سرقة

بقلم
حسين أحمد سليم

السرقة أنواع وكل يفتي لسرقته ما يتلاءم ووضعها هروبا من الوصم بها, ليحمل المرء عار فعله في خفايا نفسه التي تسول له السوء أينما حل, والسرقة هي السرقة قليلة محدودة أو كبيرة متسعة لا فرق, فليس في العملية وجهان للتفسير أو الإجتهاد. فالسارق هو السارق أيضا ولا مجال لصفة أخرى تعطى له من جراء فعلة قام بها, وليس هناك من رحمة للسارق, بحيث تقطع يده عقابا له على فعلته ليرتدع إذا حدثته نفسه مرة أخرى بذات الفعل, وحتى يكون الإجراء المنفذ بحقه درسا واضحا لكل من تراوده نفسه بالقيام بفعل السرقة.
السارق ليس سارق رغيف الخبز ليسد به رمق جوعه فحسب, وإن كانت الغاية تبرر الوسيلة في أعراف من إجتهدوا في إستنباط ما يجيز لهم الفعل تحت ستار النص, وليس السارق من يسرق رأس ماعز لغاية في نفسه, أو من يسرق سيارة لفتت نظره الشره فإستحسنها ملبيا نداء نفسه الأمارة بالسوء فسرقها, أو من تسلل تحت جنح الظلام إلى بيت أحدهم ليسطو على ما جهد في توفيره لوقت الحاجة, وليس من يجيز لنفسه فعل اللصوصية ليقطع أسلاك الكهرباء والهاتف ليبيعها بأبخس الأثمان تاركا قرية أو بلدة أو حيا بكامله يغرق في الظلام, وليس من يسمح لنفسه أن تمتد يده خلسة لجيب صديقه أو رفيقه أو غيره من المارة في الدروب والطرقات لينتشل محفظته التي تحتوي بعض أمواله وأوراقه الخاصة, وليس من يتجرأ على نهب هاتف متنقل لزميل له في غفلة من إنتباهه, وليس من يأخذ مبلغا من المال حسبما يشاء من جيب أخيه أو والده أو زوجه أو قريبه دون معرفته, وهكذا فأبواب السرقة كثيرة وكثيرة يجتهد السارق في طرقها ببديهة سريعة للقيام بلصوصيته ساعة تراوده نفسه السيئة الموبوءة بهذا الجرم الشائن.
الفرد الموظف في مهمة ما تابعة لمؤسسة ما, وهو لا يتقي الله في أداء عمله يعتبر سارقا, والذي لا يقوم بعمله على أكمل وجه في المهمة الموكولة إليه فهو سارق, والذي يختلس شيئا من محل عمله مهما كان دون إذن صاحب العمل فهو سارق, والذي يترك الوقت يضيع سدى دون إحراز نتيجة فاعلة فهو سارق, والذي يوهم مسؤوله المباشر بأنه يقوم بما أسند إليه ويتقاعس في واجبه فهو سارق, والذي ينتهز فرصة وجوده في عمل ما ليستفيد من المقدرات التي بين يديه لصالحه فهو سارق, والذي يبخس في عمل زميل له ليبرز عمله أمام الآخرين فهو سارق, والذي يمارس الوشاية بزملاء له في وظيفته لبياض وجهه فهو سارق, والذي يخطط للغير في سرقة شيء ما دون المشاركة في الفعل فهو سارق, والذي يختلس النظر الشبق بالشهوة الحوراء لجارته المحصنة فهو سارق, والذي يبني علاقاته على أسس وضيعة وغير أخلاقية فهو سارق, وهكذا فالسرقات أبواب كثيرة متواصلة الحلقات متشابكة, والسارقون وما أكثرهم علمتهم نفوسهم الوضيعة الفعل فتخصصوا به, فلا تغرنك المظاهر المجلوة عند البعض ولا تنطلي عليك حيل البعض, ولا تمنح ثقتك لمن يعطيك من طرف لسانه حلاوة ليستميلك قبل الإيقاع بك في شركه فريسة سائغة, ولا تصاحب سارقا فيفسد عليك حياتك بممارسة السرقة منك يوم تغلق أبواب السرقة بوجهه…
السارق الصغير سارق في المستوى التصنيفي كما السارق الكبير, فهناك سارق يزج في السجن فور تنفيذ عمليته الشائنة ويحاسبه القانون عليها دون رحمة ولا هوادة ليكون عبرة لمن يعتبر, وهناك السارق الذي ينفذ فعلته ويختفي من وجه القانون حتى يدرأ لزمن ما نيل الحساب, وهناك السارق الذي يمارس فعل السرقة بجرأة وبقوة ولا يخاف القانون ولا يخاف الله, ويفاخر ببطولته في فعل اللصوصية والسرقة, وهناك السارق الذي يقوم بسرقة الشعب بأساليب متعددة بحكم منصبه الذي وصل إليه زورا وبهتانا, وهناك من يسن القوانين التي تغطي عملية السرقة تسهيلا لمارسات اللصوصية المنتظمة والمنظمة, وغير وغير… لتأتي النتيجة الساخرة بأن من له يعطى ويزاد ومن بيس له الذي له يسلب منه, فالسارق الذي يسرق ليأكل من الجوع يغدو مزموما ومحتقرا قي طول البلاد وعرضها ويرمى في زنزنة من السجن مظلمة, والسارق الذي يسرق ليزيد في أمواله وثرواته التي هي على شاكلته يتوج بطلا ولا كل الأبطال تصفق له الأكف المستفيدة دون كلل ولا ملل. وأما سارق الأرض ومغتصبها لقيام دولته المزعومة والمزعزعة على ترابها الطاهر تشرعن لصوصيته ويحمى من مجلس الأمن وزمر الأمم؟!. ووسارق الوطن وبائعه البلاد في سوق النخاسة الدولية فهو الحضاري الألمعي في عصر العولمة, عجبا لهذا العالم المتحضر كيف يسن القوانين والنظم على شاكلته؟!. وأما سارق الأرواح من أجسادها وناهب النفوس من أبدانها ليبني على دمائها مجده الزائل فهو الإمبراطور الذي لم ينجب التاريخ شبيها له ولا ند. وسارقو العقول من رؤوس أصحابها, والأفكار من أدمغة حامليها, والأحاسيس من الصدور اللاهجة بها, والمشاعر من القلوب النابضة بها, والإبداعات من أصحاب الخلق والإبداع, والكتابات من تعب الكتاب على إختلاف أنواعهم, والفنون من أنامل حانية بالخلق, وغير وغير… أليست فعل لصوصية المنفذ وهو السارق الأكبر؟!.
السرقة هي السرقة صغيرة كانت أم كبيرة, قليلة كانت أو كثيرة, والسارق هو السارق سرق ليأكل أم سرق ليزيد في ثروته, فإقطعوا يد السارق ونفذا حكم الله في الأرض قبل أن نصل إلى حيث اللارجوع, وتبتلع الأرض من عليها وتقوم الساعة حيث الأمر يومها للديان.