مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد بوعلاوي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
السيرة الذاتية
للباحث : محمد بوعلاوي
العنوان : محمد بوعلاوي
ص .ب- 577 – أفلو- 03400
الأغواط
البريد الإلكتروني:
الهاتف : المحمول :0662334771 الثابت : 029964145
.البيانات الشخصية: تاريخ ومكان الميلاد:17/06/1958 بريدة (الأغواط)
الحالة الإجتماعية: متزوج
الجنسية : جزائري
.المؤهل العلمي :
جامعة تلمسان – كلية الآداب والعلوم الإنسانية والإجتماعية
درجة الماجستير (حسن جدا).
الشعبة : أدب عربي
التخصص : أدب مغربي قديم
.الخبرة العلمية :
معلم لغة عربية : 1979 إلى 2007
مفتش التربية والتعليم الأساسي خلال الموسم 2007/2008 إلى يومنا هذا
المساهمة في إنشاء جمعيات تربوية وثقافية.
المشاركة في ملتقيات وطنية ذات بعد تربوي
المهارات : الإعلام الآلي
البحوث : رسالة ماجستير بعنوان
" قصيدة الرثاء في الأدب الجزائري القديم من الفتح إلى نهاية الدولة الزيانية – دراسة موضوعية وفنية – " .
- الرثاء في الأدب الجزائري القديم موضوعيا وفنيا ، مشروع كتاب للطبع .
- بكاء المدن الجزائرية في الشعر الجزائري القديم ، الصورة الفنية في شعر ابن هانئ الأندلسي ، رثاء غير الإنسان في الشعر المغربي القديم ، مجموعة مقالات (تحت الطبع).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد بوعلاوي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 3
قصائد الرثاء في الشعر الجزائري القديم
- الخصائص الأسلوبية -
أ) الألفــاظ:
مادامت عناصر الأدب هي الفكرة والعاطفة والخيال والألفاظ ، «فإن اللفظة تعتبر السبب الأساسي لكلّ نقد يوجه إلى اللغة، ولا غرابة في ذلك؛ فاللفظة هي أصغر الوحدات ذات المعنى في الكلام المتصل»([1]). ويقول "شوقي ضيف": « أول ما يلقانا في نصوص الشعر ألفاظها وهي ليست ألفاظاً محدّدة الدلالة، يدل بها الشعراء على أشياء حسية، من واقعهم الخارجي، فإنهم لا يعبرون عن هذا الواقع ومسمياته الحقيقية، وإنما يعبرون عن واقعهم النفسي وما تختلج به نفوسهم من مشاعر، وأحاسيس»([2]). وممّا سبق نستنتج أنّ الفكر « لما كان موجهاً دائماً إلى الخارج فإنّ تجسيده يكون في اللغة أوالألفاظ، وهذه اللغة ليست رداء للفكرأو قالباً له وإناء يحتويه، وإنما هي الفكر نفسه مجسّداً في ألفاظ لغوية...»([3])
وما دام الكلام عن الرثاء فلابد أن تكون الألفاظ ذات بعد انفعالي ودلالي، يتناسب ونفسية الشاعر في هذا الموقف الحزين المؤلم، لأنّ « اللفظة صوت وضع ليكون رمزاً للمعنى»([4])، واللفظة في القصيدة تتجاوز معناها المعجمي لتنصب على عمق النفس فيكون ذلك تجسيداً لحالة نفسية يعيشها الشاعر.
وكمثال على ما ذهبنا إليه مقطوعة " بكر بن حماد" حيث يعطي اللفظة قيمتها الجمالية والتعبيرية عندما يصور حزنه وفاجعته بفقد ولده "عبد الرحمن":
|
بكيت على الأحبة إذ تولـــــوا |
|
و لو أنّي هلكت بكوا عليّ |
|
فيا نسلي بقاؤك كان ذخـــــراً |
|
و فقدك قد كوى الأكباد كياً |
|
كفى حزناً بأنني منك خلــــــــو |
|
و أنت ميْت و بقيت حياً |
|
و لم أك آيساً فيئســت لمـــــا |
|
رميـــت التـرب فوقـــك من يـــدي |
الدراسة اللفظية لهذه الأبيات تدخل في فهم الحالة النفسية للشاعر غداة إنشادها، إذ حشد ألفاظاً عدّة تعبر عن مدى حزنه ولوعته مثل: بكيت، تولوا، هلكت، فقدك، كوى، حزناً، خلو، آيساً، تأسف، غروب، الهم، هذه الألفاظ وغيرها هي زفرات أطلقها الشاعر مشحونة بالأسى .
وفي أبيات الأمير" أبو زكريا" ألفاظ تناسب الموقف:
|
ألا جازع يبكي لفقد حبيبـــــــه |
|
فإني لعمري قد أضر بي الثكل |
|
لقد كان لي مال و أهل فقدتهم |
|
فها أنا لا مال لدي أهل ولا أهل |
|
سأبكي و أرثي حسرة لفراقهم |
|
بكاء قريح لا يمل و لا يسلو |
|
فلهفي ليوم فرّق الدّهر بيننــا |
|
ألا فرجٌ يرجــى فينتـظم الشــــــمل |
ألفاظ كــ: جازع، يبكي، فقد، أضر، الثكل ، فراقهم، قريح ، قربت المعاني وأجلتها.
أما " ابن هانئ الأندلسي" فألفاظه فخمة مجلجلة تحجب وراءها معانٍ ليست عميقة « و فرقة أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنىً إلا القليل النادر كأبي القاسم بن هانئ ومن جرى مجراه»([5]) ، كقوله:
|
صدق الفنــــــــاء و كذب العمر |
|
و جلّ العظـــات و بالــــغ النــذر |
|
إنا وفي آمال أنفســـــــــــــِنـــــا |
|
طــولٌ وفـــي أعمـــــارِنا قصــرِ |
يمكن للدارس استخلاص الألفاظ المعبّرة عن الحزن ، وهي ألفاظ أقل إيحاء ممّا رأيناه سابقاً.
وبالإنتقال إلى العهد الزياني، لابد أن نشير إلى" أبي حمو موسى الزياني" فقصائده جديرة بالدراسة « وأعظم الشعراء منهم " أبو حمو موسى الزياني"»([6]) كقوله:
|
صبٌ تذكر عهداً بالحمى سلفــــــا |
|
فظل يسكب دمعاً هاطلاً و كفا |
|
و بات من شدّة الإشراف في قلق |
|
و خامرت عقله الأفكار فاختلفا |
|
و هيجته الصبا بهم يوماً فصبــــا |
|
و صــاح من وهج التبريح وا آسفا |
حشد الشاعر ألفاظا ألفناها عند الشاعر الجاهلي، « و يستفيد المطلع على أساليبه ومناحيه أنّه كان متضلعاً في الأدب الجاهلي كلّ التضلع لأنّه لم يخرج قط عن مناحيهم»([7])، ومما يؤكد ذلك توظيفه لـ: الحِمى، هامية...
وما يمكن أن يقال أن الشاعر الجزائري القديم كان في مراحله الأولى أكثر سيطرة على ألفاظه يطوعها لخدمة أغراضه الفنية والبلاغية، ثمّ تراخت قبضته عن ناحية اللفظ في المراحل اللاحقة خاصة في العهد الزياني حيث استبد بالصياغة الشعرية أنواع البديع المختلفة حتى كاد يغدو عبداً لها.
التكرار:
عمد بعض الشعراء إلى تكرار بعض التراكيب « كميزة من ميزات الأسلوب الرثائي، بجانب كونها ضرباً من الولولة و الندب و أيضاً لارتباطها بظروف الشاعر النفسية وشدّة انفعاله وتأثره»([8]).
يظهر ذلك بجلاء عند "عفيف الدين التلمساني" في قوله:
|
أين البنان التي إذا كتبــــت |
|
و عاين النّاس خطها سجدوا |
|
أين الثنايا التي إذا ابتسمت |
|
أو نطقت لاح لـــؤلــؤ نضــــد |
إلى قوله:
|
لو أنّ عنيّ منك ما رأتـــــــــا |
|
ما رأتا ما دهاهما الرمد |
|
لو أنّ أذني منك ما ســــــمعا |
|
نطقا لما صمتا لما أجد |
|
لو احتماليك باليدين إلــــــى |
|
صدري لم ترتعش عليـــك يـد |
هذا التكرار بمثابة الضوء الذي يسلطه الشاعر على الأعماق فيسهل الاطلاع على خباياها، فهو « يجيئ في سياق شعوري كثيف يبلغ أحياناً درجة المأساة ؛ ومن ثمَّ فإنّ العبارة المكررة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور إلى درجة غير عادية. واستناد الشاعر إلى هذا التكراريجعله يستغني عن عناء الإفصاح المباشر وإخبار القارئ بالألفاظ عن مدى كثافة الذروة العاطفية»([9]).
ب) الأسلوب:
الأسلوب كما يراه "عبد القاهر الجرجاني" « هو المذهب من النظم والطريقة فيه»([10])، وليس المقصود بالأسلوب طرق الأداء اللغوية فحسب:« بل المقصود منحى الكاتب العام، وطريقته في التأليف والتعبير والتفكير والإحساس على السواء، بحيث أننا إذا قلنا: إنّ لكلّ كاتب أسلوبه يكون معنى الأسلوب كلّ هذه العناصر التي ذكرناها»([11])، أمّا "أحمد الشايب" فيعرفه بقوله: « هو طريقة الكتابة ، أو طريقة الإنشاء ، أو طريقة اختيار الألفاظ و تأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير»([12]).
ومن خلال ما سبق فلا مناص للدارس من تعدي حدود اللغة والتعابير التي استعملها الشاعر، حتى يقترب من جوّه الفكري والعاطفي أثناء ممارسة الإبداع.
وبعد القراءة المتأنية لقصائد الرثاء في الشعر الجزائري القديم وجدت غلبة الأسلوب التقريري على بعض القصائد ممّا أدى إلى ضعف الخيال وندرة الصور الشعرية الجذابة ، وقد ارتبط شعر الرثاء بالحوادث الهامة واتسم بالإيجاز وقوة التعبيرووضوح المعاني، وكلّ ذلك كان انعكاساً لحياة الشعراء البسيطة البعيدة عن التعقيد، كما اهتم الشعراء بترتيب المعاني وتسلسل الأفكار وترابطها، لأنّ الشاعر يفكر وينفعل ويتأثر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسين أحمد سليم
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
ظاهرة
بقلم
حسين أحمد سليم
حالة الرفض للواقع الحياتي تتمثل في فعل حركة الثورة العشوائية لشبابنا،المترجمة في مسارات ميدانية غريبة عجيبة دخيلة على بيئتنا، ولا علاقة لها بتراثنا أو تقاليدنا وعاداتنا وأخلاقنا، ظاهرة متفشية بشكل لافت في الكثير من الأحياء والقرى والبلدات والمدن, وغالبا ما نشاهدها أو نشعر بها أو نسمعها في حزام الضواحي المحيطة بمدينة الغد بيروت . وأحياء الضاحية الجنوبية للعاصمة تشهد سيلا من هذه الظاهرة, التي يمارس فعلها شبابنا في عمر المراهقة غالبا, لتنتقل العدوى لمن هم أكبر سنا بلا خجل ولا حياء أو وازع من ضمير أو وجدان. الهبوط في ترجمة المشاعر الإنسانية والأحاسيس في التعبير عما يختلج في الكوامن عند الأفراد في البيئة, تفسير لا يقبل الشك في مستوى حركة التفتت الخلقي والتحلل الأدبي, وهو ما يحمل الكمد للنفس والغم للقلب والسخرية للفعل والإستهزاء للممارسات, التي يقترفها شباب اليوم عندما تشاهد أحدهم في عمر لم يتجاوز السنوات العشر إلا قليلا, يركب سيارة فخمة مزينة بكل ما يلفت النظر وثمنها يساوي مبلغا باهظا, يمارس فيها شبقه النفسي وهيجانه الشبابي وثورته الهوجاء في الطرقات وفي الأزقة والباحات وبين البيوت والمنازل المكتظة على بعضها, لابسا ثياب الرياضة المزركشة الألوان أو بنطاله القصير جدا وقميصه المشرع عن صدره العاري, رافعا صوت مذياع سيارته عاليا يتفجر من مكبرات الصوت الإضافية, ليصم الأذان ويثير الإشمئزاز ويؤثر بشكل سلبي على أعصاب الناس, فتشعر وكأن زجاج السيارة سيتفجر من جلجلة الصوت ويتحطم, ويخيل لك أن الدماء سوف تتفجر من جلده أو من وجهه, وهو غير آبه لأحد غير ملتفت مأخوذا بفعلته نشوانا بسكرته, وكأنك تشاعد فيلما من أفلام الرعب التي تتقزز لها النفوس.
هذا الشباب هو صورة عن الكثير من الشباب بممارسات نزقهم, وهم يستمعون إلى أغنية أجنبية صاخبة, لا يفهمون منها حتى لهجتها أو لكنتها أو نوع موسيقاها ولا معانيها, ويرددون معها كل على مزاجيته ويدندنون بأصواتهم النشاز, التي تثير النفوس قرفا ووالأبدان قهرا للأداء الرديء. وهم يمخرون الطرقات الضيقة بسرعة جنونية تكاد لا تلتقط أنفاسك معها, والبعض منهم يسير ببطء قاتل وكأنه يمشي على البيض ليقتلعك من هدأتك المسائية أو الليلية أو الصباحية أو قيلولتك, راميا بك في أتون توتر الأعصاب لتضرب الأرض برجليك دون وعي, وتشبع جبينك لكما بقبضتيك حتى تخور قواك, رافعا صوتك بالتهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور. فإذا راودتك نفسك لحاقا بالفاعل لا تدركه لأنه قد أسرع بسيارته مفلتا منك كالمجنون, وإذا حالفك الحظ التعيس ونهرته يرفع من صوت مذياع سيارته أكثر, وإذا لم يعجبك الفعل يترجل ببطء من سيارته ويمارس إظهار مسدسه المزروع في خصره, ليشير لك بأنه مستعد لكل طاريء, هامسا بأذنك ما يجعلك تتراجع معتذرا له عن تسرعك فهو تابع لتنظيم حزبي, أو لعائلة لها تاريخها الحافل بالقتل أو عشيرة مشهود لها بالتفلت من إحترام النظم والقوانين, فترجع من حيث أتيت حانقا مشمئزا متوترا أكثر, تمارس عض أصابعك بأنيابك ليتفجر منها الدم, لاعنا ساعة سكنك في هذا المكان الذي يطلقون عليه تسمية لا تليق بشأنه ولا مستواه, محدثا نفسك بترك المكان أو هجره لمكان آخر أكثر راحة وأكثر أمان.
الفعل المستشري في بعض الأحياء في أمكنة عديدة في البلاد, ما هو إلا ردات فعل سلبية للحالات السيئة التي وصلنا إليها في عملية الأداء التربوي أولا, ومنهجية مساراتنا التي لا تتوافق والرؤى النظرية التي نحلم بها, بحيث أننا في حركة تنظيراتنا في كافة الأمور الإجتماعية والثقافية والتربوية والوطنية وغيرها, لم نراع عملية الإجراءات التطبيقية ميدانيا, ومدى إستيعاب عقولنا لها قبل عقول أبنائنا وشبابنا, وهو ما يدفع رعيلا من أجيالنا وشبابنا للتفلت من عقال ما نخطط له لممارسة العكس, محاكاة لرؤى شبابية أخرى غير ناضجة تستهوي أولادنا وتجذبهم لإمتطاء صهواتها, لترمي بهم في عالم آخر مليء بالوهم والسراب ولا يتطابق وواقعنا ولا يتوافق وتقاليدنا ومعتقداتنا ولا يجاري مساراتنا وطرقنا.
مقياس رقي الأمم والشعوب أخلاقهم المرتبطة بمستوى ممارساتهم الميدانية, وسمو حضارة المجتمعات إنعكاس رقي مناقب أفرادها وجماعاتها, وهي مهمة من نصّبوا أنفسهم للناس قادة بدءا من ولي الأمر في البيت كرب أسرة مرب مكلف, مرورا بالمدرسة وطاقمها التربوي الموجه في المراحل الأولى, وصولا للمؤسسات الجامعية فالعملية, وليس إنتهاءا بالمؤسسات الإدارية المسؤولة في البلاد كل وفق صلاحياته.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسين أحمد سليم
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 4
سرقة
بقلم
حسين أحمد سليم
السرقة أنواع وكل يفتي لسرقته ما يتلاءم ووضعها هروبا من الوصم بها, ليحمل المرء عار فعله في خفايا نفسه التي تسول له السوء أينما حل, والسرقة هي السرقة قليلة محدودة أو كبيرة متسعة لا فرق, فليس في العملية وجهان للتفسير أو الإجتهاد. فالسارق هو السارق أيضا ولا مجال لصفة أخرى تعطى له من جراء فعلة قام بها, وليس هناك من رحمة للسارق, بحيث تقطع يده عقابا له على فعلته ليرتدع إذا حدثته نفسه مرة أخرى بذات الفعل, وحتى يكون الإجراء المنفذ بحقه درسا واضحا لكل من تراوده نفسه بالقيام بفعل السرقة.
السارق ليس سارق رغيف الخبز ليسد به رمق جوعه فحسب, وإن كانت الغاية تبرر الوسيلة في أعراف من إجتهدوا في إستنباط ما يجيز لهم الفعل تحت ستار النص, وليس السارق من يسرق رأس ماعز لغاية في نفسه, أو من يسرق سيارة لفتت نظره الشره فإستحسنها ملبيا نداء نفسه الأمارة بالسوء فسرقها, أو من تسلل تحت جنح الظلام إلى بيت أحدهم ليسطو على ما جهد في توفيره لوقت الحاجة, وليس من يجيز لنفسه فعل اللصوصية ليقطع أسلاك الكهرباء والهاتف ليبيعها بأبخس الأثمان تاركا قرية أو بلدة أو حيا بكامله يغرق في الظلام, وليس من يسمح لنفسه أن تمتد يده خلسة لجيب صديقه أو رفيقه أو غيره من المارة في الدروب والطرقات لينتشل محفظته التي تحتوي بعض أمواله وأوراقه الخاصة, وليس من يتجرأ على نهب هاتف متنقل لزميل له في غفلة من إنتباهه, وليس من يأخذ مبلغا من المال حسبما يشاء من جيب أخيه أو والده أو زوجه أو قريبه دون معرفته, وهكذا فأبواب السرقة كثيرة وكثيرة يجتهد السارق في طرقها ببديهة سريعة للقيام بلصوصيته ساعة تراوده نفسه السيئة الموبوءة بهذا الجرم الشائن.
الفرد الموظف في مهمة ما تابعة لمؤسسة ما, وهو لا يتقي الله في أداء عمله يعتبر سارقا, والذي لا يقوم بعمله على أكمل وجه في المهمة الموكولة إليه فهو سارق, والذي يختلس شيئا من محل عمله مهما كان دون إذن صاحب العمل فهو سارق, والذي يترك الوقت يضيع سدى دون إحراز نتيجة فاعلة فهو سارق, والذي يوهم مسؤوله المباشر بأنه يقوم بما أسند إليه ويتقاعس في واجبه فهو سارق, والذي ينتهز فرصة وجوده في عمل ما ليستفيد من المقدرات التي بين يديه لصالحه فهو سارق, والذي يبخس في عمل زميل له ليبرز عمله أمام الآخرين فهو سارق, والذي يمارس الوشاية بزملاء له في وظيفته لبياض وجهه فهو سارق, والذي يخطط للغير في سرقة شيء ما دون المشاركة في الفعل فهو سارق, والذي يختلس النظر الشبق بالشهوة الحوراء لجارته المحصنة فهو سارق, والذي يبني علاقاته على أسس وضيعة وغير أخلاقية فهو سارق, وهكذا فالسرقات أبواب كثيرة متواصلة الحلقات متشابكة, والسارقون وما أكثرهم علمتهم نفوسهم الوضيعة الفعل فتخصصوا به, فلا تغرنك المظاهر المجلوة عند البعض ولا تنطلي عليك حيل البعض, ولا تمنح ثقتك لمن يعطيك من طرف لسانه حلاوة ليستميلك قبل الإيقاع بك في شركه فريسة سائغة, ولا تصاحب سارقا فيفسد عليك حياتك بممارسة السرقة منك يوم تغلق أبواب السرقة بوجهه…
السارق الصغير سارق في المستوى التصنيفي كما السارق الكبير, فهناك سارق يزج في السجن فور تنفيذ عمليته الشائنة ويحاسبه القانون عليها دون رحمة ولا هوادة ليكون عبرة لمن يعتبر, وهناك السارق الذي ينفذ فعلته ويختفي من وجه القانون حتى يدرأ لزمن ما نيل الحساب, وهناك السارق الذي يمارس فعل السرقة بجرأة وبقوة ولا يخاف القانون ولا يخاف الله, ويفاخر ببطولته في فعل اللصوصية والسرقة, وهناك السارق الذي يقوم بسرقة الشعب بأساليب متعددة بحكم منصبه الذي وصل إليه زورا وبهتانا, وهناك من يسن القوانين التي تغطي عملية السرقة تسهيلا لمارسات اللصوصية المنتظمة والمنظمة, وغير وغير… لتأتي النتيجة الساخرة بأن من له يعطى ويزاد ومن بيس له الذي له يسلب منه, فالسارق الذي يسرق ليأكل من الجوع يغدو مزموما ومحتقرا قي طول البلاد وعرضها ويرمى في زنزنة من السجن مظلمة, والسارق الذي يسرق ليزيد في أمواله وثرواته التي هي على شاكلته يتوج بطلا ولا كل الأبطال تصفق له الأكف المستفيدة دون كلل ولا ملل. وأما سارق الأرض ومغتصبها لقيام دولته المزعومة والمزعزعة على ترابها الطاهر تشرعن لصوصيته ويحمى من مجلس الأمن وزمر الأمم؟!. ووسارق الوطن وبائعه البلاد في سوق النخاسة الدولية فهو الحضاري الألمعي في عصر العولمة, عجبا لهذا العالم المتحضر كيف يسن القوانين والنظم على شاكلته؟!. وأما سارق الأرواح من أجسادها وناهب النفوس من أبدانها ليبني على دمائها مجده الزائل فهو الإمبراطور الذي لم ينجب التاريخ شبيها له ولا ند. وسارقو العقول من رؤوس أصحابها, والأفكار من أدمغة حامليها, والأحاسيس من الصدور اللاهجة بها, والمشاعر من القلوب النابضة بها, والإبداعات من أصحاب الخلق والإبداع, والكتابات من تعب الكتاب على إختلاف أنواعهم, والفنون من أنامل حانية بالخلق, وغير وغير… أليست فعل لصوصية المنفذ وهو السارق الأكبر؟!.
السرقة هي السرقة صغيرة كانت أم كبيرة, قليلة كانت أو كثيرة, والسارق هو السارق سرق ليأكل أم سرق ليزيد في ثروته, فإقطعوا يد السارق ونفذا حكم الله في الأرض قبل أن نصل إلى حيث اللارجوع, وتبتلع الأرض من عليها وتقوم الساعة حيث الأمر يومها للديان.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليفة بولفعة
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 10
مدخل إلى أفعال الكلام
بقلم : خليفة بولفعة
يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اللغوية ،تداولية أفعال الكلام،وهي نظرية انطلقت من فكرة جوهرية ، أسس لها "أوستن"John Langshaw Austin وتلميذه "سارل" Searle John، تتمثل في أن وظيفة اللغة الأساس لا تكمن وصف العالم أو التعبير عن الأفكار أو التأمل ونقل المعلومات-أي التوجه الوصفيالذي ندد به "أوستن" وأسماه بالوهم الوصفي- بقدر ما هي مؤسسة تعمل على تحويل الأقوال إلى أفعال ضمن سياقات خاصة. ويفهم من هذا أن هناك أقوالا تتم في إطار اجتماعي ومؤسساتي تصبح أفعالا منجزة بمجرد النطق بها، مثل قول الرئيس:" أعلن حل البرلمان أو الدستور"،أو قول القاضي :"فتحت الجلسة".
ويقسم الباحثون هذه الأفعال اللغوية إلى أفعال مباشرة مثل أفعال العقود (زوج ،طلق ،باع ، اشترى ، بايع وعاهد ...) و وأفعال غير مباشرة ،مثل قولهم في المثال المشهور "هل بإمكانك أن تناولني الملح ؟ "، فظاهر هذا الكلام استفهام ولكن دلالته تشير إلى طلب بتقديم الملح (1) .وعليه فإن المنطلق الأساس لهذا التوجه ، يعني القطيعة مع نظرية "تشومسكي" التي ترى بأولوية النحو ، ونظرية"سوسير" التي ترى بأولوية اللسان([1]).وبذلك فاللغة حسب " أوستن" وفلاسفة اللغة،ليست مجرد وصف للعالم ،بل هي فعل يؤثر في الواقع ويعدل في السلوك ويثير ردود الأفعال.(2)
وتعتبر هذه الظاهرة اللغوية جوهر إنتاج الأعمال الأدبية، خاصة في الرواية والشعر. فالسارد عندما يقوم بعملية الحكي لا يقصد تقديم سلسلة من الأحداث إلى المتلقي ،بقدر ما يكون هدفه إحداث أثر ما في متلقيه ،وبذلك فإن عملية السرد مثلها مثل العمليات الخطابية الأخرى تهدف إلى إيصال فكرة ما إلى المتلقي أو تضليله عنها(3).
وعلى هذا الأساس ،يبدو أن هذه الأفعال تعمل على تحديد الرؤية السردية "التي ترتبط ارتباطا وثيقا بأحد أهم مكونات الخطاب السردي المتمثل في الراوي وعلاقته بالعمل السردي بوجه عام ،وذلك لاعتبار أن الحكي يستقطب دائما عنصرين أساسيين بدونهما لا يمكننا أن نتحدث عنه.هذان العنصران هما :القائم بالحكي ومتلقيه ، وبمعنى آخر الراوي والمروي له"(4) .وهذه الرؤية لا تتم دون منظومة سردية تؤطرها أفعال لغوية تتم من خلال عملية تفاعلية بين عنصرين اثنين هما المرسل والمتلقي من خلال عملية تفاعلية. ومن مظاهر ذلك ما نجده في أفعال منظومة السرد عند الروائية أحلام مستغامي:
(( ... اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء .. وكأنك تعتذر عن ماضيك ..)(5) وكذلك في حديثها عن "الذراع المبتورة" لـ(خالد بن طوبال) الذي فقد ذراعه أثناء حرب التحرير الجزائرية ...كانت تلك بطاقة تعريفي وأوراقي الثبوتية (6)( ... وقد تزعج البعض ، تفسد على البعض راحتهم ، تفقدهم شهيتهم (7) ومع ذلك فهو يدرك بأن حياته ما زالت جرحا ينزف ، وتتضاعف مأساته في المنفى حين يدرك أن هؤلاء لا يعترفون بجرحه وإنما يعترفون بفنه فقط(8)،لا تقصد الروائية هنا تقديم صورة لبطل روايتها بقدر ما تحاول التأثير في المتلقي وإقناعه بفكرها وإيديولوجيتها عن طريق توظيف جانب موح من أيقونة الجسد "الذراع المبتورة"، التي هي في جانب منها صورة إنسانية مزعجة ومثيرة للشفقة معا ،ومن جهة أخرى رمز لهوية وطنية ذات بعد سياسي وتاريخي ، أي وسام معلق على هذا الجسد ،كما إنها شهادة على ظلم الإنسان وقهره (الاستعمار) وتنكره (بعد الاستقلال): اليوم بعد ربع قرن أنت تخجل من ذراع بدلتك الفارغ الذي تخفيه بحياء.... وكأنك تعتذر عن ماضيك ....
وحين تتحدث عنه في منفاه (فرنسا):تصفه بالرجل الذي يحمل ذاكرته على جسده ( وكنت تحمل ذاكرتك على جسدك ( (8) تقرأ على بعض الكراسي أماكن محجوزة لمعطوبي الحرب والحوامل .. محجوزة لمحاربين غيرك، حربهم لم تكن حربك، جراحهم ربما كانت على يدك ، وجراحك أنت غير معترف بها(9).
في حين تقدم صورة أخرى مقابلة تمثل أبشع صور الخيانة والانتهازية والمحسوبية: ( ... وقد تزعج البعض، تفسد على البعض راحتهم، تفقدهم شهيتهم).، وكذا في حديثها عن حسان الذي يمثل شريحة أخرى من المجتمع الجزائري:( في العاصمة ستكون لك ( خيوط) ستوصلك الطرق القصيرة هناك .. ولن توصلك الجسور هنا!)(10).ومنه نفهم أن الروائية في موقف رفض وتنديد لوضع ما ، فلم تكتفي بوصفه وعرضه على المتلقي بطريقة سافرة ،بل وظفت إستراتيجية السرد المكونة من أفعال لغوية ضمنية، توحي بصورة مباشرة بأفكار وإيديولوجية تعززها قوة بلاغية وحجاجية تعمل كلها على إثارة المتلقي والتأثير فيه.
لقد أصبحت هذه الذراع لعنة تطارده في كل مكان ( كنت تتأملين ذراعي الناقصة وأتأمل سوار يدك ، كان كلانا يحمل ذاكرته فوقه )
. ويذكر بكل مرارة :
( أنا الرجل المعطوب الذي ترك في المعارك ذراعه وفي المدن المعلقة قلبه(11)
وقريب من هذا ما نجده عند الروائي إبراهيم الكوني:"..ولكن القدر فوت الفرصة .جاءت الأنباء بانكسار المقاومة في الحمادة أيضا و...باستشهاد الوالد.قيل انه قاوم ببسالة.بل إن أهل الصحراء نظموا القصائد بعدها تمجيدا لبطولته.ربما لأنهم لم يتوقعوا من رجل مزواج متيم بالسبايا الزنجيات أن يسطر المآثر في مقاومة الطليان.أحد الرعاة أخبره أن الهجوم المباغت لم يفقده السيطرة على نفسه،فطاف على القبيلة ، وجمع المقاتلين،وحارب حتى حوصر معسكره.طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ الذين هدهم العطش ورأوا ضرورة التسليم.انفصل عنهم مع عدد من المخلصين.اعتصم بجبل الحساونة حتى مات .مات بالعطش ،فاستسلمت القبيلة كغيرها من القبائل. تولى ابن عمته المشيخة بعد انتظار طويل .ولكنه لم يسعد بها،فقد تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع.لجأت بعض العشائر إلى غدامس ،ولجأت قبائل أخرى إلى "تامنغست" وعزمت بعض القبائل أن تنزح إلى السودان.ولم يفد سعي الشيخ الجديد لتجميعها.فشل في إقناع الشيوخ بالتذرع بالصبر والانتظار حتى يمر البلاء.وهو لا يزال يتنقل في الصحاري ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس مهام المشيخة.آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات"(12)
لا يريد الروائي هنا تقديم الأحداث ووصفها بطبيعة الحال ،ولكنه يوظف استراتيجيات مختلفة للتأثير في المتلقي ،سواء عن طريق عملية السرد المثيرة ،أو توظيف بعض الوحدات المعجمية الموحية مثل " جاءت الأنباء بالانكسار- طال الحصار فاختلف مع بعض المشايخ- القبيلة – استسلمت القبيلة- تشتت القبيلة وهاجرت إلى الجهات الأربع- ساعيا لتجميع الشتات كي يمارس المشيخة- ثم يحتم ذلك بقوله: آه.لو تشتت كل القبائل في الصحراء الواسعة لاندثرت الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقاء للفوز بالزعامات. إن الراوي هنا لا يصف ولا يسرد بقدر ما يندد بوضع سياسي متعفن،تسوده الخيانة والقبلية والبداوة والخضوع والاستسلام ،بالرغم من المظاهر الخادعة والشعارات الزائفة التي يروج لها .باختصار شديد ، يوظف الروائي ريشته لرسم صورة متعددة الأبعاد لأزمة العالم العربي.وتظهر هنا قوة عملية الفعل اللغوي المتمثلة في السرد الذي يعتبر وسيلة لغوية يوظفها الروائي للتأثير في المتلقي .
كما تعمل الصيغ والمحددات النحوية والبلاغية على تقوية المعنى وإعطائه بعدا آخر، فهي تعتبر أيضا إحدى الموجهات الخطابية التي تعبر عن ذاتية المتلفظ وتواجده في الزمان والمكان،وبذلك فإن مثل هذا النوع من التوظيف ، يعمل على إبراز نوعية الحدث و درجة حدوثه وسلميته ؛ إما بشكل احتمالي أو تأكيدي.وهذا النوع يعمل على توجيه الخطاب وتقويته لإحداث أكبر أثر ممكن في المتلقي .مثل قول أبي الطيب المتنبي موظفا الفعل اللغوي المتمثل في النهي بصيغته الصريحة:
- فلا تغرُرْكَ ألســنةُ مَـــوالٍ تُقلّبُهَـنَّ أفئـدةٌ أعـــادي([2])
- لا تَعْذُلِ المُشتاقَ في أشـــواقه حتى يكون َ حشاكَ في أحشـائهِ([3])
يستعمل النهي بصيغته الصريحة(الفعل اللغوي المباشر) لحرصه على تبليغ ما يريده من تحذير أو تنبيه للمرسل إليه من هؤلاء الأصدقاء ، نفس الشيء في المثالين الآخرين فلا يحتاج المرسل إليه هنا إلى أي تأويل،وبذلك تحقق التحذير بصورة شمولية إلى المخاطب العياني والافتراضي على حد سواء . أما في الأمثلة التالية فنجده يغير من إستراتيجيته الخطابية مستعملا نفس الفعل اللغوي، إلا انه يضيف نون التوكيد إلى فعل المضارع المسبوق بلا الناهية لسبب إستراتيجي وتداولي يتطلبه السياق:
|
1- لا تَطْلُبنَّ كريماً بعـــد رؤيته |
|
إنّ الكرامَ بأسخَاهُمْ يداً خُتِمـوا ([4]) |
|
2- إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةٍ |
|
فلا تَسْتَــعِدَنّ الحُسَـام اليَمَانِيَا ([5]) |
|
3- ولا تستطيلنّ الرّمــَاحَ لغارةٍ |
|
ولا تستجيدَنّ العتــاقَ المَذَاكِيَا ([6]) |
وبذلك نجد أن في هذا النوع من التوظيف يتطلب تدرجا وسلمية في الفعل ، فنون التوكيد هنا لها دور تداولي يبرز أن درجة التوكيد أعلى منها في الصيغة السابقة ،وفي هذا المنحى تأكيد ناتج عن معرفة المرسل للمرسل إليه وإدراكه الجيد للموقف التواصلي وبعناصر السياق المهيكلة للخطاب . ويبرز من هذا الاستخدام أن الفعل اللغوي المتمثل في النهي درجات تحددها ظروف المرسل إليه وحالته ومنزلته ،وقربه أو بعده من المرسل ،كما يرجع ذلك إلى طبيعة الموضوع أو الأمر المنهي عنه .
وقد يرد هذا الفعل الكلامي بألفاظ معجمية غير الأداة المختصة، مثل الألفاظ الدالة على الكف أو الترك، مثل قوله سبحانه وتعالى" وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)"(الأعراف) . فقد وردت كلمة "ذروا " الدالة على الأمر في صيغته المعجمية والنحوية،إلا أنها في بنيتها العميقة تدل على النهي ،أي عدم إتباع الملحدين في آيات الله وأسمائه ،ومثل ذلك كثير في الشعر العربي مثل قول أبي الطيب المتنبي :
- فدَعْ كُلّ صَوتٍ غَيرَ صَوتِي فإنّني أنا الطّائرُ المَحكيّ والآخرُ الصّدَى
وغني عن البيان أن هذا الملفوظ قد ورد بصيغة الأمر غير أن بنيته العميقة تدل على النهي سواء من الناحية المعجمية حيث نجد كلمة " دع" تعني الترك ،أي" اترك " والدعوة إلى الترك تعني النهي عن إتيان الفعل.أما من ناحية سياق الخطاب، فإن المرسل يطلب من سيف الدولة أن يدع ما عداه من الشعراء، لأنهم -حسب رأيه- ليسوا إلا صدى لشعره .
وعلى هذا الأساس تكون هذه النظرية في أساسها رفض للتصور القديم الذي يرى في اللغة ، مجرد قواعد مجردة يستخدمها الفرد للتعبير عن حاجته التواصلية،حسب "دوسوسير" الذي يرى أن دراسة اللغة تتضمن جانبين :جانب أساس، هدفه دراسة اللسان باعتباره ممارسة اجتماعية في جوهرها ومستقلة عن الفرد؛ وهي دراسة نفسية في أساسها ؛وجانب ثانوي ، هدفه الجانب الفردي في اللغة،أي الكلام الذي يشمل الجانب الصوتي: فهو نفسي-مادي"(14) وهنا يبرز الاختلاف الواضح بين التوجهين، أي الوصفي والتداولي .
ويمكن تلخيص هذه النظرية في سلسلة من الأفعال :
الفعل التلفظي : يقوم فيه المرسل بتوجيه مرسلة خطابية ما موجهة إلى مرسل إليه ضمن سياق ما.
الفعل الصوتي: يقوم المرسل بنطق مجموعة من الألفاظ مستثمرا في ذلك كفاءته اللغوية عبر إستراتجيات متعددة في سياق معين.
الفعل الإنجازي :يقوم المرسل بفعل كلامي في سياق ما .
الفعل التأثيري: يؤثر المرسل على المرسل إليه بطريقة ما.
وتوجد بين هذه الأفعال علاقة جوهرية، تتمثل في التلفظ من طرف المرسل بفعل كلامي، ينتج عنه من طرف المرسل إليه ، نتيجة تأثره بهذا الفعل الكلامي(15) .
وبما أن الشكل اللغوي ليس كافيا في أكثر الأحوال لإبراز الدلالة الفعلية لهذه الأفعال، فلا بد من إيجاد بعد أساس فيها يتمثل في قصد المرسل، حيث تتم عملية الاختيار التركيبي والدلالي في الملفوظ بمراعاة السياق المناسب.وهذا ما تم بالفعل على يد "سارل"بعد" أوستن" فلم يعد المعنى موجودا في الخطاب الحرفي أو المباشر فحسب، بعد أن أكد فلاسفة اللغة بشكل واضح ، أنه يستحيل الاكتفاء بما تقوله الجملة حرفيا، خاصة من خلال ما أكده "جرايس" من اعتبار متضمنات القول جزءا أساسا في العملية التواصلية ، أي عدم الاكتفاء بما هو متواضع عليه( مثلما لاحظنا في الأمثلة السردية السابقة) ، كما أكد هؤلاء على أهمية المبادلات اللغوية و دور العناصر غير اللسانية في إنتاج الخطاب وتأويله ، مثل السياق والموقف التواصلي والمعارف المسبقة للمتخاطبين(16).كما أبرزوا دور الأفعال غير المباشرة في هذه الإستراتجية الخطابية .و زيادة على أن دلالات الخطاب اللغوي تتعدد حسب سياقات التلفظ، فإن دلالة الملفوظ قد تتغير بتغير الظروف والمحددات الزمنية والمكانية والموقف التواصلي.
ومن أهم النظريات التي تذهب في هذا الاتجاه ما جاء به " جرايس" في قوانين الخطاب ، التي تجعل المتكلم يقول ما يود قوله دون أن يصرح بذلك ، و يصرح في موقف ويلمح في آخر، وخاصة مبدأ المشاركة الذي يشكل العمود الفقري للنشاط الكلامي ، إذ من خلاله يتمكن المتخاطبون من ضمان عدم انقطاع التواصل(17).
والجدير بالذكر هنا، هو أن هذه الظاهرة اللغوية هي ما عرف في التراث العربي بالخبر والإنشاء.فقد ثبت عندهم أن الاختيارات التركيبة والدلالية لا تخضع بالضرورة إلى اعتبارات نحوية ، بل لاعتبارات تداولية ،كما أن الإفادة في الكلام ترجع إلى أحوال وملابسات المتخاطبين. وهذا ما أكده عند عبد القاهر الجرجاني و ابن خلدون : " ألا ترى أن قولهم (زيد جاءني) مغاير لقولهم (جاءني زيد ) من قبل أن المتقدم منها هو الأهم عند المتكلم،فمن قال: جاءني زيد أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه،ومن قال زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء( المسند)..."(18) .وهناك أفعال لغوية أخرى اكتست اكتست أهمية كبيرة عند البلاغيين والنحويين وعلماء التفسير والأصوليين خاصة ،منها:
الأمر : الذي نظر إليه النحاة القدامى باعتباره صيغة لغوية يوظفها المتكلم ليعبر بها عن مستويات مختلفة من الطلب الدالة على الأمر وغيره ، أي صيغة تستدعي الفعل ،أو قول ينبئ عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء . وكذلك ذهب البلاغيون إلى وضع قواعد بلاغية تنظر إليه من زاويتين مختلفتين ، زاوية الحقيقة والمجاز، مستعملين في ذلك منهجا تداوليا يقترب وبشكل كبير من الدرس التداولي الحديث، فعملوا على إبراز أهمية البنية الملفوظية وضرورة تماثلها مع المقصدية التي يكون السياق هو الفيصل في تحديدها.كما يأتي الأمر عند الأصوليين صيغة للتكليف تنصب في التشريع على وضع الحكم لأفعال المكلفين بالأمر على أوجه دلالته المختلفة من وجوب وإباحة، وندب أو حظر بالنهي على أوجه دلالته المختلفة من تحريم وكراهة(19) ،كما يعرف بـ"استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء"(20) وقد تعددت دلالة الأمر عند الأصوليين فنجد ابن النجار عد لصيغة (افعل) خمسا وثلاثين معنى(21)
النهي: يعرف ابن فارس النهي بقوله: "هو قولك: لا تفعل(22)" إذ لا صيغة له سوى المضارع مع لا الناهية، ويعرفه صاحب الإيضاح بأنه " له حرف واحد وهو "لا" الجازمة في قولك "لا تفعل" وهو كالأمر في الاستعلاء. وقد يستعمل في غير طلب الكف أو الترك... (23)
وقد ينهى عن الشيء باستخدام الدلالة المعجمية المتضمنة تحريما للفعل، أو نهيا عنه ومدلول صيغة النهي هو الكف عن الفعل على الفور، وحقيقته التحريم عند الأصوليين، وقد تدل الصيغة باعتماد السياق على معان أخرى غير أصلية(24)
ولكي يتحقق هذا الفعل يجب أن تتوفر شروط وقوعه مثل المرتبة أو المنزلة مثله مثل الأمر(كما أوردنا في الأمثلة السابقة( لا يتم حل البرلمان أو الدستور إلا من طرف شخص تتوفر فيه شروط معينة وهو الرئيس،ونفس الشيء بالنسبة لفتح الجلسة في المحكمة لا تتم إلا من طرف القاضي) وهذا ما يؤكده المبرد "واعلم أن الطلب من النهي بمنزلته من الأمر ،يجري على لفظه كما جرى على لفظ الأمر(25)
و يستعمل النهي لتوجيه المخاطب والغائب وذلك عند استعمال حرف "لا" لأنه "يقع على فعل الشاهد والغائب "(26).
وعلى الجملة ، فإن هذا النمط من التداولية ، يرى أن اللغة ليست وسيلة للإخبار أو الاتصال أو تعبيرا عن الفكر ، بقدر ما هي مؤسسة تعمل على صهر هذه الظاهرة البشرية وإعادة صياغتها بشكل خاص ينتج عنه أفعال تعمل على التأثير وتغيير السلوك.وإن كانت العملية اللسانية في حد ذاتها هي إخبار ونقل للمعلومات فهي أفعال خاضعة لمجموعة من الضوابط تعمل على تغيير موقف المتلقي وتعديل وضعيته من خلال استهداف أفكاره ومعتقداته بسبب ما تتضمنه من قوة إنجازية(27) .
الهوامش
[1] - J .L .Searle. sens et expression. Traduit par : Joelle Porust ,Edition Minuit, Paris; p.71
2- Martine Bracops, Introduction à la pragmatique, ,p.97
3J.-M Adam, Le texte narratif, Paris, Nathan,1985,p.7
4- سعيد يقطين،تحليل الخطاب الروائي،ط.3،المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع ،بيروت/الدار البيضاء،1997،ص.283 5 أحلام مستغانمي ،ذاكرة الجسد ،ص.72
6 - الرواية ص.53
7 نفسه ،نفس ص
8 - الرواية ،نفس ص
9- الرواية ،ص72/73
10 - الرواية ، ص.389
11 -الرواية ص.100
12 - إبراهيم الكوني ،التبر،رياض الريس للكتب والنشر ،لندن،1990، ص.76.
13-Ferdinand De Saussure ,cours de linguistique générale, édition Talantikit , Bejaia ,2002,p .26
15- عبد الهادي بن ظافر الشهري إستراتجيات الخطاب ،مرجع سابق ،ص.75
16 - Introduction à la pragmatique, op , Cit ,p.98
17-عمر بلخير، تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، ص.101
18 –المقدمة ص.1604
19 - ردة الله بن ضيف الله الطليحي، دلالة السياق ، "سلسلة الرسائل الموصى بطبعها" ،جامعة أم القرى ،المملكة العربية السعودية، 1424 هـ ، ص.156
20- الكولذاني الحنبلي ، التمهيد في أصول الفقه ،ت.د مفيد أبو عميشة وزميله ،جانعة أم القرى ،مكة المكرمة ،1406 هـ ،ج1/124
21 - دلالة السياق ، مرجع سابق ،ص. 157
22- البديعي الصاحبي ، تحقيق احمد صقر ، الناشر ،عيسى البابي الحلبي وشركاه،القاهرة ،1977، ص. 302
23- الخطيب القزويني ،الإيضاح في علوم البلاغة ،ت.د.عبد الحميد هنداوي ،ط 2، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع ، القاهرة، 2004 ،ص.139
24- دلالة السياق ، مرجع سابق ،ص.527-528
25- المبرد ،المقتضب،ت.محمد عبد الخالق عضيمة ،عالم الكتب ،بيروت ،ج 2،ص.135
26- إستراتيجيات الخطاب ،مرجع سابق ،ص.350
27 - Orecchioni ,Enonciation de la subjectivité dans le langage, p. 185