير الأمتين العربية والإسلامية وشعوب العالم وقلوب الرجال العظام من القادة والزعماء مغلقة وموصدة في وجوههم بألف قفل ومفتاح . وأن أملهم في ولوجها واقتحام أسوارها, أو الشعور بحرارة وحميمية الاستقبال أشبه بولوج بعير من سم الخياط.أو بأمل إبليس في دخول الجنة مع من هداهم الله لهم  من العباد. فصنف الرجال يحظى باستقبال شعبي حاشد ورسمي لائق وفوق المعتاد.وصنف أشباه الرجال حركته مقيدة, وزيارته محددة ومحصورة سلفا ما بين الفندق وقاعات الاجتماعات  ونقطة العبور أو المطار. وكم يسلف الكثير من الوعود التي ما أن تنتهي زيارته حتى تذهب أدراج الرياح وتتبخر في الفضاء كالدخان المنطلق من القطار.

من يراجع التاريخ يجد كم  اتخم الاستعمار  أمثال هؤلاء الفاسدون بالوعود. ليتبين لهم فيما بعد أن ما وعودوا به لم يكن إلا كذبا ومكرا ونفاق,وأن ما قطعوا لهم بوعود وعهود  إنما كانت شيكات  أو حوالات بلا رصيد.

 وأن كل ما يهم الاستعمار منهم إنما  أن يكونوا خونة وعملاء مأجورون .يملئ لهم جيوبهم بالدراهم والدنانير. ولكي يضمن الاستعمار مصالحه راح ينفخهم كبالونات على أنهم باتوا مسؤولون وأصحاب قرار. وتنظم لهم حاشيته الإعلامية إطلالات إذاعية وتلفزيونية وصحفية, ليخدعونهم على أنهم ساسة كبار وحلفاء موثوقين. لكي تدفع بهم الأنا وحب الذات والتماهي والكبر والغرور  لخداع جماهير شعوبهم  بخطاب ركيك أو الإدلاء بتصريح هزيل أو الإجابة على أسئلة  المراسلين وهم  حيارى وتائهون وشاردون  وجاهلون بما ينطقون.وربما صدقوا أو ظنوا أنهم كسبوا قلوب وعقول المشاهدون بترهات وردود مبهمة,والتي هي أشبه بأحاجي وألغاز وأكاذيب. وأنهم حققوا ما يريدون. ويرشون على جراحهم الملح حين لا يجدون من يهتم بأمرهم وبتحركاتهم سوى وسائط الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية المشبوهة والسوداء و الرمادية. لكونها مأمورة من سادتها أولا, ولأنها تجد فيه كنزا تملئ بأحاديثهم الفارغة الكثير من صفحاتها الصفراء والسوداء والرمادية. أو تغطي فترة من بثها الإذاعي أو التلفزيوني بكثير من الترهات والأكاذيب والخزعبلات .والتي ليس لها من معنى أو فيها ما يفيد, وغير قابلة للصرف أو التصديق, ولا يستسيغها العقل,وتخالف المنطق العلمي وأسس التفكير الصحيح.

أعلن سمير جعجع في خطابه لجمهور القوات اللبنانية اعتذاره عن كل ما اقترفته يداه الآثمتين بحق العرب من مسلمون ومسيحيون خلال الحرب اللبنانية, وبظنه أن كل هم ذوو الضحايا أن يظفروا منه باعتذاره .وجهل أو تجاهل أو نسي أو تناسى أن ذوو الضحايا لن يشفى غليلهم إلا بالاقتصاص من الجناة مهما كانت مستوياتهم و أديانهم وفق ما تنص عليه القوانين والشرائع. وجوابهم كان على خطابه, أن الاعتذار يا سمير جعجع  ليس هو  وحده ما تبنى عليه المصالحات فقط.فالمصالحة تبدأ بالاعتراف بالذنب أو الخطأ, ومن ثم بتقديم الاعتذار وطلب الصفح ممن أخطأ أو أجرم بحقهم إن قبلوه ووجوده كافيا.وإلا وجب عليه وبكل شجاعة أن يضيف لاعتذاره وضعه رقبته وجيوبه تحت تصرف لجنة تحكيم أو محكمة  ليسددا منهما للضحايا ثمن أخطائه وذنوبه وآثامه وجرائمه وتعدياته. ثم يعلن بعدها توبته بحيث تكون توبة نصوحا, ويعتزل كل طريق دفعه أو جره لهذا الإثم سياسي كان أو اقتصادي أو مهني أو فني حتى لا يسيء لغيره .ومن بعدها يتوسل منهم العفو و الصفح.

عجيب كيف تستقيم الأمور عند السيد سمير جعجع  حين يتعامل مع الشعب اللبناني بازدواجية !!!  وذلك حين يصر على محاكمة قتلة رئيس وزراء لبنان سابق في محكمة دولية, بينما يعتبر أن اعتذاره عن جريمته باغتياله لرئيس الوزراء الشهيد رشيد كرامي وهو على رأس مهمته حكم عادل ومنصف وكاف  منه لذوي الشهيد وجماهير شعبه. وإذا كان السيد سمير جعجع يؤلمه أن تتهم القوات اللبنانية بكل شيء, فليتجرأ ويضع النقاط على الحروف, بسرده من موقعه كقائدها السابق والحالي لكافة أفعال وتجاوزات قواته حلوة كانت أم مرة, ودون خوف أو وجل مما قد تعرضه  وتعرض عناصرها للمسائلة والمحاكمة والمحاسبة.و يصر السيد جعجع أن يسيء للمسيحيين حين يقول بأنه سيحصد 80% من أصواتهم ,علما بأن المسيحيين كالمسلمين  ما صوتوا أو اقترعوا يوما ما لقاتل أو إرهابي ومجرم ينتهك الدستور والقانون. ولماذا يستقتل السيد سمير جعجع لتحقيق المصالحة طالما  أنه على قناعة تامة بأنه سيحصد غالبية الأصوات في  أية عملية انتخابية قادمة ؟ ولماذا  يبرر السيد سمير جعجع  رفضه لتوسيع طاولة الحوار لأنها برأيه تتعارض مع أتفاق الدوحة ,بينما حضرته هو الوحيد الذي  أعترض على مقررات مؤتمر الدوحة, و لم يوقع على مقرراته إلا بعد أن زيله  باعتراضاته ؟

أقر السيد سمير جعجع أثناء زيارته للقاهرة بأن لمصر ثقل على المستويين العربي والدولي.ونبهنا إلى أن من يشتغل بسياسة الشرق الأوسط (حسب تعبيره) عليه أن يدرك أنه لا يمكن تجاهل مصر أو الالتفاف حولها, صديقها كان أو عدوها. وجزم لنا بأنه ما من أحد يستطيع أن يتصرف أو يقوم بأي عمل بدونها أو بعزل عنها.ولفت انتباهنا إلى أن نظرة أنور السادات ومصر بعد الرئيس جمال عبد الناصر تتوافق ورؤيته الشخصية,وأن مواقف مصر برئاسة الرئيس محمد حسني مبارك منذ عام 2005م  باتت هي نفس مواقفه ومواقف القوات اللبنانية وفريق 14آذار. وان موقفه وموقف حلفائه من القضية اللبنانية وكافة القضايا العربية والدولية متطابقة مع موقف مصر, حتى أنها نفس موقف مصر. وليهيج غرائزنا وشهواتنا ويشحذ هممنا لزيارة مصر, أعلمنا أنه حين يجلس مع الرئيس مبارك يشعر بأنه يجلس مع صديق ودود... ودود.... وزعيم كبير  وحكيم  وخبير ولديه مشاعر إنسانية  رغم فارق السن. وكنا نتمنى أن تأتي هذه الشهادة بحق الرئيس  محمد حسني مبارك من وطني وشريف لا ممن هو محكوم بحكم جنائي لجرائم قتل وجرائم وأعمال إرهابية أدين بها وخجلت أن تفعلها الفاشية أو النازية. وخرج من السجن بعفو رئاسي من الرئيس الكريم والنبيل والمحسن أميل لحود,.و مع ذلك بقي السيد جعجع  يمتهن ويصر بالإساءة لمن أحسنوا إليه. مطبقا المثل  الذي يقول: أتق شر من أحسنت إليه. ويحزننا أيضا أن يصل الحقد بالسيد جعجع لأن يقول: أنه تمنى على الرئيس محمد حسني مبارك أن تقوم مصر  بممارسة ضغوط على سورية. ويضرب السيد سمير جعجع لنا الأمثال, بأن من طبيعة الحياة حين يكون المرء وأخيه في البيت ويريد أبيهم أن يقسم تركته, أو يوزعها على ولديه, فستحدث حتما خلافات بنظر السيد جعجع. فالوالد وما يملك  ملك الولد بنظر السيد جعجع لا كما أقر الديانات السماوية أن الولد وملكه لأبيه. ونتمنى على الحكيم جعجع أن يتحفنا بسر خلافات أو أتفاق  الأزواج مع الزوجات ليزيدنا علما وبالحياة معرفة, وهو الذي يظن بنفسه أنه  أوتي ما لم يؤتى لغيره ولنا, وأنه يملك العلم من بابه إلى محرابه.

قال السيد سمير جعجع كي يشرح ويوضح لنا: أنه وباقي الزعماء في لبنان كانوا مقسمين ومنقسمين ومختلفين على تقاسم السلطة في لبنان طائفيا ومذهبيا. وهذه الأمور حلت مع اتفاق الطائف والذي لا يزال صالحا حيث لا يوجد حل غيره في الوقت الحاضر, بغض النظر كان أتفاق الطائف صالحا أم غير صالح, وبين لنا أنه من الحرام مس اتفاق الطائف لأنه مسا بلبنان. وحذرنا من أن أي حل آخر غير أتفاق الطائف هو برأيه قفزة كاملة بمجهول كامل إلى دنيا أخرى مجهولة ولم تكتشف بعد. فاتفاق الطائف بمنزلة الكتاب المقدس لدى سمير جعجع, ولكنه لم يغفل  نغز أتفاق الطائف بمسلة, حين قال: أنه غير متيقن من صلاحه أو عدم صلاحه. وأستوعب أيها القارئ والمستمع  كم يحمل هذا الكلام من أحاجي  وترهات وفوازير يبوح بها السيد سمير جعجع لنا و لمناصريه وشعب لبنان العربي الأبي!!! والمضحك أنه ما من أحد إلا وعلى دراية بأن تيار 14 آذار هو تيار الليبراليين الجدد بنظر الإدارة الأمريكية وبعض حكومات الدول الأوروبية. إلا أن تيار المستقبل يصر على انه ممثل السنة في لبنان. والسيد جعجع يصر على أنه الممثل الحصري والشرعي والوحيد للمسيحيين.ويتحفنا جعجع بجوابه على احد الأسئلة بقوله: إذا كنا نريد الوحدة فيجب أن نتوحد حول ثوابت للمسيحيين وهذه الثوابت نجيبها من أدبيات الحلف الثلاثي أو الجبهة اللبنانية أو اجتماعات سيدة البير أو خلوات عوكا,وهذه كلها تتحدث عن الفيدرالية. ويضيف قائلا: المشكلة السياسية القائمة حاليا تختصر بنظرتين للأمور. نظرة 14 آذار  والتي تقول بأنه حان الوقت لقيام دولة لبنانية فعلية,ووضع القرار الاستراتيجي في مؤسسات الدولة اللبنانية وليس خارجها.ونظرة يمثلها السيد حسن نصر الله  الذي يرى أنه يجب أن تظل الأمور على ما هي عليه وأن يبقى قرار  الاستراتيجي على ما هو عليه. وليتصور القارئ كم  يفتقر كلام السيد سمير جعجع  للصدق والمصداقية والحقيقة,فسمير جعجع هو احد رموز مشروع الشرق الأوسط الجديد, والصديق الصدوق لديك تشيني ورايس وفيلتمان. بينما السيد حسن نصر الله وباقي قوى المعارضة هم من أدرجوا في قوائم الإرهاب الأمريكية لأنهم  ساهموا بإسقاط المشروع الأمريكي ومحاولاتها وضع لبنان تحت نظم الوصاية والاستعمار من جديد, ويقاومون لتحرير ما اغتصبته إسرائيل من أراض لبنانية ليكون لبنان حرا مستقلا.بينما السيد سمير جعجع كان واحد ممن رحب وهلل وكبر وأولم  وطبل وزمر ولبس الجديد وكأنه في عيد لعدوان إسرائيل صيف عام 2006م. وأنه هو من يطالب بضرورة إرسال قوات عربية وحتى قوات دولية إلى لبنان.بينما السيد حسن نصر الله حفظه الله ورعاه هو من حرر الأسرى وحرر جنوب لبنان من رجس الاحتلال ومن عهر عملاء حداد ولحد, وهو  مع باقي فصائل المعارضة والمقاومة من تصدوا لعدوان إسرائيل  صيف 2006م وحققوا النصر. وحين سُؤل السيد سمير جعجع  عن رؤيته للوضع في المنطقة, وجدها فرصة وسارع ليرعبنا ويرهبنا ويخيفنا بجوابه الذي قال فيه: الأوضاع خطيرة في المشرق العربي ودقيقة, ولكن ليس هذا معناه أننا ذاهبون غدا للحرب. ولكن الأوضاع ليست مستقرة. وتصور يا رعاك الله كم إجابته مطاطة, ويحتاج تفسيرها  لكل مشعوذ ومنجم وبصارة وضاربة ودع !!!! ويصر السيد جعجع على أن لبنان سيكون أحد جبهات الحرب التي يتوقعها. وأن المنطقة العربية من الخليج إلى المتوسط غير مستقرة. وأن هناك احتمالات مواجهات صغيرة  وتنتهي بمواجهات كبيرة.أو مواجهات كبرى  تنتهي أو تخلف عنها مواجهات صغيرة. وكأنه يقول لنا عليكم بالرحيل والنزوح والهرب والهجرة إلى دول أخرى. ولو أن الأنظمة الأوروبية والإدارة الأمريكية الذين يتشددون في منح تأشيرات الدخول كانت تستمتع أو تصغي أو تعطي أدنى اهتمام لما يتفوه به السيد جعجع لسلموه إنذارا بأن يحصر دوره  بمستمع  وأبكم فقط  لأن ذلك لهم وله أفضل. ويصر السيد جعجع على أن يبوح لنا بسر خطير, فحواه أنه لا يعرف كغيره  بالتكتيكات الحربية التي كل شيء فيها ممكن. ويتابع السيد جعجع حديثه قائلا: أنه بعد أن حلت السلطة القائمة حزب القوات ووضعته في السجن أنكب على مراجعة كل ما حدث  بالحرب فوجد أن بعض القرارات التي أتخذها وقيادة القوات أثناء الحرب لم تكن صائبة وأن بعض التصرفات أو الممارسات لم تكن مقبولة  ولم تكن بقرارات قيادية وإنما كانت مخالفات فردية وأدت لأذى وضرر الناس, ونعتذر للناس الذين لحق بهم حيف وضرر. وأنه يترك لرفاقه كامل الحرية ليعودوا إلى ضميرهم  وتقييمهم للأمور  وحريتهم في  تقديم الاعتذار. وأن اعتذاره يجب أن يساهم في المصالحة. وحين سأل عن الجيش اللبناني أجاب: الجيش اللبناني ليس عنده إمكانية لتحرير القدس. وليس هنالك توازن إستراتيجي بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي.والجيش اللبناني ضرورة أساسية لوجود لبنان الدولة ولأمن الشعب اللبناني. وأن للجيش اللبناني دور معين يلعبه بدور مختلف وليس فقط بدور عسكري مادي.فمثلا بالمواجهة مع إسرائيل العلاقات اللبنانية  الدولية والإقليمية هي التي تلعب الدور السياسي ودور الجيش سيكون مساند. بينما في موضوع مثل نهر البارد دور الجيش سيكون أساسي ودور الدولة اللبنانية سيكون مساند. وهذا ليس بسر فهو ما يعرفه القاصي والداني وتعرفه كل من إسرائيل والإدارة الأمريكية.وليطمئننا عاد فأكد:بأنه لو وجهت له دعوة لزيارة طهران فهو سيعد للمائة ولن يلبيها.أما زيارته لسوريا فهي ممكنة وسينظر بشأنها وقد يوافق عليها إذا حلت سوريا كافة المشاكل العالقة مع لبنان. ولكنه يعود ليحذرنا لنأخذ جانب الحيطة والحذر فيؤكد لنا بأن الأوضاع لم تعد كما كانت العام 2006م أو العام 2005م. والحذر مطلوب وواجب.

وحين سُأل السيد جعجع عن رأيه بما نشر من اعترافات لمن نفذوا جريمة حي القزاز بدمشق, أجاب قائلا: فلتحولهم سوريا على المحكمة الدولية. ناسيا بأن في جوابه طعنا وإهانة لسلطة القضاء اللبناني و لكافة الأجهزة الأمنية اللبنانية. والذين من مهمتهم التحقيق والتدقيق والإجابة. ومن يدري فلربما إذا ما أستنجد طفل مدرسة بالسيد سمير جعجع إن صادفه مار في الطريق ليشد من أزره أو يصلح  خلاف عارض نشب بينه وبين زميله,  لأرشده سمير أن يتقدم بشكواه إلى المحكمة الدولية. وحتى لو اختلفت جارتين بخصوص تنظيف الدرج. أو تناكفا زوجين مع بعضهما البعض  بخصوص أو بخصوص النوم أو السهر, ووسطا السيد جعجع كجار لإصلاح ذات البين  فيما بينهما فسوف يكون قرار جعجع  بتحويلهم وقضاياهم برمتها إلى المحكمة الدولية.

ونقول للسيد سمير جعجع : هون عليك وهدئ من روعك وكن مطمئن بأن طهران ليست بحاجة إليك ولن تدعوك لزياراتها مطلقا, فالقيادة الإيرانية يهمها أن تبقى حاضرا وموجودا, لأنك من متممات حالة جورج بوش المزرية. وحتى دمشق لو فكرت أو تجرأت أيها الحكيم سمير جعجع لزيارتها,لوجدت قوى الجيش والأجهزة الأمنية السورية مستنفرون لحمايتك من غضبة المواطنين السوريين الذين سيهرعون لاستقبالك بما يليق بك ولا يليق بهم. ونصيحتنا إليك أن لا تفكر بذلك بتاتا. وأن تطوي هذا الموضوع حتى يفرج الله همك وغمك وكربتك. فدمشق ليست بحاجة إليك أو من هم على شاكلتك. ونذكرك أنك حين زرت واشنطن ونيويورك استقبلت فيهما من باب رفع العتب أولا. ونوعا من التعويض على فشل مشروع النيوشرق أوسط ثانيا. وكمحاولة من إدارة جورج بوش وصقورها ومحافظيها اليائسين رد بعض الاعتبار لهم ولمقاماتهم الغير سامية نتيجة إفلاسهم الأخلاقي وهزائمهم القاسية ثالثا.ونكاية من بوش ليفش غليله من صمود سوريا بشعبها وقيادتها ورجاحة وسلامة موقفها, وحب شعبها وجماهير الأمتين العربية والإسلامية وشعوب العالم لرئيسها.

 وختاما نقول  للسيد سمير جعجع :سوريا يا سيد جعجع هي في غنى عنك فدع سوريا وشأنها.وشد رحالك لغير دمشق عاصمة العز والكرامة. فدمشق لا تريد أن تكون ضيفها .ففتش عن عواصم  أخرى تستضيفك وتقوم بواجب ضيافتك. وأنت خير من تعرف أن من تهمله سوريا سيبقى مهملا , لا وزن له ولا قيمة, ولن يفلح أبدا, مهما صال وجال وعبر المحيطات وامتطى الطائرات ذهابا وإيابا وهدد وتوعد وصرخ وأرغى وأزبد. وأتقدم سلفا باعتذاري إن كان في مقالي نوع من الإساءة للسيد سمير جعجع,وبنفس أسلوب اعتذار جعجع.   

      الثلاثاء : 11/ 11/2008م                        العميد المتقاعد برهان إبراهيم كريم

           بريد الإلكتروني:   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

                                   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

                                        عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

باب الحارة ...ورحلة البحث عن المكارم

التفاصيل
كتب بواسطة: نجيب بن خيرة
نشر بتاريخ: 14 نوفمبر 2007
انشأ بتاريخ: 14 نوفمبر 2007
الزيارات: 14

" باب الحارة "  .. ورحلة البحث عن المكارم                              

                                                                     

أن يستطيع عمل تلفزيوني أن يحقق الانتشار،ويثير الإعجاب، ويخطف الأبصار،ويفرض حضر التجول أثناء عرضه ، ويوضع عنوانه على المحلات التجارية ، ومقاهي الأنترنيت ، ومطاعم المدن العتيقة ..كما فعل مسلسل " باب الحارة " فإن ذلك يحتاج إلى قراءة ووقفة وتحليل ..سواء كنا من المعجبين به أم من غير المعجبين ، من القابلين له أو الرافضين .

وأنا لست مع الذين اعتبروا أن العمل يحمل شحنة "ميلودرامية "، أو "حمى فولكلورية"جعلت المشاهدين يتعلقون به ، وليست هنالك من دوافع أخرى وأسباب خفية باعثة على هذا الاهتمام وذلك التعلق ..، بل إن العمل حقق نجاحا منقطع النظير جعله من أكثر المسلسلات شعبية في تاريخ الدراما العربية ، لأنه جسّد الحياة في المدينة العربية ، والحارات العتيقة بكل إيجابياتها و تناقضاتها و أخطائها ، فظهرت فيه بصمة الفطرة النقية المتجسدة في مكارم الأخلاق التي راح المشاهدون في طول البلاد العربية وعرضها ـ وحتى في المهجر و الاغتراب ـ يرحلون إلى البحث عنها طيلة حلقات المسلسل خلال شهر رمضان المبارك .

وفي تصوري أن وراء هذا العمل الهادف ذوقا سليما ، وفكرا عميقا ، ورساليّة فذة ،خرجت بنا عن مألوف الأعمال التاريخية التي تغرق في التفاصيل ، وتتتبع سير الحوادث ، وتركز على الأشخاص ، بعيدا عن تصوير الواقع ، ولفت الانتباه إلى القيم المسيطرة ، والأخلاق السائدة ،و العادات المتبعة .

وقد استطاع هذا العمل أن يعرض بمِهَنية عالية ، وبطرافة مُمتعة ، وبأداء مُميّز ، صورا من العزة ، و الشهامة ، و المروءة ، و البطولة ، والروح الجهادية التي تحمي المقدسات ، في زمن نفتقر فيه إليها جميعا !.

ألم يكتشف الرجال اليوم أنهم ذكور وليسوا كرجال " باب الحارة " في نخوتهم ، وعفّتهم ، ونبلهم ، وحتى في قسوتهم ، فإن القسوة أحيانا لا تخلو من العطف  و الحنان ؟، ..فالأب المتسلط الجبار الحاكم بأمره لا يلبث أن يحيط أسرته بالرعاية و الحدب و المحبة .

ألم يكتشف الآباء اليوم أنهم متعطشون أن يعاملهم أبناؤهم بطاعة وولاء كما يعامل أبناء " باب الحارة " آباءهم ؟ .

ألم يكتشف الشباب اليوم أنهم في حاجة إلى وجود أنثى تشتعل نار الحب في مشاعرها ولكن ذلك لا يخلع عنها ثوب العفة و الخجل و الوقار ، ويظل بُرقُع الحياء يُزيِّنها حتى تُزفّ إلى "ابن عمها" فترفل معه في مباهج الحياة الزوجية السعيدة ؟ ، وتظل طيلة عمره  تردد على سمعه " حاضر ابن عمي " حتى و لو كان ابن العم هذا حلاقا في طور التمرين !، أو له عقد ما قبل التشغيل !.

ألم يكتشف أصحاب حارتنا اليوم أن باب الحارة لما فتح عصفت بالحارة الرياح الهُوَج ، وتفرق أهلها شَذَرَ مَذَرْ، ولم يعد للحارة قيادة رحيمة بأهلها تسهر على أمنهم ، وتتفقد أحوالهم ، وتعطي محرومهم ، وتعين قاصرهم ، وتحمي ضعيفهم ...فإذا  ثار نزاع أو تخاصم بينهم فإن مجلس " أعضوات الحارة " يفك الخصام ، وينشر الوئام ، ويرجع الأمور إلى العدل و التراضي و الإنصاف .

ولئن صوَّر المسلسل المرأة طيلة حلقاته مفقودة الدور ، مسلوبة الرأي ، مكسورة الجناح ، فإن ذلك مما يؤخذ على الكاتب و المخرج لأنه تكريس  للثقافة الذكورية التي طبعت حياتنا الاجتماعية منذ قرون ، وجعلت المرأة منسحبة من الحياة ، تعيش ظلا للرجل و ليست لباسا له .

كما لم يعرض المسلسل جانبا كان مشهودا في عقد العشرينيات و الثلاثينيات من القرن الماضي ـ و هي الفترة التي يؤرخ لها العمل ـ في بلاد الشام عموما و في دمشق على الخصوص ، وهي الحركة العلمية و التنويرية ، فالحياة السياسة و الثقافية كانت تعج بالعديد من الأدباء و المفكرين و الأطباء و القضاة و المحامين ...وهذا ما ينبغي أن يتداركه المسلسل في جزئه الثالث .

ولكن رغم ذلك  فإن "باب الحارة "استطاع أن يصور العلاقات الحميمة ، ودفء التواصل العائلي ، ويكون بديلا لأفلام القنوات الداعرة التي ملأت الأرض و السماء وتساقط في حمئها الآسن  جموع الأسر و الشباب ، والصغار و الكبار ، الرجال و النساء .

وإن ما يفعله مسلسل واحد هادف أكثر مما تفعله عشرات المحاضرات و الخطب و الدروس ، لأن النفس البشرية مجبولة على التأثر و المحاكاة .و الخير، و الجمال، و الشجاعة ، والبطولة..معاني جميلة تعشقها النفس ولكنها لا تتمثلها إلا في رجل يسعى بين الناس ، فلو أن أعمالنا الدرامية عرضت سير الأمير عبد القادر وابن باديس و ابن مهيدي وأحمد ياسين ...لرأينا الأثر العجيب تتوارثه الأجيال، و يتعاقب عبر الأزمان .

ونحن مطالبون اليوم قبل الغد بإنشاء كليات ومعاهد تُدرِّس التمثيل و الإخراج و كتابة السيناريو وتملأ الساحات الفنية الرحبة بصناع الفن الهادف ، لتكنس هذا الميدان من عبث ذوي العاهات العقلية و الخلقية و النفسية ممن ملأوا ميدان الفن بالخنا و الفجور .

وتحت شعار حديث النبي صلى الله عليه و سلم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " كرّم المدير العام لمُجمّع النور أحمد كفتارو ـ مفتي الديار الشامية سابقا ـ بدمشق الدكتور صلاح الدين كفتارو عمالقة التمثيل في مسلسل " باب الحارة " وقال : " إن العمل بكل ما فيه من ملاحظات فإنه يعزز مكارم الأخلاق ، ويحيي التراث و الثقافة العربية الأصيلة ، إن هذا العمل يقف في مواجهة التحديات الهوليولدية الغازية التي تريد النيل من ثقافتنا و تريد تفتيت عضد شبيبتنا العربية من خلال ما يؤكدون عليه في أفلامهم على الجريمة و الرعب و الفسق و المجون ، لذلك كانت رسالة  باب الحارة " رسالة تربية و أخلاق ، وتعزيز ثقافة ، وإحياء تراث " .

نعم : لقد مثّل هذا العمل الجاد صحوة دفينة ملامحها الحنين إلى الماضي القريب ،وقيمه النبيلة ، نستلهم منها الرشد ، ونرسم بها صفحة جديدة للذوق ، و الفن ، والإبداع .

و يا ليت عُمّار اليتيمة في مبنى شارع الشهداء عندنا تأخذهم الغيرة على واقع الفن في بلادنا ، أم أن الشارع أصبح حارة بلا أبواب ؟!!.

آمال جبارة في لوحة المدن : البحث عن مسارب الأمل في مدن الألم

التفاصيل
كتب بواسطة: محمود الزهيري
نشر بتاريخ: 05 نوفمبر 2007
انشأ بتاريخ: 05 نوفمبر 2007
الزيارات: 13

 

آمال جبارة في لوحة المدن : البحث عن مسارب الأمل في مدن الألم !!

محمود الزهيري

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هي أرادت أن تعبر المدن النائمة , ولا أدري ما الذي أوعز إليها بهذه الغواية المؤلمة النتائج في عبور مدن الأموات التي تتاشبه بالقبور حيث لاحياة , ولاروح تنبت في شوارعها ولا أرصفتها , حتي ناس هذه المدن عبارة عن أشباه أو مسوخ بشر ماقبل الإنسان في تطوره الحضاري , لقد كانت ومازالت مسألة عبور هذه المدن النائمة تمثل أزمة كارثية لمن ألقي السمع ولكنه لن يكون شهيداً , فإلقاء السمع للصمت , وإلقاء الخفوت في مواجهة الضوء , وإطفاء الشموع والفتائل في مواجهة الظلمة , وإطراح التمدن والتحضر في مواجهة القفر والجدب , ليكون الصمت والظلام والقفر والجدب هو حال هذه المدن النائمة .

فلماذا إذاً عبور هذه المدن ؟

هل هو الحنين لماضي مكلوم فيه الإنسان المعذب بأحاسيسه المشتتة بين ماضي ليس مضئ إلا في فترات تمثل وميضاً هارباً من غيبوبة العقل لأزمة المشاعر والوجدان والأحاسيس الهاربة للشنق والإعدام ؟

هل هو النكوص عن الرفاهية والعودة بذاكرة التاريخ حيث الزهد في اللاشئ والعدم الفارض وجوده علي حياة عدمية مستبدلة المؤجل بالآني العدمي ؟

هل كانت هي رؤية عدمية أوعبثية وجودية تريد أن تستنهض الألم والوجع وأكاليل الحزن المتوج بها واقعنا المحزون بفسادات رجال الدين , وسفالات رجال السياسة ؟

هل لأنها أنثي عربية متفردة بمشاعر وأحاسيس غابت عن نسائنا وفتياتنا المقهورات بالجهل والفقر العقلي والعطش العاطفي بمشاعره التائهة في الحاضر المطنبة في إستغراق مشاعر الألم والتلذذ بالحزن كحالة مرضية أراد الأوصياء من الفاسدين من رجال الدين ورجال السياسة أن لايكون لها دواء حيث رفع الوصاية والولاية والقوامة علي المرأة والفتاة العربية هو الدواء الوحيد ؟!!

هل كان عبور المدن النائمة هو من أجل بعث روح الإنسان وحياته من الموات إلي حيث الرغد والفرح والحبور ؟!!


 ومن هنا لم تكن لوحة المدن لوحة جدارية صامتة تشخص فيها شخوصها وعوالمها شخوص الصمت الجداري ليراها ن العابرون أو مشاهديها بنظرات عابرة أو مستفسرة عما تحتويه هذه الجدارية
,ولكن لوحة المدن جاءت جدارية تحتوي مضامين التراث والعادات والتقاليد التي أسرت المرأة والفتاة العربية في أسر منذ المنبت الطفولي حتي إعلان حالة الوفاة لتكون مآسي المرأة والفتاة العربية متكررة ومعتادة في عالمنا العربي المأزوم بتراثه الثقافي ومواريثه الإجتماعية بتقاليدها وعادتها التي هي بمثابة تأزمات في تاريخ المرأة والفتاة العربية التي يحرم عليها البوح بالمكنون والمستور الداخلي إلا من خلال الرمز والإشارة والدلالة والكناية والإستعارة والتشبيه المستتر كما أراد لها مجتمع الخوف الذي ولدت فيه وضرب عليها العديد من الوصايات المكذوبة التي تخرج بها من عالم الإنسان ولاترتقي إلا عالم أدني منه أو أقل سواء في مملكة الحيوان , أو المملكة النباتية , ولكن كانت الإرادة الفاعلة لتكون المرأة أو الفتاة في مجتمع الخوف مجرد أقل من جماد , وكأنها شئ من الأشياء يتم إستخدامه والتمتع بالناحية الوظيفية لهذا الشئ , فكان المجتمع الذكوري هو صاحب رؤية الخوف الضاربة بوصاياتها المكذوبة علي المرأة والفتاة العربية .

إلا أن صاحبة لوحة المدن كسرت هذه الحواجز بأسلوب أدبي شاعري رهيف ومؤلم في بعض الأحيان , فكان لها ما أرادت أن تبوح به لتكسر تلك التابوهات وتجمع مفردات لغتها الشعرية لتبوح بأسرار المدن في لوحة المدن التي لم تكن لوحة جدارية حجرية صامته , ولكنها إستنطقت المشاعر والأحاسيس التي يريد أن ينطق بها حتي هذا المجتمع الذكوري ولكنه لايدري أين تكون تلك الحروف وكيفية تجميعها ليستنبئ عن مفردات لغوية تفضح المكنون وتأسر أزمات الواقع المأزوم حيث يكون التاريخ الملعون , ويتحدي الحاضر المكلوم , ليقول أنا هاهنا .

ولكن كان الصمت له دلالات حينما أرادت آمال أن تعبر تلك المدن بآمالها الرحبة الوسيعة التي تجتهد أن تتصادم مع الواقع المأزوم الذي أتعبها وأرهقها في تجوالها الدؤوب بين أرصفة المدن النائمة إلا من الخراب الزاعق بين جنباتها وعلي أرصفتها التي تتوزع عليها القطط الضالة التي ليس لها أصحاب وليس لها مبيت إلا خرائب المدن وحائقها هي الأرصفة الخاوية من البشر ,فظلت تتسائل في حيرة عن الطريق الذي يصل بها إلي عالم المدن الحقيقية المسكونة بالبشر المحبين للحياة والرافضين لفكرة الخراب والعدم .

وفي لمحة إنسانية عالية القيمة لم تُرد صاحبة لوحة المدن بالرغم من ديمومة خفقانات قلبها وارتجاف مشاعرها , وصمتها المهيب بجلاله  وروعة حزنها المكتوم إلا من خفقانات داخلية تتبدي في حالة التوهان وغياب الطريق عن قدميها , ومع ذلك كانت تتملكها الرحمة في أعلي مراحلها الإنسانية رافضة أن تتألم القطط السائبة بألم الخفقان الذي يلازمها .

فهي تقتفي آثار المستحيل وهي تعلم أنه مستحيل ومع ذلك لم تتأثر بإستحالة المستحيل , فكانت تنثر الآمال والماني علي أرصفة هذه المدن الخربة الميتة , والتي بلاروح , وكانت تحاول أن تُربك الخوف وتشتت جمعه وترعبه بالأماني والأحلام التي تريدها أن تهزم هذا الخوف في مجتمع الخوف , وأن تستنهض الهمم في مواجهة مجتمعات ميتة بالخوف والرهبة من المكان , حيث الحاضر المعاش يمثل في كينونته تكرارات متماثلة تُرضع الخوف وتشبعه في حالات متكررة في الواقع وتكررة في الماضي .

مازالت الأزمات تتكرر بإجترار الماضي بشخوصه وأحداثه وعوالمه البائدة من غير مقدرة علي إحداث أي تجاوب مع الحاضر المتغير , فكانت الجغرافيا المكانية للماضي بأحداثها التاريخية هي التي تريد أن تتواجد في الحاضر , وكان هذا من المستحيل حدوثه , حيث الشخوص لم تعد هي هي الشخوص , والأحداث لم تعد هي هي الأحداث , فالجغرافيا تتغير والتاريخ ثابت بأحداثه المعبأة بصراعاته وعاداته وتقاليده الصانعه منه التراث الإجتماعي المعبأ بافكار بشر أرادوا لها أن تكون ديناً متبعاً , فكانت إرادة البعض أن تستجلب التاريخ لتعيد إنتاج أحداثه وإعادة إنتاج أفكاره لأن الحاضر أصبح في المفهوم خاوياً وخرباً ولم يعد قادراً علي الإنتاج والإبداع , ومن ثم كان الإنفعال والديماجوجية العقلية والعاطفية هي التي تخاطب المدن بل والقري حتي النجوع والكفور والأماكن ذات التجمعات الإنسانية البسيطة , فأصبحت المدن العربية تشبه الليل والإنفعال , ومن هنا ضاع الطريق للوصول إلي بداية النهضة والتحرر .

أعبر المدن النّائمه

صامته...

تعب القلب بين يديّ

أمنع الخفق للقطط السّائبة

والطّريق الذي ظلّ يوغل  فيّ

يرهق مقلا هائمة

صامته...

اقتفي أثر المستحيل

في انعراج الثّنايا التي تكتوي بالخطى

أربك الخوف في قفر ذاك السّبيل

ناثرة في الرّصيف الأماني

وكلّ أحلامي ...نجمة أو فتيل

 

صامته...

اقتفيني وأرصد رجف الرّكب

سائلة قلبي أين من قدمي الّطّريقْ؟

تعب الخفق من فرط هذا السّؤال

واستوى في رحاب الجواب بريقْ

.........................................

حائط يمضغ السّبات

ويرتدي اللّون كي يقتفيه النّهار

والرّصيف الذي يعلن القفر والاشتعالْ

ينفث تعب الارتحال

والطّريق الذي يشبه اللّيل والانفعالْ

يجثم فوق أوجاعها الدّائمه

عندما أعبر المدن النّائمه

وبهذا عبرت آمال جبارة في تساؤلها الدال عن الضياع والتشتت الوجداني والعاطفي واصفة الطريق بالليل والإنفعال سائلة قلبها :أين من قدمي الطريق ؟!! حيث الطريق الذي يشبه الليل والإنفعال يجثم فوق الأوجاع الدائمة لهذه المدن !!

 

أعبر المدن النّائمه

صامته...

تعب القلب بين يديّ

أمنع الخفق للقطط السّائبة

والطّريق الذي ظلّ يوغل  فيّ

يرهق مقلا هائمة

بهذه المفردات الشعرية أرادت أن ترسم شاعرتنا آمال بآمالها الوثابة لمدن تنضج بالحياة وتنبسط لأسارير الفرح ومشاعر السعادة , إلا أن واقعها المرسوم في لوحتها للمدن يعاندها ويقف أمام آمالها وأحلامها الوثابة لعالم أفضل حيث تأمل آمال أن تدب الحياة في مدن الصمت والخوف حينما أرادت صامتة وجلة أن تعبر تلك المدن الملبدة بالليل والخوف , ولكنها تعاني من عدم القابلية والإنسجام مع مجتمع الصمت والخوف , وتستشرف المعني الإنساني لخفقان القلب المضطرب الوجل من المدن التي تحولت إلي لوحات جدارية صامتة حوتها كتل أسمنتية خرسانية وكأنها مقابر تعج بالأموات ولاتسمع منها صوت ينبئ أو ينم عن حياة , فكانت رؤوم بحيوانات هذه المدن , فأرادت أن تمنع الخفقان عن القطط السائبة التي لم تجد لها عوالم من الأحياء فكان سكناها خرائب وأرصفة هذه المدن التي تحولت إلي خرابات وأرصفة خاوية إلا من القطط السائبة كرمز لفقدان الألفة حتي بين الإنسان والحيوان , إلا أنها أصرت علي خلق هذا الترابط الإنساني بينها وبين حيوانات أليفة ودود وة مثل القطط ورفضت أن توزع عليها خفقان القلب ووجله واضطرابه من تلك المدن الخربة من الروح ومشاعر الإنسان , فكانت الأرصفة والطرق توغل في داخلها لتبحث عن إنسانية الإنسان إلا أن الطرق لم تجد إلاإنسانية تبحث عنها آمال وطموحات من رسمت لوحة هذه المدن التي لم تتآلف مع نفسها ولم تتآلف حتي مع الحيوان , فكانت نظراتها الهائمة الشاردة الباحثة عن الإنسان لدرجة الإرهاق من التحري والبحث عن هذا الإنسان في مدن حالت بينها وبين الإنسان جداريات من الخوف والصمت والرهبة الموغلة في أعماق الإنسان من تلك المدن المرعبة .

وهاهي ظلت :

صامته...

وتعلن :

اقتفي أثر المستحيل

في انعراج الثّنايا التي تكتوي بالخطى

وكأن الخطي التي تبعث بها للطريق المتحول إلي ثنايا وتعرجات تكتوي من شدة الإنعراجات والثنايا البعيدة عن خطوط الإستقامة  , وتحاول بالآمال حيناً وبالأحلام حيناً أخري أن تربك الخوف الساكن في مدن مقفرة مجدبة من روح الإنسان , وتسعي حاملة أحلامها وآمالها لتنثرها كالورود والأزاهير علي رصيف الأمنيات التي ترجوها أن تتحقق , وتتصادم مع الواقع المرير المأزوم واصفة أحلامها بأنها نجمة أو فتيل شمعة , ولكن هذه النجمة أو ذاك الفتيل , كيف له أن يضي ثنايا الصمت , وحنايا الروح الغائبة عن المعادلة الإنسانية .

أربك الخوف في قفر ذاك السّبيل

ناثرة في الرّصيف الأماني

وكلّ أحلامي ...نجمة أو فتيل

فالصمت لابديل عنه , والألم لا رادع لفراقه , والحزن يأبي إلا المصادقة , والركب راجف ومضطرب , والقلب المألوم يتسائل عن الطريق ويقول : أين من قدمي الطريق ؟!!

يااااااااااااااااااااااااه , القلب يسأل عن الطريق الذي يصل بالمدن إلي بر الحياة وشاطئ الروح , وسعادة النفس , ولكن القلب مازال يخفق من تكرار الأسئلة في عالم الأسرة الأبوية الذكورية التي ضربت الوصايات وصكت مسببات الولايات , و صنعت من مجتمع الذكور قُوام علي النساء والفتيات , حتي تعب القلب من فرط الأسئلة وتكرارها  , ولما ظهرت بوادر الأجوبة إستوي بريق الأمل وكأنه القادم من بعيد ليعلن عن نفسه بمجيئه ليصطدم بحوائط المدن الحجرية وكأنها مدن بعثت من العصر الحجري ماضغة السبات والغفلة من جديد , مرتدية ألوان السواد والعتمة بما يعتمل في ثنايهما من خوف ورهبة ومهابة من الظلام كرمز لإستجلاب النور الذي يقتفي النهار أثره , إلا أن المدن بأرصفتها وحوائطها ماتزال علي إصرار في حالة إعلان ورفض إلا للقفر والجدب والحرائق , وتتأوه الأرصفة والطرق في هذه المدن من تعب وألم الإرتحال والبحث عن الإنسان الغائب من معادلة تلك المدن التي تشبه الجداريات الصامتة , وتتحول إلي ليل حالك الظُلمة وإنفعالات مكبوته لاتقدر علي البوح بالمكنون الساكن داخلها والمعبأ بمخزون الخوف والرهبة حتي من المكان لتستمر الأوجاع الدائمة والألام المستديمة , وكل هذه الألام والأوجاع حينما تتكرر حالات عبور المدن , من مدينة إلي مدينة أخري من المدن النائمة عن الحياة وروح الإنسان وحضارة الإنسان .

صامته...

اقتفيني وأرصد رجف الرّكب

سائلة قلبي أين من قدمي الّطّريقْ؟

تعب الخفق من فرط هذا السّؤال

واستوى في رحاب الجواب بريقْ

.........................................

حائط يمضغ السّبات

ويرتدي اللّون كي يقتفيه النّهار

والرّصيف الذي يعلن القفر والاشتعالْ

ينفث تعب الارتحال

والطّريق الذي يشبه اللّيل والانفعالْ

يجثم فوق أوجاعها الدّائمه

عندما أعبر المدن النّائمه

2

مازال الحلم في كسر حدود الجغرافيا الصناعية التي لم يصنعها الله , ولم يريد أن يكون بين بني الإنسان فواصل جغرافية , ولكن نحن بني الإنسان بعنصريتنا وإنغلاقنا الإنساني المصنوع بعقول الإستبداد والظلم واستعباد الإنسان للإنسان , واستلاب مقدرات الأمم التي تتبدي في حالات الضعف والوهن , فكانت الحدود والفواصل الصناعية البغيضة التي كان سوء القصد وبذاءة المبتغي منها للتمايز بين الأمم وبعضها .

في لوحة المدن أرادت آمال جبارة أن تشق للأمنيات طريقاً لعبور المدن بلاعوائق مصطنعة , وبلا حدود عنصرية تتمايز بها الأمم علي بعضها سواء باللغة أو بالدين أو بالنوع والجنس واللون , أرادت أن تعلي من القيمة الإنسانية لإنسانية الإنسان وكأنها تريد أن تكون الأمم تسكن في مكان واحد تطل شرفات الأمم علي بعضها البعض بلا خوف ولا وجل ولاخجل , بلا إستشراف لأحداث الماضي العنصرية الدموية وصرعاته المريرة , فكان لها أن تحلم بفتح تلك الشرفات وأن تحلم بسقوط كافة الحدود التي تعيق الطريق أمام إنسانية الإنسان وتواصله مع أخيه الإنسان والذي ينسب إلي أب واحد وأم واحدة وأرض واحدة وسماء واحدة , وكأنها تتسائل وتقول يارب السماء والأرض , يارب الإنسان من باعد بين الإنسان وأخيه الإنسان ؟!!

فكانت آمال جبارة تتسع خطواتها من أجل هذا التواصل الإنساني , مبتغية أن يتحقق أملها في الحلم بطي السبل الآتية من بعيد , ولكن الحلم يتأزم من جديد حينما تفاجأ بأن الرصيف يتقلص ليتعرج من جديد , ويلف الصمت الأرصفة من جديد لتعاود المدن رحلتها في الخراب والصمت المخيف لتستجلب القطط والكلاب السائمة التي ليس لها أصحاب سوي خرائب المدن الصامتة والمسكونة بالخوف والليل والإنفعالات , وتريد آمال جبارة أن يخذل الواقع تلك القيود الحديدية المصنوعة في الماضي بالخرافة والأسطورة والعفاريت والجن والشياطين , وأعمال السحر والدجل والشعوذة

تفتح شرفاتْ.....تسقط في الطّريق الحدودْتتّسع الخطوات ْتأتي سبل من بعيدْيتقلّص الرّصيف لانعراج جديدْينفكّ للتّوغّل صمت يخذل الوقع قيودا من حديدْ

 

وكانت دائماً تحلم بإنبجاس وولادة المعاني الحالمة الناعمة في حثها للعشق للتخلص من كابوس الألم الإنساني المصنوع كذلك بأيادي تجار الخرافة والأسطورة الملتبسة بمفاهيم مغلوطة عن الدين والمعتقد , وكأنها تريد للتحضر وأنسنة الإنسان أن يكونا هم الرمز الدلالي لصداقة الإنسان لأخيه الإنسان بعد ظهور الكهرباء وعصر التنوير والتحضر في إشارة إلي عمود الكهرباء الذي يتجمع حوله الأصدقاء حيث الأنس والدفء بوجود هذا العمود الكهربائي الذي بوجوده كان للخرافة والأسطورة أن تهربا بمجرد بزوغ نجم لمبة عمود الكهرباء التي تنير المدن وتملء أرصفتها بالبهجة والسعادة , ومن هنا كان للنجوم والتنجيم والسحر والدجل والشعوذة لايمكن أن يكون لهم محل في الحاضر المعاش حيث عصر العلم والتحضر حيث عامود الكهرباء الذي جعل النجوم الحائمة تضطرب وتخاف باحثة لها عن مكان الظُلمة والليل , حيث آهات الخوف وتأوهات الإنفعال , ولكن هذا يحدث حينما تعبر آمال جبارة المدن , فكأنها هي المرأة والفتاة العربية المعبرة عن أجيال باتت بالخرافة مقهورة , وأصبحت بالوهم مأسورة , وأمست مع ظهور أعمدة الإنارة واعية لما يحيط بها من أحداث وعوالم إنسانية بحثت عن سبل العلم وأسباب الحضارة !

فاستدركت معبرة عن أحلامها بمفرداتها الشعرية الحالمة وأرادت أن ينبجس المعنى :

تفتح شرفاتْ.....

تسقط في الطّريق الحدودْ

تتّسع الخطواتْ

تأتي سبل من بعيدْ

يتقلّص الرّصيف لانعراج جديدْ

ينفكّ للتّوغّل صمت

يخذل الوقع قيودا من حديدْ

ينبجس المعنى

.................................

أحث العشق لبياض الحائط

صار لعمود الكهرباء أصدقاء

واضطربت نجوم حائمه

حين عبرت المدن النّائمه

3

وهكذا تتبدي ملامح الأزمة المشاهدة للوحة المدن , وكأنها أزمة لاتريد أن تنفك , أو تجد لها طريقاً تنتهي معه أسبابها التي تشاهد في الأفق علي أنها مستحيلة , ومن ثم تستفيق لوحة المدن وكأن هذه المدن بلا روح , وبلاحياة , حتي جسد هذه المدن وكأنه قد تحول إلي جسد أسمنتي فاقد للروح والحياة  , كحال مدن العرب , فالسماء في لوحة المدن هذه سماء غائمة , تدعو الخريف أن يكون ودوداً , وأن تغتسل الطرقات والمسالك من آثار الماضي في فتراته الرجعية المتخلفة عن الركب الحضاري الإنساني إحتفالاً بمقاصد التزاوج بين العقل وأسباب العلم والتحضر ووصولاً لمدن شاخصة لرفاهية الإنسان كارهة لشقائه , ورافضة لتألمه , وماقتة لعذاباته , حيث تستضئ  الشرفات بألوان الورود والأزاهير .

ولكن هيهات هيهات أن يتحول الحلم إلي واقع , والخيال إلي حقيقة , ومآسي الواقع إلي عدم , حيث تتقطع كافة السبل في وجه المدن , وتضيع سبل العلم والحضارة والرقي الإنساني , حيث الفساد والظلم والإستبداد والحاكم الذي يريد أن يصل إلي مرتبة نصف إله , فهنا لابد وأن تبحث المدن عن الإله الكامل , ويصير البحث عن أسباب التخلف والجهل والأمية العلمية والحضارية في أسباب مكمنها كما يريد علماء الكهنوت وأرباب الكهانة , وينمو علي سطح الأحداث رجال الدين بفتاواهم المغيبة للواقع والآسرة له في التاريخ , راجعين بأسباب أزماتنا إلي أسباب مفادها البعد عن الله وعدم الإخلاص في طاعته وإتباع سبل الشيطان في التشبه بالغرب الكافر الملعون الذي يحارب الله ويحادده , فما كان من أهل المدن إلا طريق واحد ووحيد وهو الإستناد إلي المآذن وجعلها هي الملاذ الوحيد حيث الشغف والأمل في حلول الأزمات المعاصرة , ولكن مادام الإستناد للدين بلا مرجعية من الأخذ بأسباب العلم والتحضر والتمدن فلن يكون للمآذن دور في النهوض لأن الله لم يكن مع الكسالي والمتعطلين , حتي الذين يقولون اللهم ولي علينا خيارنا ولاتولي علينا شرارنا , في إشارة إلي الإتكالية علي الله دون الأخذ بالأسباب في كيفية إختيار الحاكم بالطرق الديمقراطية العصرية الموائمة للغة العصر والدولة العصرية , ومن هنا تم التكريس لنظرية المستبد العادل والمهدي المنتظر وكانت الجنة المؤجلة هي غاية المراد من رب العباد في تأجيل لكافة أسباب العلم والتحضر والتمدن لتظل مدننا عبارة عن لوحات جدارية صامتة بلاحياة وبلاحرية وبلا إنسان يستشعر إنسانيته , حيث ريشة الفنانة والشاعرة مازالت ترسم بريشة الخيال صانعة من الظلال مداداً يرسم تلهفها ولهفها لعالم أفضل وغدٍ أسعد , وتجعل أقدام هذا الرسم المرسوم بمداد الظلال تستكين له الطرقات بلا خطي حقيقية تجاه المستقبل وتعود القطط للتسكع علي أرصفة المدن الخاوية من إنسانية الإنسان وتصبح كل الإتجاهات ملتئمة ومسدودة في واجهة الآمال والأحلام , وهنا فقط تستفيق الأمنيات الغائمة لتتصادم مع مدن بلا روح !

وهكذا أرادت آمال جبارة أن ترسم لوحة المدن العربية بريشتها الشعرية ومازالت تحلم إلا أن الحلم لايستطاع رؤيته حيث :

سماء غائمه...

تدعو الثّنيّات خريفا ودودا

لتغتسل المسالك احتفاء بمقاصد الوطء

ولتستضيء ألوان الورود  في الشّرفاتْ

 

أسند للمآذن شغفي

ترسم الظّلال لهفي

وتستكين لقدمي الطّرقاتْ

 

ينعقد المواء لحونا للصّمت

وتلتئم لوجهتي كلّ الاتّجاهاتْ

.......تستفيق أمنياتي الغائمه

حينما أعبر المدن النّائمه

 

 

فهل ستستفيق أمنيات آمال جبارة الغائمة حينما تعبر المدن النائمة مرة أخري حينما تتحرر هذه المدن من الخرافة والأسطورة , وحينما تعاود هذه المدن الإيمان بأسباب العلم والتحضر , كما تؤمن بالله ؟!!

أم أنها ستظل مسندة للمآذن شغفها بلا وسيلة من وسائل العلم والتحضر وأنسنة الإنسان ؟!!

محمود الزهيري

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

وول ستريت الثانية نهاية ايديولوجيا العولمة

التفاصيل
كتب بواسطة: زهير الخويلدي
نشر بتاريخ: 18 أكتوبر 2007
انشأ بتاريخ: 18 أكتوبر 2007
الزيارات: 7

وول ستريت الثانية

نهاية إيديولوجيا العولمة

 

                               زهير الخويلدي

"العولمة نظام يمكن الأقوياء من فرض الدكتاتوريات اللاإنسانية التي تسمح بافتراس الضعفاء بذريعة التبادل الحر وحرية السوق"[1]

ربما كان إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عام 1971 القاضي بفك الارتباط بين الدولار والذهب وانهيار نظام بريتون وودز هو البداية الفعلية للعولمة ولكن ما حصل هذه الأيام من عاصفة مالية هوجاء وإفلاس عدد كبير من البنوك وتعطل السير والتراجعات في العديد من الأسواق المالية والبورصات العالمية وخسارة عدة شركات ورجال الأعمال لأرصدتهم ورؤوس أموالهم في دقائق معدودات هو "وول ستريت" ثانية تشبه ما حدث في المنظومة الرأسمالية سنة 1929 من أزمة أدت إلى الكساد والتضخم والانهيار التام للاقتصاد العالمي وهو أيضا علامة على الفشل الذريع الذي انتهت إليه إيديولوجيا العولمة ونهوض جديد للفيلسوف المختص في الاقتصاد السياسي كارل ماركس من قبره وعودة تحليلاتها العلمية في كتابه الشهير رأس المال إلى الحياة والى مسطح المعرفة واسترجاع انتقاداته للثقافة التحررية لفعلها في الساحة الفكرية الشعبية وخاصة دعواه المركزية بأن الرأسمالية تحمل بين أحشائها بدور فنائها. لكن لماذا حدث الذي حدث في زمن شهد انتصارا كاسحا لليمين السياسي وسيطرة تامة وحقيقية للعقيدة الليبرالية على المستوى الاقتصادي أين تحولت ثقافة العولمة إلى مقدس كوني يدين له الكل بالولاء والطاعة؟ 

ما يقوله الاقتصاد السياسي النقدي عن أسباب الأزمة هو التفاوت بين الوعود والانجازات، بعبارة أخرى ان العولمة تقدم مجموعة من الوعود بالنسبة للمواطنين على صعيد الثقافة والاقتصاد والسياسة ولكن هذه الوعود يكشف التاريخ عن زيفها وكذبها وتدور أساسا حول التبشير بالحرية والديمقراطية والرخاء ودولة الرفاه ومجتمع الوفرة والسعادة بالمعنى الدنيوي لأن ما حصل عليه الناس من العولمة وما حملت إلينا الأيام هو بروز الأنظمة الشمولية والمجتمع ذو البعد الواحد وتحول الأفراد إلى حشود وانتهاء الأفراد والجماعات والشركات والمؤسسات إلى الخسارة المادية وتبخر الأملاك والثروات والأموال والشقاء الروحي والتعاسة الوجودية والبطالة والفقر وتصدير الحروب وتشجيع النزاعات وتخريب الطبيعة وتدنيس القيم وتهديد مستقبل الحياة على الأرض وتخلى الإنسان عن إنسانيته, فماهي الأسباب الفعلية التي أدت إلى مثل هذه الوضعية المحرجة؟

تعد العولمة على الصعيد الاقتصادي بما يلي:"كل شيء صار في كل مكان, ان اقتناص الأرباح بسرعة الضوء ، الثراء السريع لأفراد الدول ، مائة مليون دولار في الدقيقة من وراء المضاربة في البورصة أو المراهنة على الأوراق المالية بزيادة قيمة الأسهم بشكل مذهل وغير متوقع والترفيع في نسبة الفائدة وقيمة الضريبة وجني حزينة الدول عدد كبير من الأرباح ، تلك هي الوعود الاقتصادية للعولمة ،بحيث لو طلب اليوم من سكان العالم لأي أسلوب من الحياة هم يفضلون لاختاروا الأسلوب الذي يمكنهم من كل شيء وخاصة منتجات الحداثة المعدة للاستهلاك مثل السيارة والفيلات الفخمة والحاسوب واللاقط الهوائي ومرسلة الإشارات اللاسلكية.وبرز مفهوم الحرية الاقتصادية كبديل عن الحرية السياسية ويعني فتح السوق أمام البضائع الأجنبية وتسهيل عملية التصدير والتوريد بإزالة القيود الجمركية وتحرير تنقل رؤوس الأموال.وهكذا لم تعد الشمس تغيب عن سماء الشركات العملاقة متعددة الجنسيات ولم يفتقر أي سوق في العالم لبضائعها. وبذلك كانت العولمة انتصارا للجميع ووعدت بالترفيع في عائدات الدول وأرباح المؤسسات وأجور العمال،وبالتالي زادة في الناتج الخام ولقيمة الدخل الفردي وتحسن المقدرة الشرائية للمواطنين وبالتالي دوران الحركة الاقتصادية وما تفرزه من تقدم ورخاء، وسبب ذلك أنه لم يحدث ان انصهر العدد الهائل من الاقتصاديات القروية والوطنية في اقتصاد عالمي شمولي  واحد كما حدث الآن مع العولمة.

كما أن الثراء والتقدم بالنسبة للدول النامية قد أصبح ممكن التحقيق حسب وعود الليبرالية بفضل القروض الاستثمارية التنموية والتجارة العالمية التي أدت إلى تقريب المستويات المعيشية بين الطبقات وفسخ الهوة التي كانت تفصل الشمال عن الجنوب والمركز عن المحيط. ويعتبر كل من ميلتون فريدمان وفون هايك منظرا العولمة على المستوى الاقتصادي لأنهما وضعا حد النظرية كينز وروجا للنظرية النقدية ... ومن هنا فقد دعمت كثير من الدول تلك الصناعات التي تضمن تحقيق نمو اقتصادي سريع و تزيد من الطلب على اليد العاملة ، إلا أن هذه الطريقة في المعالجة أخفقت و أثيرت حولها الشكوك بفعل ارتفاع أسعار النفط في السبعينات وعدم تمكن الحكومات من السيطرة على العجز في الميزانية والتحكم في التضخم ،ولم تحافظ أسعار العملات على استقرار قيمتها المعهودة في سوق الصرف.

لذلك جاءت الليبرالية الجديدة وخاصة النظرية  النقدية ،مع فون هايك في مؤلفه "الطريق إلى العبودية"، كمحاولة لتجاوز المزالق التي وقع فيها علم الاقتصاد الكينزي. وقد جعلت هذه النظرية الجديدة كلا من الليبرالية والتحرير والخوصصة ثلاثة وسائل إستراتجية ينبغي على الدولة إتباعها كمسالك إيديولوجية لتحقيق سياسة اقتصادية ناجعة تؤدي إلى قيام مجتمع الوفرة ودولة الرفاه، ومن هذا المنطلق أوكل كل من فريدمان وهايك إلى الحكومة مهمة تحرير الأسواق ورؤوس الأموال والاقتصاد وإعادة هيكلة المؤسسات  لأنه كلما تمتعت المشاريع بحرية أكبر في الاستثمار واستخدمت اليد العاملة ذات كفاءة ومواد أولية زهيدة التكاليف كان النمو أكبر والربح في أعلى درجاته وتحقق مستوى اقتصادي أعلى للجميع. من أجل تحقيق كل ذلك رفعت القيود على رؤوس الأموال وحررت التجارة العالمية وأمكن للأموال المدخرة في البنوك أن تنقل إلى واحات آمنة تهربا من الضرائب ورغبة في تحقيق أعلى الأرباح وأفضل العائدات، وظهرت النتائج المترتبة عن هجرة الأموال واعتماد القرض الاستثماري مشجعة ،لأن انتقال الأموال من البلدان الغنية برؤوس الأموال إلى المناطق المحتاجة إلى الفرص الاستثمارية قد حققت للمستثمرين أكبر ما يمكن جنيه من ربح .وبالنسبة للمقترضين وفرت لهم فرص عمل كثيرة وتطور اقتصادي مرموق.وكمحصلة نهائية ستكسب كل الأمم بفضل هذا الانتقال السريع للأموال والبضائع تقنيات الإنتاج غير المحدود, وستكسب كل الدول الربح والثراء وستحقق قدرا من الرفاهة  والسعادة الاستهلاكية الموعودة."[2]

لكن هل حققت العولمة هذه الوعود؟ والى أي مدى التزم منظروها بالمبادئ التي رسموها إلى أنفسهم وترجم التاريخ تخميناتهم الاقتصادية والسياسية؟

في الواقع جاءت صيرورة الأحداث على غير ما يشتهي الجميع وتفاجئ كل المحللين بتفجر أزمة اقتصادية عالمية تركزت بالأساس في القطاع المالي والمصرفي وتمثلت في تعطل السيولة والهبوط الحاد في نسبة النمو وبروز مظاهر الانكماش ودخول الاقتصاد العالمي في مرحلة كساد غير منتظرة.

ان سبب ما حصل هو الخلل البنيوي الذي تعاني منه الرأسمالية الاعتباطية في مرحلتها الامبريالية المعولمة وخاصة انتشار ظاهرة المراهنة بالأوراق المالية وغياب السندات أثناء إعطاء القروض مما يعطل عملية تسديدها وتهرب أصحاب رؤوس الأموال من الضرائب والتجائهم إلى الواحات البنكية الآمنة وتفشي غسيل الأموال والربي المجحف والأموال الملوثة والحرص على إبقاء التفاوت بين فئة الأغنياء القليلة في المجتمع وشريحة الفقراء العريضة وبين بلدان الشمال الغني وبلدان الجنوب الفقير والهوة المالية وتكريس التطور اللامتكافىء والإثراء السريع لدى قطاعات اقتصادية طفيلية والتخلي عن قطاعات اقتصادية حيوية لا تحقق إلا أرباح معقولة.

 إننا نعيش في منحدر خطر وعلى حافة الهاوية ومستقبل الحياة على الأرض بات مهددا وعلى قاب قوسين أو أدنى وبان بالكاشف أن العولمة هي السبب وأن الإقبال على الاستهلاك من أجل تحريك عجلة التنمية الاقتصادية قد أدى إلى الجنون وأن الاحتكام إلى النقاش الحر في السوق لا يثمر مشروعا مجتمعيا بل يخلف العديد من الضحايا وينتج الأزمات والفوضى.

 لكن ماهي المخاطر الجسيمة المحدقة بالإنسانية والمنجرة عن العولمة الاقتصادية؟ ألا تؤدي الأحداث الحاصلة هذه الإقرار بأن العولمة في طريقها إلى الزوال؟

والحق أن العولمة "تعنى إلى حد الآن ما في أروقة الأمم المتحدة وهياكلها السياسية وفي أسواق المال والبورصات الاقتصادية وأمام شاشات الحواسيب المتصلة بالأنترنت أمركة العالم إلى حد ما.فالجميع بما فيهم أوروبا يشعرون بالعجز عن مواجهة التنين الكبير: الولايات المتحدة الأمريكية, مثلما تشعر الدول بالعجز عن منازلة الوحش المفترس: السوق لأنه تحت سيطرة عصابة من لصوص الأموال يتصرفون على نحو غير معقول ويصرفون الدولار دون الاحتكام إلى أي تفسيرات منطقية ويعبثون بالأحياء والأموات بشكل غير معهود دون احترام للطبيعة والإنسان، لأن السلطة لم تعد بيد القانون والدولة ،بل بيد المال والسوق .على هذا النحو سببت العولمة مشاكل وأخطار جسيمة على صعيد السياسة والاقتصاد والثقافة والبيئة، وأوقعت الإنسان في أوهام عديدة،الأمر الذي جعل بعض المفكرين الحقيقيين لا يختلفون في القول بأن العولمة حقيقة مفزعة وجحيم لا يطاق بالنسبة للإنسانية ينبغي مواجهته والتصدي لها.

لقد بان بالكاشف ان فكرة العولمة العادلة خرافة،وأن السعادة الفردية الموعودة تخفي تعاسة جماعية حقيقية.لأن شريعة العولمة هي شريعة الذئاب،أوقعت الديمقراطية في المصيدة وأوصلت أصوليين متمدنين إلى السلطة لا يقدر أي كان على أن ينقذ نفسه منهم لأنهم مجرمون إلى أقصى مدى, يستنزفون أموال الدولة ويساهمون في انحطاط السياسة ويمثلون خطرا على مستقبل السيادة الوطنية.وفي هذا النظام المعولم لم نعد ندرك لمن الدولة ؟هل لرجال المال أم للحكام ؟ لم نعد ندري من هم الجناة ومن هم الضحايا ؟, فالطبقة الوسطى التي كانت في الماضي أساس التوازن قد اضمحلت تدريجيا ليحل محلها تفاوت صارخ بين الطبقات. وقد بزغ نجم فئة من السماسرة والمضللين المتطرفين الأمر الذي جعل القرار السياسي خاضع لإرادة المستثمرين، وجعل الدولة تحابي فئة تتمتع بالامتيازات على فئات أخرى تشكل عبئا على كاهل ميزانيتها لعدم اندماجهم في الدورة الاقتصادية ولعدم حاجة الاقتصاد لمؤهلاتهم وخبراتهم. ان الأمر الذي عقد الوضعية يتمثل في أن الانفتاح المالي يجبر بعض الدول على التنافس على تخفيض الأداءات الجمركية وقيمة العملات والتنصل من الالتزامات في المجال الاجتماعي والخدمات الإنسانية والاقتراض لتغطية العجز والترفيع في الضرائب.

  بالتالي برز مفهوم الدولة الرخوة في علاقتها بشعبها. خصوصا أن دولة الرفاه لن تحقق انجازاتها إلا بالحد من النفقات المخصصة لتحقيق العدالة الاجتماعية وبالتوزيع اللامتساوي للثروة،وعندما تتخلى هذه الدولة عن الرقابة الحدودية على تنقل رؤوس الأموال فإنها تترك المجال لاندلاع تجاوزات وانفلات قوى ذاتية خطيرة النتائج تقوض سيادة الأمم وتخلق الفوضى في الشأن العام ويضحى غالبية السياسيين خاضعين لرقابة مالكي وسائل الإنتاج وتحت هيمنة بعض المستثمرين الذين ينضمون إلى قائمة التكنوقراطيين الذين يختصرون في تقييم السياسة الاقتصادية للدول ويستمدون نفوذهم من الحرية التي يتمتعون بها في استثمار رساميلهم أينما شاءوا وفي أي مكان من العالم، خاصة وأن الدول انتهجت سياسة اقتصادية وجبائية تساعدهم على ذلك،فهي غير قادرة على فرض الضرائب عليهم وضبط رأسمالهم كسند شرعي على أعمالهم.لم نعد ندري أمام هذه الفوضى في الخيارات وانهيار المرجعيات السياسية التقليدية وتميز النموذج الليبرالي بالوحشية ماذا نفعل والى أين نذهب؟هل نعود إلى خيارات الماضي أم نتمسك بخيارات الحاضر رغم إفلاسها؟

ان العولمة هي وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نقطة الانتقال من عالمية التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج، وبعبارة أخرى هي عولمة الإنتاج والرأسمال الإنتاجي وقوى الإنتاج الرأسمالية.وبالتالي علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضا ونشرها في كل مكان خارج مجتمعات المركز إلى الأطراف بالتوسع الإمبريالي وتحقيق نمط من الإنتاج الكولونيالي.

إنها أممية رأس المال وتسليع كل شيء، وهي حصيلة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جميعا،في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها الرشيدة وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ. هذه الرأسمالية تحمل الجميع ما لا طاقة لهم به،فهي تمارس ديكتاتورية غير مسؤولة وتؤسس إمبراطورية الفوضى لأنها تكرس اللامساواة،وتنتج مجتمع الخمس الثري والأربعة أخماس فقراء،وتضغط على الحياة الفردية بحيث لم تعد الحكومات المنتخبة ديمقراطيا هي التي تسير دواليب الاقتصاد وتقرر مستوى الضرائب ،بل صار القائمون على توجيه تدفقات رأس المال والسلع هم الذين يحددون مقدار المبالغ التي يريدون دفعها لكي تستطيع الدولة أن تؤدي المهام الموكلة إليها.

ان فشل الدولة في التعامل مع فوضوية السوق العالمية أصبح أمرا مستعجبا ويبرز سيطرة الاقتصاد على السياسة,إذ فقدت الحكومات في أرجاء المعمورة قدرتها على الأخذ بزمام المبادرة،رغم أن تدفق السلع ورؤوس الأموال قد اتخذ أبعادا عالمية.ولكن التوجيه والرقابة بقيت من مشمولات الدول التي كشفت عن عجزها عن القيام بهذه المهمة.كذلك من أمراض العولمة الاقتصادية التخلي التدريجي عن العمل وتسريح العمال والعودة إلى العمل بالأجر اليومي ،وكأننا في ظل الاقتصاد اللامادي نعيش عصر اللاعمل بحيث أن ما يوفره المجتمع ما بعد صناعي من فرص الشغل لا يغطي سوى 20%  من اليد العاملة المتوفرة في سوق الشغل وبالتالي فإن 80% المتبقين يدرجون ضمن صفوف العاطلين.

 وقد اتضح للعيان أن الرفاهية من خلال التجارة الحرة هو وعد كاذب لأن الكارثة في أسواق المال قابلة للاندلاع في أي لحظة نتيجة المراهنة على الأوراق المالية في البورصة وسيطرة الأجهزة الالكترونية على العمليات المالية وكأننا على أبواب أزمة اقتصادية عالمية شبيهة بأزمة 1929"[3].

هذه ليست نبوءة ولكنها قراءة فكرية لما يمكن أن يحدث وقد حدث بالفعل ما كنا لا نرغب في حدوثه فماذا يمكن أن يصنع العرب في ظل تفاقم الأزمة المالية العالمية؟ هل نتبع سياسة انكماشية تعول على الذات وتتبنى نموذج اقتصاد الحرب مما يعود بنا إلى الوراء أم نعود إلى دولة الرعاية والقطاع العام ونقلم أظافر القطاع الخاص والاقتصاد المركزي الذي تخططه وتشرف عليه الدولة؟

صفوة القول أننا قصرنا في مواجهة العولمة ولم نعمل على بناء عولمة بديلة ولذلك قد نكون نحن العرب مجبرين أكثر من أية شعب آخر على دفع الثمن باهظا نتيجة حالة التردد والارتباك والضعف في مستوى المبادرة والتخطيط الاستراتيجي وقد دعا البعض إلى استعاد نموذج الطريق الثالث الذي يثمن اشتراكية السوق والاستثمار الاجتماعي ويستلهم نظرية كينز الذي تتمحور حول ما يلي:" وكان كينز قد دعا إلى رفع الحكومة إلى مصاف المستثمر المالي الرئيسي في الاقتصاد الوطني والتدخل عبر التخطيط وبرمجة الموازنة المالية في النشاطات الاقتصادية لغاية تصحيح حالات البطالة والركود التي أفرزها السوق والقضاء على الانكماش والتضخم ، وبالتالي معالجة الأزمات الاقتصادية الطارئة مثل أزمة 1929. لقد نادى كينز برفع الحكومات للطلب الكلي من خلال زيادة الإنفاق الاستثماري إذا تميزت الحالة السائدة بالركود وتفاديا لانكماش النمو الاقتصادي. أما إذا أرادت الحكومات التخلص من التضخم  قبل وقوعه في الحالات التي تتميز بنشاط اقتصادي يفوق حجم الطاقات الإنتاجية المتاحة ، فينبغي عليها استخدام الإيرادات الضريبية لتسديد ما ترتب عليها من ديون أنفقتها في تمويل المشاريع الاستثمارية التي واجهت بها حالة الركود"[4].

لعل هذا القول هو من أكثر الأقوال التي تنطبق على حالنا:" نحن لم نعد قادرين على التفكير بمستقبلنا مثلما كنا نقول بالأمس. وإننا مازلنا نجهل كيف نفكر به على نحو آخر.بهذا المعنى هناك أزمة. لكن هذا الانقلاب ليس فقط نتاج ضربة سيئة في التاريخ فهو متصل أيضا بانقلاب في نطاق عقلانيتنا بالذات.إنها أزمة تمثلات العالم وأزمة تمثلات السياسة اللتان تترابطان لتعززا من شك بدا يمحو كثافة بياناتنا. ان ماهو بطريقه إلى الموت هو أيضا مفهوم علم مبني ومشبك كأنه كل متناسق ذو صيرورة دينامية. وإننا نكتشف أن العالم لا تحركه آلة تضبط الزمان وتنظم المكان.فهو لا يعمل كمحرك انطلاقا من مركز يرتب وينسق. ان الصور التي اعتدنا على قراءة المجتمع من خلالها قد أصبحت بالية جدا. فالنموذج الكبير الممركز والمتراتب حيث كل شيء منتظم في مستويات ومراتب وقطاعات هيمنة لم يعد سوى علامة من علامات عالم يموت."[5] فهل تستعيد العولمة ما كانت فقدته عند لحظة تشكلها الأول وهو الربط بين العملة المتداولة وكمية الذهب الموجودة في خزينة الدولة؟ ألا تؤدي هذه الأزمة إلى أفول العولمة ونهاية عالم القطب الواحد وتشكل عالم جديد متعدد الأقطاب ويكون الاقتصاد الرأسمالي مجرد خيار بين خيارات أخرى يمكن أن تعتمد عليها الدول؟

المراجع:

ب .روزانغالون/ ب. قيقري ، نحو ثقافة سياسية جديدة، ترجمة خليل أحمد خليل دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى1982

زهير الخويلدي ، مفارقات العولمة ، كتاب  لزومية العود على بدء، طبعة أولى تونس 2007.

روجي غارودي،العولمة: الواقع الجذور البدائل، ترجمة د محمد السبيطلي،دار الشوكاني للنشر والتوزيع، صنعاء، 1998.

كاتب فلسفي

 



 روجي غارودي  ،العولمة: الواقع الجذور البدائل ترجمة د محمد السبيطلي، دار الشوكاني للنشر و التوزيع، صنعاء، 1998، ص17[1]

[2]  زهير الخويلدي ، مفارقات العولمة ، كتاب  لزومية العود على بدء، طبعة أولى تونس 2007، ص294-295

[3]  زهير الخويلدي ، مفارقات العولمة ، كتاب  لزومية العود على بدء، طبعة أولى تونس 2007، ص297-300

 [4]  زهير الخويلدي ، مفارقات العولمة ، كتاب  لزومية العود على بدء، طبعة أولى تونس 2007، ص294-295

[5]   ب .روزانغالون/ ب. قيقري  نحو ثقافة سياسية جديدة ترجمة خليل أحمد خليل دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى1982 ص92

تطرفات –الماجدي-الشعرية ووضروراتها

التفاصيل
كتب بواسطة: خليل مزهر الغالبي
نشر بتاريخ: 12 أكتوبر 2007
انشأ بتاريخ: 12 أكتوبر 2007
الزيارات: 12

   تطرفات –الماجدي-الشعرية ووضروراتها

................................... خليل مزهرالغالبي

 

ان لأنتاج مؤلَف (العقل الشعري) -لخزعل الماجدي- لايمكن حصوله وحدوثه واكماله وذلك لما فيه من مجموعة تندرات فهمية او قد تكون حسية وبعيدة عن المتعارف عليه والمتداول فيه لولا شاعرية الكاتب، ففي كثيرهاالبعيد عن النهج المعهود الدراسي والنقدي ولما فيها يعتبر تناول منسجم بالاانسجام الذي هو فيه المؤلف وجودا مميزا (لخزعل) الكاتب الناقد الشاعر وما ميزه هو ابتعاده عن المتهيج المساير لمايمكن تسميته بالاسلوب المتواجد لذا يمكن ان نقول ان فيه الكثير من المختلف الصائب والمغاير السديد لناوالذي يحسه المتلقي في توقه التذوقي ولذته القرائية والتقليبية المتصفحةلما فيه وان كانت غير واضحةلديهاواقرب ماتكون مشوشة.

لم يغيب –خزعل الماجدي- بد عن هكذا هموم فهمية ، بل كأنها خاصة به واليه وهو الانحياز المنطقي (للا منطقية) الشعر وتتويجه العادل لمبدع الشعر وليس الى كثيره المتهالك.

لقد بان التصريح المتفرد في كثيره لدى هذا المؤلف وكما اكدنا بوجوب شاعرية الكاتب في تحريك هكذا مفصليات وطرق ابوابها الملزمة بها والا لكان مايثار وما يتناول هو مجموعة اوهام قرائية ثقافية او قد سلكها في الدراسةولم يعد الماجدي بعيدا عنا وعنه في ذلك وقد اطلعنا على كتاباته المنشورة في الصحف والمجلات الثقافية وما يثيره هو وما يثيرة الاخرون بصدد ذهاباته وتفرداته وتعمقاته انها تطرفات تنظيرية تصب في لب المراد المتوضع هذا.

وفي اطلاعنا على(عقله الشعري) لابد من قول ما طرح وماحرك قي ذهنيتنا المتابعة لهكذا متفقات ولامتفقات في الصدد الشعري ، وقد كانت عنده اكثر خروجاً للمتداول  الرأيي والتنضيري في الداخل الادبي العراقي والعربي، وهذا ما اثار حول (خ الماجدي) من انتباه في كثيره المريب وفي قليله المعجب والمهلهل له.

ولو اتينا هنا ببعضها ولما تطرق اليه حول غسل القصيدة النثرية للغة ومن استعمالات القصيدة الكلاسيكية لها ومحاولتها لغسلها وتنظيفها لما الحق بها هذاالقديم المتهالك والمستعمل التداولي من الكثير وفي منتحه،

بل ذهب -خ الماجدي- بأن القصيدة الحديثة وهي قصيدةالنثر قد اعطت الدور الابداعي للمفردة حتى ومن خلال فجوتها الصغيرة جدا في الفضائية التعبيرية للغة نفسها وكأنها فسحة غير موجودة لتجانبها مع الفعالية اللغوية وهي من اساسيات القصيدة النثرية وما اعطى هذا الاحتفال للمفردة من مهمة تطوير اللغة بخلقها للدلالات و والمعطيات الضمنية وضرورة الحضور للكل هذا حضورا جماليا وجوبا فيه.

وبالرغم من تأكيدات اذكائية القصيدة والمتنقح في مقذوفها الاواعي وضرورة تجربة الشاعر ومعرفيته في الخلق الشعري وتنظيم الامنتظم من المولدات الهجسية في الحس الشعري البدئي وادخاله لجمالية تصنع النص الناجح الاخير الحالم والمراد، لكن يبقى الصح الكثير عند هذا الشاعر الكاتب وضرورته ذات الاهمية الابداعية وشروطها الغير مشروطة في الانبثاق الشاعري الاولي ان صح التعبير.

لذا كان صائب الميتاجمالية وحتى القول القريب منه من الميتاحسية ففيها الكثير من المريح في هكذا (هم) ازاء ما يشوشه الشعر لدينا في المعرفية الادبية.

ان الكثير(الماجدي)فيه القليل المنظم وهذا من المنطقي لان الموضوعة غير مستقرة ابداً وهو مفهوم الشعر والذي لم تهدء دلالته وحتى وضيفته وكله المغير والمدهش و(الغير صحيح)الصائب والاواقعي الحقيقي وكل المختلف الذي يدعيه ويحمله في نصوصه (كمغالطات)لطيفة هي الاقرب لفلسفة الشعر وابستيمولوجيته الدقيقة والحساسة في الحساب.

لقد ذهب العالمي التأريخي الى الكثير ومنه العربي وفيه الكثير من الاساسيات من المراد الفهمي لدى شاعرنا الكاتب بدأ ببودلير او ومالارميه وتشضى عند رامبو بكثير من تأكيدات الماجدي مما يقربنا الى الهم التأريخي للشعر ولهم صاحبنا الشاعر الكاتب –الماجدي-

ومما لايقبل الشك، تناول الماجدي للكثير الأزمي للشعر واللازمي للشعر ايضا وهو من المختلف الفهمي والمبشوشات التاريخية وليست الأنية بصدد الشعر واطلاعه عليها وتقلبه لكثيره وهذا ما انتجه في عطائية المؤلف الكثيرةوالميلية عند الشاعر الكاتب وببعضه المائل للشعر ومتعلقاته ومنها اختلاف العقل الشعري عن العقل الانساني في متنوعات الهم العقلي المنسجم مع مهامه الملقى عليه....

...........................................

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

عـذابات سيد الوحشتين

التفاصيل
كتب بواسطة: د.مقداد رحيم
نشر بتاريخ: 07 أكتوبر 2007
انشأ بتاريخ: 07 أكتوبر 2007
الزيارات: 15

عذابات سيد الوحشتين

 

قراءة في المجموعة الشعرية (سيد الوحشتين)

للشاعر علي جعفر العلاق

 

 

 

الدكتور مقداد رحيم

 

 

 

  لا ينفكُّ الشاعر علي جعفر العلاق يستمدُّ أجواءه وموضوعاتهِ من عناصر الطبيعة بنوعيها الحيّ والجامد.. الثابت والمتحرك منذ ديوانه الشعري الأول (لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء)، حتَّى جعل ذلك ميسماً من مياسم دواوينه التالية: (وطن لطيور الماء) و(شجر العائلة) و(فاكهة الماضي)، بل تجاوزَ ذلك إلى إبداعاته النقدية، فكان من كتبه (هاهي الغابة فأين الأشجار؟)، غير أنني لن أتحدث عن الأشجار ولا عن الماء، لشهرتهما في شعره، بل عمّا تلوَّنَ به (سيِّدُ الوحشتين) من مظاهر الطبيعة وعناصرها الأخرى.

    وإذْ يلجأ إلى الطبيعة فلأنه يرى أنها ما زالتْ طَـيِّعةً لمعاني العصر الحديث وموضوعاته الآنية، كما يرى أنَّ الشعر العربي لم يستنفد طاقاتها على الرغم من استخدامه لها عبر العصور الشعرية الطويلة التي امتدت ما يقرب من خمسة عشر قرناً من الزمان، ولذلك تأخذ عناصر الطبيعة ومكوناتها عنده أشكالاً طريفةً، وينـزع فيها منازع مختلفة، في الغالب، ليعبر تعبيراً شِعرياً بليغاً عن مراميه.

   فإذا كانت صفة الحصى، وهو مكون من مكونات الطبيعة الجامدة، الصلابة والقوة في ذاته، فإنَّ علي جعفر العلاّق، يشحذ هذا العنصر ليجعله غنياً بمعانٍ أخرى متنوعة، فضلاً عن معناه الأصلي الذي يستفيد منه في قوله:

لك أن تتوهمَ

أن المتاهات أشرعة

والحصى سحبٌ

ممطرةْ.   ص7

   فيُحيلُ إلى معنى صلابة الحصى واستحالة تحوله إلى مادة سائلة، ليكون ذلك معادلاً موضوعياً لحالة الوهم، ومخالفة الواقع، وقد ينعكس الأمر لديه فتتحول المادة اللينة إلى حصى: (طيور الحصى تأكل عينيه. ص20)، غير أنه استخدم الحصى في مواضع أخرى من هذه المجموعة ليحيل إلى معانٍ أخرى كالاختناق والوحدة كآبةً: (وحيداً يرى أيامه تمضي:/ الحصى جاثمٌ على أغانيه. ص19)، والهدوء والسكينة حزناً: (اهدئي، يا طيور المنافي/ لوِّحي لبلاد الأسى بالدموعْ. ص27)، وأرض الوطن حبَّاً وتعلُّقاً: (حجبتها الحروبُ/ أدنو فتمضي مثلما الغيم/ كم غسلتُ حصاها بالشذا. ص39)، والجدب والفقر: (الحقول حصى. ص55) مقابل الخير والغنى: (بلاداً قديمةً:/كنتُ أنمو بين غزلانها/ أكان حصاها/ فضةً في دمي تُضيء؟. ص72)، وتضحيات بلا طائل: (تمضي لتأتي/ ليس إلاَّ الذئاب تسطعُ/ في الليل: دماءٌ على الحصى/ وغناء على النعوش. ص41)، مقابل طقوس اعتقادية: (ثَمَّ نساءٌ يبتهلنَ/ إلى الحصى، ويغنينَ.. ص74).

   وليس الحصى كالحجر الذي استحضره الشاعر لينفذ منه إلى معنى انكفاء الدلالة القديمة على دلالة جدية هي سلبية دائماً عنده لا تتعدى فقدان قيمة إيجابية ذات أهمية، فيداه أصبحتا متصلبتينِ حيث لا نماء، بينما يورقُ العكّازُ بينهما، وهذه صورة من صور التحول التي يريد بها الشاعر إتمام المشهد السوداوي الكئيب الذي يغلف وحشة روحه... صورة تكشف عن تناقض مخيف مؤلم: (مورقٌ عكَّازُهُ الأعمَى/ وأحجارٌ يداه. ص6)، وقد أضاف صفة العَمَى للعُكَّاز ليجعل الصورة أكثر تأثيراً وعُمقاً ودلالة، فضلاً عمَّا جنحَ إليه مِن تركيز تبادل الوظائف بين الأعمى وعُكَّازه.

   وفي قوله: (لغتي من حجارٍ، وغائمةٌ/ شفتايْ. ص55) يرسم الشاعر ملمحاً آخر من ذلك المشهد القاتم عندما يصف لغته بعدم القدرة على التعبير والنظم، لضياع مدلولاتها في مثل حالته، كما أنَّ الحجار تصلَّبَ فلم يعد قادراً على التحلل والتركُّب، وفي كلتا الحالتين يكون التحوُّل من السيولة إلى الصلابة، ومن الإيجاب إلى السلب، وحتى في قوله: (ولماذا كلُّ شيءٍ حجرٌ/ مكتئبٌ أو ورقُ؟. ص12-13)، فالسؤال هنا يعبّر عن اندهاش الشاعر من كون الأشياء جميعاً حجراً، وإنكارهِ لهذه الكينونة التي هي استحالة سلبية دلَّ عليها الاندهاش والإنكار.

    وتـتجلى (البئر) في عدة دلالاتٍ، ليس منها ما هو إيجابي:

1-   كيفَ أوغلتَ؟ حفرتَ البئرَ حتّى

بكت الإبرةُ، واشتدَّ عليكَ الليلُ

حتى اختلط الحابلُ بالنابلِ، والموحشُ

بالآهلِ، حتى بلغتْ حيرتُك الكبرى/

مداها، فلماذا

يأسك الوارفُ لم يبلغْ مداه؟    ص5-6

2-   عمِّقوا البئرَ،

ونادوا الذئبَ

من أقصى النوايا المظلمةْ

حاصروا كلَّ دروب الريح:

لايدخلْ

إلى مكمنه المائيّ نجمٌ،

أو إلى عزلتهِ المزدحمةْ

حجرُ الضوءِ.. /

تعبنا

لتكن آخرَ بئرٍ هذه البئرُ،

 

ترابٌ أم فوانيسُ من

اللوعةِ والياقوتِ؟

ليلُ البئرِ غربانٌ من الفولاذِ تنقضُّ

على يوسفَ: هل يوسفُ

طفلُ البئرِ أم حيرتُنا

الكبرى؟   

.........

ضوءٌ يغتلي في البئر، رشّوا

مطرَ اليُتمِ على أطفاله الغافين ص23-24

3-   هل تمتلئ الآبارُ بالوحشةِ أم

بالضوءِ؟

أقمارٌ مدمَّاةٌ

سماواتٌ

من الأشلاءِ، مَن كان قتيلَ

البئرِ، يا يوسفُ:

فجرٌ همجيٌّ ورياحٌ مُبهمةْ   ص25

   ففي النص الأول تكون البئر متاهةً لا تُفضي إلى طائل، وفي النص الثاني تتبدَّى يأساً مفضياً إلى حيرة كبرى، وفي النص الثالث هي ضياع وعلامة استفهام ما وراءها مِن جواب بحسب ظاهر القول.

   أما الريحُ فتأخذ حيِّزاً كبيراً من هذه المجموعة، ولنْ تختلف في دلالاتها السلبية عن العناصر الأخرى، فهي سبب الخطر والكوارث والمؤذن لها: (حاصروا كلَّ دروب الريح. ص 23)، و(فجأةً: داهمتنا الريح/ وانكسر النهار. ص77)، و(مثل البدايات تصعدُ/ أي الينابيع تدفعها صوبَ هذا الرماد المشاكس؟ أية ريحٍ تؤجج ماءَ أنوثتها؟. ص52)، وهي الفتنة والبلاء والطغيان: (ماذا تحملُ الريحُ إلى بابلَ؟ ص26)، و(أي ريحٍ/ تهبُّ من موطني الذبيح؟ ص62)، و(ملكاً كنتُ على الريحِ/ وكانت بضحايايَ تموجُ الطرق. ص11)، وهي الوحشةُ والتشتتُ والضياعُ والمتاهةُ والموت والقاتل والضحية: (يتُها الريحُ الخريفيةُ/ يا قُبَّرةَ الوحشةِ، مَن أيقظك الليلة؟. ص6)، و(مراكب تترى: فمِنْ عائدٍ/ تقتادهُ الريحُ،/ ومِن راحل. ص19)، و(أيّ السلالات نحنُ؟: قبائلُ للرملِ أم للهزائمِ؟ للريحِ أم للضجر؟. ص85)، و(كيفَ أوغلتَ؟ حفرتَ البئر حتّى بكت الإبرةُ واشتدَّ عليك الليلُ/ حتى اختلط الحابل بالنابل، الموحشُ/ بالآهل. ص5-6)، و(غرقنا في دم الريحِ. ص77)، و(فجأةً/ تتخطفها الريحُ. ص53)، و(نشيد قاتمٌ ينهشُ لحمَ الريحِ. ص25).

   وهي بَـعدُ رقيب شامتْ وقوة شريرة دائمة الشر ولا تصلح لجنى الورد: (وهل تنـتهي شماتة الريح؟. ص20) و(الريحُ لن تهدأ. ص20)، و(سألنا الريحَ/ هل حملت إلى قصائدنا ورداً؟/ وهل كسرتْ عاداتها؟. ص46).

   ويستخدم الشاعرُ الريحَ ليرسمَ صورة دقيقة الملامح لواقعٍ متبدِّل، استحالَ فيه الفرح حزناً، والعشب جدباً، والقربُ بُعداً:

1-             كنا مضيئين،

بل كنا نفيضُ أسىً

وغبطةً، وتُغنّي

حولَنا الريحُ    

نُعاسنا مُمطرٌ

عُشباً،

ويقظتنا غَمامتانِ

وأيدينا المصابيحُ/

ندنو من النارِ،

نَفنى في تشمُّمها

حتَّى نُجنَّ

أحلماً كان؟ /

تنأى بنا الريحُ:

كلٌّ صوبَ هاويةٍ

يسوقنا مطرٌ

أعمى

وتبريحُ.. ص29-31

    أما عناصر الطبيعة الحيّة فلم تكن بمستثناة لديه من دلالات سلبية بما أستطيع معه التعميم، فالذئبُ رمزٌ للغدر والفتك والقتل: (عمِّقوا/ ونادوا الذئب/ من أقصى النوايا المظلمةْ. ص23)، و(ونادوا/ ذئبنا الهائجَ في أرواحنا المضطرمةْ.. ص25)، و(تمضي/ لتأتي/ في الليل دماء على الحصى/ وغناء على النعوشِ. ص42)، و(أيها الرمحُ الذي/ يعولُ مثل الذئبِ، لم يبقَ نديمٌ/غير هذا الموت. ص50) و(ذئبٌ معتمُ يتبعني. ص63).

   وأما الغراب فهو نذير شؤم ولا شكّ، يكون سواده ليلاً يستر الجريمة، ونهاية كارثية يقتضيها سياق الوحشة، وغروباً للأماني: (ليل البئر غربانٌ من الفولاذ تنقضُّ/ على يوسف. ص24)، و(نادوا/ وحشة الليل، وغربان النهايات. ص25)، و(أي غروبٍ/ صنعتهُ الغربانُ؟. ص79).

    وكان ينبغي أن يكون للغزال وضعٌ مختلف عن أوضاع العناصر الحية الأخرى، فهو الجميل الرشيق، النادر القليل، العصيّ العزيز، غير أنَّ أمره لدى الشاعر وهو يتسيَّد الوحشتين غير ذلك تماماً، ولهذا السبب استطعتُ التعميم، فهذا هو الغزال: دمهُ المسفوك انعكاس واضح لدماء الشعب المسفوكة على الدوام، ومدافن الغزلان هي مدافنه، وهو رمزٌ للكآبة، والموت الرشيق، والواقع الهش: (نهارٌ من دم الغزلان: يعلو/ وهم القتلى، يُغنّي/ وهم الباكون، ينأى وهم الغافون في الظلمةْ. ص26)، و(آه،/ كم عدتُ كي أُطلّ/ على الحقلِ: نجومٌ مطحونةٌ،/ وحقولٌ من عظامِ الغزلانِ،/ أي بلادٍ: تختفي/ كي تضيءَ/ لتأتي. ص41)، و(يتفتح عشب على طللٍ،/ ويشمُّ غزالٌ كآبةَ/ أنثاه. ص34)، و(كنْ رشيقاً، مثلَ ظبيٍ،/ أيها الموت. ص50)، و(أغزالٌ مِن الرملِ ذاك؟. ص55).

    ثمَّ يتخذ من الغزلانِ، وهي الرمز الجميل، رمزاً للحرمان باستخدام أسلوب النفي أو التحوّل لتأكيد السلب: (لا ندامايَ/ ولا ظلُّ ردائي/ لا غزالاتُ الغضا،/ لا امرأةٌ تُقبلُ من مملكة الرمان:/ مَن يحملُ للقبرِ/ بقاياي؟. ص49)،  و(بلاداً قديمةً:/ كنتُ أنمو بين غزلانها. ص72)، وهكذا استطاع الشاعر ببراعة ملحوظة تحويل هذا الرمز الإيجابي إلى رمز سلبي ليس بالنظر إلى ذاته، بل بالنظر إلى ما وقع على هذه الذات من عَبث ٍ وتنكيل.

    وتلك الذات لا تنفصل عن ذات الشاعر بأية حال، بل هيَ هيَ، لأنها ليست مقتطعةً منه، أو مفصولةً عنه، بل هي تعبير عن ملامحه، وعذاباته وتداعيات روحه الجريح، وقلبه الموجَع، حتى صار سيداً لوحشتين لا وحشة واحدة، وحشة المُبدِع، حيث الانفصام عن المحيط لابتداع عالم آخر، وهذا أمر طبيعي اعتيادي يُعانيه كل مبدع ٍ أصيل، ووحشة الغُربة، حيث البعد عن الوطن أو ضياعه، وهو أمر شخصي فردي طارئ، وهنا يلتقي العذابان، وتُستجمعُ الأحزان، ومثل هذه الأحزان نجدها مبثوثة في تضاعيف هذه المجموعة الشعرية بشكل بَـيِّن جليّ، ومتمحورة في هموم الوطن ووطنية الشاعر التي فاضتْ لتغطّي مساحاتٍ واسعةً من قصائد هذه المجموعة، بل مساحات قصائدها جميعاً. غير أنه جعل قصيدته (لي بلاد أحبها وهي تنأى) ملاذاً لعميق مشاعره بوطنه العراق وما آل إليه مِن دمار تحت وطأة الحروب والخراب، ومنها قوله في أول القصيدة:

حجبتْها الحروبُ،

أدنو

فتمضي مثلما الغيمُ،

كم غسلتُ حصاها بالشذا

والدموعُ،

كم تركتني

لذئاب التاريخ:

تفتضُّ

روحي ...

قسوة كم أحبها،

وجمال يتحدَّى الخرابَ،

حتّامَ أدنو فَـتُجافي،

أكلَّما جئتُ

غابتْ؟ (ص39-40)

    وقد استحضر الشاعر رمزين تاريخيين في هذه المجموعة، ليكونا شاهداً على محنته، ودليلاً على عذاباته، ومعادلاً موضوعياً له، وكلا الرمزين شاعران، ليكون اختيارهما قائماً على حُسن التطابق، أولهما الشاعر الجاهلي امرؤ القيس في قصيدته (لوعة امرئ القيس)، حيث موته في أرض غريبة وهو يطلب العون لأخذ الثأر لأبيه، والشاعر هنا إنما يشير إلى قصيدة امرئ القيس المشهورة وهو يرثي نفسه في غُربته مسموماً، ولاسيما قوله:

أيا جارتا إنا غريبان هاهنا...... وكل غريب للغريب نسيبُ

 وثانيهما الشاعر الأموي مالك ابن الريب صاحب القصيدة الواحدة، كما هو مشهور مع أنني لا أظن وحدانيتها، في قصيدته (مالك بن الريب)، حيث موته كذلك بعيداً عن أهله ووطنه في إحدى الغزوات شهيداً، والشاعر هنا إنما يشير إلى قصيدة مالك بن الريب تلك التي يرثي بها نفسه ويصبُّ فيها شلالات حنينه للأهل والوطن، ولاسيما قوله:

تذكرتُ مَن يبكي عليَّ فلم أجدْ...... سوى السيف والرمح الردينيّ باكيا

  وفي ذلك منتهى العذاب، وأقصى الوحشة.

   أما قصيدته (طائر يقبل من مذبحة) فيستحضر فيها كلكامش من بطون الأساطير، حيث "أوروك"/ العراق، وحيث المغامرة في بحرٍ من الظلمات، وطلب الخلود/المستحيل والخيـبة في تحصيل الطلب، وعشتار حيث الحبّ والخصب والنماء، وأدَّعي أن هذه القصيدة هي ملحمة تستحق الوقفة والدرس بعناية واستفاضة، فهي بمثابة إعادة بناء لملحمة كلكامش نفسها، واستبطانٍ لها، وفيها يتبدَّى وجهانِ رئيسان، وجه الشاعر نفسه الذي يكافئ وجه كلكامش، حيث الضياع والخسران:

كلكامش،

أخي القديمَ، طائري القديمَ

كم بكيت

عليكَ، كم ضعتُ

وكم أضعتُ

كم هدَّمتُ مِنْ مغارةٍ

سوداءَ، كم بنيتْ

فإين كنتَ؟

في عروق أي جرّةٍ

قديمةٍ، ومن هُتاف أي غيمةٍ

أتيتْ؟

 

وصعدنا مع المياه، كلانا

طائرٌ يحضنُ الحياةَ،

كلانا

كان يختضُّ نشوةً، كان يمضي صوب أرضٍ

من القصائد والأنهار، يمضي

إلى المنى لا المنايا. (ص75-76)

 

أما الوجه الثاني فهو وجه الوطن العراق/أوروك، الذي تناقضَتْ ملامحُهُ، وتلفَّحتْ بالأضداد، وكأن ذلك من أقداره المُحَـتَّمات منذ بدء التاريخ:

أصحيحٌ ما رواهُ الشجر؟

-منذ بدءِ الكونِ

كان الدمُ ضوءاً

بل وضوءاً للعراقيين، كان المطرُ

واحداً منهمْ. وكان

الضجرُ

خصلةٌ فيهم،،

أكانوا محضَ ضدينِ

قديمينِ: الندى

والشرر؟

أصحيحٌ ما يقول الشجرُ؟

كم رأينا طيورَها

البِيضَ تهوي، والندى

مُعتماً يُضيءُ:

سماء مِن الخرابِ

كيف تماهَى الحِبرُ والحربُ

هل تصير الصحارى والحصار توأمين...؟ (ص78-79)

   على أنَّ موضوع هذه القصيدة/الملحمة الأساس يتجلى في الإشارات إلى ما آلَ إليه الوطن من الاحتلال والغزو والنهب والجفاف:

غزاة يعبرونَ الفراتَ

فجراً. أراهم

يقطعون المياهَ

عن وردة اللهِ..

غيوم قديمةٌ

تتلوى ظمأً، والفراتُ يرفلُ

بالموجِ. (ص79)

    ولكي يؤكِّد فكرة تلك الأقدار يُحيلُ اتجاهَ مسار القصيدة إلى تاريخٍ أقرب، فيشير إلى غزو التتار للعراق، وسقوط عاصمته بغداد على أيديهم، بدليل النصّ على كلمة "طائرات"، و"الأباتشي":

 

نهار مهشَّمٌ،

أي شمسٍ ذبلتْ

في الحقولِ، أي غروبٍ

صنعتْهُ الغربانُ

والغربُ،

مرتْ طائرات التتارِ،

.....

كانت مركبات التتارِ

تَعوي، الأباتشي ظُلمةٌ

تأكل القلوبَ... (ص81)

   وحيث صار الوطنُ مذبحةً يجد العلاّق نفسه معادلاً موضوعياً للعنقاء طائر الفينيق الأسطوري، فيتَّخذهُ قناعاً، لِيهَبَ نفسه للوطن، في كل مرة يجدد فيها النهوض بعد الاحتراق:

كنتُ أهذي، أُنادي:

خذْ لأوروكَ عشبةً

خُذْ بقايا جثث الخيلِ

خذْ يدي

خذْ رمادي..

طائر يُفلتُ مِن مذبحةٍ،

يتلظَّى بين جمرٍ ورمادْ،

ساطعاً يعلو،

ويهوي،

 مثلما

يومضُ الجرحُ،

على أسمالهِ

لا شذا الحُزنِ،

ولا حِبر الحدادْ،

دامياً يعلو، ويعلو

ناشراً

ضوءهُ الدامي

مياهاً

وبلادْ.. (ص 82-83)

  وهكذا استطاع الشاعر أن يبني ملحمةً شعرية على أسسٍ من الأسطورة تارةً والواقع تارة أخرى، ليكون كلُّ ذلك في خدمة غرضه الشعري، وليعبر تعبيراً مناسباً وعميقاً عما يجول في خواطره من أحزان وانكسارات وخيـبات، كما يُحدِّد موقفه من هذا كله ومن تلك الأقدار المحتَّمات، ألا تراه يقول في القصيدة نفسها:

أكانت شمسُ أوروك خُدعةً؟

أيكون الموت يوماً

بداية؟ (ص81-81).

 

 

تقنية القصيدة

 

  لا شأنَ للشاعر علي جعفر العلاق بِمُعضل الكلام، ولا غرابة المعنى، ولا المعقَّد من التراكيب، ولا الجنوح إلى مخالفة المألوف في الجملة الشعرية، لا لأنه لا يجد البراعة في نفسه ليأتي بكل جديد وطريف مِن ذلك، بل لأنه تمكَّنَ من أدواته الشعرية منذ زمن طويل، وبلغ فيها شأواً مَكَّنَهُ من التشبث بأعناق السهل الممتنع، الداني البعيد، فلم تعُد الصورة الشعرية لديه لُعبة مجرَّدة يُديرها بكدِّ الذهن، ولا ادِّعاءً خاوياً يستجدي من خلاله التمكُّن مِن ناصية الشعر بالصورة المقتطعة وحدها، ليراهن عليها، فهو يعلم أن الصورة توجد في الكلام منثوراً حتى على لسان العامّة من الناس، وإن اختلفت السبل، وتعددت المستويات، وتباينت مآخذ النص.

  والقصيدة لديه سرعان ما تستحوذ على ذهن قارئها، وتستدعي لديه المتعة والاستطراف، وتُغريه في قراءتها حتى تستوفي أسرار فتنـتها جميعاً، لأن غاية الشعر عنده ليس المعنى وحده، فإن المعاني مطروحة في الطريق على رأي الجاحظ، مع أنني لا آخذ هذا القول على عِلَّاتهِ دون أن أنصَّ على قدرة الشاعر على التقاطها من ذلك الطريق، وإهالة عناصر الإبداع عليها في معمله الشعري، وهنا ستختلف القدرات والمهارات، إنما تتسامَى غايات الشعر لدى علي جعفر العلاق لتشمل البناء الفنّي للنص ليكون بهذا البناء شِعراً لا شيئاً آخر!.

   ومَن يدقِّق النظر في البناء الفني للقصيدة لدى علي جعفر العلاق فإنه لا يعدمُ التماسَ الموسيقى ظاهرةً للعيان وخافيةً يتلقفها الحِسّ، وأعني موسيقى الألفاظ والقوافي، وموسيقى الإيقاع الشعري، وبذلك تتكامل القصيدة لديه لتشمل الفائدة والمتعة معاً، دون أن يجد في نفسه الحاجة إلى السير وراء التغريب المخلّ للقصيدة العربية الحديثة، فإنَّ شاعراً تمكَّنَ مِن أزمَّة الشعر العربي مثل العلَّاق لا يـجد في نفسه حاجة ً للخروج على هَيـبة القصيدة العربية، وخواصّها المنيعة العتيدة.

   على أنني أجد حاجة مُلحّة عليَّ للنظر في المستوى التقني لقصيدة العلاق نظراً مستقلاً في مقال ٍ آخر، غير أنني أحيل القارئ إلى قصائده: (المجنون) و(سيد الوحشتين)، و(ملكاً كنتُ على الريح) و(غيم) و(كم كان عذباً شجر الساحل) و(حِبر الوحشة) و(أحزان عالية) و(لي بلاد أحبها وهي تنأى) و(لوعة امرئ القيس) و(دلني يا هواي) و(طيور السهر) و(طائر يقبل من مذبحة) و(للريح أم للضجر)، ليرى كيف استطاع الشاعر أن يـبثّ الموسيقى في تفاصيل قصيدته فتـتراءى كأغنية مقتطعة من هزيع الروح، لا تدلُّ نهايةُ الحُداء بها في الأذن على نهاية أثَـرها في النفس.

   إنَّ سيِّدَ الوحشتين شهادة ناطقة بليغة عن واقع ٍ أراد له الشاعر أن يكون صورةً دقيقة الملامح عبَّرتْ عنها نفسُهُ المُعذّبةُ بصدقٍ واضح، وتجلَّى فيها إبداعُهُ، كما تجلتْ من خلالها عذاباته شاعراً وإنساناً ذا انتماءٍ أصيل، وثقافة وخبرةٍ واسعتين.

 

 

 

 

………………………………………

 

  

  

 

 

   

  

 

  

  

مقاربة أسلوبية لرثائية بكر بن حماد التاهرتي

التفاصيل
كتب بواسطة: ناصر بوصوري
نشر بتاريخ: 01 أكتوبر 2007
انشأ بتاريخ: 01 أكتوبر 2007
الزيارات: 11

مقاربة أسلوبية لرثائية بكر بن حماد التاهرتي

                                  ناصر بوصوري*

                                                   البريد الإلكتروني:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة :

أحدثت المناهج الحديثة تغييرا كبيرا في مجال الدراسات الأدبية للنصوص قديمها وحديثها،وخاض هذا المجال كثير من النقاد قدموا دراسات لنصوص من الأدب القديم  والحديث ،فكانت قراءاتهم ومقارباتهم وفق المناهج الأسلوبية و السيميائية و التفكيكية لا تخلو من بعد نظر و تقصٍّ ،فقد وقفوا عند جزئيات كثيرة في هذه النصوص ،وكان ذلك بداية تحول قاد إلى ثورة في المفاهيم ؛إلى درجة صار يُنْظر إلى النصوص الإبداعية بأشكالها التعبيرية المتعددة نِظرة نقدية كشفت كثيرا من الغوامض واستجلت كنهها وقدمتها في قالب جديد .

وبما أن تخصصي في الأدب الجزائري القديم ؛فقد اخترت أن أخوض هذه التجربة في تحليل نص إبداعي لشاعر جزائري عاش في العهد الرستمي و يعتبر أشهر شعراء ذلك الزمان لذيوع صيته في المشرق والمغرب وحتى في الأندلس ؛إنه بكر بن حماد التاهرتي أو التيهرتي ،إلا أنني وقفت حائرا بين قصائده؛أيها اختار؟

وبعد تردد بين قصيدتين له؛إحداهما تناول موضوعها الرد على عمران بن حطان الذي مدح قاتل الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ و أخرى تناولت رثاء ولده عبد الرحمن،فاخترت هذه الأخيرة لأنها مؤثرة و حزينة ،وقد تكون لي عودة إلى القصيدة الأخرى ـ إن شاء الله ـ .

اخترت رثائية بكر بن حماد لابنه وآثرت دراستها وفق المنهج الأسلوبي الذي بدا لي أنه أنسب إلى مقاربتها والوقوف على ما رأيت أنها اشتملت عليه ،و لا أزعم لنفسي أنَّني وُفِّقْتُ فيها و وقَفْتُ على كثير من حيثياتها لاعتقادي أن الإبداع يتجدد مع كل قراءة ومع كل دراسة ،وقد يشفع لي أني اجتهدت في فك بعض رموزها.

وقبل أن أشرع في عملي هذا ارتأيت أن أنفذ إلى المنهج الأسلوبي من وجهة نظرية؛فتحدثت عن الأسلوب وعرفته في اللغة والاصطلاح عند العرب وعند الغرب،ثم عرجت على بعض المبادئ الواجب استحضارها عند التحليل أو المقاربة الأسلوبية ،وتكلَّمت بعدها عن ثوابت هذا التحليل ،أعقبتها بتعريف مختصر لسيرة الشاعر بكر بن حماد وأبيات القصيدة أو ما بقي منها ،لأختم هذا العمل بالمقاربة الأسلوبية لدراسة هذه القصيدة ؛متنقلاً بين المستويات الصوتية و التركيبية والدلالية التي حوتها القصيدة.                                                                  

تعريف الأسلوب:

يعرف ابن منظور الأسلوب في »لسان العرب«فيقول:«يقال للسطر من النخيل وكل طريق ممتد فهو أسلوب ،فالأسلوب هو الطريق و الوجه و المذهب ،ويقال أنتم  في أسلوب سوء ...ويقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه.»([1])

أما ابن خلدون في مقدمته فيرى « إنه عبارة عن المنوال التي تنسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي هو وظيفة الإعراب و لا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي وظيفته البلاغة و البيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب»([2])" ويضيف«هو الصورة التي ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب الصحيحة باعتبار الإعراب و البيان فيرصها فيه رصًا. » ([3])

     أما التعريف اللغوي للأسلوب عند الغربيين فإن كلمة «style الإنجليزية أي أسلوب،يعود إلى اللغة اللاتينية ،حيث كان يعني عصا مدببة ،تستعمل في الكتابة على الشمع» ([4])

    هذا من حيث التعريف اللغوي للأسلوب،أما اصطلاحًا فإن تعريفات الأسلوبية تعددت إلى درجة لا يمكن معها حصر كل التعريفات التي ذكرت،لكن سنحاول أن نكتفي بما نرى أنه من الضروري ذكره ،و لتكن نقطة انطلاقنا من بداية استعمال هذا المصطلح، فـقد ...كان الكونت "دي بيفون"(1707ـ 1788م) أول كاتب فرنسي صرف اهتمامه للأسلوب،و رفع منزلته في كل بناء أدبي،وقد عرفه في خطابه الذي ألقاه أول دخوله عضوًا في الأكاديمية الفرنسية،بقوله:« ليس الأسلوب سوى النظام والحركة اللتين يضعهما المرء في أفكاره ... الأسلوب هو الرجل نفسه» وقد أصبح قوله هذا معروفًا في جميع الأوساط و الدراسات اللغوية.([5])

   وبالنظر إلى الفترة التي عاش فيها" دي بيفون" فإن تاريخ الأسلوبية يمتد إلى القرن الثامن عشر،وقد« حاولت الأسلوبية في تاريخها الطويل أن تكون منهجًا نقديًا يسعى إلى معاينة النصوص الأدبية بالاعتماد على النسيج اللغوي الذي يتشكل منه النص،مفيدةً من الألسنية في الكشف عن وظائف اللغة في تجلية المعنى الذي قصد إليه المؤلف،و إذا كانت ثمة فوارق أساسية بين العلمين فإن الأسلوبية ركزت بشكلٍ أساسي على الأثر الذي تتركه اللغة في المتلقي»([6])

   وقد ركزت الأسلوبية بشكل كبير و مكثف و مباشر على عملية الإبلاغ والإفهام،هذا إلى جانب اهتمامها الجوهري و الأساسي؛وهو التأثير في المتلقي / القارئ .

   وإذا كان"دي بيفون"سباقًا إلى فكرة الأسلوب فإن "شارل بالي" (1865/1947م) يعدُّ مؤسس علم الأسلوب معتمدًا في ذلك على دراسات أستاذه فرديناند دي سوسير،لكن "بالي" تجاوز ما قال به أستاذه،و ذلك من خلال تركيزه الجوهري على العناصر الوجدانية للغة،أما لساني مثل "ياكبسون" فيعرف الأسلوبية بقوله:« إنها البحث عما يتميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب أولاً،وعن سائر الفنون الإنسانية ثانيًا .

 لأن الأسلوبية« لاتشتغل إلا على الكلام الفني دون غيره،فالأسلوبية إذًا تخرج العامية و اللغة الشفوية و اللغة غير الفنية من الكلام الفني ـ  وهو مجال  دراستهاـ» ([7])

أما ميشال ريفاتير فيقول عن الأسلوبية:« إن القارئ يجَلِّي الأسلوب بفعل الأثر الذي يتركه ،فالأسلوب يستأثر بانتباه القارئ و اهتمامه عبر ما يفضيه في سلسلة الكلام،والقارئ بدوره يستجيب للأسلوب فيضيف إليه من نفسه عن طريق رد الفعل الذي يحدثه فيه»([8])

وبذلك فإن الأسلوبية تتخذ كمجال لبحثها « الخصائص الفنية الجمالية التي تميز النص عن آخر،أو الكاتب عن آخر،من خلال اللغة التي يحمّلها خلجات نفسه،وخواطر وجدانه،قياسًا على هذه الأمور مجتمعة،تظهر الميزات الفنية للإبداع،إذ منها نستطيع تمييز إبداع عن إبداع انطلاقًا من لغته الحاملة له بكل بساطة،ومن ثمَّ فالأسلوبية تحاول الإجابة عن السؤال:كيف يكتب الكاتب نصًا من خلال اللغة؟ إذ بها و منها يتأتى للقارئ استحسان النص أو استهجانه،كما يتأتى له أيضًا الوقوف على ما في النص من جاذبيةٍ فنيةٍ تسمو بالنص إلى مصاف الأعمال الفنية الخالدة »([9])

   وبطريقة أخرى فإنَّ «...معظم الأسلوبيين قد أقروا ـ كتوجه عريض ـ بأن الأسلوبية هي الإجابة عن السؤال:كيف عبَّر النص عن دلالته الجزئية والكلية؟»([10])وبالإضافة إلى هذا فإن الأسلوبية كمنهج « تترصد مكامن الجمال والفنية في الآثار الأدبية وما تحدثه من تأثيرات شتى في نفس القارئ،لما تسمو هذه الآثار عن اللغة النفعية المباشرة،إلى لغة إبداعية غير مباشرة،فنية وأكثر إيحاءً وتلميحًا»([11]) 

كما أن الأسلوبية تهتم بدراسة المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية ومن خلال ذلك تقف على اكتشاف السمات الأسلوبية لأدب ما أو لفترة من الفترات أو كاتب من الكتاب،وهي ـ الأسلوبية ـ «بشكل عام منهج يدرس النص و يقرأه من خلال لغته وما تعرضه من خيارات أسلوبية على شتى مستوياتها:نحويًا،ولفظيًا،وصوتيًا،وشكليًا،وما تفرده من وظائف و مضامين ومدلولات وقراءات أسلوبية لايمُتّ ُ المؤلف بصلة مباشرة لها على أقل تقدير«([12]) 

كما أن البحث الأسلوبي«ينطلق في مقاربته للنص الأدبي من المقولات التالية:الاختيارـ التركيب ـ الانزياح.

 الاختيار:

     اعتبر حدًا فاصلاً بين "الجمالي"و "غير الجمالي"؛فالكلام لا يمكن أن يكتسب صفة الأسلوبية(إلا إذا تحققت فيه جملة من "الظواهر أو المسالك التعبيرية التي يُؤثِرها الشاعر أوالأديب دون بدائلها التي يمكن أن تسد مسدها) ... و الاختيار يجعل من الأسلوب عملا واعيًا وقصديًا .فكل علامة لغوية تقوم بوظيفتها التي حددها لها المبدع.»

التركيب

     يعتبر طرفًا فاعلا في عملية الخلق الأدبي؛إذ به تكتمل صورة التعبير اللغوي ويخرج من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل،و التركيب هو مظهر الأدبية؛"ذلك أن الجمال في النص الأدبي،إنما يعود إلى العناصر البنائية متضافرة ومتفاعلة لا إلى عنصر بعينه منه .

الانزياح:

     يعد مؤشرًا نصيا على أدبية النص أو شعريته؛ذلك أن الخروج عن النسيج اللغوي في أي مستوى من مستوياته،الصوتي،التركيبي،الأسلوبي،البلاغي،يمثل في حد ذاته حدثًا أسلوبيًا.كما أنه يرتبط بالنص"الرسالة"ويتخذ أشكالا و صورًا كأن يكون"خرقًا للقواعد"أو"لجوءًا إلى ما تدرس الصيغ"وقد يكون"الانحراف بتكرار الملحظ الأسلوبي على غير المألوف كالإسراف في استخدام الصفات» ([13]) 

ومع كل هذا فإن الأسلوبية لا يمكن اعتبارها النموذج المثالي لتحليل النصوص الأدبية و الوقوف على مكنونات تلك النصوص،والوصول إلى الغايات المتوخاة من دراسة وتحليل الإبداع الأدبي ،لأن نظرة الناس تختلف،وبفضل هذا الاختلاف فإننا نصل في كل مرة إلى قراءة متجددة للنصوص الإبداعية،ولذلك فإنه « لا تسلم القراءة الأسلوبية من الخطل،إلا إذا عثرت على أسلم السُّبُلِ للولوج إلى عوالم النص،لذا كانت الانطلاقة حجر عثرة في طريق التحليل الأسلوبي،وهل تكون البداية من الصوتي،ثم الصرفي،على منوال النموذج اللغوي؟أم أن إدراك الصوتي يحتاج إلى وقفات متأنية لاكتشاف الصوت الطاغي في العمل الأدبي والذي يضفي جوًا جرسيًا ما على جملة النص و دلالته»([14]) 

ج ـ ثوابت المقاربة الأسلوبية:

  تعتمد المقاربة الأسلوبية على ثوابت معينة،لا يكون لها معنى إلا بها ،منها:([15])

1/الانطلاق من الظواهر اللغوية خاصة،ومن مختلف مواد البناء والأداء في الكلام عامة،وتركيز النظر في كيفيات التعبير المفصحة عن صور الشعور والتفكير،سواء ما تعلق منها بالمفردة أوالتركيب،أو الصوت،أو بالمعنى،أو بالصيغة،أو الدلالة،أو بالحركة،أو بالصورة،أو بنوع النص أو شكله،أو بجنس الكتابة أو غرضها،و يكون الاعتماد على الظواهر الموظفة توظيفًا جديدًا،لا على الظواهر المستعملة استعمالاً عاديًا،طبق أوضاع اللغة و تقاليد الكتابة والمألوف من قواعد التواصل.  

2/التمهيد للتحليل الأسلوبي بأعمال تحضيرية،ليست من صميمه،أهمها حل الإشكالات العالقة عن الفهم،وتحديد الموازين التي بها تعرف قيم الظواهر،لتطرح من الحسابات كل ظاهرة مستعملة على غير وجه التوظيف الجمالي،ومعرفة ما استقر عليه العرف في الوضع اللغوي والدرس النقدي والتاريخ الأدبي،استعدادًا لتحديد مظاهر الأسلوب،و عناصر الإضافة ومواطن الإبداع التي تقدمها النصوص المدروسة.

3/ التحقيق في وضع الظواهر المختارة:هل يصدق عليها وصف الظواهر الموظفة؟ وما مسوِّغ ذلك فيها؟وما الذي يصوِّر مدى التوظيف الذي جعلت له وأثره في بنية النص ودلالته؟ذلك لأن المحلل الأسلوبي لا يسلِّم بأدبية النص أو شعرية الشعر تسليما؛و إنما هو ينحو منحى البحث و المناقشة و المساءلة قبل الاطمئنان إلى أي نتيجة من نتائج التحليل.

4/ليست المقاربة الأسلوبية بحثًا في الموافقات،ولا في المفارقات،أي أنه لا تتأسس على ما في النص مما يوافق كونًا موجودًا من القواعد و تقاليد الكتابة،و المعاني المقصودة و الانطباعات الحاصلة،أو ما يخالف شيئًا من ذلك في النص نفسه؛وإنما هي تتأسس على ما فيه من إنجاز الكلام موافقًا كان أو مخالفًا لإنجازات معروفة،ويؤسس كونًا جديدًا خاصًا بالنص المدروس.

ومن خلال الأسطر اللاحقة سأحاول أن أدرس هذه المرثية البكرية ـ نسبة إلى بكر بن حماد ـ على ضوء المنهج الأسلوبي ؛الذي يُعنى بدراسة النص باعتباره رسالة لغوية بين المرسل والمتلقي،ويستعين الأديب بهذه الرسالة لتوصيل ما يريد من دلالات فكرية وشعورية ،ومن ثَمَّ يأتي الدرس الأسلوبي موظفًا مفاهيم علم اللغة العام لمعرفة الخصائص الجمالية للنص الأدبي .

وما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن طلبة الأدب لا يجدون ضالتهم في الكثير من الكتب التي تتناول نصوصا إبداعية بالتحليل وفق المناهج المعاصرة ؛فهي تخلو من بيان إجرائية التحليل،ولا تعدو أن تكون مجرد اجتهادات يؤجر عليها أصحابها،ولكنها لا تضع قواعد محددة يسير على هداها محللو النصوص.

وفيما يلي نبذة عن حياة الشاعر بكر بن حماد التاهرتي الجزائري،تكون متبوعة بنص القصيدة ـ موضوع الدراسة ـ

بكر بن حماد بن سهل «وقيل سهر»بن اسماعيل الزناتي ،ويكنى بأبي عبد الرحمن ولد بتيهرت سنة مائتين 200 للهجرة،وبها تلقى دروسه الأولى حتى بلغ سن السابعة عشرة من عمره ثم غادر تيهرت متجهًا إلى القيروان ،فمصر،فبغداد،حيث واصل طلب العلم ونظم الشعر ،ويبدو أن مروره بمصر وقبلها القيروان كان سريعًا حيث نجده في بغداد سنة 218أو 219هـ،إذ ترتبط أخباره بالخليفة المعتصم ـ الذي تولى الخلافة سنة 218هـ وبالشاعر دعبل الخزاعي المتوفَّى سنة220هـ.

وفي بغداد درس الحديث والفقه على أعلام عصره من أمثال أبي الحسن الحسن البصري،وأبي حاتم السجستاني  وابن الأعرابي ـ تلميذ الأصمعي ـ وغيرهم كما استفاد إلى جانب ذلك من قربه من أعلام الشعراء مثل أبي تمام،ودعبل الخزاعي،وعلي بن الجهم.و رحلته هذه دليل على حبه للعلم والأدب ،خاصة وأنه لم يكن من الأثرياء ،ويلاحظ أنه لم يغنم كثيرًا من مدائحه للمعتصم،لذا فإنه في أخريات أيامه وبعد عودته إلى بلده يبعث إلى أحمد بن قاسم صاحب مدينة «كُرت»بالمغرب الأقصى بقصيدة يمدحه فيها ويطلب عطاءه في أبيات تدل على مدى حاجته)[16] (

يقول في الأبيات:

إني لمشتاق إليـك وإنـما             يسمو العُقابُ إذا سما بقوادم

فابعث إليَّ بمركب أسمو به            عَلِّيَ أكون عليك أول قـادم

واعلم بأنك لن تنال محـبة                 إلا ببعض ملابس ودراهـم

ويبدو أن بكر بن حماد صاحب شخصية معتدلة ،ومزاج مستقيم لا تصرفه المغريات عما استقر في نفسه،إذ يخلو شعره من أي أثر لحياة اللهو والمجون والشراب رغم مروره بالقيروان وبغداد اللتين كانتا تعُجَّان بهذه المجالس.

ويذهب الأستاذ رمضان شاوش وهو كاتب جزائري قام بجمع شعر بكر بن حماد في كتاب أسماه«الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد»إلى أن شاعرنا كان أول مرة إباضيا ثم اعتنق مذهب أهل السنة والجماعة بعد إقامته في بغداد.ولعل قصيدته سالفة الذكر في هجاء عمران بن حطان الذي مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي ـ كرًّم الله وجهه ـ جعلت عبد العزيز نبوي يراها دليلاً على أن بكر بن حماد ...كان يميل إلى مذهب أهل الشيعة )[17] (

وما كاد بكر بن حماد يستقر به المقام بالقيروان ،مشتغلا بالتدريس في المساجد،و لافتا نظره وجهة الأحداث السياسية في المغرب في عصره ،حتى أحاطت به الوشايات و أجواء المنافسة بينه وبين الأمير إبراهيم بن الأغلب* فآثر الفرار إلى موطنه ومعه ابنه عبدالرحمن وعلى مقربة من تيهرت تعرض لهما اللصوص فجرحوه وقتلوا ابنه أمامه عام295هـ ،وتركت هذه الحادثة أثرًا بالغاً في نفسه ظل يمزق أحشاءه عامًا كاملاً،وظل على هذه المعاناة حتى توفاه أجله في سنة 296هـ.

والآن نستعرض أبيات القصيدة التي رثى  بها ابنه وهي من بحر الوافر: ([18])

بكيت على الأحبة إذ تولوا                 و لو أني هلكت بكوا عليــَّا

فيانسلي بقاؤك كان ذخرا                  وفقدك قد كوى الأكباد كيــَّّا

كفى حزنا بأنني منك خلو                 و أنك ميت وبقيت حيــــَّا

دعوتك بابنيَّ فلم تجبني                  فكانت دعوتي يأسًا علـــيـَّا

ولم أكُ آيسًا فيئست لمـَّا                رميت الترب فوقك من يديــَّا

فليت الخلق إذ خلقوا أطالوا              و ليتك لم تكُ يا بكر شيــــَّا

تسرُّ بأشهرٍ تمر سـراعـًًا            و تطوي في لياليــهن طيـــَّا

فلا تفرح بدنيا ليس تبقــى          و لا تأسف عليهـا يا بـنـيـــَّا

فقد قطع البقاء غروب شمس        و مطلعها عليَّ يــا أخـــيَّــا

وليس الهم يجلوه نهـار           تدور له الفراقد والثريَّــــــا

المقاربة الأسلوبية للقصيدة:

العنـــوان:

القصيدة كما سبق معنونة بـ:رثاء ابنه عبدالرحمن،وهو عنوان موضوع من جامع شعره في اعتقادي؛ذلك أنَّ الشعراء القدامى لم يكونوا يضعون عناوين لقصائدهم كما لم يكن ذلك شائعًا بينهم على عكس المعاصرين فإنهم يضعون عنوانًا لكل قصيدة،ولكل ديوان يصدر لهم و لا يكون ذلك اعتباطا،و إنما عن قصد وبعد تأمل لأعماق تجربته،بحيث يأتي العنوان دالاً بشكلٍ واضح على ما أراد أن يستثيره لدى قارئه.)[19](

 

المستوى الصوتي:

تتنوع المداخل التي يمكن الشروع من خلالها في الدراسة الأسلوبية،وتظل السمة المشتركة بين هذه المداخل هي البدء باللغة أو منها ،واختيار عبارة دالة مميزة لفتح وشرح عالم النص كله،وتسمَّى هذه العبارة المفتاح،وقد تكون كلمة أو جملة ،وقد تكون ذات دلالة معنوية أو تركيبية او صوتية،وقد تصدر عن المؤلف بوعي أو بدون وعي)[20](

ومفتاح هذه القصيدة هو جملة «بكيت»التي افتتح بها الشاعر قصيدته وهي جملة تتألف من الفعل الماضي« بكى» وضمير المتكلم «التاء»الذي يرى فيه بعض النقاد أنه أنسب الضمائر للتعبير عن الشعر.و الجملة «بكيت» ذات دلالة معنوية؛فهي تعبير عن الحزن الذي يشيع في كل القصيدة و آلام الفقد و اليأس و الأسف وما إلى ذلك من العبارات الدالة على المعاناة التي عاشها بكر بن حماد بفقد ابنه.كما أن َّ الفعل« بكى» فعل معتل ناقص وفي ذلك دلالات كثيرة؛منها هذا النقص الذي يشعر به الشاعر والعلة التي تلازمه بفعل ذلك الفقد.

الإيقاع الداخلي:

مما يلاحظ في هذه القصيدة تَكرار بعض الحروف بشكل لافت مما يجعل من ذلك سمة أسلوبية ؛فإذا استثنينا الألف التي تصاحب عادةً الكامات المعرفة ،وتلتصق بالأفعال الماضية المسندة إلى واو الجماعة و حروف النداء في الغالب،فإنَّ أكثر الحروف تكراراً في هذه القصيدة«الياء»(36)مرةً،و«اللام» (33)مرةً،فـ«الواو»(26)مرَّةً،تليها« التاء» (24) مرة ثم «الكاف»(19)مرة،و تتنوع هذه الحروف في مخارجها بين حلقي و مهموس،والصوت المهموس هو «الصوت الذي لا تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق به»([21]) وكأني به يهمس بآهاته إلى نفسه همسًا،بعد أن جُرِحَ و قَتَلَ اللُّصوص ابنه فلم يجد من يبثه همومه وأحزانه إلاَّ نفسه المفجوعة بأقرب الناس إليه ،هذا الابن الذي يناديه في البيت ما قبل الأخير (يا أُخَـيَّا)،مما يفسر تلك الرابطة القوية بين الوالد الشاعر والولد الفقيد.

الوزن:

القصيدة من بحر الوافر ،وتفعيلاته :مفاعلتن مفاعلتن فعولنX 2 ،ورويها الياء.ختمت قافيتها بوصل مفتوح،«ويمتاز الفتح عند النطق به بانعدام أنواع الاعتراضات أو العقبات من طريق الهواء،وينشأ عن انعدام الاعتراضات أن ينعدم وجود أي احتكاك يصاحب النطق.»([22])، ولعل الفتح يتلاءم مع ما يريد بكر بن حماد أن يكشف عنه ويوضحه للمتلقي،فتصل الرسالة بجلاء معبرةً عن حزنه وما قاساه مما ألم به،كما أن الوافر بحر تام يتيح استعماله للشاعر التعبير عن خلجات النفس،وهو أنسب البحور لفن الرثاء،ولنا في تماضر بنت الحارث أحسن دليل ومما قالته على هذا البحر في رثاء صخر:

يؤرقني التذكر حين أمسي          فأصبح قد بليت بفرط نكسي

 

المستوى التركيبي:

دراسة هذا الجانب من القصيدة يمكننا من من بحث الخصائص المميزة للشاعر ،وفيه نتطرق إلى دراسة الجمل وأنواعها؛اسمية وفعلية وإلى تركيبها، ودراسة التقديم والتأخير ،واستعمال الروابط والضمائر وأنماط التوكيد،واستعمال الأزمنة،وحالات النفي والإثبات فإذا عدنا إلى القصيدة وجدنا أغلب جملها فعلية تنوعت بين الماضي والمضارع،واستعمال الفعل كما هو معروف فيه دلالة على التغير والتبدل ،فهو يعبر عن حدث غيّرَ في حياته وأحدث ثورة من الحزن داخله عكرت صفو الأيام التي قضاها ينعم بالدفء العائلي،ويشعر أن بقاء ولده كان له ذخرًا في حياته،ويكفيه حزنًا أنه نأى عنه وبعُدَ و أصبح خلوًا منه،بل أكثر من ذلك فهو محزون حتى ببقائه حيّاً بعد ولده،فكأن الحياة لاطعم لها بدونه.ومن السمات البارزة في هذه القصيدة استعمال الشاعر لأفعال من شاكلة:بكى،دعا،كوى،كفى،كان،رمى، طوى،بقي،جلا،دار،ومما يلفت النظر فيها أنها كلها أفعال معتلة،ولعل في ذلك دلالة واضحة على ما أصاب الشاعر وألمَّ به ؛فهو عليل مكلوم يعاني آلام الفقد.

ومن الجمل الاسمية التي وردت في القصيدة (بقاؤك كان ذخراً) فقد تقدم المبتدأ عن الخبر الذي جاء جملة اشتملت على فعل ماض ناقص وأجوف،وفي ذلك دلالة على النقص الذي يشعر به والحزن الذي يكابده و الإحساس الذي يتملكه بأنه صار أجوف ناقصًا،كما أن تقدم المبتدإ(بقاؤك) يشعرنا أنَّه إنما قدمه لأنه يتمنى أن يدوم ذلك البقاء،وربط بينها وبين جملة اسمية في الشطر الثاني (وفقدك قد كوى الأكباد كيًّا)وجعل الخبر فيها جملة فعليةً مسبوقة بالحرف (قد) الذي يفيد التحقيق قبل الفعل الماضي،ليدلَّ على ذلك الفقد بالفعل قد كوى الأكباد،وحتَّى استعمال الشاعركلمة الأكباد بصيغة جمع التكسير يوحي أنَّ كبد الشاعر يتجدد لها الكي حيناً بعد حين ومرَّةً بعد أخرى.

 

مقاربة أسلوبية لرثائية بكر بن حماد التاهرتي

التفاصيل
كتب بواسطة: ناصر بوصوري
نشر بتاريخ: 01 أكتوبر 2007
انشأ بتاريخ: 01 أكتوبر 2007
الزيارات: 14

مقاربة أسلوبية لرثائية بكر بن حماد التاهرتي

                                  ناصر بوصوري*

                                                   البريد الإلكتروني:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة :

أحدثت المناهج الحديثة تغييرا كبيرا في مجال الدراسات الأدبية للنصوص قديمها وحديثها،وخاض هذا المجال كثير من النقاد قدموا دراسات لنصوص من الأدب القديم  والحديث ،فكانت قراءاتهم ومقارباتهم وفق المناهج الأسلوبية و السيميائية و التفكيكية لا تخلو من بعد نظر و تقصٍّ ،فقد وقفوا عند جزئيات كثيرة في هذه النصوص ،وكان ذلك بداية تحول قاد إلى ثورة في المفاهيم ؛إلى درجة صار يُنْظر إلى النصوص الإبداعية بأشكالها التعبيرية المتعددة نِظرة نقدية كشفت كثيرا من الغوامض واستجلت كنهها وقدمتها في قالب جديد .

وبما أن تخصصي في الأدب الجزائري القديم ؛فقد اخترت أن أخوض هذه التجربة في تحليل نص إبداعي لشاعر جزائري عاش في العهد الرستمي و يعتبر أشهر شعراء ذلك الزمان لذيوع صيته في المشرق والمغرب وحتى في الأندلس ؛إنه بكر بن حماد التاهرتي أو التيهرتي ،إلا أنني وقفت حائرا بين قصائده؛أيها اختار؟

وبعد تردد بين قصيدتين له؛إحداهما تناول موضوعها الرد على عمران بن حطان الذي مدح قاتل الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ و أخرى تناولت رثاء ولده عبد الرحمن،فاخترت هذه الأخيرة لأنها مؤثرة و حزينة ،وقد تكون لي عودة إلى القصيدة الأخرى ـ إن شاء الله ـ .

اخترت رثائية بكر بن حماد لابنه وآثرت دراستها وفق المنهج الأسلوبي الذي بدا لي أنه أنسب إلى مقاربتها والوقوف على ما رأيت أنها اشتملت عليه ،و لا أزعم لنفسي أنَّني وُفِّقْتُ فيها و وقَفْتُ على كثير من حيثياتها لاعتقادي أن الإبداع يتجدد مع كل قراءة ومع كل دراسة ،وقد يشفع لي أني اجتهدت في فك بعض رموزها.

وقبل أن أشرع في عملي هذا ارتأيت أن أنفذ إلى المنهج الأسلوبي من وجهة نظرية؛فتحدثت عن الأسلوب وعرفته في اللغة والاصطلاح عند العرب وعند الغرب،ثم عرجت على بعض المبادئ الواجب استحضارها عند التحليل أو المقاربة الأسلوبية ،وتكلَّمت بعدها عن ثوابت هذا التحليل ،أعقبتها بتعريف مختصر لسيرة الشاعر بكر بن حماد وأبيات القصيدة أو ما بقي منها ،لأختم هذا العمل بالمقاربة الأسلوبية لدراسة هذه القصيدة ؛متنقلاً بين المستويات الصوتية و التركيبية والدلالية التي حوتها القصيدة.                                                                  

تعريف الأسلوب:

يعرف ابن منظور الأسلوب في »لسان العرب«فيقول:«يقال للسطر من النخيل وكل طريق ممتد فهو أسلوب ،فالأسلوب هو الطريق و الوجه و المذهب ،ويقال أنتم  في أسلوب سوء ...ويقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه.»([1])

أما ابن خلدون في مقدمته فيرى « إنه عبارة عن المنوال التي تنسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي هو وظيفة الإعراب و لا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي وظيفته البلاغة و البيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب»([2])" ويضيف«هو الصورة التي ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب الصحيحة باعتبار الإعراب و البيان فيرصها فيه رصًا. » ([3])

     أما التعريف اللغوي للأسلوب عند الغربيين فإن كلمة «style الإنجليزية أي أسلوب،يعود إلى اللغة اللاتينية ،حيث كان يعني عصا مدببة ،تستعمل في الكتابة على الشمع» ([4])

    هذا من حيث التعريف اللغوي للأسلوب،أما اصطلاحًا فإن تعريفات الأسلوبية تعددت إلى درجة لا يمكن معها حصر كل التعريفات التي ذكرت،لكن سنحاول أن نكتفي بما نرى أنه من الضروري ذكره ،و لتكن نقطة انطلاقنا من بداية استعمال هذا المصطلح، فـقد ...كان الكونت "دي بيفون"(1707ـ 1788م) أول كاتب فرنسي صرف اهتمامه للأسلوب،و رفع منزلته في كل بناء أدبي،وقد عرفه في خطابه الذي ألقاه أول دخوله عضوًا في الأكاديمية الفرنسية،بقوله:« ليس الأسلوب سوى النظام والحركة اللتين يضعهما المرء في أفكاره ... الأسلوب هو الرجل نفسه» وقد أصبح قوله هذا معروفًا في جميع الأوساط و الدراسات اللغوية.([5])

   وبالنظر إلى الفترة التي عاش فيها" دي بيفون" فإن تاريخ الأسلوبية يمتد إلى القرن الثامن عشر،وقد« حاولت الأسلوبية في تاريخها الطويل أن تكون منهجًا نقديًا يسعى إلى معاينة النصوص الأدبية بالاعتماد على النسيج اللغوي الذي يتشكل منه النص،مفيدةً من الألسنية في الكشف عن وظائف اللغة في تجلية المعنى الذي قصد إليه المؤلف،و إذا كانت ثمة فوارق أساسية بين العلمين فإن الأسلوبية ركزت بشكلٍ أساسي على الأثر الذي تتركه اللغة في المتلقي»([6])

   وقد ركزت الأسلوبية بشكل كبير و مكثف و مباشر على عملية الإبلاغ والإفهام،هذا إلى جانب اهتمامها الجوهري و الأساسي؛وهو التأثير في المتلقي / القارئ .

   وإذا كان"دي بيفون"سباقًا إلى فكرة الأسلوب فإن "شارل بالي" (1865/1947م) يعدُّ مؤسس علم الأسلوب معتمدًا في ذلك على دراسات أستاذه فرديناند دي سوسير،لكن "بالي" تجاوز ما قال به أستاذه،و ذلك من خلال تركيزه الجوهري على العناصر الوجدانية للغة،أما لساني مثل "ياكبسون" فيعرف الأسلوبية بقوله:« إنها البحث عما يتميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب أولاً،وعن سائر الفنون الإنسانية ثانيًا .

 لأن الأسلوبية« لاتشتغل إلا على الكلام الفني دون غيره،فالأسلوبية إذًا تخرج العامية و اللغة الشفوية و اللغة غير الفنية من الكلام الفني ـ  وهو مجال  دراستهاـ» ([7])

أما ميشال ريفاتير فيقول عن الأسلوبية:« إن القارئ يجَلِّي الأسلوب بفعل الأثر الذي يتركه ،فالأسلوب يستأثر بانتباه القارئ و اهتمامه عبر ما يفضيه في سلسلة الكلام،والقارئ بدوره يستجيب للأسلوب فيضيف إليه من نفسه عن طريق رد الفعل الذي يحدثه فيه»([8])

وبذلك فإن الأسلوبية تتخذ كمجال لبحثها « الخصائص الفنية الجمالية التي تميز النص عن آخر،أو الكاتب عن آخر،من خلال اللغة التي يحمّلها خلجات نفسه،وخواطر وجدانه،قياسًا على هذه الأمور مجتمعة،تظهر الميزات الفنية للإبداع،إذ منها نستطيع تمييز إبداع عن إبداع انطلاقًا من لغته الحاملة له بكل بساطة،ومن ثمَّ فالأسلوبية تحاول الإجابة عن السؤال:كيف يكتب الكاتب نصًا من خلال اللغة؟ إذ بها و منها يتأتى للقارئ استحسان النص أو استهجانه،كما يتأتى له أيضًا الوقوف على ما في النص من جاذبيةٍ فنيةٍ تسمو بالنص إلى مصاف الأعمال الفنية الخالدة »([9])

   وبطريقة أخرى فإنَّ «...معظم الأسلوبيين قد أقروا ـ كتوجه عريض ـ بأن الأسلوبية هي الإجابة عن السؤال:كيف عبَّر النص عن دلالته الجزئية والكلية؟»([10])وبالإضافة إلى هذا فإن الأسلوبية كمنهج « تترصد مكامن الجمال والفنية في الآثار الأدبية وما تحدثه من تأثيرات شتى في نفس القارئ،لما تسمو هذه الآثار عن اللغة النفعية المباشرة،إلى لغة إبداعية غير مباشرة،فنية وأكثر إيحاءً وتلميحًا»([11]) 

كما أن الأسلوبية تهتم بدراسة المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية ومن خلال ذلك تقف على اكتشاف السمات الأسلوبية لأدب ما أو لفترة من الفترات أو كاتب من الكتاب،وهي ـ الأسلوبية ـ «بشكل عام منهج يدرس النص و يقرأه من خلال لغته وما تعرضه من خيارات أسلوبية على شتى مستوياتها:نحويًا،ولفظيًا،وصوتيًا،وشكليًا،وما تفرده من وظائف و مضامين ومدلولات وقراءات أسلوبية لايمُتّ ُ المؤلف بصلة مباشرة لها على أقل تقدير«([12]) 

كما أن البحث الأسلوبي«ينطلق في مقاربته للنص الأدبي من المقولات التالية:الاختيارـ التركيب ـ الانزياح.

 الاختيار:

     اعتبر حدًا فاصلاً بين "الجمالي"و "غير الجمالي"؛فالكلام لا يمكن أن يكتسب صفة الأسلوبية(إلا إذا تحققت فيه جملة من "الظواهر أو المسالك التعبيرية التي يُؤثِرها الشاعر أوالأديب دون بدائلها التي يمكن أن تسد مسدها) ... و الاختيار يجعل من الأسلوب عملا واعيًا وقصديًا .فكل علامة لغوية تقوم بوظيفتها التي حددها لها المبدع.»

التركيب

     يعتبر طرفًا فاعلا في عملية الخلق الأدبي؛إذ به تكتمل صورة التعبير اللغوي ويخرج من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل،و التركيب هو مظهر الأدبية؛"ذلك أن الجمال في النص الأدبي،إنما يعود إلى العناصر البنائية متضافرة ومتفاعلة لا إلى عنصر بعينه منه .

الانزياح:

     يعد مؤشرًا نصيا على أدبية النص أو شعريته؛ذلك أن الخروج عن النسيج اللغوي في أي مستوى من مستوياته،الصوتي،التركيبي،الأسلوبي،البلاغي،يمثل في حد ذاته حدثًا أسلوبيًا.كما أنه يرتبط بالنص"الرسالة"ويتخذ أشكالا و صورًا كأن يكون"خرقًا للقواعد"أو"لجوءًا إلى ما تدرس الصيغ"وقد يكون"الانحراف بتكرار الملحظ الأسلوبي على غير المألوف كالإسراف في استخدام الصفات» ([13]) 

ومع كل هذا فإن الأسلوبية لا يمكن اعتبارها النموذج المثالي لتحليل النصوص الأدبية و الوقوف على مكنونات تلك النصوص،والوصول إلى الغايات المتوخاة من دراسة وتحليل الإبداع الأدبي ،لأن نظرة الناس تختلف،وبفضل هذا الاختلاف فإننا نصل في كل مرة إلى قراءة متجددة للنصوص الإبداعية،ولذلك فإنه « لا تسلم القراءة الأسلوبية من الخطل،إلا إذا عثرت على أسلم السُّبُلِ للولوج إلى عوالم النص،لذا كانت الانطلاقة حجر عثرة في طريق التحليل الأسلوبي،وهل تكون البداية من الصوتي،ثم الصرفي،على منوال النموذج اللغوي؟أم أن إدراك الصوتي يحتاج إلى وقفات متأنية لاكتشاف الصوت الطاغي في العمل الأدبي والذي يضفي جوًا جرسيًا ما على جملة النص و دلالته»([14]) 

ج ـ ثوابت المقاربة الأسلوبية:

  تعتمد المقاربة الأسلوبية على ثوابت معينة،لا يكون لها معنى إلا بها ،منها:([15])

1/الانطلاق من الظواهر اللغوية خاصة،ومن مختلف مواد البناء والأداء في الكلام عامة،وتركيز النظر في كيفيات التعبير المفصحة عن صور الشعور والتفكير،سواء ما تعلق منها بالمفردة أوالتركيب،أو الصوت،أو بالمعنى،أو بالصيغة،أو الدلالة،أو بالحركة،أو بالصورة،أو بنوع النص أو شكله،أو بجنس الكتابة أو غرضها،و يكون الاعتماد على الظواهر الموظفة توظيفًا جديدًا،لا على الظواهر المستعملة استعمالاً عاديًا،طبق أوضاع اللغة و تقاليد الكتابة والمألوف من قواعد التواصل.  

2/التمهيد للتحليل الأسلوبي بأعمال تحضيرية،ليست من صميمه،أهمها حل الإشكالات العالقة عن الفهم،وتحديد الموازين التي بها تعرف قيم الظواهر،لتطرح من الحسابات كل ظاهرة مستعملة على غير وجه التوظيف الجمالي،ومعرفة ما استقر عليه العرف في الوضع اللغوي والدرس النقدي والتاريخ الأدبي،استعدادًا لتحديد مظاهر الأسلوب،و عناصر الإضافة ومواطن الإبداع التي تقدمها النصوص المدروسة.

3/ التحقيق في وضع الظواهر المختارة:هل يصدق عليها وصف الظواهر الموظفة؟ وما مسوِّغ ذلك فيها؟وما الذي يصوِّر مدى التوظيف الذي جعلت له وأثره في بنية النص ودلالته؟ذلك لأن المحلل الأسلوبي لا يسلِّم بأدبية النص أو شعرية الشعر تسليما؛و إنما هو ينحو منحى البحث و المناقشة و المساءلة قبل الاطمئنان إلى أي نتيجة من نتائج التحليل.

4/ليست المقاربة الأسلوبية بحثًا في الموافقات،ولا في المفارقات،أي أنه لا تتأسس على ما في النص مما يوافق كونًا موجودًا من القواعد و تقاليد الكتابة،و المعاني المقصودة و الانطباعات الحاصلة،أو ما يخالف شيئًا من ذلك في النص نفسه؛وإنما هي تتأسس على ما فيه من إنجاز الكلام موافقًا كان أو مخالفًا لإنجازات معروفة،ويؤسس كونًا جديدًا خاصًا بالنص المدروس.

ومن خلال الأسطر اللاحقة سأحاول أن أدرس هذه المرثية البكرية ـ نسبة إلى بكر بن حماد ـ على ضوء المنهج الأسلوبي ؛الذي يُعنى بدراسة النص باعتباره رسالة لغوية بين المرسل والمتلقي،ويستعين الأديب بهذه الرسالة لتوصيل ما يريد من دلالات فكرية وشعورية ،ومن ثَمَّ يأتي الدرس الأسلوبي موظفًا مفاهيم علم اللغة العام لمعرفة الخصائص الجمالية للنص الأدبي .

وما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن طلبة الأدب لا يجدون ضالتهم في الكثير من الكتب التي تتناول نصوصا إبداعية بالتحليل وفق المناهج المعاصرة ؛فهي تخلو من بيان إجرائية التحليل،ولا تعدو أن تكون مجرد اجتهادات يؤجر عليها أصحابها،ولكنها لا تضع قواعد محددة يسير على هداها محللو النصوص.

وفيما يلي نبذة عن حياة الشاعر بكر بن حماد التاهرتي الجزائري،تكون متبوعة بنص القصيدة ـ موضوع الدراسة ـ

بكر بن حماد بن سهل «وقيل سهر»بن اسماعيل الزناتي ،ويكنى بأبي عبد الرحمن ولد بتيهرت سنة مائتين 200 للهجرة،وبها تلقى دروسه الأولى حتى بلغ سن السابعة عشرة من عمره ثم غادر تيهرت متجهًا إلى القيروان ،فمصر،فبغداد،حيث واصل طلب العلم ونظم الشعر ،ويبدو أن مروره بمصر وقبلها القيروان كان سريعًا حيث نجده في بغداد سنة 218أو 219هـ،إذ ترتبط أخباره بالخليفة المعتصم ـ الذي تولى الخلافة سنة 218هـ وبالشاعر دعبل الخزاعي المتوفَّى سنة220هـ.

وفي بغداد درس الحديث والفقه على أعلام عصره من أمثال أبي الحسن الحسن البصري،وأبي حاتم السجستاني  وابن الأعرابي ـ تلميذ الأصمعي ـ وغيرهم كما استفاد إلى جانب ذلك من قربه من أعلام الشعراء مثل أبي تمام،ودعبل الخزاعي،وعلي بن الجهم.و رحلته هذه دليل على حبه للعلم والأدب ،خاصة وأنه لم يكن من الأثرياء ،ويلاحظ أنه لم يغنم كثيرًا من مدائحه للمعتصم،لذا فإنه في أخريات أيامه وبعد عودته إلى بلده يبعث إلى أحمد بن قاسم صاحب مدينة «كُرت»بالمغرب الأقصى بقصيدة يمدحه فيها ويطلب عطاءه في أبيات تدل على مدى حاجته)[16] (

يقول في الأبيات:

إني لمشتاق إليـك وإنـما             يسمو العُقابُ إذا سما بقوادم

فابعث إليَّ بمركب أسمو به            عَلِّيَ أكون عليك أول قـادم

واعلم بأنك لن تنال محـبة                 إلا ببعض ملابس ودراهـم

ويبدو أن بكر بن حماد صاحب شخصية معتدلة ،ومزاج مستقيم لا تصرفه المغريات عما استقر في نفسه،إذ يخلو شعره من أي أثر لحياة اللهو والمجون والشراب رغم مروره بالقيروان وبغداد اللتين كانتا تعُجَّان بهذه المجالس.

ويذهب الأستاذ رمضان شاوش وهو كاتب جزائري قام بجمع شعر بكر بن حماد في كتاب أسماه«الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد»إلى أن شاعرنا كان أول مرة إباضيا ثم اعتنق مذهب أهل السنة والجماعة بعد إقامته في بغداد.ولعل قصيدته سالفة الذكر في هجاء عمران بن حطان الذي مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي ـ كرًّم الله وجهه ـ جعلت عبد العزيز نبوي يراها دليلاً على أن بكر بن حماد ...كان يميل إلى مذهب أهل الشيعة )[17] (

وما كاد بكر بن حماد يستقر به المقام بالقيروان ،مشتغلا بالتدريس في المساجد،و لافتا نظره وجهة الأحداث السياسية في المغرب في عصره ،حتى أحاطت به الوشايات و أجواء المنافسة بينه وبين الأمير إبراهيم بن الأغلب* فآثر الفرار إلى موطنه ومعه ابنه عبدالرحمن وعلى مقربة من تيهرت تعرض لهما اللصوص فجرحوه وقتلوا ابنه أمامه عام295هـ ،وتركت هذه الحادثة أثرًا بالغاً في نفسه ظل يمزق أحشاءه عامًا كاملاً،وظل على هذه المعاناة حتى توفاه أجله في سنة 296هـ.

والآن نستعرض أبيات القصيدة التي رثى  بها ابنه وهي من بحر الوافر: ([18])

بكيت على الأحبة إذ تولوا                 و لو أني هلكت بكوا عليــَّا

فيانسلي بقاؤك كان ذخرا                  وفقدك قد كوى الأكباد كيــَّّا

كفى حزنا بأنني منك خلو                 و أنك ميت وبقيت حيــــَّا

دعوتك بابنيَّ فلم تجبني                  فكانت دعوتي يأسًا علـــيـَّا

ولم أكُ آيسًا فيئست لمـَّا                رميت الترب فوقك من يديــَّا

فليت الخلق إذ خلقوا أطالوا              و ليتك لم تكُ يا بكر شيــــَّا

تسرُّ بأشهرٍ تمر سـراعـًًا            و تطوي في لياليــهن طيـــَّا

فلا تفرح بدنيا ليس تبقــى          و لا تأسف عليهـا يا بـنـيـــَّا

فقد قطع البقاء غروب شمس        و مطلعها عليَّ يــا أخـــيَّــا

وليس الهم يجلوه نهـار           تدور له الفراقد والثريَّــــــا

المقاربة الأسلوبية للقصيدة:

العنـــوان:

القصيدة كما سبق معنونة بـ:رثاء ابنه عبدالرحمن،وهو عنوان موضوع من جامع شعره في اعتقادي؛ذلك أنَّ الشعراء القدامى لم يكونوا يضعون عناوين لقصائدهم كما لم يكن ذلك شائعًا بينهم على عكس المعاصرين فإنهم يضعون عنوانًا لكل قصيدة،ولكل ديوان يصدر لهم و لا يكون ذلك اعتباطا،و إنما عن قصد وبعد تأمل لأعماق تجربته،بحيث يأتي العنوان دالاً بشكلٍ واضح على ما أراد أن يستثيره لدى قارئه.)[19](

 

المستوى الصوتي:

تتنوع المداخل التي يمكن الشروع من خلالها في الدراسة الأسلوبية،وتظل السمة المشتركة بين هذه المداخل هي البدء باللغة أو منها ،واختيار عبارة دالة مميزة لفتح وشرح عالم النص كله،وتسمَّى هذه العبارة المفتاح،وقد تكون كلمة أو جملة ،وقد تكون ذات دلالة معنوية أو تركيبية او صوتية،وقد تصدر عن المؤلف بوعي أو بدون وعي)[20](

ومفتاح هذه القصيدة هو جملة «بكيت»التي افتتح بها الشاعر قصيدته وهي جملة تتألف من الفعل الماضي« بكى» وضمير المتكلم «التاء»الذي يرى فيه بعض النقاد أنه أنسب الضمائر للتعبير عن الشعر.و الجملة «بكيت» ذات دلالة معنوية؛فهي تعبير عن الحزن الذي يشيع في كل القصيدة و آلام الفقد و اليأس و الأسف وما إلى ذلك من العبارات الدالة على المعاناة التي عاشها بكر بن حماد بفقد ابنه.كما أن َّ الفعل« بكى» فعل معتل ناقص وفي ذلك دلالات كثيرة؛منها هذا النقص الذي يشعر به الشاعر والعلة التي تلازمه بفعل ذلك الفقد.

الإيقاع الداخلي:

مما يلاحظ في هذه القصيدة تَكرار بعض الحروف بشكل لافت مما يجعل من ذلك سمة أسلوبية ؛فإذا استثنينا الألف التي تصاحب عادةً الكامات المعرفة ،وتلتصق بالأفعال الماضية المسندة إلى واو الجماعة و حروف النداء في الغالب،فإنَّ أكثر الحروف تكراراً في هذه القصيدة«الياء»(36)مرةً،و«اللام» (33)مرةً،فـ«الواو»(26)مرَّةً،تليها« التاء» (24) مرة ثم «الكاف»(19)مرة،و تتنوع هذه الحروف في مخارجها بين حلقي و مهموس،والصوت المهموس هو «الصوت الذي لا تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق به»([21]) وكأني به يهمس بآهاته إلى نفسه همسًا،بعد أن جُرِحَ و قَتَلَ اللُّصوص ابنه فلم يجد من يبثه همومه وأحزانه إلاَّ نفسه المفجوعة بأقرب الناس إليه ،هذا الابن الذي يناديه في البيت ما قبل الأخير (يا أُخَـيَّا)،مما يفسر تلك الرابطة القوية بين الوالد الشاعر والولد الفقيد.

الوزن:

القصيدة من بحر الوافر ،وتفعيلاته :مفاعلتن مفاعلتن فعولنX 2 ،ورويها الياء.ختمت قافيتها بوصل مفتوح،«ويمتاز الفتح عند النطق به بانعدام أنواع الاعتراضات أو العقبات من طريق الهواء،وينشأ عن انعدام الاعتراضات أن ينعدم وجود أي احتكاك يصاحب النطق.»([22])، ولعل الفتح يتلاءم مع ما يريد بكر بن حماد أن يكشف عنه ويوضحه للمتلقي،فتصل الرسالة بجلاء معبرةً عن حزنه وما قاساه مما ألم به،كما أن الوافر بحر تام يتيح استعماله للشاعر التعبير عن خلجات النفس،وهو أنسب البحور لفن الرثاء،ولنا في تماضر بنت الحارث أحسن دليل ومما قالته على هذا البحر في رثاء صخر:

يؤرقني التذكر حين أمسي          فأصبح قد بليت بفرط نكسي

 

المستوى التركيبي:

دراسة هذا الجانب من القصيدة يمكننا من من بحث الخصائص المميزة للشاعر ،وفيه نتطرق إلى دراسة الجمل وأنواعها؛اسمية وفعلية وإلى تركيبها، ودراسة التقديم والتأخير ،واستعمال الروابط والضمائر وأنماط التوكيد،واستعمال الأزمنة،وحالات النفي والإثبات فإذا عدنا إلى القصيدة وجدنا أغلب جملها فعلية تنوعت بين الماضي والمضارع،واستعمال الفعل كما هو معروف فيه دلالة على التغير والتبدل ،فهو يعبر عن حدث غيّرَ في حياته وأحدث ثورة من الحزن داخله عكرت صفو الأيام التي قضاها ينعم بالدفء العائلي،ويشعر أن بقاء ولده كان له ذخرًا في حياته،ويكفيه حزنًا أنه نأى عنه وبعُدَ و أصبح خلوًا منه،بل أكثر من ذلك فهو محزون حتى ببقائه حيّاً بعد ولده،فكأن الحياة لاطعم لها بدونه.ومن السمات البارزة في هذه القصيدة استعمال الشاعر لأفعال من شاكلة:بكى،دعا،كوى،كفى،كان،رمى، طوى،بقي،جلا،دار،ومما يلفت النظ

من سطوة القلق إلى نشوة الوصف

التفاصيل
كتب بواسطة: عبدالله النصر
نشر بتاريخ: 30 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 30 سبتمبر 2007
الزيارات: 16

من سطوة القلق إلى نشوة الوصف

قراءة / صالح الغازي

 

 

 

عن دار الكفاح للنشر والتوزيع صدرت مجموعة قصص

( من قاع النسيان )

لكاتبها القاص السعودي : عبد الله النصر

 

ظهرت شخوصه تتقلب علي جمر القلق وتشكو من عدم التحقق / اليتم / الحلم الضائع / الحرمان / قسوة الذكريات،وأظهر حالتها  بتفاصيل وتداعيات القلق المختلفة ../ التشتت / الضجر / التوتر / العجز ... الخ

 

كما تناول أفكارا أخري فيها الروح المرحة مثل غيرة الزوجة علي زوجها في قصة ( جين الإخلاص ،لعن الانسياق) والهم العام مثل ( احتضان ،كالإسفنج )

 

كما صاغ قصصه بتقنية الوصف واعتمد عليها لتشكيل تداعيات رؤيته فشكل بها صورته كما في( باب إلى جهنم  ، رماد تفترسه البرية ، من قاع النسيان ، مضى علي شط الفتون (

 

واستخدم الوصف كراصد أو مراقب في (لحظة اكتشاف ، باب إلى جهنم ) كما أنه جنح بالوصف فدخل حدود الخيال كما في قصص ( أثداء لا تطفئ العطش ، صدى الأمين الحائر )

 

وساقه الوصف إلي صراع مع اللغة كما في ( صدى الأمين الحائر)

لكنه غالبا ما استطاع أن يحكم لجام اللغة فتوهجت العبارات كما في ( رماد تفترسه البرية ، صراع القوى )

 

◊◊◊◊

 

 

يبدأ الكاتب مجموعته بقصة( تفاسير) " عرق ينبض بشدة في ذراعي الأيمن " يبحث عن تفسير لذلك فيجد " خلجة من خلجات الجسد " وآخر " اجتماع مع من تحب " ظل يعيش علي أمل التفسير الأخير حتى فاجأته المفارقة بقول الطبيب " الآن هدأ نبض ذراعك لكنه أصبح معاقا !! "

هكذا شغلنا الكاتب بفكرة ووجدنا في النهاية كارثة وكأنه يشير في بداية قصصه إلى مفارقات الحياة وعبثها .

 

وقصة (رماد تفترسه البرية ) تبدأ " أن تشعر باهتمام إنسان تحلق به نشوان " بهذه الجملة المحكمة يبدأ قصته يسأله سامي ألم يحن موعد زواجك .. ؟ ..يحلق بنا فى وصف دقيق للحالة "كونى ينصت ويسبح فى كون الحياة حين اسمع منه هذا الاستفهام .

 

ويستطرد "آلهة نشوتى ترقص على الحان ملائكتها داخلى ...قريبا يا أعز إنسان على قلبى "

ولأن صديقه يكرر السؤال نفسه مما يوقعه فى حيرة " أرقدني مذ بدأ يكرر السؤال فى عهر القلق وبغى الاهتمام"

ولما يبحث عن تفسير سبب إلحاحه على السؤال يستنتج انه قد يموت فى يوم زواجه " ملأ الوسواس صدري أحاطت هواجسه بقلبى "

هكذا يبدع الكاتب فى تصوير حالة القلق " استغلني كما يستغل كل القلوب صلب جسدي على مذبحه قسرا وتغذى على أوردته انعطف بى إلى منحى خطير زلق فارتكب فكري هدى المعصية ..."ويتجدد القلق مع الليل " حيث يبدأ الليل يمسح الأسماء  وتتسنم الأنصاب الأجساد حتى شعرت بانقباض فى صدري واختلال فى شعوري "

هكذا يحلق الكاتب ويتألق فى وصف القلق ويدخل ويخرج من ذات الإنسان  الى الكون وتنتهى القصة بمفارقة كبيرة حينما يكشف موت صديقه سامى نفسة ليلة عرسه !

وهربا من الواقع تبدأ قصة ( أثداء لا تطفئ العطش ) بإرساء حدود عالم افتراضي بأسلوب شعري رائق " حد ذكائي غرق ... حد انبهاري جمود... حد شوقى اضطراب ... حد انتظاري تخثر "ويمارس الكاتب جموحه بالوصف " لم تزل صفحة المنتدى الالكتروني باردة برودة ملاكها ومرتاديها جافة جفاف شفتي ......... أقوم بتحديثها وإحيائها "

وحضور القلق هنا نتيجة عمق التفكير " يحتكرني القلق مذ أن وضعت أول بوح لخلية من دماغى على طاولة التشريح بعد أن عصرتها فى السكون بهدوء حتى الموت "وأسبابه  عدم اهتمام الأب والأم بنجاحه  ويتابع الأحداث لتنتهى عند تخيله أن الصفحة الالكترونية فتاة تعرض نفسها .

 

وعن الأرق فى قصة ( صراع القوى ) يحكى " كان باستطاعتي سياقة الخيال إلى ابعد نقطة تخيلت كل شئ بل أى شئ حتى الأشباح فضلا عن ملكات الجمال..........." وفى وصف بديع للحد الذي وصلت له من الإجهاد بسبب الأرق  " أردت النوم عوضا عن كل شئ رددت كلمة ارتخى يا ......... لكل عضو منى فاستجابت الأعضاء بالارتخاء فإذا كلى كوردة مقطوفة فى جو حار ذبلت على الفراش "

 

تتناول القصة حكاية سيدة فقيرة تكتشف أنها اشترت أشياء وأخطأ البائع فرد لها مالها وأكثر ليفصح بذلك الكاتب عن سبب الأرق "هذا الأمر قض مضجعي تلك الليلة "

 

وتظل السيدة فى صراع طول الليل وعندما تذهب لتعيد المبلغ تجده طرد من المحل بتهمة الاختلاس ليخيب أملها أمام مفارقات الحياة.

 

و يحكى لنا عن الصبى اليتيم فى (لحظات اكتشاف ) حيث يذهب للعيش مع عمه احمد فى مدينة الدمام وتمنيه قيادة سيارته ويتابعه الكاتب في أقل أغراض الوصف فنية  بالوصف لغرض الرصد" أراقبه من الشرفة المطلة على الطريق وهو يقودها فى الصباح , كذلك عندما يعود من عمله ويركنها بجانب البيت فى المساء وأحيانا ثانية أراقب السيارات المارة ........."وينقلنا الكاتب إلى جوهر فكرته وهى عجز الصبي  عن القيادة " ليكتشف ان الخيال ليس كالواقع على الإطلاق "

 

وينقل لنا الكاتب الواقع بدقة ومهارة الوصاف فى قصة  (باب إلى جهنم )

" الحافلة تلتهم طريق السفر الطويل ...تتمايل تخضخض أمعائنا ....................................بعضهم نائم وبعضهم منشغل بالأكل.. الخ"

 

 وكالعادة يقترب إلى بطل القصة لنجده المشتت المتوتر " مشتت النظرات ..الأفكار ..مبعثر متهاوي الجسد وأيما حدث أكثر إثارة يلفتنى من داخل الحافلة أو من خارجها أكون منشدا اليه .."ويحكى عن زوجة هذا البائس حين تفاجئه بسؤال " هل تحبنى ؟ "...........ليقع الزوج فى مصيدة التشتت ولا يرد وكأنه ذا حب ضائع ولا يظهر لنا الكاتب إلا نصف الكلام فيقول الزوج " أهنئك لاستطاعتك تحديد ما تحتاجينه فى وقت كهذا لكن أنا كيف لا استطيع تحديد ما أحتاجه؟"

وفى حكاية تتماس مع مكابدات هملت قصة ( صدى الأمين الحائر )منة ناحية الاضطراب والتشتت فلا يجد البطل وقتا للبوح مع زوجته لاختلاف ظروف الحياة فيصف حالته" كمشي سلحفاة ضخمة عجوز مريضة  مضيت مدة الانتظار "

 

ويغالب زوجته النعاس فتسلمه إلى ايدى القلق " فبقيت كالعادة فى الفراش تقلبنى أيدى القلق حتى البزوغ" وحينما يشعر ان صديقه قد يشاركه مشاعره يصف نفسه بمفردات الطبيعة كالوردة تلقت الماء والضوء فانفرجت باسمة " ليجد ان صديقه " شق طريقه متخلصا من أحماله ووضعها فوق حملى " ليتحول مسار القصة إلى عالم الخيال ويظهر طيف يعرف نفسه  قائلا "أنا من كنت رفيقة دربك فى أيام خلت وتخليت عنى فى أحلك الظروف ......"

 

ويتوحد الكاتب مع اللغة فيتداخل مع ذاتها ليصف وصفا مختلفا " بادلتها العناق حرفا بحرف واستزدت منها جملة وتنفست عبق معناها سطرا بسطر ........ الخ "

 

لتنتهى القصة نهاية مختلفة حيث يصف حالة البطل" رأيت زراعي يهتزان فى حالة غريبة تتغير اشكالهما ينبت عليها ريش مخملي أصبحا كجناحي حمام ابيض"

 

وفى قصة (من قاع النسيان) الموسومة بها المجموعة يصف حياة طفل فقير " الطفل الغض المقتول فى قلبه الحلم الذى قذف به القدر البائس فى بيت مستأجر طينى " ليحكى عنه وكأنه بطل كل قصصه ويحكى عن ام الطفل " الام الصلبة التى صقلتها المحن وصكها اليتم والترمل مبكرا الحانقة على الزمن الذئب والثعلب "

 

وفى نص( حلم بحجم الضياع ) لوحات شعرية عن الحلم الضائع " شعرت ان فى داخلي نورسا بعد ان تلا آية عشقه لمرفأ يخلو من أى جسد كان له ما أراد "

 

وفى قصة (لبنة فى الماء )المكان هو الزقاق اختاره الكاتب ليغلف  به قصته عن الحب الضائع ، يلقى بها لبنة فى الماء برسالة الدكتورة سلمى الى سامي التى ترميه بالضعف وتصفه كالنعامة وتنتصر لسامي السياسي الجرئ.

 

وتتجلى نشوة الوصف فى قصة ( مضى على شط الفنون ) في حالة من الافتتان بالآخر " ومن هنا أدمنت رؤيته كل حين غرقت فى هالاته المتدفقة بالهدوء والوقار " ويتابع من خلال رد فعله رسم صوره  الحبيبة " سيدي أثارني خطوك فجئت أنشد طريقته " ويصل إلى ذروة النشوة " تبسم واحتضنني عمرا طويلا بكل الدفء  بكل أنفاسه الطيبة.. امتزجت به روحي  فخفت أكثر .. استرخت .. طفت فوق بحره اللطيف الهادئ ، عانقت النجوم .. مثقلة بعناقيد الشهوة رويدا رويدا "

 

 

◊◊◊◊

 

 

وعن تجربة الاغتراب يصف البعد عن مسقط رأس الإنسان  فى قصته (في قتلى حياتي ) وصفا موحيا " عشرون عاما من الرسم خارج الإطار "

 

  بتصرف درامي عال يحكى ( قارعة حلم ) عن الاحتياج المتبادل والافتقاد "ومن وجنتيها الناعمتين تشع فى عينيه خيوط ضوء تعشيه ... بين دفء ذراعيه ارتمت جذلى يغرد هيامها ككناري الربيع " ويتابع وصفهما " كشمعة ساحت على صدره بحرارة جسدها الوثير يهمس وجدانه في أذنها ... سكنت كعصفورة هانئة فى عشها نعست ... عفت والفرحة الشفيفة تكتب وتسطر ذاتها فوق شفتيها "

 

ويكشف القاص فى نهاية القصة حقيقة صادمة بأنها متزوجة أصلا !

 

أما نص ( حين لن يأت الحلم ) إنسان يخاطب ذاته ويواجهها بعناية شديدة وتتوهج لغته الشاعرة " إيمان يملؤني بأنك تخبئ صدق مشاعرك ثمة سواد يلمع فى نهاية النفق "ويتابع " منصتا لى كنت مستسلما لكل الضربات تعلم بأنى أسكن داخلك "

 

 

◊◊◊◊

 

 

ويخرج الكاتب عن مضامينه التى سلفت   بمضامين أخري لكنه يحافظ على تقنية الوصف فقصة ( اجتراح ) موضوعها هو الهم العام لعدم القراءة إشارة إلى تفتت المجتمع وعدم وجود رأي عام .

 

ونص( احتضان )عن  صناع الحروب وقلوبهم المتحجرة فيصف بشاعرية "  الموج الفائر يتدافع ..... يئن من وطئة الجاريات .. حاملات الموت " كما يخاطب الرمل متحسرا أو محرضا  " لم لا تملأ عين الغاشم تتغدى به قبل ان يتعشى بك "

 

وعن استحكام القهر في (كالأسفنج )  " المدينة المعتكفة في ممارسة طقوسها اليومية بأمان وبرغبة مجنونة وبصخب ملعون ... بلاد أرواحها كالجليد "ولم يصرح الكاتب مباشرة أن  قضيته هي حريق الأقصى " اليوم احرق أهم أثر ومعلم في دولة الإسراء"

 

وتنتهى القصة على تصرف محبط" توجه الى قطعة الإسفنج ركلها بكل قواه .. اقتلعها من مكانها ابعدها قرابة نصف متر .. تناثر في البلل بينما سمع تكسر أصابع قدمه التى تعرت من حذائها "

وكما تكسرت اصابعه من الاسفنجة  ا" دوى انفجار فى المدينة وملئها بالموت والدمار "

 

 

◊◊◊◊

 

 

وفى قصة ( جين الإخلاص )  يقدم الكاتب بتوازن درامى وبأسلوب مرح حكاية المرأة الخائفة على زوجها من صور النساء في الجرائد وبشئ من الإسقاط على  سذاجة الرقابة " غدت تخفى بالقلم الأسود وجوه الفتيات السافرات بل وكل الأجساد العاريات "

 

ويحكى عن مظاهرة نسائية لقتل الفئران لان الجريدة أعلنت دراسة تسمح للفئران بالتعدد " المكتشفون سيتخلصون من هذا الجين وسيقدمونه للرجال كلهم بشكل كبسولات او دواء الخ "

وتنتهى القصة على مقولة الزوج المستفزة "نظرت إليها نظرة دهشة طويلة ثم صرخت بأعلى صوتى : أيها الرجال فلنحمى الفئران جميعا "

 

اما قصة ( لعن الانسياق ) فيجمع فيها الافتقاد والانسياق وراء الخيال  والروح المرحة فيحكى عن رجل دلف إلى فراشه لينام وجاءته مهاتفة ليلية خاطئة أقلقته وفتحت باب الظنون  " تقلب على فراشه الشوكى فكان الدور على الجانب الأيسر ... ضم قدميه إلى صدره .... رتب غطاءه جيدا على جسده لينعم بالدفء ... شعر بأن هناك أحدا يهمس  بداخله من حيث لا يراه ويتكلم بلسانه ، يقول له لو تابعت الحديث معها لعلمت منها ذلك كله وربما هى غير متزوجة مثلك فتبادلها مشاعرها "

 

لتنهى القصة عند اتصاله بها لتبصق فى وجهه" تبعا لذلك أغلق  سماعة هاتفه وهو ملفع بجلباب الخجل والعتمة يلعن الوسواس الخناس "

 

 

◊◊◊◊

 

 

هكذا قدم لنا القاص عبد الله النصر مجموعته متكئا على محورين

1-      القلق كشعور انسانى دال على  عمق مأساة الفرد

2-      الوصف كتقنية أساسية للقص

فبنى بهما السياق الدرامي لقصصه من ناحيتي الشكل والمضمون وكون بوعى عالمه الخاص ورؤيته المتفردة .

وتمنياتي بالإبداع الدائم

 

 

صالح الغازي

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

التداولية بين المنهج والطريقة

التفاصيل
كتب بواسطة: رخرور أمحمد
نشر بتاريخ: 13 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 13 سبتمبر 2007
الزيارات: 15

التداولية بين المنهج والطريقة

بقلم:الأستاذ رخرور أمحمد

باحث من الجزائر

 

  ما يجب أن نقر به ابتداء ، هو أن ما تشهده الساحة النقدية اليوم من تطورات ، والمتجلية في الكم الهائل من المفاهيم والنظريات والمصطلحات والطرق الإجرائية في تحليل النصوص الأدبية بأنواعها ؛ مرده بالأساس إلى ما جادت به الدراسات اللسانية من قبل ، ومن مكتشفات نظرياتها ، التي لا يخفى دورها الهام في تطوير النقد الغربي ثم النقد العربي على حد سواء .

  وعلى العموم فإن مجيء التداولية أحدث تغييرًا كبيرًا في ميدان النقد الأدبي . ذلك أن التداولية تدعو إلى تغيير النظرة إلى النصوص . أي تحويل نظرة البنيوية التي ترى النص بنية مبتورة عن الفعل الملفوظي ، إلى نظرتها التي تدعو إلى دراسة النص في علاقته مع النشاط الملفوظي(الكلام).الأمر الذي يفرض ـ في مذهب التداولية ـ أن نجدّد نحن أيضا نظرتنا إلى النصوص الأدبية . فما هي هذه التداولية إذن ؟.

  تسعى التداولية إلى أن تتجاوز حدود الخطاب ، لتصير نظرية عامة للفعل والنشاط الإنساني ، شغلها الشاغل هو دراسة اللغة في المقام (الاستعمال) ، الذي يهتم بما يفعله المستعملون بالألفاظ  .

  وتشير الدراسات إلى أن أول من ابتكر كلمة  "البراجماتية"  هو "شارل سندرس بورس 1914 / 1839"· في مقالته الشهيرة  "كيف نجعل أفكارنا واضحة ؟ ." فقد جاء فيها أنه » :  لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما ، فإننا لا نحتاج إلاّ إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي ، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع ... وكلمة البراجماتية مشتقة من اللغة اليونانية والتي تعني "العمل النافع" أو"المزاولة المجدية" ، ويصبح المقصود منها هو "المذهب العملي"  أو "المذهب النفعي«"  ([1]) .

  كما يعد  "شارل موريس" (··) أول من بادر إلى وضع تعريف مقصود لمصطلح  "التداولية " ، وخلاصة تعريفه لها هي أنها دراسة علاقة الدلائل بمستعمليها ؛ أي دراسة اللغة أثناء ممارستها إحدى وظائفها الإنجازية أي الحوارية والتواصلية . وقد عدّها جزءً من السيميائيات .

  أما التداولية عند "غرين " 1989 Green و"بليكومور  Blikmore "1990 فهي فهم اللغة الطبيعية.  ولدى  "فارسشيرن  1987 "  Werschueeren  أن تمعن الفكر أكثر في استعمالات اللغة من كل جوانبها.  في حين يصرح "رودوف كارناب " بأن التداولية هي قاعدة اللسانيات . وهي لدى " فرانسواز ريكانتي "فرع من دراسة استعمال اللغة في الخطاب .

  وفي نظر المؤسس الأول لـ  " التداولية ـ "  أو " تداولية أفعال الكلام " كما يسميها البعض"ـ ج. أوستين"· أن وظيفة اللغة لا تقتصر على نقل وإيصال المعلومات وإرسالها ، أو التعبير عمّا  يجول في أذهاننا من أفكار ومشاعر وإظهارها ؛ وإنما يجب أن تضطلع اللغة ـ وهو أمر موافق لطبيعتها ـ بتحويل ما يبدر عنها من أقوال، في إطار ظروف سياقية معينة إلى أفعال ذات سمات اجتماعية . وينبغي أ ن تهتم التداولية عند كلّ من  "أ.  م  .ديلر"  و  "ف . ريكاناتي"  بدراسة اللغة في الخطاب ، وتنظر في الوسميات الخاصة به لتأكيد طابعه التخاطبي  .

الاطار العام لرواية جبرا ابراهيم جبرا شارع الاميرات

التفاصيل
كتب بواسطة: معمر العاني
نشر بتاريخ: 11 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 11 سبتمبر 2007
الزيارات: 9

الإطار العام لرواية جبرا ابراهيم جبرا شارع الاميرات

المدرس المساعد معمر العاني

    قدم جبرا للقارئ العربي أبرز الكتاب الغربيين ، وعرف بالمدارس والمذاهب الأدبية الحديثة ، ولعل ترجماته لشكسبير من أهم الترجمات العربية للكاتب البريطاني الشهير ، وكذلك ترجمته لعيون الأدب الغربي ، مثل نقله لرواية: الصخب والعنف التي نال عنها الكاتب الأمريكي وليم فوكز جائزة نوبل للاداب ، ولا يقل أهمية عن ترجمة هذه الرواية ذلك التقديم المهم لها ، ولولا هذا التقديم لوجد القارئ العربي صعوبة كبيرة في فهمها

   وتعد أعمال جبرا الروائية صورة قوية الإيحاء للتعبير عن عمق مأساة شعبه ،وعن طريقته ـ التي ليست عليها مثلبة ولا نقيصة ـ تنطلق من حدقتي مثقف ، مرهف قادر على فهم روح  شعبه بحق ، لكنه في الوقت ذاته قادر على فهم العالم المحيط به ، وفهم كيفية النظر الى الحياة وتطوراتها وكان لرواية شارع الأميرات نكهة مختلفة ، حيث تدور فصولها وقد أصبح جبرا شاباً يدرس في بريطانيا ، ثم كاتباً معروفاً، فكان الكاتب بمثابة شهادة متممة لما بدأه في روايته ( صيادون في شارع ضيق) عن بغداد ما بعد الحرب  العالمية الثانية .

 العنوان : شارع الأميرات ـ فصول من سيرة ذاتية ـ .

   ويبدو ان شارع الأميرات قد ترك أثراً في حياة جبرا ما جعله يختاره عنواناً لروايته ، ويتجلى هذا الأثر في جوانب ذكرها جبرا: الأولى تتعلق بحب جبرا للشارع وشغفه به ، قال :" في ربع القرن الأخير ، في مرحلة النضج في حياتي ، بعد أن نشات بيني وبين عدد من الأمكنة علاقة حب التي ذكرتها ، قامت علاقة حب عميقة بيني وبين شارع الأميرات في حي المصور وما زلت أتمتع بنبضها وإيحائها" ، والثانية : الأفكار والأخيلة التي راودت جبرا عند مروره في الشارع طيلة حياته في بغداد ، وما أكثر ما تبلور مع مضي السنين من افكار مع ما يصاحبها من اخيلة وصور بل وعبارات أحاول بها اقتناص هذا كله او بعضه ، وأنا اسير في ظلال الأشجار البوكالتيوس في شارع الأميرات . الثالثة : الثر الأدبي الكبيرالذي خلفه الشارع في حياة مدة اقامته في بغداد ازداد ترددي على شارع الاميرات مشياًأو راكباً سيارتي لأن مكتبة المجلة كانت في شارع مجاور له وفي تلك السنوات توالت الكتابات قصيرة كانت أم طويلة لعلني ما امتحنت معدنها إلا في تلك الغدوات والروحات ، وظهر الكثير منها في كتبي اللاحقة.

لقد حملت هذه الأمور جبرا على اختيار شارع الأميرات عنواناً لموضوع سيرته الذاتية التي حفلت بالتقلبات والأحداث والوقائع المهمة ولاسيما في بغداد وبالقرب من هذا الشارع.

العنونات الداخلية :

    لقد دلت العنوانات الداخلية في الرواية على اتقان جبرا في اختيارها ، من خلال الألفاظ الدالة والتركيب المميز ، وحسن الدلالة للوصول إلى ما يربط العنوان بما بعده .

  والعنوانات هي : الرحلة الأولى ، انا وهاملت وأوليفيا ، سيدة البحيرات ، حكايتي مع اغاثا كريستي ، شارع الأميرات ، لميعة والسنة العجائبية.

  والحقيقة أن تللك العنوانات جاءت مناسبة لأحداث الرواية ، ودالة على توصيف دقيق للنص الروائي ، وجاء الفصل السادس في اثني عشر مقطعاً ، مثلت حياة جبرا في فوارنها الأدبي والثقافي والمادي ،وفي العلاقات الاجتماعية.

سنة التاليف :

   أورد ماهر الكيالي أن جبرا أرسل له رسالة بتاريخ 10/7/1991 ، يوصيه بها في الجودة في اخراج رواية شارع الأميرات باختيار الورق المناسب وزناً والحرف المناسب حجماً ً وعدد السطر في الصفحة الواحدة .

وذكر جبرا انه أنهى مقدمته في الثامن عشر من آذار عام 1994  ،وأنه أنهى  خاتمة الكتاب في السابع والعشرين من شباط عام 1994  .

يدل ذلك على أنه كتب الرواية في عام 1991 ، وكتب الخاتمة عام 1994 ، وبعد شهر كتب مقدمة الرواية .

الهوامش :

    استعمل جبرا الهامش لايضاح عدد من المسائل التي ارتضاها ألا تكون في متن الكتاب أو الرواية ، وبلغ عددها سبعة هوامش  .

فصول الرواية : ملخص الرواية

  الكتاب تجربة حياة الكاتب والأديب والفنان والشاعر جبرا ابراهيم جبرا ، في الرحلة الثانية من حياته بعد رحلته الأولى في رواية البئر الأولى .

وتجلى في شارع الأميرات وصف متميز لمدنية بغداد إبان الخمسينات ، والتي كانت أرضاً خصبة للعديد من التجارب العربية المثقفة والاجتماعات والندوات الثقافية ، وكان محور ذلك كله شخصية الرواي جبرا ، ومن هم على شاكلته من المثقفين والفنانين وأرباب الاختصاصات الأخرى .

   بدأ جبرا في الفصل الأول بالحديث عن حقيقة مرت به ، فاستعاد ذكرياته في وطنه ، وبداية رحلته إلى انكلترا وتفاصيل تلك الرحلة . وكأنه يبدأ بما انتهى إليه في روايته السابقة البئر الأولى .

 وفي الفصل الثاني سرد الأشهر التسعة التي قضاها في انكلترا وما جرى فيها من أحداث ومواقف .

    ويستمر باستعادة مجريلت حياته ودراسته في الفصل الثالث ، وفيها يجول في منطقة سيدة البحيرات ويسرح بخياله في حوار السيدة التي التقاها عند الجبل . وكرسص الفصل الرابع لزيارة مدينة النمرود الأثرية  ، ويتعرف في هذه المدينة على السيدة مالون ، التي يفاجئ بأنها أغاثا كريستي .

وجعل الفصل الخامس لجولاته في  شارع الأميرات  ، ويستوقف الزمن الروائي ليصف الشارع والمواقف التي صادفته ، ونراه يسترجع فترات زمنية متباعدة ، يجمعها المشي لمسافات طويلة ، وما ينتج عن هذا المشي إذ يرجع في سرده إلى فترة الثمانينات من هذا القرن وصولاً إلى التسعينات والعدوان على العراق .

وفي الفصل السادس يسرد جبرا أحداث سفره إلى أمريكا للدراسة وبصحبته زوجته لميعة ، ثم رجوعها وبعدها رجوعه إلى العراق  . وقد خص جبرا عامي 1951- 1952 ، بالتركيز على الأحداث التي وقعت في حياته وهي من أهمها . وحملت الرواية الأجواء الرومانسية والخيالية ، وفيها اعجابه بمسرحيات شكسبير ، والخيال مع سيدة البحيرات ، والولوج في مثاليات الطبقة الارستقراطية .

الفهرس :

  عمل جبرا على عادة الروائيين فهرساً للشخصيات التي وردت في روايته  ، وبلغ عدد شخصيات التي ذكرها أكثر من مئتين وخمسين شخصيةً ، ورتي هذه الشخصيات على الحروف الألف بائية ،هذا ما يخص الأسماء العربية ، أما الأسماء الأجنبية فرتبها بحسب اسم العائلة وعلى الترتيب المعروف في اللغة الانكليزية .

دافع الكتابة :

   ذكر جبرا أن الدافع الذي جعلبه يكتب هذه المرحلة من حياته هو الاستجابة لرغبة صديقه الذي يرأس تحرير مجلة أسبوعية مشهورة ، اقترح عليه أن يكتب تجربة عمره أو حياته في مقالات في المجلة . 

   ولم يبدأ بالرواية إلا بعد أن وضع قائمة ولو قصيرة بعدد من الأحداث الشخصية التي رآها تجارب دالة ، ويمكن وصل بعضها ببعض ، فتكون في النهاية نوعاً من السيرة الذاتية .

 

الصفحة 7 من 28

  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11

المتواجدون الآن

106 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك