- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- الزيارات: 3
كان جالسا على عتبة بيته المطل على الشارع العام، عندما مر الموكب على ناظريه، احد عشر حصانا مروا كالريح أفاد زوجته بصوت مسموع.. فضحكت أم إبراهيم متهكمة. مرت بضع سنين .. وفى يوم ما بعد موسم الجراد، كانت تحصى موكبا مارا يسابق الريح، خمس عشرة حصانا مروا يا أبا إبراهيم رحمة الله على روحك الطاهرة، تنهدت بحرقة وتبسمت مستهزئة على مشهد تكرر.!! **** كان موسم خير وحصاد عندما انتهى من ذرء قمحه ، ألجم حصانه وعاد أدراجه إلى البيت. تناول ما قسمه الله من نعيم وخيرات، ناموا جميعا يحلمون بصباح جميل مختلف، طال انتظارهم للصباح فقد أبت الشمس عن الشروق في ذاك اليوم ، خاف على حصانه فهرول يطمئن عليه ، تفاجأ بالسرج ملقى على الرمال ، وقد انطلق محطما بوابة الحظيرة.!! **** قرر لصوص الليل مهاجمة مزرعة زعيم البلدة بعد وفاته،مقتنعين بأحقيتهم بأملاكه الخاصة !، لم يكونوا من أقربائه، أو من ورثته الشرعيين، مستغلين ضعف ذريته الصغار، استولوا على أحصنته كلها وفروا. في الصباح الباكر اكتشف سائس الخيول الأمر، لم يفتعل أي جلبة، ولم يشتكى لدرك الوالي، انطلق بهدوء في أثرها متفائلا مطمئنا بحتمية إعادتها إلى حظيرتها، واثقا بنهاية مأساوية لمن سرقها فهي أحصنة ما تزال برية، لم تتعود السروج على ظهورها أبدا.!! .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: لمياء الالوسي
- الزيارات: 4
تحية طيبة ارسل لكم قصة مملكتان في قبو علها تنشر في موقعكم الجميل ارسلت في المرة السابقة ايميلي بشكل خاطيء وكان ذلك بسبب غلط مطبعي وارجو اعتماد عنواني اعلاه
لمياء الالوسي
قاصة من العراق
مملكتان في قبو !
--------------------
لمياء الآلوسي
..................
زخات المطر تغرقها برفيفها المنحاز لإنعاشها ، وملابسها الخفيفة التي أصبحت بلا لون تلتصق بجسدها ،
لسعة البرد اللذيذة هذه والرشقات المتتالية لمطر المساء ، تبعثرها مصابيح الشارع ،
وتلك المصابيح التي ينفرد بها المطر ، حُرَّاً متلاعباً بين انعطافات الأشجار والأبنية الصامتة ..
بكل ما فيها من حياة فرحت بهذه الحرية المبتسرة ، أرادت أن تُبقي ذكراها لكل سنوات عمرها القادمة ، إستخفها الفرح فتقدمت قليلاً عن مرافقيها ، نهرَها الرجل المفتول العضلات الذي يحاذيها ، فقصرت من وقع خطواتها على إسفلت ذلك الشارع الذي تمنت ألا ينتهي ..
منذ زمن بعيد ، نسيت أن للحياة دروباً طويلة عليها أن تسلكها ،
لكن ذلك الرجل الغاضب أبداً وقبل أن يُدخلها إلى هذا المكان ، أمرها أن تنزع فستانها ، امتنعت بشدة ، فمزَّقه وكومه بين قدميها ، تاركاً جسدها الفتي عارياً تماماً ، انحنت على جسدها تحميه ، وتحاول التقاط ما تبقى من ملابسها باشمئزاز هائل حزين ، ثم دفعها عبر باب حديد أغلقه دونها بقوة ،
ألغيت فرحتها المباغتة ، كان الظلام مطبقاً ، وكل شيء يبرعم فيها خوفاً ، تعلمت الإنتصار عليه كثيراً ، لكنها أيقنت هذه المرة أنها على أعتاب نزال من نوع آخر ، وربما لن تقاومه كثيرا ، لكنها رغم ذلك لن تبيح لهم انتهاك صمتها كثيرا ،
بعد أن فُتح ذلك الباب الحديدي ، لم يكن أمامها إلا خيار واحد هو أن تندفع إلى الداخل ، فارتطمت بجدار الغرفة ، وقبل أن تتبين مكانها الجديد ، أُغلق الباب وساد الظلام ، فتلمست طريقها جيداً ، بحثت عن التفاصيل ، مدت يديها في كل الإتجاهات ، فارتابت أن المكان قد لا يتسع إلا لجسدها !
أحست أن ذلك يحز رقبتها حزاً تسمعه ، فيملأها إحساس أنها تتحدى قوما مجهولين بلا ضمانات .
ستعتاد الظلام ، مدت ذراعيها مرة أخرى باحثة عن خبايا هذه الغرفة فارتطمت بشيء دائري وحنفية ، لم يكن في المكان شيء آخر ، لازالت رائحة المطر تزغرد على شعرها الذي تركوه هارباً من بين يديها فتناست أنهم يساومونها على عريها
ضحكت بمرارة : منذ سنوات وهي تخجل من جسدها النافر في مواضع عدة وأمها تزيد من تزيين فساتينها . كانت تقول
- يجب أن تخفي هذه الثورات العارمة في جسدك ، فالبيت مليء بالشباب ، إخوتك نعم ، لكن يبقى جسدك عورة !
تنقلت من زاوية إلى أخرى ، يلاحقها الخجل ، وعيون مخبأة في مكان ما ، تراقب عريها ,
فكرت : في أحيان كثيرة يكون جسد المرأة وخاصة في هكذا منزلقٍ عقوبة أخرى تضاف لها !
ارتجفت لصوت الباب الحديدي يفتح من جديد ، أرادت أن تبتعد عن مجال الرؤية فقرفصت محتمية بالجدار ، لكن مع توسع فرجة الباب تدفق الضوء إلى الداخل
خانتها ساقاها وتمنت في تلك اللحظة لو تبقى امتدادات الظلام وكل خباياه في حياتها ، لا تفارقها أبداً ،
تدثرت في شعرها الطويل ، تخبئ به جسدها ، تمنت لو تكون لها ألف يد ،تتسع لتصبح ثوباً فضفاضاً تسدله وقت تشاء على جسدها كله !
لكنها دفنت وجهها بين ساقيها وتكورت حتى تلاشت في جسدها الأبيض الناحل
اقتحمت رائحتُهُ المكان ..
ارتطم بجسدها الناعم , يتكور مرتجفا ،عند ذلك يسمع نهنهة بكاء ناعم ...
أجفل وتراجع إلى الوراء ، ولكن ليس بعيداً فحدود الغرفة لا تتجاوز حدود جسديهما
في تلك اللحظة عندما تلامسا .. أدرك حدود المحنة التي تورط بها
في ذلك المكان ، ورغم أن كلاًّ منهما يتحرك محاولاً الإنكفاء والتقلص ، كلاهما بدأ يغرز رأسه في جسده ، فكل حركة تنم عن أحدهما يجفل الآخر لها ، إذ أن ضيق المكان يجعلهما يلتصقان ببعضهما كلما حاولا الإبتعاد ،
كان لحضورها القلق معه ، شفق من الصدق والإنتماء ، رغم أنه انتابته خشية عابرة من أن تستيقط لديه أجراس ما في أغواره الطينية المجهولة والتي تعلم بشكلٍ حسنٍ أن يدحرها بعيداً
بعد زمن حسبته دهراً ، عندما فكت التحام جسدها حول ساقيها ، تداخلت أمامها الرؤى ، ولكنها هذه المرة وبعد لمحات من الصحو والحياة ، تلاشت إلى أبعد نقطة في كبريائها
رأته , كان يجلس في البقعة المتبقية من الغرفة أمامها ملتصقة ساقه بساقها ، وأنفاسه قريبة من أنفاسها
لكنه كان يجلس , كما فعلت , مقرفصاً متداخلا ًغامداً وجهه بين ساقيه العاريتين .
مر الوقت طويلاً قبل أن يتمكن من أن يسألها : منذ متى وأنت هنا ؟؟
تمنى أن يجعلها تركن إليه ولا تخشاه
كل منهما أراد أن يعرف لمَ جيءَ به إلى هنا ؟ ولماذا ؟ ما الذي يدعوهم لوضعهما معاً في هذا المكان العجيب ؟ تُسلط عليهما الأضواء هكذا ، لكن الأسئلة خبئت وما عاد لها معنى ، ليس مهماً الآن مَن هؤلاء ، بل المهم الخروج من الهوة .
تماسك صوته قليلا ، لم ينتظر إجابتها على سؤاله ، الذي بدا عائماً بلا قرار ، أي معنى للزمن !! وكل الأشياء غدت هلامية بلا امتداد .
- منذ زمن .... هنا ..... كنت قبلك !
كان الباب المغلق أبداً مزوداً بفتحة ضيقة من الأسفل تسمح لمرور صحن الطعام لثلاث مرات قي اليوم ، ثلاث مرات غدت مواقيت أيامهما معاً ، منها يعرفان أن الوقت يمر والأيام تترى ... أما الزمن بدون هذه المواقيت فلقد أصبح لهما معا ، كان يبقي لها كل وجبات الطعام المقدمة إليهما .
لكنه بمرور الوقت عرف أنها هي أيضا ، كانت تبقي له معظم حصتها من الطعام
فرغم سنواته الفتية ، إلا انه أحس أن هذه الفتاة هي كل ما يملك ، كل ما يمكنه الحفاظ عليه ، بل أحس للحظات أنها جزء منه ، أرادها أن تأمنه ، أن يجعلها تتجاوز عريها أمامه .
حاول أن يكلمها , أن يمد نسمةً من الألفة بينهما
لكنه .. . ورغم هذا الإحساس بالثقة ، كان يعي تماماً ، هذا الخوف الممتد بينهما , هذا الإحراج ، منها .. منه ... صوته مدها بشجاعة مضافة ، جعلها ترفع رأسها قليلا ً
فالتقت عيناهما ، لأول مرة منذ حفنة الأيام التي مرت ، رأته بتلك السمرة التي افتقدتها الشمس
ابتسم لها ، أطرقت خجلى ، لأول مرة شيءٌ ما جعلها ، تريح جسدها قليلاً ، فبين جفنيه ، وعلى جبينه الأسمر ، تغلغل عالم من عواصف هائلة , إمتدت بها إلى أرض لا تُحزَر بالمسافات .
بدون أن تعي انسابت دموعها ، فرغم ذلك الألق الحميمي الذي أحاط به كل واحد منهما صاحبه في تلك الغرفة غير المصدقة والعصية كسؤال ، فهما يعرفان أن هناك من ينتظر لحظة سقوطهما معا ، وربما راهنا على ما سيفعلانه لاحقا .. لكنهما كانا أيضا يراهنان على كبريائهما
- ِ يا ابنة العم !
سحقتها تلك العبارة فبكت بعنف كأنها بين ذراعي أمها ، فامتدت كفه تربت على رأسها , أجفلت ... رفعت وجهها إليه ، فرأت دموعه تنساب على وجنتيه كبلور ذائب , دنت منه أكثر ثم ربتت هي الأخرى على كفه بحنوٍّ يشي بارتباك مع ذلك , إنها تواسيه ،
وكلاهما أكبر من كل المواساة ,
هؤلاء القساة لا يدركون أنَّ الأسى خيمة بحجم السديم ، وأن لحظات الحلم خارج هذا السديم هي ما يدفع الكائن للإبقاء على رجاء ، وإن كان بلا ملامح ؟
ضحكا بقوة ربما ليزيحا هذه الغلالة من البَهَت ...
قليلة هي المرات التي كانت ترفع بها رأسها ، لكنه كان يعرف أنها تريد أن تتحرك قليلا ، فكان يغمد وجهه في الجدار خلفه ، ويترك لها تلك المساحة الصغيرة المتبقية ، تمتلكها لوحدها ، تفعل بها ما تشاء ، وكأن بينهما جداراً إسمنتياً
حتى انه ذات مرة سمعها تترنم بأغنية تراثية قديمة ، بل سمع وقع خطواتها المحدودة على الأرض ، وكأنها تتهادى راقصة على أنغام موسيقى تسمعها هي لوحدها فأحس مع ذلك بأنه سمعها معها !
وبمرور الوقت وبمجرد أن يرفع رأسه لبرهةٍ تدير جسدها هي الأخرى إلى جهة الجدار ، عندها يمتد ذلك الجدار الإسمنتي بينهما من جديد ، فتمنحه ذلك الإمتداد الذي يتسع له الكون كله ،
قال لها ذات يوم : في قريتنا البعيدة والمنسية على إحدى ضفاف الفرات ، كانت بيوتنا الطينية تضاء بمصابيح خافته ، وكانت الليالي الشتوية طويلة جداً ، لكن هناك في الجوار امرأة لها طريقة غريبة في قص الحكايات ، كانت تحمل فانوسها وقدرتها على تحريك كل جزء من وجهها ، لتجعل للحكايات نكهة خاصة ، فكنا نتحلق حولها ، وفي الغالب كان لحكاياتها طعم السحر ، فماهي إلا لحظات ونكون في عالم آخر ، صنعته هي لنا ، وكنا نصدقها بكل ما فينا من طفولة وطيبة ، ثم نفيق في ذلك الليل ، لنحمل لها فانوسها ، وما تجود به الوالدة عليها ، فنتدحرج معها عبر ذلك الزقاق الموحش ، ونعود نتقافز خوفا ورهبة ، لكن سحر الحكايات يبقى حتى في أحلامنا
ضحك : لم يكن في حينها تلفزيون في بيتنا ، فكانت تلك المرأة نافذتنا إلى العالم الممتد بعيداً ، كان لنا صديق اسمه حسين النمنم وامرأة متوحشة لكنها عامرة بالحب يسمونها السعلوة ورجل طافح بالفرح اسمه فرج الأقرع يمتطي صهوة خيول القرية ويشرب حليب أبقارها ويسخر من شجعانها
بدت متحيرة تتلفت حولها تبحث عن إرث لأيامها فلا تجد إلا إرث الكتب والتلفزيون .
منذ ذلك الحين صارت أوقاتهما تزجى بالحكايات الممهورة بالدفء والذكريات , نسي كل منهما عالمه الذي شكّل خلاياه وكيانه الروحي والمادي فصارا غارقَين في عالم جديد عاشاه معا .
تلك الحكايات التي لن ينتبه لها سارقو الفرح من قلوب وأصابع الناس والأشياء ، أغنياتُ الأمل المبهجة بالنسبة لهم كعملة تقادم عهدها ، هؤلاء المنبسطون كسطح صفيح ، كيف ترجوهم أو تدعو عليهم وهم السجناء فعلا لا أنت ؟
إلتفتَ الإثنان لبعضهما , خامرهما إدراك خاص وبرّاق بأنهما تجاوزا هذا الإحراج الممض وأنهما عرفا أن كل ما مر بهما كان تحدياً بهياً , وكمملكتين من الجمال , زادهما التصاقا .
***********
بعد أيام طويلة فتح الباب الحديدي ذات صباح ، لأول مرة منذ أن أوصد ذلك اليوم ، فالتجأت إليه دون وعيٍ منها ، فجعلها وراء ظهره ، لكنهم هذه المرة القوا عليهما بقطعتي قماش ولم يُغلق الباب ، إنفلتت مبتعدة عنه ، وأحاطت على عجل جسدَها العاري بإحدى قطعتي القماش ,
وقفا متقابلين وقد غدا دثارهما يغطي جسديهما تماماً ، وثمة امتداد من الفرح المباغت رسا عند روحيهما او قُلْ روحِهما !
عندما تلقفها الشارع هذه المرة كان ثمة هلالٌ بدا كابتسامة حبيب , يا للعجب , إنه الهلال ذاته الذي بدا لها بفضائه , بحمرته , بشكلهِ , بسخاء ضيائه وهو يريقه في ليالي التأمل الماضية أشبهَ بجرح يجهل الإلتئام ، إنه الآن يطلُّ عليها من بعيد كابتسامة مطمئنة ، فأغمضت عينيها على حدسٍ شيِّقٍ أن يجتمعا معاً في مساء وشيك , ليتعانقا , لينظرا الى تلك الأقبية وهي تغورَ في أقبيتها !
*************************************************************
- التفاصيل
- كتب بواسطة: هناء الجلبي
- الزيارات: 5
(( كونوا معي ومشاكل ))
(هذا العصر )
عنما تطلب من البالغين بان يسردُ أيام طفولتهم تجدهم يتكلمون عن ذكريات جميلة ومرحة قضوها في طفولتهم. هذا عند البعض والبعض الأخر تجد في حياتهم الشقاء واليأس ولدة مع ولادتهم لترافقهم الى اللحدِ فأن الطفل في حد ذاتهِ يكن أتكالياً يعتمد على الأخرين سواءً في البيت أو المدرسة وذلك لأشباع حاجتهِ من الرعاية الخاصة ويكن لهذا وقت محدد من أعمارهم. هنا تكون التربية لها الدور الكبير في تعليم الطفل للأعتماد على نفسهِ وتعزيز ثقتهِ ولي تكوين شخصيتهِ حتى عندما يكبر يجد نفسهَ قوياً أمام مصاعب الحياة.
عندما قمتُ بزيارة أحدى المستشفيات المتخصصة للعلاج النفسي وذلك لمتطلبات روايتي الجديدة شاهدتُ عدد من الشباب في عمر الورود وهم يخضعون للعلاج في المستشفى ويختلف وسائل العلاج هنا من شخص لأخر مثل التنويم المغناطيسي أذاً تنويم المريض المستعصين بالعقاقير الطبية والتخدير العصبية أو بمساعدة المسكنات كالمدينال في جرعات تزيد على عشرة حبات يومياً يجعل المريض يفقد السيطرة على الوعي في الثحدث مع الطبيب. وفي الحالات التي تتطلب ضرورة القضاء على الأعراض المرضية الظاهرة على المريض وخفض التوتر الذي يشعر بهِ والألآم التي يعانيها تخفيف الجلسات من التنويم المغناطيسي وتخفيف تعاطي كمية كبيرة من العقاقير والصدمات الكهربائية لأحتفاظ بالعلاقة الشعورية بين الطبيب والمريض.
عندما توجهة الى العنبر رقم ( سبعة ) وجدتُ حالة المرضى في هذا العنبر لا تسمح بالتحاور معهم فساقتني قدماي الى مكان الأستراحة لبعض المرضة الذين هم أحسن حالة من السابقين. هنا قررتُ محاورتهم لمعرفة مشاكل هذا العصر ومساعدتهم على قدر الأمكان حتى ولو كانت مساعدة روحية فأن لستُ بطبيبة أخصائية ولا باحثة أجتماعية. فمن الغريب حقاً أن يكون الحديث الأنساني من طرف واحد والطرف الأخر مجرد مستمع. أن الغرض من الأحاديث العاطفية تخفيف الشحنة الأنفعالية ونقل الهموم والمتاعب الى شخص مخلص يتقاسم عبئاً مع المتكلم الذي ضاقت نفسهُ بالأنفراد. فكما يقال ( ويل للشجي من الخلي ).
تقدمتُ نحو أول شاب كان يجلس في ركن من الحديقة فسألته مستفسراً عن سبب وجوده هنا.
وبدأ الشلب ( ع ) يسرد قصة وجودهُ في هذا المكان.
كنتُ أعيش في عائلة متمكة من الناحية المادية. كان والدي ذو مركز كبير يلبي لي جميع متطلباتي المادية فقط كان يضن هذهِ هي التربية وكانت والدتي لا تهتم سوى بأعمال المنزل وأرضاء والدي. عندما كبرت أختارت لي العائلة زوجة المستقبل. لم أبدي أي رأي وكنتُ أعيشُ معها في حالة أستقرار الى أن صادفت الفتاة التي شعرت بها تشتاح قلبي شئ فشئ. عندما عندما أصبحتُ مديراُ للشعبة في أحد الدوائر الحكومية كانت هي موظفة بسيطة في الشعبة ذاتها وكانت في بداية الأمر تتجاهلني وترفض التعامل معي وكنتُ أنا أتهمها بالتمرد والغرور.لكن أتضحى لي أنها أنسانة بسيطة تجهل الكثير عن الحياة. كانت فتاة بائسة تفتقد الحب والرعاية. وتفتقد الثقة بأي رجل في العالم فقتربتُ منها أكثر فأكثر أصبحتُ أرافقها مثل ظلها الى أن نجحت في أرجاع ثقتها بالعالم وبلأخص تعزيز ثقتها بي أن. أصبحت تحبني ولا تستطيع فراقي كانت تخضع لجميع رغباتي مقابل نظرة حب مني أو لمسة حنان. الى أن جاء اليوم الذي أكتشفت فيهِ زوجتي بعلاقتي مع هذهِ الفتاة فهجرتني وغادرة حياتي مع اطفالي الثلاثة الذين كانوا هم أحلامي وأمالي في هذهِ الدنيا. من يومها أصبحتُ أقسي على الفتاة التي أحببتها بصدق وبكل جوارحي كنتُ أهينها و أطردها من حياتي فأصبحتُ أعيش في صراع داخلي بين قلبي الذي يرفض وبشدة تصرفاتي مع حبيبتي وبين عقلي الذي يشعرني بأنها كانت السبب في فقدان الأطفال الثلاثة الى أن أنتهى الحال بي هنا.
وبعد سماعي لقصة هذا الشاب أتجهتُ الى فتاة كانت براءت الدنيا تشعُ من عينيها وهي جالسة لوحدها تخاف حتى من ظلها. عندما أقتربتُ منها وسألتها عن أسمها أرتعشت وتراجعت بخطوات بعيدة عني. فأقتربتث أكثر ثم حاولت وبهدوء أن أحتضنها فسألتها ثانية عن أسمها وجعلتها تشعر بلأمان فنظرت الي بعينين تملأها الدموع وتوضح لي حكايات وقصص أجهلها. ثم أجابت الشابة ( ب ) معلنة عن أسمها وبهدء أكثر سألتها عن سبب وجودها هنا. أصبحت تنظر الي بنظرة طويلة وصامة وبعد تنهد عميق قالت لي أنا عشتُ حيات يتيمة الأبوين كان أخي الأكبر يتولى رعايتي وكانت زوجة أخي تهينني وتحبسني في البيت كي أقوم بأعمال المنزل وتربية الأطفال لها الى ان كبيروا أطفالها وأصبحوا يعتادون على أنفسهم قامت زوجة أخي بطردِ من المنزل وهكذا بدئتُ أبحث عن عمل لي كي لا أحتاج الى أحد. واخيراً وبعد جهد كبير وجدة عملاً لي في أحد الشركات التجارية وليتني لم أجدها. قالت هذهِ الكلمات وهي منهارة تغرقها دموعها. فأقتربتُ منها ثانية أحاول أن أجفف من دموعها وأهدء من روعها. وبعد ذلك بدأت اسرد من جديد.
بعد سنة من عملي كموظفة في الشركة ذاتها تعرفت بأحد من منتسبيه كان حنون جداً معي ويهتم بي مصالحي ويحافظ على حقوقي فوجدت فيهِ حنان الأب الذي فقدتهُ منذُ طفولتي ووجدتُ فيهِ فتى للأحلامي أحببتهُ حب فتاة ثائرة تبحث عن الأمان والأستقرار فستمريتُ معهُ وهو أيضاً كان يضهر لي الحب ويشجعني على ذلك. كان بنظري الأنسان الأمين الذي كنتُ أبحث عنهُ طوال حياتي أصبحتُ أثق بهِ وأرافقهُ الى كل مكان حتى أكتشفت بأنهُ كان يمثل الحب والطهر علي حين تفاجعتُ بهِ عندما قال لي وبصراحة واضحة بأني لأنفعه كزوجة ولا حتى كعشيقة لأنني فتاة بائسة لا يستطيع أشباع رغباته بي وكل وقاحة طلب مني أن أجد لهُ عشيقة تستطيع منحه ما يرغب به مقابل مبلغ من المال وهكذا كانت الصدمة قوية جداً علي ولن أستطيع التغلب عليها الى وجدتُ نفسي في هذا المكان.
تألمتُ كثيراً عن ما سمعته من هذهِ الفتاة وعلى شبابنا المثقفين الذين تحولوا الى ذئاب بشرية.
ثم توجهت بعد ذلك الى الشابة ( س ) كانت تحدث نفسها وتكرر جملة مَن أنا في هذا العالم. أين أنا في المجتمع. أقتربتُ منها وأنا توضيحاً لهذهِ الجملة التي ترددها. أجابتني بسرد حكايتها علي.
أنا أحمل شهادة البكلوريوس لكن وللاسف لم أجد العمل في هذا البلد كي أستطيع أنقاذ والدتي وأخوتي من الذل الذي يعيشونها في ظل هذهِ الظروف القاسية. هجرنا والدي فتركنا ونحنو أطفال صغار نرضع الهموم من صدر أمي ونكتسي الشقاء والحرمان من قساوة الزمان. بعد أن تركنا والدي لم تجد والدتي مََِن ينفق علينا وهكذا بقينا نعاني من الحرمان الأبوي بالأضافة الى حرماننا من كل تلك الأشياء التي يحق لكل فرد أن يتمتع بها في هذا الكون أما أمي فغلبها اليأس وتمكن منها فلم تستطيع مقاومتهِوهكذا حولت الشقة البسيطة التي كانت تضمنا بحب وأستقرار الى نادي ليلي يجتمع فيها أصحاب العلاقات المشبوهة التي كانت تحدث في الظل وكانوا أخوتي ضحايا هذهِ الضروف. لكني هجرتً هذا المنزل فعملتُ كخادمة في أحدى المنازل كي أستطيع أواصل دراستي بشرف وأحقق حلمي بأنقاذ أهلي من هذهِ الحياة البائسة ولكن للأسف بعد ان حصلتُ على الشهادة لم أتمكن من العمل مثل بقية الخريجين بسبب سمعة عائلتي فالكل يرفض التعامل معي واصبحتُ أتجول في الشوارع من المشرق حتى المغرب بدون جدوى حتى تمكن اليأس مني أيضاً وبدأت أفكر بالأنتحار. ثم وجدتُ نفسي هنا وأتسأل مَن أنا في هذا العالم الغريب ولماذا خلقت.
أنها تتسائل عن سبب وجودها ومكانتها في المجتمع فميئات من الشباب العاطلين عن العمل في هذا البلد يواجهون نفس هذهِ المشكلة ويتسائلون عن السبب فا هذا أبسط حقوقهم. وبعد ذلك تمشيت قليلاً في هذا المكان وأنا شاردة الذهن أفكر في حل هذهِ المشكلة التي تواجه شبابنا.
حتى تقابلتُ وجهاً لوجه مع الشاب ( ن ) كان يبتسم لي والدموع تبرق في عينيهِ ابتسمتُ له أيضاً وسألته عن الذي أت بهِ الى هنا. أجابني.
- أنتم.
- نحنُ!؟
- نعم أنتم.
- أذن قل لي ماهي قصتك؟
- كنتُ الولد الوحيد لأبوي وكانوا فرحين بي فرحة الدنيا بجمالها. ولكن لم تتم هذهِ الفرحة هندما بلغة الخامسة من عمري توفيه والدي بحادث مؤسف وبقيتُ انا ووالدتي وحيدين في هذا الزمان كانت تخبئني تحت اجنحتها مثلما تعمل الدجاجة بصغارها لتحميها من القطط والكلاب السائبة. كانت دائماً توصيني بالعلم لتضمن لي المستقبل التي تتمناها كل ام لأبنها الوحيد لكن هذا أيضاً لم يدم عندما كنتُ طالباً في الثانوية العامة توفيت والدتي بمرض خطير أصبحتُ انا أيضاً بعدها انسناً ميتاً أعيش بلا هدف فخسرتُ دراستي وأصبحتُ أسهر حتى الصباح مع اصدقاء السوء ثم بدئت أشرب وادمنت عليهِ حتى تعرفت في يوم من اليام بالفتاة التي أنقذتني من هذهِ الحياة كانت مكلة باصلاح وضعي كا باحثة أجتماعية فاحببتها مثل ما كنتُ احب امي التي لم أحب أحد مثلهخا من قبل ولأجلها تركتُ كل شي يسئ لي ولها. كانت تنصحني وتخاف علي مثل ما كنت والدتي وتشجعني على الدراسة وبسببها عدتُ الى دراستي أنها خلقت مني أسانا جديداً كما كانت تتمناني رهي ووالدتي. فبعد كل هذا قتلتها!! نعم قتلتها بيدي.
فهنا تحولت حالتهُ في هذهِ اللحضة الى حالة هستيرية. بدأت أهدء فيهِ ثم سألته بهدوء.
- لماذا قتلتها؟
- كان يجب علي أن أمنعها من الأرطباط بغيري. أنها كانت ملكِ أنا... أنا وحدي أحببتها ومن أجلها هجرتُ عالمي واصدقائي نعم هي الوحيدة التي نجحت بقتل اليائس في داخلي.
- أتقتل مَن يقتل اليائس فيك؟
- لم أقتلها هي بل ذبحتُ قلبها الذي رفض حبي هي نجحت بأمتلاك قلبي وأنا فشلت بأمتلاك قلبها. قالت لي بأنها مرطبطة بعلاقة عاطفية مع أبن عمها وهي لا تملاك أي أحساس أو مشاعر تجاهي سوى الأخوى الصادقة. فقتلتها نعم قتلتها ثم جلست قرب جثتها أبكي عليها وأصرخ صراخاً هستيرياً حتى وجدتُ نفسي هنا.
وعلى هذا الساس تتضح المشاكل. فالمشكلة هي مشكلة كل بيت ينمو فيهِ الطفل وبعد ذلك مشكلة كل مدرسة يتعلم فيهِ الطفل بعد مرحلة النمو وبالتالي مشكلة الدولة التي لا يمكن لها تطبيق العدالة والحرية والصدق والحب. فنحن هكذا نعيش في وسط هائل من الأمواج المتخبطة فينا. هناك مَن لا يستطيع مقاومتهِ ويغرق فيهِ ومن يعيش متخبطاً بهِ ومَن يقاوم ويصمط كي يعيش بسلام.
بعد مغادرتي المستشفى خرجتُ الى الشارع وفوجئةُ برجل وهو يقود سيارتهِ الأنيقة يحاول أيقاع ضحية بريئة في شباكة!
قلتُ في نفسي ( ما هذهِ الدنيا ألا مسرحُ للمجانيين)
هناء الجلبي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد العرفي
- الزيارات: 5
يحدث كل نهار محمّد العرَفي قبل الفجر بقليل كانت المآذن تردد كلاما واحدا فيرجع الصدى شجيا بقرآن مفهوم كان متمازجا ومرتفعا في المرة الأولى؛ لم تلتقطه أذني صابر الذي عاود النوم مرة أخرى حتى يعم الصمت فيعلم أن ميعاد الصلاة قد حان، قام صابر متمهلا حتى لا يدوس أحداً من أولاده الذين تكوموا على الأرض ومن المسجد المجاور للمقابر التي يقطن بها كان صوت الشيخ عبد الحميد متحشرجا في الأذان كأنه قد استيقظ للتو من نومه هو الآخر. بعد أن ألقى نظرة بائسة على زوجته التي تحتل مساحة كبيرة من السرير، تناول جلبابه ووضعه على كتفه ثم خرج من الغرفة مستنشقا هواء الصباح قبل أن يزاحمه أحد من البشر الأحياء، أما الأموات فكانوا خير جيران فلا يسمع ضجيجهم ولا يؤذونه في شيء ولهذا يحترمهم جميعا ويلقي السلام عليهم واحدا واحدا عندما يخرج من بيته، ويعدل الأواني التي زُرع بها الصبار أمام قبورهم. أقرب الجيران هو المرحوم عبد الله مكاوي الذي يقيم معهم في مقبرة بنفس الغرفة، وبعد أن يصعد السلم على اليمين المرحوم الحاج سعيد أبو الوفا وولده محمود، وعلى اليسار في طريق الخروج ينتظره حماره الذي أسماه رزق، هذا الحمار يمثل جُل ثروته البسيطة ؛ اشتراه قبل سنوات ومنذ لك الحين وهو يعتمد على رزق في كل شيء، يجر عربة الفول في الصباح وقد يؤجره في بعض المهام الشاقة في المساء. منذ عدة أشهر كانت تراوده فكرة الزواج على صابرين زوجته وأم أولاده السبعة، رغم كل الوفاء والصبر على الحياة المتقشفة التي تحياها معه ، فلم تعد تلك المرأه التي تزوجها منذ سنوات فقد أصبحت ممتلئة الجسم، بطيئة الحركة، تتهادى في مشيتها مثل الفيل كما يسميها، وينظر إليها شذرا كلما رآها، إلا أن ضيق ذات اليد هو الذي منعه من هذا الأمر. في الطريق من المقبرة إلى مقلب القمامة المجاور كان قد ارتدى جلبابه واسع الأكمام، ومشط الطريق الخالي من الناس والكائنات إلا بعض الكلاب الضالة التي لم تجد مأوى غير الشارع البعيد على أطراف المدينة وما أن اقترب من المكان حتى عمت رائحته الكريهة، في باديء الأمر عندما عمل في هذه المهنة لم يكن يطيق هذه الرائحة المنفرة، وما هي إلا أيام حتى اعتاد عليها وأصبحت جزءا من أنفه و جلبابه وملابسه. هذا السور الكبير والفضاء الواسع تُلقي به المدينة قاذوراتها وتتخلص من كل ما يؤرقها ويقلل أبهتها، أما صابر فيمثل هذا المكان البشع مصدر رزقه كما يمثل مصدر رزق العديد من أصدقائه، الذين اقتسموه بينهم. أحدهم يجمع البلاستيك الذي تحتويه القمامة ليتم تقطيعه وصهره في مصانع خاصة بهذا الأمر، وآخر يجمع الورق والكارتون وآخر للخردوات. بجوار الحائط الذي أوشك اللون الأسود أن ينهش ما بداخله، جمع صابر القمامة في حفرة كبيرة وأشعلها، ثم وضع قِدرا كبيرا بداخله كمية من الماء يتم تدميس الفول به، وجلس بجوار النار حتى يتخلص من برد الصباح الذي تخلل إلى عظامه ومن بعيد سمع المشاجرات اليومية التي تتم بين علي والحاج سيد بسبب بعض المقتنيات النفيثة التي وجدوها داخل القمامة، في المرة الأخيرة التي تشاجروا فيها قام علي بنطح الحاج سيد من أجل ملعقة وجدوها. يعلم صابر جيدا أن الحاج سيد سوف يعض عليّ أخذاً بالثأر هذا اليوم من أجل أحد الأواني أو الحبال البالية، لذا لم يتحرك من مكانه، وما هي إلا لحظات حتى أتى عليّ والحاج سيد وجلسوا بجواره، فأشعل لهما سيجارة من النار التي تضطرم أمامه وجعلهم يقتسموها وكأن شيئا لم يكن! لم يكن يملىء ذهنه شيئا غير فكرة الزواج من امرأة لا تشبه صابرين ولا تمت لها بصلة، فكر في ابنة الحاج سيد، فهي جميلة ووالدها سيوافق على الفور للصداقة التي بينهما، ولكن من أين له بمهر ومسكن لزوجته الجديدة وهو لا يملك شيئا سوى الحمارالذي يعتمد عليه لتوفير المال لأسرته، وبعد الكثير من المداولات داخل جمجمته التي تغلي قرر أن يبيع رزق وبعد ذلك يحاول تدبير بقية التكاليف مهما كلفه الأمر. في صباح اليوم التالي استيقظ من نومه، محكماً خطته الجديدة، فرحا بزواجه المقبل حتى فوجيء بموت رزق دون أي سابق إنذار أو إشارة مرض فشعر بمرارة شديدة وخيبة أمل ولكنه سرعان ما عاد ليتفقد زوجته وأولاده. وما هي إلا ساعات كان صابر يجوب شوارع المدينة يجر عربته الخشبية الخضراء مستويا عليها القِدر مناديا بحسرة: الفووووول!!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نوزاد جعدان
- الزيارات: 3
لقد سرق اللص اليوم آخر أصدقائه, وبقي عامر وحيدا, فعامر كهل بلغ من العمر أرذله ماتت زوجته منذ عشرين عاما ولم تنجب له أولادا لذا بقي وحيدا في حياته, وخاصة بعد أن تم سرقة آخر أصدقائه ..
أهداه الله عيونا ضعيفة البصر كي لا يرى خطايا جيرانه في سرقاتهم له وضحكات أبنائهم وهم يسترقون النظر إليه لحظة تناوله الطعام ..
كانت بشرة عامر سوداء على العكس من قلبه وعلى وجهه مرسومة خطوط وألوان تحكي مئات القصص, فآه من حكايا الوجوه..
القبعة لا تبرح رأس عامر و كأس المتة لا يفارق يديه, وبعد أن تم سرقة صديقه أخذ عامر يهاب من كل شيء فعندما داعب زفيف الرياح الباب ظنها طبلة السارق وعند سماعه حفيف الأشجار ظنها سيمفونية السارق, تمنى في تلك اللحظة بعد هذه المشاهد المرعبة أن ينزل القمر إلى الأرض وأن يضيء كل ظلمة..
أصبح عامر حذرا من كل شيء ومن كل صوت ونظره الضعيف دائما إلى الباب خشية زيارة السارق الوحيدة, كان يخشى من هذا الضيف الذي يبدو خفيف الظل إلا أنه ثقيل ثقيل , فزيارته وحيدة ونهائية ..
في ليلة اشتدت فيه الرياح وهي تصفع النوافذ والأبواب والسماء تتجشأ على سطح بيته تذكر عامر طفولته ووالدته توقظه ليتوجه إلى المدرسة ثم تقبله و تضع له زاده في حقيبته القماشية ثم تذكر والده وهو يمسك يديه مصطحبا إياه في نزهة إلى كروم العنب , تذكر عامر أيام لقاءه بحبيبته عند عدوة الوادي سرا وهو شاب يمطر رجولة, تذكر أصدقاءه الذين تم سرقتهم وكيف كانت آمالهم وطموحاتهم ثم تحولت لمجرد رماد, وكلما كان يغرق في ذكرياته التي كانت تبدو له دمعة تسقط على راحتيه محاولا إرجاعه لعينيه إلا أنها تتناثر في كفه فهيهات عودتها كان يوقظه صفعات الريح على الباب التي تجعل عامرا يقف على قدميه المتعبتين من هذا المساء المتعب..
نظر عامر من النافذة إلى الخارج ويئس من الأشجار العريانة فآه من الأشجار العريانة, تشاءم وجلس بالقرب من الباب محدقا فيه طويلا وهو يعلم جيدا أن السارق سيأتي من الباب المغلق بإحكام وبدأ يتخيل شكل السارق هل هو أبيض اللون أم أسود ؟.. هل هو نحيل أم بدين؟!..مرعب أم بسيط , يسرق بلطف أم بخشونة, وعندما كان يخمن ويفحص الاحتمالات لم يشعر إلا بشيء يقفز من النافذة يسلب نوره..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد صالح رجب
- الزيارات: 4
آخر مرة
( قصة قصيرة بقلم : محمد صالح رجب)
كل شيء كان على حاله .." التورتة " وقد غرس فيها أربع شمعات ، الزينة التي تبطن أرجاء المكان ، الإضاءة الخافتة.. كل شيء كما كان منذ ساعات عدة إلا هي ..
أخذت تجوب المنزل ذهابا وإيابا ، تارة تشد أسارير وجهها ,وأخرى تصك إحدى يديها في باطن الأخرى كما لوكانمت تتوعد شخصا ما .. كآبة موحشة تغلغلت بين جوانحها ، نار ملتهبة اضطرمت في صدرها ، شعور بالحنق سيطر عليها ..
نظرت إلى الساعة ، لقد تعدت التاسعة ـ مساءً ـ ولم يعد حتى الآن ، بل أنه لم يكلف نفسه ويرفع سماعة التليفون ويتصل بها .. لم يتملكها إحساس بالضعف والدونية مثلما هي عليه الآن ، كانت تشعر أنها كما لو كانت قطعة أثاث كتلك المنتشرة بين ربوع المنزل .
انزوت إلى أحد الأركان ، جلست القرفصاء .. كانت كالتائهة ، تتلفت كمن يبحث عن شيء ما ، احتضنت ساقيها بين ذراعيها .. جالت بعينيها المكان ، لم تر إلا صورا لأشباح .. غربة تأصلت في أعماقها ، استحضرت صورة أمها وكأنها تشير إليها بأصابع الاتهام .. عندما كانت تشكو لها تأخره ، كانت تختلق لها الأعذار كما كانت تفعل من قبل مع أبيها .. لكنها سرعان ما عاودت تلقي اللوم على نفسها فهي ـ وليست أمها ـ التي كانت تقابل أعذاره دائما بابتسامة ، بل وتترك نفسها لكلماته تنساب إلى أغوارها ، حتى إذا ما فرغ تفتعل حدة مدللة : لا تأخذني بكلامك المعسول هذا ـ أعمل حسابك ـ هذه آخرة مرة تتأخر فيها ولن أقبل منك أي عذر بعد الآن ..
ويذوب تحذيرها وسط كلماته العذبة التي يغدق بها عليها .. لكن .. لن يحدث ذلك هذه المرة .. ـ هكذا همست لنفسها ـ .. تخثر بداخلها شعور بالتمرد تراكمت رواسبه عبر السنوات الأربع التي قضتها معه ، أطرقت برأسها تفكر .. كانت لاتدري ماذا تفعل تحديدا ؟! لكنها كانت مصرة على أن تفعل شيء ما ..
انتبهت إلى صرير الباب وزوجها يدخل ، استجمعت قواها ، شحنت نفسها ، ونهضت واقفة في شموخ مصطنع ..شعر أنه تأخر أكثر مما ينبغي ، خمن ما يمكن أن يحدث فأسرع بتقديم هديته ، وكلماته الرقيقة تنساب رقراقة كجداول الماء ، فتح الهدية ثم قدمها : كل عام وأنت بخير .. منذ عرفت أنها أعجبتك صممت أن أشتريها لك حتى لوكانت في المريخ ..
خافت أن تفضحها ابتسامتها هذه المرة أيضا ، تماسكت في تحد وإصرار ، لكنها لم تستطع أن تبتعد في ذلك كثيرا ، فقد راحت كلماته تزيل كل العوائق التي وضعتها ، وتحلق بها في عالم آخر، بعيدا عن عالم الماديات ، ولم تشعر إلا بشفتيها وهي تنفرج عن ابتسامتها المعتادة وهي تردد :أنا سوف أعتبرها آخر مرة ، ولن أقبل منك أي أعذار بعدها ..
( تمت )
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالصمد زيبار
- الزيارات: 5
استبطأ مجيئه الأخير,
فأخذ فرشاته ليرسم قطرات ندى الصباح تلامس نورسا جريحا فوق حبات رمال تلاعبها الرياح,فشرد ذهنه وهو يطل من الشرفة مواقعا بصره على أطفال يبنون قصرا من عجين
كسر شروده السائح صوت مناد من خلف الباب الحديدي, إذا به السجان يوافيه بإذن الانصراف.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رباب كساب
- الزيارات: 4
ذات مساء
تسللت رائحة القهوة إليّ فأرسل عبقها لعقلي إشارات نبهته ، كما نبهت حواسي لتلك المتعة المنتظرة حين تتلامس رشفات القهوة وفمي .
تلك المرة فشلت في الحصول على البُن الذي أحبه ، تكاسلت كالعادة فأحضروا لي ما وجدوه فما كان مني إلا أن نطقت بعبارات الشكر غير شاكرة .
وحدي في شرفتي ، وفنجان قهوتي ، وذلك الكتاب الذي انتقيته من بين عشرات ينتظرون دورهم في القراءة .
لم تتبدد حالة السأم ، ولم تنعشني قهوتي .
رنوت ببصري بعيدا حيث السماء الفسيحة ، لازال قرص الشمس يشغلها ، أحمره البرتقالي ينذر بأفوله ، لكني أتعلق بنورها .
يعشقون سكون الليل ، وأهوى صخب النهار .
استمرت مناجاتي للشمس حتى غربت في خلفية للوحة باهرة الحسن ، ناطقة أركانها بالجمال ، تصاحبها موسيقى تنطلق من كل شيء ، موسيقى الطبيعة الساحرة .
رنّ جرس الهاتف ، أيقظني لأُخرج كياني من تلك اللوحة التي كنت جزءاً رئيسيا منها .
استمعت لمحدثي ، كانت أختي ، اختارت هذا الوقت لتثرثر ، تركتها تثرثر وتباينت ردودي عليها بين آه ، أيوة ، فعلا ، كان لازم .........
دون أن أزيد ، أو أفتح أية موضوعات ، كانت بي رغبة للحاق بلوحتي ، واحتلال مكاني قبل أن يشغله غيري .
عقد النجوم التي أظهرها الظلام كان تاجا في مفرق شعري ، أغلقت الهاتف لأعدو نحو الشرفة استحضر ما فاتني ، وأتواصل من جديد .
تنادي عليّ واحدة من الجارات التفت إليها ، طلبت مني أن ألملم غسيلي حتى يتثنى لها نشر غسيلها ، تنشر أو لا تنشر ، ماذا يفعل إذن مجفف غسالتها ؟!!
قلت لها : حاضر .
عدت حيث تركتني .
نور المصباح المتراقص على صفحات الكتاب زادها صفرة وزادني ابتعادا ، لم يكن كشمسي يضيء نورها كل شيء حتى الصفحات المصفرة .
عادت الجارة تنادي ، في تلك المرة كانت تستأذني لتجلس معي قليلا .
أعلم أن جلساتها غير قصيرة ، فهي تطول ، وتطول ولا ينهيها إلا رؤيتها لزوجها من الشرفة عائدا ، أو حين تسمع دبيب خطواته على السلم .
مرات كنت أجلس معها وأدعو الله في سري أن يعود زوجها بين لحظة وأخرى ولكن دون فائدة ، من الواضح أنه يعلم مصيره فيبتعد قدر الإمكان .
هي سيدة طيبة لا أنكر ، لكنها خاوية جدا ، لا تجمعني بها أية هموم مشتركة .
تشكو دائما وحدتها ، وغياب زوجها ، وحرمانها من الأطفال ، وكان هذا سببا في أني لا أردها رغم ضيقي بحديثها .
لم يعد الزوج ، أوشك الليل الانتصاف ، ترجمت ضيقي لموجات تثاؤب متعاقبة ، لكنها لم تحس ولم تشعر بالوقت الذي كنت أحصيه بالثانية ، متسمعة فيه دبيب أية خطوات علها تكون خطواته فتهب واقفة وهي تقول : لازم أمشي محمد جه .
الكتاب إلى جواري لم تتحرك صفحته العاشرة .
في الثانية عشرة ودقيقة واحدة قدم محمد لينقذني ، أغلقت الباب خلفها ، ودخلت إلى الحمام مسرعة .
نزعت عني ملابسي ، تركت الماء يعبث بجسدي ،يفك أسره ،ينعش خلاياه المتيبسة .
شعرت بانتعاش غريب ،ورغبة بالطعام ،رغم أن موعد عشائي قد مر عليه ساعات .
تركت شعري المبلل على ظهري دون تمشيط أو تجفيف ، أعددت كوب شاي وجلست إلى كتابي ، صفحة الكتاب العاشرة انتقلت للخمسين .
جاءني صوته من ماضٍ بعيد يسألني عني ، لم أنسه يوما ، ولم يمض يوم إلا وكان معي .
امتزج وبطل الكتاب الذي كان يردد لمحبوبته كثيرا من كلامه .
كان بطل حياتي و كل رواياتي ، حين مضى توقف القلم ، استقال فلا حياة له بدونه .
قدم لي استقالته على كفن أبيض وفستان أسود لا أذكر كيف خلعته ؟
الكل من حولي أجبروني على أن التفت لحياتي .
- لن يعيده الأسود .
كنت أعلم ، وحين خلعته لم أكن أدري أن قلبي هو من يتشح بالسواد ، هو من كان يلبسه ، لازلت لا أرى غيره .
انسالت على صفحة الكتاب الخمسين دمعة حارة .
شعرت به يمسحها مقبلا وجنتي ويدي ، مددت يدي عن آخرهما لاحتضنه ، سقط الكتاب واحتضنت الفراغ .
10/7/2008
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عزيز العرباوي
- الزيارات: 3
من شرفة النافذة أعانق أشعة الشمس فأحس بحنانها ودفئها. ذاك الحنان الذي لم يسبق لي أن أحسسته مع أي امرأة قط!.
من شرفة النافذة تتراءى لي النجوم والكواكب، أحس أني أطير كطائر خرافي في الفلك. وأشعر أحيانا كأني ألمس مجرة " الأندروميدا " المجاورة بيدي الصغيرتين !.
من المكان ذاته، أحس أني أعيش في الجنة التي كتب عنها الكثير من الشعراء الخياليين. تلك الجنة التي رسمها أكثر من فنان تشكيلي عظيم. ليس هذا حلما ولا خيالا كما يظن البعض، وليس جنونا، فما زلت أتحلى بالعقل لحد الآن، ولم أفقد سيطرتي على خلاياي!.
المكان شاهق جدا كما أحس كلما اقتربت منه، ورغم تكذيب المحيطين بي لهذا الأمر، فأنا لا زلت أحس بعلوه وارتفاعه اللانهائي في هذا العالم، لا أدري، هل أعيش حياة مختلفة. وأستنشق هواء جديدا لم يسبق لي أو لأي أحد آخر أن استنشقه. أشعر باختلافه وانتعاشه اللامحدود، ولا أدري إن كنت محقا أم لا، فالأيام ستحدد ذلك!.
أنا الآن في المجرة المجاورة ممتطيا ظهر الطائر الخرافي، وكل المخلوقات وديعة ومسالمة. استغربت كثيرا من وداعة الأسود والذئاب، ومن صراحة الثعالب والكلاب، ونباهة الحمير و النعاج، وعدل بني الإنسان، أصبحت غريبا بين هذه المخلوقات العظيمة، وهي أيضا أحست بذلك وعرفت بأني مخلوق من الأرض فخافت أن أدنس عالمها، ثم اختفت من وجهي !.
في المجرة المجاورة لا يوجد سجن ولا محكمة خاصة ولا عامة. كل المخلوقات تحكمها الضمائر والقيم. لا تفرقة ولا حروب ولا أحقاد. أحب أن أعيش فيها قليلا، ولكني من الأرض. وهي تعرف أن سكان هذا الكوكب يدنسون كل الأمكنة حيثما رحلوا وارتحلوا لذلك تخليت عن فكرتي.
حاولت أن أتقرب من النجوم لكنها صدتني ومن القمر فسود وجهه في وجهي، ومن الكواكب فلفظتني، إنها المهزلة حقا !.
بعد دقائق، من نفس المكان دائما، رجعت أسرتي إلى البيت، ورجع الجيران، وعدت بدوري إلى الأرض في رمشة عين ولم أدر كيف. وعادت الحياة إلى طبيعتها الأولى، ثم تيقنت أنني كنت في حلم طويل وجميل، يتمنى كل مسكين في هذا الكوكب أن يتحقق…!
***
عزيز العرباوي:كاتب مغربي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: علاء الدين حسو
- الزيارات: 4
الرقّاص جلس حميد الأحمر على مصطبة بيته المرتفع، تحت شجرة كينا إصفرت أوراقها، والمطلّة على سكة القطار، يراقب قطاراً هرماً بعرباته وقاطرته. ابتسم ابتسامة شاحبة ممزوجة بالتهكم وقال : - أجري أيها العجوز، مصيرك الدفن كحميد .. تخطئ لو تخيّلته عجوزاً ، فهو لم يتجاوز حاجز الخامسة والأربعين ، وستفاجأ حين ترى قوامه الممشوق، بطنه المتينة، خصره الجميل، والخالي من الشحوم. كيف لا، وهو أمهر رقاص (دبكة) في المدنية. وستتفهم الوضع حين تدرك بأن الرقص موهبة اتخذها مهنة، درّت عليه ربحاً مادياً مكنّه من شراء البيت، والزواج، وطفل وحيد نال الشهادة الثانوية بتقدير مقبول، قضى على أخر حلم له، أن يراه طبيباً يفتخر به .. آخر عربة اختفت مع غروب الشمس، حين اقتربت سيارة ضخمة بالقرب من بيته، وترجّل منها رجلٌ من طراز رجال الأعمال الذين خبرهم حميد،حين كان يرقص في حفلاتهم، فيشعل الفرح ، ويسعد الحاضرين، ويطرب لها صاحب العرس .. -حميد أيّها الغالي. نهض حميد مستقبلاً الضيف الثري وقد دبّ فيه الأمل. - أهلا بالباشا. تعانق الاثنان كصديقين حميمين، رفض الضيف دخول البيت متذرعاً بضيق الوقت وقال: - جئت إليك بعرض مغري. - نحن في خدمة الطيبين . - هذه المرة العرض مختلف . - لا رقص.!؟ - بل على العكس المطلوب هو الرقص. - وما هو الاختلاف ؟ تغيرت ملامح الضيف، وقد اكتسبت جديّة مهيبة ،لم يعهدها حميد: - سترقص ولكن ليس في حفل فرح . - نعم؟! - سترقص في جنازة . حرق حميد أصبعيه اللذين يمسكان بالسيجارة، حين حاول سحب السيجارة من فمه ، وقد بقيت لاصقة بشفتيه فبصقها، وهز يده الملدوغة وسأل باضطراب : - أرقص في جنازة ؟ - سنعطيك مئة ألف دولار ، نصفها الآن. أشار الضيف الى السيارة، وقد تزل منها السائق، بيده حقيبة صغيرة قدمها لسيده وعاد إلى السيارة. - خذها وجهز نفسك غداً صباحاً . انسحب الرجل دون أن يسمع من حميد أية كلمة، تركه مع النقود وانصرف ... (أي نوع من البشر هذا ، وما يظنني.. بلا قلب ، بلا إيمان ، أرقص في جنازة ؟! ) هذا ما خطر على قلب حميد، وكاد يناديه بيده القابضة على الحقيبة فشعر بثقلها، توقف عن النداء وفتح الحقيبة ليجد فيها رزم النقود الخضراء التي كان يتمنى واحدة منها لا عشرة حزم . ضمّ حميد أسرته الصغيرة وقال : - أنه أغرب عرض يقدم لي . قال ابنه: - بل أحسن عرض قدّم إليك. وهمست زوجه : - ألم ترقص ليلة وفاة والدك؟ صرخ حميد: - لم أكن أعلم موته؟ فردت زوجه: - ولكنك كنت تعرف أنه يحتضر. دمعت عينيه وقال وهو يتحاشى النظر إلى ابنه: - كان مريضاً ، وكنا بحاجة لنقود . ابتسمت زوجه وقالت وقد شعرت بنصرها: - النقود ، تلك التي منعتنا من إنجاب طفل أخر. طويلة جداً مرت الليلة ، فقد فيها حميد أية رغبة بالنوم، وهو الذي كان يبحث عنها ، ليدفن همومه ويحلم برقصه في ساحة ملعب ، يرميه الجمهور بنقود كالزهور ..ومرت الذكريات الحزينة تطفو على فراشه ، فيتذكر الليالي التي رقص فيها وأهم أقاربه وأصحابه قد فارقوا الحياة ..نعم إن الرقص مهنته ، ولا أحد يقدر أحزانه، ولكن كان دوماً يرقص في مكان أهله في فرح ، ولكن هذه المرة المكان مكان حزن لا فرح .والمبلغ دسماً وفرصه في الرقص تقل.للعمر حق وللبدن حق ..أليس عجزه عن تأمين نفقات العلاج الباهظة حرمه من إنجاب طفل أخر ..زوجته مازالت قادرة على الإنجاب ، ومبلغ يمكنه من تدريس ابنه ، وفتح متجر ومدرسة لتعليم الرقص ..بل تشكيل فرقة ستجعل الفرق الراقصة تذوب من الخجل ، من معلمها وسيدها ..ولكن كيف يرقص في جنازة ؟ ماذا سيقولون عنه ؟ شرف المهنة ، شرف الاسم ، هذه الرقصة ستكون كالبقعة السوداء ستلطخ صفحته الناصعة .. تحاشى النظر إلى زوجه التي دخلت الفراش متأخرة وقالت قبل أن تدير له ظهرها: - من يرقص ليلة وفاة والده ، يرقص في جنازة. شعر حميد بالتعب وقرر النوم بانتظار الغد ..فأغمض عينيه، ليرى نفسه في ساحة الملعب، رأى عازف الطبل يقرع بقوة، عازف الناي يغرد، رأى سرباً من الطيور، حملت أليه أجساداً عرفها من شكلها، ففتح ذراعيه يستقبل والده ، أمه ، صديقه ، ومجموعة تحمل نعشاً تقول له: - أرقص من أجله أرقص... ***
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ربيع البرغوثي
- الزيارات: 5
بدت حمص أكثر اشراقا وحيوية، وبدا أهلها أكثر طمأنينة وسكينة. انهم يجنون ثمار تكاتفهم وتعاونهم فيما بينهم، في حين نرى دونهم من السكان والمدن يغرقون في حياة لا تراحم فيها ولا تواصل.
مع شروق الشمس تجولت عبر أروقة المدينة وأزقتها، اطالع بيوتها القديمة ذات الحجارة السوداء، اسعف ذاكرتي مستدرجا لحظات المراهقة التي تركتها ورائي منذ أكثر من ثمان سنوات مارست خلالها وطنيتي قسرا.
رأيت شارع الدبلان بحسناواته اللائي لايضاهي جمالهن جمال، وتناولت (البوظة) العربية اللذيذة المصنوعة من الحليب الطازج والقشدة البلدية، شربت القهوة على ضفاف العاصي حيث يقبع مقهى ديك الجن، ودخلت السوق المسقوف الذي بدا أكثر جمالا ونظاما من ذي قبل.
وقت الظهيرة قادتني قدماي المنهكتان الى مسجد ومقام القائد الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، ذلك المسجد المشهور بقبابه الفضية الضخمة المتلألئة وأحجاره السوداء العملاقة.
بالرغم من استعدادي للقاء صحابي جليل مُسجىَ على عرش من العزة والرفعة، غير أني لم أكن أعلم أن رهبة اللقاء ستكون شديدة هكذا، فما أن توضأت ودخلت المقام، وهنت قواي وتجمدت اطرافي وظهرت ارادة مغايرة تمنعني من الدخول، ارتبكت ودخلت في حالة من الحيرة، لم يخرجني منها الا صوت الآذان.
ما أن انتهينا من الصلاة توجهت الى المقام، وجلست واضعا رأسي على جدرانه، وأخذت أتأمل جماليات المسجد ووجوه المصلين التي تبعث على الشعور بالراحة والطمأنينة وهو شعور غريب عني.
سرت نسمة لطيفة باردة أشعرتني وكأنني أتكأ على ارائك الجنة حيث لا لغو ولا تأثيم، لقد سبتني صحب ابن الوليد وسباني جمال المسجد حتى اصبحت لحظتها جزءً من المكان فذبت في ملامحه المحيطة، وشعرت بالسكينة فأغمضت عينيي ونمت.
في الرؤيا أتاني القائد العظيم خالد بن الوليد رضي الله عنه بدرعه وسيفه ولباس المعركة، تقدم نحوي ببطئ فبدا عملاقا صلب الملامح عظيم الجسد، لكن رقيق النظرة جميل المبسم، توقف عندي وقال: أخيرا أتيت؟ انتظرتك طويلا.
بدت علي الحيرة وفتحت فاهي غير مصدق، نظرت نحوه وقلت: الست الصحابي الجليل خالد بن الوليد؟ فهز رأسه مؤكدا، فقلت: تنتظرني أنا؟لم؟، قال الست مثخن الجراح، الم تعد من هناك ذليلا مهزوما مظلوما؟ صمدت كل هذه السنين وحدك ولم اكن اعتقد انك ستصمد، لكنك فعلت، لذا تستحق المساعدة، سأعالجك وازيل الصدء الذي حل بمروءتك كذلك العلق الذي امتص بياض وجهك، سأبني أركان اخلاقك من جديد، مسكين انت، ذهبت لتعيش حيث لا تنفع النوايا الحسنة، فكنت فريسة سهلة لكلاب ضالة، سأزيل عنك غبار المعركة فتعال معي.
اجبته غاضبا: لمَ تعالجني؟ ما الفائدة؟ اني عائد ولا ازال دون سلاح..حتى النوايا الحسنة فقدتها فماذا افعل؟ وبما اقاتل؟ ولم اقاتل؟
تبسم ووضع يديه على كتفي ونظر نحوي بحسم وقال بنبرة باترة: هذه هي حياتك يا بني، عد من حيث أتيت، وعندما تثخنك الجراح ارجع الي، فستجدني انتظرك، فانا باق في حمص لا أريد مغادرتها