مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

يأس

التفاصيل
كتب بواسطة: رباب كساب
نشر بتاريخ: 01 أغسطس 2007
انشأ بتاريخ: 01 أغسطس 2007
الزيارات: 5

يأس

نقل الليل صدى أنفاسه المتقطعة في الحجرة الخالية إلا منه ممددا على سرير متهالك ، لم يمهله الإرهاق وقتا ليبدل ملابسه ، أخذه الكرى وقد خلع فردة حذاء دون الأخرى .

كانت الساعة قد قاربت العاشرة لحظة أن ضمته الحجرة من مساء يوم قضاه متنقلا بين شوارع المدينة الآهلة بالمكاتب والشركات والمقاهي والكافيتريات والمحال التجارية ، كل هذا لم يجد فيه سم إبرة ليُحشر فيه آخذا نصيبا شهريا .

الوقت يمر وهو في سُبات عميق رغم أنَّ عقله يعمل بلا توقف ، رأى أشباحاً وخيالات ، رأى نارا تأكله .

أيقظه الفزع  مختلطا بصوت الطقوس اليومية لجاره قبل صلاة الفجر .

فتح عينيه بصعوبة ، كان يشعر أنه لم ينم ، حاول القيام ولكن خذله جسمه ، وأعلنت قدميه كل أوجاعها في تلك اللحظة ، واصل استلقاءه لكن إلحاح مثانته عليه دفعه دفعا ليقوم .

فاجأته هيئته وهو مار بنصف المرآةِ المعلقة على الحائط المجاور لسريره ، كاد يفرغ ما في جوفه اشمئزازا .

ارتفع صوت المؤذن الله أكبر .

ألقى نفسه تحت الماء البارد ليزيل ما بقى من كسل وإرهاق .

وقف بين يدي الله .

 بكى ، انتحب .

ضاقت به الدنيا ، ذهب الأهل ، الأصدقاء كل قد شق طريقا في الدنيا الواسعة التي خلت إلا منه  .

قابله الجار عائدا من صلاة الفجر ، سأله عن وجهته ولم تستيقظ الحياة بعد .

-         محاولة جديدة .

لم تنعشه نسمات الفجر .

كانت الحياة قد بدأت تزحف حثيثا لتبدد آخر مظاهر السكون .

اتجه نحو البحر ، جلس على مقعد من مقاعد الكورنيش الخاوية ، وجد لطمات الموج كلطمات الحياة التي تصفعه بلا رحمة  .

استفاقت المدينة من سباتها في صباح ربيعي هادئ ، لم يكن الصيف قد شد رحاله إليها بعد .

النور يبدد عتمة البحر شيئا فشيئا .

تساءل متى للنور أنْ يأتي مبددا عتمتي ؟ سؤال من قلب اليأس أذاب ما بقى من صبر .

جذبته رائحة اليود جعلته يترك مكانه متجها لحضن الوحش الثائر ، ارتمى بين أحضان موجه الذي حمله دون مقاومة منه ، فاقدا كل رغباته .

خرجت يد من فيض الرحمة ، حملته ، تمدد على رمل الشاطئ وقد فتح عينيه فقابلته عينان ممزوجتان بزرقة السماء الناعمة تبتسمان في راحة وتقولان : لا يأس من رحمة الله .

 

31 / 7 /2008    

سجين الزنزانة 114

التفاصيل
كتب بواسطة: الطاهر مرابعي
نشر بتاريخ: 17 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 17 يوليو 2007
الزيارات: 5

دنْدنة سلاسلٍ تترنّم... وبعضُ لحظات مشطورة على قطعة خبز يابس يتَلقّفها بجرعة ماء ويتنفس... يتّكأ من أتعاب يومه وكل الأيام على جدار خشنٍ ويَغفُو لحظة... يتملّكُه اليأس ولا يملِكه لبعض أوهانه... يصقلها بعذاب التّعب وجِدِّ العَرق ويَرْنو... أملُه في الأرض التي زرعها غير بعيد، وماذا غير الصّبر يُؤرقُه، ما أطول الأيام وما أشدّ بأس الليالي!! لو أن الذي أتعبَه الموتُ ما نال منه الشقاءُ ولكنْ أتعبَهُ الانتظار... وحشٌ يفترسه كلما وضع رأسه سندا إلى ركبتيْه ومن له إلا هُما سعيفًا... ومَن للحديث إذا ضاقت نفسُه إلا هي له أنيساً، يَبتُرها من ضَياعها برَمق البُصاق ثم يُعاوده الأنين فيُسكته بوَقف الحركة... يَحبِسها حينا وتحبَسُه دائما، إلا الاستسلامُ للراحة ماذا بقي؟ في صباح يوم أشرقتْ شمسُه من الغرب استيقظ وسكانُ المدن والقرى على يوم كلقاء المَحشر وفي بَسط لحظة انقبض الزمن وتوقفت السيارات والساعات وحتى حركة الناس بدَتْ كجَفوة في قلوب أهل بادية ولم يشتمل يوم على مثل هذا الفراق بين الروح والجسد... في غير عالَمٍ أصبح أهلُ المدينة!! إلا من أجسادهم المُترامية على الطرقات، التائهةِ على شُرفات المباني العالية، أمّا أهل القرى فناقم ربهم منهم؛ لا يومهم بالزمان الذي يتلو أمسهم ولا مستقبلهم بالذي هو آت، الدّواب ضَمْآى في مَحاشِرها والأرض قد ابتلعت ما عليها من ماء مما فات على الشمس تجفيفه.... لأيام سبعٍ يبعث الخليفة رجلا بيْن رعيّته يسألهم عن السّبع العِجاف... لأبقار لم يُولدن إلا لقُربان يوم كهذا، ويَستشْري في الخَلْق شدّة ضيق فلا يجدون لأنفسهم شفيعا ولا مَخرجا... بعد إذنِ لحظة لم تَتوقّت يفتح الحاجبُ الباب على رسول الخليفة ليدخل إلى سيّده المَغمور عذابا بمزيد من العِقال... يضعها على طاولة مكتبه المؤثّث خارج الزمان... وفي غيرما لحظة يشتدّ نواح الرّعية والعالة في هيْبة من أمرهم داخل المَعبد الوَهْم يتضرّعون إلى ظَليلهم ليفتح عليهم بخراج الغيْمة البِكر. بين أسوار المدينة المظلمة وفي مداعبةٍ منه للأقدار يغادر الغريبُ أرضَ الوَحشة مستنجدا بربّ لم يره، عسى دعوة تُستجاب... يبدأ دربَه بركعتين في مسجد ظلّ ككهف سدّت عليه العنقاءُ بخيوط العنكبوت تمنع عنه برهبةٍ من قداستها جُموعَ الضائعين. في نشوة خشوع يترآى للغريب فيما يُخيّل للنائم طقوسَ عزاءٍ على عجوز شمطاءَ تُوارى التّراب لحظة تجدّد شبابها، وكأني بها تدفع قابريها، وكلما خرجت أعادوها من حيث لا تدري فإذا هي امرأة من جيل الرجال المقاتلين تُغالبها الأنوثةُ فلا يقوى للرجولة عليها أثر. يستفيق الغريب من غيبوبة خشوع ورؤى قاصدا يوسفَ الشيخ الهرم ليستفتيه في أمر رؤياه... وعلى عتبة الباب قُبيْل خطوة من مضجعه الحديدي يلتقط منديله ويدخل عليه... فإذا به أعمى قد ملء الشيبُ لحيتَه ووَهَن عظمُه... وكأنه يعجّل بالرحيل تِلقاء علمه بتوقف الزمن... فيسرق منه قراءة الحُلم ويغادر على عجلةٍ... عجلةَ لفظ يوسفَ أنفاسَه وهو يقذف آخر المصابيح على طرق الضّعفاء ليستنيروا بها قاصدا بيت الخليفة لينذر!! فيُأمر بالأبواب أن تفتح فتفتح وبالرجل أن يدخل، فيُحمل إلى مجلس الوزراء، وهناك يَعبُر للملء الرؤيا من أمر أمة بادَت في سبيل حقها أن تعيش بعد النّعيم في الظلم وأن أقواما كانوا رِدّة أصبحوا قادة الدّرب... يذودون الخلق عن حياضهم ويمنعونهم... لِيوم يُغتال فيه التاريخ والمبادئ.... لرجل يتخبط في شرَك المنافقين الذين يحاولون وأْدَه، كأنثى تَضعف كل مرّة على أن تكون وإن كانت.... "ويا قومي إني لكم ناصحٌ أمين". يقولها الغريب ويخرج فارّا بدينه إلى جبل الدِّرع في مكان خال من الدنيا... خال من بشرها... يَطمع بلحظة هدوء يتعبّد فيها لرِجس الخطايا التي حمل لسانُه، وفي الطريق يلتقي ستة نفرٍ من المهاجرين من خِيرة أتراب الأرض وقد أضاعوا سبيلهم بعد أن نزلوا على سفح جبل من سفينة تجارية ولا يرون لهم إلا أن يفرّوا إلى عتبة دانية غير ذات قرارٍ، لا يطمع في دخولها إلا طالب هلاك توجّسا من عاقبة تحملها غمامات الانتقام إلى قوم يبيتون قياما للمعاصي... وفي الأفق تلوح علامات سحابة تجرّ الويلات... برق ورعد وسوادٌ يشيب له الوَليد وأمطار تقرع الصّخر كرصاص مدوٍ يزجر الأعداء، وإذا بمغارة تعلوا السّفح مُطلةً على ميناء في الجهة الأخرى مُشرقة على زُرقة من بعض السماء يلجأ إليها السّبعة حتى تمرّ سحابات المطر الكاسح.... ويَنتشلُ الأسى من حزن الضعفاء... "اليوم ياربُّ حقَّه"... يشنقه ويعلّقه مُتعةً وفرجةً في أيام ضياعه... ولا يسكتُ عن تسبيح البائسين إلا أنينُ الوداع، ولأيام سبع لم يتوقف المطر ولا هدأ للرّعد بال ولا انطفأ للبرق نورٌ على ساحل المدينة... يجرفها متعةً ويبني بحره الجديد لخصوبة أرض الجبل... حتى إذا نال التعبُ من الفتية ناموا على أكتاف بعضهم ولم يَصحُوا إلا ثامن يوم على شمس مشرقة وبحر عظيم على مرمى أبصارهم... ولا أهلَ بعد اليوم إلا أهل الغُصن الرّطيب والجيل التّليد!! وما شربت أرض البارحةَ إلا ما سكبتْ اليوم!!.... ولم تمض عن هذه الأُمتوعة ساعات حتى ضُرب كتف النائم للصّحوة، فقد حان وقت تنفيذ الحكم... " أنت من فجّر ينابيع السهل بقنبلة يا وغْد، لقد أمر القاضي بالفصل في حكم قطع رأسك، سرْ والأغلال تُقيدك"، سار السجين ودنا إلى المقصلة وهو يتفقد وَعيَه؛ أكان نائما قبل قليل وما رآه كان حلما أم الحلمُ الذي يراه الآن؟!... هل كان يستعدّ لتلك الحياة بهذه الموت، من مات الباغي أم المظلوم؟... شرب الفتى نسيم آخر الحياة بأمر القاضي بتلاوة الشهادة وقبل أن يُتمّها سقط ميتا بعد أن توقف قلبه عند باب المقصلة تاركا أحلامه للبَوار. ولا أهلَ لك اليومَ يا صاحُ فمن لك بالدّفن... من تبكي لأَساكَ وتَخيط لروحك الكفن... من يحفر لك القبر ويلحدُك... أهكذا تموت غريبا، تموت ميتة الأحلام، وأين تُدفن إلا محمّلا بالتراب، أتذكر أمك التي كانت تُدلّلُك صغيرا وتحلم لك بعروس من مرجان البحر... أتذكر أباك الذي حملك على ظهره... أفّ لك إذا من أحلامهما وآه من أحلامك. اليوم تنعاك الغُرْب بنِعاقها ياغريب الدّهر، أُشيّعك منذ الآن على نعش كلماتي وأزفك لقبر الرحمة وأبكيك بصمتي، ولا أصلي عليك إلا صلاة ناسك دير، وما أعظمك!!... سيبكيك قلمي، سأخيط كفنك من لباس وسترة الكلام وزينته... جوهرةٌ أصواتي بين معشر الناثرين والناظمين بك، أيُّ مَأتمٍ أحتفل فيه بوداعِك... أأصلي لربّ يعرفك أم أكتب لعبد يجهلك، أأخلد فيك بذكرك أم أموت فيك بنسيانك... أيّ عرش وتاج وسَمتَ به قلمي وأي وطن غرسته في؟

في ظل ريحانة

التفاصيل
كتب بواسطة: م. زياد صيدم
نشر بتاريخ: 12 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 12 يوليو 2007
الزيارات: 5

كان يتباهى مزهوا في جلساته أمام المقربين بامتلاكه لقلب فسيح مترامي الأطراف.. هكذا كانت قناعاته من خلال تطبيق لنظريته وفلسفته الخاصة في حياته الممتدة .. فاخترق بسهامه قوس قزح بألوانه الجميلة، وصولا إلى القارات وتضاريسها المختلفة !. اعتقد بصحة نظريته وصوابها للرد على غدرهن .. فقد قرر بعد تجربته الأولى وما شابها ، بأن لا يُلدغ من الجحر مرتين .. أمعن آدم في نسج علاقاته المزدوجة في آن واحد مع صنف حواء !.. استمر على هذا الحال ردحا من الزمن .. يوزع ودا وحبا وعاطفة بالتساوي على حدائق قلبه المتوردة ، حتى اعتقدت كل زهرة بأنه يشتمها ويتطيب بشذاها وعبق أريجها وحدها.. كان مقتنعا بممارسته لنظريته.. طالما يُرضى نفسه والآخرين بنفس القدر.. استهجن صديقه المُستمع لحديثه مشيرا عليه بالاستمرار في قصه فأردف قائلا: عندما تقدمت بى السنين .. و غزا الشيب ما تبقى من شعر في جسدي .. وتكاثرت تجاعيد وجهي .. وبطأت حركتي .. ولم أستطع مواكبة العمر ومتطلباته.. أحسست بوحدة تكاد أن تفطرني .. فأخذت أبحث في زوايا وتلابيب قلبي عن ظلال من الماضي يؤنس وحشتي.. بحثت ونقبت في أعماقه أملا في العثور على ركن أجد فيه راحتي.. بحثت مطولا .. لكنى لم أجد ضالتي .. فقد وجدت حدائقه قد ذبلت وأطفأت أنوارها.. إلا من شعاع كان ما يزال يبعث بنور خافت ،هناك في الأعماق وكأنه يتوارى عن الأنظار ويختبئ خجلا..! هنا تململ الصديق المُستمع وقام بإشعال سيجارته، نافثا دخانها إلى أعلى كمدخنة قطار بخارى.. مضمرا ما بين حاجبيه .. يريد سماع نهاية القصة ، فطالبه بالإيجاز .. نعم . لقد حاول آدم الهروب بعيدا في تخوم صمت من الذكريات.. كان ملجأه الوحيد والمتبقي له في وحدته القاتلة والموحشة .. لم يسعفه حظه " فالكبر عِبر " كما يقول المثل فقد خانته ذاكرته.. فجأة وهو على هذا الحال من تشتت وضياع ، رأى ذاك البصيص من نور.. فقد تذكر شجرة الريحان ، تلك الشجرة المباركة من أشجار الجنة، راودته رغبة عنيفة بأن يشتم عبقها فهي إلى جواره ، لكنه لم يُعرها اهتمامه طوال سنوات خلت ؟.. خفق قلبه .. وأغمض عينيه مسهبا.. لم يطل إسهابه ، أسرع ملهوفا يسبقه إليها تضرعه واعترافه بلا مبالاة قلبه ..أهو وخز الضمير وصحوته .. أم طوق نجاته وفرصته الأخيرة ؟ هكذا تساءل صديقه المُستمع في داخل نفسه.. ارتمى في ظلالها دون استئذان .. بدا نادما مستسلما ومتوسلا الغفران والصفح .. فسالت منها عبراتها قطرات الندى.!! .

ثرثرة عرافة

التفاصيل
كتب بواسطة: شادي نصير
نشر بتاريخ: 07 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 07 يوليو 2007
الزيارات: 4

ثرثرة عرافة

تنفست الصعداء وأنا أستريح على الكرسي الأول من الميكروباص والذي فقد الكثير من عافيته وراح يترنح مع اهتزاز السيارة المتأثر بارتفاع وانخفاض الطريق والذي بدا كأرض انتهت من حرب الشوارع منذ لحظات قليلة .

 لعنت الطقس الحار فيما مضى ولكن مع زحمة الأمطار وانسداد فتحات تسريب المياه إلى الصرف الصحي تمنيت أن تنتهي الأمطار عن كوكبنا الأخضر ويحل جفاف يجعل حبات الطين غبارا يطير بعيدا إلى مكان لا وجود لأحياء فيه

في تلك الساعة فقط أردت أن أكون شيئا ما بنظارات كبيرة تغطى اغلب وجهي , بسيارة عريضة الوجه وثيرة الفرش , لو كنت ما حلمت لما أحست عظامي بوخز الحديد الناتئ وصبغت ثيابي بألوان الصدئ

قربي تجلس امرأة ملثمة الوجه تفوح منها رائحة الجبن , لدرجة أنني أحسست بالغثيان تمنيت الخروج وهممت مناديا ًالسائق إلا أن اصطدام عيني بقطرات المطر المنهمر بغزارة على الزجاج عقد لساني , كانت تهمهم بجمل اغلبها غير مفهوم لكنني استطعت تمييز لعنهم الله , لعنهم الله ....

استغربت وزاد فضولي , وهمست بصوت خافت سائلا عن السبب , انتفضت كديك الحبش وراحت تشتم وتهتك الأعراض , تمنيت الذوبان كالجليد أمام النار وان أغوص إلى الأعماق الدفينة للأرض الكروية والتي أصبحت خطا ًمستقيما ً بلا نهاية

فجأة أوقفت ثرثرتها وصراخها وسألتني إذا كنت بحاجة لقراءة بخت , ابتسمت وقد بدأ العرق يتوقف من انصبابه اللامعقول وأومأت لها بإشارة الإيجاب , أمسكت يدي بقوة فردتها بعصبية ملمس بشرتها الخشن أثار الحزن في قلبي , وراحت تسير بسبابتها فوق الخطوط التي لاحت بشكل واضح

وراحت تقص أشياء وأشياء لم اعرف ما الذي حدث وقتها لكن السيارة اهتزت بقوة وجعلتني الطمها بقوة على وجهها , نظرت إلي وقالت

ـ الم اقل لك بأنك ستلطم امرأة لا تعرفها قريبا ً جدا ً

 جحظت عيناي من جديد وأصبحت مجرد هيكل يجلس بدون حياة , أخبرتني عن أحداث جرت بعمري الطويل وأخرى ستحدث, كل ذلك أثار زوبعة من الأفكار حجبت رؤيتي لأي شيء .

 بدت امرأة طيبة , عندما أوقفت السيارة بصوتها المبحوح وترجلت أرخيت جسدي مجددا ً  ورحت انتظر بفارغ الصبر الوصول إلى المكان المحدد كانت لا تزال القطعة المعدنية تتأرجح في يدي دفعتها بسرعة ونزلت متجها ً نحو بقال حارتنا الشعبية لأخبره عن العرافة العجوز و طالبا ً إعطائي قطعة شوكولا لابنتي الصغيرة وقتها تنبهت إلى أن حقيبة جيبي قد اختفت كما اختفت ثرثرتها الخيالية .

 

 

امتثال

التفاصيل
كتب بواسطة: السيد زرد
نشر بتاريخ: 05 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 05 يوليو 2007
الزيارات: 6

امتثال

 


                                                       السيد زرد

                                                    بورسعيد - مصر

تُري كم لبثنا في وقفتنا الذليلة الخانعة أمامه ؟

لم يعد إليّ انتباهي إلا بعد ما تحركت يده البضة المزدانة بالذهب تهشنا و تصرفنا . استدرنا بآلية و خنوع . انتعلنا أحذيتنا و ما تبقي لنا من إنسانية مهيضة . قبل أن نغيب تماما عن بصره، كانت قاماتنا المهزولة تبذل غاية جهدها في الانحناء .

بعدما ابتعدت ، ظلت قامتي يشوبها الانحناء لفترة ، و لم تنمح تماما الابتسامة المرتعشة المتزلفة من علي شفتي .

مازلت حتى الآن لا أدرك سببا لاستدعائنا الدوري للمثول بين يديه ، بيد أن نتائج ذلك الاستدعاء تجلت في قامتي التي فقدت – مع مرور الوقت – قدرتها علي الاستقامة ، و في الابتسامة المرتعشة التي صارت من معالم وجهي الثابتة .

كانت عيناه تختبئان خلف عدسات قاتمة . لم نطالعه أبدا إلا و هو مسترخ في مقعده الوثير وراء مكتبه المهيب . لا يذكر أحد منا أنه – مرة – سمع له صوتا ، أو {أي فيه شيئا يتحرك سوي يده البضة المترعة بالترف .

رغم الضوء الباهر الذي يكشف أدق خلجاتنا و نحن وقوف – في حجرته – بين يديه ، فان ظلالا و عتامة ما تحف بشخصه ، و دوما ثمة رائحة غامضة تحوم في المكان ، تجعل بطوننا الخاوية ينهشها بضراوة سعار الجوع .

و نحن في حضرته ، كان يتراءى لنا دنيا جدا ، نستشعر لفح أنفاسه علي وجوهنا ، و نجزم بأنه يسمع منا خفقات القلوب . في حين أن المسافة التي تفصلنا عنه تتبدي – في ذات الوقت – شاسعة تستعصي علي الاجتياز .

في كل مرة نغادر فيها حجرته ، كانت التساؤلات تجابهنا : تُري كم لبثنا عنده ؟ مذا دار بيننا و بينه ؟ .. و في كل مرة لم يكن لدي أي منا إجابة . فقط كنا نحمل في كل مرة مزيدا من انحناءات الظهور ، و تنز شفاهنا المزيد من الابتسامات الذليلة .

مع الوقت ، انطوينا علي أنفسنا . أصبحنا منطوين حقيقة لا مجازا ، حتي اننا عندما دخلنا عليه ، لم نستطع أن ننصرف ، لأننا حُرمنا نعمة رؤية  يده البضة تهشنا .. و مازلنا في حضرته .

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.        

 

ميزان زرياب

التفاصيل
كتب بواسطة: الطاهر مرابعي
نشر بتاريخ: 03 يوليو 2007
انشأ بتاريخ: 03 يوليو 2007
الزيارات: 5

بتلك اللهفة وطول السّهر أبديتَ ولاء لحبها الذي يتورّم في فؤادك لشبهة في الهوى، كمن يراقص ضلا في ظلام، وعلى طول خط الصمت كان يثيرك منها ذلك الكلام وهي ساكتة، كنت في محاجة عظيمة لتبلغ منها السّداد، بينك وبينها خطوات وعلى بعد منها يطارح كلامك الفراش، لا ليستريح من أتعابك، لا لينطق بسوى ما تريد ولكن ليتفرج على حطام خساراتك الكلامية وتراجعاتك السياسية.. يبحث فيك خراب أيامك؟ كيف تتركها تذرف الدموع على أوهامك وأنت سراب، أما آن لك أن تخلع كبرك، بل أن تنتعل قلبك القاسي ولا تخلعه، حُقّ لك منذ سنوات أن تبني ربعا خال تدفن فيه أوهامهم وتسجي فيه أحلامك، على وقع هذه الكلمات كان لابد أن أستفيق يوما وإن طال الزمن، لأن رُفاة جُمع لسنوات طوال لابد أن يرفع إلى مثواه الثاني في شبه جنازة تبكي لها الرّوح، ليس لفصال في الحياة ولكن لخيانة في المآل، فما عهد الناس أن يدفنوا مرتين، نعم لقد أعددت لها محضر وفاة على أوراق ورمّمت ما رمّ من العظام في علاج على الطريقة الوحشية لآلامها الخفيفة وليس لها بعد هذا إلا أن تقرأ مراسيم دفنها أو دفنك في رواية. كهارب من الحياة إلى الممات!! من النزال إلى الزوال، تزاول الكتابة وتعارك الكلمات التي تميتك في كلمات على أوراق.. تنضب فيها من روحك لتنفخ في هواك بالتيم، كيف لا والكلمة فيض من الخيال، من المجاز ... على بُعد غفلة من الحياة سينتهي الأمر كما بدأ ولك في صباح الغد أن تُعدّ مأدبة مفخخة منزوعة الأحلام، جافة بكل مقاييسها العاطفية لا يندى لها القلم بمدّ من مداده.. حتى لا تزيد من شغف الوله بالذكريات، فقد يكون فيها لمقامك مقال. بتلك العجلة رحت في صباح الغد تشيّع ضيوفك الذين نزلوا عليك كالصاعقة لفرط الحزن من فراقهم، فأنت الذي تعودت أن تقرأ المصير قبل أن يصير... بكل الوجوه لاقيتهم وأفضت في ودّ ما تعلم قلبك مثله، لكن لسانك السليط لانَ لحظتها ليمرر تعاسة دقائقه كيما تنتهي، لقد أبديت براعة ما بعدها براعة فأنت تخالج في نفسك من قصص تتبعتها في مسلسلات سمعت بها تحكي نهاية الأنذال الذين يجيدون قيادة أنفسهم إلى مصائرهم السوداء بكل سرور.. بعفن في نفسك من نفاق تحبه داريت بين الكلمات وفزت بها بلا نزال.. وسامتك هذه وكلماتك سهام في أسماء البشر قبل قلوبهم ولا يبدو أنك سترأف يوما أو تخفف من حدّة لهجتك الجارحة على القلوب الرقيقة، ستشيع بفعلك هذا كل المتعاطفين بعد أن تقودهم لمباراة في كرة الأهواء العالية، تفحّص قسم الاستعجالات من كلماتك لتدارك حالات الغثيان والإغماء.. إنّ لهوا كالذي تماري حالة غير مسبوقة قد تساق بموجبها إلى مُقاضاة يُفصل فيها بفصلك من دائرة القلم فتخرج طريح الفراش من نزال لم يبدأ!! وإذا كان عليك أن تستفيد من كلمة صادقة فلك بكلمتي وأنا أكتب هذه الصفحات، فقد كان بي منذ زمن وله بالكتابة وكنت ياما كنتُ فارسا في دروب الغوغاء حتى اختلجني الكِبَر، ولم أجمع من كلماتي إلا كنُثار لا يعني، حتى إذا وصلت باب السُّدة أعرضوا عن مجيئي ولجمالية في بشاعة الموقف صُغت منهم من نثار الكلم أحجية. أوقفوني لحظات وسكتوا.. وبعد أن فتشوا حقائبي وأمتعتي علّقوا ما علق بها من مناشير اسمي على دمي ومسحوا وجهي براحة رُقياهم وغسلوا قلبي من غثاء حقدي وانتشلوا منه بعد شقه نقطة سوداء كانت لي عليهم وتصالحنا على أن نعود بعد حين... بعد أن نفرغ من أحقادنا الجديدة أمام الأعداء، فقد أقسمنا ألا نترك للدّهر راحة منا حتى يتفقدنا الموت أو نهوي في واد سحيق.. منذ غازلتها وغازلتهم ذات ثلاثاء أسود وأنا أشتكي ولم يشأ قلمي أن يُغادر ساحة أعراضهم إلا أن يبسطها ويتقلب بين فضائحها.. يتمني أن يعيش ساعة من عمره خلف ظهورهم بين الحريم!! يتمنى أن يتصوّف فيهم فسقا ونِكاية بين قارورات النبيذ الموصوفة على رفوف معابدهم.

الغبي

التفاصيل
كتب بواسطة: زاهية بنت البحر
نشر بتاريخ: 26 يونيو 2007
انشأ بتاريخ: 26 يونيو 2007
الزيارات: 5


 

الغبي(قصة تهم كل أسرة)


لست مجنونًا ولاغبيًا، رغم إحساسي بأنني أختلف عن الناس بشكلٍ أو بآخر، قد يكون شعوري هذا نعمة، أونقمة، أعترف بعجزي عن معرفة أيهما يكون، أحاول أن أعرف، ولكنني أفشل دائمًا لأمرٍ أجهله، يتملكني حب الاستطلاع بشراهة عجيبة، إن فكرت بأمرٍ ما، لا أرتاح قبل أن أخوضَ فيه، قد أجنُّ إن لم أصل لما أريد، وبأسرع وقت ممكن، و قلَّما وصلت لما أريد.
تقول أمي عني( بصلته محروقة، بس هادي!). ورغم هدوئي الذي يثير استغراب والدتي، فإنني أغلي من الداخل كماء المرجل، حسبما يقول والدي، وكأنه يلمس حرارته بيده، فيعرِّض نفسه لهجوم دفاعي شرس شفقة منها علي وتحسرًا، سمعتها تقول ذلك لأختي سهيلة ذات يوم عندما كانت في زيارتنا مع أولادها الثلاثة، فقد تعودت المجيء إلينا مرتين في الأسبوع خاصة بعد زواج أختي الصغرى حليمة لابن خالي المهندس علي، وسفرهما إلى المهجر منذ ثلاث سنوات. لم أدع لهما مجالا للشك بأنني سمعت ما دار بينهما من حديث الشفقة والحسرة رغم ماسببه لي من ضيق، لا أدري ماذا ينقصني عن الناس كي أثير في قلبها هذا الشعور المهين! بلعتُ الألم على مضض بما لدي من مقدرة على ضبط النفس، فلا أظهر ما بداخلي لأحد، أتركهم يخمنون أمورًا كثيرة تبعدني عن دائرة الضوء خاصتهم، لرفضي أن أكون محط أنظار الآخرين المربكة لحركتي بنظراتهم المتطفلة، وأسئلتهم الغريبة التي لا تنتهي، أو ربما يخيل إلي ذلك، هذا ما كنت أشعر به ولا أدري له سببًا. كنت أبتسم في وجه خصمي أيًا كان، وأنا كاره له وأتمنى موته. ابن أختي الأكبر رامي هو صديقي رغم فارق السن بيننا. عندما ولدته أمه كنت في العاشرة من العمر، فرحت به كثيرًا بل طرت معه إلى ما فوق السحاب، حسبته أخًا ولدته أمي وليست سهيلةـ فأنا آخر العنقود، وبحاجة لأخ صغير يسليني، ذهب بي خيالي بعيدا فرأيته شابًا يرافقني أينما أذهب، أحدثه بما أحب وبما لا أحب، أساعده في دروسه، أغسل وجهه وأسرح شعره، سأحتفظ له بالجميل من ملابسي فيرتديها عندما يكبر، سأ دلله كثيرًا، ولن أسمح لأحد أبدا بإزعاجه، أذكر كيف وضعته أمي في حضني بعد أن ألبسوه ثيابا بيضاء، كان وجهه صغيرًا جدا وأحمر اللون، في ذقنه طابع بحجم حبة حمص، ألبسوه في رأسه طاقية بيضاء أخاطتها أمي- فرحًا بحفيدها الأول الذي سيجعلها جدة - يحيط بها شريط من الساتان الأزرق الذي أحسسته حريريًا ناعم الملمس وأنا أمرر أصابعي عليه، لا أدري ما الذي جعلني ألفُّهُ حول عنق رامي وأنا أداعبه، ورحتُ أشد الشريط بقوة، رأتني أمي بالتفاتة منها، فصرخت بي بصوتٍ عالٍ لفت انتباه الحضور، يومها أنَّبتني بقسوة، وهي تبعد الشريط عن رقبة رامي خشية اختناقه. كان منظره مخيفًا، ازرق وجهه للحظات، وسرت في جسده رعشة، ما لبست أن انتقلت منه إلى جسدي إثر صراخ أمي وتأنيبها المربك لي أمام الحضور. في ذلك اليوم انتابتني مشاعر شتى، ما زالت تعاودني بين وقتٍ وآخر، وصوت أمي يرن في أذني( راح تطلع روح الولد ياغبي ). ومنذ ذلك اليوم والجميع يتندرون بالحادثة، وفي نهاية الكلام يقولون: (ياله من غبي كاد يخرج بروح الولد). أحقًا أنا غبي؟ وهل ستخرج الروح بيدي، وأنا لا أعرف ماهي ولا كيف سأمسكها؟ فبات عندي هاجس لمعرفة الروح، وكيف تخرج، ومن أين.
شاعت قصة محاولة خنق رامي بين جميع أفراد أسرتنا، وانتقلت إلى بعض بيوت الحارة، وراح الجميع يتناقلونها ويتندرون بها وينتهون بالقول( ياله من غبي كاد يطلع بروح الولد). بت أسمعها كثيرًا في البيت وفي الحارة، وحتى في المدرسة، بعد أن راح عادل صلاح ابن أخت جارتنا سعدية الملوم يسخر مني، مشيرًا إلي بأصبعه قائلا للتلاميذ (شوفوا الغبي)، فيضحك التلاميذ وألوذ بالفرار خجلا وغضبا، خجلا وغضبًا. ذات يوم انزويت قرب مرحاض المدرسة، وأنا أبكي إثر استهزاء عادل والطلاب بي، فجأة رأيته يسرع نحوي ساخرًا، تمنيت لو أنه يقع ميتًا قبل أن يصل إلي، لكنه للأسف لم يمت بل وقف أمامي كعامود الكهرباء، سألني باستفزاز عما يبكيني، لم أجبْ، كرر السؤال، لم أجب، أمسك بي وأدخلني المرحاض رغمًا عني، هددني بالخنق إن لم أخبره لماذا أبكي. يا إلهي ما أوقحه لقد جعل نفسه ولي أمرٍ علي بانفراده بي، وضعفي وقلة حيلتي، لم أجد من يخلصني من قبضته حيث يقع المرحاض في الجهة الجنوبية من باحة المدرسة التي يلعب فيها التلاميذ بعيدًا عن الصفوف، ولسوء حظي لم يأتِ أحد إلى هنا رغم أن جميع الطلاب كانوا قبل قليل يشربون الماء بغزارة من الحنفية المخصصة لهم في الباحة. كنت في الحادية عشرة من العمر بينما هو في الرابعة عشرة، رسب عدة سنوات في مختلف الصفوف الابتدائية، طويل الجسم عريض المنكبين، يداه مفتولتا العضلات، أخبرني سليم الحمدي زميلنا في الصف، بأن عادل يذهب إلى نادٍ رياضي لتقوية جسمه مع مدرب الرياضة، لم يهمني الأمر لأن صاحبه يكبرني بعدة سنوات، ويستطيع الذهاب إلى أي مكانٍ يريد، وهو أميل إلى الرجولة منه إلى الطفولة، خط شارباه، وخشن صوته بشكل مزعج يثير اشمئزازي، فاضطررت أمام تهديده وفشلي بالتهرب منه إلى قول ما كان يبكيني، وهو ينصت إلى باهتمام (أنا لست أهبل). نظرت في وجهه وأنا أمسح دموعي، رأيته مخيفًا، حاد النظرات، أمسك بي بقسوة، ووعدني بألا يناديني بالأهبل أبدًا، بل سيضرب كل من يناديني به، أو يسيء إلي بشيء إن أنا طاوعته فيما يريده منى على أن يبقى الأمر سرًا بيننا.
منذ ذلك اليوم وأنا أكره نفسي، وأكره (عادل) الذي بات يلاحقني في المدرسة، وخارجها، وإن رفضت طلبه هددني بإخبار أهلي بما كان بيننا.
لم أعد أحب المدرسة، تمنيت الموت على بقائي فيها، طلبت من أمي ألا ترسلني إليها فلم تستجب لي، وأيد والدي بحزم رأي أمي، بحجة أن المدرسة قريبة من البيت، ولا تحتاج لوسيلة نقل توصلني إليها، إضافة إلى أن الإنسان اليوم لاينفع شيئًا دون علم، وأن عهد الجهل قد انتهى، ، وهو يريدني أن أرفع رأس العائلة عاليًا بين الناس.
لم تفلح محاولات والدَي في إثنائي عن ترك المدرسة، ضُرِبتُ وأهنتُ، ولكنني لم أتخلَ عن رفضي لها، فرضخ والدَي للأمر الواقع بعد أن أصبت بالسحايا، وفقدت قدرتي على الكلام بطلاقة، فانصاع لرغبتي خشية جرح مشاعري من قبل الطلاب إن هم سخروا من تأتأتي بالكلام، دون أن يتقصَّيا منذ بداية الأمر عن السبب الجوهري لرغبتي قي ترك المدرسة.
لم أعد أر (عادل) إلا عندما أكون في الطريق مع أمي أو أبي، أو أخي، فأطرق رأسي أرضًا أو أتجاهله، وإن وقع نظري عليه مصادفة رمقني بوقاحة دون أن يقترب مني، وأحيانا كان يشير إلي برأسه إشارة ماكرة، فأشيح بوجهي عنه.
بدأ جسمي يعلو طولا، ويكتنز لحمًا، ومشاعري تنمو، ومداركي تتفتح، ويدايا تقويان، ولكن ظل أمرُ عادل قابعًا في رأسي، يؤرقني بلؤم مؤلم، أحببتُ أن أتخلص من هاجسه الذي يلاحقني كلما رأيت طفلا صغيرًا يسير وحيدا في الشارع، أو مرَّ بي رجلٌ تشبه ملامحه (عادل) الذي مات في حادث سيارة غامض ذات ليل، ودفن بعد أن شوهت جثته، لاأخفي سرًا إن اعترفت بأنني حزنت عليه إذ مات قبل أن أقتله بيدي.
عندما كنت أذهب مع والدي إلى متجره، وأساعده في بعض الأعمال هناك، كنت أحس باحتقاري لنفسي، وأنا أرى الناس تكبر والدي، وتناديه بالحاج محمود إحترامًا له وتقديرًا ، فقد عرف بحسن السيرة وسمو الأخلاق، فأزدادُ لها مقتًا، وأصاب بنوبة مزعجة عندما أستعيد مامرَّ بي، فأترك المتجر، وأبي يناديني غاضبًا، وأعود إلى البيت قبل أن يفضح أحد أمري ممن قد يكون عادل قد أسرَّ لهم به كما يخيل إلي، فيخبر أبي وتكون كارثة قد تتسبب في موته أو قتلي، فكنت أتسكع في الشوارع قلقًا في محاولة للهروب من ذكريات الطفولة الكريهة المؤلمة.
ذات يوم وأنا في هجمة الذكريات البشعة هذه، والدنيا سوداء بناظري، مررت في إحدى الحارات القديمة عبر طريق يودي إلى بيتنا، فوجدت بناءًا كبيرًا يرتفع فيها، لا أدري ما الذي جعلني أقف بعض الوقت وأنا أتفحصه جيدا، قبل مدة لم يكن موجودًا، كانت مكانه حديقة صغيرة يلعب فيها الأطفال، وهي قريبة من بيت أختي سهيلة، الشوارع تتبدل فيها الأبنية سريعًا كالنفوس التي تتغير فيها المشاعر. اتجهت إلى باب المبنى الرئيسي، وصعدت الدرج باتجاه الطابق الأول فالثاني فالثالث. كانت العمارة خالية من العمال ولا يوجد فيها حارس.. عمارة ضخمة تحتاج لوقت طويل ريثما تصبح جاهزة للسكن. شعرت بوحشة ، فنزلت منها بعد أن ألقيت نظرة على ما يحيطها من بيوت غير ملتصقة بها. لابد أنها كلفت صاحبها الكثير من المال، وعندما دخلت بيتنا، استقبلتني أختي سهيلة بالترحيب، قبلتني وهي تدفع إلي بابنتها رغد كي أحملها بعض الوقت، ريثما تعود وأمي من عيادة طبيب الأسنان، فقد حرمها ضرسها النوم ليلة أمس وتريد أن تقلعه. أخذت رغد ورحت ألاعبها بينما تجمع حولي أخواها لمشاركتنا اللعب.
كان الجو باردا لم تستطع المدفأة بث الدفء في جسدي عند عودتي إلى البيت، ولكن كثرة الحركة مع الأولاد جعلتني أتخلص من قرص البرد، حتى أنني كنت في بعض الأوقات أمسح العرق عن جبيني بيدي، ورغد تضحك بسعادة، وأنا أدفعها في الهواء وأتلقاها منه ثانية. رأيت بعض حبات عرق تلمع فوق جبينها، فتزيدها جمالا وبعض شعرات ذهبية تتدلى من تحت الطاقية ٌالبيضاء المحاطة بشريط من الساتان الزهري غطت بها أمها رأسها طلبًا للدفء. جلست فوق الكرسي ورحت أمسح العرق عن جبينها بمنديل ورقي، وأنظف أنفها من مفرزاته دون أن أشعر بالقرف، كانت تضحك وأنا أدغدغها في ذقنها، ضممتها إلى صدري.. قبلتها، وأنا أبعدها عني وقعت عيناي على شريط الساتان الزهري، فرحت ألعب بطرفيه المحيطين بعنقها، لامست أصابعي نعومته بينما كانت أصابع رغد تخرمش يدي بأظافرها، و رامي يدغدغها وهي تضحك بعذوبة. أغرق بذكريات الطفولة، رامي وليدًا، طاقية بيضاء، شريط ساتان أزرق، كاد يختنق، أمي تأنبني (راح تطلع روح الولد يا غبي)،
صوت عادل (شوفو الغبي)..
رغد تهبش بوجهي فيؤلمني ظفرها، ألقي بها فوق الكنبة، تبكي، أمشي في البيت دون وعي، أصوات ترن في أذني: مات عادل ، مات عادل.
صوت أمي يؤنبني (راح تطلع روح الولد يا غبي)،
صوت عادل وقهقهته (شوفوا الغبي) (لا تخبر أحدا بما حدث بيننا
رامي يهرع إلى الباب يريد الخروج من البيت، ألحق به، لاأدري ماذا أصابه فقد بدا خائفا مني.. أمسك بيده وأنزل به إلى الطريق بعد أن أغلقت الباب ورائي، خطرت في بالي فكرة سأنقذها فورًا، وقبل مغادرة الحارة كانت أمي وسهيلة تدخلانها. عدت معهما إلى البيت، وأنا أمسك بيد رامي بعد أن هدأوهدأتُ، أخبرتُ سهيلة بأنني كنت أنوي شراء بعض الأكلات الطيبة للأولاد، وكان رامي يضحك من كلامي الذي عرقلت نطقه تبعات حمى السحايا، فاغتظت ُمنه دون أن أبدي له ذلك.
بدأت حالتي النفسية تحير أهلي خاصة عندما كان يسخر مني أحد الأطفال، أو أحد ممن يدخلون متجر والدي للشراء، وكثيرًا ما كنت أختلي بنفسي وأفكر بما وصلت إليه من سوء حال، حاولت التخلص منها فما استطعت، بل هيَّجت ذكرياتِ الماضي، فأحسستها حبلا يلتف حول عنقي، طرفاه بيدَيْ عادل صلاح، يمتدُّ إلي من تحت التراب، وهو في قبره وليمة للدود والعفن. ذات يوم خرجتُ إلى المقبرة، وقفت قرب قبره، ورحت أشتمه بصوت عالٍ حتى انتابني التعب، لكنني لم أحس براحة رغم أنني أفرغت محتوى مثانتي فوق قبره قبل عودتي إلى البيت. حار فكري كيف سأنتقم من عادل وقد مات، راودتني فكرة فتح قبره والتمثيل به، لكنني لم أهضم هذه الفكرة كي لا أصاب بالغثيان من رائحة جيفته القذرة. كنت طفلا بريئًا أحب الجميع ولم يخطر ببالي أن أتعرض لشيء يفقدني راحة النفس، ونقاء القلب وحبي للناس، لم أقترف ذنبًا يجعلني أسير الألم مدى العمر، هم كانوا ينادونني بالغبي رغم أنني لست كذلك، بل ربما كنت غبيًا ولكنني لا أشعر بالغباء شأن كل الأطفال، فلم يرحموا طفولتي، لن أرتاح قبل أن أنتقم من عادل، ولكن كيف وقد مات؟ كيف؟
كنت أهرب من والدي عندما يدعوني لحضور صلاة الجمعة في مسجد المدينة، وعندما يجبرني على ذلك كنت أحس بالخجل من نفسي، وأنا أصلي فيداهمني شعور بوجوب قطع الصلاة، والعودة إلى البيت قبل أن يطردني الإمام، لأن صلاتي غير مقبولة حسب ما يخيل إلي، فكرت بكتابة رسالة سرية إلى إمام المسجد أحكي له فيها قصتي، وأطلب منه النصيحة، ولكنني خشيت أن يعرفني، فيخبر والدي، فدفنت الفكرة في مهدها. لن يريح نفسي إلا الانتقام وبنفس الطريقة، ولكن كيف أمن جيفة؟
اليوم الاثنين أيقظني أبي باكرًا للذهاب معه إلى المتجر لمساعدته في غياب أخي عارف، حيثُ يرقد في البيت مريضًا، وغدا وقفة عيد الأضحى المبارك والناس يتزاحمون على المتاجر لشراء لوازم العيد. خرجت معه وقمت بدوري خير قيام، إلى أن جاء قبل الظهر (معروف السرابي) زميلي في المدرسة لشراء بعض الحاجيات، وكنت قد انقطعتُ عن رؤيته منذ زمن طويل حيث سافر مع أهله إلى إحدى دول الخليج، وعاد شابًا، طويل الجسم، نحيله، رحبتُ به، وخفضت له في سعر المبيعات، شكرني سعيدًا، وشدَّ على يدي وهو يهم بالخروج، فدعوته لزيارتي مرة ثانية فوعدني بذلك، لكنه وجه إلي طعنة قاتلة عندما قال لي هامسًا قبل مغادرة المتجر(عادل صلاح يسلم عليك، ويوصيك أن تكون معي كما كنت معه) غادر المتجر ضاحكًا، وغادرني الهدوء غاضبًا. هممتُ باللحاق به، وقتله ثأرًا من عادل صلاح، ولكنني لم أجده، وكأن الأرض انشقت وابتلعته، ركضت في الطريق على غير هدى، وصوت عادل يضج في رأسي، فأسمع به أصواتًا شتى تناديني ، فأهرب، وأهرب والطريق تتسع أمامي، وأنا في صراع مع نفسي ومع الأصوات، ياللوغد لقد فضحني قبل أن يموت، أين المفر كانت معاناتي داخلية فاخترقتني للخارج، ستظل تلاحقني إلى الأبد، تزداد أعماقي انفعالا، تسقط الدموع من عيني، وأنا بين فكي الصراع المفترس أسمع نداء رقيقًا (خالو.. خالو) التفت إلى مصدر الصوت، كان رامي ابن أختي، حدَّقت في وجهه وهو يبتسم ويقترب مني ممسكًا بيدي، وباليد الأخرى يحمل حقيبته المدرسية في طريق عودته إلى البيت، سرت معه وقلبي يخفق بشدة، وسُحب الغمِّ والغضب تحجب عن بصيرتي الرؤية، كان رامي يتكلم، لكنني لم أفقه شيئًا مما يقول، فجأة وجدت نفسي أمام العمارة الضخمة التي مازالت في طور البناء، توقفت بوازع خفي، نظرت إليها ثم في وجه رامي، تفقدت الطريق كانت خالية من المارة، أطبقت قبضتي على يد رامي، ودخلت به باب العمارة وهو يمشي معي باطمئنان، صعدت به الدرج إلى الطابق الأول، فالثاني، أدخلته إلى غرفة جانبية مليئة بالرمل والإسمنت، خلعت عنه المعطف.. كممت به فمه، وهو يضحك كعادته عندما ألاعبه في البيت مع أخيه، وبقسوة وحشية أخذت ثأري به من عادل صلاح، ورامي يتلوى ألما، والدموع تغرق وجهه، والدم يبلل ملابسه، ازددتُ غليانا ورامي يئنُّ، سأقتلك ياعادل، سأرى كيف ستخرج روحك بين يدي، وأطبقت كفاي على عنق رامي الباكي المتألم، وأنا أضغط بكل قوتي فوقه، فأحسست بروحه تغادر جسده، دون أن أعرف ماهي ولا من أين تخرج، وصوت أمي يرنُّ في أذني مؤنبًا(راح تطلع روح الولد ياغبي).

بقلم
زاهية بنت البحر



قيل لي بأنه أول إنسان شنق في المدينة التي تمت فيها الجريمة
وقد ألقي القبض عليه عندما كتمت الشرطة نبأ اكتشاف الجثة عن طريق رائحتها،
وجاء متسللا لتفقد رامي ، فوقع صيدا بكمين نُصب له.

فخ الدببة

التفاصيل
كتب بواسطة: م. زياد صيدم
نشر بتاريخ: 16 يونيو 2007
انشأ بتاريخ: 16 يونيو 2007
الزيارات: 5

فخ الدببة . بقلم م. زياد صيدم

تبدل حال القرى الحالمة، بعد تسلل دب مهاجم داخلها فعاث فيها فسادا ودماء .. فدب الفزع في قلوب الرجال قبل الصبية .. وخارت قلوب النساء خوفا على أطفالهن.. وقيل بان معظم كبار السن قد أصابهم بلل المطر وما يزال الربيع على الأبواب.!كثرت الاقتراحات بشأن هذا الدب الدموي المهاجم ، حتى بدأ أهل القرى المتاخمة لبعضها في نسج خرافات وأساطير حوله.. فأبو إبراهيم صاحب أكبر مزارع للخراف، يروى بأنه شاهد أنيابه التى بدت كأسنان المنجل تقطر منها الدماء ، كان قريبا منه حيث اختبأ على سطح خزان المياه في قلب مزرعته، عندما مر من هناك يبطش بالخراف فتتطاير رؤوسها في الهواء ، وقد علقت بها بقايا حمل وديع سقط بين فكيه ..وهذه أم حسنيه تروى بأنها رأته يتراقص حول مختار القرية، فالمسكين حاول بعكازه من الخيزران أن يدفعه بعيدا عنه ، فباغته الدب المتوحش بضربة من ذراعه الثقيلة فلم يعد يتحرك بعدها .. وقد انغرست مخالبه على وجه المختار ، فلم يعد يُرى شاربه الذي لطالما تفاخر به قبل أن يرتطم على الأرض جثة هامدة بلا معالم لوجهه، و يبدأ الوحش في الرقص حوله أشبه بقبائل الغابات الموحشة والنائية حول نارهم المقدسة، كانت لحظات سبقت انتقاله بالرقص على صدره وبطنه حتى سوى الرجل بالأرض .. فاختفت جثته بين طيات ثيابه .. كانت أم حسنيه تضرب كفاً بكف وعيونها قد زاغت ذات اليمين وذات الشمال من شدة الموقف وصعوبته وهى ما تزال تحدث قصتها .. كان جسدها يرتجف خوفا وهلعا كأنه قد أصابها مرض الرعاش الذي تلبس الحاجة مريم معمرة القرية ، قبل وفاتها ببضع سنين عن عمر زاد عن القرن بعشر سنوات على الأقل. بعد هذه الحادثة المفزعة للزعيم الأوحد لم تعد القرى الحالمة جميعها في مأمن .. واختفت الفرحة من على وجوه الناس .. وساد رعب وفزع في العيون ،حتى أصبحت حركاتهم خلسة تقتصر على جلب ما يلزم من لبن وجبن وسريعا يختفون من الطرقات ، فقد ضرب الرعب حصارا إجباريا على حركة وحرية الناس في تلك القرى، فلم يعد بالإمكان طبخ اللحم أو مجرد التفكير في شواء اللحم كعادتهم في الهواء الطلق في الحقول والبساتين ، فحتى حسنيه وهى أجمل جميلات القرية ، توحمت على لحم شواء فلم يتمكن زوجها من تلبية طلبها وهو تاجر مواشي تعرفه البلاد ويطلب وده العباد.. لقد كانت نصيحة العم أبو حسان أكبر الرجال سنا بان رائحة اللحم والشواء خاصة تجلب الدب من مسافات بعيدة .. عم القرى كساد رهيب، وحرمان عجيب ،وساءت أحوالهم العامة والخاصة ..! فتضررت بقوة حالة رجال القرى النفسية ، فجعلهم يهجرون مضاجع نسائهم حتى لا يتكرر فشل رجولتهم.. وهم المتفاخرون بها أمامهن، فتحكمت النساء في الشاردة والواردة ، وغلبت حجتهن ، فسبحان مغير الأحوال، فبدت نساؤهم تقاتل ذباب الهواء !! فعلت أصواتهن في البيوت على غير عادة، كانت تعبر عن ضجر وعصبية لا إرادية، وبدت نظراتهن تجوب كل ركن بعيد !.. مرت فترة عصيبة والجميع في صدمة وانبهار عجيب، قد ألغى تفكيرهم، وشل حركتهم ،حتى ضاقت بهم السبل . بعد مرور أسبوعين على دفن المختار ،بطقوس جنازة كانت سريعة وخاطفة لم يعهد وها من قبل ، دعي ابنه الأكبر إلى اجتماع لكبار القرى لتدارس الأمر ، بعد أن تُوج بأغلبية ساحقة مختارا عليهم بعد انتهاء مراسم الدفن مباشرة.. تحادثوا وتناقشوا وطرحوا كل ما يجوب في خاطرهم من أفكار وخطط لمجابهة هذا الوحش المستبد، فاجمعوا على مقاومته بكل السبل المتاحة وأعلنوا النفير وزمجر الرجال، وزغردت النساء المتصنتات من خلف الجدران ، والمتلصصات من ثقوب النوافذ المطلة على الديوان ..وهنا وقف خليفة المختار خاطبا: على جميع رجال القرى المقتدرين ونسائهم خاصة تقديم ما ملكن من حُلى ومصاغ ذهبي .. وليأتني بها إلى هنا وقد عينت من اللحظة محاسب التجار أمينا على المال ،يساعده الحاج عبد الستار إمام المسجد لهذا الغرض.. فقد قررنا شراء السلاح للمواجهة والدفاع عن الأرض والعرض والولد ، فانتشر الخبر كالنار في الهشيم بين الناس .. كانت حسنيه حسناء القرية وأجمل الجميلات وذات بصيرة ثاقبة أول من سمع الخبر، فكانت أولى النسوة تضع مصاغها تحت تصرف المحاسب والإمام وتأخذ وصلا بذلك ممهور بختم المختار عليه.. فتشجعت نساء القرى وتبعتها معظم النسوة التى يمتلكن أي معدن ذهبي أو فضي .. فقد توصلن إلى حقيقة بأنهن لابد وان يضحين بالنفيس من أجل ما هو أنفس ولا يقدر بثمن؟ إنها فحولة رجالهن بكل ما ملكت معاصم أيديهن من أساور فحتى حلمات أذنهن لم تعد تحمل تلك الأقراط الذهبية التى كانت تتأرجح أماما وخلفا كرؤوس الصبية داخل كتاب القرية.. شكل المختار على أثرها لجنة من كبار القوم كانت كلجنة طوارئ ، فهي في انعقاد دائم في ديوان المختار لا تبرحه أبدا، معتكفون فيه لا يغادرون إلى بيوتهم ولا يرون أولادهم ولا نسائهم ، ومع هذا لم يمتعضوا من هذا الأمر .. بل كانوا من أسعد رجال القرى !، كان على قلوبهم كالعسل وانتابهم نوع من الرضي، وتمنوا لو تطول مدة بقائهم خارج بيوتهم..! فهنا أكل وشرب ونوم ، فعملهم ينحصر في تلقى التبرعات والعمل على جلب وشراء السلاح ، فلا يسمعون عتاب منهن ، ولا يشاهدون عيون نسائهم تخترق كبريائهم فتمزقه إربا ولا يريدون سماع ضحكاتهن في داخل جلابيبهن حتى لا تخرج مدوية عندما ينفردن في محارم النساء متهكمات ، فتتهدل شواربهم وترتخي شعيراتها فتتذوق معهم طعم الجبن وكسرات الخبز باللبن.. فأصبح أهون عليهم الموت في مجابهة الوحش بلا سلاح كمختار القرية الذي أصبح رمزها بلا منازع فقد استراح من كل هذا.. وها هم يتمنون الموت المشرف مثله على رؤية هذه المشاهد، فهم محظوظين بمعية المختار الجديد هكذا تهامسوا فيما بينهم ، وقد قال احدهم : كان الله في عون بقية رجال القرى فانفجرت أفواههم بضحكات لم يستطيعوا كتمها، فساعدت على إضفاء نوع من هدوء سرائرهم المشوبة بالحذر..! أرسلوا في طلب البنادق من كل فج عميق .. وانتظروا على أحر من الجمر.. مر أسبوع آخر حتى بدأت بشائر الخير في القدوم وتم تجميع كثير منها ، وعلى أثر ذلك قام المختار بتشكيل فرق من شباب القرى بعد تدريبهم وتوزيعهم في أماكنهم للنيل من ذاك الكاسر المتوحش ،الذي ادمي واثكل كثير من العائلات وزرع الخجل والكبت في كل البيوت !.. مضى يوم وآخر.. وغابت شمس وأشرقت أخرى .. دون أي خبر يلوح في الأفق !، فقلق الجمع و شحبت الوجوه وعلت همهم اتهم ، ولكن لم يجدوا غير الانتظار بد .. في مساء اليوم الثالث من رباط الرجال ،جاءت وفودهم من كل المجموعات المنتشرة ، لتلتقي باللجنة المنعقدة في حالة طوارئ دائمة برئاسة المختار، ليخبروا جميعا وبلسان واحد بأنهم شاهدوا أثار الدب تبتعد خارج حدود القرى وتنكفئ هناك من حيث أتت ؟ .. توجس الجميع وكتموا فرحتهم وقرروا البقاء لأسبوع آخر يتم فيه شواء كثير من اللحم في داخل المزارع والبساتين ، ليتفحصوا وليختبروا الوضع جيدا وبعدها يستطيعوا الحكم النهائي .. كانت هذه مشورة حكيمة من المختار الذي عزز ووطد من نفسه ومكانته طوال هذه الفترة بلا منازع ، فنال ثقة الجميع واحترامهم وتقديرهم لما يقدمه من خدمات للجنة وحسن ضيافتها على نفته الخاصة، ونتاج طبيعي لمشورته الصائبة على الرجال. .. وفعلا تم ما أشار به زعيمهم الجديد ، وكان الرجال المسلحين يرابطون في مواضع قريبة من أداست اللحم ومواقد الشواء التى انتشرت في كل المزارع والبساتين حسب الخطة المرسومة .. فلم يظهر أثرا للدب المتوحش خلال ذالك الأسبوع لقد اختفى نهائيا .. فانفرجت أساريرهم ورُدت إليهم رجولتهم إلى سابق عهدها ، وتحركت فحولتهم وانتصبت شواربهم ، وانكبوا على اللحم والدسم بشراهة لم يعهد وها .. وبانقضاء آخر مساء لأسبوع المراقبة الحاسمة ، قرر المختار بنهاية النفير والاستنفار .. اختفى الجميع باكرا ذاك المساء فلم يحضر لصلاة العشاء في مساجد القرى إلا نفر قليل من كبار السن ؟ وفرغت مضافة المختار تماما.. وخلت الشوارع والأزقة.. وكأن القرى قد أصابها طاعون فخويت على عروشها.. وفى صباح مختلف ، خرج معظم الرجال في حللهم الجديدة وعلت أصواتهم مجلجلة في الأسواق وعلى المقاهي من جديد .. ولم تُسمع بعدها أصوات نساء القرى فقد همدن واستكانت سرائرهن !.. توالت أجواء احتفالات في معظم القرى .. فالقهر والخوف والحرمان الذي طال وعصف بهم قد انتهى، أو هكذا أقنعوا أنفسهم !. لم تدم فرحتهم طويلا.. فالحال اليوم في القرى الآمنة والحالمة ليس كالأمس ؟ .. فقد استفاقوا ذات صباح على إطلاق نار كثيف .. نتيجة لخلافات من ليلة البارحة.. لم تكن غريبة على أهل القرى، ولكن الاختلاف اليوم يكمن في استخدامهم السلاح لحسم الخلافات بينهم ، وهنا سارع المختار لوضع حد لهذا الخطر القادم، والذي استشعر به الجميع ولم يستطيع احد البوح به !.. دعا المختار كبار القرى لحسم موضوع السلاح المنتشر في أيديهم والذي اشتروه بداية لصد عدوان ذاك الوحش الدموي الكاسر ، بحلي نسائهم وتعبهم وعرق كدهم قبل أن يتضاعف وتتنوع مواصفاته .. لم يلب الدعوة للأسف أحد منهم !وهنا كرز المختار على أسنانه فقرض طرف لسانه وكتم ألمه وغيظه.. حاول جاهدا جمعهم مرات أخرى ولكن دون فائدة ، فقد أصبحت لكل قرية زعيمها ، وما لبثت الحارات تضع لكل منها زعيما يلتف من حوله رجال مسلحين ، وهكذا فلت زمام الأمر من يد مختار القرى لتنتقل إلى أيادي زعماء مختلفون في كل شيء إلا شيء وحيد اجتمعوا عليه وهو ألا يتفقوا ؟! .. فوقعت القرى في فخ الدببة والذي نُصب لهم بإحكام وخديعة ودهاء .. فعادت الأحزان والدماء تُسفك على أيادي أهلها فتولدت الثارات فيما بينهم، والتي لن تجد لها حلا سهلا في الزمن المنظور.. فأصحاب السوء تقاطروا من كل صوب، يدلون بدلوهم مؤججين النفوس والأحقاد. شُوهد المختار ذات مرة وهو ينظر في وجوه الناس، ويتفحص شوارع وأزقة ومقاهي وأسواق القرى يجوبها داعيا ومحذرا بكلمات واضحة، كانت تخرج من قلبه كَحكِْم و مواعظ، لم يكن صوته صاخبا كما السابق.. لقد غار صوته كأنه في بئر ماء عميق .. لقد سمعتها حسنيه ورددتها على مسامع الجميع وكررت قوله بصوت يسمعه الجميع: بان الدب الغادر لم يُقتل بعد وهو حر طليق في مكان ما .. ومن يتذوق طعم اللحم والدماء حتما سيعود ذات يوم .. وأضافت على لسانه وعلى مسمع الجميع: وقد يعود وبصحبته كثير من الدببة الجائعة والمتعطشة لدمائنا وأجساد أطفالنا وهذا احتمال كبير، فماذا ستفعلون حينها؟ وانتم هكذا على ما انتم عليه !! فمضى المختار منكفيا وقد خابت توسلاته ..وتسللت منه قطرات من دموعه اختلطت مع عرقه المتصبب بغزارة من كل جسده .. كان حريصا على إخفاء دموعه لآخر لحظاته، فكبريائه وأنفته ما تزال كما هي لأنها رأس ماله في الحياة الفانية .. كان يشير بعكاز والده الذي قاوم به الوحش القاتل بكل شجاعة وكبرياء وقضى شهيدا إلى حيث تقف حسنيه بينهم وهى ما تزال تكرر على مسامعهم ما يقوله من نصح وتحذير قبل أن يمضى عائدا إلى بيته معتكفا وقد اكتنفه الحزن والمرارة.. وانفض القوم وتوارت حسنيه عن الأنظار عائدة.. كانت تهز برأسها يمينا وشمالا وتتمتم بكلمات المختار الحكيم التى لا تباع بكنوز من الذهب ، عندما سيعلمون قدرها.. وهى تشيح بنظرها هناك بعيدا .. حيث اختفى الدب القاتل ، ولكن لا حياة لمن تنادى ..!!.

نسائم الذكريات

التفاصيل
كتب بواسطة: د.عبلة الفاري
نشر بتاريخ: 11 يونيو 2007
انشأ بتاريخ: 11 يونيو 2007
الزيارات: 5

 

.

        مع كل خيط ضوء يرتسم باكرا على خدرها الاخضر، ترتل العصافير تسابيح الصباح  ثم تطوفها متبركة لتختم طقوس اليوم الجديد متمرغة بالتراب تارة ونابشة الارض لتبحث عن الحبوب المتساقطة من الجمّالة المتوقفين في ظلالها في رحلاتهم المتشعبة في أرجاء المعمورة ، وتخط لها الشمس بخيوط الضوء في سجل حياتها الاخضر يوما جديدا في عمرها المديد مئات السنوات ، يعرفها صغار وكبار العابرين  من حكايات الجدّات الأقرب الى الاسطورة ، وكذلك تعرفها الطبيعة ومخلوقاتها ، وتخبر كل أسرارها ، تمامـا كمعرفتها للصفصاف والعبهر والسريــس و شــــجرة العروس....هي شجرة السنديان من أقسى وأضخم وأعند أشجار البلوط....حكايات تكاد لا تنتهي عن صمود زنودها في ثورة الرياح  وتقلبات الطبيعة المجنونة ،صلبة فروعها كالصّوان تنكسر دون أن تنحني تماما كالنخيل الذي لا ينحني حتى للموت.

        كل يوم ، أعود من المدرسة مسرعة لأتسلق  بصعوبة  بالغة  جذعها  المرتفع الخشن المشقق...تماما كما يفعل السنجاب  ، وأستقر عاليا في مخبئي المعهود بين فروعها الفارعة بعيدا عن أعين الفضوليين ، أحيانا أتوسد حقيبتي المدرسية بعد أن أتمسك جيدا خشية السقوط المميت وأستسلم للنعاس  والنسائم الباردة لا يوقظني  سوى زقزقة أمعائي الخاوية  ، أو زقزقة العصافيرالتي تملأ الشجرة ، تلك العصافير التي ألفت وجودي ولم تعد تنفر مني، وأحيانا أستيقظ لحديث الخيّالة الذين يربطون أحصنتهم ليتناولون الزاد ويستلقون في ظلالها الكثيفة دون أن يلحظ أيّ منهم وجودي اذ أن صغر حجمي وضخامة الشجرة وكثافة أوراقها كفيلة بأن تخفني عن أنظار كل هارب اليها من وهج شمس الصيف الحارقة باحثا عن الظلال والهدوء والنسائم...انّ مجرد وصولي الى شجرتي يهبني احساسا أعجز عن وصفة ، لكني لا أجده في أي مكان في الدنيا .

            انها مخبأي الوحيد الذي يمدني بالأمان ، بل كل عالمي ودنياي حين تغرقني الدنيا في متاهات أحلامي الغريبة المتعبة المجنونة...أحيانا أحلم بأن يأخذني الخيالة الى مكان بعيد وراء تلك الجبال العاليةعلى طريقة السندباد لأكتشف أناسا غرباء وطيبين ، لكن ، كلما توسلت لأحدهم أن يصحبني برفقتهم يشفقون لحالي فمنهم من يعطني حبة فاكهة ، أو حفنة تمر، أو بعض النقود .. ومنهم من ينهرني للعودة الى المنزل دون أن يدركون أن شجرتي هي منزلي وكل ممتلكاتي... أحيانا أخرى أحلم بأميرة ساحرة تحط بردائها الأبيض الفضفاض وتناديني بصوت ملائكي حنون وكلمات طيبة لا أفهم معانيها ، لكنّ قلبي يرتجف لها فرحا عندما تمد ذراعيها لأرتمي في حضنها المقدس تماما كما تفعل جارتنا بطفلها الرضيع ، وترحل بي الى عالمها ومملكتها العجيبة حيث أرى أشياء غريبة تعلمني كمدرستي أن للحياة معنى  رائع رغم كل المرار....أحيانا أخرى أستمع الى حفيف أوراقها تهمس لي بنغمات أرق من ايقاع  الصبى والحجاز ، يخال الي أنه صوت أمي تهدهدني لأنام ، وتتساقط دموعي ، فتبلل وجهي واستيقظ مرة أخرى....  وأثناء أبحاري  في  دنيا الأحلام الغريبة ، أعدل  وضع جلوســي وأتلمّـــس أغصان شجرتي الرقيقة ، وأشتم رائحة أوراقها التي تلفني بعيدا عن هذا العالم  العجيب حيث تلهمني الحلم الذي هو كل زادي الذي أقتاتة لأتمكن من البقاء في عداد الأحياء... وتهبني الاحسـا س بالأمان ، أما حين أجوع فأني أقضم بعض أوراقها الطرية لأسـكت زقزقة أمعائي الخائرة من الجوع ، ليخال الي أنّ أوراقها محلاة بالسّكر  .

             دائما ما أحدثها عن دروسي ، وأشتكي لها همومي ، أهمس لها عن زملائي الطييبين الذين يشفقون لحالي ، ويتبرعون لي ببعض الطعام والدفاتر والأقلام ، وعن هؤلاء الشريرين الذين يسخرون من ملابسي البالية المتسخة ، وشعري المنفوش ، وأحيانا أشكو لها سباب وشتائم زوجة أبي الشريرة ، وأريها آثار الضرب المبرح على جميع أنحاء جسدي.....عندها فقط أحس بالأمان وتخلد روحي للسكينة ، لأن شجرتي تسمعني رغم صمتها وتحنو على جسدي الهزيل بفروعها الطيبه  وتشفق لحالي  ،   وتخفف أحزاني وتكفكف دموعي... أرى فيها أمي التي لم أرها منذ أن تفتحت عيناي على هذه الدنيا  وانا أ ذهب صباحا للمدرسة بعد أن أكون  قد رتبت المنزل وغسلت الملابس والصحون وأديت كل ما تطلبة مني زوجة أبي لأعود مساءا وأتسول لحسابها على أبواب المساجد والمقابر والطرقات .

          في أحد أيام أيلول كانت أوراق الخريف المتطايرة في كل الأتجاهات تحجب الرؤيا أمام قامتي القصيرة الملتصقة بالأرض ،عدت  من المدرسة مسرعة كزوبعة الخريف ، ويا ليتني كنت فعلا زوبعة لأحطم كل الأشياء وأنثر الغبار على كل الوجوه  لأعمي العيون التي عميت أصلا عن رؤية مأسـاتي وأطير بعيدا زوبعة غاضبة  الى حد التلاشي وراء الأفق اللامتناهي ...قبل أن يقع نظري على ذلك المشهد الماساوي ، أفجعني حتى الموت مليون مرة، وخر الذعر في جميع أنحاء جسدي  فخانتني قدماي وتعثرت ،وسقطت أرضا من  مشهد اختفاء شجرتي العملاقة فجأة .

       أدركت من أول شخص أعترضته أن آله غبراء عملاقة انقضت على شجرتي وافترستها ومزقتها لأسباب حدثني عنها هذا الشخص لكن أستيعابي كان أعجز عن فهمها  ....كل ما كنت منشغلة به هو رحيل شجرتي دون وداع..

    قتل المجرمون شجرتي ، وفرطوا عقد أوراقها ، ومرغوا أغصانها التي طالما عانقت السماء بالأرض...لقد قتلوا اللون الاخضر في أوراقها وزرعوا الموت في كل خلاياها...لقد مزقوها وعرّوا ستر فروعها واجتثوا الحياة من أعماق جذورها...لقد شردوا عصافيرها ووأدوا فراخها وأ فزعوا أسراب السنونو التي تباركها كل صباح ، وشتتوا مسالك ودروب الجمالين والفرسان....ونثروا أحلامي مع ذرات التراب في جوف الرياح ...وأنتزعوا قلبي  الذي ما فرح في الحياة الا للحلم بين خفايا شجرتي.... لقد يتموني مرة أخرى....

          ذرفت دموعا غزيرة لفقدانها، وبقيت أحفر طوال اليوم ويداي تنزفان وقلبي يعتصره الألم وروحي يجتثها العذاب ، وغيوم الخريف تمطرني فتمازج قطرات المطر دموعي تارة ، والدماء من أصابعي تارة أخرى ، بقيت أحفر دون أن أشعر بأي ألم أو تعب ، ودون وعي  وجدت نفسي  أمسك ببعض جذورها لأتذوقها وأمضغها لأكتشف أن طعم جذور شجرتي أشد من مرار الحنظل...حاولت أن أبصقها أو أ تقيأها  ، لكنّ طعم المرار أنعقد  وأستعصى في حلقي منذ عذبني القدر مرتين. .. يوم فجعت بموت أمي المرأة ورحيلها دون وداع ....ويوم اقتلاع أمي الشجرة ورحيلها أيضا دون وداع .

     وكبرت ،وصارت شجرتي ذكرى ، لكن طعم المرار  ما زال في حلقي واقعا لا ذكريات ، وأدركت حين كبرت أن جدتي ككل الجدات لم تخبرني أنه عندما تقتلع شجرة الزيتون ، أو تمرغ هامة النخيل بالتراب تفر صوب السماء أسراب السنونو  و الحمام ، وتتشابك أيدي الملائكة  في السماء فيجن الغيم ويسقط المطر وتخرج من مخابئها البذور .... ما زلت أتذكر شجرتي الغالية و أ ربط بينها وبين عشقي للسير تحت المطر في أمسيات الخريف العاصفة  الغاضبة المجنونة .

      أقف الان على أطلال المكان  حيث كانت تعشش زوجة أبي قبل عشرين عاما وسـأمر كل صباح عن نفـس المكان الذي كانت به شـجرتي و  في أعماقي شـىء  من الأسى لهذا الماضي الحزين  ......بعد أن أخذني خالي ليربيني بعيدا عن هنا وأكبر وأصبح معلمة ويسوقني القدر للتدريس بنفس القرية حيث كانت شجرتي وطفولتي الغريبة  . ...  أقف و ألتفـت قليـلا للوراء  بأسـى   الفقير  و وحدة الوحــيد   ولوعة اليتـيم .... تجول بخاطري نسائم الذكريات وأستهجن لهذه الأرادة التي غرستها قسوة الحياة في أعماقي لأثبت بها لنفسي أنّ رغبة الحياة أقوى مليون مرّة من نعيق الموت.....

 

الطبيبة الكاتبة

د.عبلة الفاري

جنين

كعكة من دم

التفاصيل
كتب بواسطة: انور خميس
نشر بتاريخ: 08 يونيو 2007
انشأ بتاريخ: 08 يونيو 2007
الزيارات: 5

كان هو كل ماتبقى لها من الدنيا بعد ان فقدت كل شئ..وهى حبلى به فقدت بصرها فى احدى الغارات التى يشنها كيان الشتات مستهدفا ابادتها هى وكل بنى جلدتها ممن بقوا فى الارض الموعودة ..هى بقت لأ نها لم تعرف هى ولا اسلافها من قبل ارضا غير تلك الارض..وليس لديها معلومات كافية عن ذلك العهد الذى اقتطع لهذه الاقوام المختلفة عنها لغة وشكلا وملة..كل ماوصل اليها ان كائنا لعينا يستحيل ان يكون اله قد صك صكا لا يسقط بالتقادم بملكية هذه الارض واعطاه لأسلاف هذه الاعراق المهجنةمنذ آلاف السنين .. ولأنها لا تثق بهذا الصك ولا بالخاتم المقدس الذى يذيله فقدجلست تستقبل الغارة تلو الغارة فخورة بالصمود..الى ان جاءت هذه الغارة ..هى لا تذكر منها  سوى اصوات مخيفة  لطائرات خارقة لجدار الصوت ..ثم انفجار مروع بعده اظلم عالمها المدرك وحل محله عالم اللا ادراك الهلامى..عندما افاقت واستفسرت عن سبب النار المشتعلة فى عينيها والظلام الدامس الذى يحيط بها اخبروها ان دنياها اظلمت للأبد..فقد اخترقت شظايا الانفجار عينيها لتفقدها نافذتها التى تطل بهاعلى الدنيا ..حزنت.ولم يكن حزنها  لفقدان البصر فى حد ذاته..بل حزنت لأنها لن تستطيع ان ترى وليدها المنتظر ..والذى نجا بأعجوبةمن نزيف كاد ان يودى به وهو لا يزال فى عالمه الصغير الضيق..لكنها عادت واعتبرت بصرها الذاهب قربانا لقوى الشر ارتضته لتترك لها ابنها المستقبلى..عندما حانت لحظة قدومه لم يستطع شريكها فى ابوة القادم ان يذهب بها الى المستوصف العلاجى او حتى ان يأتى لها بطبيب..فقد كانت ليلة من ليالى القصف..اكتفى بأن يستدعى قابلة من الدور المقابلةفى تلك الحارة الضيقة الفقيرة..غاب لفترة ..فالعجوز كانت نائمة..فهؤلاء القوم قدتكيفوا مع الوضع حتى اصبحوا لا ينامون الا على اصوات المقاتلات..فإن سلم الامر فهو نوم ثم صحو..وان وقع المحظور..فهو نوم على كل حال..مع الغياب اشتدت اسفلها الطعنات المطالبة بالحق المشروع فى التواجد..زاد من وقع الطعنات هذه الوحدة وهذا الاظلام الاجبارى الذى يحيط بها..هل تعرف هذا الشعور؟..هو شعور معصوب العينين الذى يتخبط فى قبو مظلم منهالة عليه الركلات..قررت ان تساعد هذا القادم على الخروج من شرنقته العالق بها..تشبثت بأركان السرير وبكل ما فيها من عزم دفعت مطلقة صرخات متتالية كتمتها للداخل كى تستفيد منها فى دفع الكائن الهش..فى نفس اللحظة التى عاد فيها الرجل ومعه العجوز كان القادم على وشك الخروج الى الدنيا..ساعته القابلة فى اكمال طريقه للخارج وتلقفته فاعلة به ما يفعل بالاجنة عادة عندما تصير كائنات دنيوية..ثم اعطته للأم التى تساقطت عبرات عينيها العمياء وهى تتلقف وليدها متحسسة ملامحه محاولة تكوين صورة كروكية لوجهه  تختزنها فى رأسها وتستدعيها وقت الحاجة..اعطته ثديها الهزيل فالتقم حلمته مستدعيا اولى قطرات غذائه الفطرى ..اسمته "ياسر"تيمنا برمز يعتقد به قومها..مرت الايام وكبر الوليد بين يديها وصار طفلا ابن ثلاث..علمته ان لا يفزع من قصف او من صوت لطائرات..وعندما صار ابن ست قالت له عندما تنام لا تنتظر صحوا..وعندما تذهب لا تنتظر ان تعود..قبل هذا اليوم المنحوس بشهور فقدت رجُلها..عندما تقاتل الاخوة المناضلين مع الاخوة اصحاب السلطة على فتات الكعكة متناسين ان الكعكة بكاملها ذهبت لمعدة اخرى وتم هضمها منذ زمن وان ما يتصارعون عليه هو مجرد نفايات ناتجة عن عملية الهضم اقتسموها بينهم قسمة عدل ..وقعت البائسة وعائلتها الصغيرة من نصيب المناضلين الذين قرروا تصفية كل ما له صلة بالطرف الاخر..اقتحموا مبنى عام تابع لأصحاب السلطةكان زوجها يعمل به باعتباره موظف عام وقامو بتصفية كل من فيه ..حاول التعس افهامهم انه لا يتبع احد بل عين هنا بموجب مرسوم سلطوى رسمى..اخبروه..لا بل لم يخبروه..بل دفعه هذا الملثم ذى الشارة الخضراء من فوق المبنى ليقع ميتا..مرت هذه الشهور وجاء هذا اليوم ..كان يوم بلا بشائر تنذر بما سيحدث فيه ..فلا قصف سبقه ولا غارات  اوحتى شعور مبهم بالخطر مما تحس به الامهات عادة فى مثل هذه تلك الحوادث..الكون يدور فى فلكه والشمس طلعت من الشمس كعادتها كل صباح..كان باختصار يوم ممل من ايام البشرية..او هكذا بدا انه سيكون..خرج الفتى مع زميل مقعده ليلحق بمدرسته..لاحظ ان هناك اجتياحا عدوانيا اثر اطلاق صاروخ بدائى على مجتمع الشتات  لم يسفر الا عن اثارة بعض الضوضاء..مما اعتبره الكيان منافاة للذوق والادب وعدم مراعاة لأصول الجيرة..وهى جرائم لا تغتفر عنده فاجتاحت  عرباته ودباباته المنطقة.. وانتشر الجنود للتمشيط..كان الفتى وزميله قد قفلا راجعين الى منزليهما لاستحالة وصولهما للمدرسة..اثناء عودتهما لمحهما قناص من القوة المجتاحة فصوب بندقيته نحوهما وضغط الزناد ..وفى الحقيقة نحن لا نعلم ماذا دار بخلد هذا المجند ذى الاصول الروسية فى هذه اللحظة..فتصرفه غير منطقى ولا تفسير عقلانى له..فهل ما فعله هى اوامر مجبور على تنفيذها ..ام اراد ان يشعر قاطنى هذه البقعة انه لا يوجد من يحميهم اذا اراد هو او احد بنى لغته البطش بهم..ام هى مجرد حماقة جينية ورثها عن اسلافه ..كل هذه احتمالت لا وزن لها..لكن الحقيقة التى اكدها كل من شاهد هذه الواقعة ان رصاصة انطلقت من بندقيته مخترقة رأس الفتى .. فانهار جسده وتناثرت دمائه على الارض..فر زميله عندما رأى ذلك هاربا من مصير اسود كان ينتظره لوبقى فى مكانه ثانية اخرى..اتجه الى البائسة ليخبرها بالفجيعة ..اخبرها بصوت لاهث من طول المسافة التى قطعها عدوا..خيل له انها تحدق فيه ذاهلة ولم يعلم ان التحديق هو الوضع الطبيعى لأعين عمياء..اما ما شعرت به فى هذه اللحظة فليس الذهول انما الانسحاق ..الذى تحس به عندما تفقد عزيزا لديك ..هذا التاهاوى الذى يحل بنا ويشعرنا بهذا الالم العميق الذى نحسه يعتصر قلوبنا ..فيظهر هذا كله فى دموع لا تعبر بأى حال من الاحوال للناظر الينا عن حجم مأساتنا ..فيتجه لمواساتنا غير شاعر بما يعتمل داخلنا ..ولو علم ما فعل ذلك.. انتشر الخبر فى الازقة والحارات فتوافدن النسوة على المنزل ثم جاء من سحبها الى المستشفى التى وضعت  بها الجثة ..تحسست ملامحه ومرت بأصابعها على موضع الرصاصة ..انتحبت بصوت عال..قال لها احد الملثمين يستأذنها "يا ام الشهيد..سيخرج الشهيد من احد مقراتنا ليدفن.."اتجهت ناحية الصوت وقالت فى حسم"لن يخرج ولدى من مقر قتلة ابيه ..بل سيخرج من بيت ابيه "قال الرجل محتدا"اسمعى يا ام الولد..ولدك شهيد..والشهيد ليس ملكا لذويه فحسب..بل هو ملك لكل الشعب"ضربت صدرها بقبضتها صارخة فى وجهه"انا الشعب"....خرجت الجنازة المهيبة من بيتها كما ارادت  وتقدمها الملثمون براياتهم الخضراء..مطلقين رصاصات بنادقهم فى كبد السماء..وسار خلفهم الآف المشيعين من مختلف ارجاء هذه المنطقة المنكوبة فى صمت تام وفى رؤوسهم تدور تساؤلات خافتة...."لماذا يطلقون النار فى الهواء؟..هل تحية للشهيد..ام لعجزهم عن توجيهها لصدور من قتلوه.. ام يطلقونه ابتهاجا لأكتسابهم سببا جديدا لأستمرار تواجدهم".....دارت فى رؤوسهم ولم يستطيعوا النطق بها ابدا..فالرايات الخضراء تملأ المكان....... 

الضحك الما

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد سنجر
نشر بتاريخ: 08 يونيو 2007
انشأ بتاريخ: 08 يونيو 2007
الزيارات: 6

الضحك ألــــما

 

محمد سنجر

 

 

( بينما كنت أجلس بنقابة التشكيليين أرتشف الشاي

أقلب بين الوجوه

أبحث عن ذكرى

مر خلال نظري وجهان

ظننت لوهلة أن أحدهما أعرفه

حاولت لملمة شتات الذاكرة

نعم إنه صديق الدراسة سعيد مصطفى

ناديت )

: على الأخ سعيد مصطفى الحضور فورا للإذاعة

( التفت على الفور و عندما زالت عن وجهه غشاوة الدهشة صرخ كعادته)

: ســــــنــــــجـــــــــــــــــــور

( تعانقنا نطفئ حرارة فراق سنين ،

داعبني كعادته )

: ما هي أخبارك أيها الخائن ( روزنكراتس ) ؟

ها ها

: أمازلت تذكرين ( روزنكراتس) يا ( مولاتي ) ؟

ها ها

: حد يقدر ينسى الممثل المشهور و الفنان الكبور محمد بن سنجور

( ضحكنا كعادتنا ) ها ها ها ها

أوه ، كنت ها تنسيني ، أعرفكم ببعض

( يتحدث إلى رفيقه )

هذا هو الفنان الكبير محمد سنجر اللي حكيت لك عنه( يغمز له بعينه )

: أهلا وسهلا ( مددت يدي للسلام )

: و هذا هو النحات الكبير محمود عبد السميع

( بمجرد ذكر هذا الاسم

زادت حرارة جسدي

اندفعت الدماء برأسي

كأنما صفعني على وجهي صفعة قوية ،

سحبت يدي بسرعة ، سألته )

: محمود عبد السميع ؟

مش إنت اللي عملت المية و خمسين تمثال بتوع سينا ؟

( قال في سعادة متفاخرا )

: آه و الله صح ، بس انته عرفت الموضوع ده ازاي ؟

هو أنا مشهور قوي كده ؟

( غضب الكون بأكمله انفجر برأسي

وجدتني ألملم غباء و جهالة العالم أجمع في قبضتي

و دون إبداء أية أسباب سددت لوجهه المتورد لكمة

تكسرت لها أصابعي

نزف لها أنفه الأشم )

( صرخت بأعلى صوتي )

: متى استعبدتم الناس ؟؟؟؟

( خرجت مسرعا رافضا التواجد مع شخص كهذا بنفس المكان

و رغم محاولات صديقي سعيد فهم سبب تهوري لهذه الدرجة )

( أجبته و الدموع تخنقني )

: اسأله عمل القالب بتاع التماثيل ازاي ابن ال .......؟؟؟

 

( رحلت مسرعا تسيل الدموع من عيني تغرق الكون حولي

خطفتني الذاكرة على جناحيها طارت بي عاليا

بدء في الهبوط بي رويدا رويدا

وضعتني برفق حيث كنت هناك منذ عامان

 

وجدتني مرتديا ملابسي العسكرية،

كنت ليلتها عائدا من أجازتي الأسبوعية

أدخل إلى عنبر الجنود

صوت نباح بعيد يقطع سكون الليل

أحاول التقدم

ذهبت إلى سريري الحديدي

حذرا أنا

أحاول جاهدا ألا أقلقهم بقدومي

أسير على أطراف أصابعي

بالكاد أتحسس طريقي وسط الظلام

وقفت للحظات

 

بدأت الغشاوة التي أسدلت على عيني ستائرها القاتمة تنجلي

رويدا رويدا بدأت الصورة تتضح

أسرة الجنود متراصة على الجانبين

غطيط الجنود المنهكين من التعب يملأ المكان

كونشرتو أنفاسهم تتردد هنا و هناك

أصل بعد عناء إلى سريري القابع في انتظاري في زاوية من العنبر

 

بالكاد لمحته نائما كعادته

علامة استفهام رسمها بجسده الضعيف

طفلا في مهده ينتظر هدهدة أمه الحانية

حاولت ألا أتسبب في تعكير صفو أحلامه الوردية

كثيرا ما قص علي بعضا من هذه الأحلام البريئة

كثيرا ما انتفضت ضحكا من إفراط براءتها

يقطن الدور السفلي من نفس السرير

بينما أسكن أنا الدور العلوي

تذكرت عندما طلب مني على استحياء أن أسمح له بالنوم بالدور الأول

شكا لي ( فوبيا ) الأماكن العالية

بالرغم من أننا كنا زملاء دراسة بكلية الفنون الجميلة

لكن للأسف لم تسعدني الظروف أن أتعرف وقتها على هذا الوجه الذي فاضت عليه طيبة قلب ناصع البياض

كم حاولت جاهدا تذكر هذا الوجه القمحي

و لكن كانت دائما ما ترتد في وجهي أبواب الذاكرة منغلقة

ربما كان نتيجة اهتماماتنا البعيدة كل البعد

كان يدرس ( العمارة )

بينما كنت أدرس ( الرسم و التصوير )

كان يرحل إلى منزله في الواحدة ظهرا

بينما كانت الكلية بالنسبة لنا بيتا لا نبرحها إلا منتصف الليل

 

حاولت تحسس موضع قدمي بجواره للصعود إلى مرقدي

فوجئت بصوته الحاني هامسا

: حمد الله ع السلامة يا أبو حميد

( أسفت لفشلي في الحرص على عدم إيقاظه ) ( همست )

: ما فيش فايدة ؟ برضه صحيتك ؟

: لا و المسيح ، أنا عارف إنك ها تيجي النهاردة عشان كده فضلت صاحي مستنيك ، حمد الله ع السلامة يا حاج

: الله يسلمك يا أبو جرجس

: أخبار الأهل إيه ؟

: الحمد لله ، كله تمام

: ما تيجي نخرج بره عشان ما نزعجش الجماعة

و إلا انت تعبان ؟

: و لا تعبان و لا حاجة ، ياله بينا

 

( خرجنا إلى جلستنا المعتادة خلف العنبر ،

القمر كان ليلتها بدرا ينير المكان من حولنا )

: أسكت يا محمد يا خويا أما أنا اتبهدلت من بعدك بهدلة

: ليه ؟ خير إن شاء الله

: صلي على النبي

: عليه الصلاة و السلام

: بعد ما أنت مشيت بيومين جانا القائد و قالي عاوزينك في القيادة

يا باشمهندس هاني أنت و الفنان بتاعنا

قلت له بس محمد في أجازة يافندم و قدامه أسبوع على الأقل

خير يافندم ؟

قال لي إنهم عوزينا في مشروع كبير في سينا

و القيادة بتلم كل بتوع الفنون

 

المهم ما اطولش عليك ـ قول طول ،

رحنا هناك يا سيدي لقينا واد خريج تربية فنية اسمه

محمود عبد السميع ، منه لله ، منه للـــــــــــه

: ليه بس ؟

: جايلك في الكلام ،

قال إيه يا سيدي عايزين يعملوا تماثيل على القنال ،

شوية جنود بحركات مختلفة اللي كده و اللي كده ،

كام تمثال بقى يا سيدي؟

مية و خمسين تمثال ،

و صاحبنا ده بقى هو النحات الكبير المسئول عن المشروع

: وبعدين ؟

: و لا قبلين ، سعادة الفنان الكبير قعد معانا و قال يا جماعة طبعا الكمية دي من التماثيل صعب نعملها ـ نحت مباشر ـ

لازم نعمل لهم كام قالب و نصب عليهم الكمية كلها

: كلام جميل و كلام معقول ما قدرش أقول حاجة عنه

: لغاية كده حلو قوي ، لكن ما خفي كان أعظم

: احكي ، احكي

: صاحبك بقى بعد يومين حاول فيهم يعمل التماثيل اللي ها نعمل عليهم

القالب طبعا فشل فشل ذريع

شكله أصلا لا نحات و لا يفقه شيء في النحت

: و لما هو ما لوش في النحت دخل في الموضوع ده ليه من أصله ؟

: ما تعرفش إن كان ورط نفسه و الا حد ورطه

المهم ، صاحبك ساعة لما لقي نفسه ها يتكشف قدام الكل ،

هداه مخه النور إنه ياخد القالب على إيه ؟

: قول انت بقى

: عليا أنا

: نعم ؟ بتتكلم بجد ؟

: آه و المسيح

: إزاي يعني ؟

: يحط على جسمي أنا الجبس و يعمل القالب عليا

: يا راجل ؟

: مش مصدقني ؟

طيب بص دراعي

( كشف لي عن ذراعه

فإذا به ناعم كالحرير لا يوجد به شعرة واحدة،

أبيض ناصع البياض كذراع العروس ليلة دخلتها )

( صرخت )

: إيه ده إن شاء الله ؟

: عمل القالب على دراعي و رجلي

: نعم ، نعم ؟

إنت اتجننت و الا إيه ؟

إنت عاوز تقول لي إنه حط الجبس اللي ها يعمل بيه القالب مباشر على دراعك و رجلك ؟

: أنا ماعرفش في شغلكم

: شغل إيه و زفت منيل على عينك إيه بس يا أخي ،

واستحملت إزاي يا ابن الناس و هو بيطلع القالب الجبس بعد ما نشف ؟

: عذاب يا محمد يا خويا ، عــــــــــــــــــــــذاب

شوف انت بقى لما الجبس ينشف على شعر أيدك

بقى يشد القالب و أنا أرقع بالصوت ، ها ها هاي

يشد و أنا أرقع بالصوت ، ها ها

دي الفراخ بتتعذب قوي يا أخي و هما بينضفوها ، ها ها ها ها

: إزاي تسيب المجنون ده يعمل فيك كده ؟ ليه يعني ؟

إنت اتهبلت و الا إيه يا هاني ؟

: و أنا أعمل إيه يعني ؟ أنا فاكر إنه فاهم هو بيعمل إيه

: و الله العظيم حرام عليك

: أمال لو شفته و هو بيعمل القالب بتاع الوش ؟

يا لهوي يا محمد يا خويا يا لهوي

( لم أستطع أن أمسك ضحكي ألما الذي أحاول كبته

أحاول حبس الدموع التي انفجرت رغما عني

انهمرت حزنا و ألما على ما لاقاه صديقي هاني )

: ها ها هو هو هي هيء هيء

لا يا هاني لا ــــــ هيء هيء

و الله حرام عليك اللي بيحصل ده ــــــ هو هو ها ها

إنت إيه ما لكش مخ خلاص ـــــ هيء هيء هيييء

تسيبه يعمل ــــ هو هو هو

تسيبه يعمل كمان جبس على وشك ـــ هيء هيء

( أخذ يضحك المسكين )

: آه لو شفت يا محمد يا خو يا ـــــ ها ها ها ها

و أنا حاطط مصاصتين في مناخيري عشان اتنفس ـــــ ها ها ها

و الجبس لما سخن على وشي ــــــ هو هو هوي

أقوله إنت عاوزني محمر و الا نص سوا ـــــ هو ها هي

و هو يقول لي ـ استحمل يا هاني ـــــ هي هي هي هي

عشان نخلص بسرعة يا هاني ــــــ ها ها ها ها

بدل مضيعة الوقت يا هاني ــــــ هو هو هو هوي

آه يا محمد يا خويا لو تشوف التماثيل اللي طلعت ــــــ ها ها ها

كلهم الخالق الناطق أخوك هاني ـــــ ها ها ها

ميه و خمسين تمثال كلهم هاني ـــــ هو هو ها ها ها هي هي

( عندها ضممته لصدري أحضنه أضحك ، يختلط ضحكي بدموعي ببكائي بضحكه ،

كلما تذكرت المائة و خمسون هاني المرابطين على شاطئ القنال يحرسونها من المجهول يزداد ضحكي و يزداد

تنهمر دموعي أكثر فأكثر تغرق الكون من حولي

لم تحتملنا أرجلنا من شدة الضحك

سقطنا جلوسا على الأرض ،

نركل الأرض بأقدامنا من شدة الضحك المختلط بالدموع ،

يحاول كل منا الإمساك ببطنه التي تكاد أن تنفجر من كثرة الضحك

و الدموع فنفشل فنحاول و نفشل

و نحاول ف .. ن .. ف .. ش .. ل ........ )

 

***

ك.خ

 

 

 

الوهم

التفاصيل
كتب بواسطة: مازن الشامي
نشر بتاريخ: 30 مايو 2007
انشأ بتاريخ: 30 مايو 2007
الزيارات: 6

 

 

عدت إلى الفندق في الساعة الواحدة ليلاً وانا أتصور جلوس الرجل العجوز خلف الطاولة وعلى يساره لوحة المفاتيح، ذلك الرجل الذي استقبلني صباحاً بابتسامته البشوشة عندما سألته عن غرفة شاغرة، طرقت على المائدة، ولم يجبني أحد
يبدو أنه نائم، فسحبت مفتاح غرفتي رقم / 9 / وانا اتجه صوب غرفتي ، تناهى إلى مسمعي صوت سقوط ركوة القهوة على البلاط. أيقظ الصوت شهيتي لاحتساء فنجان قهوة، تخيلت جلوسي في الغرفة احتسي القهوة، وألحت الرغبة اكثر وقادتني إلى مصدر الصوت، مددت يدي ودفعت باباً صغيراً وأدى إلى غرفة صغيرة ، دخلتها ورأيت شخصاً يولي بظهره إليّ ويحرك طعاماً على سخان كهربائي تأحأحت ((احم احم ) فاستدار الشخص بحركة بطيئة ولما رآني ارتعد وعلاه ارتباك، فبادرته ، : آسف الآن فقط أنهيت مشواري......................

فلم يرد عليي ثم أدار ظهره مرة ثانية وعاد إلى تحريك طعامه وبعد قليل حمل صحنه ومر بجانبي خارجاً، رأى نفسه وحيداً في الغرفة فدنا إلى البراد، ورفع قنينة من الماء البارد إلى فمه عندئذ تناهت وقع خطوات، فاستدار والقنينة في فمه رأيت ذاك الشخص يدنو من البراد ويسحب ربطة الخبز من الدرج الأسفل الذي يشبه صندوق، فوضع القنينة مكانها قبل إغلاق الباب، قال لي هذه المرة وهو يهم للخروج: تفضل كل معي أجبته وانا أيضاً استعد بالخروج: لا شكراً، لكن عندما تفرغ(((تنتهي )) أرجوك اجلب لي فنجان قهوة إلى الغرفة رقم (9)
أجابني وقد وقف في المدخل: أنا نزيل مثلك، يبدو ان العامل المناوب نام في إحدى الغرف الفارغة،و أنا مستأجر غرفة شهرية هنا، هل نزلت اليوم؟؟
- قلت أجل اليوم هو الأول، أعني هذه أول ليلة لي.
فرد عليّ بلهجة ضيافية: لا يهمك، سأعمل لك القهوة بشرط أن تعتبر نفسك ضيفي.
- ما دمت أسكن هنا بصفة دائمة فأنت ضيفي
قالها مازحاً واتجه إلى غرفته .


تصفحت كتاباً، وبعد نحو ربع ساعة دخل الشخص يحمل فنجاني قهوة تتوسطهما كأس ماء.وعندئذ لم أجد بداً لتكرار اعتذاري الشديد وسوء الفهم، ولكن الشخص ذكرني بالشرط الذي بموجبه صنع له القهوة، فطلبت إليه الجلوس وهو ينظر إلى الفناجين وعند جلوسي سألني الشخص: من أين حضرتك؟ قالها وهو يرتشف القهوة المغلية جيداً والمرتفعة الحرارة: أنا يا سيدي كنت اعمل في لبنان وابحث عن عمل هنا وانا اصلي من مدينة حلب ،
- \هو\\\وهل ستمكث طويلاً؟؟
- حوالي ستة أيام فقط وأنت؟؟\\\\\انا
- هو \\لا أدري… هذه مسألة خاصة،
\\انا \\\هل جئت لعمل، أم لزيارة أحد؟؟
- لا هذا ولا ذاك، جئت لزيارة اللا أحد، اعتدت على هذه الزيارات كل ستة شهور، أزور من لا أعرفهم مثل زيارتي لك الآن.
قال لي و يحدق بيّ ملياً: هذه الزيارات ضرورية على ما يبدو لأي شخص وليس لك فحسب.
قالت: أحياناً نضجر الذين نعرفهم ونلجأ إلى الذين لا نعرفهم ولم يسبق لنا أن رأيناهم.
ولكن هل تسمح لي أن أسألك سؤالاً؟
قال لي : وهل جلوسنا لغير الحديث والأسئلة والتعارف؟؟
- سألته: ماذا تعمل؟
الشخص : يا سيدي أنا الآن متوقف عن العمل.. وغرق في صمت كئيب.
- سألته محاولاً طرد شبح الصمت: أعني مهنتك في الحياة؟
فرفع الشخص رأسه وأجاب: كنت أعمل في الخارج وبقيت خمس سنوات متواصلة خارج البلاد، سافرت منذ 5 سنوات حين كان عمري 24 وعدت منذ ثلاثة شهور.
- وبيتك، ألا أهل لك؟؟ \\\\\انا
اجاب :لي أهل ولكن منذ ثلاثة شهور تفشل محاولات الذهاب إليهم، لقد فقدت كل شيء فماذا أفعل بأهلي،، إنهم يعجزون عن تقديم أي عون لي،،
قلت أنا أصغرك بخمس سنوات وأقول بأنك ما تزال تتعثر بمد قدمك إلى الدرجة الأولى من درجات الحياة لم تشرب كأساً من النهر الذي ستشربه، اليأس في سنك لا يعني غير الهزيمة في أفضل التفسيرات.
قال وما زال محافظاً على هدوئه: يا سيدي قد يحدث وأغرق في نهري قبل أن أشربه.
واانا اواصل كلامي دون انقطاع: الذي يجدي هو أن تصر على شربه وتدافع عن حقك للحصول عليه، وإن شئت اسبح فيه كما تسبح الطيور في الفضاء .



ولما أخذ الحديث هذا الاتجاه المتوتر عرض الشخص عليّ فنجان قهوة أخرى في غرفته والسهر حتى طلوع النهار ثم عزمني على وجبة الغذاء مقدماً فوافقت على فنجان القهوة على أن يعذرني من الغذاء وخرجت من غرفتي ناظرا في فراغات الممر وقادني الشخص وهو يقول: ليس هناك أطيب من السهر في الفنادق 0
جلست على كرسي في الغرفة وخرج الشخص ليحضر القهوة وكانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشر دقائق صباحاً فهتفت به على فكرة، ما اسمك؟؟
جاء الصوت من الممشى : اسمي كاظم

تأملت محتويات الغرفة كل شيء يوحي بأنه سيهجر الغرفة صباح الغد، الثياب مرمية على الأرض،نقود ورقية ذات فئات صغيرة مرمية في الزوايا، أحذية
مقلوبة، صحون متسخة تأكلها العفونة، فناجين قهوة مكسورة، علاقة ثياب مخلوعة، واتى كاظم حاملاً القهوة وقال: هل أعجبتك هذه الفوضى؟
اجبته ::تعجبني الفوضى إذا كانت منظمة، ولكن الرائحة الكريهة تخنق، هل أعينك في الترتيب وخلق فوضى منظمة؟؟
قال كاظم: لا أشعر بأي رغبة لذلك،
- أرجوك قل لي ما تخفيه، ثلاثة شهور وأنت لا تعمل وتعيش في هذه الغرفة، هل تفسر لي ؟؟؟\\انا
جلس كاظم وقال: سأقول لك يا صديقي وأنا أعرف بأنك لا تستطيع أن تقدم لي شيئاً.


وتحدث عن طفولته السيئة وهروبه من البيت إلى دمشق والأعمال التي قام بها وهو في الثالثة عشرة من عمره ثم سفره إلى لبنان، ومن هناك سفره إلى خارج البلاد بجواز سفر مزور، وبعد خمس سنوات من العمل استطاع أن يدخر مبلغاً جيداً وفكر بالعودة إلى قريته وبناء بيت خاص به والقيام بمشروع تجاري، وفي أثناء هذا التخطيط علم أنه مصاب بالإيدز لأن زوجته التي تزوجها حديثا كانت مصابة وقال كاظم وهو يحدق إليّ بقوة: غادرت البلاد على الفور وعدت إلى بلدي، لم أذهب إلى قريتي إنني متردد كيف تريدني أن أذهب وأنا واثق من إصابتي ، منذ ثلاثة شهور أسكن هنا أنفق نقود مستقبلي، كم أنا ساذج، تافه، لا مستقبل لي، سأموت قريباً،أجل لا بد أن أموت بعد شهور قليلة، بعد سنة في أقصى حدود سخاء هذا المرض البخيل، وليس أمامي إلا أن أعوض نفسي، لا بد أن أعيش مئة سنة في سنة واحدة، لن أنام لحظة واحدة،،، سأعيش كل تفاصيل الحياة ولحظاتها في هذه الفترة المتبقية من عمري، لدي مبلغ جيد يساعدني على تحقيق رغباتي، هل تعتقد يا مازن أن ذلك سيقدم لي شيئاً؟؟؟
ولم تخرج الكلمة المضبوطة من حنجرته
ونهض وقد امتلأت عيناه بالدموع فنظر إليّ كاظم نظرة من ندم على أمر قاله قبل لحظات وسكتنا دون أن نقول كلمة واحدة ولبث سهراناً حتى الثانية بعد الظهر، عندئذ نام ولم يفق إلا في الثامنة صباحاً.
فارتدى ثيابه وخرج، لمحته في الممر المؤدي إلى الأسفل، رفعت يدي مسلماً، استجاب كاظم وهو يدنو إليّ: أرجوك اعذرني، ولكن هذا ما حدث، ليست لدي إضافة.
فقلت : أتمنى لك الشفاء.
- أين ستذهب؟؟
- قال :إلى السوق
- هل ستأخذني معك؟؟؟
قال إن شئت فأنا أرغب في المشي قليلا
لكن قبل ذلك لي رغبة في ترتيب غرفتك، ثم أن ترتدي ثياباً جديدة قلت :
ووافق كاظم على الاقتراح وعادا إلى الغرفة، استغرقت عملية الترتيب نحو ساعة ونصف: عادت إلي الرغبة للحياة. قالها لي وأمسك بيدي نزل بي به درج الفندق، إلى قلب المدينة، وبدأ كاظم يقبل على شراء كل شيء وينفق النقود بتبذير كمن يود التخلص منها.حتى انه اشترى هدايا كان يهديها إلى الناس في الطرقات ويقول: لماذا تمنعني من أكون مبذرا للحظات فقط في نهاية هذا العمر، ، بل سخياً إن شئت ؟؟ وفي الواقع ما صرفه في ساعتين فاق ما جلبته معي لقضاء أسبوع أضعاف المرات، وربما لو كنت في موقفه لما ترددت من ذلك ورغم هذا فلا أعرف، ولست متأكداً بأنني سأموت قبله أو بعده، فقط هذه اللامعرفية مجدية وكلما زدت جهلاً بها كلما تمسكت بالحياة وكلما زدت علماً بها صرت مثل كاظم . هذا الجهل الأعمق يمنحني القدرة على الاتزان وفجأة هتف كاظم بطفولة: مااااااازن أرجوك انظر ، ذاك الشاب انظر إنه في عمري انظر إلى أناقته، ونظرت إليه قائلاً: ما به يا كاظم لقد وعد حبيبته في الحديقة وتأنق لها.
فقال كاظم :في حزن لن أنساه أبداً: لا أحسده على شيء فقط أحسده لأنه ليس مصاباً بالإيدز.
وانحدرت دموع صادقة من عينيه وبعد قليل وضع ورقة نقدية بفئة الف ليرة في يد طفلة تمشي مع والدتها، دون أن تراه الوالدة ومشينا وقال مرة أخرى بذات الحزن المؤلم: أرجوك انظر إلى هذه الفتاة الجميلة.
قلت وأنا أنظر: ما بها يا كاظم؟؟
ليست مصـااااااا،،،،، ولم تدعه الغصة يكمل .
وبدأ يتصرف كالأطفال، يشتري الألعاب، والدمى، والسكاكر، كل تصرفاته كانت تلفت نظري وكنت أتحاشاها في مواقف وابتعد عنه، وكنت أصر على عدم استيائي في مواجهته، وأردد في صدري: ((كانه سوف يموت غدا))
عدنا إلى الفندق مساءً، دخلنا غرفته واقترح أن نأخذ غرفة بسريرين، فقلت له: كما تريد يا كاظم
استفاقت من نومي في الساعة السابعة صباحاً مددت يدي إلى سماعة الهاتف وطلبت غرفة كاظم،عندئذ قلت له بأنني عزمته على وجبة الفطور في محاولة للاعتذار على تركي المفاجئ له ليلة البارحة وبعد نحو ربع ساعة جاء كاظم مرتدياً ثيابه، فدخلت الحمام ولدى خروجي قال كاظم: أتعرف؟؟
قلت: لا
قال: أحسدك لأنك لست ..…….
ومددت يدي إلى شفتيه: أحياناً نتعلم من المرض أكثر من تعلمنا من الشفاء، ويمكن أن نتعلم من المرض في سنة ما لم نتعلمه من الشفاء في ثلاثين سنة.
فقال كاظم: دوماً تحسسني بالانتصار حتى وأنا في آخر خطوات الهزيمة والاستسلام.
قلت: ليست المسألة في أن أعيش يوماً وسنة بعدك أو قبلك وفي جميع الأحوال لن نكون بعد سنوات في الحياة هنا قد أخرج الآن وتصطدمني سيارة فأذهب بحادث، عندئذ وفي لحظات الاحتضار قد أحسدك على مرضك لأنه لن يقتلك بعد دقيقة واحدة على الأقل.


أقفلت باب الغرفة أودعت المفتاح في لوحة المفاتيح وخرجنا، صار كاظم ينط على الدرج كالأطفال، نزلنا إلى قلب العاصمة، اتجهنا إلى الصالحية وإلى / أبو رمانة / 0
قال كاظم: أتعرف قبل التعرف إليك كنت أنتظر الموت فقط الآن أحس بأنه يتعثر بخطواته وينتظر ذهابك لينهض ويهرع إلي، لا يمكن للإنسان أن يخسر كل شيء دفعة واحدة،،
قلت: لن أتركك… ما رأيك أن تقبل دعوتي لزيارتي في مدينتي وتترك الموت هنا؟
شدته عبارة / تترك الموت هنا / وقال: سأجيء
قلت: أنا مستعد

قال بجدية: وأنا أيضاً، وازداد وجهه تفتحاً.. كل ما فيه بدأ يشرق، إنه في عنفوان الشباب والمراهقة، لكنه كلما يرى شاباً يهتف انظر يا مازن ، إنه غير مصاب، ليتني كنته.
وما أقسى وقع هذه العبارة على سمعي، ويكررها بحسرة، وفي نهاية الشارع جلسنا في حديقة صامتة لا أحد فيها، استرخى كاظم على الكرسي ولأول مرة تحدث بحكمة وقال وهو لا ينظر إلي: أتعرف يجب أن يصاب كل شخص بالإيدز ثم يشفى ليدرك قيمة عدم إصابته الثرية.
وبعد قليل قال: على كل شخص إذا أراد أن يستوعب الحياة أن يعيش هذا الشعور ثم يشفى، وصمت، نظر إلي، ثم عاد إلى / اللاشيء /
وابتدع قولا : الإيدز خطوة الإنسان الأخيرة لولادة حياة أكثر نضجاً،
وقال: إن الله يحبنا جميعاً ..

ثم دفن وجهه في راحتي كفيه وتمتم كأنما يغني: لا أريد شيئاً سوى أن أحس للحظة واحدة بأنني لست مصاباً أن أعيش هذه اللحظة، متحرراً من هذا الشبح القاتل الذي يزداد ثقلاً على حركتي ورغبتي في العيش، لا أحد بمقدوره أن يتفهم الحياة بقدري في هذا اليوم البائس من حياتي إنني أكره الإيدز، لو كان رجلا ً لتصديت له، أشعر بسفالته، بمكره مثل الماء الذي يتسرب تحت التبن،ليس بوسع مخلوق على وجه الأرض أن يتعلق بالحياة كالذي داهمه الإيدز الجبان، أنا أفهم تماماً بأنه جبان، وينظر إلى إنجازات البشر بحقد أعمى أكثر من زملائه إنني أعيش الموت لحظة بلحظة يا ماازن ،، الآخرون ربما ينسون هذا الإحساس المدمر، لأن الموت يبدو على البعد دوماً ولا يذكرهم، أما أنا فأتذكره كلما شاهدت شخصاً بدون إصابة , أعتقد بأن عدد سكاننا يتجاوز تسعة عشر مليوناً وإنني واحد فقط من كل هؤلاء، هذا الإحساس يدمرني ويخنقني .الآخرون لايستوعبون هذا الرعب عندما يقولون : سنموت غدا , ولايدرون أي غد يعنون , إنها تخرج على صيغة نكتة , وقد لايعيشون هذا الواقع الأليم إلا لحظات الاحتضار الأخيرة , حتى الطبيب يرفض أن يضعهم في مواجهة رعب كهذا , أما أنا فأعيش حياتي كلها في احتضار دائم وكل يوم يصرخون في وسائل الإعلام وفي الشوارع والملصقات : لن تشفى 0 وتتعالى صيحات التهديد والوعيد وكأنني لست واحدا من بني البشر , وكأنهم بدون خطايا 0
ليتهم جربوا لحظة ألم واحدة من لحظاتي الجحيمية لمزقوا كل هذه الملصقات , ولتحدثوا بشيء من تكاتف إنساني 0 مع هذا اليأس0 أواصل حياتي وأعيش هذه الوخزات الروحية المؤلمة أياما متلاحقة لاتنتهي وأتمسك بها لتمكنني من العيش , وكلما تحققت أمنيتي في العيش أياما أخرى انتشر المرض في حواسي واحتل كل ذرة من جسدي0
كنت أتصور عودتي إلى قريتي الطيبة , وإلى أخوتي الصغار الذين ولدوا ولم أرهم بعد , ولا أعرف ملامحهم , قريتي أعظم من كل تلك البلاد , لا لن أرجع إليها حاملا الموت , لن أحمل إليها الدمار , كان علي أن أعود سليما مثلما خرجت , وأحمل إليها الحياة 0 أفضّل البقاء هنا , الموت هنا , وأحيانا أفكر بالانتحار في ظروف غامضة حتى لاينكشف مرضي , لقد مات كل شيء بالنسبة إلي , غربت شمسي في أولى إشراقتها ولن تشرق ثانية 0

وتغير لون كااظم , ركبه شبح الموت , ماتت الحياة في نبرات صوته الخافتة التي بدت لي الأخيرة التي تصدر منه , وصار ينظر إلي ببؤس العالم : / أنا والحياة كلانا أخذ حقه من الآخر / 0 لن أستمع إلى موسيقاكم بعد الآن , لن أغني , لن أرتدي ثيابا جديدة , لن أرى خيوط الشمس الأولى , سارتمي في ظلمة أبدية ولايزور قبري أحد , لاأحد يزرع وردة , ولا أحد يتمهل للحظة واحدة بجانبي , هناك عندما تسلبني الحياة كل شيء , حتى هذه الأنفاس المتبقية الميتة 0 لن أضيف كلمة أخرى , أشعر بصداع في رأسي يفقدني كل لحظة توازن ,
هل ستأخذني إلى الفندق , أرجوك لاأريد أن أموت في الشارع , أريد أن يحدث ذلك وأنا بمفردي , أن يحدث ذلك بخفية تامة وأنا ممدد على سرير الموت دون أن يكون بوسع أحد أن يصوب النظرة الأخيرة إلى موتي 0
وأخذت كاظم إلى الفندق والدموع تملأ عيني , إنه في أبأس لحظات حياته , لم يسبق لي أن شاهدت مثل هذا البؤس لدى مخلوق 0 وصلنا الفندق بسيارة وكأنها سيارة إسعاف , دخلنا غرفته , لم أتركه , كنت خائفا عليه , واستلقيت إلى جانبه في سريره حتى الصباح 0 استفقت رأيته نائما ولكن ملامح وجهه بدت هادئة مسترخية , وبعد قليل فتح عينيه عندما تركت السرير , ابتسم لي وصار يقبلني بحرارة أشد من حرارة ظهيرة الصيف 0 همست له : انظر ياكاظم , هناك من لايظفر سوى بسنتين من الحياة , ومن لايظفر سوى بشهرين , أنت ظفرت بتسع وعشرين سنة مجانية بدون مقابل , أي شيء آخر تريد , لنفرض أنك مت منذ ثلاث سنوات , أو أنك ستموت بعد عشرة أيام , ما الجديد في الأمر , يكون الأمر مؤلما عندما يترك المرء الحياة ويدرك أن هناك من لا يموت , الموت هومصبنا جميعا , وفي لحظة الموت يتساوى معك من عاش مائة سنة , يمكن لك أن تكتشف الحياة كلها في سنة واحدة من سنوات عمرك ما لم يكتشفها من عاش مائة سنة 0
خرجت هذه العبارات من فمي وهي محاولات أخيرة لتهدئة صديقي , وقد استجاب لبعضها , واقترحت عليه السهر الليلة حتى الصباح في , وفي أمسية لن ينساها اتجهتا خارج المدينة جلسنا على مائدة عامرة تحت الأشجار واتفقنا أن العمر كله كان تمهيدا لهذه الليلة وأما ما يأتي بعدها فلايهم إن طال أو قصر 00 لقد رجعنا إلى الفندق في الخامسة صباحا , , واستفقنا في الثانية ظهرا ,

كان كاظم
في قمة توهجه وعشقه للحياة ويدندن بأغنيات دافئة فقلت له : لقد أمضيت عشرة أيام معك هل تسمح لي بالعودة ؟
وفجأة عانقني وصرخ بهستيريا : أرجوك لاتتركني 0
قلت : لنسافر معا 0
قال : فيما بعد , أنت لست مرتبطا بوظيفة , لايهمك 0 فقلت ولاأدري كيف خرجت العبارة من فمي : ياكاظم قد لاتكون مصابا 0
قال : هذا مستحيل , المرض ينتقل عبر الاتصال , وهي كانت زوجتي على سنة الله ورسوله .
قلت : انه احتمال , ما رأيك بالتحليل ؟
قال : هذا هذيان
قلت : لن نخسر شيئا أرجوك 00 ووافق مكرها 0 دخلنا المشفى الخاص وشرحنا الأمر للطبيب الذي غرز إبرة في ساعد كاظم , سحب قليلا من دم وطلب أن نراجعه بعد يومين ليخبرنا بالنتيجة 0
وطوال هذين اليومين عاش كاظم في توتر وأحيانا لاينام ساعة واحدة وهو يعد الساعات الذاهبة والساعات المتبقية , أجل كان يعد الساعات ساعة , وعندما جاء الموعد , لم يأت , طلب إلي الذهاب بمفردي وجلب النتيجة , ولست أدري أي احتمالات كان يضع , ولماذا قرر الخروج من الفندق معي , وعندما قلت له : أين ستذهب خلال هذه الساعة ؟ لم يجبني , واكتفى بإعلامي أننا ستلتقي في الفندق لدى عودتي 0 سلّمت على الطبيب وطلبت منه النتيجة فأحضرها وناولها لي قائلا : لديك فقر دم 00 وقبل أن يكمل قلت : لست أنا ,إنه صديقي 0 فقال : آ سف لم أعد أذكر , ثم أردف وهو ينظر في نتيجة التحاليل ويناولها ليدي : ونسبة السكر قليلة في دمه , أنصحه بتناول الكاتو والحلوى بدلا عن الخبز لبضعة أيام 0 قلت : ألا يوجد إيدز ؟ فنظر إلي قائلا : قلت لك كل شيء 00هل سمعتني؟؟ ؟ قلت : لا ولكن أريدك أن تقولها , أن تلفظها حتى يطمئن قلبي 0 قال : لايوجد ماتقول 0 سحبت نتيجة التحاليل من يده بفرح طفولي غامر وهرعت صوب الفندق ركضا وأنا أظن أن أي وسيلة نقل لن تكون أسرع مني ,

رأيت كاظم متوترا في انتظاري وما إن رآني حتى انتصب واقفا : هـه اخبرنـي
قلت : دعني أسترد أنفاسي ,
قال : هل أعطاك النتيجة ؟
قلت : أجـل أصبر قليلا
قال : قلها , أرجو ك
قلت وقد نهضت بعد لحظات من جلوس : أنت لست مصابا يا كاظم , بإمكانك الآن أن تعيش شعور الغير مصاب 0 علاه اصفرار بعكس ماتوقعت , وبعد قليل مد كفه إلى الجهة اليسرى من صدره وضغط بقوة وقد احتقن وجهه بصورة غريبة , ثم ببطء شديد رمى جسده علي 00 قلت : كاظم مبروك 0 وأحسستُ بثقل غير عادي لجسده , تراجعت إلى الخلف خطوة , وسقط كاظم على الأرض دون حراك , صحت به ولم يرد , أعلمت صاحب الفندق , وبعد قليل جاءت سيارة الإسعاف وأخذته جثة هامدة 0 في نفس اليوم أعددت حقائبي , الهدايا التي اشتراها لي , واتجهت إلى مدينتي وأنا ألتفت خلفي وأتوقع أن يأتيني صوته من نافذة غرفته في ذاك الفندق الضخم عد يا ماااااااااااااازن انا لم امت انا مازلت على قيد الحياااة عد ارجووووووووووووك

الصفحة 27 من 69

  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31

المتواجدون الآن

287 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك