مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

تصحيح مشاركة "قراءة في رواية " البحر ينشر ألواحه"

التفاصيل
كتب بواسطة: فيصل عبد الله حيدر / عمر خليفة بن إدريس (من ليبيا
نشر بتاريخ: 27 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 27 يوليو 2007
الزيارات: 11

رواية " البحر ينشر ألواحه " § لمحمد صالح الجابري §§ إدانة للبنية المعرفية السائدة

د. عمر خليفة بن إدريس

أ.  فيصل عبد الله حيدر

 

   تتوسّل رواية " البحر ينشر ألواحه " بجدلية : ( الرفض / والإذعان ) في موضوعَيْ : ( المكان ، والتقاليد ) . إذ يتوسّل الروائي بحكاية سَفَر ابن الريف إلى المدينة ممثلةً بالعاصمة ، في محاولة من البطل للهروب من طابع الحياة الريفية ببداوتها وبدائيتها ، إلى أضواء المدينة وأجوائها الصاخبة . ولأن ما يمكن أن يُعدّ خرقاً لقيم الريف وتقاليده - يكمن في الخروج عن الالتزام الاجتماعي تجاه منظومة الأسرة ابتداءً ؛ فقد كانت المرأة هي المعيار الذي تقاس به هذه المحافظة ، الأمر الذي يجعل من المرأة المنحرفة رمزاً ممكناً لقيم المدينة المعادية لقيم الريف ؛ من أجل ذلك نرى الجدل القائم في القرية ، إبّان سفر البطل إلى العاصمة للدراسة ، سواءً في معارضة شيوخ القرية [1] لهذا السفر ، أم في وصية أمّه التي حرّمت عليه النظر إلى نساء المدينة ؛ لأنهن متبذلات [2]. ويشار في هذا السياق إلى أن ( الدراسة ) التي تعلّلَ بها البطلُ للهروب من المكان ، يمكن أن تكون إشارة فنية دفع بها الروائي لتشي بموقف معادٍ لمترتّباتها في السرد .   

  لقد ازدحمت الرواية بأجواء الحانات والخمور ، إلى جانب مظاهر التعهّر في كل ما يخصّ النساء ، حاشا أم البطل التي اقتصر وجودها في الرواية على تلك الوصية التي زوّدت بها ابنها " دربالاً " وقت سفره ، وشكّلت باختفائها في أثناء السرد ، بعد تركها في القرية ، توحُّداً مع قيم المكان ( أو الوطن ) ، التي حاول البطل جاهداً التملُّص منها ، ومحوها من ذاكرته بمجرد أن صار في المدينة  وانبهر بأجوائها المنحلّة ؛ فتناسى وصية أمه . والكلام نفسه ينطبق على أم " حبيبة " ، وهي المرأة القاسية المراقِبة لسلوك ابنتها ، وقد أدى غيابها إلى جنوح ابنتها ، ومعاشرتها لدربال [3] ؛ فكانت الأمّ رمزاً لصرامة المكان ، ورمزاً كذلك لهذه التقاليد المحافظة ، أي أنها يمكن أن تختزل قيمتيْ ( الوطن ، والأصالة ) ، فيما عدا ذلك ، فأغلب شخصيات الرواية ، من النساء ، هنّ أدواتٌ للانحراف ، وإغراءٌ للتمرّد على المحافظة ، ابتداءً من البطلة " حبيبة " ، التي تطوّرت شخصيتها لاحقاً ، من طالبة مراهقة تبحث عن إثبات أنوثتها لزميلاتها اللائي يتباهين أمامها بعلاقاتهن الحميمة – إلى زوجة تتحاشى التمادي في علاقتها بالبطل إلى حدّ المعاشرة الجنسية ، على الرغم من أن تواصلها السرّي مع دربال ، واختلاءه بها ، هو شكل من أشكال الخيانة الزوجية ، ويكثر غيرُ حبيبة من الشخصيات التي تمارس العهر الخفيّ أو الدعارة السافرة ، فنجد العجوز التي دفعت البطل إلى كسر الناموس بينه وبين نساء " حي مبروكة " بدعوى النصيحة المخلصة ، وأنها بمثابة أمه [4] ، ويمكن اعتبارها رمزاً لروح المدينة الزائفة التي حاول البطل أن يجعل منها بديلاً لوطنه الأصل ، ثم نرى صبيحة وغيرها من نساء الحي اللائي تقاطرن على بيت المُعلِّم " دربال " خلسة من خلف أزواجهن أو أهلهن [5] ، وكذلك خيرة المومس التي اتّخذها الجزار لنفسه عشيقة [6] ، وقد سبقتهن نعيمة وابنتها في بنزرت [7] ، ومبروكة صاحبة الماخور التي شكّلت توبتها المفاجئة بفعل الميتافيزيقا ( أو كرامة صاحب الضريح ) - " حي مبروكة " أحد أهم مسارح النص[8] ، ثم النايلية ، وفتيات النايلية [9]، وخادمة العجوزين الأجنبيين [10]، والمومس في المقهى [11] ، وأخيراً تبرز لمياء التي دفعت الأحداث نحو نهايتها بخيانة زوجها مع رفيق ؛ الأمر الذي ترتّب عليه حبس رفيق [12] ، واكتشاف دربال أن ارتباط حبيبة بعائلتها هوّة سحيقة ، تقف حائلاً بينه وبين تواصله مع حبيبة التي اختارها الكاتب رمزاً لمحاولة دربال التوطّن خارج وطنه .

  في مقابل المرأة نرى الرجل في الرواية يرزح تحت نير السلبية والضياع ، يُستثنى من ذلك " والد دربال " الذي خلق الروائي على يديه النبوءة الفنية التي لازمت البطل مذ سافر إلى أن عادت به إلى قريته [13] ، مروراً بشيوخ القرية من أعمامه ، الذين مانعوا في خروج دربال من القرية ، ثم ألحّوا على السلطات لنقل عمله من بنزرت إلى القرية [14] . والأب رمز يكمل في السرد ما وُظِّفت الأم من أجله . فيما عدا ذلك من الرجال فجمهورهم ، إذا تجاوز القارئ مجتمع ماخور مبروكة التاريخي ، يمكن أن يمثله رفاق دربال في بنزرت ، ورفاقه في العاصمة الذين اختزلهم الروائي في الجلوس في المقاهي والحانات أو على موائد الاحتفالات ، والاكتفاء بتجاذب الأحاديث ( السطحية في أغلب الأحيان ) ، والتشاغل عن عظائم الأمور بمشاكسة بعضهم بعضاً ، الأمر الذي يشي بإدانة الروائي لانغماس المجتمع العربي في سلبيته تجاه القضايا المصيرية ، وقد عبّر الروائي عن ذلك من خلال مشهد متابعة دربال ورفاقه لأنباء أزمة مصر مع الإسرائيليين ، على هامش أحاديث المقهى في الفصل ( 11 ) [15] ، وكذلك بإلصاق مشهد المومس في أثناء ذلك الجدل ، ثم بتحوّل عثمان إلى الحديث عن رفيقته التي غمزته في المدرسة ؛ فشغلت باله لساعات ، وفي مقابل تلك اللامبالاة يتندّر المجتمعون على تعاطف مثقفي أوربا ، وعلى رأسهم سارتر ، مع إسرائيل ضد العرب .

  كما يمكن أن يلحظ القارئ هذه السلبية فيمن استعبدتهم حاجات عوائلهم . وقد وظّف الروائي لذلك محاولة والد حبيبة اليائسة التملُّص من قسوة زوجته بالطلاق ، وما تبع ذلك من حبسها إيّاه ، وإجباره على العودة مذعناً لقيد الأسرة والعمل في الميناء جلّ النهار [16] .

   أمّا دربال بطل الرواية فقد حاول منذ بداية السرد الهروب من قرية عمدون ( باعتبارها الوطن ) إلى وطن بديل هو ( العاصمة ) ، ومن المحافظة على قيم وطنه الأصل ، بتناسيه قريته ، والانغماس في ملاهيه مع النساء والخمر ، ثم بسلبيته أمام حبيبة التي تحوّلت علاقته بها إلى التسامي على الجسد ( بحسب النص ) [17] ، فنراه يتمادى في هروبه ، بدل أن يتمّم علاقتهما بزواجٍ في البيت الذي أعدّه ليكون وطناً ؛ هرب إلى روما [18] ، ثم فاجأ حبيبة بخطاب بريديّ يحثّها فيه على البحث عن السعادة بعيداً ، وتحاشي أمثاله من الرجال [19] . ولعل القارئ يلاحظ أن فترة إقامة دربال في روما مسكوت عن تفاصيلها وأحداثها ، إذ قفز السارد إلى عودة دربال إلى أصدقائه ، وبحثه عن حبيبة ؛ الأمر الذي يقوّي الظن بأن الروائي أراد من سفر دربال أن يخلق ازوراراً وهروباً من الارتباط بحبيبة ( التي يمكن اعتبارها رمزاً لمحاولة التوطّن ) . وحتى في مشهد عودة البطل إلى القرية في آخر السرد ، يرى القارئُ البطلَ هارباً يائساً مذعناً ؛ وقد استشعر ضياعه من خبر تهدّم بيتهم في القرية ، ثم من اضطرابه أمام سؤاله عن الفرق بين القرية والمدينة ؛ الأمر الذي يجعله يتحول إلى خصم محمد علي المهزوم[20] ، فيما تبتهج العاصمة بأضوائها وأناسها المزيفين على كراسيهم في المقاهي ، والحانات ، والأماكن العامة ، وعلى عتبات مبانيها الرسمية ( وأحياناً الرأسمالية ) [21]. لقد اختزل الروائي صحوة البطل ( أو صدمته ) في عِيد الاستقلال ؛ فجعل من كل هذا الاحتفال موكباً يزفّ دربالاً إلى قريته في اعتذار جاء متأخّراً لما يمكن أن يرمز إلى : النظام ، والقانون ، والمكان ، ألا وهو شرطي المرور [22].

   وإذا كنّا في هذا السياق نبحث عمّا يحسّه القارئ من توظيفات ورموز في النص ، فإنّ عنوان الرواية " البحر ينشر ألواحه " جدير بلفت الانتباه إليه باعتبارين : أحدهما معنى العبارة اللغوي ، والآخر موقعها من النصّ ؛ ففي المعنى اللغوي : " البحر ينشر ألواحه " ، تحيل العبارة على التعبير القرآني " وحملناه على ذات ألواح ودسر " [23] ، والبحر في المعنى المتبادر ينشر أمواجه في حركته الدائبة ، لكن تعبير ينشر ألواحه ، يستدعي أن ينشر البحر ما علق على سطحه من بقايا سفن ضلّت سُبُلها ، ويلفظه على الشواطئ ، وذلك ربما يختزل فكرة التطهّر ، وقد يكون النشر من النشور ، وهو البعث من جديد ؛ فيكون المعنى هو قيامة الأبطال من موتهم المعرفي لحظة تجلّي الحقيقة . وفي المعنى الموقعي يدرك القارئ مغزى أن توضع العبارة في مشهد تجاوز رفيق ولمياء خطّ الحذر من زوجها المتربّص [24] ، والسقوط في متاهة الملاحقة القضائية ، وما نتج عن تلك اللحظة من انقشاع الضباب ، واصطفاف حبيبة خلف قيم أسرتها ، وتسليم دربال بأنْ لا شيء يمكن أن يربطه بالعاصمة ( أو بحبيبة ) ، الأمر الذي يدفع باتجاه عودته إلى وطنه الأم " قرية عمدون "

 

لحظة الانقلاب عند ذروة العقدة

 

لمياء ورفيق تحت طائلة القانون                 حبيبة تتمسّك بعائلتها

 

البحر ينشر ألواحه

 

 

دربال يبحث عن حبيبة                               دربال ييأس من حبيبة

                

               دربال يغادر...   (  القرية   )  دربال يعود...

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

، فالبحر يبدو للقارئ رمزاً موظّفاً بدقة بعد أن تحوّل في الفصل ( 12 ) [25] إلى أحد أبطال الرواية من خلال تقنية " اللصق " ؛ وأوحى في آخر السرد بعدائية المكان تجاه مشهد الخيانة ، أو تجاه تزييف قيمة المواطَنَة ( باعتبار المنظومة الأسرية ) ، وقد كان أليفاً في أوله تجاه دربال في أثناء تسكّعه على شواطئ بنزرت في الفصل ( 2 ) [26] .

وإذا كان الكاتب يدين الهروب من قيمة الوطن من خلال  إدانة :

  

 الهروب من المكان ( القرية ) .

 والهروب من الواجب ( العمل بالقرية ) .

 والهروب من المواطنة ( أي من الزواج بحبيبة ) .

 والسلبية تجاه قضايا الوطن ( التشاغل عن أحداث السويس بالمومس ) .

 

فإن القارئ يرصد إدانة واضحة أو موقفاً ثائراً كذلك على البنية المعرفية السائدة ،

( باعتبار أن انعدام الوطنية نتيجة لفشل المنظومات المعرفية ) ، ويمكن أن تُلحظ تلك الإدانة من خلال توظيفه لرموز الهيكل التربوي ، والمشهد الثقافي ، والبُعد الميتافيزيقي السائد في مجتمع الرواية .

  ففيما يخصّ الهيكل التربوي ( أو المنظومة التعليمية ) تطالعنا شخصيّات :  المدير ، ودربال ، وعثمان ، وحبيبة ، وصديقاتها في المدرسة . فالمدير شكّل بحادثة مصرعه مع صبيحة في سيارته بسبب الخيانة [27] صدمة للقارئ لما كان يظهر عليه بمظهر المتزمّت تجاه سلوك دربال في " حي مبروكة " ، وهو يمثّل السلطة التعليمية الرسميّة ( أو يرمز إليها من بعض جوانبها على أقلّ تقدير ) ، فيما تتمظهر شخصية دربال في سمتي : السلبيّة والضياع ، وما يجرّانه من هروب مستمرّ من جهة ، ومن انحراف متمثّل في إدمانه على الخمر وانغماسه في الجنس من جهة أخرى ، ويظهر ذلك جليّاً أولاً في علاقته الحميمة مع جارته التلميذة " حبيبة " ، وبخاصة في أثناء دراستها وأوقات مذاكرتها ، ثم في مغامراته مع نساء حي مبروكة التي كنّى عنها الروائي بوظيفة ( الكاتب العمومي الليلي ) [28] ، وهي سمات تقف على النقيض من الشخصية النمطية للمعلّم ، التي ألمح السارد إلى أنها من الشخصيات التي لا تتحرّج نساء الحي في الظهور أمامها أو محادثتها [29] ، ثم يأتي على هامش السرد حديث عثمان عن زميلته التي غمزته في المدرسة ، وتعليقه على المومس[30] ، وفي هذا السياق لا يمكن تجاوز زميلات حبيبة في المدرسة ، اللائي انغمسن في العلاقات الجنسية والليالي الحمراء ( بحسب النص ) وحرضن حبيبة على الانحراف [31].

   وقد حفل الفصل ( 19 ) [32] بالسخرية من مثقفي العاصمة وموظفيها ، ومن الرسّامين والمحامين كذلك ، من خلال مشهد تسكّع دربال في احتفال عيد الاستقلال . كما سخر الروائي من الصحافة العربية التي لا تختلف في بُعدِها عن الحقيقة عن الصحافة الغربية [33] .  

    من منظور آخر ، يجد القارئ توظيفاً للبعد ( الميتافيزيقي ) للبنية المعرفية السائدة ، من خلال توظيف رمز ( ضريح الولي الصالح ) في أثناء معجزة قلب الماخور إلى حي سكني ، إثر توبة مبروكة في الفصلين ( 5 ، 8 ) [34] ، وهو  إصلاح غيبي طارئ ، يحمل في طياته ميلاد النقائض من رحم واحد ؛ إذ تولد الفضيلة من وكر الرذيلة ؛ ليحتضن المكان عينه الرذيلة مرة أخرى ، بفعل التدخّل البشري الفاعل قبل الحدث ، مُمَثلاً بميوعة الرأي الفقهي في عبارة شيخ العاصمة : " كلما تعدّدت مواطن الرذيلة … كان طريق الفضائل أبين " [35] ، والفاعل بعد الحدث كذلك ، ممثلاً في الجدل الدائر حول أفضلية كبش العيد على غيره من الكباش في الفصل ( 18 ) [36] ، وما يشي به ذلك من إفراغ قيمة الدين من مضامينها السامية . وكأنّ الكاتب أراد من ذلك أن يقول : إن إزاحة المقدّس إلى منطقة وجهات النظر يخرجه عن قداسته .

وفي هذا السياق ، حاول الروائي تصوير حالة من الضبابية تجاه القيم والمعايير التي تقاس بها الحقيقة ، من خلال مشهدَيْ : مقتل المدير وصبيحة على يد زوجها بعد اكتشافه خيانتها [37]، ومقتل مبروكة على يد " عبادو " [38] ، بعد أن كفرت بالرذيلة ، وحوّلت الماخور إلى حيّ سكنيّ يضمّ فقراء العاصمة وصعاليكها ، الأمر الذي يوحي بتشوّش مفهوم القِيَم في الواقع المعيش ، وبرفض حاد لتسطيح البنية الدينية.

ومن خلال ما تقدّم يمكن تبيّن إدانة الروائي للبنية المعرفية متمثِّلة في : 

 

الهيكل التربوي ( مديـر المدرسة ، وعثمان ، وحبيبة وزميلاتها ، ودربال)المثقفين ( مظاهر الزيف والتسطيح في مشهد عيد الاستقلال

البنية الميتا فيزيقية ( الضريح ، وشيخ العاصمة ، والجدل حول كبش العيد )

 

وإذا كان توظيف الروائي لرموز : ( الأم ، والأب ، والمرأة والخمر ، وعيد الاستقلال ، والبحر ، والعاصمة ، والضريح ) يمكن للقارئ أن يقارب المنوط بها ، فإن رموزاً أخرى قد تُوقِعُ القارئَ في الحيرة بين أن تكون موظّفة توظيفاً حادّاً للتنديد بواقع المواطَنَة ، أو أنها لم تتطوّر من خلال النص إلى ما كان يُتوقَّع منها! يأتي في مقدّمة تلك الرموز " العمارة التي يسكنها دربال  " ؛ فقد أشار السارد إلى أنها " يجوز أن تنعت بأنها ( مجمع الأديان الكبرى ) "[39] ، أو " عمارة الأديان الكبرى " [40] ؛ الأمر الذي هيّأ القارئ لأنْ يرى فيها رمزاً مثاليّاً للوطن ( باعتباره يحوي الأديان الثلاثة ) ، وذلك يبرّر توظيفها على ذلك النحو ، إلاّ أن القارئ يُفاجأ بأن العمارة تُختزل في شقة دربال التي أُعِدَّت لتكون مسرحاً لعهره مع حبيبة ، وهي إلى ذلك لم تربطه إليها برباط الموَاطَنة ؛ فلم يتمّ زواجه من حبيبة ، على الرغم ممّا وُصِفت به علاقتهما من تسامٍ في مراحلها الأخيرة ، ثم يُتوَّج ذلك  بتمادي دربال في هروبه . ومثل ذلك في الفصل ( 13 ) ، إذ نرى الكاتب يتحدّث عن : " المرّة الأولى التي يُتاح له فيها أن يعتلي طابقين اثنين … درجتين دفعة واحدة " [41] ، وعلى الرغم من ذلك فلم يرَ القارئ توظيفاً لهذا الرمز في مسألة الطبقات الاجتماعية التي لاحت في الفروق بين (حي مبروكة ، ونهج ابن خلدون) ، ثم في احتفالات العاصمة بعيد الاستقلال في الفصل ( 19 ) [42] .

  من أجل تلك الرؤية ربما كان على الروائي أن يتّخذ " رواية الشخصية " مطيّة لرؤياه ؛ فكانت الرواية روايةً شخصيةً ، البطلُ فيها لم يكن ذلك البطل المندفع المتهوّر الذي تدفعه الأحداث من موقف لآخر ، بل كان " دربال " سلبيّاً تجاه ما يعترضه من تحدّيات ، يكتفي إزاء ذلك بالهروب المستمر ، والانغماس في اللهو بالخمر والنساء ، كذلك لا يوجد في النص حبكةٌ بارزة ، فالأحداث تتغيّر ؛ لأن الأماكن تتغيّر ، وليس لأن الشخصيات تتغيّر ؛ فالتطوّرات في الرواية منشؤها المكان والتقاليد التي فرضت على حبيبة نوعاً من الالتزام بالأسرة ، وفرضت في حكاية "حي مبروكة " ، على مبروكة التوبة وتحويل الماخور إلى حي سكني للإيجار ( باعتبار الضريح ) ، فالفاعل الحقيقي في حبكة حكاية دربال هي نبوءة والده بالعودة إلى المكان ( الأصل ) ، والفاعل الرئيس في حبكة حي مبروكة هو الرؤيا أي : ( البعد الديني ) . من خلال ذلك يمكن اعتبار الحبكة في الرواية حبكة بسيطة غير معقّدة ، ليس فيها حدث حاسم تشارك كل العناصر في صنعه ، ولا يوجد فيها نهاية يتحرّك نحوها كل شيء في الرواية ؛ لأن النصّ أقرب ما يكون إلى التحليل النفسي لشخصية دربال الهارب من سلطة المكان وتقاليده ؛ لذلك يظن القارئ أن شخصيات الرواية مستقلة بذواتها وأن الأحداث تابعة لها ، كما أن مواقف هذه الشخصيات هي مواقف نمطية وضعها الروائي لتعرّفنا بشخصياته ، أو لتعرض لنا ما يستجدّ في الرواية من شخصيات جديدة .

   وشخصيات الرواية سواءً في حكاية دربال ، أم في قصة إنشاء حي مبروكة ، أو حكاية " رفيق ولمياء " ، شخصيات تكاد تكون ثابتة أو شبه جامدة ، لها ملامحها وصفاتها منذ أن ابتدأ السرد وحتى نهايته ، لم يتغيّر منها شيء بل اكتفت بالتلوّن بألوان المكان بحسب المواضع التي ظهرت فيها ، وذلك من أجل عرض مجتمع الرواية ، فما يمكن أن يعدّ صراعاً بين شخصيات الرواية هو بالدرجة الأولى من أجل نقد مجتمع العاصمة في مقابل مجتمع الريف المسكوت عنه ، والمعبَّر عن خصائصه بنقيض الواقع المعيش في أحداث السرد ، من انحلال وخيانة وزيف وخيبة أمل ، وقد عبّرت عن ذلك بإخلاص شخصيات الإجرام في تاريخ حي مبروكة ، وشخصيات حاضر الرواية بما انطوت عليه من رغبات وأهواء ، فكان تطوّر علاقاتها هو ما يدفع في اتجاه نهاية السرد .

   لقد ابتدأ الروائي سرده بشخصية دربال الكاملة منذ البداية نموذجاً للإنسان الهارب إلى الأمام ، وامتدّت حبكة الرواية مع دربال ، لعرض ما يمكن عرضه من أوهام الوطن البديل ، ومشاهد حياته الزائفة ، وكان المكان هو العنصر الرئيس في مقابل الزمن المحيَّد ، تتنقّل فيه شخصية دربال ، وتتأقلم مع ما فيه من مظاهر عيش وصداقات ، وفي أثناء ذلك نرى مختلف التوليفات في مجتمع المدينة : الشخصيات المتعلّمة أو السويّة بحسب منطق المدينة ، ويمثّلهم أصدقاء دربال ، والشخصيات المنحرفة وذوات الإجرام ، ويمثّلها شخصيات حي مبروكة وبعض الشخصيات الأخرى ، وهي في عمومها شخصيات تُكسِب المكان ازدحاماً وتنوّعاً ، وتدفع بالبطل دربال لأنْ يبحث عن تطوّر ما في دواخل نفسه ، ينتصر به لقيم يتطلّع إليها ولا يجدها . كما يمكن اعتبار المكان في هذه الرواية مكاناً دائريّاً ، يبدأ من قرية عمدون التي غادرها دربال بصعوبة ، وينتهي بقرية عمدون كذلك ، التي رجع إليها دربال بصعوبة أيضاً ( أو هكذا أراد الروائي بحسب ما يُفهم من النص ! ) ، ويُظهِر ذلك سلطة المكان على الإنسان الذي يبدو من خلال هذه الحركة ضائعاً مسلوب الإرادة .    

              

 كما حاول الروائي التحايل على محدودية الزمان ودونيته أمام الشخصيات في مقابل تنوّع المكان واتساعه عبر السرد ، بحيلتين : أولاهما تمثّلت في ربط الزمن في الرواية بتواريخ محددة ، وأحداث خارجية فرضها عن طريق الاستماع لوكالات الأنباء حول أزمة العرب مع إسرائيل والغرب في بداية السبعينات ( وهي المرحلة التي سبقت طبعة الرواية الأولى ) . أما الحيلة الأخرى فقد كانت بتلاعبه بالأنساق الزمنية للحكي من خلال التقديم والتأخير والإزاحة ، في بنية تشي برغبة الروائي في تهشيم النسق السببي للأحداث ، وقد حاولت هذه الورقة رصد الحكايات الثلاث في الرواية في مقاربة أوليّة ، ورأت من حيث الإجراء أن حكاية " دربال وحبيبة " تتظافر مع حكاية " رفيق ولمياء " من خلال علاقة زواج " رفيق بحبيبة " ؛ فاعتبرتهما الورقة حكاية واحدة رمزت لها بالرمز : " د " ، في حين رأت استقلالية حكاية مبروكة باعتبار البعد التاريخي ، ورمزت للحكاية بالرمز : " م " ، وقد رُصِدت المقاطع [43] المكونة لهذه الحكايات ( ورُتّبت أولاً وفق تسلسلها السببي ) على النحو الآتي :

 

مسرد للمقاطع وفق ترتيبها السببي §

 

1 : حكاية دربال وحبيبة متظافرة مع حكاية رفيق وحبيبة ولمياء :

 

ف2  أ / مقدم دربال إلى العاصمة .

 ف2  ب / ثلاث سنوات دراسة في العاصمة .

تصحيح مشاركة "قراءة في رواية " البحر ينشر ألواحه"

التفاصيل
كتب بواسطة: فيصل عبد الله حيدر / عمر خليفة بن إدريس (من ليبيا
نشر بتاريخ: 27 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 27 يوليو 2007
الزيارات: 12

رواية " البحر ينشر ألواحه " § لمحمد صالح الجابري §§ إدانة للبنية المعرفية السائدة

د. عمر خليفة بن إدريس

أ.  فيصل عبد الله حيدر

 

   تتوسّل رواية " البحر ينشر ألواحه " بجدلية : ( الرفض / والإذعان ) في موضوعَيْ : ( المكان ، والتقاليد ) . إذ يتوسّل الروائي بحكاية سَفَر ابن الريف إلى المدينة ممثلةً بالعاصمة ، في محاولة من البطل للهروب من طابع الحياة الريفية ببداوتها وبدائيتها ، إلى أضواء المدينة وأجوائها الصاخبة . ولأن ما يمكن أن يُعدّ خرقاً لقيم الريف وتقاليده - يكمن في الخروج عن الالتزام الاجتماعي تجاه منظومة الأسرة ابتداءً ؛ فقد كانت المرأة هي المعيار الذي تقاس به هذه المحافظة ، الأمر الذي يجعل من المرأة المنحرفة رمزاً ممكناً لقيم المدينة المعادية لقيم الريف ؛ من أجل ذلك نرى الجدل القائم في القرية ، إبّان سفر البطل إلى العاصمة للدراسة ، سواءً في معارضة شيوخ القرية [1] لهذا السفر ، أم في وصية أمّه التي حرّمت عليه النظر إلى نساء المدينة ؛ لأنهن متبذلات [2]. ويشار في هذا السياق إلى أن ( الدراسة ) التي تعلّلَ بها البطلُ للهروب من المكان ، يمكن أن تكون إشارة فنية دفع بها الروائي لتشي بموقف معادٍ لمترتّباتها في السرد .   

  لقد ازدحمت الرواية بأجواء الحانات والخمور ، إلى جانب مظاهر التعهّر في كل ما يخصّ النساء ، حاشا أم البطل التي اقتصر وجودها في الرواية على تلك الوصية التي زوّدت بها ابنها " دربالاً " وقت سفره ، وشكّلت باختفائها في أثناء السرد ، بعد تركها في القرية ، توحُّداً مع قيم المكان ( أو الوطن ) ، التي حاول البطل جاهداً التملُّص منها ، ومحوها من ذاكرته بمجرد أن صار في المدينة  وانبهر بأجوائها المنحلّة ؛ فتناسى وصية أمه . والكلام نفسه ينطبق على أم " حبيبة " ، وهي المرأة القاسية المراقِبة لسلوك ابنتها ، وقد أدى غيابها إلى جنوح ابنتها ، ومعاشرتها لدربال [3] ؛ فكانت الأمّ رمزاً لصرامة المكان ، ورمزاً كذلك لهذه التقاليد المحافظة ، أي أنها يمكن أن تختزل قيمتيْ ( الوطن ، والأصالة ) ، فيما عدا ذلك ، فأغلب شخصيات الرواية ، من النساء ، هنّ أدواتٌ للانحراف ، وإغراءٌ للتمرّد على المحافظة ، ابتداءً من البطلة " حبيبة " ، التي تطوّرت شخصيتها لاحقاً ، من طالبة مراهقة تبحث عن إثبات أنوثتها لزميلاتها اللائي يتباهين أمامها بعلاقاتهن الحميمة – إلى زوجة تتحاشى التمادي في علاقتها بالبطل إلى حدّ المعاشرة الجنسية ، على الرغم من أن تواصلها السرّي مع دربال ، واختلاءه بها ، هو شكل من أشكال الخيانة الزوجية ، ويكثر غيرُ حبيبة من الشخصيات التي تمارس العهر الخفيّ أو الدعارة السافرة ، فنجد العجوز التي دفعت البطل إلى كسر الناموس بينه وبين نساء " حي مبروكة " بدعوى النصيحة المخلصة ، وأنها بمثابة أمه [4] ، ويمكن اعتبارها رمزاً لروح المدينة الزائفة التي حاول البطل أن يجعل منها بديلاً لوطنه الأصل ، ثم نرى صبيحة وغيرها من نساء الحي اللائي تقاطرن على بيت المُعلِّم " دربال " خلسة من خلف أزواجهن أو أهلهن [5] ، وكذلك خيرة المومس التي اتّخذها الجزار لنفسه عشيقة [6] ، وقد سبقتهن نعيمة وابنتها في بنزرت [7] ، ومبروكة صاحبة الماخور التي شكّلت توبتها المفاجئة بفعل الميتافيزيقا ( أو كرامة صاحب الضريح ) - " حي مبروكة " أحد أهم مسارح النص[8] ، ثم النايلية ، وفتيات النايلية [9]، وخادمة العجوزين الأجنبيين [10]، والمومس في المقهى [11] ، وأخيراً تبرز لمياء التي دفعت الأحداث نحو نهايتها بخيانة زوجها مع رفيق ؛ الأمر الذي ترتّب عليه حبس رفيق [12] ، واكتشاف دربال أن ارتباط حبيبة بعائلتها هوّة سحيقة ، تقف حائلاً بينه وبين تواصله مع حبيبة التي اختارها الكاتب رمزاً لمحاولة دربال التوطّن خارج وطنه .

  في مقابل المرأة نرى الرجل في الرواية يرزح تحت نير السلبية والضياع ، يُستثنى من ذلك " والد دربال " الذي خلق الروائي على يديه النبوءة الفنية التي لازمت البطل مذ سافر إلى أن عادت به إلى قريته [13] ، مروراً بشيوخ القرية من أعمامه ، الذين مانعوا في خروج دربال من القرية ، ثم ألحّوا على السلطات لنقل عمله من بنزرت إلى القرية [14] . والأب رمز يكمل في السرد ما وُظِّفت الأم من أجله . فيما عدا ذلك من الرجال فجمهورهم ، إذا تجاوز القارئ مجتمع ماخور مبروكة التاريخي ، يمكن أن يمثله رفاق دربال في بنزرت ، ورفاقه في العاصمة الذين اختزلهم الروائي في الجلوس في المقاهي والحانات أو على موائد الاحتفالات ، والاكتفاء بتجاذب الأحاديث ( السطحية في أغلب الأحيان ) ، والتشاغل عن عظائم الأمور بمشاكسة بعضهم بعضاً ، الأمر الذي يشي بإدانة الروائي لانغماس المجتمع العربي في سلبيته تجاه القضايا المصيرية ، وقد عبّر الروائي عن ذلك من خلال مشهد متابعة دربال ورفاقه لأنباء أزمة مصر مع الإسرائيليين ، على هامش أحاديث المقهى في الفصل ( 11 ) [15] ، وكذلك بإلصاق مشهد المومس في أثناء ذلك الجدل ، ثم بتحوّل عثمان إلى الحديث عن رفيقته التي غمزته في المدرسة ؛ فشغلت باله لساعات ، وفي مقابل تلك اللامبالاة يتندّر المجتمعون على تعاطف مثقفي أوربا ، وعلى رأسهم سارتر ، مع إسرائيل ضد العرب .

  كما يمكن أن يلحظ القارئ هذه السلبية فيمن استعبدتهم حاجات عوائلهم . وقد وظّف الروائي لذلك محاولة والد حبيبة اليائسة التملُّص من قسوة زوجته بالطلاق ، وما تبع ذلك من حبسها إيّاه ، وإجباره على العودة مذعناً لقيد الأسرة والعمل في الميناء جلّ النهار [16] .

   أمّا دربال بطل الرواية فقد حاول منذ بداية السرد الهروب من قرية عمدون ( باعتبارها الوطن ) إلى وطن بديل هو ( العاصمة ) ، ومن المحافظة على قيم وطنه الأصل ، بتناسيه قريته ، والانغماس في ملاهيه مع النساء والخمر ، ثم بسلبيته أمام حبيبة التي تحوّلت علاقته بها إلى التسامي على الجسد ( بحسب النص ) [17] ، فنراه يتمادى في هروبه ، بدل أن يتمّم علاقتهما بزواجٍ في البيت الذي أعدّه ليكون وطناً ؛ هرب إلى روما [18] ، ثم فاجأ حبيبة بخطاب بريديّ يحثّها فيه على البحث عن السعادة بعيداً ، وتحاشي أمثاله من الرجال [19] . ولعل القارئ يلاحظ أن فترة إقامة دربال في روما مسكوت عن تفاصيلها وأحداثها ، إذ قفز السارد إلى عودة دربال إلى أصدقائه ، وبحثه عن حبيبة ؛ الأمر الذي يقوّي الظن بأن الروائي أراد من سفر دربال أن يخلق ازوراراً وهروباً من الارتباط بحبيبة ( التي يمكن اعتبارها رمزاً لمحاولة التوطّن ) . وحتى في مشهد عودة البطل إلى القرية في آخر السرد ، يرى القارئُ البطلَ هارباً يائساً مذعناً ؛ وقد استشعر ضياعه من خبر تهدّم بيتهم في القرية ، ثم من اضطرابه أمام سؤاله عن الفرق بين القرية والمدينة ؛ الأمر الذي يجعله يتحول إلى خصم محمد علي المهزوم[20] ، فيما تبتهج العاصمة بأضوائها وأناسها المزيفين على كراسيهم في المقاهي ، والحانات ، والأماكن العامة ، وعلى عتبات مبانيها الرسمية ( وأحياناً الرأسمالية ) [21]. لقد اختزل الروائي صحوة البطل ( أو صدمته ) في عِيد الاستقلال ؛ فجعل من كل هذا الاحتفال موكباً يزفّ دربالاً إلى قريته في اعتذار جاء متأخّراً لما يمكن أن يرمز إلى : النظام ، والقانون ، والمكان ، ألا وهو شرطي المرور [22].

   وإذا كنّا في هذا السياق نبحث عمّا يحسّه القارئ من توظيفات ورموز في النص ، فإنّ عنوان الرواية " البحر ينشر ألواحه " جدير بلفت الانتباه إليه باعتبارين : أحدهما معنى العبارة اللغوي ، والآخر موقعها من النصّ ؛ ففي المعنى اللغوي : " البحر ينشر ألواحه " ، تحيل العبارة على التعبير القرآني " وحملناه على ذات ألواح ودسر " [23] ، والبحر في المعنى المتبادر ينشر أمواجه في حركته الدائبة ، لكن تعبير ينشر ألواحه ، يستدعي أن ينشر البحر ما علق على سطحه من بقايا سفن ضلّت سُبُلها ، ويلفظه على الشواطئ ، وذلك ربما يختزل فكرة التطهّر ، وقد يكون النشر من النشور ، وهو البعث من جديد ؛ فيكون المعنى هو قيامة الأبطال من موتهم المعرفي لحظة تجلّي الحقيقة . وفي المعنى الموقعي يدرك القارئ مغزى أن توضع العبارة في مشهد تجاوز رفيق ولمياء خطّ الحذر من زوجها المتربّص [24] ، والسقوط في متاهة الملاحقة القضائية ، وما نتج عن تلك اللحظة من انقشاع الضباب ، واصطفاف حبيبة خلف قيم أسرتها ، وتسليم دربال بأنْ لا شيء يمكن أن يربطه بالعاصمة ( أو بحبيبة ) ، الأمر الذي يدفع باتجاه عودته إلى وطنه الأم " قرية عمدون "

 

لحظة الانقلاب عند ذروة العقدة

 

لمياء ورفيق تحت طائلة القانون                 حبيبة تتمسّك بعائلتها

 

البحر ينشر ألواحه

 

 

دربال يبحث عن حبيبة                               دربال ييأس من حبيبة

                

               دربال يغادر...   (  القرية   )  دربال يعود...

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

، فالبحر يبدو للقارئ رمزاً موظّفاً بدقة بعد أن تحوّل في الفصل ( 12 ) [25] إلى أحد أبطال الرواية من خلال تقنية " اللصق " ؛ وأوحى في آخر السرد بعدائية المكان تجاه مشهد الخيانة ، أو تجاه تزييف قيمة المواطَنَة ( باعتبار المنظومة الأسرية ) ، وقد كان أليفاً في أوله تجاه دربال في أثناء تسكّعه على شواطئ بنزرت في الفصل ( 2 ) [26] .

وإذا كان الكاتب يدين الهروب من قيمة الوطن من خلال  إدانة :

  

 الهروب من المكان ( القرية ) .

 والهروب من الواجب ( العمل بالقرية ) .

 والهروب من المواطنة ( أي من الزواج بحبيبة ) .

 والسلبية تجاه قضايا الوطن ( التشاغل عن أحداث السويس بالمومس ) .

 

فإن القارئ يرصد إدانة واضحة أو موقفاً ثائراً كذلك على البنية المعرفية السائدة ،

( باعتبار أن انعدام الوطنية نتيجة لفشل المنظومات المعرفية ) ، ويمكن أن تُلحظ تلك الإدانة من خلال توظيفه لرموز الهيكل التربوي ، والمشهد الثقافي ، والبُعد الميتافيزيقي السائد في مجتمع الرواية .

  ففيما يخصّ الهيكل التربوي ( أو المنظومة التعليمية ) تطالعنا شخصيّات :  المدير ، ودربال ، وعثمان ، وحبيبة ، وصديقاتها في المدرسة . فالمدير شكّل بحادثة مصرعه مع صبيحة في سيارته بسبب الخيانة [27] صدمة للقارئ لما كان يظهر عليه بمظهر المتزمّت تجاه سلوك دربال في " حي مبروكة " ، وهو يمثّل السلطة التعليمية الرسميّة ( أو يرمز إليها من بعض جوانبها على أقلّ تقدير ) ، فيما تتمظهر شخصية دربال في سمتي : السلبيّة والضياع ، وما يجرّانه من هروب مستمرّ من جهة ، ومن انحراف متمثّل في إدمانه على الخمر وانغماسه في الجنس من جهة أخرى ، ويظهر ذلك جليّاً أولاً في علاقته الحميمة مع جارته التلميذة " حبيبة " ، وبخاصة في أثناء دراستها وأوقات مذاكرتها ، ثم في مغامراته مع نساء حي مبروكة التي كنّى عنها الروائي بوظيفة ( الكاتب العمومي الليلي ) [28] ، وهي سمات تقف على النقيض من الشخصية النمطية للمعلّم ، التي ألمح السارد إلى أنها من الشخصيات التي لا تتحرّج نساء الحي في الظهور أمامها أو محادثتها [29] ، ثم يأتي على هامش السرد حديث عثمان عن زميلته التي غمزته في المدرسة ، وتعليقه على المومس[30] ، وفي هذا السياق لا يمكن تجاوز زميلات حبيبة في المدرسة ، اللائي انغمسن في العلاقات الجنسية والليالي الحمراء ( بحسب النص ) وحرضن حبيبة على الانحراف [31].

   وقد حفل الفصل ( 19 ) [32] بالسخرية من مثقفي العاصمة وموظفيها ، ومن الرسّامين والمحامين كذلك ، من خلال مشهد تسكّع دربال في احتفال عيد الاستقلال . كما سخر الروائي من الصحافة العربية التي لا تختلف في بُعدِها عن الحقيقة عن الصحافة الغربية [33] .  

    من منظور آخر ، يجد القارئ توظيفاً للبعد ( الميتافيزيقي ) للبنية المعرفية السائدة ، من خلال توظيف رمز ( ضريح الولي الصالح ) في أثناء معجزة قلب الماخور إلى حي سكني ، إثر توبة مبروكة في الفصلين ( 5 ، 8 ) [34] ، وهو  إصلاح غيبي طارئ ، يحمل في طياته ميلاد النقائض من رحم واحد ؛ إذ تولد الفضيلة من وكر الرذيلة ؛ ليحتضن المكان عينه الرذيلة مرة أخرى ، بفعل التدخّل البشري الفاعل قبل الحدث ، مُمَثلاً بميوعة الرأي الفقهي في عبارة شيخ العاصمة : " كلما تعدّدت مواطن الرذيلة … كان طريق الفضائل أبين " [35] ، والفاعل بعد الحدث كذلك ، ممثلاً في الجدل الدائر حول أفضلية كبش العيد على غيره من الكباش في الفصل ( 18 ) [36] ، وما يشي به ذلك من إفراغ قيمة الدين من مضامينها السامية . وكأنّ الكاتب أراد من ذلك أن يقول : إن إزاحة المقدّس إلى منطقة وجهات النظر يخرجه عن قداسته .

وفي هذا السياق ، حاول الروائي تصوير حالة من الضبابية تجاه القيم والمعايير التي تقاس بها الحقيقة ، من خلال مشهدَيْ : مقتل المدير وصبيحة على يد زوجها بعد اكتشافه خيانتها [37]، ومقتل مبروكة على يد " عبادو " [38] ، بعد أن كفرت بالرذيلة ، وحوّلت الماخور إلى حيّ سكنيّ يضمّ فقراء العاصمة وصعاليكها ، الأمر الذي يوحي بتشوّش مفهوم القِيَم في الواقع المعيش ، وبرفض حاد لتسطيح البنية الدينية.

ومن خلال ما تقدّم يمكن تبيّن إدانة الروائي للبنية المعرفية متمثِّلة في : 

 

الهيكل التربوي ( مديـر المدرسة ، وعثمان ، وحبيبة وزميلاتها ، ودربال)المثقفين ( مظاهر الزيف والتسطيح في مشهد عيد الاستقلال

البنية الميتا فيزيقية ( الضريح ، وشيخ العاصمة ، والجدل حول كبش العيد )

 

وإذا كان توظيف الروائي لرموز : ( الأم ، والأب ، والمرأة والخمر ، وعيد الاستقلال ، والبحر ، والعاصمة ، والضريح ) يمكن للقارئ أن يقارب المنوط بها ، فإن رموزاً أخرى قد تُوقِعُ القارئَ في الحيرة بين أن تكون موظّفة توظيفاً حادّاً للتنديد بواقع المواطَنَة ، أو أنها لم تتطوّر من خلال النص إلى ما كان يُتوقَّع منها! يأتي في مقدّمة تلك الرموز " العمارة التي يسكنها دربال  " ؛ فقد أشار السارد إلى أنها " يجوز أن تنعت بأنها ( مجمع الأديان الكبرى ) "[39] ، أو " عمارة الأديان الكبرى " [40] ؛ الأمر الذي هيّأ القارئ لأنْ يرى فيها رمزاً مثاليّاً للوطن ( باعتباره يحوي الأديان الثلاثة ) ، وذلك يبرّر توظيفها على ذلك النحو ، إلاّ أن القارئ يُفاجأ بأن العمارة تُختزل في شقة دربال التي أُعِدَّت لتكون مسرحاً لعهره مع حبيبة ، وهي إلى ذلك لم تربطه إليها برباط الموَاطَنة ؛ فلم يتمّ زواجه من حبيبة ، على الرغم ممّا وُصِفت به علاقتهما من تسامٍ في مراحلها الأخيرة ، ثم يُتوَّج ذلك  بتمادي دربال في هروبه . ومثل ذلك في الفصل ( 13 ) ، إذ نرى الكاتب يتحدّث عن : " المرّة الأولى التي يُتاح له فيها أن يعتلي طابقين اثنين … درجتين دفعة واحدة " [41] ، وعلى الرغم من ذلك فلم يرَ القارئ توظيفاً لهذا الرمز في مسألة الطبقات الاجتماعية التي لاحت في الفروق بين (حي مبروكة ، ونهج ابن خلدون) ، ثم في احتفالات العاصمة بعيد الاستقلال في الفصل ( 19 ) [42] .

  من أجل تلك الرؤية ربما كان على الروائي أن يتّخذ " رواية الشخصية " مطيّة لرؤياه ؛ فكانت الرواية روايةً شخصيةً ، البطلُ فيها لم يكن ذلك البطل المندفع المتهوّر الذي تدفعه الأحداث من موقف لآخر ، بل كان " دربال " سلبيّاً تجاه ما يعترضه من تحدّيات ، يكتفي إزاء ذلك بالهروب المستمر ، والانغماس في اللهو بالخمر والنساء ، كذلك لا يوجد في النص حبكةٌ بارزة ، فالأحداث تتغيّر ؛ لأن الأماكن تتغيّر ، وليس لأن الشخصيات تتغيّر ؛ فالتطوّرات في الرواية منشؤها المكان والتقاليد التي فرضت على حبيبة نوعاً من الالتزام بالأسرة ، وفرضت في حكاية "حي مبروكة " ، على مبروكة التوبة وتحويل الماخور إلى حي سكني للإيجار ( باعتبار الضريح ) ، فالفاعل الحقيقي في حبكة حكاية دربال هي نبوءة والده بالعودة إلى المكان ( الأصل ) ، والفاعل الرئيس في حبكة حي مبروكة هو الرؤيا أي : ( البعد الديني ) . من خلال ذلك يمكن اعتبار الحبكة في الرواية حبكة بسيطة غير معقّدة ، ليس فيها حدث حاسم تشارك كل العناصر في صنعه ، ولا يوجد فيها نهاية يتحرّك نحوها كل شيء في الرواية ؛ لأن النصّ أقرب ما يكون إلى التحليل النفسي لشخصية دربال الهارب من سلطة المكان وتقاليده ؛ لذلك يظن القارئ أن شخصيات الرواية مستقلة بذواتها وأن الأحداث تابعة لها ، كما أن مواقف هذه الشخصيات هي مواقف نمطية وضعها الروائي لتعرّفنا بشخصياته ، أو لتعرض لنا ما يستجدّ في الرواية من شخصيات جديدة .

   وشخصيات الرواية سواءً في حكاية دربال ، أم في قصة إنشاء حي مبروكة ، أو حكاية " رفيق ولمياء " ، شخصيات تكاد تكون ثابتة أو شبه جامدة ، لها ملامحها وصفاتها منذ أن ابتدأ السرد وحتى نهايته ، لم يتغيّر منها شيء بل اكتفت بالتلوّن بألوان المكان بحسب المواضع التي ظهرت فيها ، وذلك من أجل عرض مجتمع الرواية ، فما يمكن أن يعدّ صراعاً بين شخصيات الرواية هو بالدرجة الأولى من أجل نقد مجتمع العاصمة في مقابل مجتمع الريف المسكوت عنه ، والمعبَّر عن خصائصه بنقيض الواقع المعيش في أحداث السرد ، من انحلال وخيانة وزيف وخيبة أمل ، وقد عبّرت عن ذلك بإخلاص شخصيات الإجرام في تاريخ حي مبروكة ، وشخصيات حاضر الرواية بما انطوت عليه من رغبات وأهواء ، فكان تطوّر علاقاتها هو ما يدفع في اتجاه نهاية السرد .

   لقد ابتدأ الروائي سرده بشخصية دربال الكاملة منذ البداية نموذجاً للإنسان الهارب إلى الأمام ، وامتدّت حبكة الرواية مع دربال ، لعرض ما يمكن عرضه من أوهام الوطن البديل ، ومشاهد حياته الزائفة ، وكان المكان هو العنصر الرئيس في مقابل الزمن المحيَّد ، تتنقّل فيه شخصية دربال ، وتتأقلم مع ما فيه من مظاهر عيش وصداقات ، وفي أثناء ذلك نرى مختلف التوليفات في مجتمع المدينة : الشخصيات المتعلّمة أو السويّة بحسب منطق المدينة ، ويمثّلهم أصدقاء دربال ، والشخصيات المنحرفة وذوات الإجرام ، ويمثّلها شخصيات حي مبروكة وبعض الشخصيات الأخرى ، وهي في عمومها شخصيات تُكسِب المكان ازدحاماً وتنوّعاً ، وتدفع بالبطل دربال لأنْ يبحث عن تطوّر ما في دواخل نفسه ، ينتصر به لقيم يتطلّع إليها ولا يجدها . كما يمكن اعتبار المكان في هذه الرواية مكاناً دائريّاً ، يبدأ من قرية عمدون التي غادرها دربال بصعوبة ، وينتهي بقرية عمدون كذلك ، التي رجع إليها دربال بصعوبة أيضاً ( أو هكذا أراد الروائي بحسب ما يُفهم من النص ! ) ، ويُظهِر ذلك سلطة المكان على الإنسان الذي يبدو من خلال هذه الحركة ضائعاً مسلوب الإرادة .    

              

 كما حاول الروائي التحايل على محدودية الزمان ودونيته أمام الشخصيات في مقابل تنوّع المكان واتساعه عبر السرد ، بحيلتين : أولاهما تمثّلت في ربط الزمن في الرواية بتواريخ محددة ، وأحداث خارجية فرضها عن طريق الاستماع لوكالات الأنباء حول أزمة العرب مع إسرائيل والغرب في بداية السبعينات ( وهي المرحلة التي سبقت طبعة الرواية الأولى ) . أما الحيلة الأخرى فقد كانت بتلاعبه بالأنساق الزمنية للحكي من خلال التقديم والتأخير والإزاحة ، في بنية تشي برغبة الروائي في تهشيم النسق السببي للأحداث ، وقد حاولت هذه الورقة رصد الحكايات الثلاث في الرواية في مقاربة أوليّة ، ورأت من حيث الإجراء أن حكاية " دربال وحبيبة " تتظافر مع حكاية " رفيق ولمياء " من خلال علاقة زواج " رفيق بحبيبة " ؛ فاعتبرتهما الورقة حكاية واحدة رمزت لها بالرمز : " د " ، في حين رأت استقلالية حكاية مبروكة باعتبار البعد التاريخي ، ورمزت للحكاية بالرمز : " م " ، وقد رُصِدت المقاطع [43] المكونة لهذه الحكايات ( ورُتّبت أولاً وفق تسلسلها السببي ) على النحو الآتي :

 

مسرد للمقاطع وفق ترتيبها السببي §

 

1 : حكاية دربال وحبيبة متظافرة مع حكاية رفيق وحبيبة ولمياء :

 

ف2  أ / مقدم دربال إلى العاصمة .

 ف2  ب / ثلاث سنوات دراسة في العاصمة .

قراءة في رواية " البحر ينشر ألواحه" للجابري

التفاصيل
كتب بواسطة: فيصل حيدر / عمر خليفة بن إدريس
نشر بتاريخ: 21 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 21 يوليو 2007
الزيارات: 22

رواية " البحر ينشر ألواحه " § لمحمد صالح الجابري §§

إدانة للبنية المعرفية السائدة

 

د. عمر خليفة بن إدريس

أ.  فيصل عبد الله حيدر

 

   تتوسّل رواية " البحر ينشر ألواحه " بجدلية : ( الرفض / والإذعان ) في موضوعَيْ : ( المكان ، والتقاليد ) . إذ يتوسّل الروائي بحكاية سَفَر ابن الريف إلى المدينة ممثلةً بالعاصمة ، في محاولة من البطل للهروب من طابع الحياة الريفية ببداوتها وبدائيتها ، إلى أضواء المدينة وأجوائها الصاخبة . ولأن ما يمكن أن يُعدّ خرقاً لقيم الريف وتقاليده - يكمن في الخروج عن الالتزام الاجتماعي تجاه منظومة الأسرة ابتداءً ؛ فقد كانت المرأة هي المعيار الذي تقاس به هذه المحافظة ، الأمر الذي يجعل من المرأة المنحرفة رمزاً ممكناً لقيم المدينة المعادية لقيم الريف ؛ من أجل ذلك نرى الجدل القائم في القرية ، إبّان سفر البطل إلى العاصمة للدراسة ، سواءً في معارضة شيوخ القرية [1] لهذا السفر ، أم في وصية أمّه التي حرّمت عليه النظر إلى نساء المدينة ؛ لأنهن متبذلات [2]. ويشار في هذا السياق إلى أن ( الدراسة ) التي تعلّلَ بها البطلُ للهروب من المكان ، يمكن أن تكون إشارة فنية دفع بها الروائي لتشي بموقف معادٍ لمترتّباتها في السرد .  

  لقد ازدحمت الرواية بأجواء الحانات والخمور ، إلى جانب مظاهر التعهّر في كل ما يخصّ النساء ، حاشا أم البطل التي اقتصر وجودها في الرواية على تلك الوصية التي زوّدت بها ابنها " دربالاً " وقت سفره ، وشكّلت باختفائها في أثناء السرد ، بعد تركها في القرية ، توحُّداً مع قيم المكان ( أو الوطن ) ، التي حاول البطل جاهداً التملُّص منها ، ومحوها من ذاكرته بمجرد أن صار في المدينة  وانبهر بأجوائها المنحلّة ؛ فتناسى وصية أمه . والكلام نفسه ينطبق على أم " حبيبة " ، وهي المرأة القاسية المراقِبة لسلوك ابنتها ، وقد أدى غيابها إلى جنوح ابنتها ، ومعاشرتها لدربال [3] ؛ فكانت الأمّ رمزاً لصرامة المكان ، ورمزاً كذلك لهذه التقاليد المحافظة ، أي أنها يمكن أن تختزل قيمتيْ ( الوطن ، والأصالة ) ، فيما عدا ذلك ، فأغلب شخصيات الرواية ، من النساء ، هنّ أدواتٌ للانحراف ، وإغراءٌ للتمرّد على المحافظة ، ابتداءً من البطلة " حبيبة " ، التي تطوّرت شخصيتها لاحقاً ، من طالبة مراهقة تبحث عن إثبات أنوثتها لزميلاتها اللائي يتباهين أمامها بعلاقاتهن الحميمة – إلى زوجة تتحاشى التمادي في علاقتها بالبطل إلى حدّ المعاشرة الجنسية ، على الرغم من أن تواصلها السرّي مع دربال ، واختلاءه بها ، هو شكل من أشكال الخيانة الزوجية ، ويكثر غيرُ حبيبة من الشخصيات التي تمارس العهر الخفيّ أو الدعارة السافرة ، فنجد العجوز التي دفعت البطل إلى كسر الناموس بينه وبين نساء " حي مبروكة " بدعوى النصيحة المخلصة ، وأنها بمثابة أمه [4] ، ويمكن اعتبارها رمزاً لروح المدينة الزائفة التي حاول البطل أن يجعل منها بديلاً لوطنه الأصل ، ثم نرى صبيحة وغيرها من نساء الحي اللائي تقاطرن على بيت المُعلِّم " دربال " خلسة من خلف أزواجهن أو أهلهن [5] ، وكذلك خيرة المومس التي اتّخذها الجزار لنفسه عشيقة [6] ، وقد سبقتهن نعيمة وابنتها في بنزرت [7] ، ومبروكة صاحبة الماخور التي شكّلت توبتها المفاجئة بفعل الميتافيزيقا ( أو كرامة صاحب الضريح ) - " حي مبروكة " أحد أهم مسارح النص[8] ، ثم النايلية ، وفتيات النايلية [9]، وخادمة العجوزين الأجنبيين [10]، والمومس في المقهى [11] ، وأخيراً تبرز لمياء التي دفعت الأحداث نحو نهايتها بخيانة زوجها مع رفيق ؛ الأمر الذي ترتّب عليه حبس رفيق [12] ، واكتشاف دربال أن ارتباط حبيبة بعائلتها هوّة سحيقة ، تقف حائلاً بينه وبين تواصله مع حبيبة التي اختارها الكاتب رمزاً لمحاولة دربال التوطّن خارج وطنه .

  في مقابل المرأة نرى الرجل في الرواية يرزح تحت نير السلبية والضياع ، يُستثنى من ذلك " والد دربال " الذي خلق الروائي على يديه النبوءة الفنية التي لازمت البطل مذ سافر إلى أن عادت به إلى قريته [13] ، مروراً بشيوخ القرية من أعمامه ، الذين مانعوا في خروج دربال من القرية ، ثم ألحّوا على السلطات لنقل عمله من بنزرت إلى القرية [14] . والأب رمز يكمل في السرد ما وُظِّفت الأم من أجله . فيما عدا ذلك من الرجال فجمهورهم ، إذا تجاوز القارئ مجتمع ماخور مبروكة التاريخي ، يمكن أن يمثله رفاق دربال في بنزرت ، ورفاقه في العاصمة الذين اختزلهم الروائي في الجلوس في المقاهي والحانات أو على موائد الاحتفالات ، والاكتفاء بتجاذب الأحاديث ( السطحية في أغلب الأحيان ) ، والتشاغل عن عظائم الأمور بمشاكسة بعضهم بعضاً ، الأمر الذي يشي بإدانة الروائي لانغماس المجتمع العربي في سلبيته تجاه القضايا المصيرية ، وقد عبّر الروائي عن ذلك من خلال مشهد متابعة دربال ورفاقه لأنباء أزمة مصر مع الإسرائيليين ، على هامش أحاديث المقهى في الفصل ( 11 ) [15] ، وكذلك بإلصاق مشهد المومس في أثناء ذلك الجدل ، ثم بتحوّل عثمان إلى الحديث عن رفيقته التي غمزته في المدرسة ؛ فشغلت باله لساعات ، وفي مقابل تلك اللامبالاة يتندّر المجتمعون على تعاطف مثقفي أوربا ، وعلى رأسهم سارتر ، مع إسرائيل ضد العرب .

  كما يمكن أن يلحظ القارئ هذه السلبية فيمن استعبدتهم حاجات عوائلهم . وقد وظّف الروائي لذلك محاولة والد حبيبة اليائسة التملُّص من قسوة زوجته بالطلاق ، وما تبع ذلك من حبسها إيّاه ، وإجباره على العودة مذعناً لقيد الأسرة والعمل في الميناء جلّ النهار [16] .

   أمّا دربال بطل الرواية فقد حاول منذ بداية السرد الهروب من قرية عمدون ( باعتبارها الوطن ) إلى وطن بديل هو ( العاصمة ) ، ومن المحافظة على قيم وطنه الأصل ، بتناسيه قريته ، والانغماس في ملاهيه مع النساء والخمر ، ثم بسلبيته أمام حبيبة التي تحوّلت علاقته بها إلى التسامي على الجسد ( بحسب النص ) [17] ، فنراه يتمادى في هروبه ، بدل أن يتمّم علاقتهما بزواجٍ في البيت الذي أعدّه ليكون وطناً ؛ هرب إلى روما [18] ، ثم فاجأ حبيبة بخطاب بريديّ يحثّها فيه على البحث عن السعادة بعيداً ، وتحاشي أمثاله من الرجال [19] . ولعل القارئ يلاحظ أن فترة إقامة دربال في روما مسكوت عن تفاصيلها وأحداثها ، إذ قفز السارد إلى عودة دربال إلى أصدقائه ، وبحثه عن حبيبة ؛ الأمر الذي يقوّي الظن بأن الروائي أراد من سفر دربال أن يخلق ازوراراً وهروباً من الارتباط بحبيبة ( التي يمكن اعتبارها رمزاً لمحاولة التوطّن ) . وحتى في مشهد عودة البطل إلى القرية في آخر السرد ، يرى القارئُ البطلَ هارباً يائساً مذعناً ؛ وقد استشعر ضياعه من خبر تهدّم بيتهم في القرية ، ثم من اضطرابه أمام سؤاله عن الفرق بين القرية والمدينة ؛ الأمر الذي يجعله يتحول إلى خصم محمد علي المهزوم[20] ، فيما تبتهج العاصمة بأضوائها وأناسها المزيفين على كراسيهم في المقاهي ، والحانات ، والأماكن العامة ، وعلى عتبات مبانيها الرسمية ( وأحياناً الرأسمالية ) [21]. لقد اختزل الروائي صحوة البطل ( أو صدمته ) في عِيد الاستقلال ؛ فجعل من كل هذا الاحتفال موكباً يزفّ دربالاً إلى قريته في اعتذار جاء متأخّراً لما يمكن أن يرمز إلى : النظام ، والقانون ، والمكان ، ألا وهو شرطي المرور [22].

   وإذا كنّا في هذا السياق نبحث عمّا يحسّه القارئ من توظيفات ورموز في النص ، فإنّ عنوان الرواية " البحر ينشر ألواحه " جدير بلفت الانتباه إليه باعتبارين : أحدهما معنى العبارة اللغوي ، والآخر موقعها من النصّ ؛ ففي المعنى اللغوي : " البحر ينشر ألواحه " ، تحيل العبارة على التعبير القرآني " وحملناه على ذات ألواح ودسر " [23] ، والبحر في المعنى المتبادر ينشر أمواجه في حركته الدائبة ، لكن تعبير ينشر ألواحه ، يستدعي أن ينشر البحر ما علق على سطحه من بقايا سفن ضلّت سُبُلها ، ويلفظه على الشواطئ ، وذلك ربما يختزل فكرة التطهّر ، وقد يكون النشر من النشور ، وهو البعث من جديد ؛ فيكون المعنى هو قيامة الأبطال من موتهم المعرفي لحظة تجلّي الحقيقة . وفي المعنى الموقعي يدرك القارئ مغزى أن توضع العبارة في مشهد تجاوز رفيق ولمياء خطّ الحذر من زوجها المتربّص [24] ، والسقوط في متاهة الملاحقة القضائية ، وما نتج عن تلك اللحظة من انقشاع الضباب ، واصطفاف حبيبة خلف قيم أسرتها ، وتسليم دربال بأنْ لا شيء يمكن أن يربطه بالعاصمة ( أو بحبيبة ) ، الأمر الذي يدفع باتجاه عودته إلى وطنه الأم " قرية عمدون "

لمياء ورفيق تحت طائلة القانون                 حبيبة تتمسّك بعائلتها

 

البحر ينشر ألواحه

 

 

دربال يبحث عن حبيبة                               دربال ييأس من حبيبة

                

                  دربال يغادر...   (  القرية   )  دربال يعود...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

، فالبحر يبدو للقارئ رمزاً موظّفاً بدقة بعد أن تحوّل في الفصل ( 12 ) [25] إلى أحد أبطال الرواية من خلال تقنية " اللصق " ؛ وأوحى في آخر السرد بعدائية المكان تجاه مشهد الخيانة ، أو تجاه تزييف قيمة المواطَنَة ( باعتبار المنظومة الأسرية ) ، وقد كان أليفاً في أوله تجاه دربال في أثناء تسكّعه على شواطئ بنزرت في الفصل ( 2 ) [26] .

 

وإذا كان الكاتب يدين الهروب من قيمة الوطن من خلال  إدانة :

·         الهروب من المكان ( القرية ) .

·         والهروب من الواجب ( العمل بالقرية ) .

·         والهروب من المواطنة ( أي من الزواج بحبيبة ) .

·         والسلبية تجاه قضايا الوطن ( التشاغل عن أحداث السويس بالمومس ) .

 

فإن القارئ يرصد إدانة واضحة أو موقفاً ثائراً كذلك على البنية المعرفية السائدة ،

( باعتبار أن انعدام الوطنية نتيجة لفشل المنظومات المعرفية ) ، ويمكن أن تُلحظ تلك الإدانة من خلال توظيفه لرموز الهيكل التربوي ، والمشهد الثقافي ، والبُعد الميتافيزيقي السائد في مجتمع الرواية .

  ففيما يخصّ الهيكل التربوي ( أو المنظومة التعليمية ) تطالعنا شخصيّات :  المدير ، ودربال ، وعثمان ، وحبيبة ، وصديقاتها في المدرسة . فالمدير شكّل بحادثة مصرعه مع صبيحة في سيارته بسبب الخيانة [27] صدمة للقارئ لما كان يظهر عليه بمظهر المتزمّت تجاه سلوك دربال في " حي مبروكة " ، وهو يمثّل السلطة التعليمية الرسميّة ( أو يرمز إليها من بعض جوانبها على أقلّ تقدير ) ، فيما تتمظهر شخصية دربال في سمتي : السلبيّة والضياع ، وما يجرّانه من هروب مستمرّ من جهة ، ومن انحراف متمثّل في إدمانه على الخمر وانغماسه في الجنس من جهة أخرى ، ويظهر ذلك جليّاً أولاً في علاقته الحميمة مع جارته التلميذة " حبيبة " ، وبخاصة في أثناء دراستها وأوقات مذاكرتها ، ثم في مغامراته مع نساء حي مبروكة التي كنّى عنها الروائي بوظيفة ( الكاتب العمومي الليلي ) [28] ، وهي سمات تقف على النقيض من الشخصية النمطية للمعلّم ، التي ألمح السارد إلى أنها من الشخصيات التي لا تتحرّج نساء الحي في الظهور أمامها أو محادثتها [29] ، ثم يأتي على هامش السرد حديث عثمان عن زميلته التي غمزته في المدرسة ، وتعليقه على المومس[30] ، وفي هذا السياق لا يمكن تجاوز زميلات حبيبة في المدرسة ، اللائي انغمسن في العلاقات الجنسية والليالي الحمراء ( بحسب النص ) وحرضن حبيبة على الانحراف [31].

   وقد حفل الفصل ( 19 ) [32] بالسخرية من مثقفي العاصمة وموظفيها ، ومن الرسّامين والمحامين كذلك ، من خلال مشهد تسكّع دربال في احتفال عيد الاستقلال . كما سخر الروائي من الصحافة العربية التي لا تختلف في بُعدِها عن الحقيقة عن الصحافة الغربية [33] .  

    من منظور آخر ، يجد القارئ توظيفاً للبعد ( الميتافيزيقي ) للبنية المعرفية السائدة ، من خلال توظيف رمز ( ضريح الولي الصالح ) في أثناء معجزة قلب الماخور إلى حي سكني ، إثر توبة مبروكة في الفصلين ( 5 ، 8 ) [34] ، وهو  إصلاح غيبي طارئ ، يحمل في طياته ميلاد النقائض من رحم واحد ؛ إذ تولد الفضيلة من وكر الرذيلة ؛ ليحتضن المكان عينه الرذيلة مرة أخرى ، بفعل التدخّل البشري الفاعل قبل الحدث ، مُمَثلاً بميوعة الرأي الفقهي في عبارة شيخ العاصمة : " كلما تعدّدت مواطن الرذيلة … كان طريق الفضائل أبين " [35] ، والفاعل بعد الحدث كذلك ، ممثلاً في الجدل الدائر حول أفضلية كبش العيد على غيره من الكباش في الفصل ( 18 ) [36] ، وما يشي به ذلك من إفراغ قيمة الدين من مضامينها السامية . وكأنّ الكاتب أراد من ذلك أن يقول : إن إزاحة المقدّس إلى منطقة وجهات النظر يخرجه عن قداسته .

وفي هذا السياق ، حاول الروائي تصوير حالة من الضبابية تجاه القيم والمعايير التي تقاس بها الحقيقة ، من خلال مشهدَيْ : مقتل المدير وصبيحة على يد زوجها بعد اكتشافه خيانتها [37]، ومقتل مبروكة على يد " عبادو " [38] ، بعد أن كفرت بالرذيلة ، وحوّلت الماخور إلى حيّ سكنيّ يضمّ فقراء العاصمة وصعاليكها ، الأمر الذي يوحي بتشوّش مفهوم القِيَم في الواقع المعيش ، وبرفض حاد لتسطيح البنية الدينية.

ومن خلال ما تقدّم يمكن تبيّن إدانة الروائي للبنية المعرفية متمثِّلة في :

 

·         الهيكل التربوي ( مديـر المدرسة ، وعثمان ، وحبيبة وزميلاتها ، ودربال )

·         المثقفين ( مظاهر الزيف والتسطيح في مشهد عيد الاستقلال )

·         البنية الميتا فيزيقية ( الضريح ، وشيخ العاصمة ، والجدل حول كبش العيد )

 

وإذا كان توظيف الروائي لرموز : ( الأم ، والأب ، والمرأة والخمر ، وعيد الاستقلال ، والبحر ، والعاصمة ، والضريح ) يمكن للقارئ أن يقارب المنوط بها ، فإن رموزاً أخرى قد تُوقِعُ القارئَ في الحيرة بين أن تكون موظّفة توظيفاً حادّاً للتنديد بواقع المواطَنَة ، أو أنها لم تتطوّر من خلال النص إلى ما كان يُتوقَّع منها! يأتي في مقدّمة تلك الرموز " العمارة التي يسكنها دربال  " ؛ فقد أشار السارد إلى أنها " يجوز أن تنعت بأنها ( مجمع الأديان الكبرى ) "[39] ، أو " عمارة الأديان الكبرى " [40] ؛ الأمر الذي هيّأ القارئ لأنْ يرى فيها رمزاً مثاليّاً للوطن ( باعتباره يحوي الأديان الثلاثة ) ، وذلك يبرّر توظيفها على ذلك النحو ، إلاّ أن القارئ يُفاجأ بأن العمارة تُختزل في شقة دربال التي أُعِدَّت لتكون مسرحاً لعهره مع حبيبة ، وهي إلى ذلك لم تربطه إليها برباط الموَاطَنة ؛ فلم يتمّ زواجه من حبيبة ، على الرغم ممّا وُصِفت به علاقتهما من تسامٍ في مراحلها الأخيرة ، ثم يُتوَّج ذلك  بتمادي دربال في هروبه . ومثل ذلك في الفصل ( 13 ) ، إذ نرى الكاتب يتحدّث عن : " المرّة الأولى التي يُتاح له فيها أن يعتلي طابقين اثنين … درجتين دفعة واحدة " [41] ، وعلى الرغم من ذلك فلم يرَ القارئ توظيفاً لهذا الرمز في مسألة الطبقات الاجتماعية التي لاحت في الفروق بين (حي مبروكة ، ونهج ابن خلدون) ، ثم في احتفالات العاصمة بعيد الاستقلال في الفصل ( 19 ) [42] .

  من أجل تلك الرؤية ربما كان على الروائي أن يتّخذ " رواية الشخصية " مطيّة لرؤياه ؛ فكانت الرواية روايةً شخصيةً ، البطلُ فيها لم يكن ذلك البطل المندفع المتهوّر الذي تدفعه الأحداث من موقف لآخر ، بل كان " دربال " سلبيّاً تجاه ما يعترضه من تحدّيات ، يكتفي إزاء ذلك بالهروب المستمر ، والانغماس في اللهو بالخمر والنساء ، كذلك لا يوجد في النص حبكةٌ بارزة ، فالأحداث تتغيّر ؛ لأن الأماكن تتغيّر ، وليس لأن الشخصيات تتغيّر ؛ فالتطوّرات في الرواية منشؤها المكان والتقاليد التي فرضت على حبيبة نوعاً من الالتزام بالأسرة ، وفرضت في حكاية "حي مبروكة " ، على مبروكة التوبة وتحويل الماخور إلى حي سكني للإيجار ( باعتبار الضريح ) ، فالفاعل الحقيقي في حبكة حكاية دربال هي نبوءة والده بالعودة إلى المكان ( الأصل ) ، والفاعل الرئيس في حبكة حي مبروكة هو الرؤيا أي : ( البعد الديني ) . من خلال ذلك يمكن اعتبار الحبكة في الرواية حبكة بسيطة غير معقّدة ، ليس فيها حدث حاسم تشارك كل العناصر في صنعه ، ولا يوجد فيها نهاية يتحرّك نحوها كل شيء في الرواية ؛ لأن النصّ أقرب ما يكون إلى التحليل النفسي لشخصية دربال الهارب من سلطة المكان وتقاليده ؛ لذلك يظن القارئ أن شخصيات الرواية مستقلة بذواتها وأن الأحداث تابعة لها ، كما أن مواقف هذه الشخصيات هي مواقف نمطية وضعها الروائي لتعرّفنا بشخصياته ، أو لتعرض لنا ما يستجدّ في الرواية من شخصيات جديدة .

   وشخصيات الرواية سواءً في حكاية دربال ، أم في قصة إنشاء حي مبروكة ، أو حكاية " رفيق ولمياء " ، شخصيات تكاد تكون ثابتة أو شبه جامدة ، لها ملامحها وصفاتها منذ أن ابتدأ السرد وحتى نهايته ، لم يتغيّر منها شيء بل اكتفت بالتلوّن بألوان المكان بحسب المواضع التي ظهرت فيها ، وذلك من أجل عرض مجتمع الرواية ، فما يمكن أن يعدّ صراعاً بين شخصيات الرواية هو بالدرجة الأولى من أجل نقد مجتمع العاصمة في مقابل مجتمع الريف المسكوت عنه ، والمعبَّر عن خصائصه بنقيض الواقع المعيش في أحداث السرد ، من انحلال وخيانة وزيف وخيبة أمل ، وقد عبّرت عن ذلك بإخلاص شخصيات الإجرام في تاريخ حي مبروكة ، وشخصيات حاضر الرواية بما انطوت عليه من رغبات وأهواء ، فكان تطوّر علاقاتها هو ما يدفع في اتجاه نهاية السرد .

   لقد ابتدأ الروائي سرده بشخصية دربال الكاملة منذ البداية نموذجاً للإنسان الهارب إلى الأمام ، وامتدّت حبكة الرواية مع دربال ، لعرض ما يمكن عرضه من أوهام الوطن البديل ، ومشاهد حياته الزائفة ، وكان المكان هو العنصر الرئيس في مقابل الزمن المحيَّد ، تتنقّل فيه شخصية دربال ، وتتأقلم مع ما فيه من مظاهر عيش وصداقات ، وفي أثناء ذلك نرى مختلف التوليفات في مجتمع المدينة : الشخصيات المتعلّمة أو السويّة بحسب منطق المدينة ، ويمثّلهم أصدقاء دربال ، والشخصيات المنحرفة وذوات الإجرام ، ويمثّلها شخصيات حي مبروكة وبعض الشخصيات الأخرى ، وهي في عمومها شخصيات تُكسِب المكان ازدحاماً وتنوّعاً ، وتدفع بالبطل دربال لأنْ يبحث عن تطوّر ما في دواخل نفسه ، ينتصر به لقيم يتطلّع إليها ولا يجدها . كما يمكن اعتبار المكان في هذه الرواية مكاناً دائريّاً ، يبدأ من قرية عمدون التي غادرها دربال بصعوبة ، وينتهي بقرية عمدون كذلك ، التي رجع إليها دربال بصعوبة أيضاً ( أو هكذا أراد الروائي بحسب ما يُفهم من النص ! ) ، ويُظهِر ذلك سلطة المكان على الإنسان الذي يبدو من خلال هذه الحركة ضائعاً مسلوب الإرادة .    

             روما

 

 

   العاصمة

 

 


 

أسئلة الهُويّة في قامَة الشِّعر والأدب

التفاصيل
كتب بواسطة: الطاهر مرابعي
نشر بتاريخ: 15 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 15 يوليو 2007
الزيارات: 14

أسئلة الهُويّة في قامَة الشِّعر والأدب
قراءة في النّسق المُضمر


"اللغــــة بيتُ الوُجود"
هيدجر

جدير بكل مناقشة أن تطرح تساؤلا من العظمة بحيث يستحيل إلى مسألة وجود لا تنفك لصيقة بقيمة الحياة في بُعدها النّضالي الرّاسخ، أسئلة تطرق أبواب الماهية بكل قيَمها الإنسانية النبيلة في عصر "الوطنية" و"الانتماء".
إلى وقت غير بعيد كان من المسائل المثيرة للجدل فكرة النضال السياسي الوطني والقومي ولا يزال.. إلى أيّ حدّ يُمكن للكلمة في بُعدها الجمالي أن تكون لها سندا؟ إلى أيّ حدّ يمكن للشّعر والأدب أن يُساهم في الحركة التحرّرية والمسارات النضالية الوطنية؟
سؤال يبادر كل أديب ومحبّ للأدب بالإجابة عنه إيجابا لكن استنطاق الواقع إن لم يكن مُخيفا إلى الدّرجة التي يشكّك فيها بأهميته ودوره رِياديّا فلن يكون بمقدوره الوقوف وَقفة شامخة أمام المناظرين، والأغرب من ذلك أن يكون من فطاحل الأدباء والشعراء من يعتقدون بذلك، فهذا شاعر الثورة الجزائرية وشاعر النّضال الوطني مفدي زكريا يقول في إحدى قصائده بهذه الجملة "فعَاف اليَراع خُرافات حِبري"، قالها وهو بصدد الحديث عن جدوى كلمة الأدب في التغيير وبُعدها في العمل.. فماذا نقول ونحن نُعاصر أبعاد النقد الثقافي لو أننا تطرقنا إليها من زاوية تصور عبد الله الغذامي الذي يقول في كتاب النقد الثقافي بما يصبّ في آي القرآن الكريم عن الشعراء أنهم "يقولون ما لا يفعلون" وأنهم "في كل وادٍ يَهيمون" فضلا عن ترسيخه للقيمة العمليّة للأدب في فترة صدر الإسلام فقط، بل وذهابه إلى حدّ اتهام الكثير من الشعراء ومن ثمّ لنتاجهم من العمل الشعري بتشويه السّلوك الجماعي من خلال "شَعْرَنة" القيم والتحكم فيها عبر مسارات ترسّخ لاحقا أنساق غير مُشرِّفة، ولئن كان من مُساءلة في هذه الحالة ومثل هذا السياق فهي مُساءلة جادّة وجديرة ليس بمعشر الأدباء والشعراء ولكن بالأدب والشعر، وعلى كل فهي مُساءلة فيما يبدو لا تقترب من فكرة "الجَمالي" و"الإبداعي" بقدر اقترابها من سؤال الفاعليّة رغم أنها إذ تتصل بهذه الفكرة فهي لا تستطيع التملص من استخدام أدوات التعبير الشعري التي تكون بمثابة المَعْبَر إلى الهدف بطريقة ما، لِتلخّص السؤال في عبارة: أيُّ دور يؤديه هذا الإنتاج الجمالي؟
كثيرة هي الأشعار المأثورة التي نتداولها والتي تشكل قيمة وقسطا من هويتنا لا تُُنكر فإن أُنكرت نال صاحبها ما نال طه حسين وهو يحمل "المنهج الديكارتي" مُتّجها إلى التراث الثقافي العربي منذ عصره الجاهلي، لكن استحضار المطلوب بالنسبة إلينا نحن الذين نهتم بالبُعد النضالي للأدب.. نحن الذين نحتفل في كل المناسبات من هذا النوع ليس بالرجال الصّناديد.. وإن يكن فليس بقدر احتفائنا بمن كانوا لهم زخرا فيما نتصور، استحضار المطلوب بالنسبة إلينا يعني طَرْق سؤال الفاعليّة، وغير بعيد عن فقرتنا هذه يؤكد الغذامي ذاته في كتاب النقد الثقافي دور الأدب لكن سلبا من حيث تأثيره على الشخصية ومساهمته في تمرير قِيَم غير ذات فائدة، وإذا استحال بالنسبة إلينا نفي فاعليّة إيجابية للأدب غالبا، فلن يكون باستطاعتنا نفي الفاعليّة لوجودها ولو سلبا، وقبل أي مُبادرة أخرى بالمناقشة نستنفر سؤالا ونترك الإجابة عنه.
في أي عالَم يعيش الأدباء والشعراء؟ وهل يُبلّغون رسالة مُمكنة التّوْصِيل؟ نسأل بهذا حتى لا نشكك في نواياهم.
ألا يحق لنا الآن أن نعود إلى استفهام إشكالية الأدب باستعارة الجملة التالية:
الأدب جيش مُرابض أم سَفير يُمثل؟
وإن كان من توضيح للسؤال فهو الآتي: هل يمارس الأدب الحرب ويقاتل من أجل قِيَمه أم يكتفي بممارسة المُحاماة خارج الميدان والانتصار بالأحلام؟
هذا إذا نحن افترضنا أن ثمة أنساقا كتابيّة تُمارس وطنيّتها مباشرة دون وسيط أو حَياء على غرار الخطابات السياسية، ومن مثل هذا التساؤل يبدو أننا قد تمكنا من بسط المسألة دون اتهام ولكن بكثير من التشكيك، فلا تغدو الكلمة هنا نِضالا بقدر ما تغدو نيّة غير مُباشَرَة، فإصدارات الدواوين والروايات ومختلف النصوص بذاتها مقاومة مُسْتحية إن جَهَرَت بموقفها، فإن لم تجْهر واكتفت بسريانيّتها كانت أبعدَ في نصيبها من الثاني أو لم تكن ذات وجود مطلقا، ولا يحضُرنا من موقف الغذامي إلا اعتباره الشعر وإن ضمنيا مُخالفة صريحة للواقع بما أن الشاعر "يقول في وادٍ" و"يفعل في آخر"، وهي صفة لازِمةٌ لا تُعانق شاعرا تاركة آخر بل تجمع كل داخل إلى هذا النسق، وهو ما يُضمِر الإجابة عن السؤال السابق: أين يعيش الأدباء؟ ويُبالغ إلى حدّ اتهام مادّتِه باللاّجدوى، إذ لو كانت مُجدية لصُنّف أهلها في قائمة الذين يقولون ما يفعلون!!
ألم تقل الخنساء يوما بعد أن توقفت عن قول الشعر أنها استغنت عنه بالقرآن؟ ألم نلاحظ ونحن نقرأ الكثير من النصوص الشعرية النّضالية -على كثرتها- أن أكثرها تحويمات لا تمتّ بصلة إلى مطالب التحرّر، بل وأن أكثرها تكريس للظلم خصوصا في فترات انتشار شعراء البلاط الذين لا يتُوبون غالبا إلا في لحظات سكرات الموت ليتمنّوا لو أنه باستطاعتهم مَحوُ كل ما قالوه؟ ألم نسمع من توفيق الحكيم إعلانه لشديد ندمه على تمجيد الثورة النّاصرية بل وانقلابه عليها، وإن كان تصوّرنا أن مناصرتها التي تاب عنها بانقلاب عليها يتيمة من مثل سابقتها وأنه ظل تائها في تلك الدائرة، فإن أفلح في شئ من الأولى وساق إلى الشعوب بعض القناعات التي لا يتحكّم وحده في إنتاجها في مجتمع يعجّ بالتيارات المتضاربة، فإنه لم يُفلح في الثانية من سخط من ارتدّ عنهم فضلا عن أن تُحسب تلك العثرة عليه، فأي دور لأدبه هنا؟ ألا يَحقّ تجديد سؤال الفاعلية النضاليّة، فإن فشلت هذه الفاعلية مع هذه النماذج التي تقف موقف التربّص بمبادئها فكيف بغيرها التي لا تخرج عن الشّطَحات الصوفية؟
وهذا شاعر القضية الفلسطينية محمود درويش الذي جاب العالم والتزم التزاما يصعب بعده الحديث عن أدب وطني... تراه ماذا صنع لمقاومته؟
هنا فقط يتبادر إلى الذهن سؤال أهمّ يقود إليه سياق النقاش وهو من يتحكم في الوعي والسلوك الاجتماعي؟ أيُّ الأنساق أَنْفذ إلى تحريك هذا الكيان الوطني؟ فلئن كان من الصّعب الإجابة عن هذا السؤال فلأنه يُحيل على إجابة مُتفرّدة تتعلق بخصائص الشعوب وطبيعة الفنون التي تتحكم في وجدانها الجمعي فضلا عن ملابسات الحضارة التي يمكن أن تغيّر من طبيعة الذوق وتبعا لذلك من طبيعة المُؤثِّر، فلا أمّة أشعَر فيما أعلم من أمّة العرب -أعني العرب المَشارقة- الذين قيل فيهم أن شعرهم هو ديوانهم، فهؤلاء أجدر الناس بأن يُساقوا إلى الحديث عن "تفاعليّة" مع الشعر، ولأنّ المقام غير مناسب لاستقصاء القضية - حتى لا ندخل متاهة غير معدّة التّأسيس- لا بدّ أن نعود إلى الفكرة الأولى المتعلقة بالشعر كونه خاصيّة تراتبيّة بالنسبة للشعوب في التّحكم في وجدانها مع ظواهر أخرى وليس إلغائيّة.
مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن من البيان لسحرا" وإنه لكذلك، لذلك كان يقول لحسان بن ثابت "اهجهم وروح القدس معك"، فمثل هذه الشواهد دليل قاطع على ما للكلمة السّاحرة من ضغط على الوعي شحذا وتحفيزا أو إطفاء وكسرا (الحرب النفسية)، غير أن مسالة الفاعليّة ونحن بصدد الحديث عن رفيق السلاح وزاد الحرب ليست سِمة مائِعة منثورة في كل نصّ، والأغرب من ذلك أن نجد أغانٍ في العشق والتغزل في خانة أدب التحرّر ولستُ أدري أوَيكون تصنيفها جامعا مانعا أم من قبيل النِّسبة الاحتمالية؟
لا يُعقل طبعا أن يخلو نصّ من أزمة المكان ومطلب الحرّية حتى مع دولة الاستقلال لكن الغريب أن يُقحم ما ليس للرّاهب إليه؛ فأن تمتلء عذابا "بمكان أنثى" شيء وأن تمتلء عذابا "بمكان وطن" شيء أخر، ولا نقطة تجمع بين الاثنين إلا نقطة المكان الفيزيائي الذي يموت الأول فيه في حين يموت الثاني لأجله! فأيُّ الفريقين للوطنية شاعر؟
كان لابدّ إذا من التفريق بين شعرٍ وشعر، بين قصدٍ وتابع قصد، ليس بغرض المحاكمة ولكن بغرض الفصل تشريحا حتى يتسنى عزل الجزء المقصود بالوطنية لذاته عن سواه كونه المعني مباشرة حتى لكأنه مطالب بالدفاع عن حِماه، وإذ تأتّى لنا تحقيق هذا الفصل صار سهلا مطارحة الموضوع.
في أي صفّ من صفوف المعركة يقف الأدب ومنه الشعر من قضية النّضال؟ وبكم - مقدار- يمكن له أن يساهم في تحريك أحداثها ولو عن بُعد؟
من المظاهر التقليدية في استنفار الحروب أنْ كان العرب يُقْدِمون في غزواتهم في الجاهلية وحتى في عهد الإسلام على بعث الرغبة في النّفس من أجل الانتصار والاستماتة على الحِياض، فكانوا يتخذون لأجل ذلك حِيلا صائبة كان من بينها مرافقة النساء للجيش أثناء المعركة، فكانت النساء تحرّضن الرجال على القتال والاستماتة ولم يكن للفارس أن يرتدّ فتُسبى ابنته أو زوجته، وما أدراك ما سبي النساء عند العرب! فهذا لقيط بن يعمر الإيادي يُرسل إلى قومه يحذرهم من جيش الفرس قائلا:

يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غُيرا ** على نسائكم كِسرا وما جمعا

وإلى جانب هذا السلوك الفذّ كان العرب لا يتأخرون عن توظيف مُمكنات أخرى لاستنفار الجيش ولعلّ أكبر ما كان يُتّخذ لذلك -الشّعر-، لكن لتلك الحياة حضارتها وثقافتها، فلا يخفى على الأذهان أن القبيلة الجاهلية وحتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت تُقيم الوَليمة إذا نبغ فيها شاعر، فهو الناطق الرسمي لها ولسانُه سنانُها لذلك انتشر الهجاء في الغير والفخر بالذات، ولعلّ الملاحظة المميزة أن استطرافات البلاغة كانت مُنعرجا مُبالِغا في التّحسين الجمالي من جهة لكنها ومن الناحية السّلبية كانت أيضا مُنعرجا حاسما في فترة نُضجها من حيث اختلفت كليا عن إمكانيات الموافقة مع الواقع، فباتت تَحليقا في عالم مثالي والأجدر أن يوصف بكونه "وهمي"، وبدل أن يبحث القول في توصيف الواقع حقيقة فعل ذلك جماليا، فضاعت فُرص المُناسبة بين الإبداع الهادف والإبداع المتحلّي للذائقة غير آبه بمُحايثته للواقع، فلما صِرنا إلى المتنبي صِرنا إلى الجوزاء في زمن  مازال وقع حافر الفرس يصطكّ بأديم الأرض، يقول الشاعر:

خميس بشرق الأرض والغرب زحفه  **  وفي أذن الجوزاء منه زمازم

فدخل الشعر على عهده بلاط الخليفة ولم يخرج إلا ليؤكد له أنه فعلا ممن يقولون ما لا يفعلون وبالتالي ينطبق الوصف على شعره إذ يصف ما لا يصلح للممارسة العملية؛ فمات الرجل ببيت من شعره وأصابت جنايته ابنه الذي كان يرافقه - وهي حادثة تكنّي عن تعثر الشعب بعرّافه- ونالَه وَبالُ شعر أبيه على طريق البصرة فماتا مقتولين على يد من يتحدّون بلاغة القول ببلاغة بالفعل.
ففي كل ما سبق أين القوميّة من المتنبي وأين القول النافذ الدائم الإصابة إلا أن يكون الرّجل رسّاما بارعا أحسن استخدام ألوانه فنقل أمجاده أوّلا بما أوتي من سحر كلام ووثّق ثانيا وبِرَوعة ما جرى بين جيش سيف الدولة والأعداء، ولا يمكن لأحد أن يُنكر فضل الشاعر هنا على اللغة وحُسن تدْبيره لها ومساهمته من حيث يدري أو لا يدري في ترسيخ عرشها وتمليكها قلوب الرجال.
فإذا غادرنا عصر هذا الشاعر أقبلنا على "فتح عمورية" وما بها من مناسبة بين القول والفعل مع روعة بلاغية خرقت عصرها، فهذا أبو تمام يُسأل "لم لا تقول ما يفهم" فيُجيب "ولم لا تفهمون ما أقول" ومع ذلك ما كاد يُعاب على شيء غير اختلاط الفهم على أهل عصره، ولو أننا اتخذنا بعض نماذج شعره لتبيّن أنها بلاغة تعمل على الوصف الدقيق المُحايث للواقع، يقول الشاعر:

الــسيـف أصــدق أنبـــــاءً من الكتـب ** فـي حدّه الحــــدّ بين الجــــدّ واللـعب
بِيض الصفـائح لا سود الصحائف في ** متونهـن جــــــــلاء الشــك والــرَّيب
والعلـم في شهب الأرمـاح لامعـــــــةً  ** بيـن الخمِيسيْن لا في السّبعـة الشهُب
أين الروايـة؟ أم أين النّجــــوم؟ ومـــا **  صاغوه من زخرف فيها ومـن كذب
تخرصًــا وأحـاديثــــا ملفقـــــــــــــــة **  ليست بنبــــع إذا عُــدّت ولا غــرب
عجــائبــا زعمـــوا الأيــام مُجفلــــــة ** عنهن في صـفر الأصفــار أو رجب

والوصف هنا عند الشاعر مع اعتماده القوي في تشكيل الصور البلاغية ورسم لوحات غير ممكنة الإمساك قابلة الإدراك قائم على الخيال إلا أنه رغم ذلك تمكّن من الاستحواذ على جوهر الحقيقة بنبذ المنجمين في مشاهد تفضحهم وعلى العكس تماما من سابقه - المتنبي- تكشف صياغته أن الفعل والتصميم هما السيّد، لا الوهم والتنبؤات الطقسية الواهية، كما أن اللغة على بهرجها لا تلعب على أيّ هامش بل تشغل المتن كاملا مستفيضة من الخيال لتصبّ في الواقع، وبرسم منحنى لمسار الملفوظات والمدلولات يتّضح لدينا أن أبا تمام اعتمد طريقة تصاعدية في استقراء الواقع آخذا بيد البلاغة في تشكيله، فهو إذ يبدأ من السيف متنقلا على متن النبإ الصادق يصل من خلال حدّه إلى تلفيق المتقوّلين الذين يمثلون "بلاغة القول وسحريّته" لتتكشف فضائحهم عند أبواب المعركة، معركة تأخذ بالأسباب الحربية مثلما تأخذ بالأسباب المنطقية للنصرة لتتجلى على وثيقة تاريخية في لغة صادقة بألفاظ عملية ممثلة في هذه القصيدة التي بين أيدينا. 
ولو أننا تركنا جميع هذه العصور ودخلنا عصرنا وبحثنا عن شئ نسميه "وطنية" أو "قومية" - مع ما بين المصطلحين من فرق وإن جمعناهما- لكان لنا أن نختار من جملة القول الهادف ما يمُسّ أزمتنا الشمولية أزمة فلسطين - بعد أن نقطع مسافة بعيدة قريبة يمثلها محمود درويش- وهي قصيدة "لا تصالح" لأمل دنقل التي رفع بها راية الرّفض، وإذ نتّخذها ببعض الإحاطة إنما نُيَسّر بها الهدف الذي مازلنا نَحوم حوله ولم ندخله بالكيفية المناسبة وهو إشكالية الهويّة وباعث الفاعليّة في الأدب عامة والشّعر خاصة.
يمثل أمل دنقل بقصيدته هذه مظهرا من مظاهر الرفض (الفاعليّة الصّانعة للوطنية) على حدّ الوصف الظاهر الذي لَمّا يزل طريح المناقشة، وقد كتبها الشاعر وهو ينتقد موجات الدعوة إلى المُصالحة مع اليهود، ليصف بها الهمّ العربي دون أن يمجّد أحدا مستغلا بذلك أفق التخييل في بناء عالمها الذي يغدو مقدمة محكمة النتائج المتوقعة، متخذا من الألفاظ البسيطة هِنداما لمعناه، يقول:

لا تصالحْ!
ولو مَنحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأة - بالرجولة،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفان سيفَكَ..
صوتان صوتكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي - بين عينيك- ماءً؟

 فالقصيدة تصوّر البسيط بهالة من الضّخامة عندما تستحضر اليومي والمُمكن والمنسي، والمفترض لو أننا لم نأخذ بالنصيحة ومن ثمة ما نكون قد كرّسنا له من الاستسلام والمتاجرة بالدّماء بعرَض من الدنيا قليل، وحتى لا نستغرق وقتا في مسائل أُفِيضَت شرحا واستوفيت تحليلا وباتت من البديهيات لا بدّ أن نعود إلى سؤالنا الأول وقد عزلنا الأدب المَهْموم بأرضه وبالنضال عن غيره، وقد حدّدنا نماذج يصلح أن نبني عليها فرضياتنا ومن ثمة افترضنا نماذج مغيّبة تصلح للحكم عليها بمجرد الإشارة.
كل هذا الزخم من النصوص والأشعار الصريحة في مُناصرتها لقضايا معيّنة والملامِسة للحياة دون غلواء في بهرج البلاغة أو المُبهرجة المتفطنة لقيم ذاتها.. ماذا تقدّم لوازِع "الهويّة" التي تنتمي إليها وهل قدّمت فعلا، وما الملموس مما قدّمت؟
أرى أن الأمر ليس إلا تَشكّلات ثقافية تصنعها الكلمات التي نحبّبها لجماليتها، فهي التي ترسّخ في أفهامنا ومن ثمة في لا شعورنا استعدادات سلوكية تتحكم في ذواتنا، وهذه إفادة من قبيل تحصيل الحاصل، ولن يكون لها أكثر من دور التشجيع على إقامة الأدب، ومع ما يبدو من استهانة بمثل هذه التأثيرات إلا أن سؤال العصر أكبر بكثير من أن يقتنع بها، وسيستمرّ بالإلحاح؛ أليس الأدب والشعر في كثير من الأحيان تعبير عن الفشل والعجز أو تتويج للنجاح المحصّل، ومن ثمة إن سلّمنا بهذه المبادئ نطرق التساؤل الأوّل من جديد: ما هي فاعلية الأدب مادام لا يُوثّق إلا الفشل أو ينتصر للفوز، أيُّ إسهام يقدّم؟
والجواب أنّ الأدب مبدئيا عملية فكريّة تستنطق الوجدان وتعمل على تذويب القيَم الراسخة التي يستحيل الارتداد عنها وأنه حافز ودافع يعتمد في بنائه على قائله، فهو من يحدّد زاوية الإصابة ولكل مشغول بما انشغل نصيب؛ وكلما كانت المسافة الفارقة بين الحقيقة والواقع بمثابة الهوّة كانت المُعايشة كمثلها، وحتى أدوات البلاغة تعبّر بطرق استخداماتها عن مدى واقعية مبتغاها؛ فالشاعر الذي يمدح الحاكم بما ليس فيه لابدّ أن يكون كاذبا، وحينها فلا تلك القيم موجودة في ممدوحه فيزداد بها تحلٍّ ولا المادح بالصّادق حتى يلامس بلغته ما هو واقعٌ ولا أن يصوّر ما هو ممكنٌ، ليعيش الاثنان معا في غير عالمهما، ومتى أصاب الشاعر من الحقيقة بجمال لغته أصاب مثلها من الواقع، فهذا الحُطيئة الشاعر المخضرم وقد حبسه الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن هجا الزبرقان بن بدر فيُبكيه توسّلا في أبنائه، ضاربا بلغته كبد الحقيقة ملامسا الواقع، يقول:

مــاذا تقول لأفراخ بذي مرخ  **  زُغب الحواصل لا ماء ولا شجرُ
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة  **  فــاغفـر عليك ســلام الله يا عمـرُ

فيبكي عمر رضي الله عنه ويخلي سبيله، أما بالنسبة إلينا في الشاهد - وهو الهدف من توظيف الواقعة- كيف أنه تناسب القول - بجملة استعاراته- مع الواقع ليتطابق مع مقتضى الفعل بين ثلاثة ذوات رمزية هي الخليفة، الشاعر والأبناء الصغار الذين يجسدون الواقع.
وهذا شاعر الغزل نزار قباني يتعالى في قصيدة "نهر الأحزان" إلى علْياء وخيال، فيرسم صورة رائعة لكنها لا تلامس أيّ واقع إلا أن يحيا متذوّقها على أوهام، يقول:

عيناكِ كنهري أحـزانِ
نهري موسيقى.. حَمَلاني
لوراءِ وراءِ الأزمـانِ
نهرَي موسيقى قد ضاعا
سيّدتي.. ثمَّ أضاعـاني
الدمعُ الأسودُ فوقهما
يتساقطُ أنغامَ بيـانِ
عيناكِ وتبغي وكحولي
والقدحُ العاشرُ أعماني

وهي مفردات لا تمُتّ بصلة إلى الواقع المعيش ويَزيدها سياقها تغريبا ومثالية، حتى تخرج على كونها طفرة أو أملا إلى اعتبارها تَهويمَة مُراهَقة لأحلامَ مفقودة.

بلاغة الفعل وبلاغة القول:

بين الحلم والواقع مسافة طويلة؛ فالأول رُكون إلى الضّعف واستسلام للعجز والثاني تفنّن في الممارسة وتأكيد على الجَدوى، وبينهما يقف الشعر موقفا يميل به أصحابه؛ فمنهم من يضعه موضع المُخَطِّط للأعمال كمن يقضي سهره تفكيرا ويُغرَق تأمّلا في عمل يقبل عليه ويتهيأ له بالمُمكنات ويحسن له المَداخل، ومنهم من يهرب من ضوء نهاره إليه، فيرمي عدوّه بأبلغ الأقوال مادام عاجزا عن ضربه بأبلغ الأفعال (وربما تكنِيَة وتلميحا)، ولكلٍّ من المقاميْن بلاغة تميّزه عن الآخر وتوحدّه في الوقت ذاته معه فلسفة!!
فيتبدى الأمر وينكشف عن مسائل يستعيض بها الناس في حياتهم.. ولا بدّ من أثر متطابق على أنفس الناس من هذا؛ فلَسوف يتفق هُروب العاجز بأفعاله إلى أقواله مع نصوصه، فتحمل تلك السّمات التي تميّزها عن غيرها طالما أنها نتاج عملية فكرية وواقع معيّن، وبالتالي يمكن أن نتوقع إمكانية حمل تلك السمات التي تغدو "لغويّة" إلى ذهن المتلقي وإنتاج أشخاص من قبيله، يَهربون إلى الخيال من الواقع، ولو أنه أمكن محاكمة أمثال هؤلاء الشعراء لكان جائزا ذلك حتى لا يفسدو على الذائقة مذاهبها ويثبّطوها على عزائمها بجملة تراكيبهم و"أنساقهم المضمرة" التي يتفشى عنها سلوك خمُول و"تظاهرات" بدل عمل وتفاعلات.

الصّعاليك القوم الخارجون على كل النُّظُم:

لم يكن للشعراء الصعاليك وهم يخرجون على مجتمعاتهم أن يكتفوا بإعلان رفضهم لما آلَت إليه أوضاعهم، كما لم يكن لهم أن يكتفوا بهذا الخروج على أفعالهم، فهاهي أشعارهم تحمل معاني التمّرد الصّريحة وهاهم يَصِفون غزواتهم وقطعهم للطرقات... فتلك معانٍ قصدوها لكنهم لم يقصدوا -عن منهج- فعل أشياء أخرى من قبيل كسْر الأعراف الإبداعية السائدة والممثلة أساسا في البداية الطّلليّة للقصيدة؛ فقد خرجوا عنها خروجا قاسٍ وكان صعبا وقتها كسْر مثل هذه التقاليد الثقافية لِهيْمنتها، تماما كما صَعُب على عصرنا تَلقّي قصيدة النثر، وإلى هذا الحدّ لم يستبح هؤلاء حراما إلا ثقافيا في حين استباحوا محرّمات أكثر عَراقة وأصعب طرْقا - وهم لا يشعرون- فأين تلك اللغة المعهودة التي بُنيَت عليها قصائد العرب جميعا ومنها المعلقات وما أدراك ما المعلقات؟
لقد ذهب بها الصعاليك كلّ مذهب فابتكروا لغة جديدة أفرزتها تصوراتهم الوجوديّة (النسق) دون أن نقول دراساتهم اللغويّة لبساطة ما كانوا عليه من حال، فقابلوا بين عُقوقهم لمجتمعاتهم وعُقوقهم للمعاني المتداولة مُضافة إلى ذلك عقوقهم للّغة السّائدة والتراكيب المألوفة إلى أن استأنس العبدُ منهم بالذئب في نادرة من طباع البشر، يقول الأحيمر السّعدي:

عَوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذْ عوى ** وصوتُ إنسان فكدتُ أطيرُ

وكما رفضوا نظام المجتمع رفضوا نظام القصيدة فبدّلوا فيه تبديلا حيث لا طلل ولا بكاء ولا مرور بالرحلة، يقول الشنفرى:

أقيمـوا بني أمــّي صدورَ مَطيكــــــم ** فــــإني إلى قوم سواكــــم لأميلُ
فقد حمت الحـاجـــــاتُ والليـلُ مقمـر ** وشُدت لِطيـاتٍ مطــــايا وأرحُلُ
وفي الأرض منـأىً للكريم عن الأذى ** وفيهــا لمن خــاف القِلى مُتعزّلُ
لعَمركَ ما بالأرض ضيقٌ على امرئ ** سرى راغبا أو راهبا وهو يعقلُ
ولي دونكـــــــــم أهلــونَ سِيدٌ عَملس ** وأرقــط زُهلول وعرفــاءُ جيـألُ
هـم الأهلُ لا مستودعُ السـرّ ذائــــــع ** لديهم ولا الجـاني بمـا جَرَّ يُخذلُ
وكـــلٌّ أبيٌّ باســلٌ غيـــــر أننـــــــي ** إذا عرضت أولى الطرائدِ أبسلُ
وإن مدت الأيدي إلى الــزّاد لـــم أكن ** بأعجلهم إذ أجشـــعُ القوم أعجلُ
ومـا ذاك إلا بَسطــــــة عن تفضـــــل ** عليــهِم وكـان الأفضل المتفضِّلُ

وإذا كان الأحيمر السّعدي يستأنس بالذئب المفترس فإن الشنفرى يستأنس بوَحْش أكثر افتراسا ويستودعها أسراره، و ليست هذه المظاهر التي جاء بها هؤلاء سوى انعكاسات للعالم على مرآة أشعارهم وهي تكريس ثقافي لقناعاتهم من حيث يقصدون ومن حيث لا يعرفون قصدا، لذلك تمّت الإشارة آنفا إلى عظيم أثر الميل المكبوت على المعنى وعلى اللفظ وعلى المتلقي من وراء ذلك، ومنه أمكننا رصد دَوْر الأدب في النّضال خصوصا وفي السلوك الإنساني عموما، فهو لا يتدخل مُباشرة إلا نادرا، فيما تعلو درجة خطورة تدخّله كونها تعمل على برمجة الفرد في إطار من الوعي الجمعي بجُملة معطيات تتحكم في سلوكه ومواقفه إلى درجة القناعة المُضمرة التي وإن امتلء بها ربما لم يستطع تفسيرها كما لا يستطيع الصعاليك لو سُئلوا عن بنية نصوصهم أن يبرّروا ما ذهبوا إليه من تغيير. 
وخلاصة القول أن البنية النصية بلغتها وأسلوبها تحدّد إمكانية النّصرة لجهة مَيْلها من عدمها، وإن بدا صعبا بحث جانب الفاعليّة فإن أيّ ممارسة لا تصطبغ بمحاذاة الصُّدفة، بل إن تطعيمها يعتمد أساسا على صدق المنحى، وكلمة الأدب كلمة متميزة في أسلوبها ولغتها ومن ثمة في طريقة أداء رسالتها، ويزداد الأسلوب تفرّدا ومن ثمة النتيجة واقعيةً بتميز صاحبها، فكلما كان الشاعر لها راسخا مُصمّما كانت إشاراته أكثر تصميما وأنفذ تبليغا.. المناسبة بين الاعتقاد والعمل في الحياة اليومية عامل يكلّل صاحبه بالوصول إلى الهدف الذي يسعى إليه ومثله المناسبة بين الاعتقاد والعمل الفني وإن اختلف مطلب التصوّر هنا؛ حيث تكون المناسبة بين الاستعمالات اللغوية المقتضية للوصف وراهن الأحداث التي تتطلب الرصد وهو عين ما كان يقول الغذامي عن العصر الإسلامي الأول، حيث كان المسلم يقول شيئا بلغته العادية وينوي فعل ذلك ويقول الشئ ذاته المسلم الشاعر بلغته الشعرية على أمل العمل به أيضا فيتطابق الاعتقاد والعمل ليتحقق للوجود شئ نسمّيه "الحياة الممكنة".
  

 

الطاهر مرابعي، كاتب وناقد جزائري

 

دراسة حول سكان كوكب لامور/ للقاصة الفلسطينية أماني الجنيدي

التفاصيل
كتب بواسطة: نورة عبد المهدي صلاح
نشر بتاريخ: 16 يونيو 2007
انشأ بتاريخ: 16 يونيو 2007
الزيارات: 13

 

 

 

 

 

دراسة سكان كوكب لامور

للكاتبة المبدعة : أماني الجنيدي

 

 قرأت هاتان القصتان، فاجأتني هذه الكاتبة الفلسطينية التي لم تمنحني فرصة الغداء حتى انهي القصة. قصتان مشوقتان للغاية، الأولى على ضفاف الحب والثانية لآلئ من عرق, القصتان في كتاب واحد اسمه سكان كوكب لامور ومعنى لامور بالفرنسية هو الحب. أتساءل أين هو هذا الكوكب ومن هم سكانه؟

 فاكتشف ما يشبه التمني انه نحن سكان هذا الكوكب، الذي سمته كوكب الحب.

 الكاتبة تبني أحداثها من الواقع الفلسطيني اليومي، شخصياتها شخصيات عادية، تعيش في فلسطين المنكوبة ومدنها التي قطعتها الحواجز، باعدتها الصراعات، أحسست كأني احد هذه الشخصيات، لأنها تشبه الجميع، تتلقى كل ما في حياة الفلسطينيين وتتفاعل هذه الشخصيات مع الزمان والمكان والحالة الفلسطينية التي أفرزت كثير من القضايا الاجتماعية السلبية هي التي عنتها الكاتبة من خلال هذه القصص، الكاتبة ترينا من خلال سير شخصية جاد في لآلئ من عرق، وشخصية هتلر من خلال قصة على ضفاف الحب. مدى التردي الذي أصاب الحياة في فلسطين، ترينا الخراب الذي حل في حياة الفلسطيني من حيث خراب مؤسساته خراب قيمه وخراب شخصيته التي باتت شخصية مزدوجة، وخراب منظومة القيم الأصيلة التي حمت الفلسطيني طوال سنوات طويلة من الهزائم. إن منظومة القيم التي باتت مشوهة ومقلوبة هي الهدف القريب الذي يفهمه القارئ البسيط عندما يقرأ القصتان.

قصة على ضفاف الحب: قصة طويلة مكونة من 108صفحة، أي هي طويلة لدرجة أنني تعجبت لم هي قصة وليست رواية.  الشخصية الرئيسة هي شخصية هتلر. شاب من الخليل ولد بمنطقة الخليل القديمة وهنا مفارقة الاسم مع المكان حيث أن بيت هتلر، مجاور لبيت هداسا وهي منطقة استولى عليها اليهود واخرجوا منها سكان العرب واستوطنوها بحماية دولتهم الإسرائيلية,

القارئ يكتشف أن التسمية له بهذا الاسم كان نتيجة عقدة الأب وكراهيته للاسرئيليين فهم عذبوه إثناء الاعتقال، وتترك الكاتبة مجالا للتفكير لماذا هذا الرجل "أبو هتلر" عاش بقية حياته متأثرا بالمدة التي قضاها في التعذيب.

لماذا يشعر بالعار من هذه الحادثة، أبو هتلر يتحول من ضحية إلى جلاد. لأنه إنسان محطم ومهزوم. وبينت الكاتبة كيف يعيش إنسان فلسطيني مهزوم في فلسطين ومدى الخراب الذي سببه أمثال هؤلاء في المجتمع. مثل تغييب القانون، بناء قاعدة قيم تقوم على الإخفاء والشطارة والاستغلال، وكسر الروس. بحيث تصبح الحياة اليومية أشبه بحياة الغاب، القوي يأكل الضعيف.

أما هتلر الذي يتحمل تبعات اسمه والعذابات التي يلاقيها بسبب هذا الاسم هو إنسان متطور متحرك بشكل ايجابي عكس أبيه، وحينما يتحرك نشاهد كم هو الخراب متمكن في فلسطين، يحاول هو أن يمد يده للمساعدة. أحداث سريعة أول أمر أراد أن يغيره هو اسمه/ هتلر. يقول انه يريد أن يختار اسم "أحبه وافتخر به" عندها يختار بعد ذلك اسم "محمد". أن اختيار الاسم له مدلول قوي وعميق وفاعل. بحيث أصبح اسم هتلر، محمد إسماعيل ناصر.

محمد هو زمر الإسلام، إسماعيل هو رمز العروبة، ثم ناصر. رمز للحلم الفلسطيني بعد هزائم متوالية.

في نقدها للمجتمع الذي بات مهددا بالانهيار:  ورد على لسان أبو هتلر الذي لم يستطع التخلص من عاره،  صار رجل إصلاح ليصنع لنفسه وجها آخر أمام الناس: "ليس الإصلاح في بلدنا أن تعطي الحق لصاحبه، الإصلاح أن تطفئ نيران المشاكل وتحولها إلى رماد، تسكر فم الضعيف لتبعد يد القوي عنه".

لكن الجد يقول لهتلر داعيا له أن يكون رجلا أصيلا: حتى تكون خليلتا يجب أن تكون بقلب سليم فان لم تستطع فلن تستطيع أن تكون شيئا آخر.

ثلاثة أجيال. الجد الذي مثل جيل الاصالة. الأب الذي مثل جيل الهزيمة، والابن الذي يمثل جيل الغد الذي يحاول أن يتحرر من عقدة بالرجوع إلى لعبة جده الذي علمه إياها قبل وفاته.

تدخل القصة فجأة إلى عالم آخر الفانتازيا. نجاح الذي ظلمها المجتمع الذكوري "جيل الهزيمة" تتحول إلى آكلة نار. وكأنها ترمز إلى الحقد والثأر.

ثم تدخل القصة إلى مفارقات مضحكة من حياة الناس كيف يفكرون وكيف يتنافسون. وتنتقد المجتمع الذي لا يفعل سوى الأكل، أكل اللحوم. على لسان إحدى الشخصيات التي ظلمها أيضا مجتمعها ألذكوري وقالت: لا أثق بمدينة تأكل اللحم بشراهة.

القصة لا تقص لأن وتيرة الحدث كبيرة وسرعته عالية فالكاتبة تهتم بالأحداث أكثر من وصف الحالة لذلك نجد لتشويق مستمر من الصفحة الأولى حتى تنهي قراءتها. المشكلة أنني عندما قرأت القصة لم انفك من التفكير في شخصياتها. لماذا لا تذهب من الرأس أنها تظل عالقة تفكر أين ذهبوا، فتعيد القراءة فتفهم أن القصة اكبر من مجرد قصة واقعية ممزوجة و بالفانتازيا. وللواقع الجميل. من أول صفحة تصدمك في جملة تمر عنها مرور الكرام وتعتقد أن الكاتبة أرادت الثورة على القوانين البالية، لكن فهمت أنها تتحدث عن قضية علمية كبيرة: كسر الضوء.تقول على لسان الراوية:  هل لي أن اكسر الضوء واصل إليه دون أن ابرح مكاني. سأخرق القوانين واكسر حواجز الزمن لأصل إليه قبل أن أغادر المكان.

 أي خرق للقوانين: هل قصدت العادات أم الفيزياء.  ثم إنها تنقل شخصياتها إلى مكان آخر. ما هو المكان، هل هو كوكب الحب الذي أسمته لامور. فكرت ما الذي ترمي إليه هذه الكاتبة. وما زلت أفكر. أين هو كوكب لامور. وكيف يمكن الوصول له عن طريق كسر الضوء.

 

  قصة لألئ من عرق. قصة طويلة أيضا وهي في 107 صفحات تقريبا تشبه الرواية. الشخصية التي سلطت عليها الضوء هو جاد، جاد الذي ولد بعد الاحتلال مثل هتلر. من أم تزوجت إكراها من متعاون من اجل أن يخرج أخوها من السجن، كان الأمر أن زوجها اغتصبها فحملت فأنجبت جاد الذي كرهته لأنها أجبرت إن تكون زوجة وأجبرت أن تكون أما. وزاد الطين بلة أن جاد كان طفلا غير عادي" مشوها". مما دفع ألام أن تبعده عنها بوضعة بدل كلب لرجل منتفع من الذين يعملون مع كل الأطراف. وصار يسمي كلب نعمان.

جاد قبيح المنظر يعيش في فيلا نعمان تنشا علاقة مع زوجة عدنان تشفق عليه لأنها لا تنجب لعجز زوجها عن الإنجاب تربيه، ثم تتنامى العلاقة إلى أكثر من ذلك حيث أن زوجة عدنان المهملة المتروكة تنجب طفلة من جاد الذي صار مطاردا بعد أن أرسله عدنان في عملية اشتشهادية استطاع ان يخلص نفسه من الموت عن طريق القوة الخارقة التي امتلكها.

جاد مختلف، رغم بشاعة شكله الا أن دماغه له طاقة غير محدودة يستطيع استخدامها في حماية نفسه، طور قدراته هذه إلى أن أصبحت قادرة على أن تنقل جسده إلى مكان آخر، انه يذهب إلى كوكب آخر ويعود، هل هو كوكب لامور؟

الذي يتتبع حياة جاد يكتشف كثير من القضايا الوطنية والسياسية وحقيقة الصراع الخفي بين كثير من القوى التي من مصلحتها عدم إنهاء المعاناة لان المعاناة والتدمير والحروب تعني الربح والدولارات للذين يتربعون على الكراسي. تكتشف التغيرات التي حدثت في الحياة الاجتماعية بعد اوسلو ونهم الناس على المال. تكتشف مع حياة جاد أن القيم تنهار والتعصب يزداد وان الخوف مواز للتأخر، ترى الأقنعة والزيف والتصنع. إحلال منظومة أخرى تحكم المجتمع تحكمها علاقات غير طبيعية قائمة على الاستغلال والمنفعة الذي أتى به الضياع والهزائم المتتالية.

 تنتهي القصة أن جاد يرحل مع زوجة عدنان إلى كوكب آخر دون ذكر اسم هذا الكوكب.

 ملاحظاتي حول القصتان:

القصتان تشتركان في: *الحريق .وجود الحريق في كلتا القصتين. ماذا يعني؟ هل يعني الإلغاء والبدء من جديد أم العقاب، لكل من يساهم في تكسير صحة هذا المجتمع بقلب المنطق، والتراجع، الإقصاء.

* الرحيل، لم تذكر الكاتبة أن يذهب الأبطال الايجابيين في القصتين، لكننا ندرك أنهم هم سكان كوكب لامور من عنوان القصتان.

*إحداث القصتين سريعة ومن الواقع ثم تنتقل إلى الفانتازيا، ثم التركيز على الإيهام، لتعطي معنيين للقصة، المعنى القريب الذي يفهمه الإنسان العادي البسيط، والمعنى البعيد، الذي يفهمه الأكثر تعمقا. ثم الأمر الذي يبدو لي أنها صاحبة فكرة علمية تنادي بها، فهي تثبت لنا من خلال أبطالها أن هذا الشيء العلمي صحيح وقابل للتصديق لأنه حقيقي

* اعتماد الكاتبة على قضية علمية في تركيب القصة:  هتلر: كسر الضوء، الثانية جاد: الطاقة الدماغية الباراسيكولوجي. إذا نحن أمام كاتبة من طراز جديد. تكتب الواقع والفانتازيا والعلم في آن واحد مع تشويق عال ومتعة لا حد لها قائمة على بساطة اللغة وتركيز المعنى من غير خروج عن ثقافتنا العربية

هذه المراة الفلسطينية الكاتبة نجمة تسطع في سماء فلسطين، فماذا تخبئ لنا من حكايات بعد.

 

 

 

  قارئة تهوى الجمال

نورة  عبد المهدي صلاح

19/6/2008

 

 

 

 

المبدع الذي صنعت منه الأمية ظاهرة ثقافية

التفاصيل
كتب بواسطة: مالكة عسال
نشر بتاريخ: 27 مايو 2007
انشأ بتاريخ: 27 مايو 2007
الزيارات: 11

المبدع الذي صنعت منه الأمية ظاهرة ثقافية مدهشة

1-- مدخل :الإبداع يصنع المعجزات

يتطلب الإبداع  من النفس المعاناة والمكابدة والتأمل ، لتقديم صورة مركبة ومؤلفة تأليفا ،يميز مبدعا عن آخر ،وللمبدع دور في النصوص من حيث كيانه النفسي والاجتماعي والثقافي ،لذا فهو  لايكتب من فراغ ،دون حافز قوي يترجم عبر اللغة مايخالج الذات ،بل من  حمولة ثقافية متراكمة  ،فتصبح لديه طقوس وأدوات ينفرد بها عن غيره ..إن الإبداع هو استحضار لحظات التأمل والانفعال والشعور ،حيث تترتب المعاني في نفسه على نحو متسق ، ومنسجم ، فيتشكل  شفويا في اللغة وفي الصورة الجمالية ،قبل أن يخرج إلى النور لغويا في شكله النهائي ..وهذا هو السر في اختلاف قيمة النصوص الإبداعية ، على الرغم من تقاطع بعضها في توظيف ألفاظ موحدة ..ومن هذا المنطلق ،سأتناول مجموعة المبدع علي أفيلال القصصية ،المعنونة ب"أفعى في صدري "انطلاقا من الجانب النفسي ،أي التجربة التي عاشها الشاعر في كل نص من نصوصه ،والجانب اللغوي والفني والتركيبي والصياغي ،لإبراز إلى أي حد ،استطاع هذا المبدع، شق طريقه في عالم السرد القصصي ،وهو معروف عليه شخصية روائية محضة...

2--- علي أفيلال ظاهرة ثقافية

عرفت شخصية علي أفيلال خلال المعرض الدولي لسنة 2008،وكنت أجهله تماما كما أجهل إبداعه ..وقَدّمَ إلي نفسَه بصفته حلاقا ،غاص في ترعة الأمية حتى سن 24 من عمره ،لم يعرف فيها المدرسة ولا حتى الكتاب ...وحين نبشْت الترب ،طلعت جواهره تضرب بأشعتها النظر ..ظاهرة إبداعية صرفة فرضَتْ نفسها بقوة في المشهد الثقافي ، أثمرت كنوزا متنوعة لألاءة ،لكن ، تغمرها تلال الإهمال ..ولاأدري بعد، ماسِرّ إهمال  أديب من العيارالثقيل ؟،و الذي قارب أل 20 إصدارا مابين روايات ،ومجاميع قصصية ،تضيق المساحة لاستعراضها هنا ، وسأقتصر على بعضها :

بوح العواصف :رواية

وشم على جدار القلب :رواية

اعترافات امرأة :رواية

تراب الأرض :مجموعة قصصية

رباعية الدمع "رواية  كآخر إصدار نال إعجاب القراء ..

واللائحة تطول ..

حين جالسته عن قرب ،وجرنا الحديث إلى بؤرة الإبداع ،وطال بنا المسرب، ذُهِلْتُ بشدة أمام شخصية عصامية ،استطاعت شق الطريق بمفردها ،لتتخطى بإصرار وعزيمة جدار الأمية ،إلى مرفأ النور حيث الكتابة والقراءة، ثم الإبداع، لينقل جثمانَه الهامد من عالم الأمية والحلاقة ، إلى عالم الرواية والقصة ،حيث ينفخ فيه الروح ويحيا ،عالم جمال الكلمة وإشراقة الحرف ،وتفجير الأحاسيس، وتكديس المكتبة العربية عامة ،والمغربية خاصة ،بزخم من الكتب  الرائعة ....

وقد شدتني مجموعة "أفعى في صدري "التي تتسع ل 13نصا  على مدى 79صفحة ،في طبعة أنيقة ،تتوسط غلافه صورة أفعى تكشر عن أنيابها ،تخرج لسانها لتنفث سمها ..الصورة مباشرة واضحة يتوسطها عنوان  رمزي :"أفعى في الصدر" ،نكرة ترمز إلى أشياء تعتمل في صدر الكاتب ..وهنا يعانق الكاتب الرمزي بالواقعي المباشر، ليعطينا شيئا جديدا سنراه بالتفصيل في الجانب الفني ...

3--- التيمات

يسقط المبدع القناع عن الواقع المعيش، الذي يعاني من تخلف ،يسري سرطانه العميق في سياسته واقتصاده وحياته  الاجتماعية والثقافية ،بما فيها الفقر المتسلط ،الذي يعصف بشبابنا إلى الهجرة ،ومواجهة كل أشكال الغربة ..أضف إلى الانحلال الخلقي بكل تجاعيده ،والقضايا المصيرية ...ومبدعنا يقتحم هذه المجالات، في تلقائية نابعة من انفعاله الصادق ،وإحساسه العميق ،وتأثره المستمد من واقع الجماهير، وأوضاع الفقراء ،وهَمّ المرأة ووجدانه الذاتي ،مستلهما تجربته من اليومي...

و لاننكر أن الأديب أحيانا يطعم الحاضر بالماضي، للتخلص منه  كشيء راسخ في أعماق كيانه ،أو إعادة تفسيره وتحليله وتقييمه ،على أسس جديدة في علاقة جدلية حتمية ،لِبَثّ فيه الروح والحياة وقوة التأثير ،فتفتح عينَ القارئ وقلبَه عليه ليقبله ،طارقا كل الأبواب الدينية والاجتماعية والسياسية ....

***- الهجرة

المنقذ السحري لشريحة واسعة من البشر، مَن طالهم الإقصاء ،من يتجرعون حنظل البطالة والفراغ ،مَن ينهش الفقر أجسادهم بقوة، حاملا معه الجوع والمرض والتشرد والضياع ...

الهجرة/الحلم لمَن يعاني   قلة ذات اليد ،فأصبح  عالة على نفسه وأسرته ومجتمعه ،ماخلق له اضطرابا في نفسيته ..للبحث عن بديل في وطن آخر غير وطنه ..

"أإلى من أنا في وطنه ،غريبة لاحول لها ولاقوة ،مستسلمة في ضعف ،يجرفني تيار الاغتراب إليه ؟"

ص:17

الهجرة التي أحيانا تقتل الحلم ،حين لايحقق المهاجر من أحلامه المرسومة أي شيء ، فيفقد الأمل ،ولايبقى له غير اجترار الخيبات والندم ..

"بينما أنا لم أحقق من الهجرة شيئا غير اجترار الندم "

من نفس الصفحة ..

والهجرة لم تكن جولة سياحية بدافع التنزه وتكسير الملل ،أو الترويح عن النفس ،ولكن للخروج من فاقة الفقر المتسلط،  الذي يعيش الإنسان تحت أكوانه ،في أوضاع تنعدم فيها شروط العيش ..

"رغبتي كانت أبعد من أخرج بك من حينا القصديري القديم ،ومن ذلك البيت الذي لاماء فيه ولاضوء "

ص:30

فكاتبنا لم تنفلت منه حتى الأحياء الصفيحية بفواجعها ومآسيها،وخِيَام البؤس المطنبة على سكانها ،ومعاناة الإنسان من الفقر والجوع والمرض ،في غياب أبسط الشروط .وهذه قمة مثابرة الكاتب على تعرية الواقع وفضحه بكل جرأة وصراحة ...

معاناة الفقر والجوع ،والمرض ...

ص:29

***وضعية العمال

ويمزق الكاتب الأستار  عن وضعية العمال في المعامل والمصانع، وماتفعل بهم الباطرونة ، من هضم الحقوق ،وعدم تمتيعهم بأدنى شروط العمل الإنسانية  ،حيث ينصهر  الإنسان بكل قواه ،في الآلة فيَفرُغ من قيمته الإنسانية ...

"إننا نصهر قوانا في مصانع لاتساوي قيمتنا الإنسانية فيها ماتساويه المكنسة المكسرة "

ص/54

أضف إلى ذلك مايتعرض له  العمال من حوادث كارثية،  ومصائب مهولة ، بسبب الإهمال ،إذ يفقد بعض العمال على إثرها أحد أجزائهم مايُحْدِث الأعطاب في الأجساد ...

"لانأخذ غير الحوادث والمصائب التي كثيرا ماتعطل أهم أجزاء من أجسامنا ..."

من نفس الصفحة ..

ويتوغل الكاتب في حوادث الشغل التي يتعرض لها العمال ، حيث يصبح الإنسان والآلة سيان، لايفرق بينهما صاحب المعمل، إلا بما يجنيه من أرباح على أنقاض الإنسان، بامتصاص دمه وعَرَقِه ومشاعره ،وهذه وقفة نبيلة من الكاتب  ، حين يجرد بالتفصيل لائحة  طويلة عريضة ،تندد بشدة ضد ما يمس  الكرامة الإنسانية، لتُعاد قيمتُها المسحوقة ، وفي نفس الوقت إعادة الحقوق الإنسانية المهضومة ...

"خرجت من الآلة قطعة صغيرة لتمزق ثيابي ،وتستقر في جذر فخذي الأيسر بعد أن أصابت مني مكامن الإحساس في الإنسان "

ص:72

***المرأة

وكما اقتحم مبدعنا علي أفيلال عالم العمال، وعالم المهاجرين، لاتَنِي المرأة تسكن جوانحه بعشق ودون استئذان ، فيركض خلفها ليقف على أوضاعها ومشاكلها هي الأخرى ،واصفا بدقة مايعتريها من تعسف وشطط  وحيف، جراء الأفكار الذكورية ،والتقليدية  الموروثة ..غير أن الكاتب لايسير على  وتيرة واحدة في عالم المرأة ،فتارة ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة ..

"وينهار أمام عوامل الغضب الهادرة بلغة الأسف على ماضاع من أيامها هباء "

ص:73

وتارة يرى فيها الأنثى المخلصة المحبة بعشق ،متأججة العواطف ،صارخة  المشاعر ،تعصف رياح وجدانها شوقا وودا ..

"أنت زارعة ماهرة، تعرفين، وبمهارة أين ومتى تلقين ببذور الحب في التربة الخصبة  "

ص:75

و أخرى يأخذها رفيقة الدرب ،أنيسته في وحشته يحكي لها أسراره يحدثها ،ويشاطرها همومه وأحزانه ،مسندا على صدرها  أثقال دهره..

"لاياعائشة ، ماجرى النهر عندي بهذه الرغبة، ولاأشرقت علي بهذا الحب ...

ص:72

"عائشة تصوري  تصوري معي حقيقة ماحدث ،"

من نفس الصفحة

وبين هذا وذاك نجده  أحيانا يهاجمها بشراسة ، يراها العدوة اللدودة، التي تُقَلّب عليه المواجع، وتحول  لحظاتِه  بتلفعاتها إلى جحيم ،فيُفْرِغ حِممَه  عليها ، ويصب جام غضبه  بكل شدة ..

"ماهذا الرداء الداكن الذي تتلفعين به كأطياف الاكتئاب "

ص:37

بل وتصل قسوته على الأنثى ، إلى حد وصفها بالأفعى التي تلفظ سمومها ..

 

"ماذا فعلت ؟ لاشيء إلا أن تجرعت وفي صمت سموم كلامك الأخير" "ص:65

ويقول :

"وعندما تلمح إليها بما يمس مداخل كيانها تنقلب إلى أفعى رقطاء..."

ص:51

ثم مايلبث أن يأخذها برفق كخليلة ،حين تَسْحَرُه بمفاتِنها ،وتُذهِله برشاقتها ،يَنْشَدّ إليها  في تواصل حميمي لطيف ، فيقبل عليها من زاوية  أخرى  ، بلون آخر كله رقة ومودة ، إذ يرى فيها الحبيبة الرقيقة والنغمة المطربة ..

"ماسر الفتنة البادية في صدرك؟"

ماهذه الرشاقة البادية في خصرك"؟

ويقول :

"أم نغمة ساجية من وتر قيثارة عازف مجنون هربت "

ص:44

4- الجانب الفني

تبرز أهمية الحس المرهف للكاتب في قدرته على حمل الكلمة دورا كبيرا ،من خلال كوامن النفس وآلامه الداخلية المريرة ،والمُلفِت هو كيف استطاع الكاتب أن يُلبِسها تنوعا حُلَلِيّا هائلا ،فجعل اللفظَ يتراقص تارة ،على إيقاع واقعه المباشر، بكل تفاصيله وبساطته وسهولته وسلاسته :وأخرى يتفًنّن في استعمالات لغوية مدهشة،  تخرج من العادي بحمولتها المجازية ،والاستعارتية والترميزية والإيحائية والمجازية ،إلى غيرها من الصناعات، تظل ضربا من الصناعة المتقنة ،تحت وطأة فعل ما ..مايبين مهارة الكاتب في تصرفه في القدرة اللغوية التي يمتلكها أثناء  كتابة نص ،وتشكيل معاني وصور ،بكل ما تستدعيه الخصائص الجمالية والفنية ..

***اللغة المباشرة 

ضرب الكاتب أطنابَ الواقعية بأصواتها الصاخبة الرنانة ،في حروف الاستفهام  التي تعكس حيرة الكاتب ،وفي حروف النداء التي تعكس حركة حوارية اهتزازية أحيانا ،صاخبة أخرى ،وهادئة لينة أو هامسة  ثالثة ، في التشبيه ،بلغة مباشرة تقوم على وصف المشاهد بدقة ، واستفسارت وشروحات متعاقبة وسهلة حد الشفافية ،حيث يمكن القبض على المعنى من أول سطورها ...

"أتذكر كيف أقبلت عليك، كانت فاغرة الفم جاحظة العينين  مرتعشة الأوصال لم يخطر على بالها أن تراك تقطع المسافة البعيدة ،"

ص:33

فالمتمعن لمجموعة المبدع "أفعى في صدري " أو أي نص آخر، يستشف بوضوح ،أن كاتبنا له نفحة من الكاتب الكبير نجيب محفوظ ، يستقي مواضيعه من صلب الواقع ،مشخصا الأحداث بالوصف الدقيق، والتفسيرات الزائدة، والشروحات ،بوعي من الكاتب وكأنه عاشها،  كيف لا وهو الممتلئ بالأحداث المؤلمة، تتزاحم وتتراكم إلى حد تكسير القوقعة، لتخرج دفعة واحدة ،هذا من جهة ،ومن جهة أخرى يهدف  المبدع إلى إشراك القارئ في الهم الضارب في المضاجع ،لاستيعاب المعنى... وغير هذا وذاك فمبدعنا روائي ويهيمن عليه الأسلوب الروائي بتفاصيله  العديدة ،ووصفه الدقيق ،وتعدد الأحداث وتعدد الأزمنة والأمكنة ،والشرح والتفسير،  مهدما كل الفواصل بين السرد الروائي والقصصي ...

"لم أطلب منه إيضاحا ،لم أستفسر عن معنى هذه الرغبات ،

لم أرد أن أحشر نفسي فيما يخص أسراره الداخلية "

ص:54

***اللغة  غير المباشرة

ينتقل الكاتب من طور إلى طور، من المباشرة إلى لغة غير عادية مدهشة ،بصورها الشعرية الرمزية ، الإيقاعية والإيحائة الانزياحية بكل مايمليه الخيال من مجاز ،ورمز ، في لغة مراوغة منفلتة ،مُتَنقّلا  من المشهد الواقعي الحسي،بأسلوب  تقريري مباشر، إلى مشهد مركب إدراكي حدسي ،بلغة شعرية متملصة من أثقال التشبيهات والنعوت، لتبدو في خفة الريشة ، تنساب من بين الأصابع ،مطرزة بصور شعرية تتسربل في تدفق شلالي ،حتى تصبح بعض المقاطع قلب السرد ذات متن شعري صرف  ..

"رقعة سمائي مكسوة بالسحب الداكنة ، حقلي مهدم الصرح ظامئ التربة مكسور الأغصان "

ص:24

وتصل الروعة مداها في الإيقاع الشاعري الهامس يرن في المسامع ،ضارب بالمباشرة عرض الحائط ،لتحل محلها لغة أخرى غير مألوفة في بدعة حداثية متينة ..

"وسواد الليل في عينيك

وحمرة الشفق المتراقص على شفتيك

وروعة قدك وتبرعم صدرك "

ص:66

وهذا التفجير اللغوي ساهم في هدم الفواصل بين ماهو سردي وماهو شعري ،كما هدم الجسور بين ماهو سردي وماهو روائي...

***الأسئلة

كل أديب يجري وراء  سؤال معرفي للقبض عليه ،ربما هو الدافع الأقوى نحو الاستمرارية في الكتابة ،لكن الملفت لدى مبدعنا علي أفيلال هو استهلال أغلب نصوصه بأسئلة كمطلع ،حتى باتت عنده عادة ..

ماذا تريد منها؟

ألا ترى أنها لاتحمل وردا ولازهرا ؟

من نص "زفرة "

ص:7

أي بني إلى أي الأبوين أنسبك؟

 من نص "بائع الحساء"

ص:17

ماهذا الرداء الداكن الذي تتلفعين به كأطياف الاكتئاب ؟

من نص "ظلال الحقد"

ص:37

وهذا يدل على قمة الحيرة التي تتلبس الكاتب ،إزاء مايجري في الواقع من قضايا وإشكاليات مبهمة ،لم يستطع الكاتب أن يفتق أسرارها ،ومايراه في الكون من لبس وعتمة ،ومن أشياء غامضة منغلقة ،لم يجد من تنفيس ،غير الغرق  في خضم أسئلة تتناسل باستمرار ...

وأحيانا أخرى يصرف المبدع النظر عن طرح الأسئلة بنية الفهم والمعرفة ،لاستبدالها بصيغ تعجبية حين يصل المبدع قمة الدهشة والانبهار تجاه منظر أو ظاهرة ما ...

"ماتلك الخصلة من شعرك الكستنائي الطويل التي تتربع على جبينك كتاج ملكة سمراء كالغروب "

ص:44

وأحيانا أخرى يكون لها مرام استفزازية لجلب قريحة القارئ  الفضولية إلى النص، كآلية من آليات إشراكه في ماينساب من مشاعره ..

أجل متى كنت تجلس هكذا ؟

متى كان نهر السين يعجبك؟

ص:49

5- خلاصة

 

نصوص المبدع علي أفيلال تتوفر على عدة عناصر، وخصائص متميزة، نختزلها في الصياغة ، والسبك والتصوير، والوصف الدقيق ،إذ

استطاع الكاتب هدم كل الفواصل، بين الواقعي والخيالي  في لغة مطواعة ،عرف كيف يروضها بخضوع ،لحقول تصورية أدبية وثقافية ،تتفاعل وتترابط بعلاقات معقدة ،لإبلاغ مقاصد تجمع ما بين  الاجتماعي والسياسي والديني والتاريخي ،مخلفة نوعا من الأثر..فهاجس المبدع علي أفيلال ليس الكتابة من أجل الكتابة ،وإنما  الكشف عن الأسباب العميقة لتردي الأوضاع الاجتماعية ،وتفشي الفقر ،والانحلال الخلقي ،والهجرة في بعدها ،ومن حافة أخرى إفساح المجال للقارئ لاستيعاب الأزمة الحقيقية  التي أفرزت واقعا ضحلا ....

بقلم مالكة عسال

بتاريخ 1/06/2008

 

 

مقاربة نفسية في ديوان سنابل النيل لـ هدى ميقاتي

التفاصيل
كتب بواسطة: رضا عامر
نشر بتاريخ: 22 مايو 2007
انشأ بتاريخ: 22 مايو 2007
الزيارات: 16

الأستاذ: عامر رضا

جامعة محمد خيضر بسكرة / الجزائر

عنوان المقال: مقاربة نفسية في ديوان سنابل النيل لـهدى ميقاتي

.مدخــــل:

يعدّ علم النفس من العلوم الحديثة التي استفاد منها الأدب إلى حد كبير، واستخدمها في إضافة الكثير من المعايير النقدية الإبداعية إلى حيثياته، ولا تعود علاقة التداخل بينهما إلى عهد "سيجموند فرويد " فحسب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بل لها جذور تاريخية حيث نجد "أرسطو" يشير صراحة إلى دور التطهير من الأحاسيس المظطربة والمشوشة الذي » تحدثه التراجيديا في نفوسنا«(1) .

وهذا يؤكد أنّ علم النفس كان موجودا بطريقة أو بأخرى من خلال الفلسفة والأدب الذين اهتما أساسا بدراسة النفس البشرية منذ فجر المعرفة الإنسانية، وما فعله "سيجموند فرويد" وتلاميذه من بعده كان عملا تقنينيا لهذا الفرع من العلوم التجريبية، ووضع الأسس والمناهج العلمية له.

كما يعود التداخل بين علم النفس والأدب في بعض الأحيان إلى وجود أعمال أدبية قائمة على المنهج التحليلي النفسي» حيث ينظر تلاميذ المدرسة السلوكية إلى العمل الأدبي  على أساس أنه تعبير مباشر عن شخصية الكاتب وتكوينه النفسي«(2) ، فالمبدع عندما يؤلف عملا فنيّا ما فإنّ عمله هذا محمّل بالكثير من العناصر النفسية الشعورية ، واللاشعورية والأزمات والعقد المخزنة في عقله الباطن وذكرياته ، والتي تطفو إلى السطح بطريق غير مباشرة من خلال أعماله الإبداعية، ولهذا » فإنّ الأعمال الأدبية كلها تتحول إلى نسخ باهتة وصور مكررة لنفسية كاتبها« (3)

وعليه نجد أنّ علم النفس التحليلي يساهم بطريقة عير مباشرة في تفسير دلالات التأثير السيكولوجي الذي يمارسه العمل الأدبي على نفسية القاريء( المتلقي) فنفسيته لايمكن أن تبقى على حالها بعد عملية التذوق الفني لرسالة المبدع الفنّان ،فهي تتأثر بشكل تلقائي بما يريد التوصل إليه الكاتب من خلال نفسيته المشفرة داخل العمل الأدبي خاصة عبر قناة الكتابة، وهذا ما فعلته الشاعرة "هدى ميقاتي" في ديوانها الموسوم بـ"سنابل النيل" حيث استطاعت أن تنفس عن كل أزماتها النفسية شعريا، وعندما يحوّل » الشاعر مثلا تجربته النفسية إلى قصيدة فإنه لا يعزل عنها الجوانب الفكرية ويبقي على الجوانب الانفعالية الجامحة لكي يعبر عنها وحدها« (4)

2.علاقة الأدب العربي بعلم النفس:

     يهتم التحليل النفسي بالصراعات النفسية الدفينة من خلال الإنتاج الأدبي، وهو ما يعطي للعمل الفني طابعه المتميز، وانطلاقا من هذه الزاوية فإن عمل الناقد النفسي هو إزالة كل التراكمات التي من شأنها طمس هذه المعالم النفسية ومحاولة تبيانها وربما تفسيرها، على أساس أنّ العمل الفني هو شكل من أشكال السلوك الإنساني المبني أصلا على فكرة الإلهام الخارق، ولعل الناقد هنا ينظر إلى الكتابات التي استقى منها "فرويد" أهمّ العقد النفسية والتي تنتمي أغلبها إلى أساطير قديمة، وثقت بوضوح لثقافات ورغبات مكبوتة في الإنسان.

     وهكذا أمكن للناقد أن يخلص إلى أن التحليل النفسي كان الهدف منه هو تحليل الجوانب العبقرية في الشخصية الإنسانية ومحاولة وضع معايير دقيقة لهذا التميز الإنساني لهذا نجد أنّ » هناك قدر مشترك من المسائل توحد نقاد هذا الاتجاه أبرزها الاعتماد على أسس علم النفس في تفسير الظاهرة الأدبية، وإنّ استثمار نتائج أبحاث علم النفس في حقل النقد الأدبي، بدأه رواد هم : العقاد والمازني وشكري واستمر على يد أكاديميين منهم مهدي علاّم وخلف الله والنويهي وعز الدين إسماعيل وغيرهم« (5) .

      إنّ العلاقة بين المبدع وإبداعه علاقة معقدة جدا و خاصة فهي» تؤدي افتراض قيام علاقة بين الحالة النفسية اللاواعية للمبدع وإبداعه ،فكثيرا ما ينظر إلى هذه العلاقة نظرة مرضية، بمعنى أنّ أعراض الأمراض النفسية أو العقلية أو العضوية أحيانا التي يحملها الشاعر أو الكاتب في عالمه الداخلي هي التي تفرض المادة التي يخرجها في قالب فني(...) ومن ثم يصبح النص الأدبي ثمرة من ثمرات مزاج الشاعر أو الكاتب المريض«(6).

 

 

      ونتيجة لمثاقفة نقادنا مع الغرب، أُثير الاهتمام بالمنهج  النفسي في تفسير الأدب، فتبناه أمين الخولي، وحامد عبد القادر في كتابه (دراسات في علم النفس الأدبي)، ومحمد خلف الله في كتابه (من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده)1947م، ومحمد النويهي في كتابه (ثقافة الناقد الأدبي) 1949م الذي حلل فيه شخصية "ابن الرومي" اعتماداً على بيولوجيته، وأرجع تشاؤمه إلى اختلال وظائفه العصبية والجسدية، ثم وضع كتابه (نفسية أبي نواس)1953م حيث حلل فيه شخصية "أبي نواس" اعتماداً على (عقدة أوديب)، التي اكتشفها (فرويد)، وعلى اللاشعور الجمعي الذي اكتشفه (يونغ)، وعلّل إدمانه الخمرة بكونها تعويضاً عن مكبوتاته النفسية، وعن حنان أمه التي حرم منها منذ وقت مبكر من طفولته، حين تزوجت بعد وفاة أبيه، فأورثه هذا شذوذاً جنسياً يتمثل في النفور من النساء، بوصفهن ـ كأمه ـ خائنات.

        وقد دفع به نفوره من النساء إلى البحث عن (تعويض) فوجده في الغلمان حيناً، وفي الخمرة حيناً آخر، فتخيّل الخمرة أنثى، وخلع عليها صفات الأنوثة المغرية المثيرة التي يجدها الرجال العاديين في المرأة، ووصفها بالبكارة والعذرية، وسماها فتاة وبنتاً وجارية وعواناً.‏

        كما اهتم "عباس محمود العقاد" بشخصيات الشعراء، فتتّبع سيرهم الذاتية، ورصد شخصياتهم، من أجل النفاذ إلى أسرار إبداعهم، فحلّل شخصية "ابن الرومي" في كتابه (ابن الرومي:حياته من شعره) 1963م ، درس فيه أصله، ونشأته، ومزاجه، وتكوينه النفسي والجسدي، وأرجع تشاؤمه إلى اختلال في أعصابه، وسخريته إلى خصائصه الجسدية، كما ردَّ عبقريته إلى أصوله اليونانية، وإلى الطيرة التي استحكمت به.

        ثم وضع كتابه (أبو نواس: دراسة في التحليل النفساني والنقد التاريخي) حلل فيه شخصية "أبي نواس"، وأظهر (عقده النرجسية) لديه، وعلى ضوئها فسّر مجونه، معتمداً على (فرويد) و(أدلر)، و(يونغ)، وغيرهم حيث ورأى أنه كان جميلاً مفتوناً بمحاسنه، بسبب نقص غدد رجولته، وأنه لقي من أمه دلالاً زائداً بسبب شيخوختها، فاتخذها قدوة، مما وطّد له سبيل الانحراف عن الولع بالنساء إلى الولع بالرجال.‏

         وتناول "طه حسين" شخصية (المتنبي) في نشأته، فرأى أنه كان يتستّر على معرفة أبيه وأمه ويتجاهلهما في الوقت الذي كان الناس فيه يتفاخرون بالأنساب، وأنه اتصل بالقرامطة لأنه كان مثلهم ثائراً على الأوضاع في بغداد ، ثم تتبع حياته في بلاد سيف الدولة، فرأى أنه شغل نفسه بحركة الحياة الخصبة التي كان يحياها سيف الدولة، وأنه أظهر نفحة الحزن عند كافور عندما وجد نفسه سجين العناء والمرارة.

     كما درس "طه حسين" شخصية (المعري) فردّ ولعه بالتلاعب بالألفاظ إلى أنه عاش نصف قرن (رهين المحبسين): محبس البيت، ومحبس العمى، فطال عليه الزمن حتى ملَّه، فلجأ إلى قتل الوقت بالتلاعب بالألفاظ.‏

      ودرس "شوقي ضيف" شخصية (عمر بن أبي ربيعة) فاستفاد من علم النفس، ووقف عند ظاهرة جديدة في الشعر العربي جاء بها عمر هي تحويل الغزل من المرأة إلى الرجل؛ فالمعهود هو أن يتغزل الرجل بالمرأة، لا العكس كما حدث مع عمر الذي أصبح هو المعشوق لا العاشق، وفسّر الناقد هذا التحول بأن عمر كفلته أمه بعد موت أبيه، فقامت على تربيته، وتعلقت به بوصفه وحيداً وجميلاً، وأغدقت عليه من فيض حنانها ودلالها، فانعكس ذلك إعجاباً بنفسه في شعره: فالنساء هن اللواتي يطلبنه، ويعشقنه، ويرغبن في وصله، بينما يختال هو عليهن، ويتأبى ويتمنّع إعجاباً بنفسه، وهذا الإعجاب الزائد بالنفس هو ما سماه علماء النفس بـ(النرجسية).

     ثم أصدر "عز الدين إسماعيل" كتابه (التفسير النفسي للأدب) عام 1963م عالج فيه عملية الإبداع الأدبي، فرآها وليدة اللاشعور، وأنها كالحلم، تتخذ من الرموز أو الصور النفسية ما ينفّس عن الرغبات، كما حلل نفسية المبدع، ورأى أنه قد يكون عصابياً، ولكنه ليس مجنوناً، وعصابه لا دخل له في قدرته على الإبداع، لأنه حين يبدع يكون في حالة جيدة من الصحة النفسية، كما أنه ليس نرجسياً، لأنه حين يبدع يعوّض بإبداعه الأدبي عن نرجسيته.‏

       ثم نشر "خريستو نجم" كتاب (النرجسية في أدب نزار قباني) عام 1983م قرأ فيه شعر نزار على ضوء (عقدة النرجسية) في التحليل النفسي، وهي عقدة مرضية تبتدئ في طفولة كل طفل، حيث يمر بمجموعة من المراحل النفسية، والتغيرات الفيزيولوجية ،وقد تتبع الباحث تطور هذه المراحل في حياة "نزارقباني"، واعتبر انتحار أخته إسهاماً في تسامي مشاعر الشاعر السلبية، فغدا الشاعر أنثويّ الإحساس، يعبّر عن مشاعر المرأة الرقيـقة.‏

ولكن عقدة (النرجسية) تنزاح عند الباحث ليجعل من الشاعر" انطوائياً، سادياً ، مازوشياً وأوديبيا ودون جواناً مسلّطاً" ويسقطها على شخصية "نزارقباني" ، كما تجاوز الناقد الأخذ من فرويد ليأخذ من معظم المدارس النفسية.‏

      كما اعترف (يونغ) بذلك فقال:» إن المنهج الذي يمكن الوصول عن طريقه إلى حقيقة الفن لابد أن يكون منهجاً فنياً«(7) ، و عليه » فالتوغل في أعماق المريض - في علم نفس الأدب- ومساعدته على التداعي الحر لأفكاره، مسألة لا يقدر عليها إلاّ أديب، لأنّ المريض ههنا نص منثور أو قصيدة شعرية أو رواية مسرحية.ومعروف أنّ المختص في التحليل النفسي يتوخى اكتشاف العقدة لمعالجتها، بينما الأديب المحلّل يتوقف ملياً عند هذه العقدة، فيقارن أثرها الفنّي لدى شاعر معيِّن، بسائر الآثار لدى شعراء آخرين«(8)، ولعلّ هذا التمازج الفنّي بين "علم النفس والأدب"  يشكل نقطة تحول وترابط عضوي يستدعي منا التأسيس لقاعدة ممنهجة أكاديميا في هذا الميدان العلمي الذي يحترم تفسير الظواهر الأدبية في ضوء التفسير النفسي لها.

3. المقاربة النفسية في ديوان سنابل النيل:                                      

     يعدّ الأدب صورة نفسية لشخصية الشاعر أو الأديب فالتّنفيس والتّوصل، عنده، دافعان متلازمان وشرطان ضروريان لبروز الفنّ ، ولا يغني أولهما عن ثانيهما،و هما: رغبة الفنّان في أن ينفّس عن عاطفته، ورغبته في أن يضع هذا التنفيس في صورةٍ تثير في كل من يتلقّاها نظير عاطفته ، والتنّفيس والتّوصيل مسألتان واردتان في النقد النفسي والأدبي؛ فأيّ عمل يبدعه أديبٌ صادقٌ أصيلٌ، إنما يريد منه التنفيس عن همومه ورغباته وعواطفه، وهو لا يكتفي بهذا، بل يريد أن يوصل عمله إلى غيره ليعيش معه تجربته فقد قيل، مثلاً إنّ "غوته" حرّر نفسه من آلام العالم بتأليف "آلام فرتر"، وأنّ الشاعر دي موسيه كان يلجأ إلى الشعر لإنقاذ نفسه من الانتحار ، وقد حلّل "ريتشاردز" عملية التوصيل، فرآها ضرباً من الموهبة، على استرجاع تجارب الماضي، وهذه القدرة هي التي تميّز الرجل الماهر في التوصيل، شاعراً كان أو مصوّراً، فالنص الأدبي له قيمته الجمالية والإنسانية المؤثرة في تدوين الأعمال الفنية» على أنّها تمثل وثائق أو أعراض مرضية« (9) خاصة في حالة الاستمتاع بقراءة قصيدة ما سواء كشفت لنا الحالة النفسية لصاحبها أم لم تكشفها عن ذلك.

      الحقيقة أن المنهج النفسي حين أقحم في دراسة الظاهرة الأدبية، لم يكن يدرس الأدب باعتباره نسيجا لغويا، وإنما انكب على دراسة الظواهر الإنسانية التي تحفل بها المؤلفات الأدبية،لأن التجربة الأدبية لا تمثل إلاّ» حالة من حالات النفس«(10) .

و على هذا تتحرك المقاربات والإشارات اللفظية عبر مساحة المجموعة الشعرية "سنابل النيل" للشاعرة "هدى ميقاتي" بماديات جمالية لتتبلور داخلها نفسيتها عبر مستويات عديدة من العلاقات الثنائية التي تؤسس لمشهد الشاعرة الشخصي، وتماهيات الآخر عبر انكشافات الجهاز اللغوي من خلال تشكيلات الصورة وجمالياتها الرؤيوية ومرجعية الأثر النفسي، والجرأة الهائلة  عندها، حيث تحيل الشاعرة لغة المدونة إلى خطاب تقرير حاد تؤكد فيه حضورها اللامتناهي عبر العديد من الثنائيات النفسية التي تصب كلها في ثنائية كبرى هي ثنائية: "الحزن والخوف"حيث تنضوي تحتها بقية الثنائيات الفرعية الأخرى.

و بهذا تصل بنا الشاعرة إلى درجة عليا من المزج و المعانقة بين ما هو حسي، و ما هو مادي فذلك هو نمطها التأويلي الذي جعل   نقل الصفات بعضها إلى بعض يساعد، على نقل الأثر النفسي كما هو قريب، ممّا هو، و بذا تكمل أداة التعبير بنفوذها إلى نقل الأحاسيس الدقيقة، حيث يرى "عز الدين إسماعيل" أنّ » المنهج النفسي يسير مع الظاهرة الأدبية بشكل مواز «(11).

 

1.3.ثنائية العطف والخوف:

     تشير الشاعرة – هدى ميقاتي- صراحة إلى » أن الإحساس بالعطف، والخوف من شأنه أن يخلّص من العواطف المشوشة والتافهة، ويجعلنا أكثر قرباً من الوجدان الإنساني العام البعيد عن الأنانية وتضخم الذات وضيق الأفق« (12)، وهذا ما تؤكدّه المدونة الشعرية حيث ينتقل فيها التوتر النفسي تدريجيا عبر الأصوات المهموسة التي تعكس رؤية الشاعرة للواقع ، ونظرتها الثاقبة التي تشخص خصوصيتها الأنثوية التي تعاني من وكزات الدّهر وصروفه، ومن هنا فالمبدع له علاقة وطيدة بنصه الأدبي الذي يعد علامة نفسية لحالاته وعليه» الإنسان المبدع لغز« (13) لم تسقط من قلمه حالات الحزن أو الخوف أو الفرح أو الطيش أو السكوت أو حدّة التصور أو البلادة إلى غير ذلك من آثار الأحداث النفسانية إلا وكان لها مرجعيتها في اللاشعور .

 و فيما يبدو أن عنوان (ماذا جرى) المحذوف منه علامة الاستفهام قد وضع الشاعرة في حيرة ، وتعجب شديدين مما حدث في وطنها لبنان من حرب طائفية طاحنة أحرقت الأخضر ، واليابس فراحت تتذكر الأمسيات الجملية ، والصور الشادية في ربى وطنها .هذا الذي ضاع فجأة ، فراحت تلعن مرارة الشتات ، والتمزق ، والموت ، والدمار فتقول:

 » أَيْنَ الجَمَالُ؟.. وَأَيْنَ نَجَمْاتُ المُنَى؟  فِي كُلِّ رَابَيَةٍ لَهَا مُتَسَكِعُ«(14)

حيث أصبحت البلاد ممزقة بين فصائل ، وألوية متناحرة على مناصب، وألقاب زائلة فتقول:» لَهْفيِ عَلَى الأَحْلاَمِ تَنْدُبُ حَظَّهَا * لَهْفِي عَلَى قِمَمٍ تُدَاسُ وَتُصْفَعُ«(15)

ثم تقول في قصيدة أخرى بعنوان (دمى متحركة):

» وَيَشُدّنِي خَيْطٌ.. يُذَكِرُّنِي بِأَنِّي دُمْيَةٌ

فِي جِسْمِهَا رَأْسٌ وَسَاقٌ..

وَبِأَنَّنَا فِي مَسْرَحِ.. وَسَنَلْتَقِي

فِي ضَمَةٍ« (16)

وعليه نجد أنّ » مهمة الفنان هي التعبير عن الانفعالات ، إنها انفعالاته على أية صُورة من الصور ولن يستطيع أحدُ أن يحكم هل عبرَ عنها سوى من شعر بها، ولو كانت هذه الانفعالات خاصة به ولا تخص أحداً غيره ، فلن يُوجد أحدٌ سواه قادرٌ على الحكم بأنه قد عبّر عنها أولاً« (17).

 فالفجوة التي كانت تنخر في أديم ذاتها تبلورت في مجموعتها الشعرية سرية تكتمت عليها الشاعرة لتعطي انطباعا يوحي بالألم ، والآه الأنثوية عبر زفرات الصراعات السياسية، والأهوال والنكبات الاجتماعية ، إنّ تفضيلها التألم بحزن يجعلها متجلدة في مواجهة واقع الحياة الذي ينشد نغماً حزيناً صوفيا، ترسله من فيافي وحدتها،» وعندما يحوّل الشاعر مثلا تجربته النفسية إلى قصيدة فإنّه لا يعزل عنها جوانبه الفكرية، ويبقى على الجوانب الانفعالية الجامحة لكي يعبّر عنها وحدها، فإن ما يقوم به الشاعر هو خلط الفكر ذاته في الانفعال« (18)

2.3.ثنائيـة الوجع والحب:

 إنّ السنابل معادل موضوعي انزاح إلى الشاعرة التي وجدت في الطبيعة مخدعا ، وملجأ لكل من يريد الهروب إليها من مرارة الحياة، فالطبيعة هي الرحم، والأنثى التي تواسي أحزان كلّ أنثى مبدعة وهذا ما تجسده في قصيدة (سبايا) فتقول:

» آهٍ.. تَلَوّتْ في فَمِي الآَهْ  *    هَلَ كُنت في نُعْمَايَ لَوْلاَهْ

فَأُحِسُّ بي جُرْحاً... فَيُقْلِقُـنِي * وَيَفِيضُ بي قَلقي فَيَغْشَاهْ« (19) .

وتتواصل الرحلة الشعرية فوق صمت الاجهادات اللّغوية للقوافي لتفجر ساحة الديوان محدثة شرخا، وصرخة مملوءة بالمرارة الفاضحة لتعكس عظمة مصاب المبدعة التي أهدرت من الحمم المفعمة بنبرات حزينة ليأتي » الشعر هو الدواء لأبشع مرض يصيب الروح أي فساد الوعي« (20) ، وهذا ما تشير إليه الشاعرة فتقولها:

» يَا نِيلُ.. إِنِّي إِذَ أَبَثْكَ لَوْعَتِي   *  فَهَوَايَ مِثْلُكَ هَادِيءْ... وَوَدِيعْ

يَا نِيلُ أَخْبِرْنِي.. إِذَا طَالَ النَّوَى *  وَدَنَا إَِلى جَمْرِ الفُؤَادِ صَقــيِعْ

     خُذْنِي عَرُوسًا فِي مَيَاهُكَ عَلَّنِيْ  *  أَهَبُ الحَيَاةَ لأُِمِتَّي... وَأَضِيعُ «(21)     

-هندسة البناء في أغنية حزينة عن بندقية

التفاصيل
كتب بواسطة: السيد الخميسي
نشر بتاريخ: 16 مايو 2007
انشأ بتاريخ: 16 مايو 2007
الزيارات: 14

 

                                     هندسة البناء في

                    "  أغنية حزينة عن بندقية "     السيد الخميسي

                 ----------------

     قال القدماء :  " النحو خادم المعنى " 

وقال الأسلوبيون : " بل هو المعنى نفسه " 

والفرق بين القولين هوة بحجم ألف عام ، بين بلاغة تقليدية – أقفل باب الاجتهاد فيها      - منذ قرون بعيدة – ونظريات نقدية حديثة تتطور في كل لحظة 0

   وسنحاول أن نقرأ هذه المجموعة القصصية للقاص " صلاح عسّاف " في ضوء

" النحو التوليدي " وهو منهج نقدي  حديث 00  قديم 0                 

الحرف :    في قصة " مطر مفاجئ " ص 15

-----------   " كان يتكئ إلى سور الحديقة "  ، والأقرب أن يستخدم حرف الجر "على "، يقول القرآن الكريم : " متكئين على الأرائك " 0

وفي ص 16 " كانت تنحرف بعينيها في الماء " ، والأقرب الحر ف " إلى " 0

وفي ص 17 " كانا ينتهيان على إسفلت الشوارع " ، والأقرب أيضا الحرف "إلى"0

ومن السهل معرفة الفروق البلاغية أو الأسلوبية التي دفعت الكاتب نحو هذا الاستخدام الخاص للحروف  0

والانحراف عن المألوف في استخدام الحروف كثير في هذه المجموعة القصصية ، وهذا الانحراف لايدخل الكاتب تحت طائلة الخطأ النحوي ، فحروف الجر كما يقول القدماء " ينوب بعضها عن بعض "  ،   و " الحروف -خاصة المتصلة - لا معنى لها في ذاتها وإنما تكتسب المعنى من وصلها بغيرها " 0

وكلام القدماء عن الحروف صحيح ،  ولكنه لا يقتصر على " الحروف " فقط وإنما ينطبق على " الكلام "    كله  " الاسم والفعل والحرف "  0

فكما تؤثر المفردة في التركيب ، يؤثر التركيب في المفردة ،

ولا توجد دلالة  - محددة - لأي لفظ إلا فى المعجم ، ولا نتكلم عن أسلوب أو بلاغة إلا من  خلال التركيب والبناء 0

   الاسم :  يكثر الكاتب من استخدام الضمير " المستتر" المتضمن زمن المضي 

--------   حتى وإن لم يسبقه " ظاهر" ، والفرق بين ال " أنا " و ال " هو "

              كبير في بنية الأسلوب ، فالأول أقرب إلى  "الغنائية " والثاني أقرب إلى 

              الملحمية ، وهذا البعد الأسطوري وجو الأحلام في نصوص المجموعة

               هوالذي أعطى البعد الملحمي طابعا عصريا لا تاريخيا  0

                     كما يستخدم الكاتب أحيانا الضمير البارز  في موضع الاسم الظاهر

              ص25 " كان  - هو -  واقفا في مواجهة المرآة "

             وص27 " وكانت - هي -   تقترب من باب الحمام "

                   عرفنا التنازع وفقا لنظرية  "العامل " ولم نعرفه في باب الضمائر

 

             

              يقول الكاتب ص 16 "شبك راحة يده بين أصابعها الدقيقة وسألها

              هل لديك تفسير ؟ سرت برودتها إليه لفترة " 0     

              الضمير في برودتها يعود الي أصابعها ويحتمل أن يعود إلى المخاطبة

              وهي الأولى نحويا فهي الأقرب ولكن الكاتب هنا لايعتد إلا بالمعنى الناتج

             عن التركيب ، وقديما قالت العرب :  " خرق الثوبُ المسمار " 0

 

الفعل :  هل يحتاج النحو العربي إلى قواعد جديدة ليواكب الكتابة الجديدة ؟ ، أم

------   يحتاج إلى حذف بعض قواعده البالية ليتواءم مع تلك الكتابة الحديثة ؟

          إن أي تطوير للنحو العربي يجب أن يبدأ من قول القدماء الصحيح : " النحو

          خادم المعنى " ، خاصة وإننا وحتى الآن عيال على علماء القرن الثالث 

          الهجري في معظم ما وصل إلينا من إنجاز نحوي لم يعد ممكنا – دون تعديل

         - أن يتعايش مع النظريات الحديثة في علم اللغة وفي سائر العلوم 0

         هذا التقسيم الوصفي  الثلاثي المتعسف : الكلام - اسم وفعل وحرف  - ، الفعل

        - ماضي مضارع وأمر - مهموز  سالم مضعف - مثال أجوف ناقص 00 إلى   

         آخر هذه التقسيمةالأعجمية القائمة على التثليث ، والتي أصبحت إطارا ضيقا

         تحاول اللغة أن تنحشر فيه ، واللغة كائن حي ينمو ويتطور ويشيخ أيضا إن لم

         يمده أبناؤه من روحهم وإبداعهم  0

            نعود إلى الفعل  00 قال القدماء : " الفعل عمدة " ومع ذلك وضعوه ثالث 

          ثلاثة ، وساووه بما هو دونه 0

         يكتسب الفعل كينونته من دلالته علي "الزمان" و"الذات " 00 

         والكاتب يدمر تلك الخاصية في الفعل ، يقول : ص 16

    " قلت لك هذا من قبل ، ربما قلته ، أنت لا تريدين أن تصدقي " 00     

     "قلت" – ماضي - ، " هذا "– اسم إشارة - أقوى الحضور ، "لك" – كاف

    الخطاب – حضور أيضاً  ، "من قبل" – ماضي - مرة أخرى - ، "ربما قلته"     

   - يشكك في الجملة كلها – " أنت لا تريدين أن تصدقي " -  " أنت "حضور ،

    ثم  فعلان مضارعان – "تريدين" – " تصدقي" – 0 

   ومنه أيضا قول الكاتب : "  كان الهواء قد استحال نسيما رقيقا الان "

        - كان واستحال – ماضيان نسخ زمانهما الظرف – الآن – 0

        الفعل هنا  فاقد " للزمان "كما رأينا ، و"الذات" مشوشة مشكوك في وجودها ،

       الفعل في هذه المجموعة القصصية  يحيل ولا يصف  ، زمانه منسوخ ، وذواته

     مسوخ   0                                                            

        يقول : ص17 " نفضت راحتيها ووارتهما جيبي معطفها "

        الفعل  " وارى"  يحيل إلى معنى "الموت " الذي يلف المكان والزمان 00

           رتابة المعدية هي الموت ، حركة مكررة مثل الزار تساوي السكون ،

      أليس هذا واقع العرب الان ، حركة في المكان المأسور، والزمان الميت ،

      جعجعة ولا طحن 00

        وفي قصة " الغرانيق "   فقدان الأمل في الدليل العاجز المنفصل عن  

       القطيع الغاشم   القاتل  والمقتول  ، وهذا الحلم الكابوسي لتاريخ القهر الشخصي     

       والجمعي والوجودي 0

        و المجموعة   كلها تحمل روح  العبث وقبض الريح 00 هذا العالم            

       ال "كفكوي" ،   البحث عن خلاص لا وجود له  00

      انشطار الأبطال وتوحدهم في بطل وحيد منهزم ومنتهك ، بلا عورة ، ولا

      شعرعانة  ، ورود ممزقة ، ورجل يتنتظر امرأة في الفراش ممددا مغمض

     العينين   التف  جسده العاري في ملاءة بيضاء " كفن "  ، والعرس الذي ينتهي

      باحتراق الأجساد الآدمية ، والبرد الذي يلف كل شئ  0

        نعود إلى مقدمة المجموعة والتي نقلها الكاتب " صلاح عساف "عن "كافكا " 

     والكلام عن -  "قوة البيئة الميئسة ، قوة الاعتياد على الخيبة ، قوة المؤثرات غير

     الظاهرة في كل لحظة ، والجرأة على منازلة هذا الخطر " 00

    دون إشارات سياسية مباشرة ، اللهم عبارة أو عبارتان " حرب الخليج – أمن

   

     من هذه  المقدمة وفي مجالها الحيوي  ، تدور عوالم هذه المجموعة القصصية ،الدولة "  0

        البطل هو هذا الاعتياد القاتل على الخيبة ، حوّ ل الناس إلى مسوخ بشرية فاقدة

    ل "الفعل" ل "الحياة " ، هذا الموت البطئ الصامت البارد بلا ضجيج وبلا نقطة

    دم ٍ واحدة 00

         لذلك جاءت الأغنية حزينة عن بندقية مات صاحبها وحيدا منعزلا

    دون أن يطلقها  - حتى - على نفسه ،

      كذلك كل أبطال قصص هذه المجموعة وقعوا في براثن هذا التحلل البطئ ،

   طال حتى الجماد ، ص 70 " طالعتني فوضى الأشياء المهملة ، وهي تنهي حياتها

  على مهل في الأركان ، ورائحة العطن المختزنة في هواء الشقة الفاسد " 0

    أما الجرأة على منازلة هذا الخطر فهي في مجرد إدراكه والكتابة عنه 0

   وكما أن "الزمان " - داخل المجموعة -  خارج عن حدود الزمن  كذلك " المكان" 

    حتى ولو شممنا فيه الخصوصية " المعدية- النوارس- الغرانيق " إلا أنه يخرج

    إلى حد الوهم والتخيل كالحلم أو الكابوس - إن أردنا الدقة – 0

      ولغة السرد مكثفة تشع في كل الاتجاهات ، وتقبل سائر الاحتمالات دون قصدية

    أو افتعال 00 هذا الهدوء الشديد الذي يجعلنا دائما في انتظار العاصفة 00 هذه

   البنائية الهندسية ولا أقول التراكمية  0

       في قصة " أغنية حزينة عن بندقية " - القصة المركزية في المجموعة –

       ينفرع      العنوان إلى عنوانين  – لعبة العلبة – الأسئلة والأسلحة  - 0

  "أغنية "    نجدها في : - الطبول- آلة الحرب- تقذف-  00 هذه الأصوات الفاعلة     التي تنتهي ب -عضو الذكورة - والأسئلة المسنونة -  0

"حزينة"  نجدها في : - أوجست منه رعبا - توسل-  شئ ما يقشعر مؤلما داخل أعماقي - هالني هذا الأسى المعشش في العيون - ضربات الطبول المكتومة -

مجللا بحزن عينيك الأبدي - أسئلتك الموجعة - ضحكتك المقتضبة الشبيهة بالشهقة -

" عن بندقية " : - عن -  تفيد الماضي البعيد والبندقية الفاعلة المتناصة مع صوت أم كلثوم ،  وتدل أيضا على الماضي القريب – والممتد للحال – وبندقيته الخرساء والتي تقتل صاحبها بلا صوت وبلا دم 0

"لعبة العلبة": الإبداع لعب جدي في مواجهة لعبة خطيرة هي الحياة ، وال" علبة "

هي "اللعبة "التي مارسها الكاتب مع بطله ، مع كل ما يرمز إليه لفظ  "العلبة "من دلالة متولدة – السجن – الحصار- الحاجة – الخ 00

     وهكذا يتخطى اللفظان حدود الجناس الصوتي إلى التناص المعنوي

اللعبة = العلبة  ، الأسئلة = الأسلحة 00 بهما معا مات  " موفق " ، لاحظ الاسم ،

     ربما كان موفقا فعلا بوصوله إلى الخلاص قبل اكتمال دائرة الإذلال التي يدور فيها بطل " العلبة " لقد أخذ موفق السجائر من نفس العلبة ولم يكمل الدائرة ،

أنقذته ثقافته وأسئلته وبحثه عن العلاقة بين اللفظ ومعناه : - بندق بندقية - الخ ،

 ( أجمع علماء الأسلوب على أن العلاقة بين الصوت ومعناه اعتباطية ) 0

     قال صلاح عبد الصبور للقادم من بعده " لاتنس أن تحمل سيفك " هل يريد صلاح عساف أن يقول : إن هذا لم يعد كافيا في هذا العصر ؟

     

 

 

                                                            السيد الخميسي

 

 

 

 

 

 

 

 

بين شعرية السرد وسردية الشعر

التفاصيل
كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
نشر بتاريخ: 11 أبريل 2007
انشأ بتاريخ: 11 أبريل 2007
الزيارات: 27

بين شعرية السرد، وسردية الشعر

دراسة لمجموعة " طوقني حتى الموت " لعبير فوزي

دراسة :عبدالجواد خفاجى

 

 

تتميز المجموعة القصصية لعبير فوزي "طوقني حتى الموت" بقصر كثير من نصوصها، وبإيجاز وتكثيف أسلوبها ـ وإن كان فيه ما يعد خروجاً عن مقتضيات السرد ـ وغزارة إيحاءاته، وكثرة محذوفاته ومضمراته، حتى أنها أقلت من استخدام علامات الترقيم الاعتيادية واستعاضت عنها بنقطتين متتاليتين في إشارة إلى محذوفات الكلام.

وتنتقل النصوص فضائياً من خطاب الفقرة إلى خطاب النص، ومن خطاب النص إلى خطاب النصوص ؛ فلا مجال للوقوف على إيحاءات الفقرة أو العبارة أو الجملة بعيداً عن السياق الكلي، وبعيداً عن الخيوط التي تربط جزئيات النص ببعضه، بيد أن النصوص تتداخل دلاليا وتتكامل رؤيوياً لتصنع كلاً موحداً وكأننا أمام نص واحد لسارد واحد، لا جماع نصوص لمجموعة من الساردين، أو لكأننا أمام لبنات تتكامل في عالم روائي يتسم بالوحدة .

  وتتسم السجالات اللغوية في هذه المجموعة بالوضوح وبساطة التعبير والسهولة المعجمية، إلا أنها لغة رمزية كثيرة الإحالات والمرجعيات والمقاصد تستند الكاتبة فيها إلى لغة المجاز والتشخيص وتوليد الاستعارات الرمزية الشاعرية، وتوظيف الكنايات والمستنسخات النصية التي تحيل إلى عالم الأنثى وأشيائها، كما تحيل إلى البيئة الواحاتية وجمالياتها المخصوصة .

وقد وفقت الكاتبة في تصوير طفولة الأنثى، كما أجادت نقل مشاعر الأنثى الجنوبية حين تتعلق برجل ما، وكذلك  التعبير عن وضعيتها الاجتماعية، ومعاناتها وإحباطاتها مع الواقع والحياة.

ولعل هذا كان دافعنا لدراسة هذه المجموعة باتجاه السرد الشعري، وباتجاه الشعر النثري في الآن ذاته، لما لاحظناه من البعد الذاتي والوجداني في النصوص، ولما لاحظناه من كثافة انزياحات اللغة باتجاه الأسلوب الشعري .

وإننا لكي نفعل ذلك كان لابد من دراسة وجهي العملة، الشكل والمضمون، كلٌّ على حده، دون أن نكون معنيين بالفصل بينهما، إذ الأساس أن كل مضمون يستدعي شكليته.

 

الأفق الرؤيوي في المجموعة :

 

يتنازع تجربة عبير فوزي القصصية في مجموعتها " طوقني حتى  الموت " اتجاهان أحدهما رومانسي  ــ وهو الغالب على النصوص ــ وآخر واقعي يتضافر معه، ففي الأول نجد الشخصيات التي يتنازعها الحزن أحيانا، وأحيانا التفاني في الحب والإخلاص للحبيب الهاجر أو الغائب، والحنين إلى الماضي، والتعلق بالطفولة، وانتظار ما لا يجئ، والرغبة في اجتياز حواجز الزمان والمكان، والشعور بالخوف وافتقاد الألفة أو الشعور بالرتابة والفراغ العاطفي والروحي، والحرمان والانطلاق مع اللاشعور، ومع المتخيل، والتمسك بأهداف الأمل الذي غالبا ما ينكسر على صخرة الواقع، فيما بدا أيضا يأس الشخوص من الحياة واعتراضهم على الوجود أحياناً، والملاحظ في هذا الاتجاه أن الحزن قاسم مشترك بين الشخوص، وصفة ملازمة لهم، تستبد بحياتهم وتلون نظرتهم إلى الحياة كما تبدو لنا بعض الشخصيات في حالة انتظار دائم، أو حالة تذكُّر، وحزن مقيم مخيم على أجواء النفس مثلما نطالع في نص "مجيء" نجد الحزن والانتظار هما سياج التجربة وحيث الساردة (الراوية) التي تسرد بضمير الأنا، مشكِّلة من السرد خطايا موجهاً إلى الحبيب الهاجر/ المخاطب المنتظر المغادر دائما، أو كما نقرأ في نص "أوتار ليست للعزف" : ( عندما أكون معك تصعد الأرض إلى السماء ... تسقط السماء تحت قدمينا .. أفك شعري الأسود، أخلع منى  "توكتي" الروز .. تصغر الطفلة التي بداخلي ألف عام .. أصنع لرأسي وسادة طرية من يديك .. بينما أنت تفرد حزنك للاسترخاء ) صــ35.

ثمة نصوص تجسد الرؤية في هذا الاتجاه الرومانتيكي ، لعل أولها هو النص الذي تحمل المجموعة عنوانه ، حيث تعلق الشخوص بالمساء ، وإطلاق الذاكرة والرغبة في اجترار الذكريات ومخاطبة الحبيب  المضمر والميل إلى الوحدة والطبيعة والسماء والشكوى من الأرق والسهد ومناجاة النفس ، والميل إلى الحزن لدرجة أن لقاء الحبيبين مناسبة لممارسة الحزن ، ولدرجة أن هناك شخصيات تحسب عمرها بالحزن لا بالسنين .. نلمس هذا الاتجاه في نصوص : ( مساء بطعم الانتظار) و ( المساء لا يصلح للتأرجح ) و ( عندما نغفو تبدأ الموسيقى) .

أما الاتجاه الثاني الواقعي، نعاين الشخوص الذين يعيشون ويجالدون واقعا محبطا، مسيَّجاً بفوضى النظام وصرامته وزجره للذات وللطفولة وللأنثى، وحيث الخيانات والعسف، والفقر والروتين، وجلافة البوليسيين، فيما كان النظام يتجسد فنياً في المدرسة بتعاليمها ومناهجها وتجهم رجالها أو البيئة بأعرافها الذكورية، أو الأم كأداة النظام وحامية للتقاليد والأعراف وأداة كبح للأنثى منذ ولادتها، لذا بدت الشخصيات خائفة من الإقدام وهى تصور حالة الخوف الذي يترصدها منذ طفولتها كما لو كانت الحياة نفسها مشوار من الخوف .

ومثلما نقرأ في نصوص " للزوايا أبعاد متناقضة " حيث يأخذ النظام المدرسي بعده الرمزي ليرقى إلى مستوى النظام الاجتماعي الذي يحتويه .. هذا النظام بدا كسجن للذات بما يحويه من أعراف وتقاليد وآداب عامه، وفيما يفرضه حول الأنثى من صرامة، وفى نظرته إلى الأنثى وإلى جسدها المطمور تحت الثياب بمخالفة لرغبة الأنثى التي تعرف ماذا تريد لجسدها، الأمر الذي يضطرها إلى مخادعة النظام والتحايل عليه، ولذلك هي تصنع ما تصنع بعيدا عن صرامة النظام بعدما تخرج من باب المدرسة مباشرة، والنتيجة أن عيون الذكور الذين يصنعون حول الأنثى طوف التقاليد هم أنفسهم من تجذبهم الأنثى / البنت عندما تكشف عن مستور جسدها، فقد أعجب بها الولد وقدم لها وردا، لكأن الجمال الجسدي هو المدخل الغريزي الوحيد الذي يعرفه الرجال من الأنثى، أو لكأنه أقصر الطرق إلى الحب والتعلق وجذب أنظار الرجال .. طريق قصير تعرفه الأنثى جيدا وتتحايل من أجل المضي فيه أحياناً، كإنسان لها مطالبها البيولوجية والروحية والعاطفية .

وتتجه الرؤية في بقية هذا النص إلى رصد تناقضات وسلبيات في النظام حيث تربية الخوف، وحيث ضرب الجرس إيذان ببدء الخوف، لكأن التخويف والترهيب هو المستقر في النظام، بيد أن أقسى ما وجه للنظام من نقد أن الغشاشين هم من يصفق لهم الآخرون ويعطونهم الجوائز، في نقد لشكلية النظام وفى إشارة ضمنية إلى أن ثوابت النظام ليست مقدسة ويمكن اختراقها، بل تبدو أحيانا بلهاء لا تدرك الحقائق، ومن ثم فإن الإشارة الضمنية الأخرى هي ضرورة الخروج والتمرد عليها، ولعل مجمل ما تدور حوله الرؤية من نقد للنظام الاجتماعي الذكوري يدعو إلى الخروج عليه، والسخرية منه .

يتجه أيضا الملمح الواقعي للرؤية إلى البعد الاجتماعي للشخوص حيث بدا مُركَّزا حول صورة الحياة الزوجية، وكيف أن الحياة تضن على الأزواج بالسعادة، وكيف أن الفقر والخوف يسيجان الحياة، حتى أن العيد يقف بعيداً أحياناً، كما نلمس في النص "العيد يقف بعيدا" صورة للطفولة البائسة المهمومة يوم العيد بتلقيط رزقها من بيع القصب للأطفال الآخرين دون أن يكونوا مشاركين في العيد، وكذلك في نص " نوبة حراسة " و" فعل فاضح .. هكذا حرر " صورة للواقع المسيَّج بالبوليس الذي يحاصر حتى المشاعر والعلاقات الزوجية والعاطفية.

وفى نص " كرتون مشجر ورجل أليف جدا " صورة الأسرة متواضعة الحال و المرأة المهمومة بتغيير فرش الكنبتين الوحيدتين في بيتها، ومن ثم هي تلح على رجلها المنهزم أمام تعاسة حياته وعجزه عن تغيير اللحظة إلى الأفضل، فيما بدت حياته الزوجية العاطفية غائرة وراء الحاصل من محبطات، وفيما بدت عجلة الحياة معاندة ولحظة السعادة بعيدة إذ تنتهي القصة بما يؤكد شح اللحظة عن السماح لآخر الآمال البسيطة المشروعة بالتحقق . على أن المعالجات الدرامية لقضايا الواقع لم تكن تحتل مساحة تبعد عن مشهد الطفولة البائسة وتصوير حالات نادرة من الفقر، وحالات نادرة من الفعل البوليسي الغبي الذي يستبد بحرية الشخوص .. بيد أن جل ما استحوذ على الرؤية الواقعية كان متجها صوب إدانة الرجل الذي اتسم بالغباء أو الخيانة، أو الغيرة حد الاهتمام، أو الهجر، أو الطمع في الأنثى أو الشهوانية أو ما شابه ذلك من اتهامات، غير أن اتهامه الأكبر أنه مستأثر لوحده بالحياة التي ما انفك يلونها بطابع ذكوري  مقيت، الأمر الذي دفع الأنثى في كثير من النصوص إلى الندم على تجربة الحياة نفسها والتمرد ليس على وضعية الأنثى بل على كونها أنثى في الأساس ينظر إليها كعروسة مولد أو كدمية جميلة فيما تبدو رغبتها غير ذلك، والحياة حقيقة فروسية ورجولة لماذا لا يصنعون لها سرجاً وحصاناً إذن ؟ ( نص : هامش في منتصف القلب صـ 40 )

وفى نص " فعل فاضح هكذا حرر " حيث الواقع البوليسي الذي يحاصر الزوجين ويطالبهما بإثبات قيام العلاقة الزوجية لحظة ممارستهما حرية السير في الشوارع شديدة العتمة، بيد أن البوليس الذي يلون الحياة بالسواد يطلق الرجل ليحضر قسيمة الزواج فيما تظل المرأة رهن التوقيف تحت سطور بوليسيين متهمون بالغباء إلا أن المفارقة أن الزواج وبدلا من إحضار قسيمة الزواج اطمئن لنومه،مستسلما لاتهام الزوجة بالخيانة، وإلا لماذا أوقفها البوليسيون أو ربما أنها مشبوهة أو ما شابه ذلك من هواجس .

أما في نص " قل من هي ؟" فالخطاب موجه للزوج الخائن الذي هجر زوجته وطفلته بعد عشر سنوات من العشرة، ذاهباً إلى أحضان أخرى صـ 42 ليظل الخطاب السردي موجها إليه : قل من هي ؟ .. لتتكرر بعد ذلك صورة الزواج أو الحبيب الخائن الهاجر في كثير من النصوص، هو المفارق ببرود دائما وهى المرأة الساردة المشتعلة في انتظاره، حقيقة صورة الرجل بدت مزرية في النصوص، ولعل النصوص كانت فرصة مناسبة لجلده، وهو المغرور، وهو المستأثر وحده بالحياة منذ النص الأول " ثقب في جسد جنوبية " وتصوير لحظة ميلاد الأنثى / السارد " دقات الهون وأصواتهن المنكسرة تدور حولي، تلهب عظمى الطري، بينما أصوات الرجال تصعد فضاء البيت، فيزداد سمك السقف بطلاء غاب لونه، فتضيق أكثر زواياه وأركانه عليهن .. " الرجال إذن يضيقون الحياة الوسيعة، ويصنعون سياجا من الخوف والعتمة بما يفرضون حول الأنثى الجنوبية من صرامة محددات عرفية ذكورية سخيفة قاتلة للروح وماسخة لوجه الحياة، وراسمة العتمة في وجه الأنثى المهيضة التي تظل في كل النصوص وفية، مهمتها الانتظار والإخلاص لرجل دائما يخون، حتى ذلك الرجل المنهزم المهيض لم يكن يحلم وسط احباطاته إلا باعتلاء  ناصية أنثاه ( كما لاحظنا في نص : كرتون مشجر ورجل أليف جدا ) صورة هذا الرجل الأليف لم تتجاوز حيوانيته فيما بدا أمام فقره منهزما يصارع تروس الزمن القاسي وهو عائد إلى بيته يحمل قماشاً جديداً للكنبتين الوحيدتين على ما يبدو في بيته، وفيما بدت الزوجة مهمومة بالكنبتين وفرشها، فيما بدا هو مهموما بقضاء ليلة سعيدة مع جسد هذه الزوجة المهمومة، وقد شاء الحظ أن يعود إليها بقماش الكنبتين " الليلة ستغلق باب الحجرة، ثم تمنحه البقاء على نهدهها المترهل، تلفه بسخاء بين ذراعيها المكتظتين، يروى سنوات مضت، وهى تعرى له عن كراكيبها التي أسدلت عليهم جلبية متهرئة " صـ66

وكما بدت صورة الرجل هكذا بدت صورة الأنثى كطرف مقموع مكبوت في وسط صارم محافظ جدا، وكانت الفرصة مهيأة لمناقشة وضعية الأنثى في هذا الوسط، الأنثى التي فشلت أغلب محاولاتها في صنع ثقب بجسدها تصفى من خلاله دمها المختزن منذ ما قبل الميلاد  ــ كما نقرأ في النص الأول ــ ولعل تغيير الدماء بالنسبة لها لا يعنى التخلص من الحياة على ما يشي ظاهر اللفظ، وإنما هي ترمى إلى تغيير ما يحمله الدم من سمات مختزنة تحدد جنوبيته هي الرغبة إذن في التغيير، اتضحت في محاولة الساردة التصرف بحرية خروجاً على الأعراف، بإشعال سيجارة في طريق عام الإشكالية أن فمها لم يطاوعها ولم تنفرج الشفتان، وكأن المحددات العرفية والتربية صنعتا منها نموذجا يصعب تغييره، الإشكالية الثانية أن الساردة كانت تحاول ذلك مرارا وكانت تفشل، لكأنها الرغبة إذن في اجتياز وضعيتها كأنثى جنوبية وجدت في هذا الوسط الذكوري الذي يضيِّق حولها الزوايا والأركان ويضرب حولها سياجاً من صرامة محددات بيئية تحولها إلى كيس لحم مصرور، ومن ثم هي تعلن اعتراضها على الحياة أساسا كما في نص " انفصال " حيث التمني بالعودة إلى رحم الأم مرة أخرى فرارا من حياة كئيبة إلى حد كبير، وحيث السرد الذي يبدأ بالوقوف عند لحظة الميلاد الأول وتصوير الأم التي وضعت لتوها وليدتها ( الساردة ) : " سواد عينيها يتأرجح في اتساع ضيق، ثم يغيب مع انسدال جفنيها .. تقاوم زوغان بصرها، تشير بيدها نحو " الطشت " " ــ ادفنوا الخلاص، هاتوها في حضنى .. هل تعرف أنني كنت لا أريد الخروج منها ؟! .. لو أن الله يصنع معجزة، ويدخلني إليها مرة أخرى .. لو .. " صـ8 .

                                

*******

فى دراسة الشكل :

يبدو أن المضمون الذي احتوى رؤية الكاتبة وتوجهها على نحو ما سلف استدعى شكليته التي تمثلت على المستوى النصوصي في بناء النص على كيفية تعكس تلك الرؤية .

وبناء النصوص اعتمد ــ في الغالب ــ على صوت ساردة ( راوية ) تروى بضمير الأنا .. هي أنثى متعلقة بآخر ( مخاطب ) مروى له أو عنه، تخاطبه بضمير" أنت " .. تكررت هذه الوضعية في نصوص كثيرة ( قل من هي ؟ ــ فعل فاضح .. هكذا حرر ــ مساء بطعم الانتظار ــ عندما نغفو تبدأ الموسيقى ــ أوتار ليست للعزف ــ لست في غاية السرية ــ أشياء صغيرة جدا ــ أندرا ــ مجيء ) وفى تلك النصوص كان السرد مغلقا على العلاقة بين ( أنا وأنت ) كما تظهر الساردة في نصوص أخرى لتسرد بضمير " الأنا " مخبرة عن نفسها عبر مراحل ومواقف مختلفة من حياتها، مثلما جاء في نصوص ( ثقب في جسد جنوبية ــ انفصال ــ أشياء صغيرة جدا ( 6) ــ الغرد ــ اشتباك ــ العيد يقف بعيدا ــ .. الخ "

وهكذا نجد أن جل النصوص اعتمد على ساردات إناث يقصصن بضمير الأنا .. ماذا يعنى هذا بالنسبة لنا ؟ .. هو سؤال مهم خاصة إذا ما تعلق بسؤال آخر : ماذا يعنى توحد المستوى السردي لنصوص المجموعة ؟ والمفترض غير ذلك المفترض أن كل ساردة حسب وضعيتها ومستوى شخصيتها يتحدد مستواها السردي ويختلف من نص لآخر بحسب الموقف القصصي ، أما وقد لاحظنا توحد المستوى السردي أو تقاربه في نصوص المجموعة وكأننا أمام رواية تتكامل أجزاءها، أو لكأننا أمام نص واحد تم تشزيره إلى نصوص عدة، وخاصة أن الرؤى تتكامل بين النصوص وتدعم بعضها من نص لآخر .

الملحوظتان السابقتان المطروحتان في السؤالين السابقين يدعمهما خروج الساردة في بعض النصوص عن مقتضيات السرد إلى مناطق غير درامية تخلو من الحركة ومن الصراع وربما لا تخص الحدث بقدر ما أنها تخص الساردة نفسها وهى تطرح تعليقات وتأملات واستنتاجات واستخلاصات وتساؤلات ما ربما لا تشكل جزءا من النسيج الدرامي للقصة بقدر ما أنها استطرادات الساردة نفسها التي استغلت ضمير الأنا إلى الخروج إلى تأملات ذاتية ووجدانية .

وغير ذلك بدت الساردة عليمة بكل شيء في خطابها إلى الآخر كان هو صامتا وكانت هي التي تخبر عما في نفسه وتتكلم لها وله، وفى الوضعية الثانية كانت تخبر عن ذاتها ومن ثم كانت فرصتها إلى مزيد من البوح الذاتي والوجداني حول الحادث من عينة الاستهلال الذي جاء بداية نص " ثقب في جسد جنوبية " وهو استهلال اقترب من الشعر تقول فيه " يا جسد اطرح ظلك على الأرض .. / ارسم لي قدمين .. يدين .. / جزعا / ورأس .. لا تنس أن يكون الرأس محشوا بكل أنواع الصداع ... الخ " صـ2، ومثال ذلك أيضا ما جاء بداية نص "طوقني حتى الموت " من تساؤل  مجاب عنه " ماذا لو قبل رجل امرأة على رصيف أحد القطارات .. سوف تخبئ قبلته في مناديلها الو رقية، ومن حين لآخر تطمئن عليها " صـ77 ومثال ذلك ما جاء بداية نص " للزوايا أبعاد متناقضة " من تأمل بدأ ـ إلى حد كبيرـ  بلا معنى " المثلث المتساوي الأضلاع زواياه متساوية، المثلث الحاد الزوايا أضلاعه تتشاجر في صمت، المثلث الذي بلا قاعدة سقطت زواياه بالأمس " صـ59 .

والأمر لم يتوقف عند حدود بعض التدخلات التي شكلت عبئا دراميا بل تعدى الأمر ذلك إلى خلو بعض النصوص من الدراما متخطية حيز السرد إلى حيز المقال حيث تسقط في مثل هذه النصوص الأداة ( الساردة ) تماما لتشْخُص ذات المؤلفة ( الكاتبة ) وحدها منفردة بالإفضاء، ولدينا نصان معنونان " انفجارات تحدث في صمت " صـ53 و" التوت غير مهيأ لاستقبال العصافير " صـ74 هذا النصان لا يحققان شرط قيام السارد أو لا يعتمدان عليه بالدرجة الأولى إذ لا يوجد حدث أساسا ينبني به أو حوله السرد، ويكفينا أن نعاين بداية أولهما : "فصول السنة الأربعة في كل مرة تبنى ما بينها جدارا، تصنع لنفسها فوق بيوتنا عاصمة منيعة، ونحن سرعان ما نمارس كل واجباتنا ولا يمر وقت  سوى علينا وتنهار المدينة القوية أمام الفصل القادم ... ألخ " لندرك أننا أمام خاطرة تتزيا بزى المقالة الأدبية التي لا ترقى إلى مستوى البناء السردي .

نحن إذن أمام ملحوظات أساسية على طبيعة البناء السردي ووضعية السارد وأسلوب السرد نستكشف منها سقوط الأداة السردية في بعض أجزاء النص، كما هي في بعض النصوص، وفى المقابل من ذلك نجد ارتفاع نبرة الذاتية والوجدانية وهذا يفسر نقديا باشتباك المؤلفة بالساردة والاستيلاء على دورها في بعض الأجزاء النصية وهذا من شأنه أن ينقل مستوى النص برمته من المخيل السردي إلى مخيلات أخرى كالشعر والخاطرة .

 

******

إن دراسة مثل هذه النصوص تستوجب بالضرورة تذبذب الدارس بين اتجاهين أحدهما يتجه به صوب " سردية الشعر " والآخر صوب " شعرية السرد " وبين الاثنين فارق كبير، ففي الأول نحن أمام ذات شاعرة تفضي ببوحها وحالاتها ورؤاها وهى ذات حقيقية ترتبط مباشرة بتجربة شعرية لها أبعادها الذاتية والوجدانية . وفى الثانية نحن أمام ذات ساردة وهمية، وهى أداة يتوارى خلفها المؤلف، وربما ظهر المؤلف لصاحب ذوات ساردة متباينة ومتعددة يخترعها ليتوارى خلفها .

في الأولى نحن أمام شعر يوظف أبعادا سردية لغرض درامي، وفى الثانية نحن أمام سرد له جمالياته التي تمتاح من مجازات الشعر وأسلبته دون أن تتخلى عن أدواتها في الطريق .

أن الاشتباك القوى بين المؤلفة والساردة (الراوية) في النصوص واستخدام ضمير الأنا جعل من النص ساحة للسجال الشعري أحيانا ولعل هذا المدخل صالح تماما لدراسة اللغة في مجموعة عبير فوزي .. لقد أتت لغة عبير فوزي تتسم بالشفافية العالية وحساسيتها الجمالية بالعالم الداخلي الملتبس للأنثى في حركة موازية للعالم الخارجي والطبيعة، مقدمة من خلالها حسها العميق يجرح الحياة لشخوص قصصها اللاتي يغفو تاريخهن وينكسر في كل ما يقدمن عليه، في عالم مسيَّج بالصرامة والخوف الذي يرهن الشخصيات ويتحكم فيها . فتضمحل وجوديا مقابل نماء داخلها الذي يتجرد شخصية أخرى ترسم معالم حياة لا تقوى على اكتشاف كنهها إلا باللغة السابحة في حساسية شعرية فريدة تهيئ للسرد حيوا ته في فتوحات اللغة الشعرية، وتحرك اللغة السردية باتجاه أداء تشكيل جمالي ينضح شعريته، ينيره بشعاع شعري ينبثق من الأسلوب الذي يحرص على تكثيف المجاز وتحليقه وخلق جملة من الانزياحات اللغوية المؤهلة للتحليق في عوالم ذات المؤلفة إذ تحلق بذوات شخوصها وقد اشتبكا معا .

إن من يقرأ نص ( مجيء ) يدرك تماما أنه أمام قصيدة نثرية : " الانتظار وجع /لا يعرفه غير المحبين .. /  جمرة توقد الجسد .. / وترسل دخانها للاختناق / وأنا ... / احترقت حتى آخر قطرة في الكون / جئت الآن ؟! / تجدد حبك ؟! / تبغي إعادة ملامحي في ذاكرتك ؟! / أم أرهقك الفراغ ؟! / تأتى بعد غيبة طويلة .. / مستسلمة أنا فيها للاشتعال / أقدامك تخرج من بين الفصول، لم أنسك ... لا أتذكرك / هل صرت طيراً مهاجراً حط على مكانه الموسمي؟! .... الخ " صــ 21 ولعل القاصة لم تنكر علينا مثل هذا الاعتبار إذ تقطِّع النص كتابيا بطريقة رأسية على هيئة الشعر .

ولعلها لم تنكر أيضا توجهها الشعري الذي يحتضن أبعاد ذاتية ووجدانية منذ السطور الأولى لمجموعاتها : " يا جسد اخرج ظلك على الأرض / ارسم لي قدمين .. يدين .. جزعا / ورأس .. لا تنسى أن يكون الرأس / محشوا بكل أنواع الصداع عندما يجوب الوطن القني بنتا / جنوبية / تسكن بقايا الشمس على بشرتها " صـ2. هكذا تتقوى الشعرية في لغة القص عند عبير فوزي بإقامة الحدائق الإبداعية للانزياحات التي تحقق انحرافا عن النثر، والمهيجة للتخيل الذي تحركه عبير فوزي بفنية مثيرة وهى تتحرك بخصوصيتها الإبداعية والفنية والفكرية، وهى تنشط لتعيد تركيب العالم حول الأنثى أو تضعه أو تموضعه  على نحو شعري، وهى أيضا توغل في دواخل شخوصها متلمسة المكان الحيوي للروح والجسد، تبنى بينهما وبين العالم موجات من الاعتراضات أو التوافقات أو التساؤلات والخطابات ليصبح السرد مجالا أو مكانا للتخيل الشعري بجانب أنه مكان مناسب للبوح والإفضاء والتذكُّرات والوصف، وتلك سمات شعرية في الأساس إذ يلج منها الشعراء إلى عوالمهم الشعرية .

إلى هذا الحد كان السرد استثناء في نصوص عبير فوزي ؟! أم أنه الولوج إلى عالم السرد كان من باب الشعر ؟ أم أنها النصوص التي تقع في المنطقة الوسط بين المتخيل السردي والمتخيل الشعري، أو لنقل المنطقة الوسطي بين شعرية النثر، والنثر الشعري  

  

عبدالجواد خفاجى

في 20 أبريل 2008 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ملحوظة : عبير فوزي قاصة مصرية من مواليد محافظة الوادي الجديد وقد صدرت مجموعتها موضوع الدراسة عن فرع ثقافة الوادي الجديد ( سلسلة إبداعات الواحة ) عام 2007 م 

________________________________________________

 

 

قراءة تحليلية في ديوان : " الصدى الضائع "

التفاصيل
كتب بواسطة: د. محمد الجاغوب
نشر بتاريخ: 28 مارس 2007
انشأ بتاريخ: 28 مارس 2007
الزيارات: 13

قراءة تحليلية في ديوان : " الصدى الضائع "

 

للشاعر : أحمد راشد المبارك

بقلم  د. محمد الجاغوب

 

 

           منذ اللحظة التي بدأتُ أُجيلُ فيها النظر في ديوان الشاعر أحمد راشد المبارك تبيّنتُ أنني أمام موهبة عظيمة، يتمتع صاحبها بشاعرية فذة، وشفافية عالية من الحس المرهف والموهبة الفطرية، وأنه تحرِّكه في كل قصائده عاطفة إنسانية صادقة ومتوقدة، لا يخالطها تكلفٌ ولا رياء، وأنه يمتلك كفاية وحِساً لغوياً، مكّناه من صوغ قصائده بعبارة رصينة وألفاظ منتقاة، في إطار الشعر العمودي والأوزان العروضية المعروفة، وإنْ كان يميل إلى شيء من التجديد من خلال التنويع في القافية أحياناً. وما قصائد هذا الديوان إلاّ دليل صادق على كل تلك الملَكات.

 

           إنّ المتأمل لهذا الديوان يستشفّ المحاور الرئيسة التي تناولها الشاعر في قصائده، وهي : الوجداني والإنساني والاجتماعي والوطني، وفوق ذلك محور الطبيعة الذي يتداخل مع المحاور السابقة ولا يمكن فصله عنها، فالمذهب الرومانسي يتجلّى بوضوح في العديد من قصائد الديوان، فالشاعر يحب الطبيعة النقية بكل عناصرها، يناجيها ويتغنى بها، ويُسبغ عليها من الصفات الإنسانية، فهي تشاركه أحاسيسه وشجونه، فالروض يُقلع عن التزيّن بالخضرة والشذى والماء والطير.

 

          وجئت إلى الروض النضير فراعَني          من الروض ذيّاك الأسى والتجهمُ

          فلا الزهر فوّاح ولا الروضُ ناضــرٌ         ولا الماء سَلسال ولا الطير مُغرَمُ 

          ولا أنــا ذيّـــاك الــــــذي تعــرفينــه          كأنـــيَ تمثــــالٌ مُضــــاع مُهــدّمُ  

                                                                                                    " قصيدة اعترافات "

           وفي بعض القصائد يجد الشاعر المبارك في الخروج إلى الطبيعة حلاً لبعض المشكلات الاجتماعية.

          في الروض من بغي الورى ملجأ              وفيــه للحــب مقــــــام رحيـــــب

                                                                                          " قصيدة من وحي الحرمان "                                                                                   

 

           وفي قصيدة " ليلة الميعاد " تصوير دقيق للطبيعة، حيث تقف عاشقة تنتظرُ حبيبَها، ولكنه لا يأتي، يبيّن فيها الشاعر خلجات النفس البشرية وقلقها، من خلال تخمين تلك العاشقة للأسباب التي حالت دون قدوم حبيبها.

 

           وشاعرنا كثيراً ما يرى جمال المحبوب في جمال الطبيعة، بل إنّ جمال الطبيعة بعضٌ مما فاضتْ به عينا المحبوبة.

          الشِعر ما يحوي حديثك رائعـــاً                 والسحــر مــا قـذفتْ بـه عيناكِ       

          وأرى خيالاً في الطبيعـة فاتنــاً                  فأحسّ في قلبـي دبيبَ خطـــاكِ  

          وأرى صفاءَ النهر بين ضفافـه                  فأحسّ في قلبــي جمــال صَفاكِ

                                                                                                      " قصيدة همسات "

           هكذا هي الطبيعة بعناصرها المختلفة موجودة في شعر شاعرنا، وتتمازج أطيافها مع طيف المرأة؛ فهو مُغرم بهما معاً، ويقارن بين جماليهما، ويبث شكواه لهما، وكثيراً ما تتدفق عواطفه قوية في المجال الوجداني عندما يصوّر خلجات المحب، ويتغنى بجمال المحبوب في نسيب رقيق، يظهر في قصائد: انتظار، من وحي الحرمان، اعترافات، حلم، نجوى، اذكريني، في الهيكل وهمسات.

      

           ومع ذلك، فشاعرنا أحمد المبارك إنسان قبل كل شيء، فهو يبدع في تصوير النفس البشرية بكل أبعادها ونوازعها وهواجسها وتجلياتها، فهو يتنقل بين التفاؤل والتشاؤم، فعندما يكون متفائلاً يرى الروضَ نضيراً والطيرَ مغرداً، والغصن غضاً والماء رقراقاً، وعندما يكون حزيناً تلفّه نزعة تشاؤمية، تجعله يضيق ذرعاً بهجر المحبوب، فيُحمِّله مسؤولية ما يعانيه من تباريح الهوى، وهذا ما يبدو في قصائد: أصداء النفس، كيف أسلو، إلى قلبي، صوفية الحب، أين تريد، أين أنّاته، حيث يستبد به القلق، وتنتابه نزعات متناقضة كثيراً ما تكتنف النفس البشرية، فهو يرى القيثارة صامتة، والأوتار والأنغام نائمة، وبِشَغف الإنسان بالبحث عن الحقيقة يتساءل عن قضية طالما شغلت بال الإنسان، وهي ما وراء الغيب، يقول في قصيدة " في المعترك ":

          يا من يزيحُ ستارَ الغيب عن بصري            لعلّ قلبي يرى تمثاله السامي

           لكنّ هذه الحقيقة - كما يقول - دونها سيل العرم. وهو في غمرة البحث عن الحبيب الغائب لم يَعُدْ يرى شيئاً جميلاً. وفي قصيدة " ضراعة " نجده يقول:          

          ماتت الأحلام في قلبي            وغابت خلفَ ظني

           وترافقه هذه النزعة التشاؤمية حين يوجّه خطابه إلى " ميّ " ويطلب إليها ألا تنخدع بالصِّبا والشباب، فوراءه شيب وهرم، وذبول وصمت وظلام . " قصيدة هذا الختام ".

 وفي قصيدة " ألحان اليأس " تهاوت أمانيه، ولم يتحقق له في حياته أربٌ ولا وطر. وفي قصيدة

 " أصداء نفس " يتحدث عن إحباط مشاريعه واغتيال طموحاته، ويصوّر المحبوبة على أنها كل شيء في حياته، وهي رمز مقدس لديه، إلا أنها برهنتْ له على أنها مجرد أنثى عادية.

          الآن أعرف في الغرام نهـــايتي        وعرفتُ في سوق الهوى إفلاسـي

          وتحققتْ فيك الظنونُ وطالمــــا        كــذّبتُ ظنـــي واتهــمتُ قيـاســي

          ورجعتِ أنثى في الحقيقة بعدما        قــد كـنــتِ عنـدي غايــة الأقـداسِ

 

           وفي المحور الاجتماعي يعْرف الشاعر المبارك تركيبة مجتمعه، وطبيعة الناس وهواجسهم، ويصور في بعض قصائده الأمراض الاجتماعية المتفشية بينهم، مثل: بغي الورى، وانطباع الذل في بعض النفوس، ويرى أنّ الطهارة من كل هذه الأدران تكمن في الخروج إلى الروض. وفي المحور ذاته يُحسن التعامل مع أبناء مجتمعه، فهو يشاركهم حياتهم، ويداعبهم في بعض قصائده، مثل: قصيــدة " الشنب " التي يصور فيها بعض العادات بروح الفكاهة والدعابة. وهو يحب أبناء مجتمعه، ويعز عليه فقدان أحدهم، وتجلى ذلك واضحاً في مراثيه للعديد منهم، وهو يقف وقفة وفاء لأناس اختطفتهم يد المنون، فنراه مذهولاً هو والآخرين، لا يملك غير الدموع وطلب الرحمة لهم، وهو في مراثيه يتدفق كالنهر، وكأنّ الموت يحرك كوامن نفسه؛ فتنهلّ دموعُه سخية سخينة، يظهر ذلك في رثائه لكل من الشيخ إبراهيم ، والشيخ العلامة عبد العزيز المبارك.  

 

           وللوطن في قلب الشاعر أحمد المبارك مساحة واسعة، فهو يحب وطنه العربي الكبير، ويصور المخاطر التي تتهدده، ففي قصيدة " شُلتْ يد البغي " تتجلى الروح القومية والعربية الأصيلة عند حديثه عن مصر والشام ودار السلام، ثم يذكر بعض الطامعين في هذا الوطن، مثل: " ديان " و" شارون " والفرس وبغاث الطير والرّخم، وهو يهرع إلى التاريخ يناجي القادسية، ويهيبُ بسعد بن أبي وقاص أن يعيد لنا قادسية جديدة، ثم يُحذر أبناء قومه من مغبة طلب العون من الباغي، فالباغي لا يفي بعهده، ولا يهمه إلا تأمين مصالحه، ويقول: إن هذا الباغي يعيث في أوطاننا سكراً وعربدة، وفوق ذلك ندفع له الثمن من أموالنا.

          وللأعــادي على الأوطــان عربدةٌ         والخمرُ من كرْمِنا والكأس والخَدمُ      

            ولو أنّ الشاعر أرّخ لقصيدته هذه لأضاف كثيراً من الإضاءات عليها، وعلى الجو الذي قيلت فيه، كما لا ينسى الشاعر هموم أمته في فلسطين وحريق المسجد الأقصى، ومعركة القسطل وبطلها الشهيد عبد القادر الحسيني، ويقف في مكة أمام الكعبة المشرفة وقفة حب وخشوع وتأمل، تدلل على عمق إيمانه.

    

           ثم يقارن مقارنة جميلة وحقيقية بين قطعتين عزيزتين من وطنه الكبير، وهما: دمشق الفيحاء والأحساء، وهذا دليل عمق انتمائه لأمته ووطنه العربي من المحيط إلى الخليج، يقول:

أدمشق يا أغلى قصيــدي          يا نغمة النهونــد في أوتار عودي

                      إنـــّــــي أتيـتـُك والشبـابُ           يجــــفّ فــــي أليــــاف عـــودي                                                                                                                                                                                                                                                                           فشعرتُ أني في روابــي          الشـــــــام أولـــــدُ مــِـنْ جـديـــــد

وطني شبيهكِ في الجمال          وفــــي الجــــلال وفـــي الخلـــود

                       لكنه الحظ التعيس مُنِي به         ومُنيــــــتِ بـــــالحظ السعيــــــــد

                       فمشيتِ في ركـــب الحياةْ         ومشيــــتُ فـــي ركـــب الجمـــود 

                                                                                   " من قصيدة بين دمشق والأحساء "

         

           وماذا بعد؟ هذا هو الشاعر أحمد راشد المبارك رحمه الله، شاعر مطبوع، أبرز ما يميزه عواطفه الإنسانية، وشفافيته وصدقه، وبُعْده عن النفاق، ونضجه الفني، وحسّه اللغوي، امتلك ناصية البيان والأوزان، فغردتْ على لسانه القصائد، كما تغرد الطيور في الفجر الجديد، وتضوعتْ منها المعاني السامية، كما يتضوع العبير من أكمام الزهر في الروض النضير.   

اللغة في ( دم القرنفل )

التفاصيل
كتب بواسطة: جمال خضير
نشر بتاريخ: 23 مارس 2007
انشأ بتاريخ: 23 مارس 2007
الزيارات: 10

 

 

    اللغة في ( دم القرنفل )

                                                            الباحث وناقد والصحفي

                                                              جمال خضير الجنابي

 

 

الأدب عميلة توصل مثل سائر أشكال التواصل الأخرى ولكنه  يختلف  من  حيث  أداة  التوصيل  التي   هي اللغة , واللغة مجموعة رموز تركب بصيغة للتعبير عن موقف محدد أو فكرة مخصصة أو شعور متميز .

وهكذا تكون اللغة بمثابة القناة التي تمر  منها الأفكار ولكن هذه القناة رغم اشتراك جميع إفراد الجماعة اللغوية في فهم عناصرها ومكوناتها , فان لكل واحد منا تجربته الخاصة مع هذه اللغة .

لقد لاحظ ( رولان بارت ) أن الاستعمال للغة مرهون باستعمالاتها السابقة ومن هنا يتأتي عدم دقة التعبير بالإضافة إلى فهمنا  لبعض الكلمات أنها مترادفة أو تتنزل في نفس المنزلة لكنها في الواقع تمثل درجات في الانزلاق عند الدلالة الأصلية .

ومن هنا يمكن الدخول إلى مجموعة الشاعر ( عادل الشرقي ) التي حملت عنوان ( دم القرنفل ) الصادرة عن منشورات وزارة الثقافة والإعلام والتي ضمت ثلاثة وعشرين نصا تنوعن بين ( الحب / والحرب / وأمرآة ).

يقول    ( ثامر خلف السوداني )   في كتابة ( وهج العنقاء ) (لا شك في إن  الشعر   فن   اللغة   كما  ذهب فاليرى  ,  ولكون   الشاعر  يشع ر بما  لا يشعر به غيره , فان ذلك الشعور سيكون   سببا   أساسيا   لجعله يقول ما لا يقوله غيره , لكن على الرغم من ذلك فأنه لم يعرف شاعر بما يفكر فيه أو  يشعر  به بل  بما يقوله ).

حيث يقول في قصيدة ( الحب ):

( كأنك ما كنت

ذاك الرفيق الرحيم

تبلل روحي

وتوسعني بالمودة والاتبهال

أقمت علي حصارك ..................) ص 11

رغم  بساطة  اللغة  المستخدمة  ,  في  هذه القصيدة لكنها تحمل معاني عميقة تنفث نحو القلب دون أي معوقات  ,  وهكذا  (  عادل  الشرقي )  يخترق  بكلماته شغاف  القلب  دون  أي  حواجز  ,   حيث  تأكد  ( نازك الملائكة  ) في كتابها ( ساسكلوجيا الشعر ومقالات أخرى ) (  ومن  الإشكالات   اللغوية  للشعر في عصرنا , إن طائفة من الشعراء يستعملون الكلمات القاموسية الغريبة في شعرهم فتجدهم ينظمون القصيدة ثم يشرحون معاني الألفاظ   فيها   بحواشي   يضيفونها   إلى الشعر ) ولكن ( الشرقي )  في جميع قصائده يستخدم اللغة المتداولة القريبة من اللغة اليومية حيث يقول في قصيدة ( سبعة مقاطع للبطولة ) :

( حين شد على صدره

عدة الحرب

ثم استوى فارسا

ودع الأهل والأصدقاء

وقال : لنا موعد قادم

حافل بالغناء ...................) ص 33

في هذه القصيدة قدم ( عادل الشرقي ) شعرا  حديثا  بما يحمله المصطلح من معنى حديثا في الموقف والرؤية واللغة  والأسلوب  والمعنى والصورة والموسيقى والرمز ,  حيث أستخدمه اللغة سهلة وأسلوب بسيط وموسيقى هادئة .

وإذا  كان الشعر المحدث يزيح الكلمات عن مكانها التقليدي , ويعيد ربط بعضها البعض لكي يعطي إمكاناتها  الثانوية مكان الصدارة كما يرى ( مالكولم براديري ) فأن ( عادل الشرقي ) يحاول استكناه أعماق اللغة ويقيم بين الألفاظ علاقات جديدة ويسعى إلى تحرير الطاقات  المكبوتة  للغة  ,  ليقدم لنا أنساقا لغوية وأسلوبية حديثة , فيها الجدة والطرافة والمفاجأة بعيدا عن الإشكال المطروقة والمستهلكة والمكرورة .

في قصيدة ( أرتحالات ) التي يقول فيها :

( من أطلق النار على قصائدي

وأشعل المكان ؟

من طرق الباب على سكينتي ؟

وأجج الإحزان ؟ ......................) ص 111

يقول ( د. مرشد الزبيدي) في كتابه ( بناء القصيدة الفني في النقد العربي القديم والمعاصر ) ( تعد اللغة واحدا 

من مكونات البناء الفني للقصيدة ولا يمكن الحديث عن العناصر والمكونات  من  دون أن  تحظى  لغة القصيدة  بالعناية الاولى من جهة المتحدث , فاللغة  هي    العنصر   الذي  تقوم  عليه  القصيدة , ويمكن   أن   نتصور ,  افتراضا ,  قصيدة تخلو  من الموضوع المفيد والصورة الموحية أو  الموسيقى التي تلائم الاذوراق

ولكن لا يمكن تصور قصيدة تخلو  من الألفاظ والتركيبات اللغوية ).

وإذا  كان  موضوعنا  يتعلق بالحداثة الشعرية ,  فلا بد من الإشارة إلى استخدام الشاعر المحدث الأوزان والصيغ الشعرية  الجديدة  مثل الشعر  الحر , والى استخدام الرموز والصور والاستعارات ,  بأسلوب خلق جديد , لا باحتواء الاستعارات السهلة , لأن الشعر لا يأخذ  لغته  وصوره  من   مصادر  المعرفة التقليدية فحسب , بل يستعين  بالمصادر العامية  والبدئية  كما  يرى (  مالكولم  برادبري و جيمس ما كفاركن ) في كتابه ( الحداثة ) وهذا ما نجده في قصيدة ( ربما ) حيث يقول :

 (  ربما تمشي  بي الأرض

إلى  ما  لا نهاية

ربما  أبلغ  عند  النوم

نفسي

فأغنيها  تراتيل البداية ...........) ص 139

 

 

 

 

       * * *

 

 

 

 

 

 

أساس الطائفية تقليد الأموات

التفاصيل
كتب بواسطة: جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
نشر بتاريخ: 20 مارس 2007
انشأ بتاريخ: 20 مارس 2007
الزيارات: 11

أساس الطائفية تقليد الأموات

مدخل: الوحدة مطلب:

 

قامت دعوة الإسلام أول ما قامت في مجتمع مكة المكرمة، وهي مدينة تجارية تعج بأصناف من الأجناس والطبقات، فكان فيها سكانها الأصليون من قريش وهم عرب سادة، وكان فيها العبيد من مختلف بلدان العالم المجاورة، منهم العرب والأفارقة والفرس، وكان فيهم الموالي المستجيرون بالعرب، يمارسون التجارة، ويدينون بالموالاة لطرف من القبائل العربيّة طلباً للحماية، فمن الناحية العرقية تجد في مكة العربي القرشي، والعربي غير القرشي، وتجد الرومي، وتجد الحبشي والفارسي والهندي، وغيرهم حتى وجدنا آثاراً لهم تذكر في أوائل الصحابة، منهم بلال وصهيب وسلمان، وقد كان قائد فرقة قارعي الطبول في المعسكر الإسلامي هنديّاً.

 

ثم تجد بين هؤلاء اختلافاً طبقياً، فمنهم التجار من ذوي الثراء، ومنهم المتاجرون الصغار، ومنهم العبيد العملة، ومنهم أصحاب المهن، والمشتغلون بالحماية؛ مجندون لحماية القوافل والشخصيات، ولم تكن ممارسة المهن مقتصرة على غير العرب، بل كان العرب القرشيون يمارسونها، فالتاريخ يذكر لنا أن العاص بن وائل، والد عمرو بن العاص، وهو قرشي، كان جزاراً وكان يُعرف " بجزار قريش".

 

عند ما انتقل الإسلام للمدينة المنورة، التقت على أرضها المباركة ثقافتان تمثلان تنوعاً حضريّاً، فالمهاجرون حتى العبيد منهم كانوا يعيشون في مجتمع مدني تجاري، أكثر تمدناً من مجتمع " يثرب "، التي كانت تجمعاً للفلاحين المشتغلين بالزراعة وتجارة المحاصيل المحلية، فكانت ثقافة أهل المدينة زراعية، عملا وسكنًا ولباسًا وطعامًا ، ولهم عادات الفلاحين، فلم تكن لبيوتهم كنائف يقضون فيها حاجاتهم، وإنما كانوا يخرجون لأماكن عامة مخصصة لذلك، منها ما هو للرجال ومنها ما هو للنساء، ولم تكن عندهم عادات النظافة والاغتسال التي عند المكيين، فكانوا يحضرون الصلاة بغير غسل مما يثير في المسجد روائح العرق، وكان طعامهم أبسط وأقل تمدناً من أطعمة مكة، وحتى عاداتهم الجنسيّة في المعاشرة كانت بسيطة، على عكس المكيين الذين كانوا يمارسون الجنس بطرائق متنوعة، وكل هذا أحدث بين المهاجرين والأنصار بعض الاحتكاكات اليومية، كان الدين يقوم بحلها عبر التوجيهات النبوية والقرآنية، كما جاء في أسباب تشريع الأغسال، وكما نزل في وصف العلاقة الزوجية في الجنس، وكما ورد من خبر عائشة عن حديث الإفك.

 

إذاً فدواعي الفرقة والاختلاف بين المسلمين في بداية الدعوة كانت كثيرة ومتنوعة، عرقية وطبقية وحضرية وثقافية، ولكن الإسلام كان حريصاً على ترسيخ الوحدة بين المسلمين فوق كل الاختلافات الخلقية والخلقية، المدنية والثقافية، فكان نداؤه فيهم (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران: 103)، فالوحدة بين المسلمين مطلب حاكم يعلو على أيّ مكون خاص لفئة من المسلمين، مهما كان هذا المكون، ولا يجوز أن يشق عصا الوحدة إتباعاً لعنصر من عناصر التفريق والتمييز، صحيحاً كان هذا العنصر أو خاطئاً، طبيعيّاً أو مفتعلاً، وسواءً كان طبقياً أو عرقياً أو ثقافياً أو فكرياً، فكل أنواع التنوع الصحيح والطبيعي والعفوي، هي تحت سقف الوحدة، أو كما يقال التنوع ضمن الوحدة، وإلاّ فهي خطوة شيطانية نحو الفرقة والاختلاف كائناً من كان قائدها، وعى ذلك أم لم يعه، فالوحدة مطلب حاكم، يجل عن يعلوه أحذٌ بسبب أو علة.

و حتى لو كان يعتقد أن الأمة فارقت التوحيد، فإن اعتقاده هذا، لا يسمح له بالخروج عن وحدة الأمة والانتماء إليها، بتكفيرها وبالخروج عنها أو عليها، فحدود الاختلاف والتنوع تظل محتملة مادامت تحت سقف الوحدة والاعتصام بحبل الله، فإن انشقت على ذلك فهي خروج إلى وادي الشيطان.

 

الطائفية ارتهان للأموات:

لو تأملت في الطائفية التي يراد لها أن تكون عامل شق لوحدة المسلمين، لو جدتها تقوم على أساس ثقافي خاطئ، عمدته تقديس الأولين من صالحي الأموات وعلمائهم ومفكريهم، فكل طوائف القرن الخامس عشر الهجري، هي مرتهنة بمذاهب وآراء لرجال في القرون الثلاثة الأولى للهجرة النبوية، تابع فيها الخلف ما رسمه السلف لأنفسهم وزمانهم، فكان خلفهم من المسلمين يجرّون لأنفسهم ذلك الزمان، أينما مضوا وحلوا في الزمان والمكان وإلى اليوم، قد تختفي لفظاً أو تتبدل ولكنها في الجوهر لا تزال هي هي، فالمذاهب الكلامية من أشاعرة ومعتزلة وأصحاب الأمر بين الأمرين، والمذاهب الفقهية من حنابلة ومالكية وغيرها، والمذاهب الشاملة من سنة وشيعة وخوارج وزيديه وإسماعيلية، وأصحاب الطرق الصوفية، وسائر ما عند المسلمين اليوم من كامن الفكر ومعلنه، متوار في الكتب أو معلن على الألسن، إنما بدأ وتكون في القرون الثلاثة الأولى، ثم توقف المسلمون عليه ورهنوا حياتهم به جيلاً على أثر جيل، يبالغ بعضهم في ذلك حتى يرى أنه لو خالف السلف في شيء لضل عن الهدى، ويتخفف بعضهم فيه ليسمح لنفسه بمخالفة السلف في آرائهم، ظاناً بذلك أنه قد خرج عن إسارهم، ولكنه في الواقع صار نسخة جديدة ضمن موروث قديم، فقد يكون شافعياً جديداً أو ابن حنبل جديداً أو مالكياً جديداً أو غيره من عظماء الماضين، ولكنه يظل جنينا من القرن الثاني ولد في القرن الخامس عشر، يحكمه ما كان يحكمهم من أصول ومساند وتعيينات ومسلمات لا يخرج عنها، إن المسلمين المحافظين في الحقيقة نسخ مشوهة أو منقحة للقرون الثلاثة تسير في فقاعتها عبر مراحل الزمن.

 

في تلك القرون الأولى التي تستنسخها الأمة إلى اليوم، واجه رجالها وعلماؤها ومفكروها موجة معارضة من محافظي السلف، حيث كانوا يريدون إلزامهم بما سمعوه وروه عن التابعين والصحابة الأولين، فكانت هناك مساجلات بينهم وبين سلفيي زمانهم، يدافع هؤلاء فيها عن حقهم في الخروج عما التزم به الصحابة والتابعون من أهل القرن الأول، ويهاجمهم الفريق الثاني على خروجهم هذا عنهم، وادعائهم أنهم أعلم من السلف، الأمر الذي لا يزال بعض المتشددين المغالين في السلفية يرفضون فيه كلَّ الفكر الذي أنتجه المسلمون في نهضتهم الكبرى في القرن الثالث والرابع ويعتبرونه خروجاً عن سمت التابعين.

 

وكان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود سلفياً محافظاً، فمع أنه من أهل القرن الأول إلاّ أنه كان يتشدد في الاقتداء بالأحياء من الصحابة، ولعل استمالة السلطات لهم وإقبال بعضهم على الدنيا والتجارة ورغد العيش هو ما دفعه لهذا التشدد، فقد روى عنه أنه كان يقول في الاستنان بالصحابة " من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد (ص) كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم1 "  

 

وعنه أيضاً روى قول رسول الله (ص) " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم2" وروى عنه قوله " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد (ص) خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد (ص) فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون ( الصحابة ) حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ 3"

 

وكان المتمسكون بالإتباع دون " الابتداع "، يرفضون علماء الكلام وعلم الكلام، ويصرون على أن الصحابة والتابعين كانوا أعلم بالله منهم، حيث كان كلامهم قليل العبارة كثير البركة، على عكس كلام علماء الكلام، كثير العبارة قليل البركة، كما عبر عن هذا المعنى صاحب العقيدة الطحاوية، وشارحها الشيخ الدكتور سفر الحوالي، فكان المتشددون من السلف منذ القرن الأول يرفضون الخروج عن سمت أهل ذلك القرن، ولكن رجال زمانهم قد خالفوهم في ذلك فكانت الثمار المذهبية والثقافية التي ازدهرت في القرنين الثاني والثالث ووراءهما القرن الرابع، هذه التي نتوارثها نحن اليوم ونأبى الخروج عليها، كما خرجوا هم عن صالحي سابقيهم من الصحابة والتابعين.

يتمسك السلفيون بضرورة التمسك بإتباع نهج الصالحين من السلف، وبضرورة عدم الخروج عن سمتهم وأخلاقهم وفكرهم وسلوكهم، ويتشدد البعض فيبلغ في ذلك حد لبس ما لبسوا وأكل ما أكلوا، والتسمي بأسمائهم، والتزيي بزيهم والتداوي بدوائهم، معللاً ذلك بأنهم خير القرون، ولعمرك إن كان مراد الحديث الإخبار بحقيقة كائنة فيهم فإن التشبه بهم لن يلغي هذه الحقيقة فقد مضى بها أهلها وسيظلون هم خير القرون، والحق أن الأمر ليس كذلك، فلم يكونوا خير القرون لأنهم قد لبسوا أو شربوا أو تحدثوا وفق أنماط محددة، بل لأنهم كانوا نعم المؤمنين العاملين في سبيل قضيتهم التي كلفوا بها، والقرون التي لحقتهم قد تخلت تدريجياً عن حمل القضية، وخير قرنٍ يأتي بعدهم ليس أبناءهم، بل قوم آخرون في آخر الزمان يبدأ بهم الإسلام من جديد، لأنهم يحملون رسالته وقضيته كما حملها الأولون إيماناً وصدقاً، فليس عبثاً أن يثبت الحديث حرف "ثم " الذي يفيد الاسترخاء، وهو هنا استرخاء طويل مدته.

 

إن خيرية القرن الأول والقرن الأخير ليست عائدة لثقافة وفكر وسلوك ينبغي التمسك بحذافيره، وإنما لمجموعة القيم الطيبة الحاكمة لهذه التفاصيل، وإلاّ فإن آخر القرون سيختلف فكراً ومنهجاً وسلوكاً بما لا يقارن بالقرن الأول، فهو قرن القمة في العلوم والتكنولوجيا والأخلاق والروحانية العالية، ولكنهما كقرنين حملا لواء هداية الناس والدفاع عن المنهاج الرباني في الرسالة الخاتمة فنالا شرف خير القرون.

 

البدعة في الدين:

    لقد ولع المذهبيون من المتمسكين بإتباع الآباء بتبديع مخالفيهم في الرأي، فنسبوا كل رأي مخالف للنصوص في فهمهم، أو لقول الأسلاف، إلى الابتداع في الدين وبالتالي فهو ضلالة، ومن ثم فإن الهدى يكون حتما في الإتباع للسلف، هذا سيف تراه يقطع يمنة ويسرة فيكفّر ويفسّق كلُّ رأي مخالف، وهذه كتب قد بثت فيها دعاوى التبديع لأجل كل خلاف عقيدي أو فقهي، فهل الاختلاف في فهم النصوص أو قبولها أو ردها هو البدعة في الدين؟ وهل ينبغي النظر لكل جديد على أنه بدعة محرمة؟

 

إن سيف البدعة قد سل ضد كل رأي مخالف، وشُحذ ضد كل رأي جديد، فأهل التجديد رقابهم مقطوعة به، لا يكادون يقولون قولاً مخالفاً للسلف حتى تعلن فيهم محاكم التفتيش أحكامها بالهرطقة والابتداع، وليس الأمر إلاّ لأنهم قد خالفوا الموروث، وقالوا ما لم يقله أحد الأسلاف، سواءً في فهم نص أو قبوله أورده، فالسلفية تحفظ حريمها بمحاربة كل جديد، وأول ما يقال في الجديد أنه بدعة محدثة فهو ضلالة، وشر الأمور محدثاتها، يريدون بالمحدث كل جديد، يتساوى في عقلهم الحديث مع الخطأ والضلال، وكأنهم يكابرون مضاديهم من أهل الحداثة، الذين بالغوا فيها فجعلوها مساوية لكل تقدم وصواب، فكأنما تقدم الآراء أو تأخرها زماناً يلزم منه صوابها أو خطؤها، ضلالها أو هداها، وكلا الحالين ضلالة وخروج عن التفكير العلمي، الذي لا يعرف دليلاً على الحق إلاّ موافقة الحق والواقع في نفسه.

 

إن فهم البدع والمحدثات بأنها كل أمر خالف المروي المقبول عند علماء الأمة من السلف والخلف، هو نفق يقود نحو الجمود وعبادة الأسلاف، والتمسك بحذافير غير كتاب الله هو انحراف عن الجادة ، فلا كتاب في الدين قطعي الصدور ملزم سوى كتاب الله، أما السنة فهي ظنية الصدور، وأما الدلالة فهي تظل في كل الأحوال ظنية، وواجب المكلفين النظر في دلالتها بحسب اجتهادهم وسعة قدرتهم، ومن هنا ليس هناك نص في الدين يتمتع بالحجيّة الدائمة كنص قطعي الصدور عن الله ورسوله سوى القرآن، ومادام الأمر كذلك فكل فهم يقوم على البرهان في فهم كتاب الله، وفي قبول أورد نص من السنة أو في فهمه فهو شرعة مفتوحة في الدين، وأما أفهام العلماء وآراؤهم فآراء رجال تصيب وتخطئ، تحيا وتموت.

 

إن مشايخ الدين قد أسرفوا في تبديع كل مخالف لمذاهبهم في جزئيات أحكام الشرع وتفاصيل العقائد، ولكنهم سوّغوا و شرَّعوا أكبر البدع في السياسة المخالفة للدين والسيرة النبوية، ومن أعظمها إحقاقهم لبيعة سلاطين الغلبة بالظلم والعدوان، وإقرارهم لتولي الخلفاء بالتوريث، وهي أعظم بدعة أموية لا زالت قائمة في الأمة إلى اليوم، فلم يكتف المشايخ فيها حتى جعلوها بيعة شرعية أوجبوها على المسلمين، وشرعوا معها كل أثرة في حقوق الناس، وألزموهم للطغيان بالسمع والطاعة، وأمروهم بأداء حقوق الطواغيت وأهل الأثرة، ثم التوجه لله بالدعاء أن يلين قلوب الذئاب لترد عليهم حقوقهم، هكذا، ثم يتشدقون بمنع البدع!.

 

ينبغي التمييز في شأن البدع بين حالين كما صرح بذلك العلماء، فإذا كانت البدعة هي ما كان مخترعاً على غير مثال، أو إحداث ما لم يكن في عهد النبي (ص) ثم تجدد بعده  فهي بهذا المعنى لا تكون محرمة إلاّ إذا كان ما أحدث محرماً مخالفاً لقواعد الدين وأصوله، ولقد قسمها العلامة الحلي بحسب حالها إلى خمسة أقسام موافقة لحال الأحكام الشرعية فقال " والطريق إلى ذلك أن تعرض البدعة على قول الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة كالاشتغال بعلوم العربية ( لطالب الشريعة )، أو في قواعد التحريم فمحرمة، أو في الندب فمندوبة كإحداث المدارس، أو الكراهة فمكروهة كزخرفة المساجد، أو الإباحة فمباحة كالتوسع في اللذيذ من المآكل والملابس والمسكن، وتوسيع الأكمام ونحوها " [1].

 وأما الحُمس الذين يريدون التمسك بحرمة كل ما لم يكن على عهد رسول الله فإنهم مكابرون إذ لا شيء اليوم مما كان على عهد رسول الله (ص).

 وأما إذا أريد بها خصوص المعنى الاصطلاحي وهو " الزيادة في الدين أو النقصان منه " أو " أحداث في الدين ما ليس منه "، أو خصوص القسم المحرم فهذا لا نقاش في كبراه، وإنما النقاش في الصغرى، فلا ينبغي تبديع كل رأي مخالف بدعوى أنه إحداث في الدين أو زيادة فيه، لأجل أن يسوغ اتهامه بالبدعة المحرمة،  إلاّ أن يخالف قيم الدين ومقاصده من قبح الظلم وسوء عاقبة الفواحش، وحرمة هدر حقوق الناس، إلى سائر القيم الجامعة لكل المسلمين، ليظل كل مجتهد تحت مظلة سقفها دون أن تقفز بنا الاجتهادات إلى خارج منظومة القيم، كما فعل بالأمة من شرعوا البيعة المزيفة والشورى المزيفة فصادروا حقوق الأمة السياسية، فمن خرج عن قيم الدين ومقاصده فهو المبتدع، وأما من جاء برأي جديد ضمن منظومة القيم الفاضلة فهو اجتهاد محمود ولو خالف كل الأسلاف والصالحين، سواء أصاب أم أخطأ، إذ لا خطر على الأمة من الأخطاء التي تظل تحت سقف القيم والمقاصد الشريفة.

 

لقد انشغل مشايخ الدين بالثمرة وضيعوا الشجرة، فتبادعوا في أحكام الفروع وتساهلوا في الحقوق العامة التي بدأت في تبديلها وإهدارها الدولة الأموية فألغت البيعة والشورى، ورفضت حق الاعتراض والمعارضة، فكان كل مخالف عندهم صاحب فتنة، وأثبتت الأنساب بالسياسة، واستباحت الدماء والأعراض بها، وفتحت باب الانقلاب على الحكومة المنتخبة، واستباحت أقدس الأماكن المقدسة بحجة محاربة الخارجين على النظام، واستباحت حرمات المسلمين عبر الغارات العسكرية التي تستهدف المدنيين الآمنين، واستحلت سلبهم وهتكهم بدعوى إزعاج الخصوم، إلى ما سوى ذلك من الفظائع التي لم تمنع رجال الدين من الإقرار لمعاوية بصحة الخلافة، وبدع دولته إلى اليوم سنن في الإسلام والمسلمين، يدافع عنها عشاق السلف (الصالح )، ولا عجب فليس هناك سلف غير صالح إلاّ من عارض أمثال هذه البدع الخطيرة، وقد صدق الرسول (ص) حين قال كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً... كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف فلعن الله التعصب الذي جعلنا جميعاً نبيض الأسود ونسود الأبيض دون تأنيب من ضمير.

 

إن اتخاذ السلفية منهجاً في معرفة الحق والباطل – وهو ما عليه كافة المسلمين اليوم -  هو في نفسه طريق باطل، يخالف صريح القرآن الكريم الذي بكّت على من قالوا أنهم ألفوا آباءهم على ملة فهم على آثارهم يهتدون، فالقرآن يرفض أصل اتخاذ هذا المنهاج منهاجاً، فليس هناك من وجه لقبول هذا المنطق، إذ لا دليل على صحة آلية إتباع الآباء في الاهتداء للحق،  فأصل هذا المنهاج هو مجرد وهم، وهو لا يقوم على منطق سليم، لا لأجل أن الآباء ضالون فهذا إن حدث فإنما يزيد الطين بلة، بل لأن التقليد في حد ذاته لا يصلح سبيلاً للعلم ومعرفة الحق، فهو فاسد وإن أصاب.

 وقد رفضه كل العلماء سبيلا في معرفة الحق، وأوجبوا على كل مكلف أن ينظر بنفسه في عقيدته ويحدد موقفه، ولم يجيزوا التقليد إلاّ للعوام، وفي تفاصيل فروع الأحكام، حيث لا تتيسر معرفتها لكل أحد، فالدين نفسه يثبت فساد منهاج التقليد في أخذ الدين وعلوم العقيدة والقيم الدينية، وإن كان كل أهل الدين إنما يتبعون عملياً ما ألفوا عليه آباءهم فهم على آثارهم مقتدون.

 لقد بات لكل مذهب منبع، منه يجري نهره ( بالعلماء ) فالأزهر منبع يجري منه صنف من العلماء يحافظون على مذهب أو مذاهب محددة من السلف، ومكة والمدينة منبع يجري منه سيل من (العلماء) يحافظون على منهج معين من مناهج السلف، والنجف وقم منبع لنهر من (العلماء) يحافظون على مذهب من مذاهب السلف، وهكذا لكل مذهب وفرقة منبعه في عمان واليمن والهند وغيرها، يتداولون بالتصحيح والإسناد إرثهم الذي ورثوه جيلاً بعد جيل، ما يعبدون إلاّ كما يعبد آباؤهم، ثم يدَّعون أنهم علماء، مع أنهم كلهم مقلدون لرسوم أسلافهم يجتهدون - إن اجتهدوا- ضمن حوزتهم المنيعة، ويعتبرون الخروج من صندوقها خروجاً إلى ميادين الضلال.

 

إن اتخاذ إتباع السلف منهجا في التفكير باطل، وإن كان هذا السلف صالحاً، فصلاحه في نفسه لا يعني صلاحه لمن بعده، إذ لكل جيل ما يصلحه وما يصلح له، واقتحام السلف حياة الخلف جمود للخلف وإهانة للسلف، حيث مع الأيام يغدوا ما اعتادوه من عوائد في الدين غير متوائم مع الحياة، فالسلف الصالح كالميت، كرامته في تعجيل دفنه، والاحتفاظ بذكراه وجميل محاسنه وقيمه.

 

إننا لا نريد أن نقول بأن الحياة تسير نحو التقدم في خط مستقيم كما يزعم التقدميون، زاعمين أن كل لاحق لا بد وأن يكون أفضل من السابق بضرورة التقدم الزمني، وبالتالي فالسلفية رجعية وكل رجعية تخلف، كلا وإنما من الواضح أنه لا علاقة للسلفية بالصحة والخطأ، ولا بالهدى والضلال، فما أكثر الضلال في الأسلاف وما أكثر الهدى عندهم، فللهدى والضلال قواعد عقلانية وأحكام علمية إذا ثبتت للأمر كان الحكم عليه.

 هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لابد من الوقوف بروية حول الطبيعة التراكمية للفكر وبالتالي الطبيعية النسبية لتجليات الحقائق، فالحقائق الإنسانية هي دائماً نسبيّة لا بمعنى أنها تتحول من الحق إلى الباطل كما يزعمون، فيرجفون بأن ما كان يوماً يمثل الحق يعود مع الزمان باطلاً، لأنه لا حقيقة خارج العقل أو اللغة موضوع السجال الطويل في الفلسفة الغربية، ولكن الحق أيضاً أنه لا يوجد وقت تكتمل فيه تجليات الحقائق، وأن كل ما نحيط به في حياتنا مهما سمى، هو إحاطة منقوص ، فبهذا المعنى نحن لا ندرك من الحقيقة أيّاً كانت إلاّ الطبقات التي تمكنا من اكتشافها ومعرفتها، وأما هي فأشبه أحياناً بالبصلة اللانهائية، كلما كشفنا طبقة ظهرت لنا طبقة أخرى من تحتها، أو أشبه بمسار لا ينتهي ولا ينفك يريك جديداً ويُبلى جديداً، حتى أنه يمكن أن يقال أن كل جيل لا يدرك من العلم إلاّ قليلاً قياسا للعلم الممكن في الأشياء، وإنه لم يعرف حقيقة ذلك الشيء إلا بمقدار، وأن مفهوم الشيء قد تبدل بتراكم أسراره، خذ مثلاً على ذلك الخلية الحية أو الذرة، فعلى ما كان يبدو من بساطة تركيبها وسذاجته عند أول المكتشفين، فهي لا تزال تراكم من العلوم والأسرار ما أقنع العلماء بأن الأسرار لانهاية لها، ولا يقتصر الأمر على الماديات، بل هو في كل الأشياء وكل الأمور، فلا يوجد في الوجود أو في العلوم موضع لا يمكن النبش فيه عن أسرار جديدة، فالعلوم لا نهائية.

 

إن هذا الأمر ناتج من طبيعة علم الله سبحانه فهو لانهائي، فعلم الله في كل شيء ليس له نهاية، وما يحيط به الإنسان بالتالي لانهاية له بحسب المشيئة الإلهية، وقد رمز القرآن لهذه اللانهائية بمثال جميل فقال (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (الكهف:109) وقال ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان:27) هذه الصورة الرمزية تكشف لنا عن لانهائية علم الله وبالتالي لانهائية علم البشر، لأنهم إنما يحيطون من علمه بما شاء لهم. فكل حقيقة يدركها الإنسان هي دائماً قابلة للزيادة والتراكم والإضافة إلى حدٍ يمكن أن يقال للحال السابقة عليه أنها كانت مجرد جهل طفولي.

 

هذه الحقيقة تتجلى في تتابع الرسل والكتب السماوية، وتتجلى في الأمر القرآني بالبحث والسير والتدبر والاستدلال، وتتجلى بمغريات الأسرار التي لمح لها القرآن داعياً لاكتشافها، كمثل سير الجبال التي تُرى جامدة، وكيفية بدء الخلق، وحتى في مجال الحكم القضائي ضرب مثلاً لتطور فهم سليمان عليه السلام عن فهم داوود عليه السلام، لما حكم في غنم القوم التي نفشت في زرع قوم آخرين1، فقضاء داوود كان هو الحكم الشرعي قبل أن يدلي سليمان بحكمه، ثم لما تكلم وتبين الحق في كلامه فهم داوود أن نطق ابنه هو تطور وتجديد سماوي للشرع جاء على لسان ابنه سليمان، وهكذا الأمور تتطور وتتجدد، ولكل حكم شرعي مناط فإن كان صالحاً لتحقيقه وإلاّ فقد انقضى زمانه مفسحاً لما هو أصلح منه، وهناك أمر قرآني عام بإتباع ما هو أحسن، والأخذ بما هو أحسن وقول ما هو أحسن2، وأحسن فعل تفضيل وهكذا كل الأمور متفاضلة، فمهما اكتشف الأحياء وجهاً هو أحسن مما وجدوا عليه آباءهم فالواجب أن ينتقلوا إليه، لا بل الواجب أن يبحثوا عنه قبل أن يجدوه لأنه دائماً موجود.

 

إن تطور العلوم الإنسانية يسمح بتطور الأحكام الشرعية، لأنها تخاطبه على قدر عقله، فلو كان مجتمع داوود وسليمان حين الحكم في قضية نفش الغنم في الزرع قد عرفوا التبادل بالعملة المسكوكة، لأمكن للشرع أن يحكم بالتعويض المادي، الذي هو يمثل العدل وسهولة الحكم في آن واحد، لا بل لو أن مجتمعهم قد بلغ من التطور بحيث يصبح المشتغل بالماشية غير قادر على تدبير الاشتغال بالزرع ولا العكس كما هو حال المجتمعات المتطورة اليوم، حيث لكل أمر منهما خبرات معقدة تخصه، لو كان الأمر كذلك لكان حكم سليمان فاسدا وضارا بأهل الضرع والزرع معا، ولكن الأمور كانت بسيطة يومها.

إن الحكم الشرعي هو موقف من حركة الواقع، والواقع لا تنتهي سيرورته، ولا تتحد مظاهره في كل بقعة وصقع، ولهذا فمن البديهي أن نقبل بتغيير الحكم الشرعي متى ما تغير الحال الموضوعي الذي برره.بل قد يموت الحكم الشرعي بموت واقعه الذي كان، فمثلا كان يستحب غسل اليدين (الكفين) ثلاثا قبل إدخالها الإناء بقصد أخذ ماء الوضوء، ويومها كان هذا الحكم مفعّلا على نطاق واسع بفعل طبيعة مصادر المياه وطبيعة احتجازها بالأواني، أما مع نظم التصريف الحديثة التي تسمح بالأخذ من الماء عبر الصنابير من غير إدخال فلا مبرر لبقاء الغسلات الثلاث المستحبة.

وفي مجال غنائم الحرب كان المجاهدون يعتمدون على جهازهم الشخصي أو الذي أعانهم عليه المجاهدون بأموالهم، فمن الطبيعي أن يستحقوا أربعة أخماس الغنيمة، أما في الجيوش الحديثة فلا معنى  لتوزيع غنائم الحرب على المقاتلين والدولة تنفق عليهم وعلى أسلحتهم في زمن السلم، ثم كيف تقسم الدبابات والصواريخ والطائرات والرادارات على المقاتلين؟ لا شك أن تبدل الحال يسمح بتبدل المقال.

وخذ على ذلك مثلا واضحا في ذهاب نظام العبودية، فلا شك أن من واجب الدين اليوم أن يؤمن بحرمة العودة لمثل هذا النظام الذي أشار هو نفسه منذ أول يوم إلى شذوذه وكراهيته وانحرافه عن الطريقة السواء. وهذا يلغي من الشريعة قسما كاملا كان يخصص لأحكام العبيد والإماء والمولدين وأمهات الأولاد، من نواح متعددة في حقوقهم وعقوباتهم وميراثهم وغير ذلك. كذلك يمكن اليوم إعادة القول في حكم صلاة المسافر لما تبدلت طبيعة السفر، وفي حكم سفر المرأة والصبي وحدهما.

إن الشرع كان حركة في الواقع وكذلك ينبغي أن يظل، واتهام التجديد بالبدعية يحبس الدين والمجتمع عن المواكبة ومن ثم يوقعه في التخلف، لأن الواقع لن يقف لنا. ولقد وصف الله سبحانه عباده الحق بأنهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعزى ذلك لاتصافهم بأولي الألباب أي الذين لهم عقول تأخذ بلب الأشياء ولا تنخدع بقشورها، فإن الأقوال تتفاوت في الحسن والمؤمنون مطالبون بالتحول من كل حسن لما هو أحسن، وهي حركة سيرورة لن تتوقف حتى يرث الله الأرض.

 

إن القضاء الشرعي الديني إلى اليوم ليس له من الأدلة الشرعية إلاّ وسيلتان متوفرتان وهما البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، ولو قرأت كتاب القضاء لوجدته معتمداً على مثل هاتين الأداتين اعتماداً كاملاً، والبينة فيه لا تتعدى الشهود، لم تتطور على ذلك كل هذه الدهور، لماذا؟ لأن السلف ظل يقدس أدوات السلف حتى صار الشهود هم البينة،على الرغم من أنها واقعًا من أضعف الدلالات في القطع بالحق، ولهذا لجأ الدين للتهديد باليمين، وعزز ذلك بتهويل آثار اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، ولو أن المسلمين أسقطوا حرمة دلالة شهادة الشهود في معرفة الحق، وناقشوها بموضوعية لا تهتز أمام الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي لم تأمر بالشهادة إلا لكونها الأمر المتيسر وقتها، لا لأنها الدليل الذي لا يعلى عليه، لأمكن لهم أن يطورا البينة إلى كل ما عرفه سواهم في العالم من أدلة الجنايات التي هي اليوم تخصص بحاله. ولكن تقديس الأسلاف مقبرة الأحياء. لقد كان الدين دائماً هو من يقود الإنسان نحو التقدم ولكنه اليوم بفعل التمسك بما كان عليه الآباء الأموات صار يعير بالجهل والتخلف.

ما جعلت الشريعة إلا لتواكب قضايا الناس، فمتى ما تغيرت موضوعاتها وجب أن يتغير حكمها، مسترشدين في ذلك بقيم الدين ومقاصده، مستعينين في تشخيص المصالح والمفاسد بعلم الإحصاء، والذي هو أداة محايدة ، فمهما ثبت بالإحصاء أن تشريعا ما بات قاصرا عن أداء المصلحة المتوخاة منه، أو أن مفسدة قد نتجت عن تشريع منها وجب التحول لما هو أحسن، بغض النظر عن موافقته للسلف أو مخالفته لهم، بل وبغض النظر عن كونه موافقا للرواية أو مخالفا لها، فالرواية إنما أرادت إن صحت مداواة أدواء زمانها، فالدين له قيم و أصول جامعة لا يخشى عليه بعد ثباتها من تبدل التفاصيل،فسيظل المسلمون مسلمين، عددوا الزوجات أم أفردوها، تزوجوا المتعة أم حرموها...

إن أعظم ما ينبغي علينا، أن نسقط قدسية كل فكرة، فنجعلها قابلة للنقاش والبحث والتطوير، مهما بدا أنها الغاية ولا شيء وراءها، لأنه حتمًا هناك شيء وراءها، فالعلم ما لم يكن ضارًا بالناس فهو محمود، فالهلال يثبت بشهادة الشهود بالأمس، ولكنه يثبت بالحساب اليوم، والولد للفراش وللعاهر الحجر بالأمس ولكنه يثبت بالفحص الجيني اليوم، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله بالأمس، ولكنه يمكن تحديد الأجنة اليوم، كل شيء سيظل قابلا للتغيير ما دام الله سبحانه الذي كل يوم هو في شأن يزيد في إحاطة الإنسان من علمه بما شاء، ولأن علمه سبحانه لا حد له فينبغي على المسلمين أن يتجرؤوا في البحث دون خوف من أو على أي مقدس.

 

اليوم ليس المعروفون اصطلاحاً بأهل السلف هم السلفيون فقط، بل الأمة كلها سلفية، تمسك كل فريق بغصن من أغصان القرون الأولى وظل عليه يرعاه ويحميه ويسقيه وينميه، ويكاثر فيه الأعداد بتوالد الأولاد بعد الأولاد حتى تحول الرأي أو المذهب إلى طائفة من المسلمين تتبعه وتأخذ بمذهبه، ومع أنه لا يقول أحذٌ بعصمة هؤلاء، بل ولا بعصمة الصحابة، إلاّ أن أحدًا لا يجرؤ على الخروج على ما رسموه، بعد ما تقدس في النفوس وصار ديناً، بعد ما كان مجرد رأي لإنسان من صالحي المسلمين أو مفكريهم.

 

ليست السنة وحدها سلفية، بل كل المسلمين اليوم سلفيون، والفارق الذي كان بينهم يوم بدءوا لازال على حاله إلى حيث انتهوا، فقد طويت الأقلام وجفت الصحف، وعقمت الأمة، شيعة أهل البيت هم سلفيون بامتياز أيضاً، ينقلون ما روي عن أئمتهم في القرون الثلاثة الأولى ويتوارثونه، ويتحركون فكراً وعلماً وإنتاجًا في حدود ما عقلوه منه، بل قد وجد فيهم من المتشددين في السلفية كما وجد في السنة، فالمعروفون بالإخبارية يتحرجون في القول في معنى الآيات القرآنية بشيء لم يرد فيه نصّ عن الأئمة عليهم السلام، وأما غير المتشددين فحالهم في السلفية لا يختلف عن نظرائهم من أهل السنة والجماعة، يبدعون ويزيدون ولكن ضمن الأصول المرسومة، وضمن اليقينيات والمسلمات المذهبية، والويل كل الويل فيما لو خرج عنها خارج.

 

 

بين الأحياء والأموات:

كم من مفكر وعالم وفقيه معاصر قد ذاق الأمرّين من التكفير والتفسيق والمهانة، لمجرد أنه خالف الموروث، كم من رجال عصرنا ممن ووجهوا بتهم المروق والخيانة والضلالة، لمجرد أنهم فكروا خارج الصندوق، وأطلوا إلى خارج الكهف، فهل حرمة الأحياء في ديننا ساقطة أمام حرمة الأموات؟ وهل هو من الدين أن تداس حرمة مؤمن حي، لأنه خالف رأي مؤمن ميت؟ أوليس الحي هو أدرى بزمانه من الميت؟

 

إننا ندين للأحياء بالاحترام، فهذه هي سنة الخلق، أن يتعايش الناس بينهم بالاحترام والتقدير وحفظ الكرامة، ومع الأحياء من أمثالنا، ستكتب سيئات أعمالنا وصوالحها، ومعهم وفيهم تتحرك صحائف أعمالنا بالحسن والقبيح، فهذه هي سنة الحياة، كل جيل يعيش زمانه ويفكر بآليات وقته، ويواجه قضاياه التي يعايشها ويعاينها، ولم يكلف العقل ولا الرب عبداً بقضايا زمان سابق عليه، فاحترام الآخر الحي المشترك معي في زماني هو فرض إلهي، حيث أوجب عليِّ التعارف معه والتواصل حين قال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) فمن حقي الطبيعي ومن واجبي الإلهي أن أتواصل مع أحياء زماني، بما نراه ونفهمه ونقدر على انجازه، ولست مكلفاً أمام الماضين من الأموات الصالحين بغير الإقرار لهم بالأسبقية علينا في الحياة والدين، وأنهم قد سبقونا بالإيمان، وأنهم ( السلف الصالح ) يستحقون حقيقة التكريم، والتي ليس منها أن أستلب حياتي وعصري وزماني وفكري وثقافتي وحضارتي لصالح حياتهم وعصرهم وزمانهم وفكرهم وثقافتهم وحضارتهم، فتلك كما قال الله سبحانه (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ )(البقرة: من الآية134)

 

إن التمسك بقداسة الماضين، واعتبارهم قمماً لا يمكن الارتقاء لها، وأنه ليس بعد علمهم علم، قد جمدَّ حركة الإبداع في الأمة، وحاصر المفكرين بأسوار من المخاوف، فصار فكر الماضين أشبه بالحصن أو بالذات الملكية وشخصية الرئيس في عالمنا العربي المعاصر، فذاته لا تمس، ومن أراد انتقاده ومخالفته فعليه أن يسلك ألف سبيل من مقدمات البراءة عن المعارضة، وأن يطرح رأيه على استحياء أو استخذاء، وأن يهين نفسه أولاً وكأنه في محراب العبادة مفتتحًا بالقول: وما أنا وما قدري لأجعل في مقام الكلام في جنب أولئك العظام، كل ذلك خوفاً من سطوة الأتباع وجموع المذهبيين والطائفيين.

 

نحن لا ندعو للتنكر لفضل السلف الصالح، ولا لهدر كرامتهم ومقامهم، ولكننا نقول إن قوام حياة الأموات هو بقاؤها على هامش حياة الأحياء، ليتمكن الأحياء من صناعة سعادتهم الحقيقية وفق واقعهم، لا أن يستندوا على الوهم في طلب السعادة، من واقع الأموات الذي انقضى ولن يعود، وهيهات أن يعود، فعجلة الزمان تدور لتصنع الجديد وتطور الواقع، وإذا لم يعمل الأحياء على خلق هذا الواقع الذي يعيشونه سعيداّ، بالانسجام مع زمانهم وظروفهم ومشاكلهم، وما بلغوه من تمدن وتحضر وثقافة، ويسهموا في عملية التجديد والتطوير، وظلوا يحلمون بأيام عز الآباء، ناحلين ذلك الزمان حسناتٍ لم تكن فيه، ونازعين عنه سيئات كانت منه، محاولين إعادة حياة السلف، متناسين دورهم كخلف ينبغي أن يكون أكثر تجديداً وإبداعاً من آبائهم، فإنهم لن يدركوا ما أدرك آباؤهم، ولن ينجحوا في العيش مع مقتضيات زمانهم، وهل التخلف إلاّ ثمرة مثل هذا الوضع المتعصب.

 

إن نشطاء الحركات الإسلامية، يقدمون حياة الماضين للأجيال الحاضرة على أنها الحياة المثلى، وتقوم أطروحتهم على إذكاء المشاعر نحو العودة للزمن الماضي، وإلى التشبه بحياة خير القرون، نعم هناك عبرة نستطلعها من حياتهم الفاضلة، ألا وهي قوة إيمانهم، وشدة عزيمتهم، وجزيل تضحياتهم وتفانيهم في خدمة مجتمعهم وأمتهم، وحرصهم على خدمة الناس، وعملهم الدائب في نشر الهدى والدعوة إليه، فهذه مبادئ عامة في حياتهم وبها استحقوا تلك المنزلة، أما ما قالوه واقعاً، وما فعلوه ميداناً من حركات وسكنات، وأفعال وانفعالات، وأفكار وتدبيرات، ونظم وإدارات، وسياسات وإجراءات، وكل ما هو خارج القيم والمبادئ العامة، فلهم زمانهم الذي يجب أن لا يكون زماننا، لأنه يستحيل أن يكون كذلك.

 

إن تسويق حياة الماضين على أنها سر السعادة للاحقين، أمر لا يؤدي إلى حياة سعيدة أبداً، بل هو تبضع لبضاعة باطنها الوهم، ولو حدثت فجئناها فلن نجدها إلاّ سراباً، إذ أننا أجيال زماننا ولن نكون إلاّ كذلك، نشترك مع صالح أسلافنا في القيم الإنسانية العامة، والمبادئ الإسلامية العامة، وأركان الإسلام العامة، وفي ما عدا ذلك فلنا حياتنا ولهم حياتهم، ولنا نظرتنا للأمور ولهم نظرتهم، ولنا فهمنا ولهم فهمهم، وإذا لم نعقل ذلك فسنظل نسمم عقولنا ومجتمعاتنا بسموم زمانهم وقضاياه، التي كان لها يومها مبرراتها الواقعية السليمة والسقيمة في حياتهم، فرضتها ظروفهم السياسية والاجتماعية، على عكس زماننا الذي يفرض علينا قضايا جديدة وأطروحات مغايرة في الدولة والمجتمع.

 

     فعلى سبيل المثال، في زمانهم وإلى عهد قريب، لم يكن هناك وعي للدولة القومية ومفهوم الوطنية والمواطنة، ولم يكن هناك وعي للطبقية الاجتماعية وأثرها في نشأة التكتلات، ولم يكن هناك وعي لخصائص الجماعات، ونحن نعد هذه من القضايا المؤثرة في حياتنا، ويستحيل علينا أن نكون واقعيين لمجرد إغماض أعيننا عن حقيقة تأثير الانتماء القومي والشعور الوطني والانتماء الطبقي وغير ذلك من أمور هي توجه سلوك الناس وعواطفهم، مصرين على أن الانتماء الحقيقي هو للدين وليس غير الدين، لمجرد أن مثل هذا الوعي لم يكن موجوداً عند أسلافنا الماضين.

 

إن مثل هذا الفهم لواقع القرن العشرين من خلال القرن الثامن يقود إلى العمى عن فهم الواقع، والحياة ضمن واقع افتراضي لا وجود له.

 

ولقد نبه الدين منذ أوائله بأن لكل زمان دولة ورجالاً، ونهي كل جيل من الآباء عن إكراه الأبناء على إتباع آثار الآباء وآدابهم، وقال بوضوح أن مراد ذلك لتغير مقتضيات الزمان: " لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"، وفي رواية  " لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"، وأخرى " لا تجبروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".

 

إن في هذه المقولة من العمق ما لا يفهم إلاّ بالتدبر، فكأن الله سبحانه، وهو يريد بالحياة أمراً، قد رزق كل جيل ما يقتضيه له، لتصل الدنيا لما أراد لها ربها من تدبير، وكأن إكراه الأجيال على إتباع آثار الآباء وآدابهم ونظرتهم للحياة يعيق هذه المسيرة، وينمي التخلف عنها، أي أن هذا التجمد يخالف ويعيق سنة إلهية يراد لها أن تمضي.

 

إن هذه المقولة تقرر أن الحياة فصولٌ، وان هذه هي إرادة السماء، وإذا أرادت السماء أمراً ورفضناه فإنها لا تتوقف بل تغير مسارها ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)(محمد: من الآية38)  فإذا ما سمح الأحياء للأموات بأن يحكموا حياتهم في الدين والدنيا، فإن ذلك ينم عن عجزهم على أن يحيوا حياة الخلف النافع، فهم كما قال رافضو كل تجديد (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(الزخرف: من الآية23)

 

 

     إن الطائفية والمذهبيّة ثمرة إتباع الماضين، فإذا ما أحسن الخلف حياته، وعاش زمانه،فسيكون لهم مذاهبهم الجديدة والتي قد تتحول إلى طوائف جديدة إذا ما جمد أخلافنا عليها كما جمدنا على ما أسس أسلافنا، فأس الطائفية متابعة الأموات الماضين، وأول مفتاح للخروج على عصبيتها هو التحرر من قيودهم وأغلالهم التي علقناها دون إرادة منهم في أعناقنا..

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



1  ـ رواه بن عبد البر في الجامع رقم( 1810 ).

2  ـ رواه البخاري (2652 ) ومسلم (2533 ).

3 ـ رواه أحمد في المسند 1/379.

 

[1] التحفة السنية – اليد عبد الله الجزائري صـــ2

نقلاً عن كفاية الأصول للعلامة الحلي

1  ـ (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً) (الانبياء: 78/79)

2  ـ (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (الأنعام:152)، ( وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125)، (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الاسراء:53)، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) (المؤمنون:96)، ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت:46)، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:34)

الصفحة 9 من 28

  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13

المتواجدون الآن

106 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك