تجـــــــــــــــــاوز
خالد شاتي
كان رجلاً لايشبه احد من رجال اهل الارض بكل قناعاته وتطلعاته,او ربما كان يظن انه خُلق لغير زمانه,لا لانه يعتقد انه الافضل أو انه قد عاش حياة افضل من حياة الاخرين,بل لانه يشعرأنه
أنسان وأنسان فقط من دون اضافات من شانهاأن تلقي بضلال القلق عليه.
لم اكن اعرفه بالمرة, كان هذا الرجل يستحوذ على حديث الاصحاب في مجالسهم الكثيرة,وكان هو بالضبط بوصلة أنسا نيتهم التي اضاعتها هموم العيش والفاقة واشياء اخرى بات الجميع يعرفها,
نعم ظل هكذا مليىء بالحياة حد السكر والثمالة,ومع هذا وذاك كان محورا لجلسات الاصحاب من دون تمييز,حتى تلك القدرة التي يتمتع بها من اصطناع الحوادث اصطناعا غريبا يغري على تمسكهم به,كان وعاء اهاتهم ومشاكلهم الذي يحتويهم من دون كلل او ملل يذكر,الكل يراه وعلى الدوام ضاحكا باسما,هذا ما قاله احد اصحابه وهو يصفه وعينيه تهربان الى تلك الفضاءات الواسعة وكأنه يبحث عنه بين تلك الغيوم الملبدة هناك وكأنها جبال عظيمة.
لم تكن معه الا كامرته الصغيرة يحملها معه اينما ذهب كأنها ابنته أو من بقية اسرته,فلم يُشاهد من دونها ابدا,كان مولعا بالتقاط الاحداث والمشاهد تحت كل الظروف والاسباب,
حتى أهل منطقته لم يكترثوا عندما يرونه يتسلق حائطهم الكبير ليلتقط صورة لطائر يلتقط شي من غصن صغير بين منقاره ويحرص أن لا يسقط منه,أهل منطقته الذين الفوا كل تلك الحركات التي يقوم بها من جلوس على الارض بملابسه الانيقة ليصور طفل صغير بيده لعبة يقبلها ويحظنها بقوة
واخرى يجلس القرفصاء تحت اشعة شمس الصيف اللاهب ليقتنص لقطة يعدها خطيرة جدا وهي ان ترمى قشرة موز قرب باب مدرسة للاطفال فيجلس هنيهات ليرى ردة فعل الاطفال حيالها,
هكذا فكل تصرفاته لم تعد تثير الناس الذين يعيشون بقربه حتى وأن رؤه ممددا على الارض كميت
ليصور لقطة لطائر في السماء,هكذا هو من دون أي اضافات اخرى,
قيل لي أنه يُحب الخضرة والربيع جدا وكانت اسا ريره تتفتح مع تفتح واخضرار الاشجار , لانه لم يكن يفصل نفسه عنها,وطالما شبه روحه بها,فعندما تزهر الاوراق والاشجار ,كان يزهر معها فيملىء الدنيا ضحكا وسرورا,وكان ان مرت به مواسم الخريف والذبول كأنها ترسل له اشارات غامضة تحيله الى ركام وذبول فيكتم الضحكة ويطفى البسمة ويتيه بعيدا عن نفسه وعن اصحابه.
حتى اصحابه يذكرون تلك الحادثة الرهيبة والتي كانت سببا مباشرا في القضاء على حياته برمتها فهم يذكرون جيدا ذلك اليوم الذي دعاهم معه لزرع برعم صغير لشجر (السدرة),فجاءوا معه وهم يتغامزون ويتهامسون عليه وعلى اصراره في زرعها قرب بيتهم القريب نوعا ما من الشارع العام وفعلا تم زرعها وكانوا يروا بام اعينهم كيف كان يعتني بها حد الغرابة وكانه يعتني بنفسه هو ويداريها ايما مداراة.
حتى تلك الامسيات التي كان ياتي بها الى بيته متاخرا في الليل ينظر بعا طفة غريبة عندما تقع عينيه على تلك الوريقات الناهظة با ستحياء فوق اغصان واهية نوعا ما,تحركها أي ريح بسيطة كيفما تشاء,فيجلس على الارض بهندامه المتكلفة ليمسح عن تلك الوريقات بقية الغبار المتكاثف فوقها لانه يظن ان هذا الغباريخنقها أن بقى عليها حتى صباح الغد,وعندما يطمئن عليها يغلق بابه وينام.
كبُرت تلك الشجيرة أمام عينيه وهو ينظر اليها بعطف وشغف كأنه أب حنون يخاف عليها من نسمات الهواء المارة قربها, لم ارى أنا ذلك بعيني لكن كان الكل يعرفه ويتعامل معه كواقع يعيشه هذا الرجل
بكل احداثه,حتى أنه أثار حفيضة جيرانه الذين اخذوا يتتلصصون عليه من وراء جدران بيوتهم كلما يخرج ليسقيها فيتعجبون ويزدادون تعلقا به وبشجرته اليافعة.
كبُرت شجرة(السدرة) والقت بضلالها الباسقة على بيته لتضلله بضلال منعش وكأنها ترد الجميل باحسن منه فترسل خضرتها وثمارها رسالة واضحة يٌفهم من خلالها انه قام بما هو مطلوب منه إنسانيا وادى ما عليه من واجب رعايتها وحمايتها باكمل صورة؟
كان مزهوا بها جدا حتى بات الاصحاب يدعون له ولشجرته بالعمر المديد,وهذا وحده يكفي ليجعل هذا الرجل يعيش فترة احلى ما يكون او يتمنى مع شجرته الحالمة.
لم ينسى تلك الساعة المشؤمة عندما جا ءه ذلك الاشعار الحكومي بقطعها بسبب انها تقف حائلا في بناء شارع جديد يمر عبرها.
لم ينم ليلتها يتقلب كتقلب اوراقها الخضر ,يتنهد كرفيف اغصانها الطرية,أنه يذكر تلك الليلة التي سبقت قطعها,عندما خرج اليها فجلس امامها طويلا لتمر امام عينيه حياته كلها بمرها وحلوها واخضرارها ويبسها.
يدخن سيكارته بنفس عميق يجعل من دخانها يتطاير بين اوراقها واغصانها ويلتف حولها كانه يقبلها او يحنو عليها,فهو يعلم علم اليقين أن جلسته امامها الان لا تعدوا الا ان تكون الاخيرة قبل تنفيذ حكم الاعدام بها وقطعها بتهمة(التجاوز) على ممتلكات الدولة(اليس الشارع من ممتلكات الدولة)!
حتى اخذ يسئل نفسه مليا هل أ نه هو المتجاوز فعلا ام شجرته وهل هي مَن ينفذ بها هذا الحكم ام هو
لكنه لا يهتدي لجواب لاتخاذ قراره الاخيروموقفه من ذلك التجاوز القاتل؟
في جلسته الاخيرة وقبل تردي حالته الصحية التي لم يرى بعدها حتى مماته,كان يروي تلك الحادثة بمرارة لم يعهدها اصحابه منه من قبل.
جاء(الشفل) يآن وأنا آآن معه ازداد أنينه فا زداد أنيني حتى قطع شجرتي فوقعت مغشيا علي!!!
ذبل يبست ايامه جفت عضامه,لم يشخص الاطباء علته ولم يهتدوا الى وصفة من شائنها أن تشفيه او تقلل من دائه حتى ذبل ومـــــــــات!!!
هذا ما جرى بالضبط او هكذا قيل لي على لسان احد اصحابه الذين عا يشوه وعاشوا معه تلك القصة العجيبة بكل تفاصيلها.
_________________