مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سامي الأخرس
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 9
أعناقنا وذهب بكين ** سامي الأخرس الشارع العربي مصدوم صدمة كبيرة في هذه الأيام وكلاً يضرب على كف ، ويصاب بالغثيان والاشمئزاز والضيق ، وآخرون ينتظرون عودة البعثات الرياضية من بكين ليكيل لها السب والشتائم ، ويحملها السبب في خيبة أمل الشعوب وشعورها بالمرارة والهزيمة . اليوم العشر من أولمبياد بكين ولم يعانق الذهب أي عنق من أعناق رياضيينا العرب ، مما اغضب الشارع العربي عامة ، وحين أفكر بالسبب لا أجد سبباً واحداً لهذا الغضب والحنق والمرارة التي علقت بحلق هذه الأمة فماذا نريد بميدالية ذهبية ونحن نمتلك جبال من الذهب ، ونمتلك ثروات هائلة جداً ، فأحد مليونيرات العرب يستطيع شراء كل ميداليات بكين الذهبية ويوزعها كيفما يشاء ، ولو امتلكت المال لفعلتها وأسعدت العرب الذين صدمتهم مرارة الهزيمة التي لم يتعودوا عليها منذ زمن بعيد ، ولم يغضبوا أو يشعروا بالمرارة إلا في هذه الأولمبياد الصينية . لم يسأل أحد من شعوبنا العربية الغاضبة والثائرة نفسه كم يكلف البطل الأوليمبي أو بالأحرى الميدالية الذهبية ؟ فهناك من قدرها بمليون أو مليونا دولار أمريكي ، أي وحسب هذا التقدير لو حصدنا عشرون ميدالية ذهبية مثلاً نحتاج لأربعين مليون دولار وهذا المبلغ بعرف المسؤولين عنا وقادتنا لا نستفيد منه بشيء سوي رقصة لاعب بحلبة انتصاره لمدة دقائق وينتهي المولد ، وهو تصور صريح من حكماء العرب وقادتهم فكيف نهدر طاقات وثروات البلد على ميدالية ذهبية لا يستفيد منها أحد سوي اللاعب لبرهة من الزمن وتذهب أدراج الهواء ، ونحن في أمس الحاجة لكل دولار لتحقيق المزيد من الانجازات التنموية والعلمية والثقافية ولمزيد من الانتصارات في حلبات أخري ، ولكن الطمع والجشع العربي الذي اصبح سمة من عظمة الانتصارات اليومية جعلنا نريد تحقيق كل شيء ونتفوق على كل العالم بكل شيء ، وعليه جاءت هزائم بكين خيبة أمل وصدمة للشارع العربي المنتشي بالانتصارات والانجازات والمكلل بذهب نفيس في ميادين أخرى فلنترك للعالم إذن فرحتهم بالرياضة . بالعربي " جتنا خيبة " متي كنا نحن العرب نبحث عن انتصارات لكي نغضب ونشمئز ونزعل ونحترق على هزائم رياضينا في الأولمبياد ، ومنذ متي ونحن نقارع العالم في تقدمه وتطوره سواء علمياً أو سياسياً أو اقتصادياً ؟ ومتي يكون لنا حضور في التظاهرات الكبري ؟! فالمهزوم حياتياً ونفسياً سينتصر رياضياً؟ إنها السخرية التي ما بعدها سخرية وأنت تجلس ساعات منفعلاً تراقب أحد الأبطال العرب وهو ينهزم ويحتل ذيل القائمة ولا تجني سوي خيبة الأمل التي تعودنا عليها وأصبحت عنوان عريض مدون خصيصاً باسم العربي ، ومنذ أن تنظر إليه وتشاهد ملامحه العربية تدرك إنه مهزوم مسبقاً ، فإن كانت اقسي أمنية البطل المصري هشام مصباح صاحب ميدالية البرونز بالأولمبياد الحصول على وظيفة تستر حياته ، هذا البطل استغل حصوله على ميدالية برونزية (أولمبية ) ليطلب تحقيق أمنية حياته بوظيفة ، لكم أن تتصورا وتتخيلوا أن دافع هذا البطل لتحقيق انجاز هو أن يُشتهر ويحقق شهرة تمكنه من طلب وظيفة ، فهل تتمنوا أبطال ؟! إن كان هشام مصباح قد أجاب على أسباب هزائمنا الرياضية ، واستطاع أن يصل صوته لقادته لكي يستطيع الحصول على وظيفة فماذا سيفعل جيش الشباب المهزوم ؟ الذين لن يستطيعوا الوصول إلى بكين أو غيرها ؟ (جتكم خيبة ) من يستمع للبطل المصري الذي أصبح حصوله على ميدالية فضيحة عبر عنها بأمنيته بوظيفة بعدما كانت شرف فهل تريدون ذهب بعد هذا ؟ جتكم ألف ألف خيبة فقد أكلتنا الهزائم وحولتنا لشعوب ... وكفي بالله شاهداَ سامي الأخرس 16/8/2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سامي العامري
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 7
شهرةُ الكاتب بوصفِها فضيحةً لا مجداً !
سامي العامري
---------
لمّا مات جميل بن معمر وبلغَ بثينةَ نعيهُ , أنشدتْ هذين البيتين كعهدِ وفاء :
وإنَّ سلوُّي عن جميلٍ لِساعةٍ
من الدهر ما حانت ولا حان حينُها
سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍ
اذا متَّ بأساءُ الحياة ولينُها
------
البيتان هنا يفيضان عذوبةً وشجا وموسيقية ألفاظٍ وأتذكر أنني حفظتهما بعد قراءتي الأولى او الثانية لهما !
كم جميل أن يحبَّ المرء بصدقٍ وأن يستمر هذا الحب حتى الموت !
حب الحبيب , حب الأرض , حب الناس , حب المصير , كلها تجليات لمعنى واحد فالحب لا يتجزأ .
ولكن ما أشقى مَن يدَّعي الحب .
بل ويسلكُ سلوكَ المُتفضِّل على مَن يدَّعي حُبَّهُ !
تتحدث مع البعض عن حقوق المرأة العربية مثلاً او مساواتها او حريتها فيجيبك كالمتفضل : لقد كتبتُ كذا عدد من المقالات حول هذا الموضوع او شاركتُ في هذه الندوة او تلك الخ ...
او تسأله عن هذا النزيف العجيب الذي إسمه الوطن فتسمع نفس الإجابة في حين أنك تطمح فعلاً الى سماع ذلك اللحن الحزين المجروح الذي ينطلق من الروح , روح المتحدث وهو يتحدث عن حال المرأة عندنا او حال الوطن بالأمس واليوم حتى بات السؤال عن هذه الحقائق الملحة مثاليةً ما بعدها مثالية .
وهذا القبح , أي شعور البعض بأنه كمَنْ يتفضَّل ويُحسِن , لا يسعُ المرأة العربية , شأنَ الوطن , إلاّ أن تحتقره وتسخر منه , وعن هذا يقول أبو الطيب ببراعتهِ المعهودة :
إنّا لَفي زمنٍ تَرْكُ القبيحِ به
مِن أكثر الناسِ إحسانٌ وإجمالُ .
وهو يعني - كما هو واضحٌ - أنَّ تركهم للقبيح يُعَدُّ إحساناً منهم الينا !
وهذا الإدِّعاء الذي له تأريخٌ وتشعُّباتٌ وجذور بل وأخشى أن أقول تكايا ومبشرون !
يعجبكَ سطوعهُ بمجرد أن تتصفح سريعاً ما يُنشر اليوم مما يسمى شعراً وأدباً ونقداً ومتابعاتٍ .
فلا قاريءَ يحب الشعر مثلاً ويستفيد منه ويستمتعُ به او يؤْثِر الأدب بشغفٍ ويحرص على مواكبته إلاّ وأصبح اليومَ انتقائياً فالإستسهال في الكتابة والترجمة والنشر أصبح كالوباء , وإمكانية أن تقدِّم نفسك كاتباً او شاعراً أصبحتْ أسهل من عملية سلق بيضةٍ !
في تشبيهٍ لطيفٍ يُعبِّرُ أهلُ العراق عن هدوء المكان ونظافتهِ قائلين ما معناه : حتى اذا سقطتْ إبرةٌ سيَسمعُ رنَّةَ سقوطها الجميع !
واذا توسعتُ في اشتقاقِ دلالاتٍ بسيطة أخرى لهذا التعبير او المثل فقد أقول تجوُّزاً بالنظر الى هدوء المكان : إنَّ الحادثةَ , أيةَ حادثةٍ , مَهما صغرتْ او مَهما حاول البعض كتمانها فلا بد أنها ستظهر الى العلن !
واستطراداً , كان فيما مضى أحد الرهبان الذين عُرفوا لسنواتٍ بنكران الذات ومحاربة شهوات الجسد أي بالسمعة الرصينة حسب فهم الناس لها في زمانه غير أنه في حقيقته كانت له دوافعه الجنسية التي ظلت قوية بحيث لم يستطع صبراً وهو بدلاً من أن يعلن للناس صراحة عدم قدرته على الإستمرار في حياة الرهبنة وقسوتها فيهجرها , فعلَ ما يسيء لشخصهِ وسمعته وسمعةِ الكنيسةِ في بيئة مغلقة او مجتمعٍ صغيرٍ محافظٍ فما كان من الناس حوله إلاّ أن تنكروا له ورفضوا التعاطي معه رغم محاولاته المتكررة للتبرير فمكثَ في بيته وحيداً منطوياً شبهَ يائس ولكنه يوماً وكما الإلهام ! نهض من عزلته الكئيبة شادَّاً الرحال الى مدينة بعيدة وباشر العمل في مجالٍ آخر مكرساً وقته لحياة عمليةٍ بهمَّةٍ وحماسةٍ بعد أن غيَّر اسمه ,
وبمرور الأيام والأعوام ذاع صيته كواحدٍ من أثرياء زمانهِ ووصل ذلك الى المدن والأطراف المجاورة والبعيدة ومن بينها الناس في بلدته السابقة من غير أن يعرفوا هويته الأصلية فنما اليه ذلك الخبر ففكر مع نفسه وقال : أودُّ معرفةَ صاحب الفضل الأول في نجاحي وثرائي : هل خطيئتي ام هِمَّتي ام رفض الناس لي ؟!
وفي كل الأحوال نجح هذا الثري ( الراهب سابقاً ) في التخفي وتمويه شخصيته حتى مات ...
ما أرمي له الآن هو أن العولمة التي تغلغلت عميقاً في تفاصيل حياة البشر على الأرض من خلال أحد رموزها الرهيبة - الإنترنيت - جعلتْ الكثير من دقائق حياتنا الخاصة تبدو أكثر انكشافاً من الإبرة في مثالي الأول فهي مسموعة ومقروءة ومرئية !
والأمرُ اختلفَ كذلك في هذا العصر جذرياً فلم يعد ممكناً لأشباه الكُتّاب الذين أسرفوا في الإعتداء على أذواق القرّاء وتعكير مزاجهم أنْ يشدِّوا الرحال الى مدنٍ أخرى ويغيّروا أسماءهم !
ولم تترك الثورة التقنية المهولة ملاذاً آمناً لعاطلٍ أضناه الفراغ اذا هو ادَّعى الشعرَ او الفن فهو مفضوحٌ أينما حلَّ وتصدق هذه الحال على الصحفي بالطبع وعلى غير الصحفي , غير أنني سأترك هذه القضية الآن قليلاً لأنوِّه الى قضية أخرى تتوازى معها ألا وهي طبيعة رد فعل هؤلاء الأدعياء او بائسي الموهبة على الإحتقار المُوجَّهِ لهم من القاريء فهم في ذلك صنفان فأما الأول فهو لا يحس بهذه الإهانة لبلادته وأما الثاني فهو يحسُّ بها ولكنه يبتلعها بروحٍ رياضية عالية !
وهؤلاء هم عدد غير قليلٍ من مُتبجِّحي الكُتّاب والكاتبات .
إنك قد تجد في أحيان عديدةٍ نصاً هابطاً ما لكاتبٍ معروفٍ بمقدرته وحذقهِ إلاّ أنك تصفح عن ذلك لمعرفتك بأنَّ لدى هذا الكاتب قلماً متميزاً او أنه ذو موهبة مشهودة فالعملية الإبداعية ليست بالأمر الهيِّن او طوع البنان دائماً لذا فضعفُ البناء او التصورات مفترضٌ ويمكن إغفالهُ مرةً او مرتين ولكلِّ حصانٍ كبوةٌ !
أمّا مَن لا يمتلك أدواتهِ الفنية اللغوية الإبداعية ولا يمتلك مؤهِّلاً معرفياً وثقافةً متماسكةً وشعوراً فطرياً بوجوب أن تكون هناك مسؤولية في الكتابة وأهمية للموضوع الذي يريد الخوض فيه فلا بدَّ لنا أن نسأله عن أي شيءٍ تبحث وانت تهرع لنشر هذا السطور ؟
هل الغاية أن تقول للناس بأنك هنا ؟ وأنك مازلت حاملاً ثقل ظلك كالأحجار تلقي بها على الرؤوس صباحَ مساء ؟
وماذا عن الذي يسبُّ الفراهيدي لا لشيءٍ إلاّ لأنه لا يستطيع أن يدرِّب أذنه على تمثل البحور التي وضعها هذا العالِم الكبير ؟ وفوق كل هذا يُسمّي ما يكتب حداثةً , وهل من حداثة دون إحاطة بالتراث ؟ وهل الحداثة تعني إلغاء الغناء ؟
بل هناك الكثيرون صاروا يجنحون الى القافية او الكلام المسجوع لإيهام القاريء غير المتخصص بأنهم إنما يكتبون وزناً او هم أساسأ يعتقدون أن الشعر هو تواترُ قوافٍ فحسب !
إنها دون شكٍّ استماتةٌ من أجل الظهور وليكنْ ما يكون !
والشيء بالشيء يُذكر فقد كتب قبل فترة قصيرةٍ شاعرٌ قصيدة صادقة ولطيفة , قال في أحد مفاصلها : ( لا أبغي الشهرة ... ) فأمسكتُ بقلمي الإفتراضي وكتبتُ له عبارة كتعليقٍ قائلاً : ( الكلُّ اليومَ باتَ مشهوراً !! ولكنَّ الرهان مَن يستطيع أنْ يُظهِر نصَّه او صورته على صفحات النت دون أنْ يُغلِق القاريءُ النت بوجههِ او ينتقل الى موضوعٍ أكثر رأفةً ؟ هذا هو الرهان , هذا هو التحدي !! )
فهناك الصحفي الذي يتصدى لكتابة قصيدةٍ عصماء ويتَّصل بمعارفه قبل نشرها وكأنها فتح ! او بتقريريةِ لغته ينبري لتفكيك عمل روائي او قصصي , وهناك الفاشلُ إبداعياً يجري ( حواراً ) مع فردٍ أكثر فشلاً منه ويحاول تسويقه باعتباره متفرِّداً سابقاً لعصره وجيلهِ , وهناك مَن يجعل جمْعَ ابن آوى أبناءَ آوى وليس بنات آوى !!
وبالفعل فهم لا يختلفون عن بنات آوى إلاّ في كون ابن آوى قد عُرِفَ بالحيلة والذكاء والظرافة بينما هم لا يملكون حظاً من هذا , فهذه اللغة العربية المعروفة بجمالها ومرونتها وروعة تراكيبها تجدها على أيدي هؤلاء مخلوقاً منفياً تَعِساً او كياناً مهَلهَلاً ,
ولا بأس اذا اقتبستُ شيئاً مما ذكرتُهُ في مقالة قصيرةٍ سابقةٍ حول فصاحة الحَجّاج بن يوسف فقد قال عنه الحسن البصري : ( إنَّ مَن يستمع الى الحَجّاج وهو يخطب في الناس يعتقد أنَّ الناس هم الذين يظلمونه !! ) هكذا هو تأثير البلاغة وهكذا هو سِحر البيان ,
ونحن لا نتوقع أن يمتلك الكثير من كُتّاب اليوم وشعرائه فصاحة هذا الجلاد وإنما نرغب أكثرَ الأحيان بجملةٍ ذات معنىً سائغٍ مفهوم !
إنَّ الكتابة التي لا تنطلق من جذورٍ لا يمكن لها أن تسمق , لا يمكن لها أن تستشرف , لا يمكن لشجرتها أن تثمر ولا يمكن لمتعَبٍ أن يتفيأ ظلالَها , وهذه المعضلة يتساوى فيها اليومَ الكثيرُ ممَّن يحاولون أن يكتبوا إبداعاً أدبياً او شعرياً ومَن يحاولون الكتابة في قضايا السياسة او الفكر او المجتمع او المرأة وهكذا فالحدث او الفكرة او الموضوع قد يكون مثيراً وذا أهمية إستثنائية في حينِ أنَّ لغة التعبير عنه تكون ميتة او ملتوية تفتقر الى العنصر الأهم في شدِّ القاريء ألا وهو السلاسة والتدفق , فمن يوقف هذا الضخّ العجيب من الكتابات الباهتة ؟ لا أدري , لا أدري ,
وأمرٌ باهتٌ أيضاً هو الإتيان بأمثلة نحن نعيش وسطها .
من آراء أحد مفكري هذا العصر وهو صموئيل هنتنغتون : ( إن العالم قد انتقل عبر ثورته التقنية الحديثة من القَبَلية المحلية الى القبلية الكونية ) .
ونحن شئنا ام أبينا ما نزال على مستوى التفكير والأهواء نحاكي مجتمعاً قَبَلياً مغلقاً لم يشارك العالَم ( قبليته الكونية ) .
لمَ لا نقرأ مساجلاتٍ حيةً او محاورات لأفكار هنتنغتون او فوكوياما في كتابات الكثير من سياسيينا مثلاً ؟ وهذان هما مفكران كونيان ومن أهم مُنظرِّي السياسة العالمية بعد الحرب الباردة ؟ واذا ما قرأوا لهما فلماذا يمرون عليهما بندرة وبشكلٍ خجول ؟ او لماذا لا يقرأون لهما بانفتاحٍ وتجردٍ ؟
انا عندما أتطرق لأمور دنيانا نحن أهل الشرق فكثيراً ما أكتب بانفعالٍ يقرب من الحنق !
ومِن بين مَن اهتمَّوا بالكشف عن محنة جيلنا اليوم وتحليلها رادَّاً على محاولة تشويه الهوية الثقافية عندنا وغائصاً في التراث والحداثة هو الشاعر والناقد الأدبي والفني فوزي كريم بمقدرتهِ الفذة على الإقناع وذلك في كتابهِ ( ثياب الإمبراطور ) الذي صدر عن دار المدى قبل سنوات والذي أسميتُهُ انا وثيقة العصر ............
وكنتُ وما زلتُ أردِّد : خسارةٌ للشاعر العربي , خسارةٌ للمثقف العربي أن لا يطلَّع على هذا الكتاب .
ومما قاله المبدع فوزي كريم قبل أعوام قليلةٍ أيضاً ما معناه أنه منذ ربع قرن مثلاً لم تُوَجَّه له دعوةٌ لقراءة شعرية او ما شابه .
هكذا هو وسطنا الثقافي في طبيعته الصارخة , وما قاله الشاعر هنا ليس إلا مثالاً بسيطاً على افتتان هذا الوسط بالأخوانيات والعلاقات الشخصية او الحزبية او اليوتوبيا الكاذبة كما يطلق عليها هو , ولأن الشاعر والأديب فوزي كريم لا يسكت عن زيف واحتيالٍ ويعتقد عميقاً بأنَّ أغلب مهرجاناتنا لا تصنع إلاّ فتى الصحافة اليومية لهذا لم يأبه بأنْ قاطعتهُ أغلبُ المؤسسات الثقافية .
ومما يثير سخريتي وعجبي من فتيان الصحافة هؤلاء وغيرهم من هواة العيش على السطح او العيش على الأطعمة الجاهزة ! هو تخيُّلي لهم وهم يجلسون أمام شاشة الحاسوب ويسطِّرون كلماتٍ يسمونها أدباً او شعراً ويغلفونها تارةً بعبارات هيامٍ ووجدٍ للإيحاء برقَّة قائلها ! وتارةً أخرى لا بأس أنْ يلوح اسمُ الوطن بين ثناياها ولا بأسَ أنْ يطعَّموها بسطورٍ واثقةٍ تتحدث عن عذاباتٍ لهم لا تنتهي ! الخ
قد يستطيع كاتبٌ ما أن يجلس أمام شاشة الكومبيوتر ويكتب او يطبع أفكاره مباشرةً اذا كان الموضوع الذي يريد تناوله يتطلب المباشرة او التوضيح او يتطلب لغةً إنشائيةً او قد يُنقِّح نصاً ما فيضيف جملةً خطرت في ذهنه او خياله فجأةً غير أنَّ الفعل الإبداعي الحقيقي هو ليس سوى ذلك الإحتراقِ اليومي يعيشه المبدع عبر دقائق حياته اليومية , وشتانِ ما بين هذا الإحتراق اليومي الجميل وبين قصيدة ( الكيبورد ) إبنة العصر !!
والملاحَظ أن الكثير من السياسيين عندنا لا يولون الأدب اهتماماً خاصاً فهم اذا شرعوا بقراءة قصيدة مهمة مثلاً فلأنها وقعت في أيديهم صدفةً لذا فهم لا يسعون اليها إلا فيما ندر بينما السياسي الغربي الحقيقي منظورٌ اليه في أعين الكثير من الغربيين باعتباره إنساناً يمتلك حساسية الفنان ومفكراً بل ومُشرِّعاً لا يني يصدر مؤلفاتٍ تثير اللغط والجدال ولاعجب اذا رأيتَ أنَّ مِن أولوياتهِ الحرصَ على زيارة المعارض التشكيلية او اقتناء مكتبة موسيقية متميزة وغير ذلك وعلى الجانب نفسهِ نرى الهوَّة بين سياسيينا وأدبائنا من جهة وبين القرّاء من جهة ثانية قد أصبحت أقرب الى الهاوية منها الى الهوة !
فلا الأديب هو الأديب الحقيقي المعَوَّل عليه ولا السياسي يخبرك عن السبب الحقيقي في عقدة نفوره من ( إرستقراطية ) الأديب وما يزعمه من نرجسيةٍ خاصةً عند الشاعر .
كان الفارابي وهو أيضاً فنان موسيقيٌّ ذو نزوعٍ صوفي يصرُّ في مدينته الفاضلة وغيرها من مؤلفاته على وجوب أن يكون السياسي فيلسوفاً وبمرتبة عالية في الأخلاق والفضل ,
ولهيغل فهمٌ للسياسة قريب من هذا فهو يقول : ( التأريخ السياسي هو فكرة الدولة ذات القوة الروحية والأخلاقية التي تتجاوز المادة والإهتمامات المادية كموضوع ) .
ولنتأملْ فهمَنا اليوم للتأريخ السياسي او للسياسة عموماً بمصالحها , باستبداديتها , بإرهابها !
فالسياسي الفنان مُغيَّبٌ او هم اجتمعوا عليه كي يسير حثيثاً فيصبح في حكم الماضي
وأمّا الشاعر الحقيقي فيعبِّر عنه البياتي في قصيدة ( المغنّي والقمر ) أصدق تعبير :
قميصهُ ملطخٌ بالتوتْ
وخيطُ عنكبوتْ
يلتفُّ حول نايه المحطم الصموتْ
وقمرٌ أخضرُ في عيونهِ
يغيب عبر شرفات الليل والبيوتْ
وهو على قارعة الطريق في سكينة يموتْ !
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حسين أحمد سليم
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 9
بيروت
بقلم
حسين أحمد سليم
بيروت مدينة قديمة عتيدة, موغل تاريخها في البعد الزمني, سبقت بوجودها رسالة السيد المسيح بألف ونصف, واردا ذكرها في رسائل تل العمارنة الشهيرة.
أواسط الجانب الغربي, عند حدود الساحل البحري اللبناني, أقيمت بيروت فوق جرف صخري, إستوطنها الإنسان القديم منذ العصور الحجرية القديمة.
منذ نشأت بيروت عند حوض البحر المتوسط شرقا, لعبت دورها الذي تألق فوق صدر التاريخ, فإستوطنتها الشعوب العديدة, ودخلتها الأمم الكثيرة, لتترك فوق رقعتها معالم حضاراتها, بعد أن سادت لزمن ما ثم بادت وإندثرت.
نجم بيروت برز جليا بعد أفول نجم المدن الفينيقية, التي كانت منتشرة على طول الساحل اللبناني, من جبيل شمالا إلى صور جنوبا. ليدخلها الرومان يسكنون فيها, ويحولونها إلى مستعمرة خاصة لجنودهم, يتمتع أهلها بنفس الحقوق التي يتمتع بها مواطنو روما.
تطورت بيروت على أكثر من صعيد, خاصة على صعيد العلم والمعرفة, لتصبح مركزا مهما لتدريس القانون, وتقام في ربوعها مدرسة الحقوق الشهيرة في ذلك الزمن, يسهم أساتذتها ومشترعوها في وضع الدستور اليوستينياني, الذي غدا في أساس بنية الدساتير والقوانين المعاصرة.
بيروت التي أصبحت منارة علمية عند الساحل الشرقي للمتوسط, خرّبتها الزلازل التي ضربت بنيانها ودمرته, لتفقد المدينة العظيمة دورها وأهميتها, ويخبو نجمها المتألق, بعد حدوث الزلزال العظيم الذي قضى عليها أوسط الألف الميلادي الأول.
الزمن يمضي وتبقى بيروت في ضجعة ركودها, لتنتفض وتستعيد بعضا من مكانتها التاريخية, بدخول المسلمين إليها, لتحلوا لهم الإقامة في ربوعها. بعدها سقطت بيروت بيد الجيوش الصليبية التي إحتلتها, وحولوها إلى إقطاع خاص, خاضع لمملكة القدس اللاتينية, لتبقى في قبضتهم حتى تاريخ إخراجهم منها على يد المماليك, لتدخل فيما بعد في فلك الدولة العثمانية, ثم الوصاية الفرنسية حتى نيل لبنان إستقلاله.
عرفت بيروت العتيدة حقبة من الإزدهار, أبان حكم الأمير فخر الدين الثاني, حيث نعمت بشيء من الهدوء, وتطورت فيها مرافق عديدة, وبرز فيها رجالات لهم حضورهم.
إنتهت الحرب العالمية الأولى بكل ما حملت من ويلات ومآسي, وتفككت الدولة العثمانية بعد ضعف بنيتها, وقامت دولة لبنان الكبير, لتصبح بيروت عاصمة لبنان السياسية والإقتصادية والثقافية.
دمّرت الحرب البغيضة قلب العاصمة بيروت, العاصمة اللبنانية التي تخفي في ترابها, معالم تاريخها القديم والوسيط والحديث, لتنشط المدن اللبنانية الأخرى, وتزدهر الضواحي المحيطة بمدينة بيروت, لتعود المدينة الصامدة على مرّ العصور إلى الإزدهارشيئا فشيئا, وتعود إليها الحياة السياسية والإقتصادية والثقافية.
تتألق في قلب بيروت معالم أثرية كثيرة تم كشف النقاب عنها بالتنقيب, إضافة لوجود معام تاريخية أخرى لا تقل أهمية, كساحة الشهداء والسراي الكبير ومبنى المجلس النيابي, والجامع العمري الكبير, الذي تجري في رحابه الإحتفالات الرسمية لمناسبات الأعياد الرسمية. والمتحف الوطني الذي يحتضن الكنوز الأثرية اللبنانية من التماثيل والمنحوتات والفخاريات والمجوهرات, التي تعود إلى العصور التاريخية المختلفة. وصخرة الروشة الواقعة على مقربة من الشاطيء, والتي تتكون من صخرتين جبارتين منفصلتين تقفان تتحدى صلف البحر وهوج أمواجه. ومتحف الجامعة الأميركية, الذي يضم مجموعات مهمة من القطع الأثرية والأحياء المنقرضة. ومتحف سرسق الذي يحتوي على مجموعات نفيسة من الثريات والأواني الزجاجية والأيقونات واللوحات الزيتية والمنسوجات, والذي تقام في أروقته معارض للفنون على إختلافها سنويا.
بيروت كانت وتبقى وستبقى مدينة الأمل المرتجى, ومدينة الغد المأمول, تضم جميع أبنائها إلى صدرها الحنون, مهما عصفت فيها نوائب الدهر, ومهما تعرضت للحروب والنكبات, ستبقى متربعة عند الكتف الصخري الصامد, على الساحل الغربي للبنان عند شاطيء المتوسط, تحكي سيرتها التاريخية حكية عز وفخار وعنفوان, تكتنز من الماضي تراثيات الحاضر, لتقيم حضارة اليوم ومن من معالم اليوم صروحها العظمى محاكاة للغد في جبين المستقبل القادم, ويبقى أهل بيروت المثل الذي يحتذى به بمكارم الأخلاق, والصبر على بلواء الأيام, يحتضنون كل وافد إلى ربوعها, ليقيم في أحضانها على سرر المساواة, كانت بيروت وتبقى وستبقى المدينة الحضارية النموذجية للجميع, تتسامى عنفوانا لبنانيا بالجميع.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 8
أين رئيس بلادى بل أين بلادى؟
سيد يوسف
كنا ننتقدك أيها الرئيس (حين كنا) نراك تذهب لمباريات كرة القدم وحفلات الأغاني ونفتقدك فى مصانعنا (آسف ما كان يسمى بمصانعنا قبل بيعها) أو على الأصح نهبها نهبا منظما ولا تعجبن فتلك ثروات مصر التي أقسمت أن تحافظ عليها.
وكنا ننتقدك (حين كنا) نراك تهتم بأخبار الفنانين المرضى وتلح فى السؤال عليهم بل توفير علاجهم على نفقة الدولة، وهذا حس جيد لكننا افتقدناك فى مستشفى الأورام السرطانية، افتقدناك مع مرضانا الذين تسرطنوا بسياسات السكرتارية الذين كانوا يخدمون/ يدمرون معك بلادى، ولا تعجبن فأجيالنا كاملة لم تر غيرك.
وكنا ننتقدك (حين كنا) نراك تصافح بحرارة حكام أمريكا والكيان الصهيونى وتبالغ فى حفاوتهم
لكننا افتقدناك ههنا بيننا وسط أهلك وناسك، وما رأينا حفاوتك لضعفاء بنى وطنك...ولا تعجبن فخيركم خيركم لأهله.
وكنا ننتقدك (حين كنا) نراك تكرم الفنانين والأدباء لكننا افتقدناك مع علمائنا ومفكرينا لا سيما الذين طردتهم ظروف بيروقراطيتك وسوء إدارتك للبلاد، ولا تعجبن فالدولة التى تحارب العلم وتُرخِص العلماء لا يرجى لها نهضة.
وكنا ننتقدك (حين كنا) نراك دوما فى شرم الشيخ لكننا افتقدناك فى أحيائنا حتى الغنية منها افتقدناك فيها فأين أنت؟ وكنا ننتقدك (حين كنا) نراك تصدر قرارات بمحاكمات عسكرية لمدنيين لكننا افتقدناك حيث حكم القانون ببراءة بعضهم ولم ينفذ الحكم، وافتقداك حين حكم قانونك ببراءة من قتل ألف نفس فأين أنت؟
وكنا ننتقدك (حين كنا) نراك جمعت حولك المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة من المنافقين لكننا افتقدناك مع المخلصين والغُيُر(الغيورين) على مصلحة البلد:البلد التى تسمى مصر أرجو ألا تكون قد نسيتها من زخم ما مكثت فى الحكم دون وجه حق مفتئتا على حق الناس فى الانتخابات.
كنا ننتقدك لكننا الآن نبحث عنك
كنا ننتقدك لا لشخصك وإنما لسوء إدارتك للبلاد وقد تأخرت بك ومن بعدُ بنجلك تأخرا شديدا لكننا اليوم نبحث عنك فلا نجدك بل نبحث عن مصر فلا نجدها: أين مصر بأهلها الطيبين؟ أين مصر بشهامة أبنائها؟ أين مصر ببسمتها الصافية؟ أين خيرات مصر؟ أين ثروات مصر؟ أين قضاء مصر؟ أين معلمو مصر؟ أين أهل مصر؟ أين قوة مصر؟ أين جيل أكتوبر بروحه الجميلة؟ أين مصر من مصر؟ أين مصر من العرب؟ أين مصر بين العالم؟ أين من يحكم مصر؟ بل من ذا يحكم مصر؟!!
خاتمة وملاحظات
* فى بلادى الآن يثور الأفراد لو سرقت من جيوبهم حفنة أوراق تسمى مالا أما إذا سرقت كرامته أو أمته أو حريته فثمة لا حراك وفى يقيني أن هذه الأحوال الفرط لا يمكن أن تبقى أبدا.
* كنا نسأل رئيسنا حين كان لنا رئيس أما وقد صار حاكمنا غائبا عنا بل مغيبا عنا فثمة تساؤلات كثيرة ولكن لا مجيب!!
* الحتمية التاريخية تؤكد على الشعوب تبقى والحكام يموتون، كما تؤكد على أن بعد الظلام حتما هناك فجر قادم، كما تؤكد على أن الانفجار قرين الكبت حتى ولو بدا بعض أفراد أمتى وهم يثورون لسرقة أموالهم الخاصة ولا يثورون حين تسرق أوطانهم فحينئذ سيكون الرد موجعا وغير متوقع لا فى الاتجاه ولا فى القوة ولا فى التوقيت.
* يعتقد كثير من المراقبين أن الأوان قد فات لإصلاح أو رتق ما فسد، وقد يكون الغد امتدادا مؤقتا لمحنتنا، وقد يكون الغدُ قصاصا عادلا من الظالمين والمنافقين والقادرين الصامتين، وصدق الله العظيم إذ يقول"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين"
سيد يوسف
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 9
كان الشاعر محمود درويش ما سوف يكون
زهير الخويلدي
" من يكب حكايته يرث أرض الكلام ويملك المعنى تماما "
محمود درويش[1]
كتب الناقد توفيق بكار عن الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي رحل يوم 09-08-2008 عن سن تناهز السبع والستين ما يلي:"اسمان في الشعر مترادفان درويش وفلسطين وصورتان توأمان من حقيقة واحدة ان حدثك عن نفسه فعن أرضه يحكي وان قصها لك فقصته يروي أولها العشق وللعشق كان في التيه الموت والفداء ومع كل شهيد تنبعث الحياة من الدماء ويتجدد الهوى"[2].
ولم يترك لنا هول الفاجعة وحجم المصيبة الوقت الكافي والتركيز الضروري لتقييم سيرة ذاتية مليئة بالكفاح والتحزب والتمرد والهجرة والانشداد إلى الأصول والتعلق بأرض المولد والحافلة بالشعر والسياسة والنقد والمداهمة بالمؤامرات والمكائد والتراجعات والاستقالات مثل سيرة ابن مدينة عكا شاعر فلسطين الأبرز وحامل هم القضية لأكثر من أربعين سنة بين دفاتر أشعاره ولكن حبنا الكبير له واحترامنا وتقديرنا لما أثثه من جدل داخل الفضاءات الثقافية العربية ولما حفزه من همم وسواعد يجعلنا نقبل على التعزية والتعبير عن الحزن والأسى لفقدان العرب هذا الهرم الشعري دون تردد.
ارتبط اسم درويش بأسماء شعراء فلسطينيين كبار مثل معين بسيسو وسميح القاسم وأحمد مطر وبالمطرب اللبناني الملتزم مارسيل خليفة الذي حول جزء كبير من قصائده إلى ألحان وأغاني رائعة وتمركزت تجربته الشعرية حول مجلة الكرمل التي تخصصت في شعر المقاومة والأدب الملتزم ولعل
أول ما نتذكر من درويش عروبته وآخر ما يتكلم فيه قبل أن يسلم نفسه إلى المنام هي عروبته وآيتنا في ذلك نصه بطاقة هوية الذي سجل فيه سجيته ودون بواسطته ثورته:
سجل أنا عربي
ولون الشعر...فحمي
ولون العين..بني
وميزاتي على رأسي عقال فوق كوفية
وكفي صلبة كالصخر
تخمش من يلامسها
وعنواني:
أنا من قرية عزلاء..منسيه
شوارعها بلا أسماء
وكل رجالها..في الحقل والمحجر
فهل تغضب؟
ما خطب درويش يرحل في عز النهار دون أن يستأذن ودون أن يترك وصيته، ما دره يستسلم للمرض وهو الذي قهر الحصار وتغلب على العار وضرب في الكون شرقا وغربا وينتصر على الروح الثقيل، ما باله يغادر أسطورة قداسه ويدفن قلمه وكراسه،ألم تسرق منه لحظة الميلاد كما حدثنا في بطاقة هويته ولبس ثوب العيش دون أن يستشر في قصيدته جواز السفر فلماذا يسرق هو مرة ثانية ويخطفها التيار الهابط نحو الليس ويطبق عليه الدهر حد الغياب، ربما يكون الوجود هو الذي صرف عنه منحة العمر وعجل بنفائسه إلى خارج هذه الزمانية الرديئة.
هوية درويش العربية وانتمائه للشرق لا يتناقض مع إيمانه بالحداثة والقيم الكونية الإنسانية فهو فلسطيني إلى حد النخاع ولكنه أممي يؤمن بالطبقة العاملة والطفل والمرأة والكائن الحي دون تمييز لنراه ماذا ينشد حول هذا الموضوع:
عار من الاسم، من الانتماء؟
في تربة ربيتها باليدين؟
أيوب صاح اليوم ملء السماء:
لا تجعلوني عبرة مرتين
يا سادتي الأنبياء
لا تسألوا الأشجار عن اسمها
لا تسألوا الوديان عن أمها
من جبهتي ينشق سيف الضياء
ومن يدي ينبع ماء النهر
كل قلوب الناس..جنسيتي
فلتسقطوا عني جواز السفر
سوف يظل درويش نبي الرفض الأكبر وفلاح الكتابة الأرضية بامتياز وزارع الليلك والأقحوان في قلوب المدافعين عن العرض انظروا ماذا يقول عن سمائه المحايثة للطين الذي يضع عليها قدميه:
آه يا جرحي المكابر
أنا لست بمسافر
وطني ليس حقيبة
والأرض هي الحبيبة
ألم يقولوا عنه انه شيوعي يساري وما قدروا أن ينكسوا أعلام قضيته الفلسطينية التي تزوجها والرايات الثورية التي رفعها عاليا من خلال القصائد وما استطاعوا أن يفصلوه عن محيطه العربي ويشككوا في هواه الشرقي وحب المتدينين البسطاء له ولأشعاره. أليس هو الذي أرخ للحياة داخل المخيمات وتحدث عن هوية الإنسان عندما تنحدر إلى مرتبة لاجئ، أليس هو الذي أرشف حصار بيروت يوم غطت ركام السحب الرمادية سماءها وسدت جحافل الغربان شرايينها وعروقها ومنعت الدماء من التدفق فيها، أليس هو الذي حلم بالدولة للفلسطيني ورفع غصن الزيتون تعبيرا عن تعانق الحق مع الحكمة والسلام مع العدل والمحبة مع الإنسان.
انه شاعر البلاد والعباد ومطرب الأشجار والأحجار ألم يقم مرة ما باحثا عن ضلوع فقدها يوم التهجير والتقليع:
بلادي البعيدة عني...كقلبي
بلادي القريبة مني...كسجني
لماذا أغني
مكانا ووجهي مكانا؟
لماذا أغني؟
ذلك هو محمود درويش عصفور يناجي حبيبة يراها ولكن لا يستطيع أن يضمها إلى صدره، ذلك هو سرحان وأحمد الزعتر وعويس وكل الشخوص التي تزين رفوف أبياته عاشق من فلسطين وشاعر على الدوام ومدافع عن عروبته وقضيته باستمرار ومحب للإنسانية في كل مكان وباحثا عن معنى في كل كتاب، ذلك هو الشاعر الفلسطيني المنتج المبهج الناقد المرتجل المحاضر ملك الإلقاء وسيد الشاشة وعريس المسرح عملاق على الدوام.
نصيحة لمحبيه وقرائه لا تقولوا عنه كان بل قولوا سوف يكون.
ما أروع ما كتب وما أتقنه عندما تفتحت قريحته الشعرية إعصارا وجوديا لا يبقي ولا يذر:
لم يتغير أي شيء
والأغاني شردتني شردتني
ليس هذا زمني
لا ليس هذا وطني
لا ليس هذا بدني
كان ما سوف يكون
رحل عاشق فلسطين وعصفورها المغرد وبقيت الحبيبة تنتظر قدوم عشاقها وفرسان أحلامها وظل الفوز بقلبها رهين صيرورة الفارس العاشق أشعر العرب.
المراجع:
محمود درويش لماذا تركت الحصان وحيدا بيروت رياض الريس للكتب والنشر الطبعة الأولى 1995
محمود درويش، مختارات شعرية، تقديم توفيق بكار ، دار الجنوب للنشر تونس
كاتب فلسفي