(الفصل السابع من رواية قيد الإعداد للطبع)
على غير عادته عاد عمر باكرا إلى الدار. لقد قرر أن يكون له بعد اليوم شأن آخر مع نفسه ووقته وكل حياته.. قرر وعلى الفور بدأ في التنفيذ.. نجاح صديقه إدريس في إحدى المباريات كان بمثابة الصفعة التي أيقظته من سباته، وجعلته ينتبه إلى حاضره ومستقبله. كيف سيكون موقفه ووضعه في الدوار وأمام أسرته حينما سيصبح إدريس موظفا محترما ويبقى هو مجرد بائع خضار رغم أنهما حاصلان على نفس الشهادة .. الإجازة ! لن يبقى له عندئذ أي مبرر لعطالته. فأزمة التشغيل واستفحال الرشوه والمحسوبية في التوظبف .. باتت مبررات واهية وقد تحداها إدريس بعد أن تمكن أخيرا من انتزاع النجاح في مباراة لوزارة الداخلية. فما معنى ألا يرفع هو مثل هذا التحدي ويتمكن مما تمكن منه صاحبه ؟ تصور عمر صاحبه إدريس وهو يرتدي حلة أنيقة وتتدلى على صدره ربطة عنق حريرية تداعبها نسمات الريح.. تصوره وهو يقتحم الدوار ممتطيا سيارة فارهة تمشي متهادية بين دروبه تتبعها نظرات الإعجاب، وخاصة إعجاب الفتيات . هؤلاء اللواتي ستتطلع كل واحدة منهن لأن يكون إدريس من نصيبها .أما هو فرغم مستواه الدراسي، فإنه لن يكون في أعين الناس غير بائع خضار كسائر الباعة والحرفيين الأميين وربما أقل ممن لم يصل بعد إلى كفائتهم وحنكتهم . طيلة اليوم لم يشعر بجوع ولا بعطش.. ولم يشعر برغبة في الكلام أو المزاح كعادته دائما مع زملائه في السويقة.. يحس كأن أنفاسه تكاد تتوقف ويوشك أن يختنق.. عبئ ثقيل ثقيل يجثم على كل كيانه دفعة واحدة ويشل كل قواه.. يدفعه نحو الإنهيار..لكنه لا يبهار. وهذا سبب تعاسته .إذ لو انهار لارتاح ولانتهى كل شيئ ! ! بيد أن بصيص المقاومة الذي لا يزال ينبض فيه يحرمه من هذه الراحة . عبثا يحاول أن يقاوم وهو يبدأ نظامه الجديد كمن بيدأ الخطوة الأولى في طريق رحلة طويلة لا يعرف أين ولا كيف ستنتهي . في ركن البيت الذي اتخذه مأواه الخاص جلس يرتب على منضدة صغيرة بعض الكتب والمجلات التي جاء يحملها معه. لقد عقد العزم على أن يعيد ربط صلته معها ليتصدى لكل المباريات المحتملة بعد أن كان قد فقد ثقته فيها ويئس منها تماما..غير بعيد من مكانه كانت والدته وأخته منهمكتان في شؤونهما المنزلية. حين دخل والده وهو يلعن الزمن ويسخط على الأوضاع كعادته، ألقى بجسده النحيل على مقربة من زوجته. وما إن لفت انتباهه وجود ولده عمر حتى بادره بشكل تلقائي :
- أنت هنا ؟!
لم يرد عمر على تساؤل والده لأن سؤاله لا يحتاج إلى رد.. بل ضل منكبا على الكتب والمجلات التي بين يديه يرتبها ويتصفحها ..إلى أن فاجأه والده قائلا :
- الناس دبروا على روسهم ونت عاد رجعتي للكتب ! !
عرف أبوه خبر نجاح إدريس إذن.. ! وكيف ؟ ..لا شك أن السي سليمان والد إدريس هو الذي أخبره..لم يستطع كتمان سر نجاح ولده فأذاعه بين أصدقائه..من حقه أن يفتخر بولده..لكن ماذا سيقول هو؟ ! لم يزد على أن قال:
- بالكتب دبروا.
وكانت والدته أكثر دقة وهي تسأل في نفس الوقت :
- وشكون تاني اللى دبر على راسو ؟
وأقبل الرجل على زوجته غير عابئ برد ولده :
- الشوطين ديال مصطفى ولد بوشتى ! !
- بوشتى الحلاوي ؟!
- وشحال من بوشتى كاين فالدوار؟!
تنفس علي الصعداء.. الأمر إذن لا يتعلق بصديقه إدريس.. ولكن الأمر مع ذلك أثار انتباهه.فهو يعرف مصطفى هذا ..شاب غادر المدرسة باكرا وتقلب في حرف كثيرة لم يصمد في أية واحدة منها..اشتغل خبازا ونجارا وبائع حلويات ومرطبات مثل والده .. لكنه سرعان ما ترك ذلك كله للوقوف مع الشباب بالساحة الكبرى للحي أمام الدكاكين وحول حلقات لاعبي الورق.. ترى أي عمل اختار هذه المرة حتى ينال إعجاب والده .. وكأن والدته تلقفت ما يجول بخاطره فسألت زوجها :
- ومالو هاد مصطفى فاش اخدم ؟!
- امشى ل مصطفى ! !
- امشى للخاريج.. وشكون اداه ! !
- شكون داه ..داوه درعانو ! !
- وشكون دبر ليه الكنترادا ! !
- الكنترادا ؟! انت هبيلة ولا مالك .. باقي اليوم الناس يمشيو للخاريج بالكنترادا اليوم ما كاين غير الحريك
- لحريك ؟! الله يستر أسيدي ..الرزق عند الله.
- الله يستر..أنوضي الله يجبك على خير ..الحريك ساهل ؟! راه ما تيحركوا غير الرجال اللي تيغامروا ويوصلوا ويديروا الفايدة لهم ولوالدهم..
- إلى وصلوا . وإلى ما وصلوش ؟
- إلى ما وصلوش وحدة اللي كاينة ! !
- ياك لباس أسدي .. وبوشتى سخى بولدو ما خافش عليه يديه البحر ! !
- أنضي الله يجيبك على خير .. ولد بوشتى وصل وهدر مع باه كال ليه وصلنا بخير وعلى خير وراه حنا دبا فسبانيا ! !
تتبع عمر باهتمام هذا الحوار الذي دار بين والديه، خبر ذهاب مصطفى هذا للخارج جاء ليزيد حالته النفسية تأزما، ولتعمق من الهوة السحيقة التي يهوي فيها.. بعد عام أو عامين سيعود مصطفى ولد بوشتى من الخارج بسيارة فارهة وربما مصحوبا بشقراء .. حتى وإن كانت في عمر أمه .. سيصبح حديث الناس وموضع تقديرهم واحترامهم ..سيعتبره الجميع رجلا عرف كيف ينفلت من قبضة الفقر وبراثين الضياع.. الناس لايهمهم إلا المظاهر والشكليات ، أما ما يمكن أن تخفيه وراءها من تضحيات ومعانات ومن أثمنة باهظة تقتطع أحيانا من رصيد الشرف والمبادئ، فهذا ما لا يكاد يلتفت إليه أحد. لن يتساءل الناس كيف وصل مصطفى إلى إسبانيا ولا مذا كان يشتغل هناك ولا كيف كان يشتغل.. ولن يتذكر الناس مستواه الثقافي ولا حتى سلوكه الأخلاقي.. سيهتم الناس فقط بمظهره وسيتساءلون عن مقدار ما جلبه من أموال وأين عساه سيصرفها و يستثمرها.. أما هو، فلإن بقي على حاله هذه فلن يهتم أحد لأمره ولن يتذكر أحد أنه من طلائع المجازين الأوائل بالدوار .. وحتى إن ذكروا له هذا الجانب فللتعريض والشماتة وليس للتقدير والإكبار.لا قيمة اليوم لشيئ لا يمكن ترجمته إلى أشياء مادية يراها الناس بأعينهم وتهفوا إليها قلوبهم . فها هو ذا أبوه بدأ يتحدث عن مصطفى ولد بوشتى يشيئ من التقدير والإعجاب، هو الذي طالما احتقره وعيره بكونه شابا لا يصلح لشيئ. ومن الآن بدأ يتوقع ما سينجزه بعد عودته المظفرة من الخارج. قال الرجل لامرأته :
- سترين .. بعد أقل من عام سيعود ذلك الشويطن ليخرج أسرته من هذا الحي اللعين .. سيشتري لهم دارا في المدينة وسيصرف لوالده أجرة منتظمة تعفيه من بيع الحلويات والمرطبات للأطفال عند أبواب المدارس.. ولا يستبعد أن يقيم لأخيه مشروعا تجاريا وأن..
قاطعته زوجته وكأنها تريد أن تعيده إلى جادة صوابه:
- يا رجل .. الفتى لم يكد يصل إلى الخارج و الله وحده يعلم ماذا سيكون مصيره هناك، وأنت هنا تتوقع ماذا سيكون من أمره بعد عودته..
- قلت لك وسوف سترين ! !
- ماذا سأرى .. كان الله في عون ولد بوشتى المسكين من أعين الناس وأولهم أنت ! !
- أنا لا أحسده يا امرأة.. أنا فقط معجب بشهامته . لقد فاجأني ذلك الولد .. كنت أحسبه رخوا لا يصلح لشيئ فإذا هو رجل.
اهتز قلب عمر لهذا الكلام الذي يصدر عن والده على مسمع منه. لم يكن يحسب أنه سيقسو عليه إلى هذا الحد الذي يضربه في صميم كرامته.. ولم يدر عندها كيف خرج من صمته قائلا:
- رجل ؟ فقط لأنه غامر وهاجر أصبح رجلا ! فما بال من لم يغامروا لسبب من الأسباب .. أليسوا رجالا ؟! !
أدركت والدته مدى تأثره بمقالة أبيه فقالت تآزره :
هذا رجل أحمق لا يعي ما يقول ..
رد هو بإصرار:
- بل أعي جيدا ما أقول. المغامرة هي الرجولة والرجولة هي المغامرة.
وعلق عمر بتوتر حاول جاهدا مداراته :
- بل قل الرجولة هي المال والمال هو الرجولة ! !
وعلى الفور رد والده :
- لا فرق ! ! ولماذا يغامر الناس ؟ أليس من أجل المال ؟ وكيف يحصل الناس على المال ؟ أليس عن طريق المغامرة ؟ ! !
عروق عمر أصبحت مرجلا تغلي فيها دمائه من شدة الحنق على والده، أو بالأحرى على منطق تفكيره هذا الموغل في النفعية . أيقن للمرة الألف أن والده لا يكن له أي تقدير وهو على وضعه هذا ، بل إنه سيحتقره وهو يرى أترابه يتمكنون من الظفر بأعمال تدر عليهم مداخيل محترمة وقارة فيما يقعد هو قانعا بأقل القليل. هل من حق والده أن يقسو عليه كل هذه القسوة ؟ لو كان يفعل ذلك من باب حرصه على مستقبله ورغبته في أن يرى ابنه ذا شأن لغفرها له.. ولكنه موقن كل اليقين أن الذي يهم أباه في المقام الأول هو نفسه. إنه يريد أن ينتفع هو ويجني الثمار هو ولا يعنيه بعد ذلك أن يرضى ابنه أو يسخط أن يسعد أو أن يشقى.. ومع ذلك فإنه والده ! ! ولأنه والده وحتى لا تتكرس في نفسه مشاعر غير لائقة تجاهه، حاول أن يجد له بعض الأعذار .. فهو رجل أمي عانى كثيرا منذ طفولته من قساوة العيش، وباشر معترك الحياة مبكرا دون أن ينتزع من هذه الحياة شيئا غير لقمة عيش صعبة مريرة . لم تبتسم له الحياة يوما، فكيف يبتسم لها هو وكيف ينظر إليها بأمان واطمئنان ؟ أهم وأغلى درس تعلمه من الحياة هو أنها غابة تتصارع فيها بضراوة كل قوى الشر.. أما قوى الخير فلا وجود لها بالمرة في هذا العالم ! ! ولقد فهمت أم عمر عقلية زوجها بالفطرة وطول المعاشرة. فرغم أنها كانت دائما تعارضه وتكيل له اللوم على أفكاره ومواقفه الجافة الخشنة، إلا أنها، في غيابه كانت تدافع عنه أمام أبنائها خاصة حينما تحس أنه يقسو عليهم. كانت دائما تقول :
- الشقي .. قسوة قلبه من شدة قسوة قلوب الناس عليه.. منذ صغره كتب عليه ألا يذوق طعم الرحمة وكتب علينا ألا نذوقه معه.
أضفت هذه الخواطر بعض الإرتياح على قلب عمر .. كان الوقت يقترب من الغروب.. بدا له أن يخرج ليستنشق بعض نسمات الهواء .. اقتلع جسده ودفع به نحو الخارج دون أن يكون قد حدد أية وجهة.