مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

التبصرة بالتجارة .. للجاحظ البصري

التفاصيل
كتب بواسطة: عمر عاصي
نشر بتاريخ: 11 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 11 سبتمبر 2007
الزيارات: 10

التبصرة بالتجارة

للجاحظ البصري

اعداد وتقديم : عُمر عاصي

 

إلى أيّ الأسواق أذهب ؟ وفي أي البلاد تكون أحسن البضائع ؟ من أين اشتري الذهب والفضة وهل هناك طرق لكشف الغش ؟ وأين تجد الجواهر النفسية ؟ والسلع المميزة ؟  واين تكون أفضل الثياب ؟ وكيف أعرف الثوب الرفيع من غيره ؟ وأين اجد أحسن العطور ؟ وكيف امييز بين الحسن والرديء؟ ؟

 

هذه الأسئلة وغيرها ، كانت تخطر في بال كل تاجرٍ عاش في القرون الوسطى ، وخاصة في الدولة الإسلامية عندما كانت تنعم بحركة إقتصادية قوية ، فكان الناس يقصدون البلدان الإسلامية وغيرها للتجارة ، ليتشروا البضائع بأشكالها والوانها المختلفة ، وكان لا بد للتجار من خلفية معلوماتية قوية حتى يبرز ويكون ذا مكانة في السوق . وهنا كان لا بد من مؤلف بارع ، يتطرق لشتى المسائل المتعلقة بالتجارة بالشكل الذي يليق بها. هذا المؤلف كان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري .

 

يبدأ الكتاب بكلمات تُلخص فكرة الكتاب هي : سألت، أكرمك الله، عن أوصاف ما يستظرف في البلدان من الأمتعة الرفيعة، والأعلاق النفيسة، والجواهر الثمينة المرتفعة القيمة، ليكون ذلك مادة لمن حنكته التجارب، وعوناً لمن مارسته وجوه المكاسب والمطالب، وسميته بكتاب التبصّر والله ولي التوفيق.

 

بعد هذه المقدمة ، ينتقل الجاحظ ليؤكد القيمة الحقيقة للتجارة ، يستشهد بقول واحد لكل قوم من الفرس والهند والعرب وغيرهم من الأقوام ، وكأنه يبدي رأيهم في التجارة والتاجر والسلعة . ومن ثم ينتقل الى باب معرفة الذهب والفضة وإمتحانهما فيتطرق لطرق كشف الزيف وما هي الانواع التي ينصح بها الخبراء ، ومن الذهب والفضة يتحول للجواهر النفسية فيتكلم في إمتحانهما وقيمة كل نوع من أنواعها فيحكي عن العقيق والزبرجد والفيروزج والبلور والياقوت ويتميز هذا الفصل بذكر السعر وكيفية إمتحان السلعة . ومن هذا ينتقل للعطور والروائح الزكية فيتحدث في المسك والعنبر وغيرها من الروائح ، ومنها ينتقل للثياب وما يُستجاد منها وفيه يتطرق للحيوانات والنباتات التي تصنع منها الثياب فيذكر أحسن انواع السناجب ، الثعالب ، كما يذكر القرمز والبلسان .

 

ومن الحديث عن الثياب ينتقل بنا عمّا يُجلب من البلدان من طرائف السلع والأمعتة والجواري وغير ذلك ، فيذكر ما تتميز به كل بلدة من البلدان من مصر الى سمرقند الى الصين وغيرها من البلدان . وفي باب أخر يلخص الافكار التي تمكن التاجر والمشتري في كيفية تمييز أحسن السلع وننقل منه : ".. كل ثوب من اللباس والفرش إذا كان ألين وأنعم وأسنى كان أرفع، وكل علق من الجواهر والأحجار إذا كان أصفى وأضوأ فهو أنفس، وكل حيوان من الوحشية والأهلية إذا كان أجسم وأطوع فهو آثر وأفخر .. " . ومن ذلك الحديث ينتقل بنا للحديث عما يختار من البزاة والشواهين والبواسق والصقور وغير ذلك من الطيور الجوارح . وينتهي الكتاب الذي وجد المحققون صعوبة في نقل فصوله إلينا ، والموجود في 9 صفحات فقط حوت بداخلها مادة عظيمة النفع سواء كان قارئها تجارا او مُستهلكا.

 

 من هذا التقرير لا أطلب من أي قارئ ان يَذهب لقراءة هذا الكتاب بل أنصح المَعنيين بالنظر فيه لمجرد النظر فمعظم السلع قد لا نعرفها او قد لا نعطي الوزن الذي كان يُمنح لها في العصور السابقة ، ولكنني أتوجه لكل كاتب ومؤلف وتاجر وطالب يدرس التجارة ، هل هناك كِتابٌ في أيامنا هذه يستطيع ان يجيب المُستهلك الفقير الذي يقبع في ظل الرأسمالية الغاشمة التي سيطرت على كل ميادين الحياة او التاجر الحُر الذي يسمو ليكون تاجراً كما اراده الله وسوله . في السوق تنتشر السلع المزيفة بأشكال فظيعة ، والتجار الفُجار يستغلون الفرص ويتلاعبون في الأسعار كما يشاؤون فيبيعون المُستهلك السلعة المزيفة بسعر الأصلية ؟؟

 

التداولية بين المنهج والطريقة

التفاصيل
كتب بواسطة: رخرور أمحمد
نشر بتاريخ: 06 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 06 سبتمبر 2007
الزيارات: 14

التداولية بين المنهج والطريقة

بقلم:الأستاذ رخرور أمحمد

باحث من الجزائر

 

  ما يجب أن نقر به ابتداء ، هو أن ما تشهده الساحة النقدية اليوم من تطورات ، والمتجلية في الكم الهائل من المفاهيم والنظريات والمصطلحات والطرق الإجرائية في تحليل النصوص الأدبية بأنواعها ؛ مرده بالأساس إلى ما جادت به الدراسات اللسانية من قبل ، ومن مكتشفات نظرياتها ، التي لا يخفى دورها الهام في تطوير النقد الغربي ثم النقد العربي على حد سواء .

  وعلى العموم فإن مجيء التداولية أحدث تغييرًا كبيرًا في ميدان النقد الأدبي . ذلك أن التداولية تدعو إلى تغيير النظرة إلى النصوص . أي تحويل نظرة البنيوية التي ترى النص بنية مبتورة عن الفعل الملفوظي ، إلى نظرتها التي تدعو إلى دراسة النص في علاقته مع النشاط الملفوظي(الكلام).الأمر الذي يفرض ـ في مذهب التداولية ـ أن نجدّد نحن أيضا نظرتنا إلى النصوص الأدبية . فما هي هذه التداولية إذن ؟.

  تسعى التداولية إلى أن تتجاوز حدود الخطاب ، لتصير نظرية عامة للفعل والنشاط الإنساني ، شغلها الشاغل هو دراسة اللغة في المقام (الاستعمال) ، الذي يهتم بما يفعله المستعملون بالألفاظ  .

  وتشير الدراسات إلى أن أول من ابتكر كلمة  "البراجماتية"  هو  "شارل سندرس بورس 1914 / 1839"· في مقالته الشهيرة  "كيف نجعل أفكارنا واضحة ؟ ." فقد جاء فيها أنه » :  لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما ، فإننا لا نحتاج إلاّ إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي ، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع ... وكلمة البراجماتية مشتقة من اللغة اليونانية والتي تعني "العمل النافع" أو"المزاولة المجدية" ، ويصبح المقصود منها هو "المذهب العملي"  أو "المذهب النفعي

ألوان السما السبعة... تنويعات انسانية على حالة وجد صوفية

التفاصيل
كتب بواسطة: محمود الغيطاني
نشر بتاريخ: 06 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 06 سبتمبر 2007
الزيارات: 13

   هل من الممكن أن يصل الإنسان إلى حالة من حالات السمو والصفاء والوجد والخفة الروحية حتى انه ليشعر بنفسه قد تخلص من إسار جسده تماما ومن ثم تبدأ روحه- التي أفلتت من سجن الجسد- في الانطلاق إلى عوالم أخرى أكثر رحابة واتساعا؛ فيرى مالا يراه غيره، ويشعر بما لا يشعر به من حوله في رحلة نورانية أبدية لانهاية لها؟

   علّ مثل هذا التساؤل هو التساؤل الرئيس والفرضية الأساسية التي افترضها المخرج" سعد هنداوي"، والسيناريست "زينب عزيز" من خلال فيلميهما الجديد "ألوان السما السبعة"، ومن ثم حاولا الإجابة عليه؛ ولذلك نرى المخرج "سعد هنداوي" يسوق هذين البيتين الشعريين من مثنوي مولانا "جلال الدين الرومي" في بداية تيترات الفيلم

لقد سما الحب الترابي من العشق في الأفلاك

وحتى الجبل بدأ في الرقص وخف

   هذين البيتين اللذين إذا ما تأملناهما عن كثب لوجدنا أنهما يمثلان المفتاح الرئيس للدخول إلى العالم الفيلمي الذي يرغب "سعد هنداوي" في إدخالنا إليه، وكأنه يرغب القول( انتبه إلى هذين البيتين ثم تأمل العالم الفيلمي التالي له؛ لأنك ستصل في النهاية إلى اليقين من تلك الحقيقة التي ساقها جلال الدين الرومي).

   ولذلك نرى "سعد هنداوي" يقدم لنا فيلمه بشيء غير قليل من التسلل والمهارة والحرفية- ساعده في ذلك الكثير من الخبرة المكتسبة التي رأيناها سابقا في أفلامه الروائية القصيرة- وكأنه يرغب في التسلل إلى ما تحت جلودنا لنتشبع بالعالم الذي يقدمه لنا ومن ثم نصبح مغيبين تماما، أو سكارى بحالة من حالات الوجد التي تصيب الكثيرين من المتصوفة في حالات كشفهم الروحية- التي يذهبون فيها إلى مالا ندري عنهم-؛ فنراه يقدم لنا "حنان"( ليلى علوي) وقد التقت متعجلة بصديقتيها على الإفطار؛ لرغبتها في لحاق عرض ما قبل بدايته، لنعرف فيما بعد أنه عرض لفرقة التنورة التي يرقص فيها الراقص مغيبا تماما عن الآخرين متوحدا مع ذاته، بل منفصلا عنهم في عالمه الخاص الذي يرى فيه سماوات وألوان وأكوان أخرى لا علاقة لها بالواقع المحيط به؛ ولذلك نراها جالسة في العرض متأملة "لبكر"( فاروق الفيشاوي) راقص التنورة الذي يرقص وكأنه خاشعا متعبدا، بعيدا تماما عن الآخرين في عالمه الخاص، بينما تقترب منها الكاميرا في لقطة "كلوز آب" close up لنرى وجهها شاردا تماما في حالة من حالات الوله الأقرب إلى العشق، حتى لكأنها تتسامى فتصل إلى حالة من حالات الحلم، ومن ثم تتلاشى من حولها الأصوات والصخب المحيط بها كي تصل في النهاية إلى حالة الانتشاء التام، ساعدها في ذلك المؤثرات الصوتية الدالة التي استخدمها "سعد هنداوي" حيث تتباعد الأصوات لنشعر أنها- ليلى علوي- سقطت وحدها في الفراغ، بينما الكاميرا في لقطات متقابلة تعرض لنا وجهها المتأمل له تارة، ورقصته التي يهيم فيها تارة أخرى، ومشهد للسماء وحركة السحب السريعة تارة ثالثة كي تسقط فجأة من هذا العلّ الشاهق الذي خفّت روحها للوصول إليه- نتيجة توحدها مع الراقص- إلى الواقع المثقل بأعباء المادة ومشاكله اليومية حينما تنتهي الرقصة ويتوقف كل شيء.

   هذه الحالة من حالات الوله والإعجاب الشديد بما يفعله "بكر"(فاروق الفيشاوي) نظن أنها تصيب ابنه أيضا "سعد"(شريف رمزي) الراغب في ترك الحياة مع أمه "توحيدة"(سوسن بدر) ليعيش مع والده "بكر"(فاروق الفيشاوي) كي يتعلم منه رقصة التنورة الشغوف بها والراغب في أن يكون راقصا لها؛ ولذلك نراه أثناء عرض والده يتأمله كالمسحور تماما وكأنه انجذب إلى فلكه، فظل يدور معه غير قادر على التحرر من قوة جذبه السحرية إليه، لكننا نكتشف فيما بعد أنه ليس مسحورا بما يفعله والده- نتيجة لأنه يوصله إلى حالة من حالات النقاء والسمو- بقدر ما هو مسحور بذلك لأنه كما يقول لحبيبته (منى هلا) ( أنا معنديش حاجة.. ولا حاجة.. لا أنا غني ومعايا فلوس.. ولا كملت تعليمي.. مبلط سيراميك.. إيه يعني؟) كما نسمعه يقول أن (الحكاية فلوس وشهرة وسفر في مصر وبرة مصر) مما يدل على أنه مسحور بالتنورة في حد ذاتها من أجل أسباب مادية بحتة، وان كان "امبابي"( حسن مصطفى)- دقاق الرق في فرقة التنورة- والذي تبنى "بكر"(فاروق الفيشاوي) منذ صغره معلما إياه تلك الرقصة الهامة نراه يقول "لسعد"( شريف رمزي) عن أبيه أنه (بيبقى طاير.. طاير في السما السابعة ورجله لامسة الأرض.. بيروح حتت تانية بعيدة خالص، وبلفّة واحدة بيفوقنا معاه).

   إذن فالجميع مبهور بما يفعله "بكر" ويعرفون أنه يصل ومن ثم يوصلهم معه إلى حالة كبيرة من حالات الانتشاء والصفاء والخفة التي تجعلهم جميعا متعلقين به، دائرين في فلكه وكأنهم لا يستطيعون الفكاك منه.

   لكننا لابد أن نتساءل ما هي حكاية جميع هذه الشخصيات المتعددة التي حرص المخرج "سعد هنداوي" على تقديمها لنا واحدة اثر أخرى- والتي تدور جميعها في فلك بكر-، وما هو تاريخها، وهل هي شخصيات نابعة من الفراغ كي تتعلق فقط "ببكر"(فاروق الفيشاوي)؟

   علّ مثل هذا التساؤل هو التساؤل الرئيس الذي ظل يدور بذهني حتى قرابة منتصف الفيلم تقريبا؛ نظرا لأن المخرج "سعد هنداوي" حرص ببراعة- ساعده في ذلك السيناريو المحكم الذي كتبته السيناريست "زينب عزيز"- على تقديم الشخصيات وعلاقتها "ببكر" فقط- دون أي معلومات عنهم- ثم بدأ بعد ذلك يفصل لنا الأمور، ولذلك أيضا تساءلنا كثيرا (ما هو المبرر المقبول الذي يجعل "حنان"(ليلى علوي) متعلقة "ببكر"(فاروق الفيشاوي) مثل هذا التعلق وبمثل هذا الشغف، حتى أنها تحضر العرض يوميا لنراها من خلال لقطات "الكلوز آب" close up منبهرة، ذاهبة في رحلة بعيدة معه وكأنها لا تدري بكل ما حولها سوى "بكر"(فاروق الفيشاوي) الذي امتلك عليها زمام أمورها؟).

   ربما نستطيع من خلال ما تم تقديمه لنا تقبل مبرر حب "بكر"(فاروق الفيشاوي) لرقصة التنورة التي تنقله إلى سماوات وعوالم أخرى، كما نستطيع أيضا تقبل مبرر تعلق "سعد"(شريف رمزي) بهذه الرقصة؛ نظرا لأنها بالنسبة له الطريق نحو الشهرة والمال، أما تعلق "حنان"(ليلى علوي) بها فلقد حيرنا معه كثيرا حتى بدأ المخرج ببراعة توضيح الأمور لنا، ولعل مثل هذا الأسلوب السينمائي في التشويق وجعل المشاهد في حالة دائمة من الانتظار والتساؤل من الأساليب الناجحة كثيرا والتي تجعل للفيلم إيقاعه الخاص الذي يمتلك على المشاهد أمره فلا يستطيع الإفلات منه بسهولة ومن ثم لا تصيبه حالة من حالات الملل؛ لأن الأمور بالنسبة له مازالت غامضة وغير منكشفة.

    ولذلك أيضا تساءلنا من هي "مدام نادية" التي علمت "حنان"(ليلى علوي) من صديقتها "سوزي" بموتها، وما علاقة "حنان" بها خاصة أن مشاهد "الفلاش باك" flash back الغامضة التي حرص "سعد هنداوي" على سوقها اثر هذا الخبر زادت من حيرتنا، يتضافر مع ذلك أننا رأينا "حنان"(ليلى علوي) تحيا حياتين منفصلتين، تارة مع والدتها في شقة بسيطة، وتارة ثانية في شقة أخرى فخمة وخاصة بها وحدها، كما أن عزاء "مدام نادية" لم يكن به رجل واحد، بل هو مجموعة كبيرة جدا من النسوة المدخنات الذي أثار ضحك الكثير من الجمهور، كما أن الأمر زاد التباسا حينما عرفنا أن هناك شخص ما اسمه "سامح"(معتز بلبع) قد عاد من سفر طويل إلى لندن ويلحّ في الاتصال "بحنان"(ليلى علوي) التي تتذكر اثر الاتصال بها مجموعة كبيرة من مشاهد "الفلاش باك" flash back غير المترابطة التي توحي لنا بأنها كانت على علاقة حب سابق، أو علاقة جنسية ما، أو زواج سابق بهذا الشخص، إلا أن هذه الأمور تنكشف لنا دفعة واحدة في طقس اعترافي تطهري بين "بكر"(فاروق الفيشاوي)، و"حنان"(ليلى علوي) التي نعرف أنها كانت تسكن في شقة فقيرة ومن أسرة متواضعة ماديا بينما تدّعي دائما أنها تسكن في حي الهرم، حتى تعرفت على "مدام نادية" التي جرتها إلى عالم الدعارة وأطلقت عليها اسم "حنان" بدلا من اسمها الحقيقي "صباح" بينما أخبرت أهلها أنها تعمل تاجرة شنطة ولكنها تقول في طقس اعترافي "لبكر"( بقيت حنان، بس أنا في الحقيقة صباح) في تدليل هام على أنها لم تكن راضية بما تفعله وأنه أمر يثقل روحها ولكن ظروفها المادية القاسية التي تعيش فيها هي التي دفعتها للسقوط في مثل هذا المستنقع بينما هي راغبة دائما في التطهر والابتعاد عن مثل هذا الطريق.

   ولذلك نراها حينما تقابل "سامح"(معتز بلبع)- أحد زبائنها السابقين- تقول له (تتجوزني يا سامح؟) نراه ينظر إليها بدهشة ساخرة لينطلق ضاحكا وكأنها قالت نكتة مما جعلها تتظاهر بأنها كانت بالفعل تمزح لتشاركه الضحك بينما تقاسيم وجهها توحي بالألم الشديد والهوان الذي تستشعره داخلها.

   ولعل تلك الرغبة الدائمة في التطهر لدى "حنان"(ليلى علوي) نراها في تعلقها الدائم "ببكر"(فاروق الفيشاوي) أثناء رقصه؛ لأنه ينقلها إلى عالم آخر روحاني بعيدا تماما عن عالمها المثقل بأعباء المادة والجسد، كذلك نراها في المشهد البديع فنيا التالي لاعترافها "لبكر" والذي نجح فيه المخرج "سعد هنداوي" كثيرا، حتى أننا قد نستطيع اعتباره من أهم المشاهد الموحية في السينما المصرية حينما نراها تحاول غسيل أرضية المطبخ بالصابون الكثير الرغوة وكأنها ترغب في غسيل نفسها من حياتها ودنسها لاسيما أنها كلما انتهت من غسيل الأرضية يعود بنا المشهد من بدايته مرة أخرى، كذلك المشهد التالي له مباشرة الذي تحاول فيه الاغتسال في البحر لتعود مرة أخرى له كلما خرجت منه والإصرار على إعادته أكثر من مرة، فبدا لنا الأمر وكأنها تطهرت من حياتها السابقة بعدما اعترفت "لبكر" بكل شيء، ولعل "سعد هنداوي" أثبت من خلال فيلمه وهذين المشهدين البديعين قدرته وخبرته الهامة كمخرج قادر على تقديم ما يراه فنيا من خلال الصورة المرئية بفنية عالية.

   كذلك نعرف أن "بكر"(فاروق الفيشاوي) في طقس اعترافي تطهري مماثل حينما يذهب إليها ليعترف لها- وكأنه يتطهر- بأنه كان يرى والده بمدينة دسوق يذهب دائما إلى الحضرة ليغيب في حلقات الذكر عن الدنيا، إلا أنه حينما رأى "امبابي"(حسن مصطفى) ذات مرة يرقص التنورة في مولد سيدي إبراهيم الدسوقي انبهر به وأراد أن يتعلمها ومن ثم تبناه "امبابي"(حسن مصطفى) ليصبح من أهم راقصي التنورة فيما بعد، كما أنه يشعر بالهوان والخزي لأن هذه الرقصة قد جلبت عليه الكثيرات من النساء الشبقات من كل الطبقات اللاتي كن يرغبن في التغيير ومن ثم تجربته جنسيا أو تأجيره لمرة أو مرتين ثم يذهبن إلى حال سبيلهن بعد أن يغدقن عليه بالمال والهدايا، كذلك شعوره أثناء الرقص بأنه كالمرأة العارية تماما المصوبة تجاهها الكثير من العيون الجائعة؛ ولذلك رأيناه يعيد لإحدى النساء المتصابيات والراغبة فيه جنسيا جميع هداياها كي يعترف/يتطهر على يد "حنان"(ليلى علوي) ومن ثم يتخلص من رغبات الجسد التي تثقل روحه دائما وتشده نحو الأرض.

   ولعل المخرج "سعد هنداوي" كان حريصا تمام الحرص على تقديم ثنائية الروح والجسد على طول فيلمه فرأينا "توحيدة"(سوسن بدر) طليقة "بكر"(فاروق الفيشاوي) التي قدمها الفيلم في صورة امرأة باذخة الأنوثة، ملتهبة الرغبة، ولذلك يقول عنها "بكر" أنها كانت امرأة بحق، فيها من الأنوثة الطاغية ما يجعلها دائما إذا ما نظرت أو تحدثت إلى أحد توحي له وللآخرين أنها راغبة فيه أو على علاقة به؛ ومن ثم فلقد راقبها كثيرا وحينما لم يصل لشيء يسوء سلوكها قرر طلاقها حتى لا يعيش في جحيم الشك الدائم أو يجن بسبب شكه فيها، ونظرا لأنها ترغب في الحياة من أجل ولدها- الرغبة في التسامي والخفة الروحية- تمتنع عن الزواج بالرغم من رغبات جسدها اللاهبة، إلى أن يصرّ ولدها "سعد"(شريف رمزي) على تزويجها من "عناني"(أحمد راتب) المتيم بها والتابع لها دائما حينما يراهما معا ذات مرة يتحادثان في الفرن ويظن بهما الظنون، ولعل شك "سعد"(شريف رمزي) في أمه- الذي ورثه عن أبيه نتيجة أنوثتها الطاغية- يتضح في قوله لها حينما تقول له أنها لم ترغب في الزواج بعد طلاقها من أبيه حتى لا تجيء له بزوج أم فيقول (يا ريت كان ليا جوز أم واحد).

   إلا أن تلك الثنائية الروحية الجسدية يقع فيها "سعد"(شريف رمزي) نفسه مع حبيبته (منى هلا) تلك الفتاة المتعلق بها عاطفيا والتي يعرف على يديها الحب الجسدي ذات مرة ليقع أسيرا لها وله ولكنه في اللحظة التي تتزوج فيها أمه "توحيدة"(سوسن بدر) يشعر فيها بأن أمه قد خانته ومن ثم نزلت من المكانة الروحية العميقة التي يكنها لها إلى مكانة أخرى أكثر دنوا وكأنها قد خانته أو أن العالم كله قد تنكر له؛ فيسرع بالذهاب إلى بيته لينفرد بنفسه، إلا أنه يفاجأ بحبيبته (منى هلا) تخونه في بير السلم مع شخص آخر ليكتمل لديه الانهيار والشعور بالهوان.

   إنها الثنائية الروحانية الجسدية التي يحرص عليها "سعد هنداوي"، والممثلة لدى "سعد"(شريف رمزي) في متطلبات جسده الجائع دوما نحو حبيبته (منى هلا)، وشعوره الجارف تجاهها بالحب المتسامي عن رغبات الجسد، كذلك نرى تلك الثنائية لدى حبيبته (منى هلا) الشاعرة تجاهه بالحب، إلا أن رغبات جسدها المشتعلة دوما تجرها نحو إرضاء هذا الجسد المسيطر عليها؛ ولذلك لا نستطيع تكذيبها حينما تقول "لسعد"(شريف رمزي) حينما يفاجئها مع الشخص الآخر تحت بير السلم (والله ما كان قصدي)؛ فهي بالفعل لم تكن تقصد خيانته بقدر ما كانت تحاول إرضاء جسدها الجائع دوما.

   كذلك "امبابي"(حسن مصطفى) الذي بلغ من العمر مرحلة متأخرة تكاد تجعله راغبا في الانفراد بنفسه واعتزال الآخرين للتعبد وانتظار نهايته، نراه يرغب في ذات الوقت بالتمسك بأهداب الحياة المنفلتة منه، بل والحياة على الخيال مع الأخريات، والرغبة الدائمة في أن يبدو مازال بصحته وشبابه.

   إنها الحياة بكل ما فيها من تناقضات وشد وجذب، يحاول "سعد هنداوي" تقديمها لنا بشكل فيه الكثير من الحيادية والموضوعية بلا أي تدخل منه أو أية أحكام مسبقة سواء كانت أخلاقية أو غير أخلاقية، ولذلك رأيناه يقف معنا متفرجا حياديا، فلا هو يدين السقوط في رغبات الجسد لدى جميع شخصياته والانسياق خلف تلك الرغبات، ولا هو يحاول التنظير ومن ثم العلو والترحيب بلحظات الوجد والخفة الروحية والتسامي التي تنتابهم أحيانا، راغبين في التطهر مما يفعلونه.

   ولذلك رأينا أن "سعد هنداوي" قد برع كثيرا في اختيار شهر رمضان- عن عمدية وقصد- كخلفية لأحداث الفيلم ليدور فيه كل ما رأيناه؛ لأن هذا الشهر الكريم هو شهر التطهر والسمو الروحاني لدى جميع المسلمين ومن ثم يخفون بأرواحهم إلى آفاق رحبة لا ندري لها مددا- وكأنهم يرون ألوان السما السبعة بالفعل- نقول أن اختيار "سعد هنداوي" لهذا الشهر كخلفية لأحداث فيلمه فيه الكثير من الانتصار لهذه الرسالة الهامة التي يريد إيصالها من خلال فيلمه والتي تفيد بأن الإنسان بالرغم من رغبات جسده الدنيوية الدائمة إلا أنه في ذات الوقت راغب رغبة دائمة في التطهر والتسامي يستطيع الوصول إليها لاسيما في مثل هذا الشهر من خلال هذه التنويعات الإنسانية المختلفة التي تنحو دائما نحو التطهر.

   وربما لهذا نرى "بكر"(فاروق الفيشاوي) حينما يعترف بدوره "لحنان/صباح"(ليلى علوي) متطهرا من حياته السابقة يتواصل معها في مشهد بديع- من المشاهد الكثيرة التي ذخر بها الفيلم والتي برع فيها "سعد هنداوي"- تواصلا جنسيا في حالة امتزاج جسدي وروحي وكأنه التقاء لتلك الثنائية- الروح والجسد- كي تصبح معنى واحدا يستطيع ايصالهما معا إلى ألوان السما السبعة التي رأيناها كثيرا في هذا الفيلم حينما حرص المخرج "سعد هنداوي" عدة مرات على التركيز على مشهد السماء وحركة السحب السريعة فيها، سواء في لحظات رقص "بكر"(فاروق الفيشاوي) بالتنورة، أو في لحظات توحد "حنان"(ليلى علوي) معه أثناء الرقص، أو في هذا المشهد العشقي البديع الذي رأينا فيه قوس قزح يمر عبر السماء الصافية وكأنهما بالفعل استطاعا الوصول إلى حالة من حالات الخفة الروحية العميقة.

   إلا أنه بالرغم من تكرار هذا المشهد كثيرا على طول الفيلم لم نشعر على الإطلاق بكونه عائقا، بل كان من أهم المشاهد والرسائل البصرية التي قدمها "سعد هنداوي" كي يستطيع أن يخدم بها فيلمه وإيصال معناه، ساعده في ذلك الموسيقى الصوفية الطقوسية البديعة التي قدمها لنا الموسيقي (تامر كروان) والتي كانت من أهم مميزات الفيلم، والتي لولاها لما استطاع المخرج وحده إيصال رسالته الفيلمية؛ حيث كانت الموسيقى موحية دوما بحالات الوجد التي وصلنا نحن أيضا لها، كما لعبت كاميرا "رمسيس مرزوق" دورا عميقا في إيصال الصورة البصرية المدهشة التي أفادت كثيرا في مساعدة "سعد هنداوي" على إتمام فيلمه، كما لا ننسى المونتاج الهادئ الذي شعرنا به عذب الإيقاع للمونتير "رباب عبد اللطيف" والذي قد يبدو للوهلة الأولى- للمتفرج غير المدرب وغير العليم بفن الفرجة على الفيلم- بطئ الإيقاع أو داعيا للملل، إلا أنه بتأمل الفيلم جيدا سنجد أنه لم يكن مناسبا له على الإطلاق مونتاجا سريعا متلاحقا أو لاهثا لأنه سيؤدي إلى ضياع الحالة الفيلمية الصوفية التي يرغبها المخرج؛ فهذا البطء في الإيقاع كان لابد منه من أجل إعطاء فرصة للمشاهد كي يتأمل حالات الخفة الوجدية.

   ربما أفادنا "سعد هنداوي" كثيرا في فيلمه "ألوان السما السبعة" بتقديمه "منى هلا" التي أثبتت تواجدا حقيقيا وبديعا أمام الكاميرا، كما أنه قدم لنا "ليلى علوي" أكثر توهجا بعد غيابها فترة طويلة عن شاشة السينما، إلا أن الإفادة العظمى كانت في "سوسن بدر" التي توهجت تماما أمام الكاميرا لتقدم لنا خبرة تمثيلية ليست هينة، كذلك "فاروق الفيشاوي" في دور جديد عليه تماما استطاع تقديمه بمهارة واقتدار حتى أننا لا يمكن تخيل فنان آخر يستطيع أداء مثل هذا الدور.

   ولكن يبقى التساؤل الرئيس والهام الذي بدأ به الفيلم كي يظل معلقا وفي حاجة ماسة للإجابة عليه وهو، هل استطاع المخرج "سعد هنداوي" التأكيد على أن الإنسان قد يصل إلى حالة من حالات الخفة والسمو الروحي بعيدا عن أعباء المادة والجسد المثقل بالعديد من الأعباء؟

   أعتقد أنه بالفعل قد نجح أيما نجاح في الوصول بنا نحن كمشاهدين إلى تلك الحالة؛ فشعرنا جميعا مع أبطال الفيلم أننا نتسامى ونرتفع ونتحد ونخف كثيرا حتى أننا نسينا وجودنا في دار عرض سينمائي ومن ثم رأينا بالفعل السماء وألوانها الزاهية الجميلة لنصل إلى حالة من التطهر الروحي العميق الذي سرعان مازال لنجد أنفسنا نهوى بقوة ونستمع إلى صوت ارتطامنا بأرض الواقع القاسي حينما أظلمت الشاشة بعد مشهد الفينالة.

 

 

 

 

 

محمود الغيطاني

نشرت بمجلة أدب ونقد العدد 270 فبراير2008

التداولية بين المنهج والطريقة

التفاصيل
كتب بواسطة: رخرور أمحمد
نشر بتاريخ: 05 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 05 سبتمبر 2007
الزيارات: 12

التداولية بين المنهج والطريقة

بقلم:الأستاذ رخرور أمحمد

باحث من الجزائر

 

  ما يجب أن نقر به ابتداء ، هو أن ما تشهده الساحة النقدية اليوم من تطورات ، والمتجلية في الكم الهائل من المفاهيم والنظريات والمصطلحات والطرق الإجرائية في تحليل النصوص الأدبية بأنواعها ؛ مرده بالأساس إلى ما جادت به الدراسات اللسانية من قبل ، ومن مكتشفات نظرياتها ، التي لا يخفى دورها الهام في تطوير النقد الغربي ثم النقد العربي على حد سواء .

  وعلى العموم فإن مجيء التداولية أحدث تغييرًا كبيرًا في ميدان النقد الأدبي . ذلك أن التداولية تدعو إلى تغيير النظرة إلى النصوص . أي تحويل نظرة البنيوية التي ترى النص بنية مبتورة عن الفعل الملفوظي ، إلى نظرتها التي تدعو إلى دراسة النص في علاقته مع النشاط الملفوظي(الكلام).الأمر الذي يفرض ـ في مذهب التداولية ـ أن نجدّد نحن أيضا نظرتنا إلى النصوص الأدبية . فما هي هذه التداولية إذن ؟.

  تسعى التداولية إلى أن تتجاوز حدود الخطاب ، لتصير نظرية عامة للفعل والنشاط الإنساني ، شغلها الشاغل هو دراسة اللغة في المقام (الاستعمال) ، الذي يهتم بما يفعله المستعملون بالألفاظ  .

  وتشير الدراسات إلى أن أول من ابتكر كلمة  "البراجماتية"  هو  "شارل سندرس بورس 1914 / 1839"· في مقالته الشهيرة  "كيف نجعل أفكارنا واضحة ؟ ." فقد جاء فيها أنه » :  لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما ، فإننا لا نحتاج إلاّ إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي ، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع ... وكلمة البراجماتية مشتقة من اللغة اليونانية والتي تعني "العمل النافع" أو"المزاولة المجدية" ، ويصبح المقصود منها هو "المذهب العملي"  أو "المذهب النفعي

التداولية بين المنهج والطريقة

التفاصيل
كتب بواسطة: رخرور أمحمد
نشر بتاريخ: 05 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 05 سبتمبر 2007
الزيارات: 11

التداولية بين المنهج والطريقة

بقلم:الأستاذ رخرور أمحمد

باحث من الجزائر

 

  ما يجب أن نقر به ابتداء ، هو أن ما تشهده الساحة النقدية اليوم من تطورات ، والمتجلية في الكم الهائل من المفاهيم والنظريات والمصطلحات والطرق الإجرائية في تحليل النصوص الأدبية بأنواعها ؛ مرده بالأساس إلى ما جادت به الدراسات اللسانية من قبل ، ومن مكتشفات نظرياتها ، التي لا يخفى دورها الهام في تطوير النقد الغربي ثم النقد العربي على حد سواء .

  وعلى العموم فإن مجيء التداولية أحدث تغييرًا كبيرًا في ميدان النقد الأدبي . ذلك أن التداولية تدعو إلى تغيير النظرة إلى النصوص . أي تحويل نظرة البنيوية التي ترى النص بنية مبتورة عن الفعل الملفوظي ، إلى نظرتها التي تدعو إلى دراسة النص في علاقته مع النشاط الملفوظي(الكلام).الأمر الذي يفرض ـ في مذهب التداولية ـ أن نجدّد نحن أيضا نظرتنا إلى النصوص الأدبية . فما هي هذه التداولية إذن ؟.

  تسعى التداولية إلى أن تتجاوز حدود الخطاب ، لتصير نظرية عامة للفعل والنشاط الإنساني ، شغلها الشاغل هو دراسة اللغة في المقام (الاستعمال) ، الذي يهتم بما يفعله المستعملون بالألفاظ  .

  وتشير الدراسات إلى أن أول من ابتكر كلمة  "البراجماتية"  هو  "شارل سندرس بورس 1914 / 1839"· في مقالته الشهيرة  "كيف نجعل أفكارنا واضحة ؟ ." فقد جاء فيها أنه » :  لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما ، فإننا لا نحتاج إلاّ إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي ، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع ... وكلمة البراجماتية مشتقة من اللغة اليونانية والتي تعني "العمل النافع" أو"المزاولة المجدية" ، ويصبح المقصود منها هو "المذهب العملي"  أو "المذهب النفعي

المناهج النقدية المعاصرة ومشكلاتها/ المنهج السيميائي نموذجا

التفاصيل
كتب بواسطة: رضا عامر
نشر بتاريخ: 03 سبتمبر 2007
انشأ بتاريخ: 03 سبتمبر 2007
الزيارات: 12

الأستاذ: رضا عامر

أستاذ الأدب العربي الحديث والمعاصر

جامعة محمد خيضر -بسكرة/الجزائر

عنوان المقال: المناهج النقدية المعاصرة ومشكلاتها/المنهج السيميائي نموذجا

 

*  مقدمــة: 

     تعدّ المناهج النقديّة المعاصرة وسائل وأدوات مساعدة على سبر أغوار الظاهرة الأدبيّة وليس غاية في حدِّ ذاتها، ففي البدء كان الخطاب الأدبي ثمّ كانت الممارسة النقدية،التى لازمته وتطورت إلى مناهج النقد المتنوعة سياقية كانت أو نصانية من خلال البحث عن مقصدية الكاتب، واستقصاء تجليات الخطاب الأدبي، واستقراء الظواهر الفنية، والفضاءات النصيّة داخل العمل الأدبي ، لهذا كان فرض أي منهج على خطاب، أو عمل أدبي ما كفيل بتكريس عملية نقدية منحرفة، ولغة واصفة عقيمة ، ومن هنا كان عمل الناقد تحرِّي الموضوعية والروح العلمية في التعامل مع الظاهرة الأدبية لأنّه تعامل مع الذات المنتجة وسط بيئة سياسية ،واجتماعية ،وتاريخية.

     وعليه نجد الناقد المعاصر يتحرى ويبحث وسط المناهج النقدية المعاصرة خاصة "الأسلوبـية أو البنيوية، أو التفكيكية ، أو السيميائية، أو التداولية" وغيرها من المناهج التي تولي اهتماما بالنص على حساب الناص "الكاتب"وذلك وفق آليات وأدوات إجرائية تتحقق مع النص الأدبي المراد استنطاقه و تحديد القراءة النقدية المناسبة له، وهذا لن يتحقق إلاّ من خلال الممارسات والتجارب النقدية المتواصلة التى يكتسبها الناقد من خلال تمرّسه على مختلف النصوص الأدبية الشعرية أو السردية، ومن هنا كان "المنهج السيميائي" من بين مجموع المناهج النقدية المعاصرة التي تعرضت للنقد الشديد رغم تخصص الكثير من الباحثين وتمرسهم في تحديد آلياته الإجرائية للممارسة النقدية الجادة.

1- المحور الأول:الظروف التاريخية لنشأة المناهج النقدية المعاصرة

         عرفت النظريات اللسانية الغربية في القرن العشرين» ردات  فعل على المناهج السابقة تجلت في التحريض على دراسة الأدب من الداخل والتركيز أولاً وقبل كل شيء على الآثار الأدبية ذاتها.. وهكذا بدأ الاتجاه (الألسني) في تحليل النصوص الأدبية « (1) حيث حدثت تطورات ايجابية خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين إذ انحسرت المناهج السـياقية (كالمنــهج التاريخي،والنفسي،والاجتماعي) لتأخذ مكانها المناهج النصانية التي تنبني على رؤية فكرية للوجود والكون والتاريخ والإنسان فتنطلق من النص وتعود إليه، وإنّ أصحاب الاتجاهات النقدية الجديدة يرفضون اليوم نسبة النص إلى مبدعه. فلا ينسبونه إلا إلى نفسه، لأن تحليل النص الأدبي يقتصر على تحليل (النّص) وحده، دون التعرض لعلاقته بمبدعه، أو للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت بمولده، ويحصر همّه في تحليل (وحدات) النّص، و(بنياته) الدّالة، وعلاقاتها بعضها ببعض، فكان المنهج السيميائي واحدا من أهم المناهج النصانية التي لقيت اهتماما بالغا من الأدباء والنقاد ،إذ ينطلق من»  محاولة تجاوز المآخذ والنقائص المسجلة على النقد البنيوي ، والمتمثلة في الرؤية المغلقة للبنية الأدبية. « (2 )

     وعليه أصبحت القراءة بديلاً عن النقد، فلكي تتمّ القراءة لابدّ من حضور طرفيها (النص- القارئ) حضوراً حواريّاً تفاعليّاً، ولايتمّ هذا الحضور إلاّ إذا كان الطرف الأول (النّص) ثريّاً، وكان الطرف الثاني(القارئ) متمكنا متمرسا من طراز رفيع مبرأ من السادية والمازوخية، يحترم في المبدع قدرته على الحوار والتواصل والتمتّع، كما يحترم في الوقت ذاته استقلاله الشخصي عن بقيّة النقاد، فهو ليس صورة عن أيّ ناقد آخر، ولذلك فإن ثمة وجوه اختلاف، وثمة وجوه اتفاق بين النقد والقراءة.‏

      وتعدّ المناهج النصانية التي أصبح النقاد يستخدمونها أقلّ سلطة وأخفّ وقعاً على النص الأدبي، وهي تسهم إلى حدّ بعيد في تعميق فهم القارئ للنص من خلال فتح حوار تفاعلي بين النص والقارئ، فيستطيع هذا الأخير أن يتعرّف على النص، ويكتشف كنوزه وخباياه وأسراره وطبيعة علاقاته، ولعلّ أهمّ  شيء ينبغي أن يكون عليه الباحث هو التسلح بمصطلحات ومنهج قبل مقاربة النص الأدبي، إذ تقدّم المقروئية اليوم للقارئ مناهج مختلفة عن السيميولوجية والتفكيكية ونظرية التلقي، وعليه » تحاول الاتجاهات النقدية الجديدة النظر في المؤثرات النصّية السابقة على النص« (3).

    وإذا كانت اتجاهات النقد العربي تتفاوت في محاكاة نموذج النقد الغربي بكل صورها النظرية والتطبيقية » اقترابا وابتعادا انقيادا استيحاء، متابعة ولهاثا، فإنّ هذه الاتجاهات تظل متأثرة تأثرا يأخذ شكل الإنصات السلبي والتبني الجاهز« (4) ومن هنا تبقى آراء نقادنا مجرد صدى وترداد لتلك النغمات النقدية التي يقوم الأخر بعزفها على سيمفونية الآلة النقدية ،في حين يرددها الناقد العربي ، ويحاول أن يؤسس لها مناخا ترتكز عليه ، وأنصارا ينتصرون لفكرة الغير على حساب النقد والنص العربي الأصيل» على أنّ الأصل الأصيل لمناهج البحث الأدبي هو وحدة الحضارة الإنسانية فكل عناصرها الطبيعية والاجتماعية والسياسية متشابكة متافعلة لا يستقل أحدهما بالحياة منفردا ، وإنما يتصل بسائرها مؤثرا ومتأثرا فإذا أردنا دراسة الادب كان علينا – منهجيا- أن نلاحظ آثار تلك العناصر في صياغته وتطوره« (5).

 

1-1.ظاهرة صراع المناهج النقدية:                                                                                                       في ضوء الواقع النقدي، وصراع المناهج النقدية نرى أن هناك مشكلة كبرى  تتمثل في عدم تحديد المنهاج النقدي، و المصطلح ومن ثم في بناء نظرية نقدية عربية أصيلة يتفق عليها جميع النقاد المغاربة والمشارقة، فحالة الضعف التي نعيشها على عدد من الصُّعُد تؤكد تبعية التجدد والابتكار في الثقافة عامة والأدب والنقد خاصة. والمثقف الناقد القارئ المدقق المتوازن الموهوب في حساسيته وفطرته وعلمه هو من يصنع الفكر؛ أمّا ما نراه على ساحة الأدب والنقد فهناك أشكال غير قليلة انتهت إلى الاستلاب الإرادي والثقافي؛ وإلى بلبلة فكرية وسياسية وشللية ودينية وقومية، فكلما اخترع الغرب مصطلحاً ما؛ أو منهجاً طفقنا ننتصر لـه ونحن نمارس تبعيتنا بلذة مغرية، وشرعنا نعيب على نقادنا القدامى تقصيرهم عما وصلت إليه حركة النقد الحديثة بل كلما ظهرت في الغرب مفاهيم جديدة أقلع نقادنا المحدثون عن السابقة وألغوا ما قاموا به، صحيح » إن المقاييس الغربية ـ حتى إن فُهمت أحسن فهم وأصحه ـ لن ينتج تطبيقها على الأدب العربي خيراً. ذلك لأنَّ هذه المقاييس قد استخلصت من دراسة أدب تختلف طبيعته عن طبيعة الأدب العربي اختلافاً عظيماً«(6) وهكذا شرع هؤلاء النقاد الباحثون خاصة المشتغلون في الحقل الأكاديمي (وحدات البحث المختلفة) استخدام كل حقول المدارس النقدية الغربية والتغني بمصلحاتها ،وحتى بأصحابها وكأن نقادنا العرب غابوا عن ساحة النقد تماما » الأمر الذي يظهر "الحداثية" و" التقدمية " ويخفي حقيقته التي هي "التبعية"، وتحقير الذات «(7).

      لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل هناك العديد من المصطلحات النقدية التى أساسها النقد العربي القديم ،ومن ثمة نسبت إلى النقد الغربي،وهذا ما تجاهله النقاد المحدثون الذين اشتغلوا في حقل الشعرية والبنيوية والتفكيكية ونظرية التلقي والتداولية،وهذا كلّه كون لديهم مجموعة من التراكمات والتشوهات النقدية على المستوى النظري والإجرائي في المنهج والمصطلح وحتى في أساليب معالجتهم للنصوص الأدبية وخلق ألوان من الصراع اللامتناهي بينهم في قراءة النصوص حيث » لحق بالنص الأدبي ضرر محقق من جرّاء المغالاة في إخضاعه لمناهج "العلوم الإنسانية" وذلك حين قيدت النظرة إليه بحدود المناهج التي يفسر بها« (8) تلك النصوص على اختلاف أجناسها ،وأشكالها تبقى مفتوحة القراءة على أن يختار لها الناقد الحاذق المنهج النقدي الملائم لها،و أن يحسن الاختيار من بين الكم الهائل من الإبداع الأدبي وهذا الاختيار ضرورة وحتمية فرضتها طبيعة النص الأدبي.

   

1-2. ظاهرة التكامل بين المناهج النقدية:

وتظل القراءة النقدية الواعية مفتاحا إجرائيا للولوج إلى المناهج النقدية والأدبية مجتمعة أو منفردة، وعلى تقنياتها؛ فتبيح الشمولية والموازنة والمقارنة، وبهذا آثرناها ليس باعتبارها محطة نقدية  وإنما باعتبارها طريقة فنية تؤدي إلى تأسيس منهج نقدي عربي تكاملي أصيل غير معزول عن المناهج النقدية والأدبية؛ وعن العلوم المساعدة الأخرى ، إذ تعمل على» افتتاح فضاء للخطاب النقديّ يتسع للحوار، وبالحوار، بين تيارات الخطاب العربيّ واتجاهاته وميوله«(9)، وهذا يتضح في انفتاح المناهج النقدية التي يكمل بعضها الآخر خاصة في الفكر المنطقي والرؤية التحليلية.

      وهكذا تحمل جيل الستينيات الممتد إلى حاضرنا الراهن مع شباب نقاد تأكدت لديهم رغبة الدرس النقدي أكاديمياً في الحقول المعرفية جامعياً، وذلك وفق المناهج الحديثة، ليتواصلوا مع المعطى النقدي الجديد درساً وبحثاً وتطبيقاً،حيث استطاع المثابرون منهم التوفر على (أسلوبية) معاصرة تجلت فيها (النقدية) في محاولة للارتقاء بالأثر النقدي إلى مرتبة (نص إبداعي) دون مصادرة جهود الرواد، أو الاستخفاف بها، وإن تشابكت أحياناً المناهج، أو احتدم النقاش تحيزاً لها ودفاعاً عنها، حتى تتأكد "المنهجيات" وتتأصل في التطبيق وفق آلية واضحة وإجرائيات ملموسة، في هذا الصدد يرى "إحسان عباس" أنّ » النقد لا يقاس دائماً بمقياس الصحة أو الملاءمة للتطبيق، وإنما يقاس بمدى التكامل في منهج صاحبه«(10).

    تتأتى أهمية  التكامل بين المناهج النقدية من كونها الوسيلة القادرة على تنظيم البحث النقدي من خلال إجراءات محددة ،ووفق طرائق خاصة، ولا يسع الناقد الاستغناء عن هذه المناهج،حاضرة أو غائبة فهي بحاجة ماسة إلى » منهج أو أكثر ليستهدي به، إذا ما أراد أن يكون عمله جاداً تؤطره نظرية واضحة المعالم لتحدد له المسالك التي ينبغي له أن يسلكها وتجنبّه المزالق والعثرات«(11)  النقدية خاصة إذا كان العمل المقدم أكاديميا فإنّه يستدعي أكثر من منهج نقدي ليؤسس ظاهرة التكامل المنهجي،والمعرفي بين آلية التنظير والتطبيق على النص الأدبي،ومن هنا نجد أنّ النقاد حين يخوضون غمار النقد يجمعون بطريقة أو بأخرى بين النقد المعياري والسياقي والنصاني بدقة متناهية بشكل غريب ،وبهذا تتم معهم عملية الازدواجية المعرفية للباحث والمبدع على حد سواء لتنبني أسس التكامل بين حلقات النقد القديم والحديث والمعاصر.

 

2- المحور الثاني: المنهج السيميائي وإشكاليات تطبيقه على الظاهرة الأدبية

        من المعلوم أن اللِّسانيات الحديثة كانت منطلق المناهج النقدية النصانية وخاصة "السيمياء" التي تعددت اتجاهاتها وفروعها وأنصارها ومصطلحاتها الغريبة عن أدبنا، ونقادنا على وجه الخصوص، ممّا أفرز الكثير من الإشكاليات النقدية التطبيقية منها على وجه الخصوص أزمة "توحيد المصطلح" بين النقاد في عملية التحليل النقدي، و"صعوبة تحيد الأدوات الإجرائية المطبقة" على النصوص النقديـة  ومن ثم عدم الوقوف على اتجاه نقدي معين يقف عليه النقاد لتوحيد فعل النقد المؤسس وفق تقنيات متفقة بين الناقد والناص، وفي أغلب الأحيان تتعدد القراءات النقدية السيميائية إلاّ أنها في نهاية الأمر تبقى مختلفة الأطر والأدوات المستعملة في عملية النقد الأدبي، والأكثر من ذلك لو تسأل صاحب الإبداع عينه حول النقد المسلط على منتجه لأجابك بأنّه لم يقصد كذا ، ولم يقل كذا ومن ثم تبقى مسألة "قتل المؤلف / والإبقاء على النص" مسألة تبقى بحاجة إلى إعادة نظر،وطرح نقدي عربي جديد ينظر للنص والناص عل حد السواء. 

  لا يختلف اثنان على أن المناهج النقدية الحديثة ومن بينها المنهج السيميائي هي ثمرة ثقافة غربية (أوربية وأمريكية ) وحصيلة حضارتها المادية ،وأنها انتقلت إلى العالم العربي مثلها مثل باقي معالم الحضارة عن طريق موجة التأثير الغربية التي هزت العالم العربي ،فلم يعد بوسعه إلا التبني أو التقليد أو إعادة التصنيع – إن صح القول – بحسب ما يناسب الحضارة العربية ،وهذا ما حدث عند ظهور علم السيمياء الذي عرفه الوطن العربي » منذ منتصف السبعينيات« (12) .

 

 2-1.الإرهاصات التاريخية لعلم العلامات" السيمياء"

تعدّ بداية الستينات من القرن العشرين البداية الفعلية لعلم العلامات في كل أنحاء العالم، من خلال مصطلحين متداولين في الثقافة الغربية الفرنسية والأمريكية، وهما مصطلحا: (سيميولوجيا / سيميوطيقا) إلى أن اتحدا باسم السيميوطيقا بقرار اتخذته الجمعية العالمية للسيميوطيقا التي انعقدت في باريس سنة 1969م، ومن الأعضاء النشطين في هذه الجمعية " يوري لوتمان  ،  أمبرتو إيكو"  ، وأخيرا نجـد الناقدة البلغارية " جوليا كريستيفا ".

كما» انعقد بميلانو في إيطاليا سنة 1973م ، أول مؤتمر عالمي للسيميوطيقا، وأثار هذا المؤتمر أهم مفاهيم السيميولوجيا النظرية، والإجرائية« (13)، حتى أن الجمعية الدولية التي تأسست في فرنسا سنة 1974م ، اختارت لها اسم سيميوطيقا، ولم تختر اسم سيميولوجيا، وإن كان المصطلحان متشابهين جدا سواء في سيميولوجيا دي سوسير ،أو سيميوطيقا  بيرس ، فإنه لابد من الإشارة إلى ذلك الدور الذي لعبته في حقل تطور هذا العلم.

 ومن ثم فقد عرف علماء الغرب (السيميولوجيا) تعريفات متنوعة، لكنها تصب في منبع واحد فهي "العلم الذي يدرس العلامات" ، وهذا ما أشار إليه كل من " تزفيتان تودوروف"  ، و    " جوليان قريماس"  و ، " كريستيان ميتز" ،  وآخرون.

حيث إن السيميولوجيا تتكون » من الأصل اليوناني:"Sémeîon" الذي يعني علامة، و " Logos  "  الذي يعني خطاب« (14) كما تعني أيضا ذلك  » العلم الذي يبحث في أنظمة العلامات  لغوية كانت ، أو أيقونية ، أو حركية« (15).

ويبدو أن تعريف " جورج مونان" ، أوفى هذه التعريفات وأجودها، إذ يحدد السيميولوجيا بأنها   »العلم العام الذي يدرس كل أنساق العلامات (أو الرموز) التي بفضلها يتحقق التواصل بين الناس« (16)، أما العلماء العرب ، ومن بينهم "صلاح فضل" فقد عرفها بأنها » العلم الذي يدرس الأنظمة الرمزية في كل الإشارات الدالة، وكيفية هذه الدلالة«(17) في حين ذهب " محمد السرغيني"  بقوله: » السيميولوجيا هي ذلك العلم الذي يبحث في أنظمة العلامات أيا كان مصدرها، لغويًا، أو سننيًا، أو مؤشريًا« (18) ، ويبدو من خلال ما ذكر من تعاريف سابقة، أن أصحابها يتفقون على أن السيميولوجيا أو السيميوطيقا علم يهتم بالعلامة والأنظمة اللغوية.

كما يشمل هذا العلم ميادين واسعة متباينة » كعلامات الحيوانات ، علامات الشم، الاتصال بواسطة اللمس ، الاتصال البصري ، أنماط الأصوات والتنغيم "intonation" ، والتشخيص الطبي ، حركات وأوضاع الجسد، الموسيقى، اللّغات الصورية ، اللغات المكتوبة ، الأبجديات المجهولة ، قواعد الأدب ، أنماط الأزياء...« (19).

وفي» نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين ارتبط ظهور علم العلامة بوجود عالمين يرجع الفضل إليهما في ظهوره ، بالرغم من عدم معرفة كل منهما بالآخر« (20) حيث ينتهيان إلى علم واحد بمصطلحين شائعين هما "Sémiologie" من "Sémion" اليونانية حسب اللغوي فرديناند دي سوسير، "F. De Saussure" (1856-ت1913م)، ولقد حصر سوسير هذا العلم في دراسة العلامات في دلالاتها الاجتماعية، أو"Sémiotics" حسب الفيلسوف "شارل ساندرس بيرس" "Ch. S. Pearce" (1838-ت 1919م) الذي جعل العلامة تدرس منطقيا.

 وفي نهاية الأمر حدد غريماس الفارق بين المصطلحين في اللغة الفرنسية، بأنْ جعل "السيميوطيقا" تحيل إلى الفروع؛ أي إلى الجانب العملي والأبحاث المنجَزة حول العلامات اللفظية وغير اللفظية في حين استعمل "السيميولوجيا" للدلالة على الأصول؛ أي على الإطار النظري العام لعلم العلامات، وفرق آخرون بين المصطلحين على أساس أن "السيميولوجيا" تدرس العلامات غير اللسانية كقانون السير، في حين تدرس "السيميوطيقا" الأنظمة اللسانية كالنص الأدبي.

المتلقي في الموروث النقدي القديم

التفاصيل
كتب بواسطة: حفصة زيان
نشر بتاريخ: 29 أغسطس 2007
انشأ بتاريخ: 29 أغسطس 2007
الزيارات: 12

المتلقي في الموروث النقدي القديم          زيان حفصة

4-النقد اليوناني والمتلقي  :

لاشك أن للتنظيرات النقدية لدى اليونان,  مكانة علمية بارزة في تاريخ النقد الأدبي.ولا شك أيضا  أن هذه التنظيرات_ -بالنظر إلى تميزها و أسبقيتها -لم تهمل متلقي العمل الأدبي .وقد أكد الكثيرون  أن جمالية التلقي نشأت في بيئة أرسطية و أن   أرسطو هو الأب الحقيقي لجمالية التلقي،بالنظر إلى آرائه وتنظيراته الفلسفية .لقد شكلت  آراء أرسطو النقدية الأرضية الأولى لشتى مدارس النقد و الأدب الغربية، إذ "ما زال رواد الفكر و الأدب الغربي حتى يومنا هذا ينزعون إلى أحكامه و آرائه في مذاهبهم ونظرياتهم".[1] سلط هذا الفيلسوف الناقد الأضواء على الأعمال الأدبية والفنية ،ولم يكتف بوصف أثر هذه الأعمال  على المتلقين أثناء تلقيهم للعمل ، بل حاول أن يصف أثرها علهم بعد عملية التلقي،خاصة حينما ركز على طبيعة العلاقة بين النص المسرحي والجمهور . يظهر ذلك جليا من خلال مفهوم "التطهير catharsis". هذا المفهوم الذي "يدفع المتلقين إلى إعمال الأذهان من خلال ممارستهم لمقاربة ضمنية تمنحهم نوعا من التوازن الأخلاقي"[2] .لقد "اهتم أرسطو  في عملية التلقي بعناصرها الثلاثة :النص،الأديب و المتلقي و أعطى كل عنصر من العناصر دوره الذي يتفاعل به في إطار هذه الثلاثية"[3]وبينما كان أفلاطون يرى أن تأثير التطهير تأثير سلبي لأنه يتأتى عن التمثل و المحاكاة التي يرفضها تماما كما أنه يؤدي إلى إضعاف المتلقي وليس العكس ،كان أرسطو يسعى من خلال الفن إلى تحقيق التطهير لدى المتلقي.  لقد قدم  نظرية في الأدب، أرادها أن تكون شمولية تتحدث عن الماهية و التغييرات التي ترافقها فهو  يرى "أن الماهية ليست فكرا منفصلا عن الأشياء و الحقيقة عنده كامنة في المدرك الحسي ومن ثم فإن جوهر الشيء عنده لا ينفصل عن تحققه المادي."[4]

 يجب أن يكون هدف العمل الأدبي الأول هو التطهير ،ولكي يتحقق هذا الهدف، يرى أرسطو أن العمل الفني يجب أن تكون أجزاؤه منتظمة،متناسقة وواضحة ،بالتالي يتحقق أهم معايير الجمال لديه و هي: الترتيب والتناسق والوضوح،وهذا النظام والتناسق والوضوح في العمل الفني يرتبط بعنصر الإدراك لدى المتلقي فقد أكد أرسطو من خلال آرائه أن المعنى موجود ومقرر بقوة تظهر عندما تكون المشاعر المستثارة  بفعل الشيء المصنوع أو المقلد هي نفسها لمشاعر المستثارة بفعل الأصل ،ومن ثم يتحقق المعنى لدى المتلقي ويتـأتى لديه الاستجابة و التأثير الذان يتحققان بفعل التطهير .وقد ربط أرسطو بين المحاكاة و الاستجابة بحكم أن المأساة لا تحاكي فقط أفعلا كائنة و إنما هي تحاكي حالات وجدانية  و مشاعر من شأنها إثارة مشاعر موازية لدى المتلقي تتمثل في عاطفتي الخوف والشفقة .من جهة أخرى اهتم أرسطو كثيرا بالمتحول في الأعمال الفنية وهو يفصد بذلك الشكل لأن الماهية (الجنس والنوع)ثابتان وهو يؤكد أن مصدر اللذة الحقيقية إنما يكمن في تلك التحولات التي تطرأ على الأعمال الفنية التي تلبس أشكالا مختلفة في كل مرة.

ترتبط فكرة التطهير  لدى أرسطو أشد الارتباط بعنصر المتلقي، فهو الذي  يستقبل العمل،وهو الذي يتفاعل معه .إن فكرة التطهير مبنية على إثارة انفعال الشفقة و الخوف لدى هذا المتلقي، و التطهير هنا ليس مجرد انفعال عاطفي يرتبط بلحظة المشاهدة الفانية  و إنما هو معنى أكبر يحقق معرفة أسمى ويرسم صورة عن العالم و يتجسد  خلال فعل التلقي،فالمعاني والأفكار و الدوافع والاهتمامات تتولد لدى المتلقي خلال مشاهدة ما يجري  على المسرح،من ثم يأخذه العمل المسرحي نحو حالة خاصة من الفهم الكامل الذي لا يقف عند حدود التعاطف مع الأبطال أو تقمص شخصياتهم والحكم على أفعالهم من منطلق شخصي بحت،يحقق فعل التطهير المؤقت  ,لأن ما يحرص عليه أرسطو،هو التطهير التام و الدائم وليس مجرد الشعور العابر بالمتعة أو الألم  الذي قد  يمر به المتلقي . إن الفهم الذي يصل إليه المتلقي  أثناء مشاهدته للعمل المسرحي ،هو ما يمنحه التطهير الذي يصل إليه عن اقتناع  و إدراك ،وبالتالي يتحقق هدف الفن من وجهة نظر أرسطية .

لقد انصب اهتمام نظرية المحاكاة على الجمهور المتلقي باعتباره الجهة التي تتلقى العمل المسرحي ، و رغم أن وجهة النظر الآرسطية للفن  مبنية في جزء كبير منها على مرتكزات أخلاقية فإنها منحت المتلقي مكانة بارزة من منطلق أنه عنصر مهم في عملية الفهم وبالتالي عملية الإبداع .هكذا نظر أرسطو إلى المتلقي،أما السفسطائيون فقد اعتقدوا على لسان بروتاغوراس( 480ق.-410قم),أن الإدراك الحسي هو أصل المعرفة[5]،والمقصود بالإدراك الحسي هو دلك الإدراك الناجم عن الحواس المتصلة بالذات.لقد رفض السفسطائيون فكر بارمانديس الذي دعا إلى المعرفة العقلية المحضة فيما رفض دور الحواس معتبرا عملها عملا وهميا .

 "إن  الإنسان هو مقياس الأشياء جميعا ,فهو مقياس وجود ما يوجد منها،ومقياس لا وجود ما لا يوجد"[6] ,كما يرى بروتاغوراس،هذا ما يؤكد على دور الذات في إنشاء المعنى .وهذا هو ما أكدت عليه نظرية التلقي في العصر الحديث حين دعت إلى ضرورة خلق المعنى من خلال متلقيه .أما في  الخطابة وهي المجال  الأكثر ارتباطا بالمتلقي من حيث أنها لقاء مباشر مع الجمهور،فجورجياس  يعرفها أنها:"القول الذي غايته الإمتاع ,وكلمة الإمتاع مرتبطة بشكل جلي بالطرف الآخر وهو الجمهور المخاطب.الذي يهدف المخاطب إلى إقناعه و الحصول على استجابة منه إن آراء السفسطائيين عن الخطابة والتلقي تحمل في طياتها مفهومين اعتمدت عليها الفلسفة الظاهرية ومن هما مفهوم القصدية وذلك من خلال تطرقهم إلى رغبة الخطيب في تحقيق التأثر من قبل المتلقي , و مفهوم الذائقية فلقد اعتمد السفسطائيون مبدأ الاستجابة كقاعدة عامة لفن الخطابة.ومما تقدم, يمكننا القول أن السفسطائيين أولوا أكبر الاهتمام لعنصر المتلقي،الذي كانوا يسعون إلى التأثير عليه بكل الوسائل والطرق من خلال الخطابة،  واعتمدوا في ذلك على البديع من القول و الزخرفة اللفظية بكل أنواعها :السجع واستعمال فنون البلاغة  والمجاز، بحيث يتم ضمان استجابته  و انجذابه و بالتالي اقتناعه بالأفكار التي يدعو إليها الخطيب .

المتلقي في الثقافة النقدية العربية:

يرى الدكتور غازي مختار طليمات، أن كل قارئ أو سامع للنص الأدبي متلق،سواء كان قارئا من عامة الناس ،أم ناقدا ذا خبرة ودراية ،لأن المتلقي و إن كان ضئيل الحظ من الفهم فله حظ من الذوق والفهم."لقد  بدأ النقد العربي صلاته بالتلقي ، منذ الإرهاصات الأولى التي تشكل عندها النقد"[7].   رافق مفهوم  التلقي  عملية النقد الذي ارتبطت بالدرجة الأولى بالنص الشعري فظهرت كتب  كثيرة في  النقد و البلاغة, وأصبح والبيان وجماليات البلاغة من أهم قضايا النقد،وارتبط هذا الظهور  بوجود المتلقي وكيفية تلقي النص وأثر النصوص في نفوس متلقيها  ،فأي نص ,مكتوبا كان أو شفهيا  يملك صفانا ووسائل تلعب دورا في توضيح المعنى  وجذب المتلقي الذي له طرق خاصة في  فهم النص و وبالتالي قبوله أو رفضه،انطلاقا من استعداد  نفسي  يختلف من متلق إلى آخر .

من هذا المنطلق يبدو لنا أن المتلقي لم يكن  غائبا عن التنظيرات النقدية في التراث العربي والمتلقي المقصود هنا ،هو ذلك الطرف المستقبل سواء كان ناقدا أو سامعا أو قارئا من العامة.لقد كان الاهتمام بالمتلقي قارئا أو مخاطبا  من صلب النقد العربي القديم. و عدم استعمال مصطلح المتلقي في خضم التوصيف النقدي لاستقبال النصوص الأدبية لا ينفي وجوده ,وها هي مقولة بشر بن المعتمر  التي ترسم الخطوط العريضة للبلاغة وتحدد مواصفات المتكلم البارع الذي يعرف كيف يؤثر في مستقبلي نصه ،تؤكد على ذلك :"ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم أقدار الكلام و أقدار المستمعين على تلك الحالات"[8]  إن هذا التوصيف البليغ لعملية التلقي يحدد سيرورة الفعل التواصلي بين المخاطبين والمستمعين وشروط هذه العملية .و يؤكد الجاحظ على مقصديه الخطاب وتوجهه نحو مستمع محدد ،كما يبين اشتراك المبدع والمتلقي في إنشاء العمل فيقول "كلما كان اللسان أبين كان أحمد وكلما كان القلب أشد استبانه كان احمد ,والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل"[9]

لم يغفل النقاد العرب في دراساتهم طبيعة العلاقة بين المبدع والمتلقي و قد أكدوا على ضرورة تفاعل المتلقي مع النص فالفرزدق يصر على دور  المتلقي حين يجيب الأعرابي الذي استهجن شعره  قائلا "علينا أن نقول  وعليكم أن تؤولوا "،أما ابن طباطبا العلوي فإنه يربط  يبين  قيمة العمل الأدبي :وهو الشعر و تحقيق الاستجابة و التأثير لدى المتلقي فيقول:"فإذا ورد عليك الشعر اللطيف المعنى الحلو اللفظ التام البيان المعتدل الوزن مازج الروح ولاءم الفهم وكان أنفذ من نفث السحر وأخفى دبيبا من الرقى و أشد إطرابا من الغناء،فسل السخائم ... "[10]  كما يحدد ابن طباطبا عيار الشعر فيجعله متوقفا على العنصر المتلقي فيقول في ذلك :" وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب فما قبله واصطفاه فهو واف وما مجه ونفاه فهو ناقص"[11]   ويربط ابن المعتز في إحدى رسائله  بين وضوح المعنى وإيجازه والتلقي الناجح له بقوله "خير البيان ما كان مصرحا عن المعنى ,ليسرع الفهم إلى تلقيه ,وموجزا ليخف على  اللفظ تعاطيه"[12] . أما الآمدي فهو يبين دور المتلقي في التفاعل مع العملية الإبداعية في معرض دفاع صاحب أبي تمام عنه فيقول مفسرا إعراض جمهور المتلقين عن شعره"فقد عرفنا لكم أن أبا تمام أتى في شعره بمعان فلسفية, وألفاظ غريبة , فإذا سمع بعض شعره الأعرابي لم يفهمه "[13]. ويتحرى عبد القاهر الجرجاني  آثار الإبداع في المتلقي فيقول(فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً، أو يستجيد نثراً، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق...فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده)[14]  و يبدو جليا أن للمتلقي عند عبد القاهر مكان في  مفهوم النظم ، فهذا المتلقي  يجب أن يبدع في القراءة ليصل إلى لب المعاني أو كما  يقول عبد القاهر:( فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني كالجوهر في الصدف لا يبرز  لك إلا أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدى إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول إليه. فما كل أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة)[15] وهذا ما يصعب العملية على المتلقي فقارئ النص(قد تحمل فيه المشقة الشديدة وقطع إليه الشقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى دره حتى غاص، وأنه لم ينل المطلوب منه حتى كابد منه الامتناع والاعتياص)[16] وهذه الصعوبة هي ما يمنح النص  بعدا جماليا تشكله مقدرة المتلقي على اكتشاف أسرار النص من خلال تجلياته اللغوية  (ما شرفت صنعة ولا ذكر بالفضيلة عمل إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر، ولطف النظر، ونفاذ الخاطر إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما،ويحتكمان على من زاولهما، والطالب لهما؛ لتعرف فضل الرماة في الأبعاد والسداد، فرهان العقول التي تستبق،ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه هو الفكر والروية والقياس والاستنباط)[17]. إن المتلقي  الذي يقصده عليه عبد القاهر ويرى فيه القدرة على الإدراك والتأويل ، متلق  من نوع خاص، متلق مفكر متدبر يصل إلى المعنى بعد عناء طويل , متوسلا في ذلك بخبراته اللغوية والمعرفية ليستطيع الإحساس بجمال النصوص ،من خلال إدراكه لتلك العلاقات التي تربط بين التراكيب والكلمات وتنظمها كلها في نسج واحد  ,محققة مفهومي الترابط والانسجام ،من هنا كان الاختلاف في مستويات المتلقين، لأن مقدرتهم على الإدراك تختلف وبالتالي تختلف مقدرتهم على التأويل أيضا .أما حازم القرطاجني فقد قدم في تعريفه للشعر تصورا مبنيا على ذلك التفاعل التواصلي بين النص الشعري ومتلقيه"فالشعر يتوجه بالخطاب إلى التلقي ليحدث لديه انفعالا ما ,ويوجهه إلى القيام بفعل ما أو تركه" [18]ولهذا عرف الشعر بأنه:"كلام موزون مقفّى من شأنه أن يحبّبَ إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها, ويكّره إليها ما قصد تكريهه, لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه بِمَا يتضمّن من حُسن تخييل له, ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تـأليف الكـلام, أو قـوة صدقه, أو قوة شهرته, أو بِمجموع ذلك "[19].

إن كتب الإعجاز زاخرة بالنصوص الشارحة التي تناولت المتلقي: العادي أو المختص ووصفت عمليات تلقي النصوص و كيفيات  حدوثها و  ما ذكرناه من استشهادات تراثية ليست في الواقع ، إلا غيضا من فيض، فبطون متون النقد حبلى بالكثير من التنظيرات  التي تعزز  مكانة المتلقي و تضعه في دائرة الاهتمام  خاصة تلك التي تتناول بالدراسة الإعجاز القرآني و تأثيره في المتلقين . وتكاد هذه التنظيرات تلتقي في جزء كبير منها مع مفاهيم نظريات التأويل والتلقي الحداثية،مع وجود اختلاف منهجي ومصطلحاتي  لا جدال فيه و الإبحار بين صفحات المؤلفات النقدية التراثية من شأنه أن يسلط الضوء على الكثير من مواطن اللقاء تلك ,وهذا ما قد فعله الكثير من الدارسين العرب  الذين أخرجوا إلى دائرة الضوء تلك المحاولات الأولى التي احتضنت مفهوم المتلقي و أشركته في عملية بناء المعنى ، وهم كثر نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتورة بشرى الصالح والدكتور محمود عباس عبد الواحد والدكتور محمد عبد المطلب وغيرهم[20].   

 



[1] - عبد الواحد  محمود عباس,قراءة النص و جماليات  التلقي بين المذاهب الغربية الحديثة و تراثنا النقدي .دار الفكر العربي  ط:1 .1996. ص:45

-[2] د. ماضي شكري عزيز, في نظرية الأدب ,دار الحداثة.ط.1 1986 .ص: 41.

[3] - عبد الواحد  محمود عباس,,قراءة النص و جماليات  التلقي بين المذاهب الغربية الحديثة و تراثنا النقدي .دار الفكر العربي . ط:1 .1996. ص:45

[4] - د. العشماوي  محمد زكي, فلسفة الجمال في الفكر المعاصر.دار النهضة للطباعة والنشر .بيروت .1981 .ص:.154

[5] -خضر ناظم عودة,الأصول المعرفية لنظرية التلقي,دار الشروق للنشر والتوزيع,ط:1, 1997, ص:22

[6] -المرجع نفسه ص:24

[7] -د,محمد المبارك ,استقبال النص عند العرب ,المؤسسة العربية للدراسات والنشر , بيروت, ط:4, 1999, ص:13

[8]--د.  بشرى موسى صالح ,نظرية التلقي أصول وتطبيقات .المركز الثقافي العربي الدار البيضاء.ط1. 2001   ص60

[9] القعود. عبد الرحمن بن محمد في الإبداع والتلقي ,عالم الفكر, الكويت ,مجلد 25,عدد4,أفريل-يونيو 1997. ص: 178

[10] - محمد أحمد ابن طباطبا  العلوي،عيار الشعر,تح:عباس عبد الساتر،دار الكتب العلمية بيروت ,بنان ,ط :1 1982,ص:20

[11] -نفسه ،ص :22.

[12]

من جماليات قصيدة الحداثة

التفاصيل
كتب بواسطة: خيرة غريبي
نشر بتاريخ: 29 أغسطس 2007
انشأ بتاريخ: 29 أغسطس 2007
الزيارات: 13

مقــال نقــدي

                                        بقلم : خيــرة غريبــي

 

من جماليات قصيدة الحداثة

شقت قصيدة الحداثة عصا الطاعة والولاء للتقاليد الشعرية القديمة ، وجددت في جميع المستويات وأخذت على عاتقها مسؤولية التعبير عن الظروف الحضارية المضطربة إيديولوجيا واقتصاديا واجتماعيا ، كما عبرت عن خفايا النفس الإنسانية في هذا العصر ، عن وعيها ولا وعيها ، عن تخبطها واضطرابها ، ولكن بطريقتها الخاصة والمميزة ، تلك الطريقة التي وسمتها بجماليات ضمنت لها حق التفرد والتميز ، وسمحت لها باكتساب جمهور خاص من المتلقين يتميز بإحساس مرهف ، وذوق خاص، وثقافة عالية ، وتأمل فكري ثاقب.

نقول نحن جماليات في حين أن هناك من النقاد والقراء من اعتبرها مآخذ وعيوبا ونقائصا،  وفي الحقيقة هي سمات جمالية جعلت قصيدة الحداثة مميزة من جميع جوانبها ، فقد انطوت على جانب دلالي ثري ومتنوع ضمنه لها ذلك التوظيف المميز للزخم الكبير من التراث الأسطوري والديني والتاريخي والمكاني ، متخذة منها أقنعة ورموزا للتعبير عن مختلف القضايا والرؤى ، محملة إياها دلالات وإيحاءات عديدة لا يقدر التعبير البسيط أو المركب أداءها ، وذلك باستخدام تكنيكات عالية المهارة في التوظيف، وكأني بها تطبق القول القديم " الشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبه" ، فقد جسدت قصيدة الحداثة الشطر الأول من هذه المقولة بحذافيره، إذ احتوت على نيازك أسطورية وتراثية رامزة تبرق بالمعنى وتلمح إليه دون الإفصاح عنه بيسر وبساطة ، وقد ساهم هذا التوظيف في نظر مجموعة من القراء والنقاد في إشاعة الغموض والغرابة والإبهام في تلك القصائد وأصبح هذا الجانب الجمالي نقيصة في نظرهم ، وهو يعتبر من أهم جماليات قصيدة الحداثة.

ولنستمع إلى قول الشاعر أدونيس :

-       يا شعر هبه أن يغني مع اليأس

-       ويعتاد على النهار

-       أطفأت البذور في أرضه

-       شموعها واحترقت عشتار [1]

فقد جمع الشاعر هنا بين (عشتار) رمز الخصب والنماء في مظاهر الطبيعة المختلفة ، والفعل (احترقت) الخاص بأسطورة الفينيق رمز البعث الجديد، ليجسد الحياة الجديدة المليئة بالنماء والخير.

وفي قصيدة (لون الماء) نجد الشاعر يجمع بين الرمز المكاني (الرافدين) والرمز الديني (الحسين) فيقول :

-   في الجذور وغاباتها

-       كلمات

-       شهدت جثة الحسين

-       وهي تبكي وتجري مع الرافدين [2].

فاقتران رمز الحق والاستشهاد في سبيله (الحسين) بالرمز المكاني (الرافدين) ، يثبت خلود وحياة هؤلاء الرموز من خلال مبادئهم ونصرتهم للحق ، التي ستستمر استمرار جريان نهري الرافدين.

وإضافة إلى ما وظفته قصيدة الحداثة من رموز تراثية ، نجدها تمتلك قدرة كبيرة على استخدام الرموز اللغوية  وتهييء مناخات وسياقات جديدة ، تجعلها تحمل دلالات جديدة ، وتوحي بمعان مختلفة ، ولا أدل على ذلك من قصيدة السياب في توظيفه الرائع للرمز اللغوي "المطر" ، يقول :

- عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

- أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

إلى أن يقول :    - وقطرة فقطرة تذوب في المطر

- وكركر الأطفال في عرائس الكروم

- ودغدغت صمت العصافير على الشجر

- أنشودة المطر

- مطر...

- مطر...

- مطر...

فالمطر في ضوء المشهد المأساوي ، انتظار حياة ، واستدرار للخير ، إنه رمز البعث : العراق ، الحبيبة والأم وعلامة للموت والظلام لكل الرافضين ، وأدى تكرار لفظة "المطر" ككلمة سياق إلى إضفاء بعد وجداني وجودي ، مقربا بين عناصر التجربة التي يربط بينها الموقف الشعوري الواحد.[3]

ومن جماليات بينتها التركيبية، محاولتها الجاهدة لتوظيف كل الحيل التركيبية المتاحة ، كالتقديم والتأخير والحذف ، والتكرار ، مضيفة إليها الإسنادات الغريبة والغامضة والمكثفة ، ساعية لأن تلفت انتباه القارئ ثم تخيب أفق توقعه ، ليتخبط في الحيرة ، ويشحذ ذهنه للبحث ، يقول البياتي :

-       ذات يوم جاءني

-       يسألني

-       عن الذي يموت في الطفولة

-       عن الذي يولد في الكهولة

-       رويت ما رأيت

-       رأيت ما رويت [4]

فالحيلة التركيبية التي وظفها الشاعر في السطرين الأخيرين وهي قلب التركيب (رويت ما رأيت ) ليصبح (رأيت مارويت) ، أضفت جمالا منقطع النظير للدلالة ولانسجام الأصوات والكلمات.

وذلك ليجسد الشاعر الشيء الواحد الذي لا يختلف في حالتيه الموت في الطفولة ، والولادة في الكهولة  مما يبرز موقفه النهائي في تعامله مع الوجود ، والشاعر هنا لا يملك التفسير والتعليل ، ولا يتدخل إلا في تأكيد ما رأى وما روى وكأن الشاعر يجزم بالنهاية الواحدة والمصير الواحد للإنسان كبر أم صغر تفاوت الزمن في ذلك أم تساوى[5] .

أما حيلة الحذف التي تسهم في جعل النص الشعري غامضا عصيا على الفهم ، فلا يخفى ما فيها من متعة وتشويق لمعرفة المحذوف ، وتعدد تأويلاته ، ومن أمثلة ذلك قول أدونيس :

- لأني حب لأني رحمه

- أظل على الضوء أبني  وتبني

- معي حفنة من حياتي ولقمه[6]

كلنا يعرف أن الفعل (أبني) فعل متعد ، ولكن الشاعر أبى إلا أن يستغني عن مفعوله ويحذفه في السطر  ما قبل الأخير ، ليترك لنا حرية التأويل ، فماذا يبني (بيتا ، ثورة ، أملا ، كفاحا) .؟

إذا عدنا إلى محور التركيب تتراجع المعاني الحقيقية (بيتا) التي يمكن أن تتآلف مع اللفظة (أبني) ، وتتقدم المعاني المجازية لنجد أنفسنا ماكثين فوق الضوء ، ثم لنتخيل ما يمكن أن نبنيه وإذا رجعنا إلى عنوان القصيدة (حجر الضوء) ، وإلى التطور الدلالي للفظة (الحجر) وهو يؤول إلى معنى (المقاومة) يتبين لنا أن المعنى المقصود يؤول إلى المعاني المجازية بما فيها من مقاومة وثورة وكفاح يطلع من خلالها ضوء وأمل في حياة جديدة.

وإذا ولينا وجهنا شطر الصور الاستعارية ، فإننا سنجد العجيب والغريب ، مما يدهش الذهن ، ويخبله إنها القدرة الفائقة على جمع ما لا يجمع ، و البراعة في إنشاء التناسب بين أشياء لا تناسب بينها.

يقول أدونيس :       - ليس إلا أن ننسج الحب رايات

                       - وأن نرفع النفوس منائر [7]

إن هذا الحب لقوي لا تضاهى قوته ، فهي مستلهمة من شدة والتحام وتماسك النسيج الذي يبقى لأمد طويل.

وإذا تحدثنا عن جمالياتها الإيقاعية ، فإن الحديث لذو شجون ، ذلك أن أهم ما أثار الجدل حول قصيدة الحداثة ، هو خروجها الشكلي الإيقاعي عن التقاليد القديمة من شطرين ووزن وقافية ، ورغم محافظتها على التفعيلة وهي أساس الإيقاع الخليلي إلا أنها اعتبرت ناقصة ، واعتبر خروجها عليه ومزجها بين الأوزان خطرا على الشعر العربي ، ولا نرى ذلك إلا تهويلا للأمر دون داع إلى ذلك.

فالتجديد سنة من سنن الحياة ،ومادامت قد حافظت على التفعيلة ، وخلقت إيقاعا منسابا ، فلا ضير في كتابة الشعر في شكل أسطر أو أشطر ، يقول أدونيس :

-       آن يخال ارتمى من جفنك الدمع

-       ينطفئ الشمع [8]

فمن الدال المجهور إلى الشين المهموس ، نجد عملية استبدال رائعة بين الحرفين ، أذنت بانطفاء الشمع وبالتالي حلول السكينة ويزيد التجانس بين كلمتي (الشمع والدمع) الأسطر الشعرية جمالا ورومانسية بحيث يفضي إلى العلاقة المتخيلة بين دمع العيون ودمع الشموع.

فهذا التجانس الذي تنشئه قصيدة الحداثة بين الأصوات والكلمات هو الذي أنشأ لها جمالها الخاص وحساسيتها المفرطة التي تدغدغ مشاعر القارئ وتحركها في جو مفعم بالرقة والعذوبة والرومانسية..

يقول أمل دنقل في مرموزه الأول :

-       أعشق إسكندرية

-       وإسكندرية تعشق رائحة البحر

-       والبحر يعشق فاتنة في الضفاف البعيدة

                   ـــــــــ

-       كل أمسية تتسلل من جانبي

-       تتجرد من كل أثوابها

-       وتحل غدائـرها.[9]

فالتجانس الخلفي الأمامي بيَّـن في (اسكندرية تعشق) و (كل أمسية تتسلل) حيث تنتهي الكلمة الأولى بالتاء وتبدأ الكلمة الثانية بالتاء.

أما طول السطر وتوزع التفعيلات فيه ، فقد خضع وانساق للتدفق الشعوري فأينما أحس الشاعر بانتهاء الدفقة الشعورية فإنه سيتوقف مهما يطول البناء التركيبي حتى يصل إلى ثلاث جمل أو أربع أو يقصر حتى يصل إلى الحرف أو الحرفين.

و قد أفضى ذلك إلى جماليات شكلية تسمح للقصيدة بأن تشاهد بدل أن تقرأ أو تسمع فقط.

يقول صلاح عبد الصبور  [10] :

-         أحس أني خائف

-         وأن شيئا في ضلوعي يرتجف

-          

 

-         وأنني أصابني العي فلا أبيـن

-         وأنني أوشك أن أبكي

-         وأنني

-         سقطت

-         في

-         كمين

إذ نلاحظ أن طول الأسطر يصل إلى الجملتين ويختزل ليصل إلى الحرفين (في) ، وكل ذلك وفقا للدفقة الشعورية التي تتحكم فيه.

وتبقى قصيدة الحداثة تفرض نفسها في الساحة الأدبية بغموضها الموحي ، وجموحها عن الضوابط والقيود بتنوعها وكشفها وانفتاحها على اللانهائي ، فهي باحثة، لغتها ثائرة ، تغوص في الحقيقة الباطنة ، تحمل رؤيا للعالم ، وشكلا من أشكال الوجود قويا لا يقاوم.

وهي تزيد من نسبة جمهورها يوما فيوما ، ذلك الجمهور الذي تحرض ذهنه ووعيه ومخيلته على التساؤل وترقية مستواه الفكري والثقافي ليبحث في أعماق النص الباطنة ويستجلي غموضه ولا يكتفي بما يظهر على السطح.

 

الهـوامش



[1]  أدونيس ، الآثار الكاملة ، دار العودة ، بيروت ، 1971 ، المجلد 1 ، ص75.

[2]  أدونيس ، المرجع نفسه ، ص285.

[3]  مصطفى السعدني ، البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، ص72 ، 74 ، 75 ، 76 ، 78

[4]  مصطفى السعدني ، المرجع نفسه ، ص226.

[5] مصطفى السعدني ، المرجع نفسه ، ص226.

[6]  أدونيس ، المرجع نفسه ، المجلد 1 ، ص56.

[7]  المرجع نفسه ، المجلد1، ص 160.

[8]  المرجع نفسه ، المجلد1 ، ص 121

[9]  مصطفى السعدني ، البنيات الأسلوبية ، ص49.

[10]  محمد العبد ، سمات أسلوبية في شعر صلاح عبد الصبور

http://www.jehat.com/ar/salab/page=11a.htm.

كتاب الأضداد لابن الأنباري – نظرة تحليلية -

التفاصيل
كتب بواسطة: معمر العاني
نشر بتاريخ: 23 أغسطس 2007
انشأ بتاريخ: 23 أغسطس 2007
الزيارات: 10

كتاب الأضداد لابن الأنباري – نظرة تحليلية -

ملخص المقال

  وقف البحث على منهجية ابن الانباري في كتابه، تبين أنه لم يلتزم ترتيباً معيناً من الألفاظ التي أوردها كما التزمت ذلك المعجمات اللغوية، ومن شروحه لم يكتف بذكر آراء العلماء في تفسير الألفاظ وبيان معانيها وإنما كان ناقداً وشارحاً وشاكاً في عدد منها ومع البحث على هذه المواطن وبينها بالأمثلة في الكتاب. ورصد البحث عدداً من المآخذ على الكتاب وأهمها: الاستطراد غير المبرر في شروحه للألفاظ، مما أخرج العديد منها عن الأضداد. ومن المآخذ أنه اضطرب في عدد من المسائل كالأصول الثلاثية وغير الثلاثية للأفعال مما جعل منها لا تعد من الأضداد فجاء من الأضداد متكلفاً والأولى أن لا نعدها منها. واشتمل الكتاب على عدد من الموضوعات الصرفية التي أثرت ما في الكتاب من مواد لغوية، كما حدد البحث القضايا النحوية عند ابن الانباري، فجاءت موزعة في كتابه، وتم الكشف عن هذه المواضيع وأهميتها في موضوع الأضداد . واستعمل ابن الأنباري في دعم آراؤه بالقضايا البلاغية، وأهمها: الإستعارة، والمجاز، والتشبيه، فكان بحق موسوعة لغوية عرفها الداني والقاصي. وتنوعت مشاهد الكتاب، فاشتملت على القرآن الكريم، والحديث النبوي، والشعر العربي، وأقوال السلف الصالح وحكمهم. ومما لفت انتباهي في شواهده أنه بدأ شارحاً ومناقشاً ومفسراً في الآيات القرآنية، وفي الحديث تجده شارحاً وراوياً لعدد من الأحاديث، أما في الشعر فانماز بأنه أتى على أغلب الشعراء، وأتى بشواهد على أغلب الألفاظ ونقل آراء العلماء الناقدة للشعراء.

 

منهجية ابن الأنباري في الأضداد

سأورد ذلك بإيجاز أرجو أن يكون غير مخل، وذلك في النقاط الآتية:

أ‌.       منهجيته في ترتيب الألفاظ:

      لم يلتزم ابن الأنباري بترتيب معين في كتابه كما جرت العادة في ترتيب المعاجم العربية، فسار على منهج سابقيه من مؤلفي الأضداد، فقد بدأ على غير ضابط معين في ترتيب مواده، فالمادة الأولى هي: كلمة ظن، قال ابن الأنباري: "فأول ذلك الظن، يقع على معاني أربعة: معنيان متضادان: أحدهما: الشك، والآخر: اليقين الذي لا شك فيه1 ، وقد طال الحديث عنها في صفحات عدة، في حين نجد أن الحروف التي تسبق الظاء قد جعلها في نهاية كتابه. ولم يلتزم ابن الأنباري بترتيب الأسماء متتالية، أو الحروف متتالية، أو الأفعال، وإنما كان يقدم ويؤخر كيفما شاء، إلا أننا نجد بين الحين والآخر ترتيباً في الأفعال أو الحروف التي يوردها، فقد بدأ في المادة الثانية بأفعال الشك واليقين أو الناحية لمفعولين، قال: بعض أهل اللغة: رجوت حرف من الأضداد يكون بمعنى الشك والطمع، ويكون بمعنى اليقين2  .

   ونراه يورد أضداد الألوان مرتبة في وسط كتابه، قال: ومنها أيضاً: الأخضر، يقال: أخضر للأخضر، وأخضر للأسود3 .

          ويورد ابن الأنباري أضداد الأعلام مرتبة في نهاية كتابه، قال: ومنها أيضاً اسحاق، يكون أعجمياً مجهول الإشتقاق...... ويكون عربياً من أسحقه الله اسحاقاً4

          ومن منهجيته الترتيب لا بد من الإشارة إلى أنه يأتي بأضداد واردة عن العرب متتالية من وسط كتابه، قال: ومما يشبه حروف الأضداد العرب: طبخت اللحم، إذا طُبخ في القدر، وطبخته: إذا شُوي في التنور5

ومن منهجيته في الترتيب ما يأتي:

-       يأتي بالألفاظ المتقاربة المعنى كما في شرى وباع6

-       يأتي بان المصدرية والفعل المضارع في ثلاثة مواضع متتالية7

-       يأتي بالتراكيب اللفظية متتالية8

-       يأتي بوصف للمؤنث ويتبعه بوصف للمذكر9

ب- منهجيته في الشروح

     إن المتتبع لمنهجية الكتاب يجد أن ابن الأنباري كان أكثر موضوعية في متن كتابه ممن سبقه، فقد ناقش كثيراً من الأضداد التي ذكرها راداً بعضها وشاكاً في البعض الآخر وناصاً على عدم ضدية القسم الثالث، ومضى في كتابه شارحاً للألفاظ بصورة واضحة وجلية، ووصف دقيق وبحث شامل لهذا الموضوع.

          قال آل ياسين: 10لم يكتف ابن الأنباري بجمع المادة اللغوية فحسب، بل راح يمتحنها، محللاً إياها مناقشاً لها، ولذا وصل إلى نتائج دقيقة أعطت كتابه أهمية كبيرة"، وسأوجز منهجيته في النقاط الآتية:

-       يتبنى في شرحه التأويل والتقدير من أجل الوصول إلى نتائج دقيقة في ضدية عدد من الألفاظ، قال: "أحلف أن تذهب معنا قال الفراء: من أجاز مع هذه الأفاعيل الوجهين جميعا، لم يجز مع الظن والعلم وما أشبههما إلا وجهاً واحداً فمن قال: ظننت أن تذهب معنا لم يحمله على معنى الجهد، لأنه لا دليل عليه ها هنا وصلح تقدير الجهد مع الأفاعيل الأول، لأنها جواب وفيها معنى تحريج، والتحريج يدل على معنى الجحد المنوي، فمتى قال القائل: نشدتك الله أن تقوم، وأقسمت عليك أن تقوم، فتأويلها: أحرِّج عليك أن لا تفعل، فهذه العلة من تأويل الجواب11

 

-       استعماله مبدأ التعليل لعدد من الألفاظ التي أوردها، فأعان الدارسين والباحثين في الأضداد التي التبست عليهم، ونجد ذلك على سبيل المثال لا الحصر أنه علل مجيء أسماء المدن على ما تعارفه الناس، فمكة سُميت مكة لجذب الناس إليها، والبصرة سُميت بصرة للحجارة البيض الرخو بها، والكوفة لازدحام الناس بها من قولهم قد تكوّف الرمل تكوفاً، إذا ركب بعضه بعضاً...الخ12

-       ناقش آراء العلماء، فأيد بعضها وأنكر بعضها الآخر، مما ينم على علمه الواسع وثقافته وسعة إطلاعه ويتجلى ذلك فيما يلي:

·       إنكاره آراء عدد من اللغويين كقطرب وابن قتيبة، قال: وقال قطرب من الأضداد قولهم: خذمت النعل، إذا انقطعت عُروتها وشسعها، وأخذمتها: إذا أصلحت عُروتها وشمعها، وهذا ليس عندي من الأضداد لأن خذمت لا يقع إلا على معنى واحد13

·       أورد إنكار اللغويين للأضداد، قال: قال قطرب من الأضداد حمأت الركبة حمئاً، إذا أخرجت منها الحمأة، وأحمأتها إحماءً، إذا جعلت فيها الحمأة، قال أبو بكر: وليس هذا عندي من الأضداد لأن لفظ: حمأت يخالف لفظ أحمأت، فكل واحدة من اللفظتين لا تقع إلى على معنى واحد، وما كان على هذا السبيل لا يدخل في الأضداد14

      

- ومن منهجيته توثيق الآراء التي أتى بها، ومن ذلك:

 * تعرضه للأوصاف التي ذكرتها العرب، أو ما اشتهر عند العرب من صفات وأسماء، من ذلك قوله: "يقال في ليالي الشهر: ثلاث غرر، وثلاث نُفل، وثلاث تُسع، وثلاث عُشر، وثلاث بيض، وثلاث دُرع، وثلاث ظُلم، وثلاث حنادس، وثلاث دآديّ، وثلاث محاق15

·       تعرضه للغات القبائل واللهجات، ومن ذلك قوله: والسامد من الأضداد، فالسامد في كلام أهل اليمن: اللاهي، والسامد في كلام طي الحزين16

·       وثقّ آراءه بالإخبار والقصة، ومن ذلك قوله: " والوراء، ولد الوالد، قال: حيّان بن أبجر: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هُذيل فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، فقال: مات وترك كذا وكذا من الولد وثلاثة من الوراء، يريد من ولد الولد17

·       تعرضه لأقوال العامة من الناس غير كلام العرب: قال ابن الأنباري: وقال قطرب: الحِرفة من الأضداد، يقال: قد أحرف الرجل إحرافاً إذا نما ماله وكثر، والاسم الحرفة من هذا المعنى، قال: والحرفة عند الناس: الفقر، وقلة الكسب، وليست من كلام العرب إنما تقولها العامة18

·       أخذ بأدلة السماع والقياس لتوثيق الآراء، وإثبات ما يصبو إليه من ضدية عدد من الألفاظ، ومن السماع قوله: وسمعت أبا العباس يقول: يقال للساكن: رهو، وللواسع رهو، وللطائر الذي يقال له الكُركيُّ: رهو قال الله عز وجل: (واترك البحر رهوا) فمعناه: ساكناً19

    أما القياس فقوله: ويقال: رجل مُنهل، إذا كانت إبله عطاشا كما يقال: رجل مُعطش ورجل مُنهل على القياس إذا كانت رواءً20

المآخذ على الكتاب

     لا شك أن كل كتاب يؤخذ منه ويُرد عليه إلا كتاب الله عز وجل القرآن الكريم، وكتاب ابن الأنباري لا يخلو من سقطات وقع فيها صاحبه كغيره من مؤلفي المظان اللغوية، على أن هذه المآخذ لا تقتص من قيمة الكتاب عند الباحثين والدارسين وفي المكتبة العربية، وسأوجز أهم ما وقعت عليه من هذه المآخذ:

 

1.    الاستطراد غير المبرر في شروحه لعدد من الألفاظ، مما يجعله يبتعد عن موضوع الأضداد، ولا سيما في الشواهد الشعرية، إذ يشرح ما غمض من الألفاظ ويأتي بشواهد لا تمس الموضوع الذي بصدده، ومثال ذلك قوله: "وتأثم حرف من الأضداد، يقال: قد تأثم الرجل إذا أتى ما فيه المأثم، وتأثم: إذا تجنب المأثم، كما يقال: قد تحوّب الرجل: إذا تجنب الحُوب، ولا يستعمل تحوب في المعنى الآخر، والحوب الأثم العظيم، قال الله عز وجل: (إنه كان حوباً كبيرا)    21فنراه يترك اللفظة الأصلية ويستطرد في لفظه أخرى مبتعداً عن معنى الضدية.

          ومن ذلك قوله: وذعور من الأضداد، يقال: فلان ذعور، أي ذاعر، وذعور، أي: مذعور: أنشدنا أبو العباس.

تنول بمعروف الحديث وإن تُرد                سوى ذاك تَذعر منك وهي ذعور

          أي: مذعورة ويروى: تنول بمفروض الحديث أي: يطريه، واللحم الغريض عند العرب، الطري، قال الشاعر:

إذا لم يجتزر لبنيه لحماً                           غريضاً من هوادي الوحش جاعوا

          ويروى تنول بمشهود الحديث، والمشهود: الذي كان فيه شُهداً من حلاوته وطيبه8فابتعد عن ضدية اللفظة المقصودة.

 

2.    ويُلاحظ على ابن الأنباري أنه قد سهى في شرحه لعدد من الأفعال الثلاثية وغير الثلاثية، فلم يلتفت إلى عدم وجود الضدية في الأفعال المختلفة، قال ابن الأنباري: "وقسط صرف من الأضداد، يقال: قسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، والجور أغلب على قسط. قال الله – عز وجلّ – "وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا" أراد: الجائرون... ويقال: أقسط الرجل بالألف: إذا عدل لا غير. قال الله – عز وجلّ – "إن الله يحب المقسطين 22فنلحظ اختلاف القاسط من قسط والمقسط من أقسط، وهذا الخلاف لا يقود إلى الأضداد.

3.    اختلاف منهجية الشواهد التي أتى بها، فالمعروف أن لكل لفظة من الأضداد يُأتى بالشواهد عليها، ولا نجد ذلك في عدد منها مما يثير حيرة عند القارئ في مصداقيتها. قال ابن الأنباري: "وقال قطرب أيضاً من حروف الأضداد النّحاحة، يقال في السخاء ويقال في البخل23

 

          وقد يأتي بشاهد من غير أن يبين على أي من المعاني قصده، قال: "ومن الأضداد أيضاً قولهم: مُشِب للمسن ومشب للشاب، قال أبو خراش الهذلي:

بُموركتين من صدوى مثبب        من الثيران عقدهما جميل24

 

          ورأى أيوب سالم في رسالته الأضداد أن الألفاظ التي لا شواهد عليها يمكن لنا أن نخرجها من الأضداد25والحقيقة أننا لا يمكن أن نخرجها من الأضداد إلا بعد التمحيص واستقصاء الشواهد عليها ثم نخرج بأحكام دقيقة في ذلك.

4.    لا يخلو الكتاب من التكالف بإقرار ضدية عدد من الألفاظ، والمتتبع لذلك لا يجد الأضداد فيها، قال آل ياسين: والكتاب حفل بطائفة كبيرة من الألفاظ التي ألصقت بالأضداد، ولا تتوفر فيها فكرة الأضداد بوجه من الوجوه26

ومن ذلك قوله: ومن الحروف أيضاً الحفض، يقال لمتاع البيت، حَفض وجمع الحفض أحفاض. قال الشاعر:

 فكيه بالرمح في دمائه                        كالحفض المصروع في كفائه

وقال الآخر:

ولا تكُ في الصبا حفظاً ذلولاً                 فإن الشيب والغزل الثبورْ

 

وقال الآخر:

يا بن قُّروم لسن بالأحافض

 

ويروي بيت عمرو بن كلثوم على وجهين:

ونحن إذا عماد الحي خرّت          على الأحفاض نمنع ما يلينا

  ويروى: على الأحفاض، فمن رواه عن الأحفاض قال الأحفاض: الإبل، ومن رواه على الأحفاض قال: الأحفاض: الأمتعة27

  ولا يفوتنا أن نشير إلى التكلف في إقرار ضدية عدد من الاعلام التي ذكرها، وقد عقب آل ياسين على هذه المسألة وأزال الغموض التي اكتنفها28

المبحث الثالث

القضايا الصرفية والنحوية والبلاغية

حفل كتاب ابن الأنباري بالكثير من قضايا اللغة، فلم يكتفِ بذكر معاني الأضداد، وإنما زاد في ذكر قضايا النحو والصرف والصوت والدلالة وعلم البلاغة، مما يدل على علمه الواسع وثقافته الغزيرة، فأخذ منه النحويون والبلاغيون، ومن اهتم باللغة وعلومها، وصدق ابن النديم في قوله: "كان – ابن الأنباري – في غاية الذكاء والفطنة، وجودة القريحة، وسرعة الحفظ يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب29

  وبدوره ذكر الأزهري بأن ابن الأنباري: "كان أعلم من شاهدتُ بكتاب الله ومعانيه وإعرابه ومعرفة اختلاف أهل العلم في شكله30

  وأرى أن من الضروري التعرض لتلك القضايا التي أوردها ابن الأنباري في كتابه، وسأتناول ما استطعت من هذه القضايا :

أ‌.       القضايا الصرفية:

          وقد تعرض للكثير من القضايا الصرفية في أضداده والتي أعانت على حدوث الأضداد وبيان المعاني، وفهم التفسير، ومن ذلك ما يأتي:

الصيغ الصرفية

   قال: وأما معنى التهمة، فهو أن تقول ظننت فلاناً فتستغني عن الخبر لأنك تريد اتهمته ولو كان بمعنى الشك المحض لم يقتصر به على منصوب واحد. ويقال: فلان عندي ظنين، أي منهم، وأصله مظنون فصرف عن مفعول إلى فعيل كما قالوا: مطبوخ وطبيخ31

جمع التكسير:

   قال: "والقُرءُ حرف من الأضداد يقال: القُرءُ للطهر، وهو مذهب أهل الحجاز، والقُرءُ: للحيض، وهو مذهب أهل العراق، ويقال في جمعه: أقراءُ وقرُوءُ32وهذا مما يطرد جمعه على القلة والكثرة33

   وقد يتعرض للجمع والتثنية في شرحه لأحد الألفاظ، قال ابن الأنباري: "ويقال في تثنية الندّ: نِدّان، وفي جمعه أنداد، ومن العرب من لا يثنيه ولا يجمعه ولا يؤنثّه فيقول: الرجلان ندّى، والرجال ندّى، والمرأة ندّى، والنساء نِدّى.

كما قالوا: القوم مثلى، أو أمثالى، قال الله – عز وجلّ – (ثم لا يكونوا أمثالكم34

الإدغام والإبدال:

          يرى عدد من الدارسين أنهما من الموضوعات التي توجد فيها صعوبة في استيعابها بسبب قواعدها المتشابكة وصورها المتخيلة، إذ يقتربان من دراسة اللهجات أحياناً والأصوات في أحيان أخرى35ولكننا نجد أن ابن الأنباري يعالج عدداً من الألفاظ ببيان ما طرأ عليهما من أمور الإدغام أو الإقلاب، قال: وكان أبو البلاد النحوي ينشد هذا البيت:

عسعس حتى لو يشاء ادنَّا           كان له من ضَوئه مقبس

   ومعناه: لو يشاء إذا دنا، فتركت همزة إذ، وأبدلوا من الذال دالاً، وأدغموها في الدال التي بعدها36

  التمييز بين الاسم والمصدر:

          فرق ابن الانباري في مواضع عدة بين الاسم والمصدر لما لذلك من أهمية في تحديد المعنى بشكل دقيق. قال: ويقال في دعاء للعرب: به للورى وحمَّى خيبري، وشرُّ ما يُرى فإنه يسري8 وقال أبو العباس: الوَرْى المصدر بتسكين الراء، والوَرَى بفتح الراء: الاسم37

صيغ الأفعال:

          ووقع على الصيغة الصحيحة للأفعال التي فيها لبس عند الدارس أو الباحث. قال: "ويقال أرديت الرجل إذا أعنته من قول الله – عز وجلّ – "فأرسله معي ردءاً يصدقني" معناه: عوناً، ويقال منه: أردأت الرجل، وأرديتُهُ، فمن قال: أرداته: ليّن الهمزة، ومن قال: أرديتُه انتقل عن الهمزة وشبه أرديت بأرضيت38

ب- القضايا النحوية:

          لا يختلف اثنان على سليقة ابن الانباري النحوية ونحيزته الإعرابية، واطلاّعه الواسع على آراء النحويين ومذاهبهم، وذلك لكثرة المسائل التي جاءت في كتابه، ومن ذلك:

الأفعال التي تنصب مفعولين: في قوله: قال الله –عز وجلّ – "وإن هم إلا يظنون" فمعناه: وإن هم إلا يكذبون، ولو كان على معنى الشك لاستوفى منصوبيه أو ما يقوم مقامهما39

التأكيد: ومنه قوله: "وينشد في هذا المعنى أيضاً:

أتانا فلم نعدل سواه بغيره            نبييٌّ اتى من عند ذي العرش صادق

معناه: أتانا فلم نعدله بغيره، على هذا أكثر الناس، ويقال فيه: قولان آخران.

          وسواه: صلة للكلام معناها التوكيد، كما قال الله – عز وجلّ – "ليس كمثله شيء".

أراد: ليس كهو شيء فأكد بمثال، قال الشاعر:

وقتلى كمثل جذوع النخـ                            ل يغشاهم سَبَل منهمر 40

 الأفعال الناقصة: ومنه قوله: وقال أبو عبيدة: كان من الأضداد، يقال: كان للماضي، وكان للمستقبل، فأما كونها للماضي فلا يحتاج لها أي شاهد وأما كونها للمستقبل فقول الشاعر:

فأدركت من قد كان قبلي ولم أدعْ                             لمن كان بعدي في القصائد مصنعا

          أراد: لمن يكون بعدي. قال: وتكون كان زائدة كقوله تعالى: "وكان الله غفوراً رحيماً". ومعناه: والله غفور رحيم41

    الحذف: ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا". قال: وقال آخرون: محال أن يكون الله – عز وجلّ – عرض الأمانة على السموات في ذاتها لأنها مما لا يكلف عملا بفعل ثواباً وإنما المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال فأبوا أن يحملوها فحذف الأهل وقام الذي بعده مقامه وجعل (أبين) للسماوات والأرض والجبال لقيامها مقام الأهل، كما قالوا: يا خيل الله اركبي، وأبشري بالجنة. أرادوا: يا فرسان خيل الله اركبوا فاقيم الخيل مقام الفرسان42

 

 النائب عن المصدر: قال: "وقال الفراء: مرحباً وأهلاً وسهلاً: حروف وضعت في موضع المصدر، يذهب الفراء إلى أن التأويل رحّب الله بك ترحيباً وأهلّك تأهيلاً وسهّل امورك تسهيلاً فأقيمت الأسماء مقام المصادر43

  المصدر النائب عن فعل الأمر: قال ابن الأنباري: وظَفَار اسم مدينة في اليمن، وإليه ينسب الجزع الظفاري، وظفار: كسرت لأنها أجريت مجرى ما سُمي بالأمر كقولك قطام وحَذام لأنهما على مثال: قوالِ وَنَظار، ومن ذلك حلاقِ من أسماء المنيّة.44

الاستثناء: قال في قول تعالى: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم".

فمعناه: لا معصوم اليوم من أمر الله إلا المرحوم، ويجوز أن يكون عاصم بمعنى فاعل، وتكون مَن في موضع نصب أو رفع على الاستثناء المتقطع45

  الضمائر: قال: "ومما يشبه حروف الأضداد نحن، يقع على الواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث، فيقول الواحد: نحن فعلنا، وكذلك يقول الاثنان والجميع والمؤنث46

          الحروف والأدوات: قال: "ومن حرف من الأضداد: تكون لبعض الشيء، وتكون لكله، فكونها للتبعيض لا تحتاج فيه إلى شاهد، وكونها بمعنى كل شاهده قول الله – عز وجلّ – "ولهم فيها من كل الثمرات" معناه كل الثمرات47

التصغير: قال: والجذيل تصغير الجذل، وهو الجذع: وأصل الشجرة.

والعَذيق: تصغير العِذق وهو الكياسة والشمّراخ العظيم48

د. القضايا البلاغية:

   امتلك ابن الانباري حساً بلاغياً من خلال الآراء التي جاء بها في كتابه، فتعرض للفنون البلاغية المختلفة كالجناس والاستعارة والتشبيه وغيرها، ومنها:

   الاستعارة: في شرحه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استثفري وتحيضي في علم الله ستا أو سبعاً ثم اغتسلي وصلي49

   قال: واستثفري له معنيان: يجوز أن يكون شبَه اللجام للمرأة بالثفر للدابة إذا كان ثفر الدابة يقع تحت الذنب، ويجوز أن يكون استثفري كناية عن الفرج لأن الثفر للسباع بمنزلة الحياء للناقلة ثم يستعار من السباع فيجعل للناس وغيرهم.

 

          قال الأخطل:

جزى الله فيها الأعورين ملامة                وفروةَ ثِفرَ الثورةِ المتضاجم50

فجعل للبقرة ثفراً على جهة الاستعارة51

  المجاز والتشبيه: قال ابن الأنباري: وقال امرؤ القيس:

وأفلَتَهنّ عِلياءَ جريضا                ولو أدركنه حَفِرَ الوطابُ

          فُسر قوله صَفِر الوطاب تفسيرين: أحدهما: قُتِلَ وأخرج روحه من جسده، فصار جسده بعد خروج الروح منه كالوطب الخالي من اللبن، والوطب للّبن بمنزلة الزّقِّ للعسل والنّحي للسمن، وتأويل صَفِرَ: خلا. جاء في الحديث: إن أصفرَ البيوت لبيت لا يُقرأ فيه كتاب الله.

والتفسير الآخر: لو أدركت الخيل عِلباء قتل.

          وأخذت إبله فَصَفِرت وِطابه من اللبن. فالجواب الأول على المجاز والتشبيه52

2. شواهد الكتاب ومصادره

القرآن الكريم:

          أتى ابن الأنباري على جميع القرآن الكريم فاستقى من سوره، وفسّر عدداً منها، وذكر آراء المفسرين في ذلك، ويمكن أن نوضح ما يأتي:

 

أ‌.       تفسير الآيات القرآنية:

          قال ابن الأنباري: "ومما يفسر كتاب الله – عز وجلّ – تفسيرين متضادين قوله – جلّ اسمه – (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه). فيقول بعض المفسرين: الرجل المؤمن هو من آل فرعون؛ أي: من أمته وحيه ومن يدانيه في النسب. ويقول آخرون: الرجل المؤمن ليس من آل فرعون، إنما يكتم إيمانه من آل فرعون، وتقدير الآية عندهم: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون53

ب- مناقشته لآراء المفسرين والإتيان بآراء جديدة

     ومن ذلك رأيه في آيات سورة يوسف التي أثارت جدلاً بين المفسرين، والآية: "ولقد همّت به وهمّ بها". قال ابن الأنباري: "ولا وجه لأن نؤخر ما قدم الله، وتقدم ما أخر الله" فيقال: معنى (ةهم بها) التأخير مع قوله – عز وجلّ – "لولا أن رأى برهان ربه" إذ كان الواجب علينا واللازم لنا أن نحمل القرآن على لفظه، وأن لا نزيله عن نظمه – إذا لم تدْعنا إلى ذلك ضرورة – وما دعتنا إليه في هذه الآية ضرورة – فإذا حملنا الآية على ظاهرها ونظمها كان (همّ بها) معطوفاً على (همّت به) – و (لولا) صرف مبتدأ جوابه محذوف بعده، يراد به لولا أن رأى برهان ربه لزنى بها بعد الهمّ – فلما رأى البرهان زال الهم – ووقع الانصراف عن العزم54

 ت- يتعرض في شروحه إلى القراءات القرآنية:

   قال في قوله تعالى: "يرونهم مثليهم رأي العين"، ومن قرأ "تَروْنهم مِثليهم" جعل الفعل لليهود أي: يا معاشر اليهود – ترون المشركين مثلي المسلمين – وقال أبو عمرو بن العلاء: من قرأ (ترونهم) بالتاء لزمه أن يقول: مثليكم – فرُدّ هذا القول على أبي عمرو – وقيل: المخاطبون: اليهود، و(الهاء) و (الميم) المتصلتان بمثل للمسلمين55

 الحديث الشريف:

          استشسهد ابن الأنباري بالحديث النبوي في توثيق آراءه، ومن أهم ما وجدته في استشهاده بالحديث أمرين:

   أحدهما: شرحه لعدد من الأحاديث النبوية، وعدم الاكتفاء بذكرها، ومن ذلك قوله، وفي الحديث: "أفضل الحجّ العجُّ والثجُّ" فالعجُّ: التلبية، والثجُّ: صب الدماء56

    الآخر: يذكر في أحاصين أكثر من رواية للحديث، نحو قوله: عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما هاجر إلى المدينة ودخلها جاءت ناقته إلى موضع المنبر فاستناخت وتلحلحت، وفي غير هذا الحديث: وأزرمت.

فمعنى تلحلحت ها هنا: أقامت وثبتت57

الشعر العربي:

رصدت عدداً من النقاط التي اتبعها ابن الأنباري في شواهده الشعرية، وهي:

ا-بين الشعر بالشعر: وذلك في مواطن عدّة، فيأتي بالبيت من الشعر ثم يتبعه بما يشبهه، قال: "قال الشاعر يصف قِدراً:

تقسم ما فيها فإن هي قُسمَت                          فذاك وإن أكرت فعن أهلها تكرى

 أراد: فإن نقصت فعن أهلها تنقص، أي: ضرر النقصان على أهلها يرجع.

وشبيه بهذا قول الآخر:

أقسم جسمي في جسوم كثيرة                         وأحسو قراح الماء والماء بارد

الشعر البدوى

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد الله السلايمة
نشر بتاريخ: 17 أغسطس 2007
انشأ بتاريخ: 17 أغسطس 2007
الزيارات: 10
 

الشعر البدوى

إشكالية ثنائية البداوة الحضارة

بغض النظر عن اختلافنا مع المفكر العربى الكبير عبد الرحمن بن خلدون في كتابه المقدمة حول مفهومه عن البداوة حيث يراها نقيضاً للحضارة وضداً لها، لما يغلب على طبيعة أهل البادية من الخروج على ربقة الحكم، ومن نظام وأسلوب حياتهم غير المستقر، تلك الطبيعة التي يراها ابن خلدون منافية للعمران ، لما يتطلبه البناء من استقرار، أو اتفاقنا مع بعض ما ذهب إليه المفكر الفرنسي المعروف " جاك آتالى " في كتابه الأخير " الإنسان البدوي "حيث يرى أن البدو لم يكونوا ، وعلى العكس من المفهوم الخلدونى، والصورة الشائعة عنهم متوحشين يهدمون الحضارة ، ويقوضون المدن، بل هم في الحقيقة ـ كما يقول آتالى ـ قوى الإبداع والاكتشاف الحقيقية التي أنشأت كل الإمبراطوريات .

وإذا اتفقنا أن من سمات البداوة عدم الاستقرار والترحال الدائم طلباً للماء والكلأ، أو بأنهم حسب ما يعرف في الأدبيات الاجتماعية " حالة رعوية" هل ذلك يعطينا الحق في النفور من تراثهم الذي يعد بكل ألوانه وصوره المكون الأساسي لحضارة البادية، ولشعرها البدوي كأحد مفردات التراث البدوي الشفهي لأن أبناء البادية وحدهم الذين يختصون بإبداعه ، ولرفض لغتهم التي هي معين شعرهم .

و لأن اللغة هي معين شعرهم، ويرفضها الحضر لأنها مسكونة بالبداوة ، مما يعد رفضاً بدوره لقيم الصحراء التي يستلهمها هذا الشعر ، بل رفضاً لحياة البادية في عمومها التي تشكل المادة الفنية لهذا الشعر، هذا الرفض وإن اتخذ شكل الصراع بين العامي والفصيح ، تحكمه جدلية الصراع الأزلية بين البدو بثقافتهم الشفهية ، والحضر بثقافتهم الكتابية ، وانتصار الثقافة الكتابية على الثقافة الشفهية يعنى في نهاية المطاف انحسار البداوة وقيمها أمام الزحف المدني المدجج بالتكنولوجيا والأيديولوجيا وأدوات الكتابة .*(1)

وفى تتبعنا لتاريخ العلاقة بين البدو وبين الحضر، ومحاولة تفسير إشكالية الصراع بينهما نجد أنفسنا بحكم ثقافتنا المدرسية، وتنشئتنا الكتابية، نتبنى دونما أن نشعر موقفاً ذهنياً ومعرفياً لا يختلف في بنيته وتكوينه عن موقفنا تجاه الأدب البدوي، ونتقمص دوماً، وبدون وعى منا وجهة النظر المدنية الحضرية المنحازة ضد البداوة.

وعلينا إذا ما أردنا فهم الثقافة البدوية فهماً حقيقياً أن نتجاوز تحيزنا لهويتنا الحضارية، وأن نفهم حقيقة البداوة أولاً لا كضد الحضارة ومنافياً لها، وأن البداوة لا تتعدى كونها " حالة رعوية" وفوضوية لا تستحق غير النفي والإقصاء ، بل علينا أن نفهم الثقافة البدوية من داخلها ووفق شروطها هي ، حتى نتمكن من رؤية العالم بعيون بدوية ، وأن البداوة ليست رمزاً للفوضى والدمار وإنما كثقافة مكيفة لاستغلال مناطق إيكولوجية وموارد طبيعية غير متاحة، ولا تتواءم مع طبيعة الحياة الحضرية، بعدها علينا أن نعيد تقييم علاقة البدو مع الحضر، وتفهم طبيعتها من وجهة النظر البدوية والحضرية على حد سواء.* (2)

وإذا كانت الحضارة تعرف بأنها حصيلة من الذكريات التي تعبر عن نفسها في شكل نظم فكرية تكشف عن كنهها في كل مظاهر الحياة اليومية, وفي حصيلة المعارف المتوارثة التي تحدد الممنوع والمرغوب فيه قولاً وفعلاً, وفي كل شكل من أشكال الإبداع التي تفهمها الجماعة, وتكتشف فيها أبعاد إدراكهم للمحدود واللامحدود فيما وراء الفهم الحسي. (3).


 ويعد التراث الشعبي عملية طبيعية تنتمي كل الانتماء إلى العملية الحضارية, فهو لم يوضع وضعاً وإنما نشأ من خلال عملية معقدة, تتراكم فيها المعارف الحياتية والكونية, وهذه المعارف تظل تـغربل وتـُنقى حتى تستقر في تشكيلات فنية ذات قيم إشارية عالية, وقيم جمالية شديدة الخصوصية. (4).


والشعر البدوي كأحد مفردات التراث البدوي الشفهي ، والذي ـ فيما أزعم ـ  يضيف رافداً جديداً للأدب في الوقت الذي أفقدت الحداثة في شعر الحداثيين بعض خصائصه الجمالية ، وإن أثرت حقوله الدلالية اللغوية، إلا أن الأصالة لها من السمات القادرة على إحداث التوازن بين الشكل والمضمون ، وبين المعنى والمبنى ، لذا غدا الشعر البدوي ـ فيما أحسب ـ همزة الوصل بين الأصالة والمعاصرة ، لأنه يدخل للشعر مفردات لهجية ، وحقولا دلالية ولغوية لم تكن موجودة من قبل ، كما يضيف للقاموس اللغوي مفردات جديدة، وأفضية زمانية ومكانية ، لتعيد لنا قضية المطبوع والمصنوع في الدرس البلاغي ، كما تحيلنا إلى البلاغة الجديدة عبر فضاءات الألسنية ، وتلك ـ أظنها ـ سمات وخصائص تخدم اللغة والأدب معاً ، وتضيف أبعاداً جديدة للدرس الأدبي والنقدي معاً . *(5)

وهذا يدعونا لمحاولة بدء جادة وحيادية لاستكشاف حقيقة البداوة والثقافة البدوية، وعلاقة البدو والحضر ، تلك العلاقة التي تقوم على التعاون والتكامل والإجلال .

وتقتضى الضرورة هنا الإشارة إلى أنه إذا كان التشبث بالتراث رجعية ـ كما يظن بعض مثقفينا الأفذاذ الذين لا يتوانون عن اللهاث خلف قيم الحضارة السوقية ـ فأمامهم اليابان كنموذج يحتذى به،  حيث تجمع بين إنتاج أحدث منتجات العصر تكنولوجياً ، أما على المستوى الثقافي فهي رجعية ـ إن صح القول ـ لأنها تتمسك إلى أبعد الحدود بموروثها الثقافي والشعبي والمحلى .

ترى هل يستيقظ ضمير تلك الفئة، وضمائرنا نحن قبل أن نواصل ـ وبجهل منا ـ ارتكاب جرم لن تغفره لنا أجيال قادمة سوف تجيء، ربما وجدت نفسها بلاهوية أو شخصية، وربما ذاكرة أمة غيبها أبناؤها قبل أن يغيبها أعداء يتربصون بلا كلل بتاريخ وحضارة وذاكرة أمتنا ليل نهار.. فهل من مستيقظ ؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-    د/سعد بن عبدا لله الصويان ، البداوة والحضارة ، عن صحيفة الجزيرة الإلكترونية

2-    المصدر السابق

3-    د/ نبيلة إبراهيم ، الصور الجمالية للتعبير الشعبى ، الهيئة العامة لقصور الثقافة،مصر1996

4-    نفس المصدر

5-    حاتم عبدا لهادى السيد،الشعر البدوى فى سيناء،دراسة مقدمة لمؤتمر السويس الأدبى،مصر2007

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الخيال الشعري وعلاقته بالصورة الفنية

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد الحميد قاوي
نشر بتاريخ: 16 أغسطس 2007
انشأ بتاريخ: 16 أغسطس 2007
الزيارات: 8

الخيال الشعري وعلاقته بالصورة الفنية

الأستاذ عبد الحميد قاوي

جامعة عمار ثليجي – الاغواط- الجزائر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رقم الجوال : 0790656249

ملخص

 

الصورة الفنية صياغة فنية تهب المعنى المجرد شكلا حسيا يمكّن حواس الإنسان الظاهرة والخفية من التفاعل معها تفاعلا إيجابيا عن طريق تلق مفتوح يتجدد باستمرار، كما تنوه على ذلك المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة. ولمّا كان نقادنا القدامى قد تناولوا مفهوم الصورة الشعرية في منظومتين بلاغيتين هما المشابهة والمجاورة, اعتمادا على استقصاء الأوجه البيانية من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز مرسل.. فإن نقادنا المحدثين جعلوا المفهوم مواكبا للفتوحات الإبداعية المستجدة بما فيها من تغيرات وتحولات، خاصة على أيدي رواد المدارس الأدبية والمناهج النقدية الحديثة . ولقد كان الخيال - وما يزال - المبحث الأسمى من مباحث الأدب، والكلام الذي لا يدل على درجة من درجات الخيال لا يدخل باب الفن بحال من الأحوال، والخيال هو مصدر الصورة الخصب، ورافدها القوي، وسر الجمال فيها، وهو نظرية جديدة حديثة في مفهوم الصورة الفنية حيث تعتمد عليه كلية. وبناء على هذا جاء هذا البحث لبيان الوشائج والروابط بين الخيال الشعري والصورة الفنية لإيضاح هذا المصطلح ( اعني الصورة الفنية ) الذي غمض والتبس على الكثير من قرائنا والمشتغلين في حقل الإبداع والنقد الأدبي  .

 

 

توطئة :  

لا جرم أن الفنون الجميلة  تشترك في أنها تعبير عن تجربة الفنان الشعورية سواء كان هذا في زوايا ذاته ، أو في احتكاكها وتفاعلها مع الآخرين، أو في تأملها لهذا الكون الذي نعيش فيه ([1]) إلا أن الأداة التي يتوسل بها كل فن من هذه الفنون الجميلة في تجسيد تجربته وتحقيق غايته هذه، تختلف من فن لآخر فهي في الموسيقى أصوات وأنغام، وفي النحت أحجام وأشكال، وفي التصوير ألوان وخطوط، وفي الرقص إلتواءات وحركات...([2]).

ثم إن الإحساس بجمال هذه الفنون جميعا لا يتولد لدى الإنسان من تأثير مظهرها أو شكلها الخارجي على حواسه فقط، بل بالمعنى الذي توحي به، فالإحساس بجمال الرسم أو الموسيقى- مثلا- لابد أن يتبعه إحساس ما بالمعنى الذي توحي به الألوان والظلال في الرسم، أو الأصوات والأنغام في الموسيقى و إلا أصبحت ضربا من البعث لا طائل من ورائه.

والأدب – بضربيه- واحد من هذه الفنون الجميلة، مادته الألفاظ والعبارات وجماله يتأتى من ترابط ألفاظه وعباراته، وتعاونهما في تقديم صورة فنية جميلة موحية ذات معنى يهتز لها المستمع (أو القارئ، المتلقي) وتطرب له نفسه.

- وكلمة "أدب" في ظاهرها تبدو كلمة موجزة، بسيطة لا لبس فيها ولا تعقيد ولكن محاولة الاقتراب منها لتعريفها تعريفا دقيقا، محددا يبين لنا أنها جد معقدة، وحسبنا في توضيح هذا التعقيد أن نذكر أن الذين حاولوا تعريف هذه الكلمة 'أدب) –على كثرتهم- لم يتفوا بعد في تقديم تعريف محدد، جامع مانع لها، ولا تزال المحاولة التي يبذلها النقاد، والدارسون في تعريف الأدب وتفسيره، دليلا واضحا  وبرهانا قاطعا على ما بينهم من اختلاف في تحديد معناها ومدلولها.

وقد جرت عادة الكثير من المؤلفين والدارسين للأدب أن يميزوه بالخيال والابتكار فالأديب إنسان متخيل مبتكر، وقد خصه الله تعالى بالحس المرهف والخيال الخصب الذي يتيح له أن يتجاوز حرفية المعطيات ويركب من شتات العناصر شيئا جديدا مبتكرا، لا يصل خيال عامة الناس إلى مثله وإن كانوا يعرفون من قبل هذه الأشتات المفرقة من العناصر، ولكن خيالهم يقصر بهم على أن يصوغوا  في النهاية من هذه العناصر المبعثرة المتفرقة شيئا منظما مبتكر([3]) .

فالخيال – إذن- هو المبحث الأسمى من مباحث الأدب، والكلام الذي لا يدل على درجة من درجات الخيال لا يدخل باب الفن بحال من الأحوال-كما تقول سهير القلماوي- . ومن هنا أمكننا أن نتخذ الخيال أساسا في النقد الأدبي([4]).

إن خيال الأديب طاقة تستمد وجودها من الواقع المعاش ، لا يضيف إليها ولا ينقص منها إلا ما تتطلبه الرؤية الفنية للأشياء، فمادة الخيال – إذن – لا توجد من العدم، وإنما هي حقائق لها وجود خارجي يصنفه الأديب تصنيفا خاصا مستلهما من رؤيته الفنية([5]).

وقد كان الخيال- ولا يزال- محورا نقديا هاما في المناقشات النقدية ولقد حاول نقادنا المعاصرون أن يطبعوه بطابع يتسق ودوره في تشكيل الصورة الفنية المبدعة والتعبير عن ذات الفنان([6]) وتمثّّل هذا في موقفين:

أحدهما: اكتفى بترديد نظرية كولريدج في الخيال، وأثرها في تشكيل الصورة الفنية([7]) .

والآخر: برز في محاولة طائفة من نقادنا المعاصرين في البحث عن جذور هذا المصطلح في تراثنا النقدي والبلاغي والفلسفي القديم، وتضاربت آراؤهم في هذا فمنهم من رأي أن العرب القدماء لم يهتموا بملكة الخيال. وإنما كانت نظراتهم النقدية المختلفة تعتمد على التنظيم والتعقيد وتهتم به اهتماما بالغا، حتى في أدق الأمور التخيلية كالتشبيه والمجاز والاستعارة([8]).

ومنهم من رأى أن العرب وإن لم يعرفوا مصطلح "خيال بمعناه المعاصر الحديث، فإنهم عرفوا مصطلحا آخر أمكننا اتخاذه كبديل لمصطلح خيال هذا المصطلح هو التخييل الذي يرادف لغويا التوهم، وهو في الأصل من المصطلحات الفلسفية، انتقل من دائرة البحث الفلسفي إلى دائرة البحث البلاغي والنقدي، نتيجة ذلك الاحتكاك الفكري المستمر بينها ([9]) .

وبما أن الخيال أداة الصورة الفنية ومصدرها فإن الحديث عن الصورة الفنية التي هي محور دراستنا في هذا الفصل بمعزل عن دراسة الخيال الشعري يعد ضربا من العبث وجهدا لا طائل من ورائه.

كيف لا ؟ والخيال هو مصدر الصورة الخصب، ورافدها القوي، وسر الجمال فيها فالخيال- إذن- هو مصدر هذا كله، وهي نظرية جديدة حديثة في مفهوم الصورة الفنية حيث تعتمد عليه كلية.

وبناء على ما تقدم، أمننا القول، إن دراسة الخيال هو المدخل المنهجي والمنطقي لدراسة الصورة الفنية، ويجدر بنا قبل أن نتكلم عن علاقة الصورة بالخيال أن نشير إلى نقطة هامة وهي أن كل الدراسات الحديثة والمعاصرة تؤكد صعوبة تحديد مصطلح الصورة إذ تتعدد مفاهيم هذا المصطلح حسب تعدد الاتجاهات النقدية والأدبية وتطور الحقول المعرفية التي يتكئ عليها النقد في تقديم أعماله، وعدم الاتفاق بين هذه المدارس حول تعريف محدد مضبوط لها.

وأجدني غير مبالغ لو قلت: إن مصطلح الصورة الشعرية من بين المصطلحات الأكثر التباسا في النقد الحديث والمعاصر، ليس فقط  لتعدد مفاهيم هذا المصطلح -كما أشرنا سابقا – بل ولارتباطه بالعملية الإبداعية الشعرية ذاتها من جهة، و وجود مصطلحات أخرى متداخلة معه كالصورة الفنية، والصورة الأدبية ، والصورة البيانية، والصورة البلاغية...الخ([10]).

وقد اختلف النقاد في بعد هذا في قضية تأصيل المصطلح، فمنهم من دافع عن أصالته في نقدنا العربي القديم، ومنهم من تعصب لحداثته لا يرى أي امتداد تراثي فيه.

والمتتبع في تراثنا النقدي والبلاغي والفلسفي القديم يجد ورود هذا اللفظ- أعني الصورة – في نصوصهم النقدية والبلاغية والفلسفية القديمة، وسنقتصر على إيراد النصوص التي يقترب فيها اللفظ من المصطلح الحديث ويطالعنا في البدء تعريف الجاحظ للشعر، يقوم: « إنما الشعر صناعة، وضرب من النسيج، وجنس من التصوير»([11]).

وقد ارتبط هذا المفهوم بالثنائية الحادة التي شغلت نقادنا القدامى على المفاضلة بين اللفظ و المعنى طبقا للمفهوم الصناعي للشعر، ويذهب جابر عصفور أن المصطلح يشي بثلاثة مبادئ:

أول هذه المبادئ : أن للشعر أسلوب خاص في صياغة الأفكار، أو المعاني وهو أسلوب يقوم على إثارة الانفعال، واستمالة المتلقي إلى موقف من المواقف.

وثاني هذه المبادئ: إن أسلوب الشعر في الصياغة يقوم - في جانب كبير من جوانبه على تقديم المعنى بطريقة حسية، أي أن التصوير بترادف مع ما نسميه الآن بالتجسيم .

وثالث هذه المبادئ: أن التقديم الحسي للشعر يجعله قرينا للرسم ومشابها له في طريقة التشكيل والصياغة والتأثير والتلقي، وإن اختلف عنه في المادة التي يصوغ بها ويصور بواسطتها»([12]) .

ولكن الجاحظ لاشتغاله بثنائية اللفظ والمعنى جعلته لا يقدم لنا مفهوما متماسكا عن فكرة التصوير.

ويتعرض قدامة بن جعفر لهذا اللفظ عند تكلمه عن الصناعة الشعرية فيقول: «  إن المعاني كلها معروضة للشاعر، وله أن تكلم فيما أحب وآثر من غير أن يحضر عليه معنى يروم الكلام فيه، وإذا كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر كالصورة ، كما يوجد كل صناعة، من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور فيها مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة»([13]) .

فالصورة حسب مفهوم قدامة الوسيلة أو السبيل لتشكل المادة وصوغها شأنها في ذلك شأن غيرها من الصناعات، وهي أيضا نقل حرفي للمادة الموضوعة، المعنى يحسنها ويزينها ويظهرها حلية تؤكد براعة الصائغ من دون أن يسهم في تغيير هذه المادة أو تجاوز صلاتها ، أو علائقها الوضعية المألوفة([14]).

وقد ربط القاضي الجرجاني في وساطته الصورة بروابط شعورية تصلها بالنفس وتمزجها بالقلب في موقفه، وهو يدافع عن المتنبي- بأمور يحسها في شعره، تعجز النعوت عن نعتها، فموقع الكلام- كما يقول- أمر تستخبر به النفوس المهذبة و تستشهد عليه الأذهان المثفقة، وإنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الجمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة وأدنى إلى القبول وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم –وإن قاست واعتبرت ونظرت وفكرت- لهذه المزية سببا، ولما اختصت به مقتضيا([15]).

وبقي هذا المفهوم الذي صاغه القاضي الجرجاني للصورة مجرد إحساس محض إلى أن جاء عبد القاهر الجرجاني ، فاقترب بهذا المفهوم إلى المفهوم المعاصر له وارتبط هذا بنظريته المشهورة في النظم، فلم ينظر عبد القاهر الجرجاني إلى الشعر على أنه معنى أو مبنى يسبق أحدهما الآخر، بل نظر إليه جملة واحدة، على أنه معنى ومبنى ينتظمان في الصورة لا سبق، ولا فضل ولا مزية لأحدهما عن الآخر، يقول عبد القاهر في هذا الصدد:

« وأعلم أن قولنا الصورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة فكان بين إنسان من إنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في هذا، ولا تكون صورة ذاك... ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا، عبّرنا عن ذلك الفرق بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل في كلام العلماء، و يكفيك قول الجاحظ :وإنما الشعر صناعة، وضرب من التصوير»([16]).

والذي يمكن أن نستخلصه من هذا النص أن لفظ الصورة لم يكن من إبداع عبد القاهر الجرجاني، بل كان مستعملا قبله في قول العلماء، وأنه تمثيل وقياس فإذا كان الاختلاف بين الأشياء الموجودة في الطبيعة إنما يكون في الصور المختلفة التي تتخذها تلك الأشياء فالأمر يختلف بالنسبة للمعاني، فالاختلاف بين المعاني في أبيات الشعر المختلفة راجع إلى الاختلاف بين الصور التي تتخذها المعاني في تلك الأبيات المختلفة وجلي أن الصورة هنا لا تشير إلى مفهوم التقديم الحسي، بقدر ما تشير إلى طريقة الصياغة أو النظم التي بها، وتتحد تبعا لها قيمة النص الأدبي([17]) .

فمناط الفضيلة في الكلام راجع إلى الصورة التي يرسمها النظم، والنظم عند القاهر يرادف الصياغة([18])، فإذا قلنا النظم إنما نعني به الصياغة التي حدثنا عنها عبد القاهر الجرجاني في قوله: « ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب يصاغ منها خاتم أو سوار»([19]).

وإذا كان النظم- هذا- هو محور كتاب عبد القاهر الجرجاني دلائل الإعجاز ومناط بحثه وجوهر نظريته في الإعجاز، فإن فكرة التصوير هي محور فكرة كتابه أسرار البلاغة الذي اتخذه لتحليل الصورة الأدبية، وبيان منزلتها في الشعر خاصة ودورها في التأثير النفسي([20]).

وتحمل فكرة التصوير في جانب من جوانبها فكرة التجسيم المعنوي، وتمثيل الشيء في المخيلة، لذا راح عبد القاهر الجرجاني يقارن بين التصويرات والتخييلات الشعرية وبين تصاوير الرسامين([21]) .

وقد تطرق عبد القاهر الجرجاني إلى الشبه بين طريقة الشاعر في تشكيل مادته وطريقة الرسام من زاوية حسن التأليف، وبراعة المحاكاة، فلاحظ أنهما يهدفان إلى إحداث الانسجام والتناسب بين أحرفه وكلماته في القصيدة، والرسام يحدث هذا بين ألوانه وأشكاله([22]).

ولم يقف عبد القاهر عند هذا الحد، بل تعداه إلى ملاحظة قدرة كلا من الشاعر الرسام على إحداث التأثير على إحساسات وتخيلات المتلقي، فلاحظ أن كلا من الشاعر والرسام بطريقته الحسية في التقديم، ونجاحه في صياغة مادته يمكن أن يحدث تأثيرا خاصا في نفوس المتلقين، ويمكن أن يوقع المحاكيات في أوهامهم وحواسهم بطريقة تجعلهم ينفعلون أشد الانفعال([23]) .

وقد نجمت عن هذه المقابلة التأكيد على الخصائص البصرية، والوضوح في عملية التصوير ومن ثم قيل « إن الشعر بما يقوم عليه من تخييل، يمثل لمخيلة المتلقي مشاهدة بصرية واضحة، وأن أفضل الوصف ما قلب السمع بصرا، وجعل المتلقي يتمثل مشهدا منظورا كأنه يراه ويعاينه»([24]) .

ولا يخف علينا ما لهذه النظرة من إهمال لخيال المبدع فكأن خيال الفنان ما هو إلا تقديم الصور الحقيقية البصرية .

ومن ثم أمكننا أن نقول: إن عبد القاهر ركز في كتابه أسرار البلاغة على ما تحدثه الصورة في أحساسات وخيالات المتلقي أكثر من تركيزه على بيان طبيعة الصورة الفنية.

ويمكننا بعد أن قدمنا لمحة موجزة عن دلالات الصورة في نقدنا العربي القديم أن نقدم لمحة أخرى مماثلة لدلالات هذا المصطلح في النقد الغربي الحديث.

تنحصر دلالات لفظه صورة عند الغربيين في خمس دلالات هي([25]):

1.      - الدلالة اللغوية المعجمية : وهي أقدم الدلالات ، فقد كانت تستعمل في ميادين مختلفة إلى أن اقتصر معناها في الدراسات الحديثة على نطاق الدراسات اللغوية، وعلم المعاني وأصبحت تعني: نسخة copy أو صورة Picture بتمثيل أو محاكاة حرفية لموضوع خارجي.

2.      - الدلالة الذهنية وميدان استعمالها الفلسفة، وتدل على أن الصورة وحدة بناء الذهن الإنساني، ووسيلته لمعرفة الأشياء، وافترضت الفلسفة اليونانية القديمة ثنائية (الصورة والمادة) وهي ثنائية لا تمازج بين طرفيها، وعدّوها مقابلة للمادة الموجودة في الخارج.

3.      - الدلالة النفسية: وتقترب هذه الدلالة من الدلالة الذهنية، إلا أنها تقتصر في مجال علم النفس.

4.      - الدلالة الرمزية: وحقل استعمال هذه الدلالة الدراسات الانثروبولوجية، والصورة في هذه الدراسات هي القصيدة كلها بوصفها رمزا يكشف على أشياء كثيرة متعلقة بذات الفنان المبدعة.

5.      - الدلالة البلاغية: وتستخدم هذه الدلالة مرادفه للدلالة البلاغية للصورة([26]).

 

ويختزل نورمان فريدمان هذه الدلالات الخمس للصورة إلى ثلاث دلالات هي([27])

1- الصورة الذهنية

2- الصورة بوصفها مجازا.

3- الصورة بوصفها أنماطا تجسد رؤية رمزية أو حقيقة حدسية.

ويكون  الاهتمام في الصورة الذهنية منصبا على ما يحدث في ذهن القارئ أو ما تولده في ذهنه وهي محددة في هذه الدلالة بكونها حسية تصف العلاقة بين العبارة المكتوبة في الصفحة والإحساس sensation الذي تولده في الذهن، ويتضمن بحث مشكلتين متوازيتين: تتصل أولاهما بوصف القدرات الحسية لذهن القارئ بطريقة موضوعية وتحليلية، وتتصل ثانيتها بفحص واختبار، وربما تحسين قدرة القارئ على تقدير قيمة الصورة في الشعر والمنهج المستخدم في ظل هذا التعريف منهج إحصائي بمعنى أن يقرأ الدارس القصيدة التي يحللها، ثم يسجل بطريقة إحصائية وتصنيفية الصور المختلفة التي يمكن أن تثيره في ذهنه([28]) ،وتولي هذه الدلالة العنصر الحسي من عناصر الصورة أهمية بالغة.

أما دلالة الصورة بوصفها رمزا فتهتم بطبيعة العلاقة بين المجاز والحقيقة ويرتبط التعريف الثالث والأخير بوظيفة أنماط الصورة الفنية ، سواء حقيقية أو مجازية أو كليتها معا باعتبارها رموزا تستمد فعاليتها من التداعي السيكولوجي([29]).

وقد اختلف النقاد- بعد هذا- في أي الدلالات يمكن اتخاذها أساسا للنقد فنجمت عن هذا الاختلاف مناهج عدة، تبنى كل منهج فيها دلالة، أو أكثر من تلك الدلالات، ويمكن حصرها في ثلاثة مناهج هي:

1.      المنهج النفسي والمنهج الرمزي والمنهج الفني أو البلاغي([30])

وبعد هذا المسح الشامل لمفهوم الصورة أمكننا الوقوف بشيء من التفصيل عند طبيعة الصورة الفنية، متخذين من دراسة الخيال-كما سبق وأن أشرنا – المدخل المنطقي لدراستنا.

 

علاقة الصورة بالخيال:

يتوسل الشعر في النقد بالمحاكاة، أو بالتخييل بمعنى أدق، وهو المرتبط بالخيال في التصوير الفني. فالتخييل هو العنصر الهام في الشعر، وهو المؤثر في النفس، بل هو المحك على جودة الشعر أو رداءته، ولهذا التخييل في الشعر- كما يقول إحسان عباس-  «قيمة العلم في البرهان، والظن في الجدل، والإقناع في الخطابة»([31]) لأن هدف التخييل أو المحاكاة الإثارة والحفز إلى الفعل بغض النظر عن صدق التخييل أو عدم صدقه، حقيقته في ذاته أو عدم ذلك، وبالتالي فإن ذلك هو السبب في قدرته على التأثير، وذلك لما يسببه من استمتاع ولذة([32]) .

والمتتبع لدراسة هذه الملكة - أي الخيال- عبر العصور يجد اختلافا كبيرا في اهتمام النقاد والفلاسفة بها، ويرجع هذه الاختلاف بين النقاد والفلاسفة إلى اختلاف اتجاهات الأدباء، وطبيعة كل عصر وقيمه الفنية.

فمعروف أن  قدماء اليونان قد اهتموا بكلمة خيال لكن اهتمامهم بها كان مقيدا ومرتبطا بعقيدتهم القائلة بان الشعراء متبوعون ، وأن أرواحا خفية- إما شريرة أو خيرة- تتبعهم([33]) .

إن أدب قدماء اليونان قد ارتبط ارتباطا وثيقا بمعتقداتهم الدينية، ومعبوداتهم التي ألهمت الشعراء والأدباء، وخلدت أعمالهم الأدبية التي لا زال التاريخ إلى يومنا يحفظ لنا منها الكثير.

فقد عبد اليونانيون في تاريخهم القديم آلهة متعددة، اعتقدوا أنها تتحكم في القوى الطبيعية، وتصوروا أنها ذات طبيعة بشرية تعيش كعائلة واحدة في جبل " أولمب" وتفننوا في تكريمها ببناء المعابد، ونحت التماثيل، وإقامة الحفلات التي تتخللها مهرجانات رياضية، ويعد "زيوس" كبير الأرباب و "أريس" إله الحرب و" أفروديتا" إلهة الحب و الجمال و " أبولون" إله الشمس والموسيقي و" أثينا" إله الحكم والذكاء ... من أشهر الآلهة التي عبدوها.

وقد ألفت حول هذه الآلهة قصصا وأساطير تسرد أعمالهم وكفاحهم وبلاءهم الذي خولهم أن يرتقوا إلى مرتبة الألوهية والتقديس، فتلقف الشعب اليوناني هذه القصص والأساطير، ودخلت قلوبهم، فتكونت منها عقيدتهم([34]).

ولقد سجل لنا الشعر اليوناني تلك القصص والأساطير، ثم كانت من بعد ملاحم ومسرحيات يقوم بتمثيلها عدد من الممثلين المنشدين، وتشهدها الألوف من النظارة في المسارح.

وتأتي الإلياذة والأوديسا- المنسوبتان إلى شاعر اليونان"هوميروس" في طليعة تلك الأعمال التي خلدها لنا التاريخ([35]).

وكان من الطبيعي أن ينشأ وراء هذا التراث الأدبي الضخم نقد يقوم بتقويم هذه الأعمال، وقد كان الفلاسفة والمفكرون في مقدمة نقاد الأدب، لأن الأدب كان عندهم يمثل جانبا مهما من جوانب التفكير، ويأتي سقراط و أفلاطون و أرسطو  في طليعة أولئك الفلاسفة والمفكرين والمهتمين بالأدب ونقده.

اعتقد سقراط أن الخيال نوع من الجنون وظل هذا الاعتقاد سائد عند أفلاطون الذي كان يؤمن بأن الخيال ضرب من الجنون تولده ربات الشعر، وآلهته في نفس الشاعر « فكل الشعراء المجيدين، شعراء الملاحم وشعراء الغناء على السواء يؤلفون شعرهم الجميل لا عن فن أو حذق، ولكن يوحي إليهم، ولأن روحا تنقصهم»([36]).

واستنادا إلى فلسفته المثالية- التي ترى أن الوعي أسبق في الوجود من المادة – حكم أفلاطون على الفنون بما فيها الشعر على أنها قائمة على التقليد أو بعبارة أدق على محاكاة المحاكاة.

فأفلاطون يرى أن عمل الأديب يشبه عمل المرآة، فمحاكاته للأشياء، والظواهر الخارجية آلية فوتوغرافية ( أي تقليد حرفي) ، ولذلك فهو لا يقدم إلا صورة مشوهة لعالم الحائق، أو بعبارة أخرى تقليد للتقليد.

وتبعا لهذا رفض أفلاطون الفن بعامة، لأنه لا يمس الحقيقة، بل يكتفي بتمثيل معطيات الحواس التي هي في حد ذاتها صورة مشوهة([37]) .

وقد تتبع أرسطو خطى أستاذه أفلاطون في أن الشعر ضرب من المحاكاة إلا أنه منح مفهوم المحاكاة هذا مفهوما جديدا مغايرا لأستاذه.

فإذا كان أفلاطون قد عمم المحاكاة على جميع الظواهر والأشياء الخارجية، فإن أرسطو قد قصر مفهوم المحاكاة على الفنون  الجميلة المعروفة ولم ير  في المحاكاة النقل الحرفي لمظاهر الطبيعة بل ذهب إلى أبعد من ذلك حينما أوجب على الشاعر الذي يريد أن يصور الأشياء أن يضع نصب عينيه إحدى غايات ثلاث:

1.      أن يصور الأشياء كما كانت وتكون.

2.      أو كما يعتقد كيف تكون.

3.      أو كما ينبغي أن تكون([38]).

النقد وأممية العرب

التفاصيل
كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجي
نشر بتاريخ: 08 أغسطس 2007
انشأ بتاريخ: 08 أغسطس 2007
الزيارات: 9

النقد وأممية العرب

 

عبدالجواد خفاجى

 

ربما لن نختلف أن النقد ظاهرة حضارية، وربما لهذا ولأن الحضارة العربية ـ التي من المفترض أن يزدهر النقد في ظلها ـ في انحدار بالغ الحرج كان لابد أن يكون الاستنتاج المنطقي أن النقد العربي في انحدار أيضاً، ليس لأننا ـ كما يزعم البعض ـ متشائمون نقول هذا، بل الحقيقة لأننا واقعيون أكثر من غيرنا نردد مع حشرجات الأنا لحظة احتضارها: وا عروبتاه، وربما لأن أحداً لا يجيب، عاودنا الندبة بصيغ أخرى تتساءل : هل ثمة أحد  بالفعل معني بالإجابة ؟ هل ثمة أمة عربية بالفعل ؟ ربما لن أستعجل الاعتراض على مشروعية السؤال: هل بلغ النقد الأدبي العربي اليوم المكانة اللائقة به ؟ لكنما الاعتراض ـ بداية ـ على الزعم بأن ثمة نقد عربي يمكن أن يبلغ أو لا يبلغ، وعلى التفاؤل الذي يكتنف السؤال، الذي لم يعد يستوعب أنه نقد  يسير في سياق اللحظة الحرجة، ووفق اشتراطاتها، ووفق ما يرسمه لنا الآخرون، وربما وفق ما تفننه النخبة السلطوية في الوسط الثقافي من نفي لكل ما هو عربي، أو إسلامي، أو شعبي، أو جماهيري .. ربما قد يكون التساؤل الأوجه : إلى أي حد نحن ملفقون بين المناهج، ومزوِّرون لشخصيتنا، بما يتفق مع التوجهات الرسمية السلطوية .

 وربما إلى أي حد نحن منقسمون بين تيارات ومذاهب وفرق ونحل .. قد لا أعني الاختلاف الطبيعي في إطار التواجد الطبيعي الذي يؤطره السياق الحضاري العربي، وإنما أعني السياق غير الطبيعي عندما نتصارع على ما لدي الغير من خصوصيات نزعم ملكيتها، أو حتى إمكانية أن تكون ملكنا.

من الطبيعي أن تتكامل الحضارات أو تتصارع، ومن الطبيعي أن تتداخل المعرفة أو تتكامل، ومن الطبيعي أن السياق المعرفي الإنساني منفتح على مطلق المكان، ومطلق الزمان، لكن الذي ليس طبيعياً ألا تكون فاعلا في العصر بغير فعالية التبعية، وألا تكون متواجدا إلا لتباهي بمثل هذه التبعية، ومن العيب أن تكون تبعيتك تلفيقية ادعائية دعائية، ومن العيب أن تزعم أنك ـ رغم هذا ـ موجود هاهنا في العصر، وأنك مالك فعلا لشيء .

والإشكالية ليست في النقد في حد كونه نشاطاً عقلياً معرفيا له خصوصيته، ولكن في كون الواقع لم يعد سياقاً عربياً أمام النقد، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أن كلمة الواقع تشمل التاريخ والإنسان والأفكار الإنسانية فيما يتجسد أمام الرائي أو الراصد أو المعايش للحظة تاريخية ما . ليكن سؤالنا الأول إذن : هل في واقعنا ما يؤكد عروبتنا ؟ هل نحن بالفعل أمة عربية، هل نحن بالفعل أبناء ذلك التاريخ ؟ هل ننتمي فعلا إليه؟ هل واقعنا يؤكد هذا ؟ وقد تكون الإجابة صادمة .. ولما لا، ما دامت الصدمة مطلوبة ؟!.

 

أرى أن السؤال : ـ هل بلغ النقد الأدبي العربي اليوم المكانة اللائقة به ؟ سؤال كبير إلى حد ما، ومثير للعديد من القضايا،بقدر ما أنه مثير للشجون .. ليس لأنه يضعنا أمام راهن مبدد، وحضارة عربية مقهورة متقهقرة، وليس لأنه يضعنا إلى حد ما أمام مسئولية المواجهة، واشتراطاتها، ولكن لأنه يفترض مبدئيًا ما ليس قائمًا .

ربما لو سُئلتُ عن خصوصية الأمة العربية بصفتي واحدًا  من جيل ثورة يوليو، وبصفتي مخلصًا لتراثي العربي والإسلامي لأجبتك خضوعًا لسطوة الفكر العروبي القومي الذي تربينا عليه : نعم .. هناك خصوصية مصدرها الهوية الواحدة التي تحدد ملامحها اللغة والدين، والعادات والتقاليد، والمصير المشترك، وأكون بذلك قد أجبت مرتكزًا على خصوصية الثقافة كعنصر أساسي ومكون رئيس في حضارة أي أمة .. وأكون بذلك أيضًا خاضعًا للشعار الذي ظل يخفق فوق رؤوسنا لفترات طويلة .

بيد أن الأمر ليس خضوعًا للشعار الآن .. نحن في محك وجودي وصراع مصيري يستوجب علينا إعادة استقراء الواقع والتاريخ .

والأمر بداية خضوعًا لنقاش الخصوصية، والأولى هو أن نبدأ النقاش  حول الأممية .. هل نحن بالفعل أمة واحدة ؟

الأمة في اللغة معناها الطريقة والدين .. يقال فلان لا أمة له، أي لا دين ولا نحلة له، وقوله تعالى : " كنتم خير أمة " يقول الأخفش : يريد أهل أمة، أي خير أهل دين . وأمة كل نبي مَن أُرسل إليهم، سواء من آمن به ومن كفر، وكل جيل من الناس أمة على حدة، والأمة الجيل، والجنس من كل شيء ,وكل جنس من الحيوان أمة . والأمة هي الإمام : ومنها قوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله " قال أبو عبيدة أي إمامًا وعلى رأى آخر : الأمة هو الرجل الذي لا مثيل له، وأصل هذا الباب كله "أمم" بمعنى قصد : يقال أممت إليه أي قصدته . فمعنى الأمة في الدين أي مقصدهم مقصد واحد، ومعنى الأمة في الرجل : المنفرد الذي لا نظير له، أي أن قصده منفرد عن قصد سائر الناس .

هذه هي معاني الأمة .. فبأي شيء منها نحن أمة ؟ هل هي أممية الدين، أم الجنس، أم القصد الواحد .

الحقيقة أن أممية الدين بحاجة إلى نقاش واسع، فمحمد عليه الصلاة والسلام أرسل للناس كافة، وأمته بهذا المعنى هي كافة الناس من آمن به ومن كفر، هو ليس نبي العرب وإن كان جنسه عربياً .

أما لو قصدنا أممية من أسلموا، فسيظل السؤال : إسلام من نقصد ؟ .. الشيعة، أم السنة، أم الأشاعرة، أم المتصوفة، أم ......إلخ .. عرف التاريخ الإسلامي مللاً ونحلاً، وعرقيات، وقبائل، وبطونًا، وأفخاذًا، وطوائف، وفِرقاً، وجماعات، ومذاهب، وتكتلات دينية متعددة كلها إسلامية، وكلها تقضى على فكرة أممية الدين .. وفى رأيي أنها أممية كانت منذ أن أسس محمد عليه الصلاة والسلام دولته بعد الهجرة في يثرب وحتى اللحظة الفارقة التي جلس فيها المهاجرون والأنصار في سقيفة بنى ساعدة؛ لتداول أمر الخلافة، وحيث انتهى الاجتماع، ولم يُلتفت إلى مطلب الأنصار المتواضع: "منكم الأمير، ومنا الوزير" .. هو مطلب لو اُستجيب له لكان وجه التاريخ الإسلامي كله قد تغير، ولكن شاء التعصب للقرشية أن يرتد التاريخ بالعرب مرة أخرى إلى قبليتهم الأولى، وإن تُنسف فكرة المؤاخاة التي أسسها الرسول لتوه بين المهاجرين والأنصار عند أول محك لتداول السلطة. أما إذا شئنا التوسع أكثر فإن اللحظة الفارقة الأخرى كانت بعد مقتل عثمان مباشرة، وإن شئنا التوسع أكثر فهي اللحظة التي استتب فيها أمر الحكم لبنى أمية.

هي لحظات ثلاث فارقة تجلى فيها موقف العرب من الدين والسياسة معًا، وفى كلٍّ كان الدين خلفية تجرى أمامها الأحداث السياسية وليس العكس، ولم تكن الأممية الدينية هي الأساس بقدر ما كانت القبلية هي الأساس . إلى أن انفرط عقد أممية الدين كلية في العصر الأموي بظهور المذاهب السياسية التي تستند إلى الدين كخلفية سياسية في الوقت الذي تنظر فيه إلى مقعد الحكم أمامها، غير ما ظهر في هذا العصر من فرق إسلامية فلسفية كانت معنية بالإخلاص لفلسفاتها أكثر من إخلاصها لفكرة الأممية الدينية.

أما عن أممية الجنس فبالنظر إلى الخارطة الموسومة بالعربية من المحيط إلى الخليج فهي لم تكن لا قبل الإسلام، ولا بعده خالصة للجنس العربي، بل تنازعت البقاء فوقها عشرات الأجناس، أما عن أممية القصد الواحد فتلك هي الفرية التي يُكّذِّبها التاريخ والواقع، فلم يكن القصد واحدًا للعرب إلا في الفترة من فتح مكة، وحتى وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، أما قبل أو بعد فكان قصد القبيلة هو الواحد .. يكفى لأن ندرك هذا أن ننظر إلى عصور بكاملها سميت باسم القبيلة: "بنى أمية"،"بنى العباس " وغيرهما، أما نهاية الدولة الإسلامية في الأندلس فخير دليل على اكتمال الدائرة التي بدأت بفرقاء قبليين وانتهت بهم ( ملوك الطوائف ) .. هل اختلف المشهد منذ ذلك التاريخ أم تغير ؟.. هذا هو السؤال .. الذي أعيه أن ثمة أممية سياسية تحققت في التاريخ تسيدتها فرق سياسية قبلية وطائفية تدين بالإسلام وهذه الأممية كانت بعد صدر الإسلام تقوم على مبدأ اغتصاب الحكم،ولم تكن خالصة للعرب إلا في العصور الثلاثة الأولى للإسلام وإن كان للفرس سطوتهم وكلمتهم السياسية في العصر العباسي، بعد ذلك سقطت هذه الأممية من العرب، ولم تعد حتى الآن.

تبقى لنا أممية اللغة وهو ما تشير إليه العلاقة اللغوية بين المفردتين "أمة " و "عربية " كان بإمكانى أن أتفاءل بهذا المكون لولا أنه أساسًا تجميع متعمد لشتات لهجيٍّ  لقبائل عربية، وهذه هي طبيعة المعجم العربي، الذي ظل يعانى حتى الآن من إشكاليات الترادف، وما تلاها من إشكاليات نحوية وصرفية كثيرة ساهمت إلى حد كبير في القضاء على أممية اللغة العربية، والارتداد بالاستخدام اللغوي مرة أخرى إلى المظهر القبلي لها وأعنى به اللهجات. غير أن الاستخدام اللغوي فوق الخارطة الموسومة بالعربية الآن لم يعد خالصًا تمامًا للغات العرب، بقدر ما أنه ارتداد بالأقليات غير العربية إلى لهجاتها غير العربية، فيما ظلت الأكثرية تتلعثم في الأداء اللغوي الفصيح، بينما السائد هو استخدام لهجي مخوزق بلغات أجنبية وافدة مع الحضارات الوافدة إلى ساحات العرب، وربما أن مقولة الكسائي: "إن لغة العرب أوسع من أن يلحن فيها أحد" تؤكد ألا قاعدة مطردة في الأساس، ومقولته الأصمعي: " إن أنحى النحاة هو من لم يخطِّئ  غيره " تؤكد بدورها تجزر القواعد وتشتتها واتساعها بحيث يصعب الإمساك بقاعدة دون أن نمسك بضدياتها، وبما ينقضها ويقوضها.. ليس من قاعدة، وإنما هناك قواعد كثيرة، وكل قاعدة تضرب الأخرى بيد أن هناك قاعدة متسيدة على غيرها بفعل عوامل تاريخية، وربما بسبب الجغرافيا أحيانا، وربما لأسباب قبلية، وربما لأسباب عقدية كذلك، والأمر نفسه بالنسبة للهجات، هناك لهجة متسيدة، ولهجات متنحية.

نعود إلى أزمة الحضارة .. الكثيرون يتحدثون عن هذه الأزمة وكأنها بازغة لتوها، والحقيقة إنها لقديمة .. لقد بلغت الحضارة العربية الإسلامية أوجها في العصرين الأموي والعباسي، ولم يتم القضاء عليها من خارجها، أو بفعل الاستعمار كما يتصور البعض .. أوهل قضى الاستعمار على الدولة العربية، وطمس معالم حضارتها في الأندلس ؟ أم أنها الطائفية والقبلية ؟ .. وهل ضعضع الاستعمار الحضارة العربية أم هو الصراع المذهبي والطائفي والقبلي والسياسي ؟ .. هل انتهت هذه الألوان من الصراعات رغم انحسار الحضارة العربية، أم مازالت تتحكم في الصراع حتى الآن وبنفس الآلية القديمة التي تنتهي غالبًا باستجلاب الطائفة ذات الطَّوْل من خارج العرب لتصلح بين طائفتين عربيتين مقتتلتين، أو لتردع الأقوى منهما، ثم لتلجم الاثنين بلجام الأفول؟! ..  أنا لا أرى أحدًا قضى على أممية العرب غير العرب أنفسهم، ولا أحد ساهم بالتالي في انحسار حضارتهم غير فهمهم القبلي للصراع، وغير استبداد فكرهم القبلي برؤوسهم، وغير جعلهم الدين خلفية لهذا الفكر القبلي الذي لخص شرف الحياة في التسيد القبلي، وإن بدا الدين خلفية لهذا الفكر، فهي خلفية توظف الدين لصالح القبيلة وليس العكس.

ونعود إلى السمة .. هل هي حضارة عربية، أم إسلامية ؟.. إذا كان من حضارة تسيدت في التاريخ فهي حضارة إسلامية كان منهجها ودستورها ومرجعها الإسلام, وقد صنعها العرب وغير العرب من المسلمين، وبصرف النظر عن الأممية السياسية التي استبد بها العرب وحدهم في العصور الثلاثة الأولى للإسلام .. نصرف النظر عنها في هذا المقام لأنها لم تكن مرجع الحضارة ومنطلقها بقدر ما كان الإسلام هو المنهج والمرجع، الذي حدث أن الأممية السياسية العربية القبلية هي التي نافحت الحضارة الإسلامية وقضت عليها ومن دون أن تدري، فلنصحح المفاهيم إذن فالحضارة إسلامية، وليست عربية .

أما السؤال عن الخصوصية، فتأسيسًا على ما سبق أجيب أن ثمة خصوصية للشتات: غساسنة ومناذرة وما بين بين من موالى .. هي الصورة القديمة من عدم الاتفاق والتلاقي، والتناحر والتباغض، والولاء للقوى الكبرى(الفرس والروم) التي تقتسم ولاءنا، في ذات اللحظة التي تستدفىء فيها بنيران ما بيننا من حروب .. هي صورة قديمة جديدة، سمتها الثبات، يلخصها قول " مناحم بيجن " : " العرب لن يتفقوا إلا على موعد يختلفون فيه " . هذه هي الخصوصية إذن .. إنها خصوصية الاختلاف والتباغض الذي يفسد للود كل قضية.

أؤكد أن الذين كانوا يراهنون على البعد القومي، وعلى أممية شعوب المنطقة التي تتعايش في المساحة من المحيط إلى الخليج لم يكن رهانهم ذلك على شيء قائم بالفعل، وإنما كان رهانهم على ما يمكن تحقيقه استنادًا على جذر تاريخي من الثقافة العربية الإسلامية، وعلى ما كانوا يزعمونه من المصالح المشتركة لشعوب المنطقة، وعلى ما أسموه وحدة المصير المشترك، أؤكد أن حروب الخليج أكدت أن المصالح المشتركة كذبة كبرى؛ فالمصلحة قائمة، ولكنها ليست مشتركة إلا مع ما هو ناجز من قوى أجنبية توفر الحماية لطرف ضد طرف، أما المصير المشترك هو حقيقة تاريخية معطلة، نحن لا نتعظ ولا نقرأ التاريخ .. دعونا نؤكد ـ إذن ـ أن كل الشواهد تؤكد حتى الآن أن ما يحدث هو مقدمة لملوك طوائف أخرى، ومقدمة لنكبة تاريخية كبرى.. ماذا تبقى للرهان غير عنصر الثقافة ؟ ودعونا نؤكد  أن الدولة الإسلامية وعبر قرون من حكم شعوب المنطقة  شكلت جذرًا من الثقافة العربية والإسلامية، تتفاوت نسبة الانتماء إليه من شعب لآخر، ومن جماعة إلى أخرى ومن طائفة إلى طائفة.. ومرجعية التفاوت قد تكون تاريخية، أو عقدية، أو عرقية، أو جغرافية، أو حضارية .. الإشكالية الآن : كيف نراهن على هذا الجذر الثقافي وحده، رغم تفاوت الانتماء إليه ؟ .. قد نذكر العولمة في إطار كهذا .. العولمة منظومة اقتصادية وثقافية سياسية وإنسانية ناجزة  تسعى إلى تحقيق صيغة موحدة للعالم اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، وسأفترض جدلاً أن هذه الصيغة هي الشر كله .. فكيف يكون التصرف حيالها ؟ .. أرى أن هناك توجهات ثلاثة علينا أن نختار منها .. الأولى هي سياسة النعامة التي تخبئ رأسها من المصيبة التي لاشك ستدركها، والثاني هو إتباع سياسة وقائية فقط، والثالث هو التعامل مع ما نفترض أنه شر وفق استراتيجية تركز على فاعليتنا في العصر من جهة بما يحقق لنا كينونة ما يمكنها أن تفرض شروطها، وتؤكد وجودها المخصوص في العصر، ومن جهة أخرى التكتل في مواجهة التذويب للخصوصيات و الهويات .. وفى رأيي أن الخيار الثالث هو الأوجه والأنسب .. تبقى الإشكالية في أسلوب تنفيذ هذا البرنامج أو تلك الاستراتيجية .. إذا كنا قد اتفقنا على أن العولمة منظومة اقتصادية سياسية ثقافية  فإن عصبها في الاقتصادي الذي يشد أو يوظِّف السياسي والثقافي خلفه .. إذا كنا متفقين في هذا فإن أسلوب استراتيجيتنا يجب أن يرتكز على نفس عناصر تلك المنظومة، وعلى نفس ترتيب عناصرها .. من الخطأ الرهان على الثقافي في البلدان العربية لا لشيء إلا لأنها تتبع السياسي وليس العكس، ومن الخطأ الرهان أيضًا على الاقتصادي لنفس السبب ؛ فما دام السياسي هو الذي يتحكم ويوظف الثقافي والاقتصادي فلا أمل يرتجى .. تبعية كل شيء للسياسي، وتحكم السياسي في بقية عناصر المنظومة يفسد أسلوب المواجهة ويقلب موازينها.. أما إذا تأكد لنا تكتل السياسي في شكل نظم شمولية تستثنى شعوبها، وحاجاتها الملحة، وتداخل العصر، بعقلية  وأساليب حكم يرفضها العصر، وتكرس بقاءها بغير شرعية، وهى تعمل جاهدة على وأد الحريات وتمييع الرأي، كأسلوب ثابت للتحكم وليس الحكم فلا أمل، وكل رهان على اقتصادي أو ثقافي يبدو خاسرًا .

   لذلك يسقط من بين يدي رهان " النقد "، كما سقط من يدي رهان "العربي" .. ثمة أزمة تبدأ بالمصطلح وتنتهي بالمنهج، وثمة فوضي تنظيرية، وثمة سباق محموم خارج السياق الذي نفترضه، وغربة عن روح النص، وثمة  محاولات تشكيل إبداع وفق منظومات فكرية سابقة التجهيز، والحقيقة أن الإبداع ظاهرة تُرْصَد ولا تُصَنَّع .. كثير من التيارات الإبداعية العربية بفعل فاعل، وتلك خطورة النقد في ساحتنا العربية، أنه يلوث الإبداع ولا يوجهه، ويصنع الظاهرة ثم يقوم برصدها، إنه الدوران في الفراغ.. دعونا نذكر مثالاً  بمقولة " الحساسية الجديدة".. مقولة جوفاء ظلت تشكل وعي المبدعين من الشعراء في مصر عقداً كاملا من الزمن مرتكزة على افتراض جدلي لا أساس له .

ويبدو أن أعترض الدكتور سيد البحراوي له بعض الوجاهة عندما سخر من خانة الحداثة أو الحساسية الجديدة التي تصدر الأوامر النقدية بالترقية إليها أو الحرمان منها، فلا أحد يعرف ما هي الدرجة الصحيحة من عدم اليقين أو الشك أو الشعور بالغربة أو الإحباط التي تجعل قصيدة ما حداثية أو تنتمي إلى الحساسية الجديدة في مقرها المركزي بمكتب هذا الناقد أو ذاك.

والوجاهة نابعة أصلا من الفهم والوعي الكامنين في الاعتراض بهذا المصطلح القديم الفارغ نوعًا المسمى "الحداثة" فليس في الحداثة مركزية، حتى لو افترضنا أن الحداثة أصبحت بمثابة العقيدة بالنسبة لهؤلاء، فإنه ليس من مهمة الأدب أن يوصل تلك المعتقدات بصورة مباشرة.. إن الملكية الخاصة متراس الحرية، كما أن مهمة الأدب هي نقل الحقائق اللازمانية، وربما بهذا يمكنه أن يغذي في الجماهير روح التسامح والكرم وبذلك يضمن بقاء ملكيته الخاصة.

ليس غريبًا في سيادة مفاهيم التعصب أن يتحول محطم الأصنام إلى صنم جديد!، ويبدو أننا يجب أن نعترف ـ دون أن نستسلم ـ بمركزية النقد عندنا رغم أن الحداثة ـ كمفاهيم ـ ضد المركزية بشكل عام، بما فيها مركزية التراث أو حتى مركزية المفاهيم الحداثية.

إن مركزية النقد عندنا ساهمت في انحصار مفهوم الحداثة أو مفاهيمها عند دائرة المركز، أو المراكز الثقافية التي ظلت ومازالت تمارس سطوتها على الأطراف . ومن ثم اصطبغ النتاج الأدبي الحداثي بصبغة واحدة ومن ثم ضاقت مساحة "الحداثات" المفترضة لتصبح مجرد "حداثة" متحققة هنا أو هناك. وأرى أن هذه المركزية جزء من هيمنة الخطاب الثقافي للمدينة العربية (المركز) على أطراف الخريطة التابعة لها.

 ومن ثم فإن نظرتنا النقدية في النصوص الحداثية يجب أن تكون متجاوزة لهذه المركزية بما يسمح بتجاوب أصداء الحداثات في كل أطراف الخريطة الإبداعية دون أن نقيم اشتراطات معينة للحداثة، إذ أن الإبداع متجاوب بالضرورة مع ملامح مكانه وزمانه بل ومع الخلفية الحضارية والاجتماعية له.

وحتى لا يفهم البعض خطأً ما نعنيه بمركزية النقد، أعود لأؤكد أنها تعني أن النقد لا يزال نخبويا، ولا يزال متمركزاً في يد السلطة التي تفرض صيغة الثقافة، ولا يزال جزءاً من هيمنة الخطاب الثقافي المركزي للمدينة العربية (لعواصم والمدن الكبرى) علي أطراف الخريطة، وهو الصيغة الاختزالية للوطن وليس للإبداع فحسب، خضوعا لمفهومات اعتبارية سياسية سلطوية تختزل الأوطان في حكامها، وتختزل الشعوب في مجموعة من النخب، وتفترض أن مظلة السلطة هي التي تصنع النخبة وليس الشعوب .

ربما لو سألنا واحداً منا سؤالاً مباغتاً الآن : من يمثل الثقافة المصرية ؟ فمن الطبيعي أنه لن يفترض الشعب المصري .. لكنه سيفترض أنه وزير الثقافة.. أما لو سألته عن توجهات الثقافة ومستقبلها فإنه لن يجيب، لأنه لا يعرف تماما ما يدور في رأس وزير الثقافة.

ليس من المؤسف ـ إذن ـ أن يكون حديثنا في النقد ممزوجاً بالحديث في السياسة، لا ضير في هذا بل هذا هو الطبيعي فتاريخ نظرية الأدب الحديثة جزء من التاريخ السياسي لعصرنا ـ كما أكد تيري إيجلتون ـ لكنما المؤسف أن يكون حديثنا ممزوجاً بالأسف .

 

عبدالجواد خفاجى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة 8 من 28

  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12

المتواجدون الآن

106 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك