من رحم (غزّة ) - الحبيبة الى كل عربى - خرجت الروائيّة /بشرى أبو شراروحصلت من الاسكندرية بمصر على ليسانس الحقوق واشتهرت فى الأوساط الأدبية بمصر بنشاطها الملحوظ وغزارة الانتاج القصصى والروائى فقد صدر لها الروايات : (أعواد ثقاب ) و (شهب من وادى رام ) و ( شمس ) و ( من هنا وهناك ) و (أنشودة الشمس ) كما صدر لها عدد من المجموعات القصصية أذكر منها : (أنين المأسورين ) و ( القلادة ) و ( جبل النار ) و ( اقتلاع ) التى خرجت طبعتها الثانية فى أرض مولدها – غزّة – سنة 2005. عانت الكاتبة من تطور الصراع العربى الاسرائيلى ومرارة هزيمة 1967 ( إنّه الجيل الذى عاش تناقضات مرحلة الاستقلال الوجيزة بين رحيل الانجليزى ومقدم الصهيونى الكريه مضحّيا بحريته من أجل بناء الوطن فضاعت حريته ووقع الوطن فى أسر الهزيمة أمام الكيان الصهيونى )(1) لذلك كان الاحساس بالمكان المفقود والحنين اليه من الدوال المسيطرة والمؤثرة فى معظم نتاجها القصصى والروائى فى توحّد مع الذات يعكس الشعور بالمرارة: مرارة الذات والواقع معاً بمصاحبة صمت وعجزعربى وعالمى ليتبدّى الواقع فى أبشع صورة :( إنّ شعوراً بالمرارة يملؤنا ونحن نراقب هذا التسلسل الذى تتراكم فيه الأشياءوتتجاور بشكل مضحك يتنافى مع أى انسجام يمكن أن تطرحه الحياة أو أى اتّزان يجعل للوجود أى معنى سوى هذة الأقدار المرعبة التى تتلقفنا من فاجعة الى فاجعة ) (2) ساعد على ذلك وجود التفكك والانشقاق العربى والوقوع أحيانا فى براثن التبعيّة مع قيام قيم وسقوط قيم أخرى ليؤدى ذلك الى : ( اختلال فى علاقة الفكر العربى بواقعه كما إنّ محاولات رأب الصدع لم تفلح حتى الآن فى أن تؤسس نموذجا لفكر يأخذ به المجتمع فينتشله من ذلك التخبّط الذى يعيشه منذ تفتّح وعيه) (3) . فى هذا الجو العاصف نشأ إبداع بشرى أبو شرار الروائى والقصصى وتعتبر روايتها ( أنشودة الشمس ) تتويجا لمسيرتها الروائية لما تتميز به تلك الرواية من سمات وخصائص تتجاوز حدود السرد بمفهومه التقليدى الى استبطان الذات فى مونولوج داخلى يفجّر مرارة الذات والواقع معاً ز والمكان – كما ذكرت – دالة أساسية فى هذة الرواية ويأخذ عدّة محاور هى المكان المعاش (خارج فلسطين ) والمكان الحلم ( العودة ) والمكان الأول حيث المولد والنشأة والتهجير الجبرى (فى عملية فلاش باك ) ضد النسيان . دالة أساسية نسيطر على النص سواء ظهرت بالتصريح المباشر أو الرمز أو الايحاء والاشارة من بعيد زلتتنوع مستويات التعبير عنه دون أن يغيب : وأنت يا صاحبي كيف تتسرب الحياة منك؟.. وتتوقف كل الموجودات من حولك عن صراع الحب، والحقد، الشفقة، الأنانية، التضحية؟ كيف تنسحب دون إرادتك إلى كون آخر؟ قد يكون أثيراً لنا ونعود إلى ما بنيناه هناك.. وقد لا نعود.. كيف تتسرب الحياة من خلجات روحك؟ من بوابات الفقد لا ترى ولا تسمع، من يعرفك وأنت الوحيد؟! تعرفهم ولا يعرفونك.. تراهم ولا يرونك.. تخبو خلاياك، تظل جذوة رمادك خامدة.. كما أصير أنا.. بالأمس غافلني العدم للحظة، بعدت عن الأرض وعيناى مفتوحتان عليها، أرى كل الأشياء وقد ابتعدت وأنا القريبة أراها، الرؤيا مغبشة، تتسربل في هدوء من عيني، راحة يد صغيرتي تناشدني في لوعة الأسى أن أعود.. السكينة تسكنني، هدوء يهدهد روحي، سكون من يأخذه اليقين لرحيل قريب..(4). وها هو الحنين الى العودة الى العودة يتجلى فى تلك الأنشودة الرائعة : - بعدت المسافات، وطويت أوراق سفري القريب. - وأنت؟ - أنا قادمة، كنت أخاف أن أطأ الوطن وأنت بعيدٌ عني، حسبت أن اللقاء قريب هنا.. فكانت مساحات الوطن أشد اتساعاً.. تنتظر العائدين. أعود وأجلس على حقائبي أمام حاجز زجاجي، أنتظر من يدق على جواز سفري ختم الدخول.. تقذفني حافلة إلى هناك.. أحتضن الشمس.. الهواء.. الأرض تلم كياني المنثور من بقاع الدنيا، أعود إلى شهب سطعت.. ترقب الأرض.. لمكان آمن لسقوطها.. أسقط هناك..(5). ولا راحة لمغترب إلاّ فى العودة لحضن الوطن الدافئ بذكرياته حتى وإن افتقد الانسان للوسيلة المنطقية لتحقيق هذا الهدف المنشود : - لا أريد التحليق.. تعبت من الإقلاع والهبوط، أريد أن أركن إلى محطة أخيرة.. هل أجد حضن أمي؟ هل يعود حنانها إلى بعد أن غادرني؟ قل لي.. لماذا حمل صوتها الرجاء بأن أعيد عليها أشعاري، زجلاً غادر ذاكرتي؟ رجاؤها قطع حبل الهواء في صدري، بكيت ملء قلبي، لو كنت أعرف أنها ستسألني أشعاري القديمة لما ضيعتها، لم ألقيتها بين الدروب، لتزهر زهرات ليلكية، يقطفها الغريب حين يمر بها.. شمس تعود إليها كتلة قرمزية تتسطح آخر حدود اليم في كنعان القديمة..(6) ويصل الشعور بالاغتراب الى حد التوحّد مع كل من يمر بنفس المعاناة كما نرى فى الأنشودة الخامسة والثلاثين : متعبة أنا يا صاحبي، متعب أنت، أصبحنا حالين في حال واحدة. تنقر بصوتك على بوابة الغياب، تأخذك لساعات لا أعرف مساحتها، ولا أعرف متى تعيدك إلىَّ، يسافر صوتك، يحمل في حقائبه ضحكاتنا، وحكاياتنا من حروف لم تكتمل.. تتناثر من حولك أشياء من بقايا الأرض، زيف، رهانات، الكسب والخسران، فقد ووحدة واغتراب..(7) . ويأتى التذكر لعجز المكان الحالى أن يسد بعضا من الفراغ الناتج عن فقد المكان الأصلى –الوطن – فنجد (غزّة ) وتوديع الكاتبة لآخر قطاف العنب وغرفة الخزين وعلى بابها الميزان الذى يلعب به الصبية الصغار وفرن الطين وبساط جدتها الذى نسجته جدتها بيديها وذكرى الخروج الحزين فى حضور قوى للمكان يطغى على أى شئ آخر : تمضي العربة، الشبابيك مشرعة على بحر غزة، بشواطئه الساكنة، صدره خيوط من الفضة، تلثم الثرى، مدت يدها تقبض على الهواء، قد يحمل موجاته إليها، لتستلقي على كف يدها، أجهشت، تناثرت حبات دمعها على عتمة الفراق، لم يلحظ السائق قلباً أدماه الحريق، يتحدث عن طريق "أبو هولي" كيف الوصول إليه ليأخذ رأس الدور، تتسرب موجات البحر من عينيها، وحديثه إليها.. هو بحرنا.. لنا.. وهي الماضية عنه، ومن رآها تمضي في دروب حديقتها، تلمس بجلد يدها ما عشقته فيها من سنين، عرفت كيف ينخر السوس سيقان الدوالي، كيف يموت المكان برحيل أصحابه، وجدتها يوم ركنت على كتف الباب تودع آخر قطاف العنب، تقضم حبة واحدة وتمضي، فالرحلة باتت قصيرة، شمس تتحسس المطارح بكف يدها، بنور عينيها، تبكي، تنوح، تصاحب الأنين، بساط جدتها من غزل يدها قطعت أجزاءه، ألقى منه في بيت الخزين، وقطعة أمام فرن الطين، وأخرى مغبرة متكومة هناك، هل تأخذ ما تبقى من خيوط جدتها؟.. يصرخ داخلها.. لا.. لم يعد ما كان، أشارت للصبية: - هنا كنت أطير الوقت ويطيرني، في غرفة الخزين تحضرني الخيالات، تأتيني على بساط ألف ليلة وليلة.. ميزان ملقى على بابها، لعب فيه الصغار، على كل كفة كان الميزان مليئاً بالحجارة، يتوازن العالم أمامها بكفتين من الحجارة، قد تلحقنا عدالة السماء، قد تشير إليها أصابع الصغار.(8) حتى المقاومة لا تغيب عن فكرها فى لوحة رائعة للصبى فى الزنزانة والموت قتلا فى المدينة التى كانت لهما هناك: يصلها صوته مشوشاً، أحبال الهواء تتقطع وتعود تلم أطرافها بعناد وإصرار أشد، ليصل ما تبقى من صوته وصوتها. - الضربة ستكون قوية وقريبة. على أحبال الهواء تجدل ضفيرة الزنانة والأباتشي، وعين الصبي وأنفاس تقطعت على مدارات الأرض، ارتطام، انفجار، أشلاء تناثرت، زجاج تهشم يحمل صورهم التي كانت من الحكاية ولم يتبق إلا حفرة عميقة يسكن فيها رمادهم.. وخيوط مظلة واحدة ضمت ليل مدينة كانت لهما هناك( 9 ) . ورغم كل هذة المعاناة وذلك الاحساس – الطبيعى - بالعجز يبقى الأمل فى العودة فى الأنشودة العشرين كما يستمر الأمل حاضرا فى أدق التفاصيل لدرجة أنّ الحمّام تأخذه لتزيح بعض اغترابها فى الأنشودة الحادية والعشرين والبحث عن الممر الآمن الذى يأخذها الى رام الله والخليل ونابلس والقدس . وتستخدم الكاتبة فى سردها الاستبطان الداخلى فى حوار هادئ مع الذات واستخدام الرمز أحيانا أخرى لتترك لدى المتلقى حالة من الاندهاش (تترك له حرية التلقى والتأويل فهو- أى الكاتب - لا يقدّم عالما يمرره بوعيه هو وإنّما يقدمه ممرراً وعابراً لوعى المتلقى نفسه الذى يكون متحفّزاً لاستيعاب المكان وتجليّاته بصورة أكبر ) (10 ) ويتجلّى ذلك فى استخدام الكاتبة لدالة الرمز وكانت (الشمس ) من أكثر الدوال الرمزية وضوحا فى تلك الرواية حيث ترمز لفجر العودة للوطن مرّة أخرى وتحريره وهى فى كل هذا تعتمد على ضمير المتكلم :ذلك المتكلم الذى قال عنه (باختين ) : (المتكلم فى الرواية هو دائما وبدرجات مختلفة منتج أيديولوجيا وكلماته هى دائما عيّنة أيديولوجيّة واللغة الخاصة برواية ما تقدّم دائما وجهة نظر خاصة عن العالم تنزع الى دلالة اجتماعية ) (11).وهذا ما فعلته الكاتبة فى روايتها لتوقظ داخل وعى المتلقى ما بالعالم من ظلم وغياب للعدالة وما يعانيه شعب كامل من اغتراب . ولعل استخدام أسلوب الحوار الداخلى مع الذات فى معظم أنشودات الرواية يعطى للرواية المزيد من القدرة على التأثير لآنّ (شكل الرواية الخارجى هو فى الأساس سيرة حياة فالخاصيّة العضوية التى تميل اليها سيرة الحياة هى الوحيدة التى تستطيع إدخال الموضوعية فى التردد بين نظام للمفاهيم تتسرب منه دائما مفاهيم الحياة وتركيبة حيّة لا تستطيع أبداً الوصول إلى اكتمال الذات ) (12) . هذا الحضور القوى للمكان والذات معاً رغم المعاناة واستمرار البحث عن الممر الآمن للعودة يؤكد أنّ المكان لا يموت برحيل أصحابه. الشواهد : 1-جماليّات الحساسية والتغيّر الثقافى ) د . صبرى حافظ .مجلة فصول ص 74 العدد الرابع من المجلّد السادس سنة 1986 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2-(من التعدّد إلى الحياد) د . أمجد ريّان ص 32 الهيئة المصرية العامة للكتاب. 3- ( شهادة الشاعر سمير الفيل ) مجلة الثقافة الجديدة العدد الثانى نوفمبر سنة 1986 مصر . 4- رواية ( أنشودة الشمس ) بشرى أبو شرار . الأنشودة الأولى. 5-المصدر السابق : الأنشودة الثالثة. 6- المصدر السابق : الأنشودة الرابعة. 7-المصدر السابق: الأنشودة الخامسة والثلاثين . 8- المصدر السابق : الأنشودة الرابعة عشرة . 9- المصدر السابق : الأنشودةالثانية عشرة . 10- (الكلمة فى عصر الصورة ) د . مصطفى الضبع ص 103 كتاب مؤتمر الجيزة الأدبى الأول –الجيزة - مصر . 11- ( المتكلم فى الرواية ) ميخائيل باختين ترجمة د . محمد برادة مجلة فصول ص 105 – العدد الثالث من المجلد الخامس سنة 1985 –مصر . ( نظرية الرواية ) جورج لوكاتش ص 72. ********************************** قراءة ابراهيم موسى النحّاس رئيس نادى الأدب بيت ثقافة الصف-حلوان- lwv
الروائية الفلسطينية(بشرى أبو شرار...........وعبق المكان فى ر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم موسى
- الزيارات: 15