بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مريم هاشمي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
عنوان المقالة: المواقف السياسية، و الإقتصادية، و الثقافية و الدينية في لبنان في زمن أمين الريحاني
الموقف السياسي في لبنان
في أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين،إستولی السلطان عبدالحميد الثاني في سنة 1876علی عرش الح?ومة العثمانية و بسبب جبروته وإستبداده سمّي بالسلطان الأحمر، لأن علی يده أريقت الدماء ال?ثيرة.?ان طاغوتاً متجبراً لايضاهی وقام بمجزرة الأرمن المعروفة.[1]?ان قوي الإرادة رابط الجأش يتسلّط علی عواطفه ويمل? غضبه إلی الدرجة القصوی.[2]
تری أنّ مئة ?اتب يصوّبون سياسة السلطان عبدالحميد ويتغنّون بمدحه ويقولون أنّه مجمع الفضائل وآية الح?مة والعدل وتری المئة الذين ?انوا يجاهرون بذمّه ويقولون إنّه ?ان طاغياً سفّاحاً خرب البلاد وسلب العباد.[3]
إستطاع العثمانيون في أوائل القرن التاسع عشر،تأسيس ح?ومة ذات سيادة و?انوايتخذون سياسة "فرّق تسد".وإن لم ي?ن السلطان بمثابة الخليفة ل?نّه يتعامل ?الملو? وتنفذ أوامره ?ما تنفذ أوامر الله سبحانه و تعالی[4].
يری العثمانيون أن الشعوب غير المسلمة ?القطيع الذي ترعی ل?ي تقف أصوافها و تدرّ الحليب.و ?انوا يقسّمون الناس حسب عقائدهم وإنتماءاتهم الدينية.[5]
?ما أنهم مارسوا سياسة التمييز العنصري و لم يمنحوا الجنسية للأقليات الدينية [6]مثل اليهود والمسيحيين و الصابئة[7]،و ?انوا يمارسون أشد الممارسات العنصرية بحق المسيحيين حيث لا تقبل شهادة المسيحي أمام المحا?م الشرعية سوی بشهادة شخصين أمام الشخص المسلم.و?انوا يطلقون علی المسيحي ألقاباً مثل«النصراني ال?لب » و «إبتعد أيها ال?افر»،و?انوا يدنّسون صليب المسيح و يشتمونه.[8]
هذه السياسات العثمانية تسبّبت في تأجيج الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين والتي ?انوا يعملون علی زرعهاحتی يستطيعوا أن يستغلّوا الظرف الراهن الراهن ل?ي يح?موا بما تملي عليهم إرادتهم،?ي يتم?ّنوا من بسط سيطرتهم،ويتنبهوا للمخاطر التي تهدّد ح?ومتهم و?ي يتخذوا ?افة السبل لقمع الحر?ات المناوئه لهم.[9]
?انت لبنان آنذا? خاضعة للمر?زية الإقطاعيّة،ف?انت البلاد مقسّمة إلی إقطاعات يعينّها أمير البلاد ورأت الدولة العثمانيّةأخيراً أن خيروسيلة لإضعاف لبنان وإخضاعه لسيطرتها،هي إثارة الفتن بين س?ّانه و قد بدأت نيران هذه الفتن تندلع منذ سنة 1841حتی بلغت ذروتها في السنوات المقبلة.[10]
الموقف الإقتصادي في لبنان
?ان لبنان في القرن التاسع عشر، مجتمعاً زراعياً وراجت فيه الصناعات اليدويّة البدائية التي يحتاج إليها أبناؤه في حياتهم البسيطة.
يجب أن يقال هنا أن الذين هاجروا من بلدهم لقصد التجارة و الربح بعد أن أُغلقت أمامهم أبواب النجاح والرقي،نتيجة مشا?ل لبنان الاقتصادية و ذل? لضيق رقعته و ?ثرة س?ّانه و إنتشار الصناعات التقليدية.?ل هذه المشا?ل إضافة إلی الفقر المستشري بين س?انه حثّ أهل الصناعات علی الهجرة إلی مصرو أمير?ا.[11]
جدير بالذ?رأنّ المهاجرين ?انوا علی فئتين:
الفئة الأولی:الأشخاص الذين ذهبوا إلی أما?ن الهجرة قصداً للتجارة والربح، بعد أن سُدّت أمامهم أبواب الإزدهار و الرقي في بلادهم و ?انوا عاجزين عن إنجاز أي عمل إيجابي نحو التقدم.
الفئة الثانية:أصحاب الثروة و المال،الذين سعوا وراء الشهرة،بواسطة إنفتاحهم علی المجتمعات الراقية الأخری.[12]
الموقف الثقافي والديني في لبنان
الح?ومة العثمانية أساسها الشريعة الإسلامية وجلالة السلطان مطلق الإرادة في أح?امه بشرط ألاّ يخالف القرآن والسنّة علی مذهب أبي حنيفة.[13]
?ان العثمانيون يستخدمون أنواع الضغط و التعذيب علی المسيحيين إلی حد إجبارهم علی تغيير مذهبهم.[14]
?انت الدولة العثمانية«الإسلامية الثيوقراطية» بجوهرها تميّز المسلمين من غير المسلمين من رعاياها.وعلی أساسه ?ان الإسلام شرطاً لرعايا السلطان حتی يصبحوا مواطنين بال?امل.[15]فإن الرعايا من غير المسلمين ?انوا يعيشون بأبشع صورة في الظروف التي لاوصف لها و لا نهاية لها.وقد صنّفوا علی أساس طوائفهم الدينية.[16]
أشار أمين في ?تابه«خالد»إلی:«أن الح?ومة العثمانية ثيوقراطيّة.والإصلاح السياسي لا يم?ن تحقيقه وجعله ثابتاً،إلا من خلال إصلاح الدين الذي تستند إليه تل? الح?ومة».[17]
فالإسلام الذي جاء به العثمانيون يختلف تماماً عن الإسلام الحقيقي لأنّ الإسلام الحقيقي ي?ون بعيداً عن البدع و الخرافات و يعتبر الشوری(الديمقراطية) والحرية،والعدل،والمساواة من مقوّماته الإساسية التي لا يجوز التخلّي عنها قطّ.ول?ن إسلام العثمانيين يقتصر علی الظلم و النهب و لا يعلم شيئاً من الديمقراطية،والحريّة،والعدل،والمساواة.
أثرت القضايا الدينية و الثقافية من قبل ال?نيسة علی لبنان،وعلی إثرها ?تابات و أدب أمين الريحاني.
[1] - غلامحسین معین، أعلام،ذیل عبد الحمید،5/197.
[2]- «أحوال الدول المعاصرة،الدولة العثمانية»،الهلال،مج16،ج1،اتشرین الاول1907،ص39.
[3]-«السلطان عبدالحميد الثانی»،المقتطف،مج34،ج6،احزیران1909،ص521.
[4] - ربیعة بدیع أبي فاضل، الف?ر الدیني في الأدب المهجري، 1/29و30.
[5] - ربیعة بدیع أبي فاضل،م.ن.،1/31.
[6] - ربیعة بدیع أبي فاضل،م.س.،1/33.
[7] - الصابئة:(ج: الصابئون)یزعمون أنهم علی دین نوح علیه السلام ،وقبلتهم من مَهَبِّ الشمال عند منتصف النهاروقیل إنّ دینهم یشبه دین النصاری وقیل:هم عبدة الملائ?ه وقیل هم عبدة ال?وا?ب.أنظر القاموس المحيط، مجدالدین فیروزابادی، ص43.
[8] - ربیعة بدیع أب فاضل،م.س.،1/47.
[9] - ربیعه بدیع أبی فاضل،م.س.،1/80.
[10] - إحسان عباس و محمّد یوسف نجم، الشعر العربي في المهجر أمیر?ا الشماليه ،ص 13-17.
[11] - محمد ز?ي العشماوي، دراسات في النقد الأدبي المعاصر، صص 112و113.
[12] - إحسان عباس و محمد یوسف نجم، الشعر العربي في المهجرأمیر?ا الشمالية ،ص 18-20.
[13]-«أحوال الدول المعاصرة،الدولة العثمانية»،الهلال،مج16،ج1،اتشرین الاول1907،ص14.
[14] - ربيعة بدیع أبي فاضل،م.س.،ص 1/27.
[15] - ربيعة بديع أبی فاضل،م.س.،ص1/28.
[16] - ربيعة بديع أبي فاضل،م.س.،ص1/29.
[17] - ربيعة بديع أبي فاضل ،م.س.،ص1/30.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مريم هاشمي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 11
عنوان المقالة: العصبية و التعصب الديني من منظار أمين الريحاني
الأصل في معنى العصبية لغةً، أنّها الرابطة التي تربط ذوي القربى و الأرحام بعضهم ببعض، بإدّعاء أنّ العرب يسمّون ذوي القربى باسم العصبة و قد ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من سورة منها:« إذ قالوا ليوسف و أخوه أحَبّ إلى أبينا منّا و نحن عصبة انّ أبانا لفي ضلال مبين»[1] و أيضاًَ« قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذاً لخاسرون»[2]. و أيضاً تعني عصبة الرجل بنوه و قرابته لأبيه، و التعصب من العصبة و العصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، ظالمين كانوا أو مظلومين، و العصبة الأقارب من جهة الأب، لأنّهم يعصبونه و يعتصب بهم، أي يحيطون به، و يشتدّ بهم. و هناك من يرى أنّ العصبية يمكن أن ينظر إليها بتعاريف إصطلاحية شتى مثل حيوية الدولة أو القوة الحيوية للشعب أو هي القوة المحركة لصيرورة الدولة. و يلاحظ على هذه التعاريف انّها تربط مفهوم العصبية بالقوة الحيوية و الديناميكية التي هي أساس قيام أي مجتمع إنساني، هذا من جهة اللغة و الإصطلاح.[3]
و إذا أردنا أن نبحث عن الطائفية و التعصب الديني عند الريحاني لابدّ أن نقول أن ثقافته إنشعبت من روافد فكرية، و فلسفية مختلفة و تعامل معها فكره بفطنة الإستيعاب، و الإحتواء، و التجاوب حيث استطاع أن يصهرها في حلّ مآسي بلاده، و وعيه نكباتها المتعاقبة. و الريحاني يعتبر بحق أحد روّاد الفكر العربي التحرري، الذين ناهضوا التعصب الديني، أمثال: احمد فارس الشدياق[4]، و بطرس البستاني[5]، و إبراهيم اليازجي[6]، و سليم البستاني[7]، و يعقوب صروف[8]، و سليمان البستاني[9]، و فرح أنطون [10]...و سواهم من المفكّرين التقدميين في القرن العشرين.
و لم يقتصر الأمر على حركة هؤلاء الرجال اللبنانيين و حسب، فإنّ ثمّة طائفة لا يستهان بها من طلائع الروّاد العرب الأقدمين، كان لها التأثير الجادّ في فكر الريحاني و آرائه، نعني فيلسوف المعرّة( أبوالعلاء المعرّي)[11] الذي اعتبره الريحاني فولتير الشرق، و ديوجينوس العرب[12] و يجئ من الروّاد المؤثرين الكواكبي[13]، و من رجال الدين صاحب الدور البارز الشيخ محمد عبده[14]، و كذلك الإمام جمال الدين الأفغاني[15]، و نجد من الفلاسفة العالميين، و الأدباء الذين تأثر بهم الريحاني تأثراً بالغاً في ربوع الغرب، أمثال: معلّمه الأول فولتير، و روسو، و رينان... و غيرهم.[16]
لقد كرّه الريحاني الظلم، و الفقر، و الحرمان، و العبودية، و امتشق قلمه ليرسم المدينة العظمى المبنية على طرق الحرية و القيم الإنسانية الفاضلة، و الكرامة الشخصية، كما كرّه النعرات الطائفية في وطنه، و التي لم يشهد مثلها في الولايات المتحدة الأمريكية، إذاً كان يكنّ لوطنه الخير، و حاول أن يثور ثورة جذرية ضدّ التخلّف، و الإهتراءات في الأنظمة و الشرائع، حيث كان يقول: [ الحكومة التي تقيس عدلها بمقياس طائفي، لا بمقياس العدل و الكفاءة، هي حكومة بائدة ... و في التفكّك الطائفي تحقيق الآمال القومية][17] و راح يصبو إلى وطن المحبّة و التآخي على طراز تقدّمية الأمم، و شعائر الثورة الفرنسية، و تطور الغرب الديمقراطي، منبذاً أنّ [ الحكومة المؤسسة على الطائفية حكومة ظالمة][18] يجب أن تتبدّل إلى حكومة مؤسسة على المصلحة الوطنية التي تكون من دواعي الأساس في تشكيل دعائم المدينة العظمى.
وجد الريحاني نفسه في عالم يقدّس العلم، و ينير مشاعل الحريّة و الديمقراطية، فخرج إلى بلاده و هي ترزح تحت عبء ثقيل من الإنحلال المذهبي، و التخلّف الإجتماعي، فشاءها موحدة، متآلفة، مكافحة، تسير في ركب الحضارة و التطور و الرّقي، كما يكون حال الأمم الغربية في تطورّها و رقيّها.
يطلع الريحاني مع جمهرة من الأدباء في المهجر إلى إنبلاج فجر جديد، يطمس غياهب التعصّب، و التفرقة، و التمزّق الذي بذره المستعمرون.[ و قد تحرّكت في نفوسهم عاطفة النفور من التعصّب المذهبي، حتى قام منهم من أخذ ينادي بالدين الإنساني و بالإيمان الشامل، أو على الأقل، يدعو إلى الحرية المعتقد].[19]
و هكذا سعى أن يزيل المدّ الطائفي، و يزيح عن صدر الأمة ثقل الكابوس الديني الذي جعل قواعد الحياة الإجتماعية مشلولة هزيلة، و هكذا يختار للحكومة المثالية أن تبنى مصالحها حسب مصالح الوطنية العامّة، و في عام 1936 يعرّف الطائفية في قومياته، و يبيّن خطورتها، و انعكاساتها السلبية على مسيرة المجتمع الخلوق و تطوّره، فالطائفية عنده هي لفظة أخرى لحبّ الذات، و هي نوع من أنواع الخيانة الوطنية، و في القضاء على الطائفية و تفكّكها تحقيق الآمال القومية، و تحقيق المدينة العظمى.[20]
و هكذا أكّد الريحاني أنّ الطائفية نوع من الخيانة الوطنية، و الرجل اللاطائفي يقع في ميزان الشرف و الوطنية، فيما اعتبر الرجل الطائفي سفّاحاً فاسداً يسير على نهج الإستعمار.[21]
و يطرح سؤالاً أنّه لو افترضنا [ أنّ في الأمة ثلاثة أو أربعة أحزاب متباينة المبادئ و شديدة النزعات الحزبية ... فهل يتمكّنون من ذلك إذا ظلّ كلّ حزب متمسّكاً بمبادئه؟][22] و يجيب أنّ مصير هذه الأمة ستؤدّي إلى الإفتراق التام و باتّحاد أبناء الأمّة تبنى الأمّة المثالية.
رأى الريحاني أنّ فرنسا لعبت دوراً خطيراً في إلغاء التوازن الإجتماعي في البلاد و ساعدت فريقاً من اللبنانيين على سبيل الدين ضدّ الأكثرية و هكذا حاولت أن تناهض العرب مناهضة دينية لا وطنية في سبيل الحرية و الإستقلال.[23]
كما أنّه لا ينسى أن يتنكّر للسلوك السياسي التركي الغاشم في توطيده للنعرات المذهبية بين سوريين و لبنانيين، و مسلمين و مسلمين، و مسلمين و مسيحيين، السبب الذي دفع البلاد إلى حافة الهاوية و وضع مستقبلها في أتون الإنتحار الوطني و القومي. و ازاء هذه الحقائق الباعثة على الألم، و أمام هذا الجوّ المشحون بالتفتّت، و التفكّك، و التباغض، و الإنقسام، يأسف الريحاني لحال الشعب اللبناني، فيتساءل: [ أ تتطور الأمم في سائر المعمورة؟ و يظلّ اللبناني مقيّداً بقيود التقاليد العقيمة و العصبية الطائفية؟][24]
غير أنّ أمله يخيّب عندما يرى تلاشي الوطن، و تُكسّر أجنحته، و يشعر بعمق جذور الطائفية في النفوس و العقول، فيحذر من إمتداد خطرها الكبير إلى الأمّة كلّها، حيث تصبح المشكلة الكبرى، و ينبّه إلى التمييز بين الدين و الوطن، فللأديان قداستها و معابدها الخاصة،[ و ليكن للوطن معبده، و ليكن المعبد الوطني واحداً جامعاً شاملاً بخيره جميع أبناء الأمّة].[25]
و الريحاني لا ينفي الإلتزام بالدين لضروريته بتنقية الرجس من الإنسان، لكنّه يعارض التعصّب الديني المشحون بالتنافس و الأحقاد، و يعتبر الطائفية آفة تأكل عافية الأمة، و تقضي على مقوّمات النهضة العربية، و على عناصر الإتحاد الشعبي، فهي إحدى عثرات الوحدة القومية.
و لهذا وجّه كلامه صريحاً إلى الهيئات الإجتماعية، ينذرها بسوء عاقبة السير على خطّى الطائفية. و وجّه نقده إلى ملوك العرب، يحذّرهم من الإنسياق في حومة التيّار الديني الوطني، و الذي يشكّل الحاجز الأكبر في طريق السيادة، و الحريّة، و القومية العربية، فقال: [لعمري أنّ ملوك العرب لا يفلحون... ماداموا يتّخذون الطائفية وسيلة لتأدية سيادتهم، و تحقيق مقاصدهم و تعزيز العصبية فيهم].[26]
كما أعرب عن خشيته من الملوك و الزعماء الماضين في تعزيز النزعات الطائفية و ترسيخها عبر شرائعهم و أنظمتهم، ممّا يَقتل في الأمّة روح الإتحاد و الشعور القومي. و كان من الطبيعي أن يراوده مثل هذا الإحساس، و هو الأديب المهجري الذي لمس عدم إهتمام النّاس بالتعصّب الديني، وفّقه ثقافة الغرب، و نهل من معينها الكثير من العلوم و الحضارة، فتأثر فيها فكراً و نتاجاً. و هو الرّحالة الذي قصد الجزيرة العربية، لإستكشاف ماضي الأمة العربية و ماضي الجزيرة العربية من طاقات كبرى تؤهلها للوحدة و التنامي و النهوض الإجتماعي، و السياسي، و القومي، و تحرير الإنسان العربي فيها من أنظمة بائدة و جهل و تخلّف. و رأى أنّ التنازع الديني يؤدّي إلى الشرذمة و الموت، و أنّ نافذة الخلاص لا تكون إلاّ بمناهضة التناقضات الدينية و النعرات الطائفية، و إستبداله بالروح الوطنية و القومية، و تدعيم عوامل الوحدة الإجتماعية في المجتمع لشدّ رباط الإتحاد الوطني الشامل.
فمن خلال هذه الرؤيا، أراد الريحاني أن يفصل ما بين النزعة الدينية المتطرفة، و بين النزعة الوطنية القومية لإعلاء شأن، النهضة العربية، و توحيد النفوس و الأفراد و المجتمعات في بوتقة قومية تشمل الوطن العربي خاصة، و الإنسان العالمي عامّة. و هكذا أكّد الريحاني أنّ التعصب الديني الذميم يشكّل خطراً كبيراً على وحدة الشعور الوطني، و قد بيّن ذلك في رحلاته العربية[ إن الجنسية تجمع بين الشعوب، و الدين يفرّقهم، و أنّنا نحن المسيحيين في سوريا، مثل العرب المسلمين، تجمعنا القومية و لا يجمعنا الدين][27].
[1] - سورة يوسف\8.
[2] - سورة يوسف\ 14.
31- أحمد فارس الشدياق(1218-1304هـ\ 1804\1887م): أحمد بن فارس بن يوسف بن منصور. لغوي صحفي لبناني. ولد في قرية عشقوت، إحدى قرى كسروان بلبنان. إشتغل بالتجارة و أصدر جريدة الجوائب، و توفّي بالآستانة. من أهم آثاره:(( الساق على الساق))، (( كنز الرغائب في منتخبات الجوائب))، ((سر الليالي في القلب و الإبدال)) و غيرها. انظر الموسوعة العربية العالمية ، 14\87.
32- بطرس البستاني ( 1234-1300هـ\ 1819- 1881م): مفكر و باحث لبناني. أحد أركان النهضة الثقافية العربية في القرن التاسع عشر . ولد في قرية الدبيّة بلبنان. عمل بالصحافة و أسس أربع صحف: نفير سوريا، الجنان، الجنة، الجنينة. من أهم آثاره: (( محيط المحيط ))، و ((دائرة المعارف)). أنظر م.ن.، 4\419.
33- إبراهيم اليازجي ( 1264-1324هـ/ 1847- 1906م ): أديب و لغوي و صحفي لبناني. ولد و ترعرع في بيت علم و أدب، فوالده ناصيف اليازجي أحد أعلام الأدب و اللغة آنذاك. أصدر جريدة النجاح و مجلة الطبيب، و البيان، و الضياء. من آثاره: (( نجعة الوارد في المتوارد)) و إكمال شرح ديوان المتنبي الذي بدأه أبوه. أنظر: م.ن.27/294.
34- سليم البستاني(1264- 1302هـ\ 1848- 1884م): صحفي لبناني من روّاد الصحافة العربية في القرن التاسع عشر. و هو إبن بطرس البستاني. ولد في عبية. أصدر صحيفة الجنة، و الجنينة. له كتابات في المسرح، منها: ((الإسكندر)) ، ((قيس و ليلى))، ((زنوبيا))، ((الهيام في جنان الشام)). أنظر م.ن.، 4\419.
35- يعقوب صروف ( 1269-1346هـ\ 1852- 1927م): صحفي لبناني من أعلام الصحافة و الثقافة العلمية في العالم العربي، ولد في بيروت . من مؤلفاته: ((فصول في التاريخ الطبيعي))، ((العالم و العمران))، (( سير الأبطال العظماء القدماء)). أنظر، م.ن.، 15\94.
36- سليمان البستاني ( 1273- 1344هـ\ 1856- 1925م): عالم و أديب و سياسي لبناني. توفي في أمريكا. عرف بقوة العزيمة و علو الهمة و حبّ الأسفار، كما عرف بدماثة الأخلاق و حسن المعاشرة و الزهد في المال. من أهم آثاره، ترجمته (( إلياذة هومر)). أنظر، م.ن، 4\420.
37- فرح أنطون (1874- 1922): مفكر و أديب عربي لبناني، من أعلام النهضة و من دعاة القومية العربية. ولد في طرابلس الشام. كان له ريادة المنهجية العلمية في حقل العلوم الإنسانية في الفكر العربي الحديث. طالب بالفصل بين السلطة الدينية و المدنية. من أهم رواياته: ((الدين و العلم و المال أو المدن الثالث))، ((الوحش))، ((أور شليم الجديدة)) و غير ذلك. توفي في القاهرة و دفن فيها. أنظر الموسوعة العربية، 4\7.
38- أبو العلاء المعرّي(363-449\973-1057 م) شاعر و مؤلف عربي كبير، كنيته أبو العلاء، و لقب نفسه برهين المحبسين. المحبس الأول فقد البصر و الثاني ملازمته داره و اعتزاله الناس. ولد بمعرة النعمان و هي مدينة شامية. فيكون معناها الشدة و الحزن. من أشهر مؤلفاته: سقط الزند، و الدرعيات، و اللزوميات. أنظر الموسوعة العربية العالمية، 23\479 .
40- الكواكبي (1849-1902 م): صحافي و أديب سوري، ولد في حلب و أنشأ فيها جريدة « الشهباء» 1877. اضطهده الأتراك لأفكاره التحررية و دعوته إلى النهضة و الإصلاح. جال في زنجبار و أقام في مصر و توفي فيها. له كتاب « أمّ القری» و ?تاب « طبائع الإستبداد». أنظر المنجد في اللغة و الأعلام، ص: 596.
41- شيخ محمد عبده(1849-1905م): سياسي مصري. من علماء المسلمين الداعين إلى التجديد و الإصلاح. ولد في شنرا من قرى الغربية بمصر و توفي بالإسكندرية. حرر جريدة « الوقائع المصرية» فاشتغل بالتدريس و التأليف. من مؤلفاته « رسالة التوحيد »، «شرح مقامات البديع الهمذاني» ، « شرح نهج البلاغة» و مجموع مقالاته. أنظر م.ن.، ص: 454.
42- جمال الدين الأفغاني(1839-1897م) أول زعيم من زعماء الحركات الإسلامية، دعا إلى الوحدة الإسلامية و التعاون بين الزعماء الدينيين و السياسيين. أنظر ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ص:149.
[17] - ـ أمين الريحاني، القوميات، 2/347.
[18] - أمين الريحاني، م.ن.، 2/347.
[22] - أمين الريحاني، م.ن.، 2\348.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: مريم هاشمي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
الفكر الإجتماعي عند أمين الريحاني
ترجمة حياة أمين الريحاني و ظروف عصره و واقع مجتمعه تعتبر المدخل الأساسي لفهم أفكاره الإجتماعية و هو لا بدّ له كأي مفكّر آخر من إتخاذ أنموذج نظري عند تحليله و بحثه و طرح أفكاره، و لغرض معرفة الأصول و الأطر التي يؤطّر آرائه، من الضروري معرفة النظرية أو الأنموذج التي تستند إليها أفكاره و نظرياته الإجتماعية الهامّة في المصدرين الأساسين من كتاباته هما الريحانيات و شذرات من عهد الصبا.
يشرح الريحاني كلّ القضايا الإجتماعية بصدق و شجاعة دون تكلّف عن الواقع و المجتمع، مختبئةً بين كلماتها آماله و تطلّعاته بأسلوب أدبي مشوب بالنقد اللاذع للعادات و التقاليد المتحكّمة بأواصر الشعوب؛ إذ إستطاع من خلال كتاباته و أفكاره التي تميّزت بالجدّ من جهة، و العمق و الشمول من جهة أخرى، أن يمهّد السبيل للأمة و يشقّ لها الطريق نحو نهضة فكرية عربية شاملة بالتضامن و التعاون، و توزيع الأعمال و تنسيقها.[1]
الريحاني رسول إجتماعي قبل أية صفة ثانية، فحتى الطبيعة التي هام بها لم تشاغله لحظة واحدة عن قضايا الإنسان و المجتمع. بل كان يهتم بمبادئ الإصلاح بين ثنايا التأمل و التفكير العميق. هو لم يفتتح حياته الأدبية، أو يطرق باب الشهرة إلاّ بخطبته [التساهل الديني] و بقصّته [المحالفة الثلاثية] و هما من أدبه الإجتماعي.
رسالة الريحاني الإجتماعية ليست في وجوهها المتعددة إلاّ خواطر كاتب عاش بين الطبيعة و الوطن و المهجر و الكتب: و في الطبيعة جمال فطرة و في الوطن روحانية الشرق و في المهجر نور الحضارة و ظلمتها، أمّا في الكتب ففيها صراع المذاهب الإجتماعية و الآراء الفلسفية. و لهذا تنوّعت وجوه دعوته الإجتماعية تنوعاً كبيراً و كان أهمّها:
أولاً: التربية الحقّة و التهذيب الصحيح: الريحاني خطيب و كاتب، صريح لا يهاب و يحمل رسالته التهذيبية و الروحية، بجرأة في كلّ مكان. و يدعو إلى العلم و الفضائل الخلقية و الثورة على الجمود و التقاليد و السير مع مواكب الأمم الراقية.
حيث يعتقد أنّه لا يمكن أن تزيل الأوحال و الغبار عن الآداب و السياسات المغلّطة إلاّ بالتربية الحقة و التهذيب الصحيح، تربية أساسها الشجاعة و الصدق و النظافة، و تهذيب أساسه حبّ العدل و الوطن و لا تسود الحريّة الجوهريّة الكاملة إلاّ بواسطة العلم الصحيح و التهذيب الصحيح.
عندما تسرّب هذه الفضائل بين الرعاة و الرعية تصطلح شؤون المجتمع و تستقيم جادّات الأدب و الدين و السياسة و حينما تصلح هذه الأمور تصلح الحكومة و المجتمع حيث تؤدّي إلى الحياة الحقيقية التي تجمع فيها قوّة الجسد و العقل و الروح معاً، إذاً يعتبر هذه الحياة كنزاً من كنوز الوجود و أنّ قيمتها لا تقدّر و لا تُحَد بينما يعتقد أنّ الحياة اليومية هي ناقصة و فاسدة و لا إخلاص فيها و لاعقل مسيطر علي أعمالها. و برأيه أنّ الحياة الحقّة تعني الجمع بين محاسن فلسفة الروحيين و فلسفة المادّيين، و هي التي تعظم فيها قوّة عمل الجسد و قوّة العقل و قوّة الروح معاً.
و يعتقد أنّ الحضارة التي تجبر أبنائها علي العمل في المصانع بدل أن تبعثهم إلي المدرسة لهي حضارة عقيمة و فاسقة و أنّ النظام الإجتماعي الذي يحرّم العلم علي أبناء الفقراء و يرعي مصالح الأغنياء و يهمل في حقوق بقية الشعب لهو نظام فاشل حقاً و إنّ هذا النظام يحتاج إلي قيادات مخلصة كي يطبّق قانوناً صارماً و عادلاً يدافع عن حقوق هؤلاء الناس و تطالب بحقوقهم صيانة أمام ما يتعرضون لهم من غزو فكري و مبدئي.[2]
ثانياً: منهج الدين و التساهل الديني: يرى الريحاني أن الإنسان خلق إنساناً قبل أية صبغة ثانية فيقول: [لم يخلق الإنسان كاهناً أو أميراً أو سلطاناً، و ما خُلقَ مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً أو مجوسياً] بل أنّ الشرائع و الأديان تفرّق بين الناس.
و يصرّح قائلاً «على الكاهن في جيلنا هذا أن يقرع على الأشرار و يندّد بالإنذال و يقبح بالرذيلة على اختلاف أنواعها و درجاتها. عليه أن يحرّض رعيته على عمل الخير المجرد عن الغايات الدنيئة. عليه أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.»[3]
أن الريحاني بإقراره بأصل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يعترض على الشعب الذي تكون أعمالهم و تحرّكاتهم خارج البرنامج العام الذي وضعه الله لهم و يواصل كلامه أن العبادة الحقيقية تعني الخضوع للّه تماماً و يأتي بمثال « أنّ التطيّب و التزيّن و التخضّب و التبرّج كلّها إحتجاجات خفية على صنعة الخالق و الإعتراض على كلام ينسب إلى الله يعدّ تجديفاً ... الإمراة التي تزّين وجهها و تخضّبه تعترض على عمل الله و كأنّها تقول بنفسها أنت يا ربّي لا تعرف شيئاً عن الجمال. أنا أقدر أن أعلّمك و أصلح لك عملك هذا.»[4]
ثم يبادر إلى أن الوسيلة الوحيدة التي تصلح هذه الأمور الفاسدة هي أن نعظهم بكلّ الهُدى و الكلام الرفق و اللين و نترك الضغط و شدّة اللهجة عليهم لأنها لا تصلح شئياً قطّ. و على «الكاهن أن ينتقد العادات و الأخلاق من أن يبث الشقاق و البغض بين الطوائف في المواعظ اللاهوتية الحماسية و المباحث الدينية العويصة التي لا يفهمها واحد بالمئة من سامعيه.»[5]
و الريحاني يقصد من تعبير [جادة الرؤيا]، الطموح الرئيسي للوصول إلى الدين الذي هو خال من الشوائب النفعية و الماديّة و المساوئ الأخلاقية التي عصفت في وجدان الشعوب و تركت آثاراً سلبيةً على منهجهم الفكري. و هذه الجادّة التي يقصد بسلكها هي تقرّب النفس إلى الكمال الروحانية.
فيما يتعلّق بالتساهل الديني لابدّ القول أن التساهل الديني هو عنوان خطبتة الأولى التي ألقاها في نيويورك في الرابعة و العشرين من عمره على الجالية المارونية. و كان يهتمّ بالتساهل إهتماماً كبيراً لأنّه يعتبره من المواضيع ذات أهمية بعيدة الأثر في المجتمع الإنساني حيث يختلف الناس فيه عبر القرون و الأعصار، و يدافع العلماء و الفلاسفة و الأحرار و محبّو البشر عنه.
و يتعرض لتعريف التساهل أنّ له معنيين: المعنى العامّ و المعني الخاصّ. من الجهة العامّة، التساهل يتلخّص في التسامح و من الجهة الخاصّة فهو إجازة العقائد و الطقوس التي يتآلفها الناس.
و كان يعتقد أنّ التساهل نشأ أوّلاً عن التعصب و هاتان الكلمتان ضدّان مثل النور، و الظلمة، و الخير، و العدل، فلو لم يكن أحدهما ما كان الآخر. يخلق التعصب التساهل و التساهل السلام و السلام النجاح و النجاح السعادة. التساهل هو الإبن و التعصب هو الأب يحاربان معاً عبر التاريخ في القرون الوسطى، و كان الفوز أحياناً لهذا أم لذاك حتى انتصر التساهل على التعصّب في القرن التاسع عشر و أخذ التعصب يموت و لكن التعصب غرق في السياسة و الدولة. و الحروب التي تخوضها الدول الأوروبية على الشعوب الضعيفة و الصغيرة ما كانت إلاّ نتيجة التعصب الدولي حيث إنكلترا تعتبر نفسها أصلح من فرنسا و فرنسا أصلح من ألمانيا و ألمانيا أحسن من كليهما. و التعصب الدولي هو الإضطهادات التي كانت تمارسها الدول الأوروبية المسيحية بعضها ضد بعض و أيضاً تمارسها ضد « البرابرة».[6]
ثالثاً: العلم و الأخلاق: يفرض الريحاني أنّ العلم هو دعامة من دعامات الحياة، و أن أساس الإصلاح، قائم على تحرير العقول من الأضاليل التي تفسدها و تضعفها و لا يكون ذلك إلاّ بالعلم.[7]
و يقسّم الكتّاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول قلمهم من الذهب و تسُرُّ نفوسهم عند الإعتكاف على القراءة و يختصر سيعهم على أن يكونوا نافعين للحياة و يحبّون الحصول على ثمرة أعمالهم و هم في معرض تحسين الناس و تكريمهم و يدفع الناس إلى حمل لواء الأكثرية لهم. و القسم الثاني قلمهم من القصب و يعلّمون الناس علماً حسناً و يختصر سعيهم على شؤون الحياة و يدفعون الناس إلى حمل لواء الأقلية لهم و القسم الأخير قلمهم من ريش القنفذ و يعلّمون الناس شيئاً بالذنب الطاووس يبهر العيون لكن غير نافع، كلام مرصّع و منمّق لا جدوى فيه و هؤلاء الطبقة لا يتوجّهون إلا لأنفسهم. و يزيّفون الكلام لمقاصد و نوايا، و ما كان لوائهم إلاّ لواء القصائد المنمّقة و المسجّعة.[8]
ثمّ أنّه يشير إلى مدى إيمانه بدور العلم في رقّي المجتمع و نهضته التي تصاغ شخصية الإنسان طبقاً لما تهدف إليه برامج العلم و التعليم، إذ يقول أنّ التعليم [ أساس العمران و سياج الوطن و ركن من أركان الإستقلال] و يلخّص أسباب الرقيّ و العمران في أربعة أمور:
- نزعة شديدة إلى العلوم
- الطموح إلى فتح ذروات النجاح و الولع إلى الإطلاع على العلوم المفيدة
- الشوق و النشاط للإطلاع على الأمور في هذه الدنيا
- كشف أسرار الطبيعة للعثور على القوى الكامنة فيها
و هذه كلّها تؤدّي إلى الرقيّ و العمران و هكذا يثبت أنّه لافضل لأمّة على أخرى إلاّ بما إكتسبته من الأمور الهامّة في مضمار الفكر و البحث و العمل في سبيل الإنسانية و هذه السجايا في كلّ الأمم إنّما هي نتيجة الأخلاق السامية.[9]
بناء على ذلك يقسم الريحاني الأمم إلى قسمين: الأمم التي لا تاريخ لها و أنّ ماضيها و حاضرها و مستقبلها سواء و الأمم ذات التاريخ. و يواصل حديثه أن أسباب العمران و الإزدهار تختصر في العلم بماضي الأمة و تاريخها و ثقافتها مجرداً عن التزلّف و الشبهة، العلم الذي يعلّم ترك التجرّد و الجمود و الجهل.[10]
بمقدورنا الذكر أن الريحاني بعد تأكيده على ضرورة و أهمية العلم الذي يحيى القلوب يشجّع أبناء وطنه عليه و يشيد بمقام المعلم الذي يهدي إلى النور و هو دليل العقل في الحياة و نبراس الفكر و التأمل في الأمور الصعبة التي لا تفهم و لا تدرك بسهولة بل يحتاج إلى تفكّر عميق.
و يضيف أيضاً أن المعلم الحقيقي هو الذي يتعهّد أبناء أمّته و يراعاهم جيلاً وراء جيل حتى يصبحوا شباباً قادرين على أن يخوضوا في معركة الحياة بالشجاعة و الإقدام. و يشيد بمقام الذين يستشهدون في طريق العلم و الحرية و العبودية « رأينا أناس يفادون بأنفسهم من أجل مبدأ علمي، أو تعليم إجتماعي أو مسألة طيبة».[11]
فيما يختص بالأخلاق يؤمن الريحاني أنّها جمع كلمة خُلق و هو السجية، و العادة، و الطبع، و يردّها البعض إلى ملكة أو حسّ نصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة من غير تقدّم فكر و رويّة و تكلّف.[12]
و يعتقد أنّ الأخلاق السليمة السامية تسبّب التقدّم و تعدّ من أهم أركان الرقيّ و العمران. و يعتبرها نور العدل و الإنصاف في البلاد و نور الإيمان في الدين و الشريعة و نور الصدق و الإخلاص في العلوم حيث يقول موضحاً: « أن الأخلاق قوى كامنة في النفس، تؤثر فيها الحوادث و الأشياء، و لها مزايا راسخة في النفس، تظهر في مظاهر شتّى لغاية روحية هي إرضاء النفس و إرتياحها و إطمئنانها».[13]
رابعاً: التمدّن[14] الحديث: و هو من أنماط و ديناميات التفاعل الإجتماعي الإنساني عند الريحاني و يعتبره وسيلة و غاية في آن واحد، وسيلة من حيث أنّه يرتقي بالعلاقات الإنسانية في مظاهرها المختلفة و في أسمى مراحلها، و غاية من حيث أنّه الهدف الذي يسمى لتحقيقه من تطوّر و ارتقاء تلك العلاقات بين الناس.
يري الريحاني بعداً شاسعاً بين التمدن الغربي و التمدن الشرقي حيث ينقل قول المؤرخ الإنكليزي غيبن[15] « مدنيّتنا الحاضرة ثابتة الدعائم، راسخة الأقدام و ليس في العالم اليوم من القبائل الهمجية ما يكفي لغزو بلادنا و هدم ما شيّدناه في قرون». و لكن التمدن الشرقي متخلّف و الأمور التي أدّت إلي تخلّفه تتلخّص في الأمور التالية:
- تميز الشرائع بين القوي و الضعيف و الغني و الفقير
- فساد المحاكم و تعلّق القضاة بإدخار المال أكثر من إنجاز العمل
- إحتكار الأموال و الثروات من قبل الشركات التجارية لأجل تخزنها و تضاعف أثمانها
- التشريع الذي لا يطبّق إلاّ بقوّة السلاح
- زيادة الضرائب من قبل الحكومة على أيدي الجنود الإحتياطيين
- الجهل الذي لا يزال يحارب الحرية بآلة الخرافة و الخزعبلات
- ترجيح الرياء على الصدق و تقدّم الشعوذة على الذكاء و السياسة على العلم و الزيف على الحقيقة و المال على العدل
- الأجهزة و الأدوات الحربية التي تزيد يوماً بعد يوم
- الصحفيون الذين يكتبون في الجرائد و المجلاّت الفصول الطويلة حول الشرّ و الرذيلة علانيةً في عيون القراء و إظهار التصاوير البشعة مصورة فيها أفظع الجرائم و الآثام.
يَعُدُّ الريحاني كلّ هذه الأمور من عواميد تمدّن الغرب التي أسّست على الماّدة و الطمع و الإستئثار، معلناً أنّ هذا التمدن ينشر روح الخباثة و الأنانية في كلّ دوائره الإجتماعية و الدينية و الأدبية لأجل الوصول إلى التجارة العالمية في بلاد الشرق، الغربيون مع تشييد مدارسهم للتجارة يتعاملون مع الشرقيين بالنفاق و التملّق و في النهاية تؤدّي هذه المعاملة إلى الحروب الدامية على الأمم الضعيفة.[16]
خامساً: الوحدة: كان الريحاني قد ترك الأهل و الديار في سبيل الوحدة الدول العربية متحمّلاً الجهد و أنفق أموالاً طائلة. «إنّي من دعاة الوحدة العربية و من أنصارها و إنّي من المؤمنين بصحّتها كعقيدة سياسية و كفكرة إجتماعية، إنّي من دعاتها و أنصارها لا لأنّي عربيّ فقط بل لأنّي عربيّ محبّ للعرب أجمعين].[17]
و كان يرى أن الأمم العربية اليوم مصابة بإنهيارات كبيرة في نفسيّتها و ثقافتها و تكوينها الإجتماعي، و الإقتصادي، و السياسي، و يحتاج إلى تضافر المساعي في سبيل إزالة الحواجز و الموانع حتى تعمّ الوحدة بين أبنائها جميعاً. « الوحدة العربية ممكنة بل محققة... لأنّها مظهر من مظاهر التجدّد و الرقيّ و درجة من درجات التطور القومي في كلّ مكان.»
يواصل الريحاني كلامه أنّ من أهمّ العقبات التي تعتري طريق وحدة الأمم العربية تكون:
أولاً: الجهل بالدين موجود بشكل فظيع بين الأمم حتى بين أكثرية المتدينين. الجهل الذي إمّا يشوّه صورة الدين في الأذهان و إمّا يضعه في إطار ضيّق قائم لا يتجاوز حدود بعض العبادات و العادات والتقاليد حيث تنتهي إلى نشوب النزاعات بين الأمم العربية حول مسائل موهومة فرعية لا وزن لها في معيار الدين و المذهب.
ثانياً: جهل أتباع المذاهب الذين يتقاذفون أنواع التهم التي لا أساس لها أصلاً.
ثالثاً: ترك زمام أمور السياسة بيد الساسة المنحرفين يسيرون في طريق تحقيق مصالحهم الذاتية و شهواتهم و استمرار تسلّطهم حيث يخشون من وحدة الأمم و إجتماع كلمتها، لأنّهم يعرفون أنّه لو توحّدت عزّت، و لو عزّت ما استكانت للظلم و الظالمين و أخيراً تتّجه كلّ هذا إلي تمزيق الوحدة بين الأمم العربية؛ بينما يتحمّل المخلصون الداعون إلي وحدة العرب مسؤوليات كبيرة في تعميق روح العروبة و التحذير من كل ألوان التفرقة.
رابعاً: غياب الروح الجامعة بين الأمم حيث نشبت الخلافات من قبل المستعمرين بين الأمم و ظهرت النعرات القومية و الوطنية لتمزّق شمل الأمم و لتجعلها متنازعة بعد أن كانت أمة واحدة.
يعتقد الريحاني أنّ الإختلاف غير الخلاف و أنّه طبيعي و موجود بين أبناء البشر بل بين أبناء الأسرة الواحدة و لكن المهم هو أنّ هذا الإختلاف لا يؤدّي إلى نزاع و شقاق بين أبناء الأمم العربية بل جدير هو أن يؤدّي إلي التعارف و تبادل التجارب و التعاون في مسير استكمال الحضارة بينهم. و يحذّر من أية عصبية قومية أو فئوية أو حزبية، فوجود هذه العصبيات لا ينسجم مع الوحدة العربية. و نهى أيضاً عن أيّ تفرّق و تنازع و أهتمّ بروح الوحدة في المشاعر و القلوب قدر إهتمامه بغرس كلمة [التوحيد] في الأفكار و العقول. و آمن بالعروبة و الوحدة العربية، و سعى إلى التعاون و التعاضد و الإتحاد بين البلدان العربية. و كانت غايته من رحلاته إلى البلدان العربية، أن يعرّف ملوك العرب بعضهم ببعض ليحصل التفاهم بينهم على النزاع عبر المناقشة، و بذلك قد قدّم لهم خدمة كبيرة.[18]
سادساً: القومية العربية: القومية تعبير سياسي، تعني شعور الناس جميعاً بالإنتماء إلى أمّة واحدة، و يشمل هذا الشعور كذلك الإحساس بالولاء للأمة و الإعتزاز بثقافتها و تاريخها و الإستقلال الوطني.[19] و الريحاني آمن بالقومية العربية و دعا إليها، حيث نرى جرأة و إقداماً و تفتّحاً في دعوته للقومية العربية و وعياً لمشاكل الوطن العربي. نادى بالقومية العربية جامعة لا دينية و لا عنصرية، و نادى بالتضامن العربي للخلاص من الإستعباد و الظلم من حكم أجنبي. و لقد ثار ضدّ الإنتداب الفرنسي و ألقى خطابة سنة 1933 في حفلة جمعية التضامن مقارناً فيها بين الإحتلال التركي و الإنتداب الفرنسي إذ قال: [ لقد إنتقلنا من عهد عبد الحميد العثماني إلى عهد عبيد البعل، من ظلم ظاهر إلى ظلم خفي، من ظلم مختل إلى ظلم منظم].[20]
يؤكّد الريحاني أنّ الوصول إلى أقصى الأماني القومية ينحصر في العلم و التعليم، إذاً يقترح عام 1937 تأسيس كلية سورية وطنية إمّا في الشام أو في بيروت. و تساءل [ هل لنا أن نرى في المستقبل جامعة سورية وطنية لا بروتستنتية و لا كاثوليكية، و لا أميركية، و لا يسوعية، بل جامعة وطنية مدنية بحيث ترفع منار التهذيب الصحيح و التعليم الحرّ في الأمة السورية؟].[21]
الريحاني هو السياسي المصلح في قوميته، و لهذا إذا ما تناولنا فكرته القومية يجد أنّه لم يهتمّ كثيراً ببلورة مفهومة للأمة، و إثر الحرب العالمية الأولى تحدّث عن ظاهرة إنقسام اللبنانيين حول طبيعة هويتهم القومية [ دائرتنا تشتمل على دائرتين: الدائرة الأولى لبنان و الثانية سوريا، الأولى رمز لمبدأ النهضة اللبنانية، و الثانية رمز لمبدأ الوحدة السورية. المبدأ الأول بني على الفكرة الطائفية التي لا ترى الحق في غير إعتزال، و المبدأ الثاني بني على الفكرة الإجتماعية السديدة أن لا حياة للشعوب المستضعفة إلاّ بالإتّحاد. و كذلك نقول أن الفكرة اللبنانية، بل الفكرة القومية الطائفية، هي فكرة عتيقة عقيمة. هي لو عُمل بها اليوم، ضربة قاضية علينا، فقد كانت سبب تقهقرنا و بلائنا في الماضي، و ستكون إذا سادتنا، سبب بلائنا في المستقبل][22]. إذاً كان يحذّر من القومية الطائفية و كان يدعو إلى القومية الوطنية.
خاتمة المقالة:
سيظلّ التاريخ يذكر الريحاني، فيلسوف الفريكة و الفريكة قريته و ينظر إليه نظرة فخر و إعتزاز، لأنّه كان رائداً من روّاد العروبة و الفكر الحرّ و لقد جاء مجاهداً حاملاً رسالته القومية في قلبه مجاهراً بها دون خوف و لا وجل، داعياً أبناء وطنه للأخذ بها، مضحياً في سبيل ذلك براحته و سعادته. و كانت طريقة فكره الإجتماعية تهذيبية روحية في سبيل إصلاح المجتمع و أبنائه.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد القادر تومي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
الثقافة بين النمط الأحادي والتنوع، قراءة في تحديات العولمة.
إن استجلاء المظهر الثقافي للعولمة ، يتضح من خلال عرض المشهد الثقافي العالمي في هذا العصر من خلال تلك العلاقات القائمة التي أفرزتها التحولات التي صاحبت ظهور وتطور النظام العالمي الجديد. ولا مراء في أن الواجهة الثقافية تعتبر أخطر الواجهات المعرضة لرياح التغيير التي تفرضها العولمة،إذن فالعولمة ليست في اعتقادي مجرد تهديد بالسيطرة على الدولة وقراراتها والتحكم بالاقتصاد من خلال التنافس على الأسواق بل أن لها أهدافا تصل إلى أبعد من ذلك بكثير فهي تطال الثقافات و الهويات القومية والوطنية وتهدد الخصوصيات، وترمي إلى تعميم أنموذج من السلوك والقيم والمفاهيم. وإذا كانت العولمة الاقتصادية بارزة في مظاهرها العامة فان العولمة الثقافية تزحف ببطء في الديار والمؤسسات[1]
قال جون توملنسون John TOMLINSON متحدثا عن العلاقة بين العولمة والثقافة: "ان العولمة ترتبط بقلب الثقافة الحديثة كما ترتبط الممارسة الثقافية بقلب العولمة"[2]، ويعني هذا الامر وجود علاقة تفاعلية بين السلوك الثقافي ونمط الوعي الذي افرزته العولمة في مسارها الحركي.
و توحي لفظة العولمة في مجال الثقافة بمعناها الانتروبولوجي ان هناك خصائص ثقافية مشتركة، ذات طابع عالمي وهي خصائص متحررة من سيادة ثقافة بعينها، وتصلح للأخذ بها من طرف مجتمعات متباينة ، ولكن في غالب الأمر ترتبط الثقافات بأنساق من القيم والخصوصيات الذاتية والمعايير المستوحاة من العادات الاجتماعية و الدين السائد في كل مجتمع. ويفترض في الخصائص الثقافية التي تتناسب مع العولمة عدم تعارضها مع الانساق المحلية وفي هذا المجال يقول احد الكتاب:" وغنى عن البيان أن مثل هذا التفاعل بين الثقافات العالمية ينبغي أن يؤدى فى النهاية الى تقارب عملي قوامه وضع مجموعة من الثوابت العالمية الثقافيــة التى نبغي أن تعمل الثقافات جميعها على احترامها وتعميق جذورها . وتوليد مثل هذه الثوابت وقبولها أمر ممكن إذا هو تم عن طريق الحوار الحقيقي ، وحل محل فرض ثوابت ثقافة معينة أو بلد معين على العالم كله ، والادعاء بأنها هي وحدها الثوابت العالمية ".[3]وإذا عدنا للتاريخ قد نجد تأكيدا لفكرة الكاتب، حيث تأثرت الثقافات بغيرها في كل العصور، سواء كان ذلك بحكم الجوار الجغرافي، أو الصدام العسكري، وقد ساهمت الرحلات السياحية في نقل بعض السلوكيات والعادات، ولعبت وسائل الاتصال دورا حيويا في استعارة بعض الجوانب الثقافية الخاصة ببعض الامم.
تجليات العولمة على القطاع الثقافي:
لقد جند أرباب العولمة مفكريهم لترسيخ معتقدات وهمية تسعى لتحطيم الروح الفكرية والفلسفية لدى مفكري العالم الثالث، ومعهم نظرائهم من الدول النامية وبشروا بانتصار القيم والمبادئ الرأسمالية على حساب كل الأنظمة السائدة وقد استغل الأمريكان تفوقهم المادي والعسكري والتقني، ليفرضوا نمطا فكريا يقوم على مبادئ المنفعة والحرية والفردية ويروجوا لثقافة غربية تمتدح الفكر الليبرالي. وتعمل على تأسيس عالم دون دولة أو وطن أو أمة.
و في ظل المتغيرات السريعة التي اعادت النظر في المفاهيم القديمة، تتأثر الهوية التاريخية للشعوب بما تفرضه مقتضيات العولمة، التي تفرض تفسيرا جديدا للتاريخ يتناسب مع أطروحات العولمة[4] .وبديهي ان يتأثر التاريخ العربي والإسلامي لرياح العولمة العاتية في الوقت الذي لم يصف المؤرخ العربي معركته مع التاريخ الاستعماري الذي مازال يتبجح بالدور الحضاري والتعميري للمحتل اعتمادا على الأكاذيب والتحريفات التي تضمنتها بعض الكتابات التاريخية، وإذا كان التاريخ الاستعماري قد عمل على تشويه الهوية الوطنية للشعوب بعد ما تمكن من اختراقها، ها هي العولمة الحاملة للصورة الكونية تحاول تجاوز هذه الهويات وتلغي خصوصياتها. وقد تنجح العولمة في مهامها اذا بقي المثقف العربي سلبيا في مجتمعه قابعا في هامشه، ومستهلكا لمنتج الأخر فضلا عن صراعه مع ذاته لتحقيق هويته وبلورته لنظرته للمستقبل. ويتحدث احد الباحثين عن التاريخ العربي في عصر العولمة فيقول:" ان مصادر المعرفة في نظام العولمة تخضع لتحكم الشركات التجارية، وهذا يعني أن التاريخ العربي كجزء من نظام المعرفة يصبح بدوره مجرد سلعة ينطبق عليها من الأحكام والإجراءات ما ينطبق على سواها من السلع المادية فيخضع إنتاج التاريخ العربي بكتبه وندواته وأفلامه لقانون العرض والطلب، ويبقى حكرا على القوى الأجنبية التي تمتلك المال والقدرة التقنية، وبالتالي لن يصبح بين أيدي أمينة تحافظ على حقيقته وموضوعيته، بل سيصبح لا محالة معرضا للتشويه والتحريف والبعد عن الحقيقة كما يقع للسلع التي تقوم الشركات بالإعلان عنها، فتروج لها بالحق والباطل دون استهداف الحقيقة ما دام الربح يبرر الوسيلة، لذلك سيتعرض التاريخ العربي مع سيادة العولمة لتشويه وافتراءات لا تقل عن الافتراءات التي لصقت به منذ القرن 19 مع الدراسات الاستشراقية، وسيستقبله الغرب بهذه الصورة المزيفة لأن تأثير الإعلام وقوة وسرعة نفاذه لا يخفى على أحد."[5]
وفي المجال الفني تركز ثقافة العولمة على ثقافة الصورة اكثر من ثقافة المكتوب وبما أن الصورة تكتسي سلطة رمزية قوية على صعيد الإدراك الثقافي، فإن النظام السمعي-البصري يصبح المصدر الأقوى لصناعة القيم وتشكيل الوعي الجماهيري والوجدان العام ، على اعتبار أن "الصورة هي اليوم المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد، نظام إنتاج وعي الإنسان بالعالم. إنها المادة الثقافية الأساس التي يجري تسويقها على أوسع نطاق جماهيري وهي تلعب في إطار العولمة الثقافية الدور نفسه الذي لعبته الكلمة في سائر التواريخ الثقافية التي سلفت لا تحتاج الصورة دائما الى المصاحبة اللغوية كي تنفذ إلى إدراك المتلقى"[6].
اما في المجال اللغوي فلا يختلف اثنان في أن اللغة التي فرضت وجودها وانتشرت بسرعة فائقة هي اللغة الانجليزية، فحوالي ثلث سكان العالم كما تشير الاحصائيات يستخدمون اللغة الانجليزية[7].
ويعود السبب في ذلك إلى قرون الاستعمار الانجليزي، ودور الإعلام في الترويج لهذه اللغة، بالإضافة إلى استخدام هذه اللغة في مختلف المحافل الرسمية التابعة للمنظمات الدولية. وقد صاحب انتشار اللغة الانجليزية انتشار للثقافة والقيم الاستهلاكية الأمريكية على نطاق واسع خاصة الأغاني والموسيقي الأمريكية التي دفعت الشباب لتعلم اللغة الانجليزية.
كما تسعى العولمة في اطار تنميط العادات والسلوك إلى تسطيح الوعي وإعادة انتاجه من جديد بحيث يصبح خادما للثقافة المهيمنة، فهي ترسم "حدودا" أخرى غير مرئية تحددها الشبكات العالمية قصد الهيمنة على الأخلاق والنفس والسلوك، فيتم بموجبه إخضاع النفوس، والتشويش على نظام القيم وقولبة السلوك، والهدف هو تكريس نوع معين من الاستهلاك المعرفي وهذا ما يعبر عنه المفكر المغربي محمد عابد الجابري "بثقافة الاختراق".
تحديات العولمة في المجال الثقافي
اذا كانت الثقافة هي فن "استثمار المعرفة،"[8]حيث يستوعب الفن كل القدرات الإبداعية والتخيلية لدى الأفراد والجماعات وبالمقابل يستوعب الاستثمار كل الأساليب والتصرفات الموزونة المقننة التي تتعلق بالجانب الاستخدامي والتخطيطي، فان العولمة الثقافية حسب بعض الدوائر هي محاولة تعميم النمط الثقافي البارز على جميع صور الحياة الثقافية في كل المجتمعات. وقد ساهمت وسائل الاتصال التكنولوجية في بروز العولمة الثقافية وعملت على تصدير القيم الثقافية خاصة الأمريكية إلى كل الجهات[9]. وقد كثر الجدال حول أبعاد هذا التعميم بين من يرى فيه مجرد انفتاح على الثقافات الأخرى والاستفادة من تجارب الغير في الفن والعلم والأدب والفلسفة …
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد رمصيص
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 11
القصة الومضة بين اقتصاد الحكي و انزياح المعنى
قراءة في تجارب مغربية
محمد رمصيص.
بمراجعة البدايات الأولى لتشكل السرد و تجلياته نجده مقرونا بالامتداد و الاتساع و الاستطراد.. لكن بمجيء القصة الومضة ستقلب هذه المعادلة باستبدال خاصية الإضافة بفن الحذف مؤسسة شعريتها على الاقتصاد في اللغة و التخييل و الزمن ... و بهذا استطاعت أن تتجاوز التعارض المخادع بين الحكي والحيز الضيق .. و من ثم بنائها لجاذبيتها على خيانة الأصل و التمرد على الجذور. و القصة الومضة بذلك تنتهك الميثاق السردي التقليدي القائل أن التشويق و الحكي مشروط بفسحة زمنية اكبر...وباستبدال الاتساع بالقصر و الإضافة بالحذف خلقت حكيا محتفيا بالمضمر و المعنى المندس بين فروج النص... لهذا يمكن اعتبار هذا الجنس الأدبي نوعا مغامرا و مخاطرا بنفسه و دلالته لأنه مليء بالفجوات و البياض اللذان قد يسيئان إليه...لكن بالمقابل هي فجوات منشطة لجهاز التأويل المطالب دوما بمضمرات النص قصد حيازة المعنى.. علما أن الكتابة الشذرية كخيار جمالي للنص المومض لم يترك أمامه من خيار سوى اعتماد الإيحاء و الرمز الضامن الأساسي لشباب النص والحيلولة دون شيخوخته...و أصبح من المستحيل منطقيا القول بأحادية المعنى و أحادية الحقيقة الأدبية.. مادام قصر القصة الومضة يعني أنها نص مخترق بالبياض و الفجوات المستدعية للتأويل كتشابك يتحكم فيه الاحتمال و ليس اليقين. نص يختزل العالم في كلمات عوض الفصول و هو افتراض يتأسس على أن الكتابة كما الحياة مسارات متقطعة و متجزئة و قلما تأتي موصولة يكفي فيها الفسيفساء المعزول للتعرف على الزخرف كاملا...
1. في الحاجة إلى تأويل النص المومض:
تنبع ضرورة التأويل من كون اللغة الأدبية تستعمل للإخفاء بذات القدر التي توظف فيه للإفصاح... وبالتالي إنبناء النص الأدبي على المقول و المسكوت عنه...و في هذا السياق تطرح قيمة المحذوف والمغيب، الكتابة و البياض و تقابل القيمة الدلالية للقول مع الصمت و الامتلاء بالفراغ. خاصة والقصة الومضة تؤسس كينونتها على فن الحذف و بلاغة اللامقول. الأمر الذي يفرض على متلقيها نوعا من النوسان بين المصرح به و المضمر. و لهذه الاعتبارات نرى أن المحذوف و المسكوت عنه يثيران و يحرضان على الاستكشاف أكثر من غيرهما. يقول بير ماشرى في هذا السياق:" لا نشعر بوجود الايديولوجيا في النص الأدبي إلا من خلال جوانبه الصامتة الدالة و التي يجب أن يتوقف عندها الناقد ليجعلها تتكلم، فالنص قد يحرم عليه –إيديولوجيا- قول أشياء معينة. و يجد المؤلف نفسه – في محاولة قص الحقيقة بطريقته الخاصة- مضطرا إلى الكشف عن حدود الايديولوجيا التي يكتب منها، ومضطرا كذلك إلى الكشف عن ثغراتها وصوامتها، أي الكشف عما هو غير قابل لأن يقال. و مادام النص يحتوي هذه الثغرات و الصوامت فانه يظل دائما غير متكامل" (1)
إن إستراتيجية الحذف تجعل من القصة الومضة نصا مليئا بالثقوب و الغياب... نص غائر في الترميز و المراوغة الأمر الذي يوسع من رغبة القارئ في قول صمته، طالما الحذف مسافة جمالية مغرية بالتأويل و آلية لاتساع النص و تعميقه.. فيغدو المتلقي شبيها بمسافر غجري وظيفته التأثيث المتجدد و اللانهائي للفضاءات المرتادة... لكن لنا أن نتساءل مع ذلك: ترى إلى أي حد تستثمر القصة الومضة البعد الايجابي للحذف و الإضمار كآلتين لإنتاج المعنى؟ ألا تحكم القصة الومضة المغربية على نفسها بالانزواء و هي تنتسب لثقافة الامتلاء؟ و ما السبيل لإعادة الاعتبار للمكتف و المبرق في عملية التواصل الإبداعي؟ جملة من الأسئلة سنعمل على استثمارها في صلب مقاربة للنماذج التالية:
2. تجارب مغربية:
2. 1. ابراهيم بوعلو ومكر الرغبة:
في قصة "حفل في الشارع" (2) يخبرنا السارد بذهاب رجل ثري لاستقدام خادمته من حي شعب... ذهاب تزامن و عرس حال دون حركة سيارته الفاخرة لضيق الأزقة في ذات الوقت الذي كانت لديه مواعد هامة جدا... و فجأة شاهد من بعيد خادمته ترقص مع الجموع مستعملا نفير سيارته بعصبية لمناداتها دون جدوى. فلاحظ حنقه أطفال الحي و تسلقوا سطح السيارة و اخذوا يرقصون و يغنون الشيء الذي جعله يغمى عليه...
القصة في معناها الظاهر بسيطة للغاية لكن إحالاتها شديدة الثراء: حيث تؤشر حالة إغماء الرجل الثري على الموت السريري للطبقة البورجوازية و عدم وفائها بالتزاماتها الوطنية: ثانيا رقص الأطفال على سطح سيارته يحيل على أن الفئات الكادحة إن توفر لها الشرط الموضوعي لإسماع صوتها لا محال سيكون على جثه الطبقة البورجوازية و دوسها. ثالثا الخادمة التي نسيت جراح القمع و الاستعباد مرحليا بفعل الرقص و جعلت من جسدها لوحة فرجوية لإثارة الانتباه و التماطل في تلبية طلب النداء... و فطنت تلقائيا إلى أن لغة الجسد الراقص يسعف على إسماع صوتها المخنوق و يترجم تضاد المصالح: فراحة السيد الثري لا بد أن تكون على حساب شقاء الخادمة. تضاد يترجم الصراع القائم داخل المجتمع المغربي و فئاته الاجتماعية و تصادم المصالح.. علما أن الجسد لحظة الرقص يسلم نفسه للانفعالات الداخلية غير عابئ بالقيود التي يفرضها الثقافي و الاجتماعي و الديني"فمع الموسيقى يباح للجسد الخروج عن وقاره،وقول ما لم تقله إيماءاته في حالة السكون أو الأفعال النفعية.إن الموسيقى تدفع إلى الانطلاق والعودة من جديد إلى حالات الجسد الغريزية كما تبدو في الطبيعة"3." رابعا: بالرجوع للغة النص نجد السارد و من خلفه الكاتب ينحاز للطبقة الكادحة باستعماله ضمير الغائب حيث يقول: "اعترضت سيارته" علما أن تغييب شخصية ما هو قتل رمزي لها و تقليل من دورها في صنع الحدث... و بذلك فنص مماثل يضمر مكر الرغبة الرامية لإنصاف المغبون و إحقاق الحق و الثأر من المستبد ولو رمزيا... عند هذا المستوى يمكننا طرح السؤال التالي: هل حقا قصر النص المومض يترجم قصر النفس أم العكس؟ و هل يمكن الزعم أن الإيجاز مرادف للسهولة أم أن الايماض معنى استعاري يفيد الإشراف في حيز ضيق و بالتالي اشتراطه لحفر و تأمل خاصين...
2-2 محمد تنفو و لغة الجسد
في قصة " بالطباشير الأبيض فقط" (4) نطلع على حكاية أستاذ قام برسم امرأة على السبورة بالطبشور الأبيض و أمر تلامذته بملأ الفراغ بما يناسب من الأعضاء... و بعد اكتمال الجسد ذبت فيه الحياة... فترجلت المرأة عارية على المنصة الإسمنتية للقسم. فأمر الأستاذ تلامذته بالانتقال إلى مرحلة متقدمة من تصوره البيداغوجي الخاص جدا... هنا يشتغل القاص على مفصل دقيق و حساس جدا تتماس فيه الرغبة بعنف الواقع. نص يسير عكس التصور القائل أن الفرد لا يبلغ السعادة المطلقة و الخلاص الكامل إلا عندما تغادر الروح الجسد... و بذلك فهو يقلب المعادلة المختلة أصلا و التي تعلى من قيمة الروح المقدسة مقابل تبخيس الجسد المرهون باللذة بسبب الخطيئة الأولى و الخطايا المتوالية فيما بعد. و بالتالي تشديده على أن السعادة الحسية ممكنة كذلك لحضة الحياة... الأمر الذي ترجم بإقبال التلاميذ على فعل الخلق الجماعي من خلال ملء بياضه حيث صار بؤرة العلامات و ملتقاها... إذ بملء فراغاته انتقل من الصورة الجامدة إلى الكائن الحي و من السكون إلى الحركة لتسحب عنه سمة الجسد الغفل من أي تأشير دلالي. علما "أن المرأة ليست فحسب ذلك الجسد الصرف ذا الجغرافيا المميزة والمستثيرة للنظرة الجمالية أو الايروسية، بيد أنها أيضا جملة من السلوكيات و الحالات و الانفعالات والمواقف المفارقة لكينونتها البيولوجية و الفيزيائية و المعانقة لمقولات و تصورات ثقافية تستوطن الدهن و العين و المجتمع"(5) الأمر الذي جعل هذا النص يضمر دعوة دفينة لتحرير الجسد من حالة التبات و السكون إلى الحركة و الكلام و استعادة حيويته باقتحام أحواز المعرفة و التعلم... غير أن نهاية النص الملتبسة تحتم علينا التخمين حول مآل الجسد العاري و التساؤل عن غاياته- علما أن العري حالة طبيعية بخلاف اللباس كحالة ثقافية- و إن كنا نقر أن الجسد لا يستعيد قدرا من عافيته التأثيرية إلا لما يطأ لغة التخييل و مجازات الكلام المشحونة بالتساؤلات المركبة من قبيل: هل ثمة تعارض بين المعرفة و المتعة؟ بين التحريم و الوعي؟ أم أن تصالح الفرد بالجسد من خلال معرفته و تأمله يوقف نزيف الرغبة و سطوة الكبت.
2-3- مصطفى لعنتري ووجع المفارقة:
تتلبس النهاية المفارقة جل نصوص مجموعة "مظلة في قبر" (6) فإذا كان الرائي في قصة "المرآة" يكتشف في النهاية أن المرآة كانت تتأمل وجهها فيه. فان قصة " الخلاص" تنتهي بتحول الصياد إلى ضحية و انتقاله من فعل القتل إلى فعل الانتحار. و بهذا فقصة "الخلاص" تلامس آلية الإنسان المعاصر الذي فتته الضجر و داسه الفراغ ..و بالتالي فقدان التوازن... حيث أضحى يمارس فعل الانتحار لمجرد تأمله دافعا عابرا... خاصة إذا علمنا أن قيامه بهذا الفعل جاء كردة فعل على استخساره طلقة في حق عصفورة ضئيلة... عصفورة أصبته بعدوى الضآلة... و لقتل هذه الصفة لم يكن أمامه من خيار سوى محو الجسد الحامل لها...علما أن فعل انتحاره خلق حالة من الالتباس. ترى هل انتحاره تتويج للألم أم للذة؟ فإذا كان محو الضآلة لذة فان فعل المحو لم يتحقق إلا بأعلى درجات الألم و هي قتل الذات! و بهذا يتكشف لنا انه في عمق كل لذة توجد ذرة من الألم... الأمر الذي يعني أن كل فرد تتقاذفه غريزتي الهدم و البناء الموت و الحياة. ترى هل تدل فجائية حدث انتحار الصياد على غياب قناعته باستقبال الموت و انه لا يعدو كونه عزاء نفسي كاذب و خلاص فردي مخادع؟ ربما كان الأمر كذلك.. إن رمزية مكان حدوث الحدث/ الغابة يعيد للواجهة تلك العلاقة المفارقة و التي تربط الإنسان بالطبيعة على اعتبار انه امتداد لها... فهل حقا بتدميرها (فعل القتل) يدمر ذاته في سياق نظرته النفعية التي تعني السيطرة عليها؟ أم أن فعل انتحار الصياد يصبغ موته بمغزى خاص و يترجم قلقه على اختلال توازنه واحتجاجه على العنف؟ لاسيما و الانتحار في سياق مماثل يتجاوز كونه إيماءة للتحدي و اليأس إلى أحواز الموقف الفلسفي القلق. إن الانتحار- و الحالة هذه- موت قيد الانجاز... جعلنا السارد نصاحب المنتحر في لحضة مفصلية يخرج فيها من حيز الحياة و يدخل حيز الموت. إذ قلما نمسك بلحظة الموت في رهنيتها حيث يقال عادة في صيغة الماضي: لقد انتحر- أو في صيغة الاستقبال: سينتحر لا مجال... و بهذا فنص الخلاص أشبه ما يكون بمشهد يمشى فيه المنتحر في جنازته...علما أننا لا نفكر في الانتحار إلا بوصفه فعلا للآخر و ما نحن إلا متفرجين لأننا في العمق لا نعترف بأننا سنموت و نستبعد كليا فعل الانتحار عن ذواتنا...ومع ذلك يصر بطل هذه القصة الومضة على تذكيرنا أن اللذة زائلة بينما يضل الموت أزليا و هو في ذلك يلتقي مع البوذية التي ترى أن العالم ألم...
2-4- عز الدين الماعزي و لعبة الحب:
في النص التاسع من مجموعته "حب على طرقة الكبار"7" يخبر ساردها بلعبة معتادة يتسلى فيها رجل بنزع أوراق وردة قصد التحقق من حضور الحب أو غيابه... منتهيا بإدخال الوردة كطرف أساسي في هذه الحالة العاطفية المركبة... إذ تعيش المرأة و الوردة حالة توحد صوفي مشتكية من فعل العري و البرد و الألم جراء فعل تدميري مارسه الرجل عليهما. وهذه النهاية البائسة جراء غياب الحب تحيل على ارتهانه للمعاناة و التوتر و الانفعال... و القاص بذلك يعيد لأذهاننا النهايات التعيسة لأشهر العشاق في التاريخ...إن تقمص الوردة صوت المرأة و الصراخ في وجه الرجل بالقول أنت لا تحبني في نهاية النص ناتج عن فعل التعرية الرمزي.. و بالتالي استشعارها لبرودة تتضاد كليا و نار الصبابة و العشق و حريقهما المتوقد. و البرد في هذا السياق كناية على الفتور و الضعف و الوهن. فلا شيء يثير الموت فينا اكتر من البرد. صفات تتضاد مع العشق كخلفية درامية بني عليها النص...وهو إحساس مصحوب بالعنف و الانفعال و الشغف بالأخطار و المغامرة. أما حالة العري التي عاشتها الوردة/المرأة فهي نتاج تأرجح الرجل بين إثبات الحب و نفيه مما جعلهما تعيشان صراعا داخليا مريرا و تعانيان من وطأة التوتر جراء غياب الاستقرار العاطفي مع وجود التشديد هنا أن الوردة لا تعوض المرأة و لا تلغيها و لكنها تستدعيها رمزيا.. لكن هل يعد هذا التأرجح بين حضور الحب و غيابه حب على طريقة الكبار؟! و هل صفة الكبار في الحب مرهونة بالتوتر و الانفعال و جو المخاطرة؟ أم أن بطل القصة المتصف بالتقلب السريع و الاستجابة المباشرة للمثيرات العاطفية يطمح من خلف هذا السلوك الدنجواني لإبقاء الحب في مستوى العشق العنيف و الانفعال الحاد؟..ولعله من طريق الصدف أن الحب يشكل احد الأجوبة الممكنة لسؤال الموت الذي سبق و طرح القاص مصطفى لعنتري في نص " الخلاص".
2-5- عبد الله المتقى و التخيل القلق:
يتسم متخيل مجموعة"الكرسي الأزرق"8" بالقلق و الإحساس الغامر بالتوجس... صحيح أن الحياة الفنية للمجموعة مثيرة بصورة ما، ولكنها تمضي بصورة معينة لتواجه مشكلة فقدان جوهر الإنسان. فطفل قصة "حمام" مثلا يستهل نهاره بتتبع رشاقة طيران صرب من الحمام و الذي سرعان ما يختفي تاركا الفضاء لطائرات حربية تجعل الردى على مرمى حجر منه. و حالة الحرب كناية على عجز العقل البشري على احتواء الاختلاف و تدبيره. وخوف الطفل من هذه الأجواء المشحونة بالرعب يعيد طرح سؤال مصير الإنسان الغامض...وذات القلق تعيشه امرأة قصة "بدون ستائر" متجنبة عيون النهاريين و هي عائدة من ليلة حالمة رفقة نديمها موقنة أن اللذة المسروقة التي انتزعتها انتزاعا سرعان ما ستتحول إلى ذكرى عابرة. يقول السارد في ص8: "لكن صفير القطار، و قارورة العطر التي نسيتها في جيب حاكيته، سيضلان تذكارا منسيا على جدران غرفة بدون ستائر باذخة" ترى هل من تفسير لهذا الشعور بالاجتثاث؟ وما سبب إحساس هذه الشخصية بالعداء و الكراهية للمجتمع؟ هل لأن رغبات الفرد ما لبثت تتقوى و تتصادم مع عنف الواقع وقوانينه؟ أم أن حالة الوحدة التي عادت لها بطلة النص أفقدتها المبرر المعقول للاستمرار في الوجود؟
إن ما يزيد متخيل هذه المجموعة توترا و قلقا كون صاحبها اشتغل في أكثر من مفصل على سؤال الضجر و الموت و الرغبة المرجأة إلى حين... فموت الجدة في قصتي "دادة، و رقية لفقية" يسحب معه متعة تلقي حكاياتها و دفئها الاستثنائي و إصابة الطفل/ البطل بضياع عاصف الأمر الذي منح بعض قصص هذه المجموعة نكهة جنائزية...
إن ضياع الشخوص بفعل العزلة و الاضطهاد شكل البذرة المخصبة و النواة الأم التي تشقق عنها حكي المجموعة الجريح جراء الرغبات المعطلة و التي قلما تعانق موضوع رغبتها. يقول السارد في قصة "قوارير زرقاء" ص34.
- السيدة الأولى: مزقت ميثاق النكاح، وصاحت بمرارة.
كم نشفت في انتظار لا أحد
السيدة الثانية: خرجت من غرفة النوم، ولعابها يسيل زبدا
كم تعفنت
السيدة الثالثة: حزمت حقيبتها، و قالت بهدوء.
كم تأخرت
و السيدة الرابعة: عضت سي السيد، و صرخت في جهة
كم أنا جائعة."
3. استنتاجات تركيبية:
نخلص من قراءة هذه النماذج إلى أن القصة الومضة –كجنس أدبي- تتأسس على اللغة الإيمائية المكتفة بالإشارة و الإيحاء و الرمز مستعيضة عن الكل بالجزء لأنها في الأساس تعتمد كتابة سردية اختزالية محذوفة التقديم في الغالب بخلاف نقطة النهاية التي تتجمع فيها جملة من العناصر البنائية و الجمالية... نهاية مقرونة بالدهشة و المفارقة الأمر الذي يجعلها مخيبة لأفق انتظار المتلقي...فضلا عن اعتمادها على الحذف و الإضمار مؤسسة لقص يحتفي باللامقول و القصدية المفتوحة دلاليا مادامت تراهن على قص المسكوت عنه...حيث اشتباك الاستهام بالرغبة و الحلم بالحنين و اللذة بالألم و عودة المكتوب المحتفي بعوالم رمزية مليئة بالسحر والممنوع والغامض والسحري والمبهم.. إذ مع الحذف كوسيط جمالي للكتابة المومضة صارت دائرة الغامض أكثر اتساعا و بات المبعد أكثر إثارة و إغراء لتوليد فائض المعنى...وبهذا يمكننا القول أن القصة الومضة تؤسس شعريتها على قانون الندرة كإستراتيجية تعتمد التشطيب و المحو الإخفاء و الغياب الحذف و الإضمار و تفجير مكبوت النص و استيعاب فجواته و انقطاعاته و هي بذلك تشتت المعنى على اللامعقول و الصمت و البياض حيث يصير الشكل نفسه حاملا للمعنى و يعوض طول النص بسمكه و طبقاته الأمر الذي يجعل من المغيب يرتدي وشاح الفتنه و الإغراء بالملاحقة. علما أن الفجوة بين المعنى و التعبير هي التي تثرى الكتابة و تحرر الدلالة من سجن المكتوب و تخلصها من وهم تطابق النص بالواقع...وإذا كان لا وجود لصيغة تعبيرية بدون إستراتيجية صامته فان الكتابة المومضة لهذا الاعتبار توجه الاهتمام لجدل خصب بين المكتوب و المحذوف بين الصمت و الكلام و بين التذكر و النسيان و بهذا تنجب لنا شعرية المحو و الحذف نصا جريحا لأنها تقوم على البتر و حجب بعض مسالك النص الأمر الذي يجعل معناه ينزف بلا توقف...
احالات:
* نص المداخلة التي تقدم بها الباحث في الملتقى الأول للقصة القصيرة جدا بالفقيه بن صالح/ المغرب. يوم 2 فبراير 2008.
1. تيرى انجلتون: الماركسية و النقد الأدبي. ترجمة و تقديم جابر عصفور. دار قرطبة للطباعة والنشر 1986. ص40
2. خمسون قصة في خمسين دقيقة. ابراهيم بوعلو. دار النشر المغربية، ط1983. ص49-50
3. مجلة علامات ع20. 2003 مقالة "تمثلات البارد و الساخن" لسعيد بنكراد ص14
4. كيف تسلل وحيد القرن. محمد تنفو- قصص قصيرة جدا. منشورات الكوليزيوم القصصي2004. ص32
5. في قبضة الثقافة-هشام العلوي. منشورات اتحاد كتاب المغرب2004. ص102.
6. مظلة في قبر مصطفى لغتري. منشورات القلم المغربي. 2006.
7. حب على طريقة الكبار. عز الدين الماعزي مطبعة وليلي 2006. ص22
8. الكرسي الأزرق عبد الله المتقي. مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب 2005