مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

Cialis

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 19 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 19 مارس 2006
الزيارات: 10

Cheap cialis online cialis http://forum.swsoft.com/member.php?u=39275 [url=http://forum.swsoft.com/member.php?u=39275]cialis[/url]

Order Viagra

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 19 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 19 مارس 2006
الزيارات: 10

Order viagra online order viagra http://www.blinklist.com/ORDER VIAGRA CHEAP/ [url=http://www.blinklist.com/ORDER VIAGRA CHEAP/]order viagra[/url]

Viagra Online

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 17 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 17 مارس 2006
الزيارات: 8

Viagra pills online viagra online http://www.answerbag.co.uk/profile/?id=280554 [url=http://www.answerbag.co.uk/profile/?id=280554]viagra online[/url]

أورفيوس..بحثا عن الظلال

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد السلام ناس عبدالكريم
نشر بتاريخ: 17 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 17 مارس 2006
الزيارات: 8

أورفيوس .. بحثا عن الظلال قراءة في الأضمومة الشعرية (شرود الزمن الأول)(1) لعبد الحميد الدويب عبدالسلام ناس عبدالكريم مدخل: الكتابة الشعرية هي فعل ممارسة للواقعية والّلغة. والواقعي هو ما يشغله الشاعر في خلق عمله الشعري ، في فهمه الصافي والمباشر للعالم . فالشاعر، في حال من الأحوال ،هو المتحكم في الدوال التي تنساق له. فضلا عن أنّ الكلام الشعري يفتح المجال واسعا أمام حقل إمكانات اللغة، ويتيح انفتاحا ما على المعنى، نحو مظاهر جديدة من الواقعية التي ينجح في اقتحامها. والواقعي ليس بالضرورة الواقعية ، بالرغم من أن أحد تجلياته الكبرى هو تمثّل الأثر القادم من فيض الواقعية . الواقعي هو دائما ما ننتظر ، على حد تعبير (ه. مالديني) وهو يساهم انطلاقا من المرعب أوالعقدي أوالهدم الذهاني psychotique ، أو اختفاء الموضوع/ الشخص المحبوب. والشعر هو الحاجة الملحاح إلى إثبات الكينونة التي تحفز فعل الإنسان. وهو يعكس في نفس الآن نزعة اللاّتحقق التي تقود الأسراب المدحّنة ، وعزيمة التحقق التي تطول الآخرين ممّن يستطيبون متعة النفوذ، فتقودهم رهانات الخطاطة الجوفاء على حساب الحقيقة الكاملة للكينونة الإنسانية. وباب الشعر ليس لها مزلاج ولا مفتاح . بيد أنه يظل يقاوم من أجل اللاّنغلاق. ولايستطيع ولوجه إلا السّحرة الأبرياء الذين اعتادوا على نار التطهير. ولقد سئل الشاعر الأرجنتيني الكبير (روبيرتو خواروس ( 1925-1995) على غرار الكثيرين ، حول الكنه العميق للشعر ، فأجاب قائلا: (الشعر ميتالغة تعيد الارتباط بواقع ما... هو مخاتل لكلّ شكل تصنيفي ولكل تحقيق منتظم ، لأنه أكبر من الواقع)(2) ففي الشّعر تمتد فيزيولوجيا الإدراك و فينمولوجيا التجربة الرؤيوية، في أبعادها النفسية وموضوعاتها ها المنفلتة، بين فيزيقا الواقعي وميتافيزيقا المرئي واللاّ ّمرئي ، لتفتح أما م الشاعر منفذا للعبور إلى سيرورات وظواهر ذهانية تعمل لأجل كشف شعرية الواقعي. إنّ الحدث الواقعي يتم استيعابه في عالم الشعر "عبر" و"من خلال" مقدمات العمل الشعري. أمّا الواقعي/ الشعري فهو ما لايمكن تجليته. الواقعي هو المباغت الغامض الذي يجتاح الأنا ويأسره. وعليه ، فالمباغتة وفق هنا السّمت الباطني، هي عنصر مشارك للكينونة. ويمكن القول أنّ الواقعية تبدأ من حيث ينتهي الحديث عن الواقعي ، إذا ما اعتبرناه سمة تعبيرية ملازمة للشاعر. الواقعية هي المعنى النثري التي يضفيه قارئ الشعر للملمة الشتات المرجعي للتعبير الشعري . ذلك أنّّ الشعر يدعم الحاجة الجذرية للإنصات للآخر، من خلال إشراكه في عوالم الترميز والإيحاء، وإغوائه بمغازلة المتلاشي المجاور للاّمسمّى، وبالتّالي ، حفزه على كشف القناع وفك الحصار عن عزلته الخجولة. في هذا الإطار من تجاذبات القوى بين شعرية " الواقعي" وواقعية " النثري" تمتدّ أصداء الشجن الذي يحمله هذا العمل الشعري لعبد الحميد الدويب. ذلك الشجن القادم من " الهناك"، من غور المسافات ، لأجل تفجير صوت الكينونة، ومحاولة تلمّسه من بين الأصدا ء . غير أنّ مفهوم " الصّوت " هنا لا يفرز حمولته فقط على مستوى الشّعري ، بل يبرزها أيضا في النثري ، عبر هاجس التفسير، و الملاحقة الذهنية لمتلاشيات "الأنا"، قصد استنفارها في مواجهة الوضع الاعتباري لمرآة " الآخر". ومن ثمّ فالقارئ لهذه المجموعة الشعرية، ومنذ إطلالة القصائد الأولى ، تفاجؤه محاولات الصّوت الملفوظي (صوت الشعر) الالتفاف حول اللغة والرموز، والإحالة على الواقع والفضاء ، بغية تكسير طوق الصمت الذي يلفّ " الكينونة " ومنحها في المقابل صّوت الانبجاس والتكشّف وتحيين معنى الوجود. وعلى ضوء هذه الثنائية الناظمة لبنية الصوت الشعري يمكن ترتيب نصوص الأضمومة في صنيفين رئيسين: الأول يختص باللوحات ( همسة الريح –رقصة خذاء – كؤوس الليل – لوحة – صورة - ، أما الثاني فيشمل الاعترافات ( عابرة الحي –نقش - كحل عينيك – حلم – حرف بداية- إلى صديقي ...- تمودا- مملكة الأسماء) . ويمثل كلا التصنيفين عالمين متمايزين : عالم الخارج ، وعالم الداخل. ولو أنّ بين العالمين تواشج وتكامل لا يمكن إغفالهما على مستوى تقاطع الزمنين " الواقعي " و" الكوني"، تتجلّى أصداؤه في عنوان المجموعة. والعنوان ، حسب جنيت ، هو الوسيط الأنسب بين النصّ والقارئ .و يهيمن التّصنيف الثاني إذا ما وضعنا في الاعتبار عدد القصائد التي تمثله. وهو يسعف بإبراز الطابع الغنائي و السير ذاتي للمجموعة، ويعكس احتفالية الشّجن الشعري المنفتح على الواقع . كما أنّه يستجلي شعرية الغياب في منحاها إلى ترفيع حالة الكظم النفسي وتهيئ القدرة للكينونة كي تخترق الصوت الأوحد وتدرك مقامات البرزخ العلوي . 1. بين الموسيقية و الرؤيوية : في هذه المجموعة تبدو أصداء التقابل والمواجهة بين الموسيقية والرّؤيوية ، أي أنّ التجربة الشعرية تتوخى وضع الرؤية في مواجهة الموسيقية ، إرادة التدقيق في مواجهة فتنة المنفلت ، والبيت الجبار البسيط في مواجهة العبارة المألوفة. فنحن هنا إزاء هذا التواشج الإبداعي ، نخال أنفسنا أمام صورة الشاعر الملهم الذي يتحكم في زمام الملفوظ الشعري، ويحسن الغوص في مسالك الوجدان. والاستحقاق الأكبر الذي يناله الشاعر في هذا الموقع، يتمثل في الجرأة والاقتدار على تلطيف الكلام الشعري، وتصفيته من شوائب النثرية الفجة الموغلة في التلبيس والتعتيم الذي قد يحسبه البعض معادلا طبيعيا للتجريب في قصيدة الشعر الجديد. وقد ينظر لهذه الشعرية التي تستقطر الشعور الذهني قبل أن تلحقه بفسحة الخلق الشعري على أنها سذاجة. لكن المسلّم به هو أنّ الشاعر الذي يتحكم في معركة الشعر ويواجه كونه الفسيح بالبساطة والفطرة والدربة يستحيل أن يكون ساذجا. وربّ سّائل يتساءل ، أنّى للشاعر مثل هذا التحكم، و كيف تسعفه تلك الدربة ؟ ولعلّ الإجابة عن ذلك تكمن في الاقتدار على تحقيق التوفيق و الموازنة بين موسيقى العبارة وإيقاع البنية في تجلياته الموسيقية والشعورية والذهنية . الموسيقى باعتبارها معرفة جمعية تتضمن علم العروض وتحيط باستعمال قواعده بالقدر المتناسب مع توجهات التجربة الشعرية الحداثية. والإيقاع باعتباره عزفا منفردا يناسب الحجم الطبيعي لسيرورة الدفق الشعوري والنسق الذهني المهيمنين على كنه التجربة الشعرية.(3) وقد سعى الشاعر على امتداد القصائد إلى موازنة هذين البعدين ، على الرّغم من غلبة الوازع الموسيقي في مجلاه العروضي . و ساعده إيقاع العواطف والمشاعر وانتظام الخواطر في تجاوز كثير من عقبات التشكيل الإيقاعي ، كما سيتم رصده لاحقا. مما ضمن لهذه الأصداء الوصول إلى القارئ في دفقها الفطري من غير كلفة أو افتعال. الإيقاع ينحو إلى التكامل مع الموسيقى في هذه المجموعة الشعرية ، على الرغم من أن الحدود الفاصلة بينهما غير محسومة بالشكل النهائي. فالهاجس الإيقاعي قد يتحكم في الهاجس الموسيقي بالضرورة. وبالرغم من أنّ تحديد مفهوم الموسيقية يقوم على تشغيل مرجعية الأوزان العروضية التي تسودها سمات النمط ، ومن أنّ الإيقاع هو بمثابة العزف المنفرد الذي قد يستقيم أحيانا على بعض مكونات النمط دون غيرها كما في هذه المجموعة ، أو يغفلها جملة وتفصيلا عن علم ،وهو شأن القليل ، وعن جهل ، وهو شأن الكثير ، فإن قصيدة النثر اتجهت في نهاية المطاف إلى تفعيل قانونها الموسيقي الخاص النابع من حركتها الداخلية وضراوتها البنائية . ولعلّ تبصّر الشاعر بهذا القدر من الحرية في التوزيع الموسيقي الذي تحتمه التجربة الشعرية من الداخل هو الذي دفعه إلى توظيف نظام" التفعيلة" باعتبارها وحدة موسيقية وإيقاعية من شأنها أن تعيد للشّعر الرّونق و الألق و قوّة النسغ . لذا نجده حريصا على توظيف التقابل الكمي للحركات والسكنات ضمن نسق متجانس يمنح للتعبير الشعري لذة الكتابة والقراءة في آن. وقلما نجد مثل هذا التجانس في محاولات الشعر المنثور التي يكاد بعضها لايفقه معنى للموسيقى الشعرية ولا حتى لمستويات الإيقاع الشعري في حدوده التعبيرية العامة المتحررة من قيود الأوزان العروضية. وعكس ذلك ما تجليه قصائد الزمن الأول. فالشاعر فيها مهووس بهاجس الموسيقى، وقد اختار العزف في هذا الصدد على وحدات إيقاعية مستمدة من أبحر الرجز والرمل والمتقارب والمتدارك لما بينها من تقارب وتواشج نغمي. ولعل عنوان المجموعة أوضح دليل على ذلك : فهو يستقيم وفق هذا التناغع الذي يتيح للنفس الشعري أن يتحرّ ك بحرية ورشاقة وارتياح وسمو، عبر التحكم في أقفال الحركة الصوتية : شـــــــــــــــــــــــــرود الزمــــــــــــــــــــــــــــــــن الأول فعــــــــــــــــــــــــــولن فعــــــــــــــــــــــــــــــــلن فاعلن أما على مستوى الإيقاع فقد بدا الشاعر من خلال انسياقه التلقائي نحو تغليب النزعة الموسيقية العروضية ، متساهلا في ترتيب مواقع الإيقاع وتثبيت معالمه، وتشكيل عناصره القائمة على مظاهر التكرار والتنوّع و خصائص النبر والتنغيم .. ومن بين العلامات النصية الدالة على خفوت قناعة التشكيل الإيقاعي النصّي أمام صولة النزعة الموسيقية المسنودة بالنمط ، التساهل في الأخذ بعلامات الترقيم ، في غياب ملحوظ لهاجس تشغيل فضاء النّصّ على مستوى هندسة الأسطر الشعرية، وحضور الحنين الضمني إلى لبيت الشّعري الذي تجسده هيمنة التفعيلة الواحدة في أكثر من سطر، وتركيب التفاعيل المتجانسة في أسطر أخرى.. وكلّ ذلك من شأنه أن يفضي إلى استسهال القفز فوق المعالم الإبلاغية التي تتيحها الأساليب ، وتستدعيها الأنساق التركيبية لتوقيع النبر الشعري. وكمثال على هذا التجاوز، إغفال فصل جواب الشرط الأول عن ذيل جملة جواب الشرط الثاني في هذه الجملة الشعرية من قصيدة رقصة حذاء: والأرض مربعة قطرها رقصة الكون من يقاسمني استدارتها فليكتب الحب على مركزها قلبا ورديا يلطف عنق الفجر للعذارى أهديه فردوسا ...كوكبا ليوم العرس ص20 حيث تعيّن الفصل بواسطة علامة الترقيم ، ثمّ بواسطة السطر الشعري المستقل، بين عبارة (أهديه فردوسا ) و لفظة (للعذارى) باعتبارها ذيلا متمما لجواب الشرط الثاني . و من شأن هذا التعديل في التوزيع الطباعي المدعوم بمنطق اللغة و مقصدية الخطاب ، لوأن تمّ حسمه بعيدا عن التفكير في ملمح التدوير وكسر بنية التفعيلة، أن يكفل للجملة الشعرية الكبرى التي تنتمي إليها هذه العبارة / البؤرة موقعا دالاّ في سياق الدفقة الشعورية ، سواء بالنسبة للشاعر أ وبالنسبة للمتلقي . لأنّها أي العبارة، هي كالوعاء الذي يحتمل البنيتين الشرطيتين و يتسع لهما معا . (4) وبما أن الإيقاع مرتبط بالزمن أكثر من المكان أمكن لشرط القراءة الصوتية ( الإلقاء) للقصيدة من طرف المبدع أن يسدّ بعض الثغرة ، ويساعد على ترتيب النبر الإيقاعي ويحسم وجهته . فالقصيدة في نهاية المطاف، هي عالم منغلق على نفسه ، و معناها يتولد من رنينها الذي يصعب حسمه وتقطيره. 2. تشكيل الفضاء الشعري : في هذه المجموعة الشعرية تسعى القصيدة لتثبيت صلاتها بالواقع وانتمائها إليه، عن طريق الوعي بحدود المكان واستحضار ملامحه المادّية، واستقطار إيحاءاتها الحضارية والثقافية. وهي تنحو لأجل ذلك منحى الحدوس المستبصرة بتحققات الوجدان الجمعي الذي يحيط بالمكان والزمان معا، بحيث لا يكفي النظر إليه فقط من زاوية الرصد الجغرافي بل أيضا في أبعاده الاجتماعية والتاريخية.فالقصيدة من هذا المنطلق تقارب في التاريخ سيرورة عشق المكان، وتستحثّه تجديد الفضاء وإحياء الوهج الرمزي الذي طالما أحاط بالوجدان الجمعي قبل أن يستوطنه النسيان وتحتلّه العتمات. ويلوذ هذا الفضاء بملمحين متقاربين متباعدين للزمن الشعري هما: الزمن الكوني والزمن الإنساني . الأول له بداية ولكنه لايعرف النهاية ، فهو شكل من أشكال الأزلية لايعرف مرور الزمان ولا الصراع ولا الموت ولا الحدود ، وهو في أبعاده زمان دائري مرتبط بدورات الطبيعة أو بالماضي الذهبي أو بالطفولة أو بالسكون والصمت . فهو في الحقيقة لازمان. أما الزمان الإنساني فهو الزمان الاجتماعي والتاريخي والمادي ، هو الزمان الذي نعيش فيه ونتعرف من خلاله على الصراع والأفراح والحدود، وهو ذو بداية ونهاية . ولذا فهو يأخذ شكل خط مستقيم. والزمان الإنساني مرتبط بالحاضر وبعالم الخبرة وبالمدنية ، وهو الزمان الذي تتحقق أو تجهض فيه إنسانيتنا.(5) ومن هذا الفضاء الرّحيب تتولّد الصور المحملة بالدهشة إزاء العالم ، كي تستنفر في الأنا فيض الأحاسيس وتلفها بأسئلة الكينونة العميقة ، ومنها سؤال الاغتراب والضياع. والشاعر في احتفاله باستحضار الفضاء، ينجرّ بوعي منه أو بغير وعي إلى التعبير عن قضايا واقعه، من منطق الرغبة في كشف ( هاليبتوس) الطبقة الثقافية التي ينتمي إليها.(6)في محاولة لترجيح كفة التوازن لصالح الرأسمال الثقافي في صراعه اللامتكافئ مع الرأسمال الاقتصادي الذي بسط نفوذه على الواقع وعلى منظومته القيمية ، حتّى صارت علاقة الإنتاج هي التي تحدّد قيمة الهوية والانتماء إلى المكان. من هنا يصبّ الشاعر رؤيته الواقعية في المكان التاريخي ، متنقلا عبر نتوءاته الراسخة في أديم الذاكرة الجمعية التي تأبى الذاكرة الشعرية الفكاك من تأثيرها وتبعيتها. ففي قصيدة ( تمودا) تجلو عين ا لشاعر أهم سمات هذا المكان الأثري، وتنعطف من خلاله إلى صلب موقع (تطاون) المدينة ، وتستغرق عبرهما معا في تخوم رؤيوية ملبوسة بسمات العشق لأطياف الزمن الأول، وعلامات الرهبة والخوف والغضب من توثبات الزمن الأخير: تمودا يازمردة الكراسي وقبان الموازين ياوشاح التاريخ من جرح الزمن المشلول يادرب القرابين " تطاون" الأخرى تنام برج الحمام تقرأ الأشياء سحرا عيونا ينابيع على صدر البتول هو ذا الجسد الصيفي ص 53 عبر هذا المسرب الغنائي الموسوم بالألم يتجه الشاعر إلى تلوين المكان بتلوينات الزمن الكوني والوجودي ، بأن يضفي عليه تشكيلات صورية سريالية تتسم بالإبداع والغرابة: ليل يقاسمني جدائل الصمت ويوم يغيب في خجر اللون القمر مستطيل والشمس مثلثة والأرض مربعة قطرها رقصة الكون ص 20 فهذه الملامح واضحة في دلالتها على سمت المكان الكوني المندغم في الزمن الوجودي غيرالمحدّد . ويبرز المكان الكوني في أبعد تجلياته من خلال قصيدة ( مملكة الأسماء) ممثلا في القرية الرمز: قريتنا تسكن الحجر لا طريق لها لا طريق لها من بين الرفات لا أبواب تشرع على الشمس تنفض السبات تقرع الوتر تسابق الطير قبل الفجر مساء تلوك لحاء الشجر يغازلها البؤس ص 55 هذا الفضاء الكوني الرحيب الذي يحيط بالشاعر هو في مجلاه الأخير فضاء البؤس والسقوط .هو فضاء غفل خال من البهجة والحبور ، مليئ بعلامات الهجر والذبول يهلّ لها الخلق بعد طول صيام بعد سقوط القمر... .................... زقاق في الزقاق يتبرك الموت من شكل الأشياء ص56 نحن هنا إزاء الشعري المتنقل بين الغنائية المظلمة والغوايات المؤلمة لأبعاد المكان والزمان. حيث يأبى أن يباغت النثريّ المتحصل في رداء التأمل والرصد والتأطير. ذلك لأن الشعر خلافا للنثر يوصّل التجربة الشعورية بالوجدان ، ويتجشّم مواربة النثرية المصنّعة المتربعة في ملكوت الذكاء . الشعر له وسائله الخاصة ، وهو يغير من خلالها مباشرة على مملكة الوجدان. وقد يحرص الناثر الكاتب على تفسير أحلامه ، أما الشاعر الملهم فيكفيه امتلاك هذه الأحلام أو الإمساك بها. الشّعرالمعاصر يبدأ من هنا، من حيث أنّ كل ملفوظ ، مهما اختلف شكله، يثير حول ذاته قدرا من الشكوك. ومعنى ذلك أنه لا ينبغي حصر فهم الملفوظات في الأبعاد الأدبية الصرفة ، بل يجب تجاوزها إلى الارتباط بالواقع ، بما هو علمي و قانوني و فلسفي وديني و سياسي. ومعنى ذلك ، أنه يتعين وضع الملفوظ في الواقعي، ضمن تداعيات اللحظة. وليس العكس ، بمعنى إقحام اللحظة وضغطها في الملفوظ. ذلك لأنّ كلّ خطاب شعري يزعم التلفظ بالواقعي من غير أن يضع موضع المساءلة علاقته بهذا الواقعي ، يؤول إلى خطاب نثري مكشوف . والشّعر هَروب futile لأنه لا يرغب في الشرح والتفسير والوقوف على العلل والمقاصد . ومع ذلك فهو يمتلك اليقين بأهمية ما يتلفظه ضمن عوالم الصّورة والإيقاع . ومن شأن هذا اليقين أن يحرره من قيد الفطرة ونعوت السذاجة، و يفكّ عنه براءة التلفظ. و في سياق هذا المنحى من الالتزام، لا بأس من استحضار روح شاعرا لعروبة نزار قباني من خلال هذه القولة البليغة : ( كل شعر ليس فيه غضب العصر نملة عرجاء). حيث لا يخفى ما تعكسه هذه القولة من تقدير لأهمية تعاطي الشعر مع الواقعي ، في انسجامه مع حركة الواقع والتزامه بعكس قضاياه. ولعلّ ذلك الشأن قد شغل وجدان الشاعر الدويب في مجموعته الشعرية هذه. ولا شك أنّ هذا الرّصد الرّؤيوي المتشبث بامتدادات الواقعي ، قد أغرى القارئ بالرّغبة في المزيد من الكشف والاستغوار لمكامن هذا الصّوت الشّعري في فرادته ، وفي حركاته وسكناته، وفي صخبه وتوثبه خلف أبعاده الأخرى الممتدة عبر ظلال الوجود . 3. تصاديات الصّوت الشّعري : في قصيدة ( كحّل عينيك) تستوقفك هذه الحشرجة البكائية الأليمة التي تستنفر الشجن وتبعث على التأمل في ذلك الكون الفسيح المتشح بسواد الليل ، الذي لا بدّ أن تعبره الأنا لملاحقة الطّيف الأنثوي الهارب : أغمضي عينيك فنواح الخنساء وزرياب الليالي قصائد من وشاح السماء عنادل تبكي النيازك الراحلة على خويمات شاخ منها الوتد مات فيها اللحن كلمات يتعثر منها هيكلي العربي آه..غرناطة الأمد آه..قرطبة المعبد أغمصي عينيك فشرفات الكون قمر على عينيك ص 30 الأنا في هذه المناحة السوداء، مع ما يستشعره من هول الضياع والتلاشي ، تحدوه الرغبة في مكاشفة الذات بلوعة الفقد في أبعاده الكونية السّرمدية ، عبر الذوبان في روح أنثاه ، في طيفها المجنح متعدد الأصوات والومضات. أسأل عابرة الحي شرود تلك التي تعرفها أسألها عن الشمع والمسيل لا تصمت ‘ن السحاب آت ... لا تصمت فشاهدة قبري الزمان وشرفات الضحى ‘كليل كانت وكان اللاّ..وكان القتيل ص7 فالأنثى هذه الأبيات تتلبسها صورة ( يوريديس) معشوقة الشاعر الشادي ( أورفيوس) التي فجع بفقدها الأبدي بعد أن لدغتها الأفعى يوم زفافهما الموعود ، فانخسفت بها الأرض إلى العوالم السفلى . وظل يبكيها فوق التلال وينتظر أوبتها المستحيلة على أنغام قيثارته الشجية التي يفجّر نبر إيقاعها مجرى الحياة في الموجودات والأشياء، إلاّ قلب الشاعر الكظيم. من هنا النبع الصّوتي الشّجي تطلع أول صرخة شعر لهذا الديوان الملبوس بالشّجن في ارتباطه بتصاديات الفضاء الشعري الهارب المنفلت . وفي غصة الوجدان هل يبقى مجال للشك في وظيفة الشعر بالنسبة للنفس الإنسانية المكظومة، في أنه يسهل البوح عن دفق المكنونات الغارقة في لواعج الإحساس البشري . ويمدّ جسور الارتقاء إلى معالم الصفاء الأول الأبدي الذي يبيح لكينونة الشعر أن تتصالح مع ذاتها بعيدا عن تهويمات البريق الأرضي المصطنع الذي يتهاوى كالحطام في بركة الزمن النسبي: أسأل عابرة الحي شرود تلك التي تعرفها أنا العاشق أنا الحالم برذاذ يفصح عن دليل أبتدئ من خريف لن يعود أم من مدينة غلفها العويل ..... الصوت معركة لكن الصمت جدار سأضرب بسيفي عري الزمان وأفتح صدري لغضب السماء وألف الأساطير والحكايا وأنثر التاريخ سمادا لزيتونة النور ليوم العبور ص 11 هكذا يتبدى الشاعر متّشحا برداء( أورفيوس ) ، عاشق الموسيقى وشهيدها الأبدي. الذي يقوده هيامه بأزلية الصوت وبالمرأة التي أحبّ إلى تجلية الرغبة في استحضار أطياف الموسيقى الكونية التي تذيب فجوة المتناقضات. وفي تماهي صوت الشاعر بأصداء المكان إحالة على فرضية الانصهار في صوت الآخر المشارك في دائرة الوجدان واستصراخ الأعماق بصوت الشعر. ومن هنا ندرك كيف اتّجه الرهان إلى تشكيل هذه البنية الأصواتية وفق إيقاعات السلم الموسيقي الهرموني التي تفضي تعالقاته ، في النهاية، إلى انبثاق نشيد البوح الرهيب الذي تستدرجه هوة الصّمت وبقايا الظلّ إلى أسفل القرار: لم تكن تلك الموائد ولا تلك الكراسي إيقونة معلقة ولا لوحة قصيدة كانت مصلوبة على باب المدينة لم تكن مسرحا مغلقا ولا كتابا مرقوما ولا سفينة ظلالا من حقّ البقاء ص 38 وفي المدائن السفلى لا يلبث الصّمت أن يعلن الحنين إلى الصّخب العلوي ، فينطلق الصوت الشّعري هاتفا بحقه في كشف زيف البدايات الذي قد يطال انبلاج الكينونة تحت زيف البريق وتلوين السراب: أهدت لي أشعارها تراتيل من أغنيات المساء ترنيمة تستمطر النشوة النزق الحالم بشهوة اللقاح آه.. ياجرح الحنين انهض من أنقاض حروفي .................. قلت: أنا الحرف وأنت سرّه أنا السفر وأنت بهاؤه أنا التيه وأنت سلطانه أنا العشق وأنت أنخابه... ارحلي فأنت نخب البدايايت نهاية الأسرار متاهة المسافات . ص 40 وحين يتراءى لنا هذا الشجن الشعري تسعفنا الذاكرة بقولة شيخنا الأصمعي: ( الشعر كلّه نكد ، باطنه الشّرّ، إذا دخله خير فسد) فالمفهوم من قوله أنّ باطن الشعر نكد وشرّ، ليس من قبيل الخوض في القيمة الأخلاقية لمضمون الشعر كما قد يجرّ إليه الفهم السطحي ، . بل هو محاولة، سبق بها الأصمعي عصره، في أفق سبر الوظيفة النفسية التطهيرية للشعر التي تسعف قائله ومتلقيه على حدّ سواء. الشعر دافعه التّعب والنكد النفسي الذي لا مناص منه إلاّ بالبوح ومسعى التكشف.هذا هو المقصود بشر الشعر ومقابله "الخير" النثري الذي يتمثل في قيم الوضوح والإبانة الغبطة والارتياح والسلوان ، وهي كلّها بضاعة تصطفيها عوالم النثر الشفافة ، ولكن لا ترضي حاجة الشعر . إنّ مصدر هذ ا التّعب أو النكد الشّعري على حد تعبير الأصمعي يكمن في اختلاف المطلق الشعري عن حجم عوالم الشعراء . فثقل الشّعر يفوق بأضعاف وزن الشعراء على حد تعبير جورج صاند.لأ نّه في مجموعه ليس عبارة عن قصائد يبدعونها، بل هو سيرورة لا متناهية من التجارب التي تبدأ منهم ثمّ تتجاوزهم بأقدار . وطريق الشعر هو طريق الحياة ، فيه يدرك الشعراء إفلاس الزمن إدراكا واضحا .لأنّه يجرهم نحو الفناء قبل أن يقدروا على السيطرة على طبيعتهم . لكنّ هذه الذوات الفانية تأبى مع ذلك إلاّ أن تظلّ موجودة بقوة .. على الأقل في اللغة.والشاعر حسب ريلكه هو ذلك الشهيد الذي يتألّم كي يخلص عالما متألما. هوامش: 1.أبو ليلى ، عبد الحميد الدويب . شرود الزمن الأول،مطابع الشويخ . تطوان 2007 Spirale Inkari n° 7, s.d. : « Roberto Juarroz » (Entretiens et poèmes de Roberto Juarroz 2. textes de Michel Camus, Jean-Louis Giovannoni et Roger Munier). 3 . مصطفى جمال الدين . الإيقاع في الشعر العربي ص 45 4 . انظر حديث الدكتور عز الدين اسماعيل عن الجملة الشعرية والسطر الشعري في كتابه: الشعر العربي المعاصر 3 ص120 5. عبد الوهاب المسيري . الشعراء والزمن .مجلة الكرمل . عدد: صيف 2006 ص 94 voir Pierre Bourdieu avec Loïc Wacquant, Réponses. Pour une anthropologie6 réflexive, Paris, 1992

Buy Viagra

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 11 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 11 مارس 2006
الزيارات: 9

Buy viagra online buy viagra http://www.answerbag.com/profile/?id=277823 [url=http://www.answerbag.com/profile/?id=277823]buy viagra[/url]

Cialis

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 11 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 11 مارس 2006
الزيارات: 6

Buy cialis online buy cialis http://www.answerbag.com/profile/?id=282074 [url=http://www.answerbag.com/profile/?id=282074]buy cialis[/url]

Viagra Online

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 08 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 08 مارس 2006
الزيارات: 12

Viagra pills online viagra online http://www.answerbag.com/profile/?id=280554 [url=http://www.answerbag.com/profile/?id=280554]viagra online[/url]

هل أنت كاتب قصة أم حَكَّاء سَمِج ؟

التفاصيل
كتب بواسطة: عبدالجواد خفاجى
نشر بتاريخ: 08 مارس 2006
انشأ بتاريخ: 08 مارس 2006
الزيارات: 6

هل أنت كاتب قصة

أم حـَـكَّاء سَــمِج ؟

بقلم: عبدالجواد خفاجى

 

من المسلم به أن الحكم النقدي أو الرأي النقدي التقييمي يركز عند النظر في نصوص القصة القصيرة على أمرين اثنين .. أولهما التحقق أو التأكد من أدبية النص، أو إجراء المراجعات حول تلك الأدبية إذا كانت قائمة بالفعل؛ بغية تصويب مسارها، وهو عملية تتعلق باللغة وكيفية استخدامها وتوظيفها. وثانى الأمرين هو النظر في الجوانب الفنية للنص القصصي بغية التأكد من قيام شرط القصة القصيرة من الناحية الفنية، وكلا الإجرائين رغم شكليتهما في كثير من جوانبهما، إلا انهما لازمين لقيام العمل النقدي علي أساس سليم قبل الولوج إلا أي إجراء آخر.

ولنتوقف عن الأمرين كل على حدة ؟

أولاً : أدبية النص :

 

من المسلم به أن الخطاب الأدبي خطاب " غير نفعي" بمعنى أن ما يواجهنا فيه دائماً هو الطريقة أو الكيفية التى ينبني بها الخطاب، وليس واقع ما يجرى الخطاب بشأنه.. ومن ثم فكل الموضوعات التى يناقشها الأدب تبدو أقل قيمة من الطريقة التى يناقشها بها.. وهذه مسلمة أولى.

الثانية : إن جميع المدارس الأدبية فى محاولة تعريفها للأدب رأت أنه قابل للتعريف ليس وفقاً لكونه خيالياً أو تخيلياً، بل لأنه يستخدم اللغة بطرق خاصة. ووفقاً لهذا التعريف يكون الأدب نوعاً من الكتابة يمثل ـ كما يقول الناقد الروسى "رومان ياكبسون" ـ عنفاً منظماً يمارس ضد لغة الحديث العادى ، وإلى هذا ذهب كثير من الشكلانيين الروس، عندما حاولوا الانتباه إلى الواقع المادي للنص الأدبي ذاته، عندما رأوا أن الأدب تنظيم خاص للغة, له قوانينه، وبنياته وأدواته النوعية التى يجب أن تدرس فى ذاتها، بدل أن تختزل إلى شئ آخر.

فالعمل الأدبى ليس مركبة لنقل الأفكار، ولا انعكاساً للواقع الاجتماعى, ولا تجسيداً لحقيقة مفارقة متعالية .. إنه حقيقة مادية تلفت إلى نفسها، يمكن تحليل أدائه مثلما يمكن للمرأ أن يفحص ماكينة.. إنه مكون من كلمات, وليس من موضوعات أو مشاعر .

فى هذا الإطار يمكننا أن نتغاضى بضفة إجرائية مؤقتة عن المضمون الأدبى لننظر للعلاقة بين الشكل والمضمون من زاوية أخرى مثيرة للتساؤل :ـ هل المضمون هو الحافز للشكل .. أم أن الشكل هو تعبير عن المضمون؟ وللإجابة أقول :ـ لاشك ـ وبناء على التعريف السابق للأدب ـ أن المضمون هو مجرد فرصة مفيدة أمام الأديب لبناء المجاز، ومن ثم فكل مضمون يكتسب احترامه إذا كان قادراً على أن يظل حافزاً للشكل / المادة الأدبية / النص المعاين, الذي به يصبح الأديب أديباً , وبانهياره تنهار الصفة الأدبية عن النص وعن كاتبه.

 ولاشك أن العمل الأدبى هو تجميع لعناصر مترابطة, أو وظائف ضمن نسق نصى كلى مثل : الجرس ، المخيلة , الإيقاع , بناء الجملة , الوزن , القافية , التقنيات الروائية والقصصية مثل وضعيات الراوية, الزمن, الشخصية,عناصر الدراما, الوظائف الحكائية وما إلى ذلك من رصد لكل العناصر الشكلية الأدبية, ولكن ما يفوتنا أن العامل المشترك بين كل العناصر هو نزع الألفة أو كما تُسمى "الإغراب" , فالشئ النوعي بالنسبة للغة الأدبية, وما يميزها عن أشكال الخطابات الأخرى هو أنها "تشوه" اللغة العادية بطرق متنوعة. فتحت ضغط الأدوات الأدبية تتكثف اللغة العادية وتتركز, وتلوى , وتمدد, وتنقلب على رأسها .. إنها لغة جُعِلت غريبة, وبسبب هذا الإغراب يصبح العالم اليومى بدوره غير مألوف فجأة.. الأدب إذن هو ما يجبرنا دائماً على اكتساب وعي درامي باللغة, ويجعل الأشياء أكثر قابلية للإدراك , ومن خلال اضطرارنا للشتباك مع اللغة بطريقة أشد عسراً ووعياً بذاتها من المعتاد, يتجدد ذلك العالم الذى تضمه تلك اللغة.

إننى ومن هذا المنطلق وبالتركيز على اللغة باعتبارها جوهر العمل الأدبى سأبدأ في طرح بعض النقاط الأدبية التي من شأنها أن تحقق أدبية النص:

1ـ لابد أنتحقق صفة الإغراب عن طريق المجاز, وعن طريق الحيودات التى يصنعها الأديب عن اللغة الاعتيادية أوبمعنى آخر عن طريق الانزياح عن الإرث المشتترك إلى اللغة الخاصة للأديب. فثمة ما يقال : اللسان العربى ولغة الجاحظ . الأولى هى الإرث المشترك والثانية هى الخبرة الخاصة عندما تتعلق بالشخص والذوق والأسلوب والاختيار، والأخيرة تتعلق بقدرة الأديب على ممارسة التشويه المستمر للغة الخطاب العادى, وكل ما تعارف عليه الناس وألفوه من أنواع الخطابات الأخرى حتى وإن كانت خطابات أدبية شائعة .

2ـ لابد أن تكون مكثفة بمعنى محملة بأكبر قدر من الطاقة الايحائية والرمزية والدلالية والنفسية والرؤيوية فى آن، وليس بمعنى الاختزال والرشاقة والنحول ـ كما يفهم البعض ـ فذاك وإن كان مطلوباً إلا أنه ليس أكثر من مظهر خارجى للغة المكثفة.

ولكى يحقق الأديب هاتيك الواصفات لابد أن يكون قادراً على :

1ـ الاشتباك الدائم مع اللغة بشكل أكثر عسراً ووعياً بها .

2ـ استخدام اللغة استخداماً سليماً وفق قواعدها على الأصعدة النحوية والصرفية والدلالية واللغوية والإملائية , وأن يكون قادراً على تنظيم الشكل الكتابى وفق آلية معينة يستخدم فيها علامات الترقيم وكافة الأدوات الأخرى, يدخل من ضمنها البنط الكتابى وحجمة ويدخل من ضمنها هندسة البياض والسواد فى الصفحة .

3ـ أن يضع فى اعتباره أن  هناك سمة نوعية فارقة هو معنيٌّ بالضرورة  بها لحظة أن يبدأ فى إنتاج النص، وهي سمة نوعية أسلوبية ورؤيوية تتوقف علي طريقته في  التعامل مع اللغة .

وبدون ذلك تنتفى عنه خصوصيته كأديب، ومن ثم يصبح كل خطاب يقدمة إعتيادياً, ومن ثم فكل كتابة يقدمها تقع بالضرورة خارج الكتابة الأدبية .

 

*******

   يظن بعض الممارسين للكتابة القصصية والروائية أن مسألة الكتابة تتوقف على تقديم حكاية ما للقارئ ، واضعين كل طاقتهم الإبداعية رهن الحكاية المخترعة أو المختلقة . ثمة حكاءون إذن يسعون إلى وضع الصفة الحكائية محل الصفة الأدبية . ومن ثم لا يجب مناقشتهم فى حقول الأدب، لا لشيئ إلا لأنهم كعامة البشر يحكون، فكل البشر لديهم القدرة على الحكى وعلى اختلاق الحكايا ، لكنما الأدب القصصى والروائى يتعلق بداية بالقدرة على تحويل المخيل السمعى إلى مخيل كتابى . إلى نص .. وبغير النص الذى عماده اللغة لا الحكاية يجب ألا نناقش هذه الأعمال من الأساس، لكنما وفى الغالب نحن مضطرون إلى مناقشتهم طالما أنهم مصرون على الجلوس تحت راية المسمى الأدبي .

 لكنما ويجب أن نحذر الدخول معهم فى مناقشات واسعة عالية، طالما تأكد لنا أن هذه التجارب لم تحقق أوليات التجربة الإبداعية واشتراطاتها؛ إذ المفترض فى هذه الحالة هو تحقيق الصدمة المطلوبة لهذه المنجزات الحكائية حتى نصل بهم إلى صحوة الحياة الأدبية / التوالد الإبداعي ، والإنزياح عن الإرث المشترك إلى اللغة الخاصة.

ولعل هذا ما يجعلنا نقرر أن الانزياح هو الذي يحكم اللغة الأدبية بينما الدلالة الواقعية البسيطة أو حتى العميقة هى التى تحكم اللغات الوظيفية بوجه عام .

إن الأديب يعكس وعيه بالحياة من خلال اللغة وطريقة استخدامه لها لا من خلال الحكائية التى يمارسها .

وخضوعا لمنطق الحكاية التى لا نشك أنها عنصر من عناصر كثيرة تخص العمل القصصي أو الروائي  فإننا مضطرون أن نعرج إلى التفرقة اللازمة بين الأحداث التى تنبني عليها القصة فى وجودها المستقل، قبل أن تتحول إلى عمل أدبي، وبين النص الأدبي باعتباره وسيطاً روائيا أو قصصياً له منطقه الخاص فى إعادة رصد هذه الأحداث من منظور زماني ومكاني مغاير. وثمة تفرقة أخرى بين المؤلف والرواية ... المؤلف أيضا له استقلاليته باعتباره مخترع للرواية وإن شئنا الدقة خالق له والمؤلف بالضرورة هو خالق لعشرات الرواة فى عشرات النصوص ولكن استقلال المؤلف يجعله بمنأى عن الالتحام بالراوية .

من ناحية أخرى ثمة تفرقة بين القارئ الضمني الوهمي الذي يتوجه إليه المؤلف بالخطاب لحظة الكتابة، وبين القارئ المفترض.. القارئ الضمني هو الذى يتوجه إليه المؤلف بالنص . والقارئ المفترض يظل مفترضاً فى التاريخ وهو الذى يتوجه إليه الراوية .

هذه التفرقة تبدو أولية وضرورية ومن دون الوعى بها سيصبح المؤلف رواية، والقارئ المفترض هو القارئ الضمني ، ومن ثم ستصبح الروايةأو القصة باعتبارها نصاً أدبياً مجرد حكاية يتوجه بها كاتبها إلى آخرين لا باعتباره أديباً، وإنما باعتباره ممارسا لتزجية الفراغ أو حكاءً مهمته تسلية الجماهير بدعوى توعيتهم ، ثمة زعم أن تتحول التسلية إلى عمل مؤثر يثَـوِّر الجماهيرأو يوعيها، هذا كلام من قبيل الهرطقة لأن الأديب ليس جماهيرياً من ناحية ومن ناحية أخرى الغرض يظل عبيثا؛ لأن المهرج يظل مهرجا فى نظرنا إليه.

الأديب أديب بلغته وإلا فلا .. إن إختيار لغة الراوية ليس أمراً ميسوراً .. إذ هل علينا ونحن نكتب أن نراعي مستويات المتلقين الذين نفترض وجودهم افتراضاً ما ، وذلك على مذهب الأدب التعليمى الذى يذهبه النقاد العرب التقليديون والمتمثل فى أن الأدب يجب أن ينهض بوظيفة تنويرية فيالمجتمع، وعليه أن يفيد الناس ويهذبهم تهذيبا ؟ ومع إننا لا نذهب هذا المذهب العليل، ومع أننا أيضا نقر بأدبية اللغة حين تنشط عبر نفسها، فإننا مع ذلك نميل إلى ألا تكون هذه اللغة عامية ملحونة أو سوقية هزيلة أو متدنية رتيبة، و إلي استخدام لغة شعرية ما أمكن، مكثفة ما أمكن ، موحية ما أمكن، تصنع الجمل القصار ما أمكن، وتكون مفهومة مع ذلك لدى معظم القراء الذين لن يكونوا بطبيعة الحال عمالاً أو فلاحين أوحتى معلمى المدارس . هذا من ناحية ،ومن ناحية أخرى يوم أن يتنازل الأديب عن دوره وعن لغته التى هى دوره ليتحول إلى رجل مخترع للحكايات مفبرك للأحداث، خاضع تماماً لمنطق الواقع ومستخدما لأية لغة للتوصيل لا التخييل، فبماذا يمكننا مناقشته غير أن نُخضِع النقاش لنفس المستوى، وننظر فى حكايته التى يفبركها لنحصي له ما سقط فيه من فجوات أثناء الحكاية وما فاته أن يسبر غوره أمام الصابرين من القراء .

 

ثانياً:

القصة وطبيعة التفكير الدرامي

 

لقد تطور فن القصة في خلال القرون الثلاثة الماضية حيث وصل في عصرنا الحاضر إلى ما يُسمى بالقصة الدرامية، ولا شك أن القصة ذات الطابع الدرامي هي أرقي أنواع التعبير القصصي المعاصر ، والدراما تعني ببساطة الصراع في أي شكل من أشكاله ، والتفكير الدرامي هو ذلك اللون من التفكير الذي لا يسير في اتجاه واحد ، وإنما يأخذ دائماً في  الاعتبار أن كل فكرة تقابلها فكرة، وأن كل ظاهر يستخفي وراءه باطن، وأن التناقضات ـ وإن كانت سلبية في ذاتها ـ فإن تبادل الحركة بينها يخلق الشيء الموجب، ومن  ثم كانت الحياة نفسها إيجاباً يستفيد من هذه الحركة المتبادلة بين المتناقضات.

وإذا كانت الدرما تعني الصراع ، فإنها تعني أيضاً الحركة من موقف إلى موقف مقابل، ومن عاطفة أو شعور إلى عاطفة أو شعور متقابلين، ومن فكرة إلى وجه آخر من الفكرة ، وهي موضوعياً ـ أي الدراما ـ تتخذ مادتها من الحياة ، وربما لهذا يقال : إن الحياة في طبيعتها درامية .. طبيعة بناء الحياة في مجملها قائمة على هذا الأساس الدرامي، فلا غرو أن تتمثل الدراما في كل جزئية من جزئيات هذا البناء، وأعني مفردات الحياة ذاتها. وربما لهذا يقال إن التفكير الدرامي تفكير موضوعي إلى حد كبير حتي عندما يكون المعبر عنه موقفاً أو شعوراً ذاتياً صرفاً. وعموماً فإنه ليس من السهل أن يتحقق الطابع الدرامي في العمل القصصي ما لم تتمثل وراءه أو فيه العناصر الدرامية الموضوعية الأساسية وأعني بها الإنسان والصراع وتناقضات الحياة ومفارقاتها.

وبجانب خاصيتي الحركة والموضوعية اللتين تميزان التفكير الدرامي هناك خاصية اساسية هي التجسيد ، إذ لا يأتلف التفكير الدرامي ومنهج التجريد؛ لأن الدراما أي الحركة لا تتمثل في المعنى أو المغزي ، وإنما تتمثل فيما يؤدي إلى معنى ومغزى، وأعني الوقائع المحسوسة التى تصنع نسيج الحياة ، ومن ثم كان التفكير الدرامي هو التفكير بالأشياء، أي مجسماً لا تفكيراً تجريدياً، ولهذا فإن من سمات العمل القصصي الدرامي أنه يعني بالتفصيلات الحية والجوهرية.

ولذلك فإن طبيعة العمل الفني الرامي ينظر إليها من جانبين، الفني والرؤيوي معاً، إذ لا يمكن أن يكون التفكير دراميا والنتج الفني غير ذلك، والعكس أيضاً صحيح، ولا يمكن أن يكون التعبير درامياً مالم يكن الدافع الأول للكتابة يحمل في ثناياه بذوراً درامية.

فمن حيث الرؤية فإن الفنان في إطار التفكير الدرامي يدرك أن ذاته ليست معزولة عن بقية الذوات الأخرى في العالم الموضوعي بعامة، وإنما هي ـ ومهما كان استقلالها ـ ليست إلا ذاتاً مستمدة من ذوات تعيش معها في عالم موضوعي تتفاعل معه ، وهو ينفتح ببصيرته على دراما الحياة في مسيرة سعيه الدؤوب لرصد الأشياء وفهم الحياة على التناقض الذي يتمثل في أبسط جوانب الحياة قبل أن يكون في أكثر الجوانب تعقيداً. وهو ـ أي الفنان ـ في حالتي الصراع ورصد المتناقضات ، و المفارقات قادر على أن يقدم إلينا إنتاجاً درامياً من الطراز الأول، إذ يستطيع أن يقيم بناء فلسفياً يفسر لنا الحياة والأشياء تفسيراً خاصاً. ، ومن ثم ـ وفي إطار التفكير الموضوعي ـ لا يمكن للفنان أن يصب شعوره  أو فكره إلا في إطار البنية الدرامية العامة للحياة.

ولذلك يقال إن من طبيعة التفكير الدرامي أنه لا ينظر في اتجاه واحد ، ولا يتوقف عند السطوح ، ولا يقول ما قيل من قبل ، ولا يقول ما قيل دون معاناة، وكما قال الدكتور عز الدين اسماعيل في معرض حديثه عن النزعة الدرامية : " إننا في عصر لم تعد فيه السطوح الملساء تستثيرنا، لكثرة ما استثارتنا من قبل ولم تعد الأنوا وحدها تبهرنا، ولم يعد الظلام وحده يخيفنا، ولكن حين يجتمع النور والظلام يكون البهر والخوف" ، وربما أن المثل القديم " إنما يظهر الشىء ضدُه"  قائم أساساً على تصور الفكرة بين نقيضين، هكذا يمكننا أن نقرر أن النبرة الوعظية المباشرة ، والخطاب الممهود المسطح،الذي يؤثر السلامة فوق السطوح الملساء، لم يعدا لهما موضع في الخطاب العصري الدرامي، ربما لأنهما فقدا جدواهما على التأثير، لمجافاتهما طبيعة الحياة من جهة ، ومن جهة أخرى لأن إنسان العصر لم يعد من السذاجة التي تجعله بحالة ما يتأثر بخطابات لا تتماهي مع طبيعة الحياة المتصارعة، بمفارقاتها، وانهياراتها المتلاحقة، وحركيتها التي لا تريم. وربما لهذا يقال: لا تسطح ولا استواء في العمل الدرامي، والفنان المنهمك في فهم الحياة لا يمكن بحالة ما إلا أن يكون صاحب نزعة درامية مسيجة بالوعي الشمولي، وإن وعي الفنان هذا هو ما يحميه دائماً من التسطح والإبتذال والتفاهة، وربما لهذا يقال أيضاً : إن السارد (الراوية) المطمئن غير مقنع وغير منطقي وغير مؤثر، إن اطمئنانه يجعله منفصلا عن الواقع المضطرب الذي يتصارع من حوله، ولذلك يقرض عليه اطمئنانه كثير من التمهيدات والتهييئات قبل الدخول إلى الحدث، كما يعطيه سلطة السيطرة على الزمن ، فنراه يوقف الدراما ويعطل الحركة أحيانا ممارساً ثرثرته حول الحدث، وحول أفعال الشخوص وتصرفاتهم، وهو غير مقنع لأنه في عالم اللايقين يمكنه أن يدخل إلى رؤؤس ونفوس الشخوص لينقل لي بدلا عنهم كيف يسعرون الآن، وفيما يفكرون.

ومن حيث الفن فإن للتعبير الدرامي وسائله في النص القصصي الكثيرة، منها ما نلمسه من عناية بالتفصيلات الحية والجوهرية والتى من خلالها تتجسد رؤية القاص، فمهما يقال إن الدراما متجسدة في الحياة ، فإن اكتشافها رهن برؤية الفنان عموماً.، ما نلمسه على مستوى الحدث من  صراع بين النقائض، وفي الحركة والحركة المتقابلة بين الأفعال وردود الأفعال، وسائر المقابلات التى تغزى الدراما، ، وعلى المستوى التعبيري ما نلمسه فى اللغة من مقابلات.بين الصور والمفردات، أوبين الجمل والألفاظ، أو المقابلات بين الأبعاد الداخلية للشخوص وخارجهم، ولهذا كان الحوار بنوعيه الداخلي (المنولوج) والخارجي (الديالوج) من عناصر المغذية للدراما  في النصوص لو أحسن توظيفهما،  ومن شواهد التعبيرالدراما أيضاً ارتباط اللغة بالموقف الدرامي الذي يعبر عنه الفنان، ولذلك من ضمن فنيات القصة الدرامية وجمالياتها أن تأتي لغة السرد الدرامي متوائمة مع الحدث ومع الشخوص وبيئاتهم ورغباتهم ومستوى تفكيرهم.

 

 

 

ثانياً:القصة وطبيعة التفكير الدرامي

 

لقد تطور فن القصة في خلال القرون الثلاثة الماضية حيث وصل في عصرنا الحاضر إلى ما يُسمى بالقصة الدرامية، ولا شك أن القصة ذات الطابع الدرامي هي أرقي أنواع التعبير القصصي المعاصر ، والدراما تعني ببساطة الصراع في أي شكل من أشكاله ، والتفكير الدرامي هو ذلك اللون من التفكير الذي لا يسير في اتجاه واحد ، وإنما يأخذ دائماً في  الاعتبار أن كل فكرة تقابلها فكرة، وأن كل ظاهر يستخفي وراءه باطن، وأن التناقضات ـ وإن كانت سلبية في ذاتها ـ فإن تبادل الحركة بينها يخلق الشيء الموجب، ومن  ثم كانت الحياة نفسها إيجاباً يستفيد من هذه الحركة المتبادلة بين المتناقضات.

وإذا كانت الدرما تعني الصراع ، فإنها تعني أيضاً الحركة من موقف إلى موقف مقابل، ومن عاطفة أو شعور إلى عاطفة أو شعور متقابلين، ومن فكرة إلى وجه آخر من الفكرة ، وهي موضوعياً ـ أي الدراما ـ تتخذ مادتها من الحياة ، وربما لهذا يقال : إن الحياة في طبيعتها درامية .. طبيعة بناء الحياة في مجملها قائمة على هذا الأساس الدرامي، فلا غرو أن تتمثل الدراما في كل جزئية من جزئيات هذا البناء، وأعني مفردات الحياة ذاتها. وربما لهذا يقال إن التفكير الدرامي تفكير موضوعي إلى حد كبير حتي عندما يكون المعبر عنه موقفاً أو شعوراً ذاتياً صرفاً. وعموماً فإنه ليس من السهل أن يتحقق الطابع الدرامي في العمل القصصي ما لم تتمثل وراءه أو فيه العناصر الدرامية الموضوعية الأساسية وأعني بها الإنسان والصراع وتناقضات الحياة ومفارقاتها.

وبجانب خاصيتي الحركة والموضوعية اللتين تميزان التفكير الدرامي هناك خاصية اساسية هي التجسيد ، إذ لا يأتلف التفكير الدرامي ومنهج التجريد؛ لأن الدراما أي الحركة لا تتمثل في المعنى أو المغزي ، وإنما تتمثل فيما يؤدي إلى معنى ومغزى، وأعني الوقائع المحسوسة التى تصنع نسيج الحياة ، ومن ثم كان التفكير الدرامي هو التفكير بالأشياء، أي مجسماً لا تفكيراً تجريدياً، ولهذا فإن من سمات العمل القصصي الدرامي أنه يعني بالتفصيلات الحية والجوهرية.

ولذلك فإن طبيعة العمل الفني الرامي ينظر إليها من جانبين، الفني والرؤيوي معاً، إذ لا يمكن أن يكون التفكير دراميا والنتج الفني غير ذلك، والعكس أيضاً صحيح، ولا يمكن أن يكون التعبير درامياً مالم يكن الدافع الأول للكتابة يحمل في ثناياه بذوراً درامية.

فمن حيث الرؤية فإن الفنان في إطار التفكير الدرامي يدرك أن ذاته ليست معزولة عن بقية الذوات الأخرى في العالم الموضوعي بعامة، وإنما هي ـ ومهما كان استقلالها ـ ليست إلا ذاتاً مستمدة من ذوات تعيش معها في عالم موضوعي تتفاعل معه ، وهو ينفتح ببصيرته على دراما الحياة في مسيرة سعيه الدؤوب لرصد الأشياء وفهم الحياة على التناقض الذي يتمثل في أبسط جوانب الحياة قبل أن يكون في أكثر الجوانب تعقيداً. وهو ـ أي الفنان ـ في حالتي الصراع ورصد المتناقضات ، و المفارقات قادر على أن يقدم إلينا إنتاجاً درامياً من الطراز الأول، إذ يستطيع أن يقيم بناء فلسفياً يفسر لنا الحياة والأشياء تفسيراً خاصاً. ، ومن ثم ـ وفي إطار التفكير الموضوعي ـ لا يمكن للفنان أن يصب شعوره  أو فكره إلا في إطار البنية الدرامية العامة للحياة.

ولذلك يقال إن من طبيعة التفكير الدرامي أنه لا ينظر في اتجاه واحد ، ولا يتوقف عند السطوح ، ولا يقول ما قيل من قبل ، ولا يقول ما قيل دون معاناة، وكما قال الدكتور عز الدين اسماعيل في معرض حديثه عن النزعة الدرامية : " إننا في عصر لم تعد فيه السطوح الملساء تستثيرنا، لكثرة ما استثارتنا من قبل ولم تعد الأنوا وحدها تبهرنا، ولم يعد الظلام وحده يخيفنا، ولكن حين يجتمع النور والظلام يكون البهر والخوف" ، وربما أن المثل القديم " إنما يظهر الشىء ضدُه"  قائم أساساً على تصور الفكرة بين نقيضين، هكذا يمكننا أن نقرر أن النبرة الوعظية المباشرة ، والخطاب الممهود المسطح،الذي يؤثر السلامة فوق السطوح الملساء، لم يعدا لهما موضع في الخطاب العصري الدرامي، ربما لأنهما فقدا جدواهما على التأثير، لمجافاتهما طبيعة الحياة من جهة ، ومن جهة أخرى لأن إنسان العصر لم يعد من السذاجة التي تجعله بحالة ما يتأثر بخطابات لا تتماهي مع طبيعة الحياة المتصارعة، بمفارقاتها، وانهياراتها المتلاحقة، وحركيتها التي لا تريم. وربما لهذا يقال: لا تسطح ولا استواء في العمل الدرامي، والفنان المنهمك في فهم الحياة لا يمكن بحالة ما إلا أن يكون صاحب نزعة درامية مسيجة بالوعي الشمولي، وإن وعي الفنان هذا هو ما يحميه دائماً من التسطح والإبتذال والتفاهة، وربما لهذا يقال أيضاً : إن السارد (الراوية) المطمئن غير مقنع وغير منطقي وغير مؤثر، إن اطمئنانه يجعله منفصلا عن الواقع المضطرب الذي يتصارع من حوله، ولذلك يقرض عليه اطمئنانه كثير من التمهيدات والتهييئات قبل الدخول إلى الحدث، كما يعطيه سلطة السيطرة على الزمن ، فنراه يوقف الدراما ويعطل الحركة أحيانا ممارساً ثرثرته حول الحدث، وحول أفعال الشخوص وتصرفاتهم، وهو غير مقنع لأنه في عالم اللايقين يمكنه أن يدخل إلى رؤؤس ونفوس الشخوص لينقل لي بدلا عنهم كيف يسعرون الآن، وفيما يفكرون.

ومن حيث الفن فإن للتعبير الدرامي وسائله في النص القصصي الكثيرة، منها ما نلمسه من عناية بالتفصيلات الحية والجوهرية والتى من خلالها تتجسد رؤية القاص، فمهما يقال إن الدراما متجسدة في الحياة ، فإن اكتشافها رهن برؤية الفنان عموماً.، ما نلمسه على مستوى الحدث من  صراع بين النقائض، وفي الحركة والحركة المتقابلة بين الأفعال وردود الأفعال، وسائر المقابلات التى تغزى الدراما، ، وعلى المستوى التعبيري ما نلمسه فى اللغة من مقابلات.بين الصور والمفردات، أوبين الجمل والألفاظ، أو المقابلات بين الأبعاد الداخلية للشخوص وخارجهم، ولهذا كان الحوار بنوعيه الداخلي (المنولوج) والخارجي (الديالوج) من عناصر المغذية للدراما  في النصوص لو أحسن توظيفهما،  ومن شواهد التعبيرالدراما أيضاً ارتباط اللغة بالموقف الدرامي الذي يعبر عنه الفنان، ولذلك من ضمن فنيات القصة الدرامية وجمالياتها أن تأتي لغة السرد الدرامي متوائمة مع الحدث ومع الشخوص وبيئاتهم ورغباتهم ومستوى تفكيرهم.

 

1 ـ السارد ووضعيته :

كثيراً ما تنتاب المرء منا رغبة أن يحكي لأصدقائه حكاية ما حدثت معه أو أمامه في الحقيقة، وهو يعلم أنه بمجرد أن يشرع في الحكي عليه أن يتحول إلي راوية، ومهمته واضحة هو نقل حكاية ما، حدثت حقيقة، لكنه حقيقة يتساءل: لماذا أنا راغب في نقل هذه الحكاية للآخرين؟ .. وعليَّ أن أجيب بيني وبين نفسي؛ إذ لابد أنني أهدف إلى توصيل رؤية ما من وراء الحكي، إذ ليس من المعقول أن يكون الهدف هو مجرد التسلية، أو حتي مجرد إعادة إنتاج الواقع الذي يراه ويشاهده الناس ويألفونه.. إن مجرد ألفتهم للواقع تعني أنني بالنسبة لهم أطرق المطروق، أو أعيد عليهم ما يخبرونه جيداً .. من ناحية أخري لابد أن  أسأل نفسه: أين أنا من الأحداث التي سأرويها: أو بالمعني هل أنا مجرد مراقب من الخارج ودوري الآن هو النقل فقط،، أم النقل والتعليق والتعقيب على الأحداث، أم النقل فقط .. أم أنني حقيقة كنت مشاركاً فيها مثل بقية الشخوص، وهل أنا مشارك بدور أساسي أم كنت هامشياً في الأحداث، أم أنني حقيقة سأنقل أحداثاً لم أكن مشاركا فيها، ولم أكن أعي تماماً ما يدور ولكني سأنقل ما يمكن أن يكون قد وصلني منها علي قدر استيعابي .. باختصار علي الراوية أن يحدد وضعيته من الشخوص والأحداث .. السؤال الذي يمكنه أن أسأله لنفسه قبل أن أشرع في الحكي: من أين أبدأ ؟ لقد حدثت الأحداث  في الحقيقة دفعة واحدة أو جملة مترابطة، وفي زمن مركب ( زمن القصة في الحقيقة) وعليَّ الآن أن أسلسلها في زمن آخر متسلسلة أفقيا حدثاً وراء حدث ( زمن القصة في النص) ، ثم أقوم بعملية الربط بينها حتي يستوعب المحكي له العلاقة بين جزئيات الحدث، إذن عليَّ أن أكون صاحب منظور قصصي معين يؤهلني لتشويه زمن القصة التى حدثت حقيقة؛ ليتسني لي عرضها بشكل آخر وفق تراتبية زمنية مختلفة.. من ناحية أخري أنا أسأل نفسي أيضاً : كيف أبدأ الحكاية .. هل سألتزم بمنطق حدوثها في الحقيقة أم سأبدأ وفق منطقي الخاص، كأن أبدأ من نهايتها ـ مثلاـ ثم أعود لاحقاً إلى البداية، أم أبدأ من المنتصف، ثم أرتد إلي البداية، وهذا معناه أنني لابد أن أكون صاحب منظور معين للقص يتفق مع وضعيتي التي حددتها سلفا، ويتفق مع وجهة النظر التي أمتلكها أساساً، وعلي أن أتساءل أيضاً هل أنا مجرد سارد للقصة، أم أنني في الحقيقة صاحب أسلوب قصصي مشوق وممتع ومتفرد ( مؤلف ) وعلى أن أفصل بين كوني مؤلفاً، وبين كوني سارداً، وربما أنني تراجعت أمام عملية القص إذا اكتشفت في لحظة ما أنني لست أهلا لأن ألعب دور المؤلف .. ومن جهة أخرى علي أن أسأل نفسي هل ما حدث فى الحقيقة يصلح لعرضه الآن كحكاية لها خاتمتها المنطقية، أو المفارقة؟، وهل لها مبتدؤها الممهود لاستيعاب وجهة النظر، وهل هي حكاية غنية  بما يؤهلها لتغذية السرد بعناصر مؤهلة لصنع حكاية مشوقة ذات مغزى؟؟ .. ثمة اسئلة كثيرة إذن وسمة أدوار، ووضعيات ووجهات نظر ومنظور قص، وأسلوب سرد، ورؤية ما من وراء السرد، وفي النهاية ثمة مؤلف ناسج له سمة الأديب الذي يستطيع أن ينشيء باللغة وعليه أن يتسامي عن مجرد كونه سارداً إذ المفترض أن السارد من إختراعه، والمفترض أن السارد مجرد أداة من ضمن أدواته الأخرى.

لعلني بهذه المقدمة أكون قد مهدت للوصول إلى ما أقرته نظرية البويطيقا بخصوص دور السارد (الراوية) ووضعيته، وبخصوص التفرقة بين القصة كما حدثت في الحقيقة، وبين العمل القصصي.. وقبل أن أعرض لهذه الآراء أتوقف عند مقولة من عينة ما قرأناه ونقرأه عند المبتدئين وأحيانا غير المبتدئين وهم يضعون لافتة فوق النص تؤكد أن " هذه قصة واقعية" دون أن يدركوا أن كلمة واقعية لا تعني أنها حدثت في الحقيقة، فثمة واقعي وحقيقي، الواقعي هو النقيض من الرومانسي، وهو أيضاً النقيض من السريالي، وهو النقيض من الأسطوري، ولا يعني ذلك حدوثه على وجه الحقيقة، بل يعني إلتزامه بالواقع على مستوي الرؤية، هو تصنيق رؤيوي فلسفي إذن، يجر إلي اشتراطات فنية عند الكتابة، أما الحقيقي فهو ما حدث بالفعل وما يمكن أن نقرأه في صفحات الحوادث في الجرائد، وما يجري على ألسنة الناس من حكايا حول ما فعلوه أو ما شاهدوه ، ومهما كان أسلوبهم، فإن ما يحكونه ليس عملا قصصياً، لأنه لم يجب عن كل الأسئلة التي سبق أن طرحتها، ولأن مهمة عرضه ليست مهمة الأديب / الفنان، فإعادة إنتاج الواقع ليست من الفن في شيء، الفنان هو من يفن، ولعل الإبداع أساسا ـ كتعريف قاموسي ـ هو الخلق على غير مثال سابق .

ولعل كل الدراسات التي تمت أو تتم على القصة القصيرة أو الرواية ، تبدأ من اعتباره عملاً سردياً، له سارد (راوية) وهو شخصية وهمية مخترعة لأداء دور معين، مثله مثل الكاميرا أحيانا في يد المصور عليه أن ينقل الأحداث بحيادية، إذن هو في النهاية أداةمن أدوات القاص (المؤلف) وله مستوى لا يتخطاه، أو بالمعني هو في إطار دوره يختلف عن المؤلف، ومن ثم له وجهة نظر ترتبط بوضعيته بالنسبة للشخوص والأحداث، وله مستوي معين من الفكر والثقافة في إطار دوره أيضاً، وهو مختلف بالضرورة عن مستوي المؤلف (صاحب آلاف الرواة أو الساردين عبر أعماله الإبداعية) لذلك يمكننا ببساطة اكتشاف سطوة المؤلف على الراوية ودوره عندما نجد أسلوب الراوية أعلي بكثير من وضعيته في القصة، وأعلي من مستواه الفكري والثقافي المفترض إذا كان من الشخوص ساعتها يمكننا التعرف علي مستواه من خلال حكيه عن نفسه ، ومن خلال سلوكه الفعلي ومساهماته في الأحداث، أو من خلال المعلومات التي يوفرها لنا عن نفسه، كأن نأتي بعامل في البلدية مثلا، ولم يتلقى تعليماً، ومن وسط فقير ثقافياً، ومادياً وحضارياً، ثم نجعله بطل القصة وراويها ، ثم نجعله يتكلم فى حواراته بلغة قاموسية رصينة ، ثم ننطقه بمنطق المثقفين، ثم نجري على لسانه حديثا يفيض فلسفة وتحليلاُ  للواقع ، أو تتساقط منه عبارات تنم عن تخصصية علمية، أو تبحر فكري .. هنالك نكتشف أن المؤلف أعطى الراوية أجازة مفتوحة وبدأ يتحدث نيابة عنه، وهنالك نقول : لقد سقطت الأداة الأولي في يد المؤلف وهو الراوية ومن ثم لا عمل قصصي في الأساس، إذ بانهيار السارد (الراوية) ينهار السرد تماماً.

 

إذن عندما نشرع في السير فى دراسة وضعية /وضعيات السارد فى علاقتها ببنية النص يجب أن نفرق بداية بين القصة كما حدثت أو تحدث في الحقيقة وبين العمل القصصي / النص  باعتبار الأخير وسيطا قصصياً / خطاباً 0

 ثمة فارق كبير إذن بين النص القصصى والقصة أو الأحداث الحقيقية  قبل أن تتجسد فى نص0 إذ تُرى أحداثا ينظر إليها على أن لها وجوداً مستقلا  عن أية وجهة نظر معينة  تظهر من خلالها الأحداث فى العمل القصصي / النص. ويُنطر إليها على أن لها خصائص الأحداث الحقيقية التى لها وجود فعلي ، والأحداث فى وجودها الفعلي يمكن أن تحدث جملة " فى لحظة واحدة " لكنها فى الخطاب القصصى تأتى بكيفية ما وفق نظام زمنى أفقي تراتبى قد يستغرق مساحة زمنية طويلة لذلك يمارس السارد( الراوية ) كافة صلاحياته – باعتباره صاحب الخطاب القصصى وصانعه- فى تشويه هذا الزمن الأفقى ليربكه ويجعله قادرا على استيعاب الأحداث بشكل أو بآخر، وربما يترتب على هذا الإرباك والتشويه الزمنى أن العمل القصصى ربما لا تظهر فيه العلاقات بين حدث وحدث بشكل يتفق ومنطق الواقع أو منطق حدوثها فى الحقيقة أو حتى ترتيبها.

والسارد وهو يقوم بهذا الفعل لا يقوم به اعتباطاً وإنما يتم الأمر وفق منظور معين أو وجهة نظر معينة 0هذا المنظور أو وجهة النظر هو الذى يحدد وضعية السارد مكانياً وزمانياً بالنسبة لشخوص قصصه .

والحقيقة ان وضعية السارد تثير مشكلات منهجية عدة ، يتعلق بعضها ببنية النص وبعضها الآخر يتعلق بالقيم المبثوثة فى النص ، وبعض ثالث يتعلق بالعلاقة بين النص والمؤلف ، وبعضها يتعلق بأسلوب السرد ، وبعضها يتعلق ببنية الزمن القصصي، وبعضها يتعلق ببنية المكانية في النص.

ولقد حدد " تزفيتان تودوروف " وضعيات أو تجليات السارد فى النص فى ثلاثة أصناف:

السارد أكبر من الشخصية القصصية أو الروائية (الرؤية من الخلف)وهو ما يسمي بالسارد العليم الذي يبدو أعلي من شخوصه .

السارد مساوٍ للشخصية ( الرؤية مع أو الرؤية المصاحبة) وهو أقرب إلى الكامرا الذي عليها أن تنقل الأحداث بحيادية.

السارد أصغر من الشخصية ( الرؤية من الخارج أو الأمام) وفيها تبدو معلومات السارد أقل من شخوصه، كأن ينقل مثلا قصة من داخل المناجم ، وهو لتوه يدخل منجما لأول مرة في حياته.

ولقد كان القصاص والروائيون التقليديون لايعرفون أو لا يكادون يعرفون إلا مايسمى في تقنيات السرد بالرؤية من الخلف، حيث الراوية المسيطر على الحدث والشخوص يعرف كل صغيرة وكبيرة ويسمح لنفسه بالشروح والتعليق على الأحداث ، وربما أعطي لنفسه حق السخرية من الشخوص، ويسمح لنفسه أيضاً للدخول إلى جوانيات الشخوص وينقل ما في ضمائرهم، ونفسياتهم، وربما يمارس بعضاً من التعليق عليها وشرحها باعتباره عليما بكل شيء، ولذلك يبدو سرده ملئ بالثرثرة،  وبالفجوات غير الدرامية أي الخالية من الفعل ورد الفعل ، أو الأحداث، فيما يحتل وحده مساحات كثيرة من السرد، بعيدا عن صلب الأحداث.

هذا بالنسبة للسارد ووضعيته .. أما عن القصة القصيرة كعمل نوعي له سماته الفنية المحددة التي تجعله عملا فارقا عن الأجناس الأدبية الأخري ومهما قيل أنه يستوعبها أو يتماس معها، ومهما قيل أن الحدود سقطت بين العرق والجنس واللون ، فإن كل ذلك يأتي من باب التقارب والاستيعاب وليس من باب القضاء على النوعية.

إننا لا نستطيع أن نلغي تاريخ الأدب ونظرياته والمنجز فيه من أعمال فنية،  ولكن علينا أن ننطلق منها لا عليها، هذه واحدة، الثانية لكي أنطلق منها لابد أن أعيها أولاً، ومهما يقال إن الفن هو التجاوز أو اجتياز المحددات التقعيدية ـ ولعل هذا صحيح ـ  يبقي شرطنا ـ في مضمار الفن ـ أن الخروج على الفن لابد أن يكون بفنٍ أيضاً .

ولعلني أكون ممهدا بذلك لعرض ما اتفقت عليه المراجع الأدبية في مجال القصة القصيرة كعمل نوعي .

2 ـ الأسس البنائية للقصة القصيرة :

 

والحقيقة إن النقاد عبر التاريخ الأدبي الحديث ومنذ بزوغ القصة القصيرة في منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن ـ اختلفوا فى تعريف القصة القصيرة ، وذهبوا مذاهب شتى، ومع ذلك فإن محاولة تعريف القصة القصيرة تعريفاً جامعاً مانعاً لم يُكلل بالنجاح، ولعل تقريب مفهوم "الشكل" وتقاليده، عن طريق مقارنته بالرواية التى تشاركه في بعض الملامح والقسمات، يصبح أكثر إقناعاً وتيسيراً ـ لتقبل خصائصه ومميزاته ـ في محاولة السعي من أجل التعريف والتحديد.

إن القصة القصيرة هي أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر، لأنها انتقلت بمهمة القصة الطويلة أو الرواية من التعميم إلى التخصيص، فلم تعد تتناول حياة بأكملها، أو شخصية كاملة بكل ما يحيط بها من ملابسات وظروف وحوادث كالرواية. وإنما اكتفت بتصوير جانب واحد من جوانب حياة الفرد، أو زاوية واحدة زوايا الشخصية، أو تصوير خلجة واحدة من خلجات النفس الإنسانية، تصويراً مكثفاً يساير روح العصر في إيجاز وبكلمات منتخبة، تؤدي إلى جلاء حقيقة واحدة، أو تحديد رأي معين، أو نقل انطباع خاص.

فإذا كانت الرواية تتناول قطاعا طولياً من الحياة، فإن القصة تتناول قطاعا عرضيًّا . وإذا كانت الرواية أقرب إلى التوغل في أبعاد الزمن، فإن القصة القصيرة أقرب إلى التوغل في أبعاد أبعاد النفس.

وعليه يمكننا أن نحدد الأسس البنائية للقصة القصيرة: 

 

لما كانت القصة القصيرة تُعدُّ من أصعب الأشكال الأدبية، فإن نقاد هذا الفن الأدبي، يحاولون وضع مجموعة من المقومات والمبادئ ، تشكِّل أسسه البنائية الفنية، حتى يَتَرَسَّمها كل من يريد الإبداع في هذا المجال، ومنها:

أولاً : مبدأ الوحدة:

إنه جوهري وأساسي من أسس بناء القصة القصيرة فنيًّا، فالقصة القصيرة يجب أن تشمل علي فكرة واحدة تعالج حتى نهايتها المنطقية بهدف واحد، وطريقة واحدة، وهذا المبدأ هو ما يميز كلَّ قصة قصيرة جيدة عن غيرها، إذ إن طبيعة القصة القصيرة لا تسمح بعناصر مختلفةٍ تدخل في نسيجها ، وما نلاحظه في كثير من القصص الحديثة من خروج عن مبدأ الوحدة هذا هو في الحقيقة ليس خروجاً، فكثيراٌ ما نلاحظ ثمة تشعب بوسائل فنية إلى ماضي الشخصية عن طريق الفلاش باك " الاسترجاع" ، أو إلي اجتاز اللحظة القصصية إلي الأمام عن طريق الاستباق، أو الحلم، أو التداعي الحر، أو ما شابه ذلك من وسائل من شأنها الخروج بفنية ما عن اللحظة القصصية، إلا أن ذلك لا يعد خروجاً ما دام يتم وفق مع وجهة نظر الراوية ومنظور القص عنده، وما دام خروجه مبررا فنياً لتدعيم اللحظة القصصية نفسها.

 وربما المثال الذي دائماً ما نعطيه كتطبيق عملي علي هذه الجزيئة ، وهو مثال افتراضي على أية حال : نفترض أننا بصدد كتابة قصة قصيرة عن حادثة تصادم سيارتين ، فإن مهمة السارد من حيث تطبيق مبدأ الوحدة هي تصوير أو رصد لحظة التصادم نفسها، أما لو نظرنا إلى وجهة نظر السارد الكامنة وراء عملية الرصد وربما دافعه إلى الرصد سنزهل.

هو سارد متابع فقط ، وأراد أن ينقل لنا حادثة التصادم هذه من خلال وجهة نظر محددة تتفق مع رؤية ما يعتنقها، ولتكن مثلاً: " فتِّش عن المرأة وراء كل جريمة، أو حدث حتى لو كان حادثة تصادم سيارتين " .. هذه الرؤية ستظل دافعه إلى عملية الرصد، وهي السبب الجوهرى من وراء نقله الحادثة، وهي على أية حال  هي رؤية خاصة بالمؤلف، ولكن المؤلف اخترع لها ساردًا ينوب عنه لنقلها أو يعبر عنها من خلال نقله لحادثة التصادم تلك .. إذن العملية ليست مجرد إعادة إنتاج الواقع، وليست مجرد رصد حادثة من شأنها أن تسلي القارئ أو السامع، وليس لتزجية الفراغ، وليس للحديث عما يمكن أن يكون متوقعاً عن أحداث السير وتزاحم السيارات أو مخالفة قواعد المرور أو ما شابه ذلك مما يعرفه الناس من أحداث اعتيادية.

لهذا هو مضطر ـ بناء على وجهة نظره تلك أن ينتقل بالكاميرا ( عين السارد) ، مودعاً المشهد الآني (التصادم وما فيه من تحطم ودماء وفرقعات وقتلي) إلى ماضي كل شخصية على حدة؛ لينقل لنا معتمداً على "الفلاش باك" لقطات من حياة السائق الأول الذي كان شارد الذهن، لأن امرأته ليست جميلة ، ولكنه تزوجها دون قناعة منه خضوعاً لثقافة البيئة القروية الريفية القبلية التي قد تُلزم ابن العم أن يتزوج من ابنة عمه درأ للعار الذي لابد أنه سيلحق القبيلة لو أن ابنة عمه ظلت هكذا دون رجلٍ ، أو مطمعاً للرجال.  ومن ثم فإن هذا السائق بوضعيته تلك غير قنوع بامرأته ، ودائماً يروغ ببصره إلى النساء في الشارع ، ومن ثم كان من المنطقي أن يصطدم يوماً ما بالسيارات المارقة وغير المارقة في الطريق.

السائق الثانى وهو ثري .. و سوف يتطرق إليه السارد أيضاً عن طريق "الفلاش باك "إلى لقطات من ماضي حياته ، وهو على أية حال متزوج من امرأة جميلة جداً، تزوجها دون إرادة أو رغبة حقيقية منها، خضوعاً لرغبة أسرتها في تزويجها من هذا الثري، ومن ثم لم تكن حياتهاما مظللة بالمودة والوئام وكانت كثيرة التمنع والتدلل، والمطالب ، كثيرة الأوامر ، استطاعت أن تسيطر عليه وتسلبه قراره في بيته وحياته برمتها، وكان رغم هذا صبورا عليها، غير أنه لم يجد منها ما يرضي رجولته وذاته كرجل، ومن ثم هرب منها إلى الخمر، وأمسى واضحى يعاقرها حتى لأنه أدمنها، ومن ثم كان يقود سيارته وهو مخمور.

 

على أن ما يجب أن ينقله السارد من ماضي الشخصيتين لا يجب أن يكون بأية حالة مثلما عرضت أنا بشكل مباشر هنا، بل عليه أن ينقله بأسلوب الكاميرا التى تنقل أحداثاً ووقائع يستشف منها القارئ ما قيل هنا بأسلوب مباشر.

وعليه بعد أن يمارس ما مارس من ارتدادات نحو ماضى السائق الأول والثاني أن يعود إلى لحظة التصادم التي من المفترض أننا لازلنا متوقفين عندها، إذ هى اللحظة القصصية الريئس، ونحن المعنيون برصدها، وهى وحدها التى سننقل من خلالها رؤيتنا السالفة.

لنعود إذن إلى لحظة التصادم وقد تجمهر الناس حول الواقعة والسيارتين المحطمتين، والدماء السائلة ، وسط لغط الناس وحواراتهم التى قد لا تعنينا فى لحظة القص كثيرا، وأنما الذي يعنينا أن  تتوقف كاميرا السارد  أمام امرأة جميلة جدا تمرق عبر المكان بجوار السيارتين..  ومن دون أن تعبأ بمعاينة الحادث كان الناس المتجمهرون معنيين بتفرسها، وفيما كان السارد مركزاً كاميرته عليها غابت، وربما أن في تلك اللحظة كانت روح أحد السائقين قد خرجت، فيما كان الثاني يحتضر وعينه كغيره من الناس تتابع تلك المرأة المارة.. لتنتهى القصة وقد استطاع السارد( الراوية) كسر مبدأ الوحدة والخروج منه بفنية ما تتعلق أو تتفق مع وجهة نظره، واستطاع من خلال تركيزه على لحظات معينة وأحداث بعينها أن ينقل إلينا رؤيته، وإن كان من خلال رصده لحادثة السير أو التصادم بين السيارتين، ولا يستطيع أحد من الراصدين لفنيات القصة ان يتهمه بكسر مبدأ الوحة/ وحدة الحدث ، ووحدة اللحظة القصصية، مع أنه حقيقة كسرها، وهكذا هو الفن دائما، التجاوز عن محددات الفن بذات الفن.

   ثانياً : مبدأ الثكثيف :

القصة القصيرة هي الفن الأدبي الشديد التركيز والتكثيف والموضوعية، وما دامت القصة القصيرة تعالج موضوعا واحدا، أو فكرة واحدة، أو موقفاً محدداً، أو جزئية من جزئيات حياة شخصية ما، ويتلقى القارئ أثرها ككل، وفي الحال، وبسرعة أيضاً، فإن عنصر التركيز يلزم أن يكون مقَّوماً من مقوماتها الإيجابية الخاصة بها.

غير ان البعض يعي التكثيف في القصة على أنه الاختزال، والاختصار، والتلخيص.. والحقيقة إن هذا الفهم هو وراء ما نقرأه من قصص دائما تبدو كالفرخة بغير لحمها ، نعم تبدو القصة هيكلا عظمياً، أو في تشبيه آخر مثل " شاسيه السيارة" عندما نصوره وحده ونقدمه للناس تحت شعار: " هذه سيارتكم الرشيقة"!! .

لالا .. الأمر يختلف .. هناك تكثيف علي مستوي اللغة بالاستغناء عن غير الدال من مفردات ترد في العبارة، وبناء العبارة وفق مبدأ مهم في البلاغة العربية ألا وهو الإيجاز، وكذلك استخدام لغة مكتنزة بالايحاءات والتصويرات المشفة عن معاني كثيرة ومتسعة.

وهناك تكثيف يتم على مستوى الأحداث والحوارات يُستغنى فيه عن غير الدال من حوارات، والتمهيدات ، والوصف الحسي غير الخادم، والذي لا يمت بشدة إلى الحدث، أو إلى لحظة التنوير في القصة ، أو لا يشف عن رؤية ما، أو جانب من الرؤية ،والاستغناء عن السفاسف والتوافه من التفاصيل الصغيرة غير الدالة، وغير المؤثرة والبديهية، وكذلك الكفُّ عن تدخلات الراوية وتعطيله للحظة الدرامية وتوقيفه لعملية القص من اجل أن يبث في القارئ قيماً معينة وتعليقات وشروح وتفسيرات وكأنه يقود قارئاً غبياً، أو لكأنه بصحبة  قارئ ضرير وسط مجاهل غابة متشابكة.

 

 تالثاً : تفاصيل الإنشاء :

وهو ما انتهينا إليه في الجزئية السالفة ، حيث أن تأكيد مبدأي الوحدة والتكثيف يتطلب عناية خاصة بتفاصيل بناء وإنشاء النص القصصي ضماناً للإحكام الفني، وعلى هذا فالتفاصيل يجب أن تكون جزءاً من البناء الكلي ، وإلا اعتبرت ثرثرة وتزيداً. وأصبحت عالة على الحدث والشخصية ، ومشتتة للأفكار، وصارفة لانتباه القارئ وتركيزه وتشتيته فيما لا طائل من ورائه، وربما اضحى كل ذلك طعناً في جماليات القص، وموقعاً في الملل.

وسنتوقف فيما يخص تفاصيل الإنشاء عند :

أ ـ  ما يتعلق بالشخصية:

ويشترط فى القصة القصيرة ــ إذا ما تعددت فيها " الشخصيات " لسبب ما ، أن تكون جميع شخصياتها فى التحام تام ، وتوافق كلى . فتبدو كل شخصية كما لو كانت منسوجة فى الأخرى حتى تتحقق للأثر وحدته، ولا تحتاج القصة القصيرة إلى الجرى وراء شخصيات ثانوية ، كما أن الوصف الطويل للشخصية ، قد أصبح زائدا عن اللزوم .

بـ : ما يتعلق بالحوار:

وقد تشمل القصة القصيرة " حوارا" ، وقد لا تشمل أى حوار على الإطلاق، وإذا وجد "الحوار" فإنه ينبغي أن يكون عاملا من عوامل الكشف عن أبعاد الشخصية وثقافتها وبيئتها وطرق تفكيرها أو طريقة معيشتها أو ما شابه ذلك من عوامل الكشف عن أبعاد الشخصية، أو يكون كاشفاً عن تطور الحدث ، أو تجلية النفس الغامضة ، أو إيضاح الفكر المراد التعبير عنها ، علي أن المنولوج الداخلي يعد أيضاً من ألوان الحوار، ويسمي في هذه الحالة المناجاة.. أو التناجي ، ويمكن أن يسترسل السارد في المناجاة ويشكل منها لحمة أساسية من لحمات السرد ، خاصة في القصص التي تعتمد على تيار الوعي.

تــ : ما يتعلق بالصراع :

و" الصراع " أصبح بمثابة العمود الفقرى فى بعض القصص القصيرة ، وقد يكون " الصراع " خارجيا ، أييدور خارج الشخصية ، فى البيئة أو المحيط ، وقد يكون داخليا، أى يعتمل فى أعماق الشخصية من الداخل . وهو فى الحالتين لابد من أن يكون ذا قيمة ، وغير مفتعل، حتى يمكن تقبله ، وليبلغ تأثيره فى النفس .

ثــ : ما يتعلق بالتشويق :

كما أنه يجب أن يكون ثمة ترقب وتلهف من جانب القارئ . وهو ما يجعاهم يشترطون فيها أن يكون " التشويق " أساس المتعة الفنية فيها ، وللتشويق عناصر كثيرة منها تعليق الحدث على سبيل المثال ، منها إلتقاط عناصر جمالية من واقع أو بيئة وتوظيفها ضمن البنية النصية ، منها المفاجأة ، وكسر توقعات القاريء .. منها الحبكة الجيدة ، وأسلوب السرد المكثف ولغته السلسة بسماتها الأدبية والفنية التي تمتع القاريء، وغير ذلك كثير .

جــ : ما يتعاق بالصدق :

يضاف إلى ما سبق " عنصر الصدق " بمعنى أن يكون القصة القصيرة صادقة مع الواقع الذى تقدم إليه، أي أن تكون كل عناصرها وأجزائها وتفصيلاتها مقنعة عند اختيارها، بمعني ألا تكون الأحداث مفبركة ، أو متسمة بالسذاجة، أو متناقضة، أو مجافية طبيعة وواقع الشخوص.

 

 

المراجع :

 

Viagra Online

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 09 فبراير 2006
انشأ بتاريخ: 09 فبراير 2006
الزيارات: 6

Viagra pills online viagra online http://www.kendo-world.com/forum/member.php?u=14071 [url=http://www.kendo-world.com/forum/member.php?u=14071]viagra online[/url]

Generic Viagra

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 06 فبراير 2006
انشأ بتاريخ: 06 فبراير 2006
الزيارات: 9

Generic viagra online generic viagra http://www.videoredo.net/msgBoard/member.php?u=9400 [url=http://www.videoredo.net/msgBoard/member.php?u=9400]generic viagra[/url]

Buy Viagra

التفاصيل
كتب بواسطة:
نشر بتاريخ: 05 يناير 2006
انشأ بتاريخ: 05 يناير 2006
الزيارات: 8

Buy viagra online buy viagra http://buddymarks.com/public/story.php?title=Buy_Viagra_Online_-_THE_LOWEST_VIAGRA_PRICE_GUARANTEED [url=http://buddymarks.com/public/story.php?title=Buy_Viagra_Online_-_THE_LOWEST_VIAGRA_PRICE_GUARANTEED]buy viagra[/url]

آخر دعوات قمر صبري الجاسم

التفاصيل
كتب بواسطة: عمر سليمان
نشر بتاريخ: 16 ديسمبر 2005
انشأ بتاريخ: 16 ديسمبر 2005
الزيارات: 12

آخر دعوات قمر صبري الجاسم

 

تفتتح الشاعرة السورية قمر صبري الجاسم مجموعتها الجديدة (دعوة للرفق بالكلمات)بشيءٍ طريفٍ وجديدٍ كما أظن،ليسَ من حيثُ أسلوبُهُ وإنما من حيثُ غرضُه، فقد كانَ ومضاتٍ عنونتها بـ(إضاءاتٌ على نصوصي التي لم أذرفها بعد)!!،وهنا نجد توقَ الشاعرِ وقلقه الدائمَينِ للبوحِ بما يريدهُ من شعرٍ ويفيضُ بخيالهِ من عوالم وإن لم يسعفْهُ الزمن ليدخلَ إليها اللغةَ أو يخرجها من خلالِ اللغةِ بعد...،فمما نقرأ بعد (الإهداء)

(الغازُ الذي يُستعملُ في إطفاءِ الشوقِ ثاني أوكسيد الصمت).

(وصلتُ إلى القطبِ الجنوبي حيث أصدقُ مكانٍ على سطحِ الحب).

(لاأستطيعُ أن أكتب إلا إذا وضعتُ أمامي مجموعةَ أحلامٍ ثقيلةً،وبعد أن أنتهي أحطمها وألفها في الورقةِ التي كتبتُ عليها،وأضعها تحت الوسادة).

وكعادتها تعتمدُ الشاعرةُ في قصائدها على لغةٍ واضحةٍ باستخدامِ الاستعارة ببساطةٍ وكثافةٍ وأسلوبٍ خاصٍّ في النصوص،إذ أن الاستعارة لا تكفي في الشعر،ولكن الأهم أن تكونَ بطريقةٍ جديدة،وطريقةُ الشاعرةِ في المجموعةِ كانت خاصةً من خلالِ استخدامها بشكلٍ بسيطٍ مع الابتعادِ عن إرهاقِ القصيدةِ بالصورِ البلاغية على حسابِ المعنى...

هذا الوضوح الذي يحافظُ على روحِ الشاعريَّةِ دونَ الانسياقِ وراءَ النزاريات، يعدُّ أفضلَ من الإيغالَ في الغموضِ وإرهاقِ القصيدةِ بالصورِ البلاغية، والابتعادُ الشديدُ عن الواقعِ قد يدل على ضعفِ الشاعر عن خلقِ الدهشةِ من الواقعِ الذي يعيشه... لأنه لم يستطعْ ذرف الشعر(كما قالتِ الشاعرةُ في تعبيرها الجميل) إلا من خلال صناعته لتلكَ الصورِ الغامضة والتي تتراكم أحياناً في المعاني البسيطة لتضيِّعَ روحَ القصيدةِ وتتعبَ المتلقي،علماً أنني أستثني الغموض الجميلَ الذي يعتمد على المعاني المدهشة والذي يكوِّنُ أسلوباً خاصاً بالشاعر،وهو الغموضُ الشفاف الذي لا يتعدى إلى الإبهامِ والتعقيد...

لعل أكثر ما يميز الشاعرةَ في مجموعتها المجازاتُ اللغوية الجديدة والطريفة التي تتألقُ في قصائدها،والتي تتركُ دهشتها في نفسِ المتلقي...

(لأنك صرتَ تجيءُ إلى غرفتي كُلَّ نومٍ

عشقتُ أنا النومَ أكثر

وصرتُ أعطِّرُ ظلَّ سريري

أمشِّطُ شوقيْ

أكحِّلُ شِعري

وألبَسُ ما كنتُ أخجلُ أن يرتديني

ويخفقُ قلبي إذا نمتُ في أيِّ وقتٍ

لأنَّكَ تأتي إلى الحلمِ لحظةَ أغفو...

لنسهرْ...)

مجازاتٌ جميلةٌ وجديدةٌ استمدت ألفاظها ببساطةٍ دونَ أن تعمَدَ إلى البحثِ في الطبيعةِ لاستمدادِ الألفاظِ النخبوية،وتكوينِ الصور البلاغية،فاستمرت تهزُّ إحساسَ المتلقي وترسمُ له صورةً واحدةً من النص،انتهى بلحظِ الدهشةِ التي فجرتْ ينبوعاً من الانبهارِ والإحساسِ بالمفارقة الجميلة...

وأرى في النصِ السابقِ شاهداً آخرَ على اعتمادِ الشاعرةِ على المجازِ واختراعِ اللغةِ الجديدةِ من خلالِ الجديد...،لأن اللغة تجدُ مكانها في الشعر،مكانها الجميلَ الرائع الذي يجعلها كصبيَّةٍ تضع ما تشاءُ من أدواتِ المكياج وترتدي أجملَ ما يناسبها من الفساتين لتظهرَ بشكلٍ جديد وجميل،وتعوضَ عمَّا عانتهُ في الاستخداماتِ اليوميةِ والعلومِ التطبيقية من عدمِ تقديرٍ لأنوثتها وعذوبةِ ملامحها الرائعة...

هذا الشاهدُ يتجلَّى في تحريكِ الركود من خلالِ نثرِ الأوراقِ الباليةِ مرتينِ في حديقةِ اللغة...

(وصرت أعطر ظلَّ سريري

أمشط شوقي

أكحل شِعري)

يتساءلُ القارئ: لماذا لم تقل:

(أكحل شوقي

أمشط شِعري)؟

لأنَّ التمشيطَ للشَّعر (بفتح الشين)،فلو جَعَلتهُ للشِّعرِ لكان أكثر دهشة ومناسبة وزينة،ولكنني أحسبُ أن الشاعرةَ تقصدت هذا لتضيفَ الإدهاشَ من خلالِ التساؤلِ الذي سيطرحه القارئ...إنها ترفضُ أن تكونَ عاديةً حتى فيما اتفق الآخرونَ على أنه غير عادي...فهذا الـ(الغير عادي) تجعلُ منهُ شيئاً آخر مضاعفَ الغرابةِ والروعة،فلو قالت(أمشط شِعري)لكان هذا زينةً لفظية جميلة،ولكنها أرادتْ أن تقلِّبَ المفرداتِ بصورةٍ جديدةٍ كما أسلفت، لأنَّ الشعرَ بطبيعته ثورةٌ على (العادي)،ولأن قمر صبري الجاسم مشبعةٌ بروحِ هذه الثورة والتجديد،نراها تعودُ لتستخدمَ المجازَ بطريقةٍ أخرى في اللغة.

ومما استخدمت فيه الشاعرة هذا الأسلوبَ في ثورتها اللغويةِ وتفننها في تركيبِ الألفاظِ بطريقةٍ جديدة نقرأ:

 (سوفَ أعلق قبلته تذكاراً)

(إني ذاهبةٌ لبلادٍ لا أعرفُ فيها الصبرَ لأسكنَ في منزِلِ قلبٍ مهجورِ الذكرى

سأرتبه بأثاثِ الكلماتِ الحافيةِ الوجدِوأمسحُ أرضَ الآمالِ بقطعةِ حلمٍ باليةٍ).

(هيا افتح أزرارَ الأوراقِ أريدُ أشاهد صدر الكلمات الكث بأشواقي)

لم تعتمد قمر صبري الجاسم على الرمزية أو التجريدية،والتي تجعل الشعر يحتمل تعدد المعاني،فقد كانت واضحة،كما كان شعرها رومانسيَّاً وقصائد المجموعةِ وجدانية حالمة.

إن لكلِّ عصرٍ ثقافتهُ وطبيعته وبيئته المستقلة،وهذا ينعكس بشكلٍ أو بآخرَ على تراكيب اللغة وألفاظها المستخدمة فيه،وإذا كان الشاعرُ يحاولَ استقصاءَ واقعه و أن يدخلَ إلى اللغةِ ألفاظاً جديدة،فإن هذا سيطورها بالطبع،ويعتمد الأمر على الشاعر ومهارتهِ في تغيير اللغةِ والنهوضِ بها مع الحفاظِ على روحِ الشعر،لأنَّ اللغة وبقاءها يكون-كما يقول جبران خليل جبران-بين أصابع الشاعر،فالشاعر هو الذي يمثل اللغةَ المستمدةَ من روحِ عصره،بالإضافةِ إلى تمثيلهِ لثقافةِ العصرِ وعلومه،علماً بأن علومَ العصرِ لا يشرِطانِ على الشاعرِ وجودهما في شعره...

وقد نجحت قمر صبري الجاسم في إدخالِ الألفاظ الجديدةِ إلى مجموعتها الجديدة...نلحظُ ذلك من خلالِ ألفاظٍ كثيرةٍ مستمدةٍ من الحياةِ اليومية،استخدمتها بأسلوبِ المجازِ وصهرتها في بوتقةِ التحليقِ في عالمِ الشعرِ بعيداً عن قساوةِ الحياةِ المعاصرة...

(أميري أنا عروةٌ في قميصِ الحياةِ تقيكَ الرياحَ حنانكَ زِرِّي)

(أرجوكِ لا تتردَّدي...هيَّا اكتبي لي..."مسِّجي لي"... سجِّلي رقمي ...سأنتظرُ الرِّسالة...)

(سأطرِّزُ عمري منديلاً كي أمسحَ عن ضحكتهِ الحزنَ إذا شَعَرَتْ بغيابي)

(أنتَ اخترتَ اليأسَ...

لماذا أتعبُ ذاكرتي بالركضِ أمامَ إشاراتِ الحُبِّ الحمراءِ

وما عندي تصريحُ مرور؟............

الآنَ أخذتُ شهادةَ حُبٍّ بعدَ رحيلِكَ عني

من مدرسةِ بحورِ العشقِ شهادةَ حسنِ تصرُّفْ).

نقرأ في المقاطعِ -التي اخترتُها على سبيلِ المثالِ من بين الكثير غيرها-نقرأ ألفاظاً جديدةً نستخدمها في حياتنا اليومية...

وأرى أن هذه الألفاظَ ستكونُ أجملَ بعد أن تطهرت بماءِ القصيد،وسوفَ نستخدمها بحريةٍ ومتعةٍ أكبرَ بعد أن أضفت عليها الشاعرةُ النورَ والجمال والحب، إذ نكادُ نفقد هذه التسمياتِ في واقعنا المعاصر...

إنََّ الديوانَ الذي يجسد ألفاظَ العصرِ وتراكيبهُ وثقافته جزءٌ منه،ينقل صورةً لإحدى جوانبه،ودواوينُ عصرٍ ما عصرٌ تتجلى صورةُ العصرِ فيه،إلا أنه مستقلٌّ عنه ومختلف،فالعصرُ الأصلي يفنى ويضمحل،والصورةُ يبقى ليخلِّد ملامحَ الأول...ولكن في عالمٍ أجمل...

تعد دعوةُ الشاعرة قمر صبري الجاسم نفحةً أخرى تضافُ لما نثرتهُ على ضفافِ الشعر،بعد (للعاطلينَ عن الأمل)،(الذي فاز بجائزة المزرعة عام 2004،وصدر عن دار الحقائق) والذي تصفهُ بأنَّهُ نقابةٌ أسستها للعاطلينَ عن الأمل،وتستخدم فيه طريقتها الرائعةَ السابقةَ في تحريكِ اللغةِ وإظهارِ جماليتها،من خلالِ معالجةٍ قضيةٍ اجتماعية...

كانت دعوةُ قمر صبري الجاسم للرفق بالكلمات،كلماتها،بدفاتر شِعرها،وذلك بعد الرحيل،إنه الشعورُ الذي يجيشُ بأعماقِ الشاعر الذي يبحثُ عن وجودهِ بعد رحيلهِ فيما كتب،ويشعر أن شعره إنما هو،وهو شعره،ولا شيءَ يظلُّ بعدَ ذلك،فدعوةُ قمر صبري الجاسم للرفق بالكلمات إنما هي دعوةٌ للرفقِ بالشاعرةِ أيضاً،فالشعرُ يتألمُ بعد موتِ الشاعر،لأن الشاعر متألمٌ أصلاً،وطالما أن الشاعر هو شعره،فلا بد أن يتألَّمَ الشعر...

نقرأ من "دعوةٌ للرفقِ بالكلماتْ"،القصيدة التي كانت عنوان المجموعة...

 (هذي الدفاتر سوفَ تنزفُ بعدَ موتي،دثِّروها...إنَّ بردَ الحُزنِ قد يقضي عليها

...........................

عاملوا ما قد كتبتُ برأفةٍ،فالرفقُ بالكلماتِ أغلى

ماذا سأطلُبُ بعدَ أن ضيَّعتُ عُمري؟

لاتسجنوها في قيودِ الصَّمتِ أو تتوسَّموا منها الكلامْ

بالله لا لا تجرحوها)

 (صبوا على جسدي الحروفَ...وغسلوني

كيْ تنزفَ الكلماتُ من حبلِ الوريدِ،

وجهِّزوا كفني من الأوراقِ حتى

أكتبَ النَّفسَ الأخيرَ

 لوحيِ أشعاري قصيدة).

الشاعرُ يبحثُ عنِ التغلبِ على ألمِ الفناء من خلالِ بقاءِ شعره...

صدرت المجموعة عن دار التوحيدي،وضمت مئةَ صفحةٍ وسبعَ صفحاتٍ من القطع المتوسط،أما القصائد فقد نُشرَ بعضها في المجلاتِ والصحف سابقاً وبعضها الآخر ينشر لأوَّلِ مرة.

عمر سليمان

 

 

 

 

الصفحة 11 من 28

  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15

المتواجدون الآن

146 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

مهارات حياتية

  • الثقة بحكمك الخاص حين يكون الدليل غير مكتمل
  • لماذا لا يعني الأمان النفسي أن تكون مرتاحاً
  • طرح قلق حول نبرة شخص دون أن يصبح الأمر شخصياً
  • تطوير وعي ذاتي حول كيفية تأثير مزاجك على فريقك
  • التعرف على متى تُسقِط مشاعرك الخاصة على الآخرين
  • حين تشعر مبادرة الرفاهية بأنها استعراضية لا حقيقية
  • حين يتشابه الإنجاز العالي والإرهاق
  • إعادة بناء الثقافة بعد فترة نمو سريع ومربك
  • حين يبالغ عضو فريق في الوعود ويقصّر في التنفيذ باستمرار
  • إدارة الطاقة، لا الوقت فقط

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك