قلب صغير مفتون بالفل

هل تعرف الحد بين الإغفاءة ، واليقظة ؟

وهل أصغيت يوما مّا لصوت الحلم ، بينما عيناك تراقبان ظلك ، وهو ، يتسكع فى حلم قصير جداً ؟

بينما كلاب الأرصفة تطاردك مزمجرة فى وجه الريح ،وأنت تتعثر فى أنفاسك الحبيسة داخل تابوت روحك، وغبار الشوارع يتناثر فى عينيك اللامعتين بالأتربة ، وأنت تسير فى طرقات مشبعة بالمطر ، الوحل ، والبرودة ،وعسكرى الدرك ،يجرجر امرأة ثملة ، تفوح من أصباغ وجهها رائحة الوجع0 

 هل رأيت إيزيس ، وهى تركض فوق حجارة الرصيف القديم ، أحياناً ، أمسك بها داخلى ، فتغمرنى أطياف نوارنية ، وتجتاحنى ألوان الطيف ، فأشعر أنى طفل يقفز من مياه البحر الثقيلة ، والغامقة ، فأركض صوب  مسارب روحها ، بنفسجة متوهجة بالضياء ، وعصفوراً يحلق فى فضاء ملون بأشعة عينيها بزهور الياسمين ، والفل ، وإيقاعات حالمة ، نرقص عليها كطيفين نورانيين 0

وإيزيس التى استيقظت ، ذات صباح بارد ، ومساحات شاسعة من الضباب ، سرقت قرص الشمس ، فلم تجدنى لتقول لى : بحبك موووووت! فلمست دمائى الطازجة فوق حافة الفجيعة ، فركضت صوب أطراف الكون ، وعبر مسافات معتمة ،  لتلملم أجزائى المقطعة فوق كور الثلج ، لتعيد تكوينى ، ثم تعِّمدنى فى شعاع عينيها ، وتمنحنى وجه الحياة ، وفرساً أصغى لصهيله فى الخلاء الواسع بلون الضياء0 ثم يترجل الطفل بداخلى ، ليقيم تحت جلدى مملكته بنكهة الصخب ، وفى قلب أشعة الشمس ، يتوارى ، مختبئاً ، قابضاً على بالونات ملونة بقوس قزح ، راكضاً وراء بقايا فقاعات مسحورة بالضحك ، ثم يتقافز من شرفات تطل على صباح بارد جداً ، فيسقط فى دوائر ملونة بأحلامى التى أحاول أن أقبض عليها ، فتراوغنى ، عبر أمسيات باردة ، وذكريات تائهة فى منحنيات مغموسة بمذاق العتمة ، وسراب تفاصيل صغيرة تراوغنى ، والطفل يمر عبر مسامات روحى مطارداً فراشات مفتونة بالنهر ، فروع السيسبان ، وأوراق البنفسج ، ومحلقة بأجنحتها المضيئة فى تجاعيد روحى ، فيطلق الطفل بالوناته ، أسراباً  فوق مروج الحلم ، أضواءً صغيرة ، ولامعة ، تذوب خجلاً0 

فلمحت المرأة ، وهى تزيح أكوام الأصباغ المبللة بدموعها ، ثم أخرجت من حقيبتها الصغيرة ، بضعة أوراق نقدية ، ودستها فى يد العسكرى الذى لانت قبضته الممسكة بها ، وهو يتوارى فى العتمة ، ماسحاً عن عينيه المطفأتين تلال من النعاس0 حلقت أسراب فراشاته ، صوب أفضية مغمورة بندف القطن ، خلف زوايا مغلولة ، لنجمات تنز ملحاً بفقاعات الوهم ، ثم نشرت أجنحتها الحبيسة عند حافة الكون ، فأحتضنتها قارعة الشتاء، وضلوع البرودة ، فسقطت أجنحتها ثملة فوق حافة شرفات العتمة ، وهى تنزف دماءً طازجة ، نازعة ملابسها ، فركض صوبها الطفل الخارج تواً من النهر، منتزعاً سهماً أسود مغروساً فى قلبها0

صرخت إيزيس عندما استيقظت ، ولم تجدنى لتقول لى : بحبك موووووت 0

أمسك بالسهم الأسود ، وراح يكسره ،  خرج معه ، قلبها الملون بزهور الفل 0

فتحى سعد0 مصر