مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

المناسبات بين الآيات والسور

التفاصيل
كتب بواسطة: د. سامي عطا
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 08 سبتمبر 2007
الزيارات: 8

المناسبات بين الآيات والسور

فوائدها .. وأنواعها.. وموقف العلماء منها

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت

ملخص

تهدف هذه الدراسة بصفة أساسية  ،   إلى التعريف بأهمية المناسبات بين الآيات والسور ، وأنها لون من ألوان إعجاز القرآن الكريم ، الذي بلغ من ترابط سوره ، وأجزائه ، وتماسك كلماته ، وجمله ، وآياته ، مبلغا لا يدانيه فيه كلام آخر ، الأمر الذي دفع فصحاء العرب حين سمعوا القرآن ، وبعد أن  تحداهم لمعارضته ، إلى تأمل القرآن   سورة سورة ،  وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبوا بها مكانها، بل وجدوا اتساقا بهر العقول ، ونظاما والتئاما ، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس أي بليغ منهم ،  موضع طمع ، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول .     ومع أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة على رسول الله  -  صلى الله عليه وسلم - ، بل نزل نجوما وآحادا ، على حسب الوقائع والأحوال ، في أكثر من عشرين سنة  ، إلا أنه كان  محكم السرد ، دقيق السبك ، متين الأسلوب ، قوي الإتصال، آخذ بعضه بأعناق بعض ، في سوره وآياته ، وجمله وعباراته .. فكيف اتسق للقرآن هذا التآلف المعجز ..؟ وكيف استقام له هذا التناسق المدهش ..؟ أليس هذا سرا من أسرار الإعجاز ..؟ يشهد بحق وصدق ، ويدل أبلغ دلالة على مصدر  القرآن ، وأنه كلام الله .

 

 

 

 

 

Occasions between verses and Surahs

(of Qur’an)

Their  advantages,their kinds and scho and attitude towards them

Dr.Sami Ata Hassan

Al-Albayt University

Abstract

This study aims at explaining significance of occasions between verses and  surahs (of Qur’an)  and that they are a sort of  Holy  Qur’an ‘s inimitability , where its Surahs and chapters were correlated and its words , sentences and verses were held together in a way incomparable by any other way , motivating Arab eloquents , when they heard Qur’an and when it challenged them to have pastiche of it, to contemplate the Qur’an , Surah by Surah and a verse by verse . Hence,they did  not  find in all  any word out of its proper place. Instead, they found a harmony bewildererd minds, a system and compatibility, accuracy and perfection, which did not leave for any eloquent a jot of greed to fo so, until tongues kept silent to allege and say.

Although Qur’an was not revealed all at one to God’s Messenger – peace be upon him-, but revealed  separately and individually, through more than twenty years, as  the facts and cases may be , however it was tightly narrated , with accurate structure, strong style and verses and sentences and expressions.

How Qur’an has this inimitable harmony?

How this astonishing compatiblity come?

This is one of inimitability secretes, standing as a witness of right and honesty and clearly indicates the source of Qur’an and it is God’s speech.

Is’nt it?

المقدمة

نهج القرآن الكريم منهجا فريدا في عرضه للقضايا التي عرض لها ، خالف به سائر المناهج السابقة واللاحقة ، التي اصطلحت في مناهجها أن تبنى على مقدمات ، ومباحث متسلسلة ، أو أبواب ، وفصول ،  إلى غير ذلك من تقسيمات ، في إطار مقاصد محدودة ، ونتائج مرسومة .

  فتراه يذكر طرفا من الشيء ، ثم يتركه ، ثم يعود إلى إتمامه ، بطريقة لا تسأم النفوس هديه ، ولا تستثقل حديثه ، مراعيا في تسلسل نصوصه أن يقارب بين أفرادها ، فتجد الآية متسقة في كلماتها ، متآزرة مع أخواتها من الآي ، وتلتقي السورة بالتي بعدها  ، والتي قبلها  ، برابط لا يجعل منها جنسا غريبا عنها ،   بل تبدو فيه كعقد نظمت حباته  ، ورتبت أبدع ترتيب ، فكان بذلك معجزا بنظمه ، بديعا في اتساقه ، متناسبا في آياته ، وسوره ، وأجزائه  .

هذا المنهج الفريد استرعى قلة من العلماء والمفسرين – قديما وحديثا – ، فانكبوا على دراسته ، وأفردوا له علما مستقلا ، يدرس خصائصه ، ويحدد معالمه ، أطلقوا عليه اسم : ( علم المناسبة ) . فما المناسبة ..؟وما أنواعها ..؟ وما فوائدها ..؟  وما موقف العلماء منها ..؟ وما المصنفات التي تكلمت عنها .. ؟ ومن اهتم بذكرها من المفسرين ..؟  هذا ما سأقوم بالإجابة عنه في هذا البحث. ، الذي نحوت فيه منحى نظريا ، على أن يتبعه بحث تطبيقي بإذن الله .

وقد جعلته في  مقدمة  ، وفصلين  ، وخاتمة ، على النحو التالي :

 كان الفصل الأول تحت عنوان : ترتيب آيات القرآن ، وسوره . وضمنته  مبحثين :

تحدثت في المبحث الأول  : عن تعريف الآية لغة واصطلاحا . وآراء العلماء في ترتيب الآيات .

وضمنت المبحث الثاني :تعريف السورة لغة ،واصطلاحا ، وآراء العلماء في ترتيب السور .

وجعلت الفصل الثاني  في أربعة مباحث  ، على النحو التالي :

تحدثت في المبحث الأول : عن معنى المناسبة في اللغة  ،والاصطلاح .

وتحدثت في الثاني :  عن فوائد معرفتها .

وفي المبحث الثالث :  عن أنواع المناسبات   .

وفي المبحث الرابع : عن موقف العلماء من المناسبة ، مع ذكر مصنفاتهم فيها ،

وذكرت بعض من اهتم بها من المفسرين .

ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم نتائج هذا البحث ،  سائلا المولى  -  عز وجل   - التوفيق والسداد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     الفصل الأول

 ترتيب آيات القرآن الكريم .. وسوره

نزل القرآن منجما في ثلاثة وعشرين عاما تقريبا ، وكان نزوله ملائما للوقائع والأحوال التي مرت فيها الدعوة الاسلامية ، ومراعيا ما يتطلبه الزمن الذي نزل فيه  . لذا يختلف ترتيب القرآن الكريم في النزول ، عن ترتيبه في المصحف اختلافا كبيرا ، ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلاف الهدف المقصود من كلا الترتيبين  .( فهو في تريبه النزولي منهج لتأسيس دعوة ، وأسلوب إقناع بعقيدة ، وطريقة تبشير وإنذار ، ودحض كامل لمنطق الإلحاد المريض ، وهو في ترتيبه المصحفي أسلوب حياة ، وبناء حضارة ، ودستور للعالم كله ، محيط بكل صغيرة وكبيرة من حاجاته ومطالبه ، أحكم ترتيبه  من هذه الوجهة ،  ليكون  هداية للمؤمنين .)1.   ثم إن  التسلسل الزماني وإن ضم موضوعات متقاربة أحيانا ، فإنه كثيرا ما يحمل ما اختلف من الموضوعات التي يصعب أن يربطها ناظم ، لذا راعى القرآن في تسلسل نصوصه أن يقارب بين أفرادها ، فحصل فيه التناسب من أصغر وحداته إلى أكبرها . ولو أنه جمع ورتب على حسب ترتيب نزوله ،             ( لفهم بعض الناس أن آياته خاصة بحوادثها ، أو أنه حلول وقتية للمشكلات التي كانت على عهد الرسول   – صلى الله عليه وسلم - فحسب ،  والله تعالى يريد  كتابه عاما خالدا لا يختص بعصر دون عصر ، ولا  بقوم دون قوم ،  لذلك اقتضت الحكمة أن يرتب ترتيبا يحقق هذا العموم ،   وهذاالخلود ، ويبتعد عن الترتيب الزمني الذي نزل به ، لحكمة كانت مناسبة حين نزوله ).2

فالقرآن كان معنيا بتأسيس دين جديد ،  بين قوم لا يدينون بالدين الحق ، وآية ذلك أن الفترة المكية على طولها ، كانت الدعوة فيها متجهة إلى بناء العقيدة  ، وترسيخها في أعماق الوجدان ، وما ذاك إلا لأنها هي قوة الدفع للإنسان المؤمن   ، نحو الطاعة المطلقة لله – عز وجل –  ، في الأمر  والنهي . وهذا التفريق في النزول ، يدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم كلام الله العزبز الحكيم ، وليس كلام بشر على الإطلاق ، وأن عقلا بشريا مهما أوتي من القوة والحفظ والإحكام ، لا يستطيع أن يذكر موضع فقرة من كلام سابق مضى عليه سنوات ، فيضعها في مكانها، بحيث تلتحم وتتواءم مع سابقاتها ، ولاحقاتهافي اللفظ ، والمعنى ، والسياق  ، ولا يتأتى ذلك لو لم يكن ترتيب السور توقيفيا ، كما هو الحال في ترتيب الآيات

             المبحث الأول :   تعريف الآية ، وآراء العلماء في ترتيب الآيات  :

      أ  -   تعريف الآية لغة واصطلاحا  :  تطلق الآية في اللغة على معان متعددة منها : ( المعجزة  ،  والعلامة ،  والعبرة  ، والأمر العجيب ، والجماعة ، والدليل)3 .

وأما حد الآية القرآنية في الإصطلاح أوفي عرف القرآن : ( فهو قرآن مركب من جمل ولو تقديرا ، ذو مبدأ  ومقطع  مندرج في سورة .) 4 .

   ومن الواضح البين مناسبة المعنى اللغوي  للمعنى الاصطلاحي للآية القرآنية ، فهي القرآن المعجز ، وهي علامة على صدق الآتي بها – صلى الله عليه وسلم - ، وفيها عبرة لمن أراد أن يعتبر ، وهي من الأمور العجيبة ، لسمو أسلوبها ومعناها ، وفيها معنى الجماعة ، لأنها مؤلفة من الحروف والكلمات ، وفيها معنى الدليل ، لأنها برهان على ما تضمنته من هداية وعلم .

        ب  - آراء العلماء في ترتيب الآيات :

ترتيب الآيات في سورها توقيفي ثابت بالوحي ، وبأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وكانت الآيات تتنزل عليه ، ويأمر كتاب الوحي بوضعها في مكانها من السور بتبليغ من جبريل   -  عليه السلام - . وقد ترادفت النصوص على كون ترتيب الآيات توقيفيا 5 ، ونقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء منهم : الزركشي ، حيث قال : ( فأما الآيات في كل سورة ، ووضع البسملة في أوائلها ، فترتيبها توقيفي بلا شك ، ولا خلاف فيه  . وقال مكي : ترتيب الآيات في السور ، ووضع البسملة في الأوائل ، هو من النبي – صلى الله عليه وسلم - ، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة ، تركت بلا بسملة . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني :- ترتيب الآيات أمر واجب ، وحكم لازم ، فقد كان جبريل يقول : ضعوا آية كذا في موضع كذا .) 6

المبحث الثاني  :   تعريف السورة لغة واصطلاحا ، وآراء العلماء في ترتيبها .      

         أ  - تعريف السورة لغة ، واصطلاحا :

 اختلف العلماء في تحديد المعنى الذي اخذت منه السورة بمعناها القرآني، وأقرب الآراء إلى الصواب ،    ( أن تكون السورة مأخوذة من سورة البناء ، أي القطعة منه ،    فكما أن البناء يقوم سورة بعد سورة ، كذلك  القرآن ، فالله عز وجل نزله على رسوله – صلى الله عليه وسلم –  ،  مفرقا في ثلاثة وعشرين عاما ، حتى اكتمل بناؤه ) 7

والسورة في الاصطلاح : ( طائفة من القرآن مستقلة ، تشمل على آي ذي فاتحة وخاتمة ، وأقلها ثلاث آيات .  أو  هي : الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص  ، بتوقيف من النبي – صلى الله عليه وسلم – ) 8

          ب    : - ترتيب السور القرآنية ، وآراء العلماء في ذلك :

إذا كان الإجماع قد تحقق حول ترتيب الآيات ، فهو لم يتحقق حول ترتيب سور القرآن  على ما هي عليه في المصحف الآن ، واختلفت أقوال العلماء في ذلك على ثلاثة  أقوال هي :-

   القول الأول :-  إن ترتيب السور على ما هو عليه الآن في المصحف ،كان  باجتهاد من الصحابة .  وهو قول جمهور العلماء ،  ومنهم الإمام مالك ، والقاضي أبو بكر بن الطيب في أحد قوليه ، ، ويستدلون على مذهبهم هذا بترتيب مصاحف بعض الصحابة ، على خلاف ترتيب مصحف عثمان    – رضي الله عنه وأرضاه - ، كمصحف الإمام علي ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ،- رضي الله عنهم أجمعين - 9

القول الثاني : - إن ترتيب السور كان بعضه بالتوقيف ، وبعضه الآخر باجتهاد من الصحابة .  قال  أبو الحسين أحمد بن فارس: ( جمع القرآن على ضربين : أحدهما :    تأليف السور    ،  كتقديم السبع الطوال ، وتعقيبها بالمئين ،فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة     – رضوان الله عليهم - ، وأما الجمع الآخر : فضم الآي بعضها إلى بعض ، وتعقيب القصة بالقصة ، فذلك شيء تولاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ،كما أخبر به جبريل عن أمر ربه –       عز وجل- ) 10.

ومال  ابن عطية  إلى هذا الرأي11.

 وذهب البيهقي في المدخل 12، إلى أن القرآن كان على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – توقيفي إلا الأنفال ، وبراءة ، فإن ترتيبهما باجتهاد من عثمان – رضي الله عنه - ، ووافقه عليه الصحابة ، وقد استدل على استثناء هاتين السورتين بما أخرجه أحمد ،    وغيره ، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال  : ( قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلىبراءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر – بسم الله الرحمن الرحيم – ووضعتموها في السبع الطوال ..؟ ما حملكم على ذلك ..؟ قال عثمان : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان مما يأتي عليه من الزمان ، ينزل عليه من السور ذوات العدد ، وكان إذا أنزل عليه الشيء  يدعو بعض من يكتب عنده ويقول : ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وتنزل عليه الآية فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وبراءة من آخر القرآن ، فكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فقبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يبين لنا أنها منها ، وظننت أنها منها ، فمن أجل  قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر- بسم الله الرحمن الرحيم – ووضعتهما في السبع الطوال  .) 13

وتابعه السيوطي  على ذلك  فقال : ( والذي ينشرح إليه الصدر ، ما ذهب إليه البيهقي ، وهو :  أن كل السور توقيفية سوى الأنفال وبراءة ..) 14

القول الثالث   : - وذهب إليه غير الجمهور :  وهو  أن ترتيب السور توقيفي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وأن الصحابة حينما خافوا ذهاب بعض القرآن باستشهاد حفظته ، جمعوه ، وكتبوه ، كما سمعوه من النبي – صلى الله عليه وسلم – ، ولم  يقدموا أو يؤخروا شيئا ، واقتصر عملهم على جمع القرآن في موضع واحد ، دون التعرض لترتيب سوره  ، إلا وفق ما سمعوه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، على هذا النسق والترتيب15

وروى الإمام القرطبي ، عن ابن وهب ، قال : ( سمعت سليمان بن بلال ،يقول : سمعت ربيعة يسأل : لم قدمت البقرة وآل عمران ، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة ،وإنما نزلتا بالمدينة ..؟ فقال ربيعة : قد قدمتا  ،  وألف القرآن على علم مما ألفه  .) 16

وبمثل ذلك قال أبو جعفر النحاس  ، ومحمد بن حمزة بن نصر الكرماني . 17

والمختار من هذه الأقوال : أن تأليف السور على هذا الترتيب الذي عليه المصحف توقيفي ، لا مجال للاجتهاد فيه ، وذلك للأمور التالية :

1-     إن  استدلال أصحاب القول الأول باختلاف مصاحف الصحابة  ،   يمكن رده  : بأن مصحف عثمان   – رضي الله عنه وأرضاه – لو كان اجتهاديا لما وافقوه على ذلك ، لأنه ليس لمجتهد أن يقلد مجتهدا آخر ، كما هو مقرر عند الأصوليين . ثم إن مصاحف الصحابة كانت خاصة بهم ، جمعت إلى القرآن بعض مسائل العلم ، وبعض المأثورات ، فهي إلى كتب العلم أقرب منها إلى المصاحف المجردة ، ومن هنا وجدنا  الذين استنسخوا المصاحف العثمانية ، لم يعتمدوا عليها ، بل اعتمدوا على جمع أبي بكر ، الذي  اعتمد على ما جمع بين يدي النبي – صلى الله عليه وسلم - ، ومن هنا فقد عدلوا جميعا عن هذه المصاحف ، وساروا على ما سار عليه الصحابة جميعا ،  ووافقوا على مصاحف عثمان  ، وما فيها من لفظ  وترتيب  ، وترك ما سواها ، فلو كان الترتيب بالاجتهاد لظلوا على اجتهادهم ، وبهذا ظهر بطلان هذا القول ،  ويؤكد الألوسي ذلك بقوله : ( وبالجملة بعد إجماع الأمة على هذا المصحف ، لا ينبغي أن يصاخ إلى آحاد الأخبار ، ولا يشرأب إلى تطلع غرائب الآثار ) 18

 أما  ما ذهب إليه البيهقي ، والسيوطي ، بأن ترتيب السور توقيفي  ، باستثناء سورتي الأنفال ، وبراءة ، فيرد عليه  من وجهين : -

أولا : - إن هذا الحديث غير صحيح  ، لقول الترمذي فيه : (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي،عن ابن عباس، ويزيد هذا مجهول الحال ) 19

وقال الذهبي : ( عوف الأعرابي : قيل : كان يتشيع ، وقد وثقه جماعة ، وجرحه جماعة ، وكان داود بن أبي هند يضربه ويقول : ويلك ياقدري .وقال بندار : والله لقد كان عوف قدريا ، رافضيا  ، شيطانا  .

وأما يزيد فقد اختلفوا فيه ، هل هو ابن هرمز أو غيره ..؟ وقد ذكره  البخاري في كتاب الضعفاء ،  باسم  : يزيد الفارسي  ، لاشتباهه فيه ، وحيث أنه قد انفرد بهذا الحديث ، فلا يحتج به في شأن القرآن  ، الذي يطلب فيه التواتر  

وقال الذهبي : -   قال فيه النسائي وغيره : متروك ، وقال الدارقطني ، وغيره : ضعيف ، وقال أحمد : كان منكر الحديث ..      

    فإذا  كان  الحديث  بهذه المكانة  من الضعف ، ولم يرتضيه  إلا القليل  الذين قوموه  ، ولم يخرجوه عن أقل درجات القبول ، فكيف نقبله وأمر القرآن الذي هو في أعلى درجات القمة نقلا ، ونظما ، وترتيبا ..؟ ) 20

وثانيا :-  على فرض صحة هذه الرواية ، [  فقوله في الحديث : ( إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان مما يأتي عليه من الزمان ) يدل في الجملة على التوقيف .

وقوله : ( فقبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يبين لنا أنها منها ) بعيد ، إذ الأنفال نزلت في السنة الثانية عقب غزوة بدر ، والتوبة نزلت في أواخر السنة التاسعة بعد غزوة  تبوك ، وبعد خروج أبي بكر للحج على رأس المسلمين ، فكيف يعقل أن يظل الرسول – صلى الله عليه وسلم – زهاء خمسة عشر شهرا ولا يبين للناس أنها منها ،  أو من غيرها ..؟  إنه يكون بذلك قد تأخر عن البيان وقت الحاجة إليه ، بل انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل البيان ، وحاشاه – صلى الله عليه وسلم –أن يفعل ذلك ، مع ورود الأحاديث الصحاح بأنه كان يعرض القرآن كله في رمضان من كل عام على حبريل ، وعرضه في العام الذي توفي فيه مرتين ، وحينئذ فأين كان يضع هاتين السورتين في قراءته  حينما كان يعرضهما على حبريل ..؟ ] 21

ثم  (  إن إطلاق الاسم على كل منهما ، واختلافه فيهما  ، مما يعين أن هذه غير تلك ، وقد سمى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كلا منهما ) 22

أما قوله ( فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ) فإن البسملة لا تخضع لهوى الكتاب إثباتا وحذفا ، أخرج أبو داود والحاكم ، وصححاه عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : [ ( كان النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يعلم ختم السورة حتى ينزل :   بسم الله الرحمن الرحيم ) .وفي رواية : ( فإذا نزلت :بسم الله الرحمن الرحيم  ، علم أن السورة قد انقضت  ) . قال الحافظ أبو شامة : هذا حديث حسن .] 23

  وأما ما قاله المفسرون في أسباب عدم ذكر البسملة في أول سورة براءة   ، فهو التماس للحكمة ، ومن ذلك ما ذكره ابن عربي ،  عن سر حذف البسملة من بداية سورة التوبة ،  حيث يقول : ( وأما سورة التوبة عند من لم يجعلها من سورة الأنفال ، فيجعل لها اسم التوبة ، وهي الرجعة الإلهية على العباد بالرحمة ، والعطف ، فقام اسم التوبة مقام البسملة ، فإن الرجعة على عباده تعالى لا تكون إلا بالرحمة ..والله أعلم  ) 24

 هذا وقد قام الإجماع على أن سورة الأنفال سورة برأسها غير سورة التوبة ، ولذا قال الزركشي :   ( إن سور القرآن مائة وأربع عشرة  سورة بإجماع أهل الحل والعقد ) 25

 فالقرآن الكريم كله آية  آية ،  وسورة سورة ، مرتب من الله تعالى ، وقد بلغه عنه رسوله الأمين – صلى الله عليه وسلم –  ، لصحابته الكرام ، فرتبوه كما سمعوه .

2-    إن هناك سورا متحدة في المطلع رتبت ولاء ، كالحواميم و الطواسين ، ولم ترتب المسبحات تباعا ،بل فصل بينهما بالمجادلة ،والممتحنة ،والمنافقون ، وأفردت الاسراء في النصف الأول ،  وفصل بين الشعراء والقصص ،   وهما يبدءان ب(طسم )، و ب (طس النمل )مع أنها أقصر منهما ، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء ، وأخرت ( طس) عن القصص ، أما وأنه قد حصل الفصل بين المتماثلات والمتقاربات من السور ، مع عدم  مراعاة التناسب في الطول والقصر ، فهذا يدل على أن الترتيب توقيفي26

3-  إن الذي قام بمهمة النسخ للمصاحف، مع النفر القرشيين في عهد عثمان     – رضي الله عنه وأرضاه - ، هو زيد بن ثابت ، وهو نفسه أشرف على جمع القرآن في الصحف التي نسخت منها المصاحف  ،    على عهد أبي بكر – رضي الله عنه - ، وهو كذلك أحد كتاب الوحي ، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن ، وسمع النبي – صلى الله عليه وسلم – يقرأ القرآن على هذا الترتيب ،   وإلا على أي ترتيب كان الرسول – صلى الله عليه وسلم -   يقرأ القرآن ..؟

وقد جعل ابن الزبير الغرناطي هذا الخلاف بين العلماء لفظيا ، فقال : (  إن كان بتوقيف منه

   – صلى الله عليه وسلم   – فلا مجال للخصم ، وإن كان مما فوض فيه الأمر  إلى الأمة بعده ، فقد أعمل الكل من الصحابة جهده ، وهم الأعلياء بعلمه ، والمسلم لهم في وعيه وفهمه .) 27

وإذا كانت العلماء قد تباينت آراؤهم ظاهريا ، فإن الرأي الراجح  أن ترتيبها كان  توقيفيا ، وذلك لتظافر النصوص على أن الأغلب من سور القرآن معلومة الترتيب وقت نزول الوحي ، وأن جبريل   –  عليه السلام  – كان يعرضه على النبي -  صلى الله عليه وسلم   -   في العام مرة ، وعرضه عليه في العام الذي قبض فيه مرتين .

 كما ( أن هذا الترتيب يقوي الوحدة المعنوية بين سور الكتاب المبين ، ويقطع الطريق أمام المشككين والطاعنين . أضف إلى ذلك : إجماع الأمة بدءا من عصر الصحابة على هذا الترتيب ، فصار الإلتزام به أمر لا بد منه ). 28

      وقد زعم بعض المستشرقين أن القرآن لم يكن مرتبا ، وأنه كان مختلطا في عهد الرسول    – صلى الله عليه وسلم  - ، وقد رتبه أبو بكر   – رضي الله عنه - ،  لذا استحلوا لأنفسهم أن يجعلوا له ترتيبا خاصا ، يختلف عن ترتيب المصحف الحالي في كثير من السور ، معتمدين على الأسلوب ، ومحتويات السورة . والذي ينظر فيما حاوله المستشرقون بترتيبهم غير المسبوق ، يجده عبثا لا يليق بقدسية القرآن الكريم  .وقد ظهرت أصوات متأثرة بالدراسات الإستشراقية ، تنادي بإعادة ترتيب سور القرآن حسب نزولها ، ثم أخفت الله هذه الأصوات ، واطمأن المسلمون على ما أجمع عليه الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين - . 29

 

 

 

 

 


الفصل الثاني

المناسبات : معناها ، أنواعها ، وموقف العلماء منها

المبحث الأول : معنى  المناسبة لغة  ، واصطلاحا :

المناسبة لغة :  قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة : ( النون ، والسين ، والباء ، كلمة واحدة ، قياسها اتصال شيئ بشيئ ، منه النسب ، سمي لاتصاله ، وللاتصال به  تقول : نسبت أنسب  . وهو نسيب فلان. والنسيب : الطريق المستقيم ، لاتصال بعضه من بعض .) 30

وقال في لسان العرب : ( وتقول : ليس بينهما مناسبة ، أي : مشاكلة ) 31

والمشاكلة بمعنى : المماثلة . ثقول : هذا شكل هذا ، أي : مثله .

فالمناسبة لغة تعني : الإتصال ، والمقاربة ، والمماثلة .

والمناسبة في الإصطلاح :  هي  بيان  : ( وجه الإرتباط بين الجملة والجملة في الآية   الواحدة ، أو بين الآية والآية في الآيات المتعددة ، أو بين السورة والسورة  ) . 32

أو كما يقول البقاعي : (  علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن ) 33

ويبدو توافق المعنى اللغوي للمعنى الإصطلاحي للمناسبة  . فكلاهما يعني : أن الآية وجارتها شقيقتان ، يربط بينهما رباط من نوع ما ، كما يربط النسب بين المتناسبين ، غير أن ذلك لا يعني أن تكون الآيتان أو الآيات متماثلة كل التماثل ، بل ربما يكون بينها تضاد ،  أو تباعد في المعنى ، المهم أن هناك صلة  ، أو رابط ما يربط بين الآيتين  ، أو يقارب بينهما ،سواء توصل إليها العلماء أم لا  ، فقد تظهر أحيانا ، وتختفي أحيانا أخرى ، وفي هذا مجال لتسابق الأفهام .

المبحث الثاني : فوائد معرفتها :

 إذا كان  لمعرفة سبب النزول أثر في فهم المعنى  ، وتفسيرالآية  ،  فمعرفة المناسبة بين الآيات تساعد كذلك على حسن التأويل ، ودقة الفهم ،  وإدراك اتساق المعاني بين الآيات ، وترابط أفكارها ، وتلاؤم ألفاظها ، فالقرآن الكريم فيه كثير من فنون العقائد ، والأحكام ، والأخلاق ، والوعظ ، والقصص ، وغيرها من  مقاصد القرآن التي جعلها الله سبحانه هداية للبشر ، والتي  تدور جميعها على الدعوة إلى الله ، والقرآن يبث هذا المعنى من خلال المقاصد ، والأغراض الموزعة على كافة الآيات والسور ، فلو جمع كل نوع على حدة ، لفقد القرآن بذلك أعظم مزايا هدايته المقصودة  .

قال  محمد رشيد رضا : ( وقد خطر لى  وجه  ، وهو الذي يطرد في أسلوب القرآن الخاص ، في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض ، من عقائد ، وحكم ، ومواعظ ، وأحكام تعبدية ومدنية ، وغيرها ، وهو نفي السآمة عن القارئ والسامع من طول النوع الواحد منها ، وتجديد نشاطها ومنهجها .) 34

فمن عادة القرآن أن يجمع بين الفنون المختلفة في سورة واحدة ، في تنسيق بديع ، يصل بها إلى الذروة في الإعجاز  البلاغي، والإحكام البياني ،وروعة الأسلوب ،  ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) 35

                 وقال الإمام الزركشي : ( واعلم أن المناسبة علم شريف ، تحرز بهاالعقول ، ويعرف به قدر القائل فيما يقول ...  ثم  يقول : وفائدته : جعل أجزاء الكلام بعضهاآخذ بأعناق بعض ،  فيقوى بذلك الارتباط ، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم ، المتلائم الأجزاء .) 36

وقال الشيخ أبو بكر النيسابوري :   ( إن إعجاز القرآن البلاغي لم  يرجع إلا إلى هذه المناسبات الخفية ، والقوية بين آياته وسوره ،حتى كأن القرآن كله كالكلمة الواحدة  ، ترتيبا وتماسكا ) 37

     ويقول الزمخشري في كشافه  : ( وهذا الإحتجاج ، وأساليبه العجيبة التي ورد عليها ، مناد على نفسه بلسان ذلق ، أنه ليس من كلام البشر ، لمن عرف ، وأنصف من نفسه .   

وقال في موضع آخر :   فانظر إلى بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه ، ومكانة أضماده ، ورصافة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجز بعض ، كأنما أفرغ إفراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى ، وأخرس الشقاشق .) 38

طائفة البهرة

التفاصيل
كتب بواسطة: د. سامي عطا
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 07 سبتمبر 2007
الزيارات: 8

طائفة البهرة

وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت  - المفرق

المملكة الأردنية الهاشمية

 

 

ملخص

         تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء بعض الأضواء على طائفة البهرة الباطنية ، لبيان حقيقتها ، وتأويلاتها المنحرفة لآيات القرآن الكريم ، والفرق الباطنية عموما تعد بذرة من البذور التي غرستها فرقة السبئية في العالم الإسلامي ، وهدفها جحد الشرائع ، وتعطيل النصوص بالتأويلات الباطنية الفاسدة ، متكئين على أن  للقرآن الكريم ظاهرا وباطنا  ، الظاهر للعوام ، والباطن لا يطلع عليه إلا الإمام المعصوم ودعاته ، ولم أجد من أفرد هذه الطائفة وتأويلاتها بالبحث ، إنما تحدث الكاتبون عنها حديثا مبتسرا كفرقة من فرق الإسماعيلية ، فحفزني ذلك على إفرادها وتأويلاتها بالبحث ، لكشف حقيقتها للدارسين .

 


طائفة البهرة وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

تمهيد  :

عندما يكون هناك فراغ فكري في أمة ما ، فإن هذه الأمة تكون نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب ، لملء هذا الفراغ على حساب عقائد الأمة التي يقوم عليها تراثها الفكري والحضاري ، والأمة الإسلامية – بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث – عاشت حالة من الفراغ الفكري ، ممامكن لكثير من المذاهب الباطنية والفكرية أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين ، وتفسد عليهم تصوراتهم ، وكانت طائفة البهرة من هذه المذاهب الباطنية الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين  فهي في حقيقتها فرع للدعوة  الإسماعيلية الملحدة الهدامة ، ولم تأت بجديد ، إنما ضمت ما ورثته من ضلالات الإسماعيلية إلى ما اقتبسته من ضلالات الفرق الباطنية الأخرى ، فكانت هذه الدراسة . وقد جعلتها في تمهيد  ،   ومقدمة  ، وثلاثة فصول ، وخاتمة ، على النحو التالي :

تحدثت في الفصل الأول  : عن نشأة البهرة ، وذكرت شذرات من عقائدها ، وشرائعها .

وتحدثت في الفصل الثاني  : عن معنى التأويل ، وشروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد  وضمنته مبحثين  على النحو التالي :

 بينت في المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، ونصوص الشرع ، وفي الإصطلاح 

 وبينت في المبحث الثاني  : شروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد المردود .

 وفي الفصل الثالث : ذكرت نماذج لتأويلات طائفة البهرة ، وبينت بطلانها .

وبينت في الخاتمة أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج . والله ولي التوفيق .


الفصل الأول

طائفة البهرة ، تاريخها ، وعقائدها .

مقدمة  :

   تمكن عبد الله بن سبأ اليهودي اليماني [1]وأتباعه من شق وحدة الأمة الإسلامية  إلى سنة ، وشيعة ، وخوارج،ولم يقتصر هدفهم على ذلك ،فهو أبعد من ذلك بكثير؛ألا وهو إفساد وتخريب عقائد الذين اتبعوهم ، لإخراجهم نهائيا من صف المسلمين  ، تحت شعار الدفاع عن آل البيت .وقد كان الخوارج والشيعة ضمن معسكر واحد  [2]وهو معسكر علي  – كرم الله وجهه  - ، وبعد موقعة صفين امتاز الخوارج عن الشيعة ، وسلك كل فريق مسلكا يناقض الآخر ، وأصبح الفريقان يتبرأ أحدهما من الآخر ، فقال صالح بن مسرح الخارجي في شأن علي – كرم الله وجهه –  : ( فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال ، وشك في أهل الضلال ، وركن وأدهن ، فنحن من علي وأشياعه براء . ) [3] وجاء في خطبة المستورد الخارجي ( 43هـ – 336م ) : ( أما بعد : فإن هذا الخرق – معقل بن قيس  - قد وجه إليكم ، وهو من السبئية المفترين الكاذبين ، وهو لله ولكم عدو  . ) [4]أما معقل بن قيس فقد وصم الخوارج بالمارقة الضلال [5] . وقال ( صعصعة بن صوحان الشيعي ): ( ولا قوم أعدى لله ولكم ، ولأهل بيت نبيكم ، ولجماعة المسلمين ، من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا ، واستحلوا دماءنا ، وشهدوا علينا بالكفر . ) [6] 

وقد انقسمت  الشيعة إلى ثلاث فرق رئيسة هي : الزيدية ، والكيسانية ، والإمامية ، وجميع هذه الفرق متفقون على أن الإمامة لا تخرج عن أولاد علي  - كرم الله وجهه  -  وأحفاده ، وإن خرجت فبظلم من غيرهم ، أو بتقية منهم ، والإمامة عندهم لا تناط باختيار العامة ، إنما هي قضية أصولية ، تنصيصية ، تعيينية ، ومع ذلك لم تدعهم السبئية يتفقون على إمام واحد [7].

أ – الشيعة الزيدية : نسبة للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( ت122هـ ) ، وقد انقسموا إلى ست فرق ، وقيل : ثماني فرق ، وقيل : عشر فرق  ، ويقال : إنهم قريبون إلى أهل السنة والجماعة  [8]

ب – الشيعة الكيسانية : وقد ساقت الإمامة إلى ( محمد بن الحنيفية ) بالاستدلال ، لأن عليا  كرم الله وجهه  - د فع إليه الراية يوم موقعة الجمل ، وقيل : بالوصية .وقد اضطربت كتب المقالات والفرق في تحديد نسبة الكيسانية ، فمنهم من نسبها إلى كيسان – صاحب شرطة المختار الثقفي -، ومنهم من نسبها إلى المختار الثقفي نفسه ، والراجح أنه منسوبة إلى  كيسان – مولى علي بن أبي طالب وتلميذ محمد بن الحنيفية -،وقد انقسمت الكيسانية إلى إحدى عشرة فرقة ، اندثرت جميعها ، وكلها فرق سبئية وغالية .[9]

ت – الشيعة الإمامية :  وقد ساقوا الإمامة إلى الحسن بن علي ، فالحسين بن علي ، فالامام علي بن زين العابدين ، فالامام محمد الباقر ، فالامام جعفر الصادق ، وهنا تفرقوا إلى فرقتين :

       الفرقة الأولى :  ساقت الإمامة  بعد جعفر الصادق إلى موسى الكاظم ، فالإمام علي الرضا ، فالإمام محمد الجواد ، فالإمام علي الهادي ، فالإمام الحسن العسكري ، فالإمام الثاني عشر الغائب محمد بن الحسن العسكري ،وهذه الفرقة تسمى بـ : الإمامية الإثني عشرية ، أو الجعفرية ، أو الكاظمية ، أو الموسوية ،  ويسمون في جنوب لبنان بالمتاولة ،   أي : المتأولة  .

       والفرقة الثانية : قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق  -  بدلا عن موسى الكاظم  -  ، وهو الإمام السابع عندهم ، فيسمون لذلك بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق ، وبالسبعية : نسبة إلى الإمام السابع  . وانشقت الإسماعيلية إلى فرقتين كذلك :

الفرقة الأولى : نادت بإمامة مبارك  - مولى إسماعيل بن جعفر الصادق  - فسموا بالمباركية ، وعنهم انشقت فرقة الخطابية الغالية  المنتسبة لأبي الخطاب الأسدي ، الذي غالى في تأليه آل البيت ، وادعى النبوة .

والفرقة الثانية : ساقت الإمامة من محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي ، وهنا أوقفت طائفة الدروز الإمامة عند الحاكم بأمر الله ، وقالوا برجعته ، وساق بقية الإسماعيليين الإمامة إلى المستنصر بالله ، وهنا انشقوا بدورهم إلى فرقتين  هما :

  1 - الإسماعيلية النزارية ( الاسماعيلية الشرقية) : - أتباغ أغا خان حاليا -   ،  وهم الذين اعتقدوا إمامة نزار بن المستنصر ، وطعنوا في إمامة المستعلي – أحمد بن المستنصر  - ، وقد نقل كبير دعاتهم : الحسن بن الصباح الدعوة إلى فارس ، وكون دولة النزارية ، التي عرفت باسم دولة :( الحشاشين ) التي لعبت دورا سياسيا كبيرا في إيران ، والهند ، والشام ، وأفغانستان .

2 – الإسماعيلية المستعلية ( الاسماعيلية الغربية )  : وهم الذين قالوا بإمامة : أحمد بن المستنصر ، الملقب بـ المستعلي ، ويعرفون باسم : البهرة ، وقد انشقوا كذلك إلى فرقتين هما : البهرة الداوودية ، والبهرة السليمانية وسيقتصر حديثي عن هذه الطائفة  من الشيعة الإسماعيلية ، إذ هم المعنييون في هذا البحث .

المبحث الأول : نشأة طائفة ( الإسماعيلية المستعلية ) البهرة 

 ذكرنا أن طائفة البهرة هي الطائفة التي نادت بإمامة أحمد بن المستنصر الملقب بـ المستعلي ،  وولي إمامة الإسماعيلية بعد المستعلي ولده : أبو علي المنصور ، ( أحضره الأفضل بن أمير الجيوش وبايع له ، ونصبه مكان أبيه ، ونعته بـ

الآمر بأحكام الله ) [10]    ونقل أبو المحاسن عن الذهبي قوله فيه :(كان رافضيا كآبائه ، فاسقا ، ظالما ، جبارا ، متظاهرا بالمنكر ، واللهو ، ذا كبر وجبروت ) [11]  وقتل سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، قتله النزاريون على الجسر إلى الجزبرة ( في القاهرة) .[12]   ولم يترك خلفا له ، على قول أكثر المؤرخين مثل : ابن الأثير [13] ، والذهبي [14]  ، وغيرهم .  ولكن الإسماعيلية المستعلية ينكرون هذا ويقولون : إنه ولد له ولد أسماه : الطيب ، وكناه : بأبي القاسم ، وجعل الإمامة فيه ، وأخبر بذلك الملكة الحرة أروى الصليحية باليمن ، وهذه الملكة أخفته ، وجعلت نفسها كفيلة عليه ، ونائبة عنه في تولي شئون الدعوة الإسماعيلية ، واتخذت لنفسها لقب : ( كفيلة الإمام المستور : الطيب بن الآمر ) . وقد انقرضت الدولة الصليحية في سنة 511هـ ، ولم يقم أتباع الدعوة الطيبية  بأي نشاط سياسي بعد ذلك ، بل ركنوا إلى التجارة ، وعاشوا في محيط خاص بهم ، وكان كثير منهم يتخذ التقية فلا يظهر إسماعيليته بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية . وقد هيأت التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند ، ولا سيما في ( ولاية جوجرات )جنوب بومبي ،وأقبل جماعة من الهندوس على اعتناق هذه الدعوة حتى كثر عددهم هناك ،وعرفت الدعوة بينهم باسم (البهرة ) .  وكلمة البهرة :كلمة هندية قديمة معناها : التاجر . [15]واستمرت الدعوة المستعلية في اليمن تشرف على أتباعها في( جوجرات)  ، إلى أن اضطرت الدعوة الإسماعيلية الدخول في دور الستر مرة أخرى ، وظهرت سلسلة طويلة من الدعاة المستورين ، حتى كانت سنة ( 999هـ/1591م)  وإثر وفاة (داود بن عجب شاه ) الداعي السادس والعشرين في سلسلة دعاة دور الستر ، انشقت البهرة إلى فرقتين : فانتخب بهرة جوجرات ( داود برهان الدين بن قطب شاه ) خلفا له (1021- 1030هـ) وعرف أتباعه بـ ( الداودية ) ، وداعيتهم الآن هو : ( د. محمد برهان الدين بن طاهر سيف الدين ) ، ويعد الداعي الثاني والخمسين من سلسلة دعاة الدعوة الإسماعيلية الطيبية ، ويقيم في مدينة بومباي بالهند . وهو برتبة الداعي المطلق ، وصاحبها يتمتع بنفس الصفات التي كان يوصف بها أئمة الإسماعيلية ، على أنها صفات مكتسبة وليست ذاتية .ومنصب الداعي ليس وراثيا كالإمامة ، بل هو مكتسب ، إلا أن الدعاة المتأخرين لم يلتزموا بهذه التعاليم ،وخرجوا على المعتقدات والأصول الأساسية للطائفة ، فادعوا لأنفسهم العصمة كالأئمة سواء بسواء ، وجعلوا منصب الداعي وراثيا في أبناء الداعي المهيمن على طائفة البهرة الداودية .. [16]بينما عارض بهرة  اليمن ذلك ، وعاضدوا رجلا آخر يدعى : ( سليمان بن الحسن الهندي 1005- 1050 هـ) وكان مقيما في

( أحمد أباد ) في الهند ، مدعين أن ( داود بن عجب شاه ) قد اختاره  وعهد إليه بالدعوة بوصية منه ، وسمى أتباعه بـ

( السليمانية ) .وقبل وفاة ( سليمان الهندي ) أوصى لابنه ( جعفر ) بزعامة الدعوة وكان لا يزال طفلا ، وأوصى لـ ( محمد بن الفهد المكرمي ) بكفالته وتربيته ، فانتقلت البهرة السليمانية إلى اليمن  ثم تولى الدعوة من بعده أخوه ( علي ) الذي ألف كتبا كثيرة في المعتقد الإسماعيلي منها : ( إسعاف الطالب في جميع المطالب ) ، وانتقل بالدعوة مرة أخرى إلى الهند ، وقبل وفاته سنة

( 1088هـ) أوصى بإمامة الدعوة إلى : ( إبراهيم بن محمد الفهد المكرمي ) فرجعت الدعوة إلى اليمن ، واستقر الداعي  في بلدة ( طيبة) إلى أن توفي سنة ( 1094هـ) ، وكان قد عهد بالدعوة إلى حفيده ( محمد بن اسماعيل بن ابراهيم المكرمي ) الذي حصل بينه وبين طائفة الزيدية حروب هزم فيها ، فخرج إلى القنفذة  يريد الهرب إلى الهند ، إلا أن إسماعيلية قبيلة ( يام ) في نجران وعدوه بالحماية ، فذهب إلى نجران وسكن بلدة بناها أسماها ( الجمعة ) ، وظلت مركزا للبهرة السليمانية الذين يعرفون الآن بـ  ( المكارمة. وداعيتهم الآن هو : ( الداعي حسين بن إسماعيل المكرمي ) ويحمل الرقم ( 50) في سلسلة دعاة السليمانية  وقد تولى هذا المنصب بعد خلاف على وصية الداعي السابق رقم (49) الحسن بن الحسين المكرمي ( ت1992م) . [17]

 

المبحث الثاني : شذرات من عقائد البهرة وعباداتهم

الحديث عن العقيدة الإسماعيلية ليس سهلا ميسورا مثل الحديث عن العقائد الثابتة ،إذ أن كثيرا من أصول المذهب الإسماعيلي أصبح نظريا فقط ، بمجرد أن أصبح للإسماعيلية دولة سياسية ، وتدخلت التنظيمات السياسية في العقيدة ، فكيفتها حسب ما أملته الظروف السياسية .ومن هذه الأصول التي اتفق عليها الإسماعيلية منذ وجدت إلى الآن : القول بضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل بن جعفرالصادق ، والنص على الإمام يكون من الإمام الذي سبقه بحيث تتسلسل الإمامة في الأعقاب ، ومن الغريب أن أئمة الإسماعيلية أنفسهم لم يحترموا هذا الأصل الأساس من أصول العقيدة ،  لا في العصور القديمة ولا في عصرنا الحديث فالمعز لدين الله الفاطمي نص على ولاية ابنه عبد الله من بعده ، ولكن عبد الله توفي في حياة أبيه ، فنص المعز  مرة أخرى على ولاية ابنه العزيز ، فخالف بذلك الأساس الذي قامت عليه الإسماعيلية في أن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ ، إنما تنتقل من أب إلى ابن . وفي عصرنا حرم ( أغاخان الثالث _ من دعاة الإسماعيلية النزارية - ) ولديه ( علي خان ، وصدر الدين خان ) من الإمامة ، ونص على حفيده ( كريم ) الذي لقب بـ ( أغاخان الرابع ) وهو الإمام الحالي للطائفة النزارية 

وبالرغم من خروج الأئمة أنفسهم على مبدأ ( النص على الإمام ) ، فلا تزال الإمامة هي المحور الذي تدور عليه كل العقائد الإسماعيلية ، ذلك أنهم جعلوا ولاية الإمام الركن الأساس لجميع أركان الدين ، فدعائم الدين عندهم وعند طائفة البهرة بشقيها هي : الطهارة ، والصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والولاية . على أن الولاية هي أفضل هذه الدعائم . فإن أطاع الإنسان الله تعالىورسوله الكريم ، وقام بأركان الدين كلها ، وعصى الإمام ، أو كذب به ، فهو آثم في معصيته ، وغير مقبولة منه طاعة الله ورسوله .. [18]  . وحذا البهرة والإسماعيليون عموما حذو الجهمية في نفي أسماء الله تعالى وصفاته ،

يقول المفسر الإسماعيلي ضياء الدين السليماني : ( الحمد لله المتعالي عن السماء والأسماء ، والمتقدس أن يكون له تعالى حد أو رسم ..) [19]. ويقول حميد الدين  الكرماني -  أكبر فلاسفة الدعوة الإسماعيلية -  : ( إن اسم الإلهية لا يقع إلا على المبدع الأول ) [20]وهذا المبدع الأول ، أو العقل الكلي ، هو الذي رمز إليه الله تعالى بـ ( القلم ) في الآية القرآنية :   ( ن والقلم وما يسطرون ) [21]،  وعلى هذا : فالقلم ، أو المبدع الأول ، أو العقل الكلي الذي تحدث عنه الفلاسفة  ، هو : الخالق المصور الواحد القهار …الخ ، وبمعنى آخر : إن ما يقوله المسلمون عن الله سبحانه وتعالى خلعه الإسماعيلية على العقل الكلي ، فهو الإله عند الإسماعيلية ، وإذا ذكر الله عتد الإسماعيلية فالمقصود هو العقل الكلي . إذا عرفنا ذلك ، استطعنا أن نقول إنهم لم يأتوا بهذه الآراء الفلسفية عبثا ، بل جاءوا بها لإسباغ صفة خاصة على الإمام ، ذلك بأنهم ذهبوا إلى أن العقل الكلي في العالم العلوي يقابله الإمام في العالم الجسماني ، ومعنى هذا عندهم : أن كل الأسماء والصفات التي خلعت على العقل الكلي ، هي أيضا صفات وأسماء للإمام ..؟ لأن الإمام مثل للعقل الكلي . فالإمام إذن هو : الواحد الأحد ، الفرد الصمد .. الخ .. لذلك قال الشاعر الإسماعيلي ابن هانئ الأندلسي في مدح المعز لدين الله الفاطمي :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار          فاحكم فأنت الواحد القهار .

وقال الشاعر أبو الحسن الأخفش في مدح الآمر بأحكام الله :

بشر في العين إلا أنه      عن طريق العقل نور وهدى .

جل أن تدركه أعيننا       وتعالى    أن  نراه   جسدا .

ندرك الأفكار فيه بانيا      كاد  من   إجلاله أن يعبدا .

  ولهذا تقول البهرة الداودية في نشرة من نشراتها عن   ( طاهر سيف الدين الداعي الحادي والخمسين من دعاتها ) : ( إن القرآن ثراث إلهي لا تراث بشري ، فلا بد لهذا التراث من معلم إلهي لا معلم بشري ، يحفظه من زيغ الزائغين ، وضلال الضالين المضلين ، ويكشف أسراره وكنوزه ، وهذا المعلم هو ولي الله ، رسولا كان  أو وصيا ، أو إماما ، أو داعيا مطلقا ..؟ فولي الله في شخص الرسول ، أو في شخص الوصي  أو في شخص الإمام ، أو في شخص الداعي المطلق ، هو الضمان الوحيد والأكيد لحفظ كتاب الله تنزيلا وتأويلا ، على تعاقب الأعصار والأدهار ) [22]

وتعتقد طائفة البهرة – كبقية الشيعة – أن الإمامة من حق علي – كرم الله وجهه – وقد اغتصبت منه ، يقولون في إحدى رسائلهم : ( إن الأمة لما افتتنت بعد نبيها ، وأشهرت كل طائفة منهم سيفها ، وقال بعضهم : منا أمير ، ومنكم أمير ، قال كبيرهم : يقصدون أبا بكر رضي الله عنه – في أول قعوده : وليت عليكم ولست بخيركم .. وقال صاحبه عمر : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله شرها ..! وأقر أبو بكر على نفسه بالشك ،      فقال : إني وددت لو أني سألت رسول الله لمن هذا الأمر من بعده ، والإمام الحق لا يشك في نفسه ، ولا يرجع عن أمره  ، ولا يندم أنه غصب على حقه ، بل يثبت مستمرا على شأنه ، مفصحا عن محله ومكانه ، هاديا مهديا ، متبوئا من العصمة مكانا عليا كما فعل علي …! ) [23] وتعتقد طائفة البهرة – كبقية الإسماعيليين - بوجود إمام يعيش في الخفاء [24]ولا يخلو زمان من الأئمة المستترين ، بينما يقوم ( الداعي المطلق  ) بالدعوة العلنية نيابة عن الإمام ، والإشراف الروحي على الطائفة ، وهو مصدر السلطات التي يحتكم إليها أتباع الطائفة في جميع شئونهم . ومن الواجبات المحتمة عندهم سجودهم لداعيهم [25] ، ومما يؤيد إصرار الداعي على سجود أفراد طائفته له ، تلك المرثية التي رثى بها الداعي الحالي لطائفة البهرة الداؤودية  الدكتور محمد برهان الدين والده الداعي السابق ( طاهر سيف الدين )[26] حيث يقول :

سجدت له دأبا وأسجد دائما       لدى قبره مستمتعا للرغائب .

ومن المعلوم أن السجود عبادة ، وهذه العبادة لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه ، وقد بين الحق سبحانه ذلك في مواضع من كتابه ، فقال تعالى : ( فاسجدوا لله واعبدوا ) [27] . وعقيدتهم في ( الظاهر ) لا تختلف عن عقائد المسلمين ، أما عقيدتهم في ( الباطن ) فهي بعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة والجماعة .. فهم مثلا يؤدون الصلاة كما يؤديها المسلمون ،وإن كانوا لا يصلونها إلا في ( الجامع خانة ) وهي أماكن العبادة الخاصة بهم ، وقد لاحظت( أي : كاتب هذا البحث )  ذلك من خلال مراقبتهم في المسجد النبوي ، ومسجد الحسين بالقاهرة ، إذ كانوا يأتون للمسجدين بعد صلاة العصر زرافات ووحدانا ، وقبيل أذان المغرب يتسللون لواذا ، وإذا اضطروا إلى الصلاة مع أهل السنة فإنهم يصلون بنية الإفراد أو الإعادة ، ولا يصلون الجماعة إلا بوجود إمام معين من قبل الداعي ، كما لا يصلون الجمعة بحجة عدم وجود إمام عادل  ولهم صلوات عديدة مثل : صلاة ليلة السابع عشر من شهر رجب ، وعدد ركعاتها اثنتين وعشرين ركعة  وصلاة ليلة الخامس عشر من شهر شعبان ، وعدد ركعاتها أربع عشرة  ركعة  ،  وصلاة ليلة الثالث والعشرين من رمضان ، وعدد ركعاتها اثنتي عشرة  ركعة ، يرددون فيها : يا علياه سبعين مرة ، و يا فاطمتاه  مئة مرة ، وياحسناه مئة مرة ، ويا حسيناه تسعمائة وسبع وتسعين مرة ..؟ وصلاة الثامن عشر من شهر ذي الحجة ، يصلي فيه الواحد منهم ركعتين بعد زوال الشمس ، وهو يوافق اليوم المسمى عند الشيعة بيوم ( غدير خم )[28] . ويصلي الداعي أو نائبه على الميت منهم ، وينزل في قبره ويؤذن فيه ، ويقوم بكسر يده الشمال معتقدين أنهم بكسرها يمنعونه استلام كتابه بشماله يوم القيامة .. ؟ ومع تشابه صلاتهم في بعض مظاهرها لصلاة المسلمين في ( الظاهر ) ؛ إلا أنهم يقولون إن صلاتهم هذه للإمام الإسماعيلي المستور من نسل  ( الطيب بن الآمر ..؟ ) . [29]

ويذهبون إلى مكة لتأدية الحج في موسمه ، شأنهم في ذلك شأن جميع المسلمين ، ولكنهم يقولون إن الكعبة التي يطوف حولها الحجيج هي رمز على الإمام .. ! ولا يقبل الحج إلا إذا كان بصحبة الداعي أو من ينيبه من الدعاة ، وغالبا ما يخالفون أهل السنة والجماعة في وقت الوقوف بعرفة ، فإما أن يتقدموا عليهم يوما أو يتأخروا يوما ، اعتمادا على حساباتهم الفلكية الخاصة . وإذا لم يتمكن البهرة من الوقوف بعرفة على وفق حساباتهم ، فإنهم يقلبون حجهم إلى عمرة .. هذا في الظاهر .. أما في الباطن فهم يؤولون فريضة الحج تأويلا فاسدا كبقية الإسماعيليين . يقول السجستاني ( أحد دعاتهم ) : ( حج البيت هو : قصد إمام الزمان ، مفترض الطاعة ، والغرض من حج البيت معرفة الأئمة ، والمراد من الزاد والراحلة في الحج : هو العلوم ، ودليل معرفة الإمام . والإحرام هو : اعتقاد معرفة الإمام ..) [30]

أما الصيام فهم يؤولونه تأويلا باطنيا يقول الداعي الإسماعيلي السجستاني : ( الصوم هو : الصمت بين أهل الظاهر ، وصوم شهر رمضان هو : ستر مرتبة القائم ، ومن ( شهد منكم الشهر فليصمه ) أي : من أدرك زمان الإمام فليلزم الصمت ..) [31]وكذلك بقية العبادات وإن عملوا بظاهرها أحيانا ، فإن هذا العمل مؤقت بظهور القائم .. فإذا ظهر القائم ( تخلص المؤمنون من الستر والكتمان ، وقدروا على كشف مذاهبهم ، وجب رفع هذه الشريعة التي هي سمة الستر والكتمان ..) [32]


الفصل الثاني

معنى التأويل ، وشروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد

    من المقرر لدى أهل العلم : أن الأصل هو إبقاء النصوص على ظواهرها ، لتدل على معانيها التي وضعت لها في اللغة ، ولكن تأويلها ، بصرفها عن معناها الحقيقي إلى معناها المجازي ،أو الكنائي، لا يخالف فيه عالم له دراية بالكتاب والسنة  ، بشرط أن لا يحدث ذلك  إلا بدليل ، أو بقرينة توجب صرفه عن معناه الأصلي ، وإلا بطلت الثقة باللغة ، ودلالاتها ، - وإن كان عدم التأويل أولى من التأويل - ، فإذا وجد الدليل أو القرينة ، جاز لنا  صرف اللفظ عن ظاهره الصريح إلى معنى يحتمله اللفظ  ، وتدل عليه دلالات اللغة  ، ومن الحقيقة إلى المجاز ، وإلا فلا .    فالتأويل إذن مقبول إذا دل عليه دليل صحيح من اللغة ، أو من الشرع ،  وإلا كان مردودا على قائله ، ولا اعتبار له . 

المبحث الأول :   معنى التأويل في اللغة ،  ونصوص الكتاب والسنة  ، والاصطلاح 

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان  ، منها   :

1-الرجوع  ، والعود ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير:   نقل  الأزهري (ت370هـ) عن ثعلب(ت291هـ) ، عن ابن الأعرابي ( ت230 هـ) قوله :( الأول : هو الرجوع . وعن الليث (ت175هـ): الأيل -  على وزن السيد  -  الذكر من الأوعال ، وإنما سمي أيلا : لأنه يؤول إلى الجبال يتحصن فيها . ) [33]   وقال ابن فارس ( ت395هـ): ( قال يعقوب  (ت 244هـ) :أول الحكم إلى أهله : أي : أرجعه ورده إليهم . قال الأعشى :

أؤول الحكم إلى أهله             ليس قضائي بالهوى الجائر . [34]

           وآل جسم الرجل : إذا نحف ، أي : يرجع إلى تلك الحالة.وعن الأصمعي ( ت216هـ):(آل القطران يؤول أولا إذا خثر [35] ) [36] . وقد جمع ابن منظور ( ت711هـ) كل ما يتصل بمادة ( أول ) ومشتقاتها ، وما استعملت فيه من معاني ، فمن ذلك قوله :[ ألت عن الشيء : ارتددت عنه ،  والأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا :رجع .وقال أبو عبيدة ( ت209هـ) :التأويل :المرجع والمصير.وأول الكلام :دبره ، وقدره . ][37]

2- التفسير ، والتدبر ،  والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : ( وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير ، والمرجع ، والمصير . ) [38].    وقال الأزهري ( ت 370هـ) : [ وسئل أبو العباس ثعلب ، أحمد بن يحيى ( ت 291هـ) عن التأويل ، فقال : التأويل والتفسير بمعنى واحد . وقال الليث  : التأول والتأويل : تفسير الكلام الذي تختلف معانيه . ] [39]

وقال ابن فارس  ( ت 395هـ) : ( معاني ألفاظ العب

البهائية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

التفاصيل
كتب بواسطة: د. سامي عطا
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 07 سبتمبر 2007
الزيارات: 9

البهائية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت

المفرق – المملكة الأردنية الهاشمية

ملخص

       تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء بعض الأضواء  على طائفة  البهائية  - ذات الجذور البابية -  لبيان حقيقتها ، وتأويلاتها الباطنية  لآيات القرآن الكريم ، ومع كثرة الكتابات حول هذه  الطائفة   وتشعب الآراء واختلافها  في بيان أصولها وأهدافها ، إلا أنني لم أعثر على من أفرد تأويلات هذه الطائفة  بالبحث ،  فحفزني ذلك على الكتابة في هذا الموضوع  ، لعل ذلك ينبه الغافلين  ، أو المتغافلين عنها وعن أمثالها . وخطر هذه الطائفة أشد من خطر غيرها ، لا لأن لأقوالها  وتأويلاتها ، قيمة علمية أو فكرية   ، بل لأنها تتخذ من الإسلام ستارا لتنفث سمومها  . وما ثمت من جديد في  البهائية ، سوى نسبة الكفر القديم ، أو النفايات الباطنية القديمة ، إلى شيطان جديد قام يدعو إليها ، وكل امرىء لا يعصمه دين قويم ،يستطيع أن يدعي ما شاء ، ولكنه لا يستطيع إقناع إنسان سوي بدعواه ، إلا إذا كانت مع دعواه براهينها  .                             

Bahaism and its latent interpretations of Holy Koran verses

Dr . Sami Ata  Hassan

AL  -Albayt university –AlMfrak

The Hashemit Kingdom of Jordan

ABSTRACT

This study aims at somehow, highlighting the Bahaism sect of Babuism roots, in order to illustrate its reality and its devious interpretations of the Holy Koran. In spite of the fact that there are a lot of writings and plenty of literature about the origin and the objectives of this cult, I yet have to find any one who profoundly embarked with expansion on the interpretations of this sect. That very fact encouraged me to write extensively in this field hoping to awaken those who are unaware of the destructive role that such a cult plays in the name of Islam and other similar sects. This sect poses more danger than others not because of its scientific views or its valuable intellectual interpretations, but rather because, it takes Islam as a cover to spew its poisonous ideas. There is nothing new in Babuism compared to Bahaism except attributing old disbelief or old latent views to a new devil that began propagating thereof. However, any one who does not protect thimself with an accurate religion, conscious and sound mind he might find himself diluted with its fancy and vague rhetoric. After all convincing and persuasion of a healthy mind can only come through hard evidence and solid proofs.

 

البهائية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

مقدمة

عندما يكون هناك فراغ فكري في أمة ما ، فإن هذه الأمة تكون نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب ،  لملء هذا الفراغ  على حساب عقائد الأمة التي يقوم عليها تراثها الفكري والحضاري ، والأمة الإسلامية – بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث - ، عاشت حالة من الفراغ الفكري ، سببه الرئيس : الجهل بحقائق الإسلام  ، ومبادئه السياسية  ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، مما مكن لكثير من الفلسفات المادية ، والمذاهب الباطنية والفكرية ، والاجتماعية ، والاقتصادية الهدامة ، أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين ، وتفسد عليهم تصوراتهم وما فيه حياتهم ، تمهيدا لتسخيرهم في إفساد تصورات  وحياة الآخرين .....  إضافة إلى أن  الإنجليز  كانوا  يطمعون في  تكوين إمبراطورية لهم لتشغل الفراغ الممتد فيهما بين مصر والهند ،كما كانوا يريدون  استقرار وضعهم  في الهند-درة التاج البريطاني- ، وهذه المناطق يشغلها  المسلمون ،  وعداوة المسلمين لهم  : تاريخية ... جغرافية ...  نفسية... ، وتلك أصعب العداوات وأعمقها وأعصاها على التوفيق والنسيان..... .فقد جاء أسلافهم الصليبيون إلى هذه الديار.....   واستولوا على بلاد الشام.... وهزموا المسلمين شر هزيمة ... وارتكبوا أبشع المجازر ....وكانوا أول من ابتدع إجلاء المسلمين عن ديارهم   ، وساروا على ذلك أيضاً في جميع حروبهم مع المسلمين ، وكانوا يظنون أن الأمر قد استتب لهم وأنه لن تقوم للمسلمين قائمة ... ولكن المسلمين ظلوا مصممين على إخراجهم من ديارهم.... فدينهم يفرض عليهم  ذلك ... وبالرغم من مكوثهم مدة تقارب القرنين من الزمان أقاموا خلالها ممالك وإمارات في بلاد الشام ... إلا أن  المسلمين استطاعوا في النهاية أن يتغلبوا عليهم ويطردوهم من ديارهم شر طردة... وقد بحثوا عن السر في ذلك فوجدوه في الإسلام  ... وأن عقيدته هي منشأ هذه القوة العظيمة في المسلمين.....ولو كان المسلمين قوة سياسية ليس إلا....لهان خطبهم على الاستعمار بجميع أنواعه.... ولكنهم قوة روحية...  تندفع كالسيل إذا اندفعت ... وتستقر كالصخر إذا سكنت.. وتفارقها قدرتها على الغلبة والسيادة حيناً ...ولكن لا تفارقها قدرتها على الصمود والثبات...لذلك لا بد من تفتيت هذه القوة....وهذا ما أجمعت عليه القوى الاستعمارية .

  ففكر الانجليز   في إيجاد القاديانية  ، والروس في إيجاد البابية   التي انتهت وتولدت منها البهائية ، والسبب  يتلخص في أن الاستعمار البريطاني عندما بدأ يركز احتلاله المستبد في شبه القارة الهندية ، والتي استظلت براية الحكم الإسلامي بضعة قرون  ،  جوبه بمعارضة عنيفة من حركات الجهاد الإسلامي ، ومع أنها كانت متقطعة ولم تنجح في إيقاف المد الاستعماري ، وإقامة نظام الإسلام ودولته  إلا أنها أذكت في قلوب المسلمين قبس الجهاد إلى أن انفجر بركان الثورة الكبرى عام 1857م ، وكاد المسلمون أن ينجحوا ، ولكن الإنجليز استطاعوا أن يقضوا عليها وعلى الثائرين بكل عنف وقسوة ، وتمكن المستعمر من تثبيت أقدامه، وأقام نظاماً لحكم البلاد يعتمد على مئات من الخبراء يؤازرهم جيش صغير، وعلى اصطفاء عناصر تدين لهم بالولاء السياسي والفكري ، وجعل المستعمر نصب عينه هدف القضاء على كل أثارة من حمية الجهاد في قلوب المسلمين ، فاستقدموا طوائف المبشرين وملأوا بهم أرجاء الهند ، يسرقون عقائد الناس ويزلزلون نفوسهم بالشكوك والريب ، وكانت معارك حامية تلظى المسلمون بنارها في المجال الفكري  ،  وكان رد المسلمين على ذلك أن أصبحت نغمة الجهاد ضد الإنجليز على كل لسان ، وشغل كل عالم، وأصبحت المنشورات تكتب وتوزع ، والعلماء من الناس وغيرهم يطوفون المدن والقرى لهذا الغرض.  . وهكذا أصبحت عقيدة الجهاد عقبة كأداء في وجه المطامع الاستعمارية في الهند وغيرها من بلدان العالم الإسلامي  .

وكانت روسيا قد فعلت نفس الشيء في فارس ... إذ بدأ التدخل الروسي في الهضبة الإيرانية في عهد بطرس الأكبر ، وكانت بلاد فارس آنذاك تكابد فتناً  وانقسامات داخلية  ، ومطامع الروس في إيران وغيرها بدأت منذ عهد (بطرس الأكبر)  ، الذي طمع بعد مقتل (نادر شاه) في وراثة إمبراطوريتة إلا أنه أخفق في ذلك ، لكنه لم ينس قبل موته أن يضع  لمن بعده خطة استعمارية ليسيروا  عليها ، فقد أوصى خلفاءه أن يتقدموا بحدودهم ما استطاعوا إلى القسطنطينية من جهة، وإلى الهند من جهة أخرى  ، وأن يقيموا لهم قواعد برية وبحرية على البحر الأسود  ، وأن  يسرعوا  إذا دبّ الانحلال في جسم بلاد فارس بالتوغل فيها حتى يصلوا إلى الخليج العربي، إلى المياه الدافئة .....

والذي دفع المستعمرين لإيجاد هذه الفرق البابية والبهائية والقاديانية , يقينهم التام بأنهم لن يستطيعوا حكم بلاد يؤمن أهلها بالجهاد ، ويعتبرونه ركنا سادساً من أركان الإسلام, ففكروا بصورة جدية في رسم المخططات للقضاء على هذه العقيدة  ،  من خلال رجال ربوهم على أعينهم، وأرضعوهم لبان حبهم  ، فكانوا  عند حسن ظن سادتهم بهم ..  فها هو الغلام القادياني يقول في كتابه ترياق القلوب ما نصه: ( لقد قضيت معظم  عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها, وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب  طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة, وقد نشرت معظم هذه الكتب في البلاد العربية: مصر والشام وتركيا ، وكان هدفي هو أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة )(1).   وقال في رسالة أخرى:( لقد ظللت منذ حداثة سني وقد ناهزت الآن على الستين أجاهد بلساني وقلمي، لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية، والنصح لها، والعطف عليها، وأُلغي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم ،والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة )(2)    ، كذلك فعل الباب والبهاء من بعده إذ قال البهاء (حسين علي المازنداني )  زعيم البهائية ما نصه:"البشارة الأولى التي منحت في هذا الظهور الأعظم  لجميع أهل العلم محو حكم الجهاد من الكتاب "(3)  .

         ثم تلقف اليهود كلتا الحركتين : القاديانية والبهائية، منذ أن نشطوا  لتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين منذ القرن التاسع عشر تقريباً ،  فاحتضنوا أمثال هذه الحركات :  البابية ، والبهائية  ، والقاديانية ، لتدعوا إلى إبطال ونسخ الجهاد عند المسلمين ، وبلبلة عقائدهم ،   فشجّعوا البهائية واحتضنوا طاغيتها عباس عبد البهاء  ،   وجعلوا مدينة عكا في فلسطين المحتلة كعبة للبهائيين المبثوثين في بقاع شتى، وربطوهم بفلسطين المحتلة روحيا  ،   وكانت  البهائية  من أبرز هذه المذاهب الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين بعد زوال البابية ،وأفكارها تقوم على أساس من التأويل الفاسد ، والتلفيق والتوفيق بين المذاهب والأديان ، في محاولة منها للنيل من الإسلام ، ومبادئه الصالحة لكل زمان ومكان ، بل هي في حقيقتها دعوة ملحدة هدامة ، ولم تأت بجديد، إنما نبشت ما قبرته الأيام من ضلالات الإسماعيلية  كما سنرى  عند مقارنة تأويلاتهم بتأويلات الإسماعيلية ،  وغيرهم من الفرق والطوائف الباطنية الغالية ، إضافة إلى ما ورثته من خرافات البابية ،  إلا أن ذلك لا يقلل من خطورتها ، فكانت هذه الدراسة  التي قصدت منه إلقاء الضوء على أخطر منهج استخدمه البابيون والبهائيون في عرض مبادئهم ، واستخدمه أعداء الإسلام من الغلاة ،  وهو التأويل الباطني ،  وإلقاء بعض الضوء كذلك على نشأة كل من البابية والبهائية ، وذكرت شيئا من شرائعهم ، وعقائدهم ، وتأويلاتهم كما وردت في كتبهم باستطراد يسير ، لتنبيه الأذهان  ، وتوعية العقول ، وترشيد الأفكار ، وليجد القارئ أمامه صورة متكاملة عن نشأة ، وشرائع ، وعقائد ، وتأويلات هذه الطائفة ، ليحكم القارئ عليها بموضوعية ، والحكم على الشيئ فرع عن تصوره كما يقول علماء المنطق .     والله المسئول أن يجعل عملي خالصا لوجهه 

وقد جعلت هذه الدراسة في:مقدمة ،وثلاثة فصول ضمنتها بعض المباحث ،وخاتمة ، على النحو التالي :

 الفصل الأول :وتحدثت فيه عن الجذور التاريخية للبهائية،وشذرات من شرائعها .

وضمنته  مبحثين : تحدثت في المبحث الأول  عن نشأة البابية .وذكرت شذرات من شريعة الباب .

وبينت في المبحث الثاني : نشأة البهائية . وذكرت  شذرات من شريعة البهاء .

وتحدثت في  الفصل الثاني عن : معنى التأويل ، وضوابط التأويل الصحيح  ، وسمات التأويل الباطني  الفاسد .  

وضمنته ثلاثة مباحث  على النحو التالي :

بينت في المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، ونصوص الشرع ،  وفي الاصطلاح .

وبينت في المبحث الثاني : شروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الفاسد المردود . 

وبينت في المبحث الثالث : جذور التأويلات الباطنية الفاسدة .

 وفي الفصل الثالث : ذكرت نماذج لتأويلات البابية ، والبهائية ، وبينت بطلانها . وضمنته مبحثين على النحو التالي :

تحدثت في المبحث الأول : عن تأويلات البابية . وبينت بطلانها . 

وتحدثت في المبحث الثاني عن : تأويلات البهائية ، وبينت جذورها الباطنية ، وقمت بتفنيدها

وبينت في الخاتمة أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الجذور التاريخية للبهائية

المبحث الأول :             المطلب الأول :نشأة البابية :

 البهائية وريثة  البابية  التي  تنتسب  إلى الباب : - علي محمد الشيرازي - ، والبابية لفظة كثيرة التداول في أدبيات الفرق الباطنية ، يطلقونها على بعض أركان دعواتهم ، فالباب عندهم : هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يوجد داخل البناء ، فهو إذن واسطة للمعرفة . ، متخذين من حديث يتردد  على ألسنة المسلمين ، يقول  : ( أنا مدينة العلم وعلي با بها ) (4) سندا لصحة مزاعمهم ، ولم تشتهر هذه اللفظة بمثل ما شهرها به علي  محمد الشيرازي ، الذي أسمى نفسه الباب ، وتبعه أناس تلقبوا فيما بعد بالبابية .

 ولد الباب علي محمد الشيرازي في شيراز ،   ولما بلغ سن الرشد ، أخذ يبحث في الأمور  الاعتقادية  ، ثم زار كربلاء ، والتقى هناك بكبار زعماء الطائفة الشيخية ، واستمع إلى دروس شيخ الطائفة : أحمد الأحسائي ، ودروس تلميذه حاجي كاظم الرشتي ، الذي كان ( يبشر أتباعه ومؤيديه وتلاميذه، باقتراب الأوان من ظهور المهدي ،ودنو قيام القائم المنتظر ) (5)

ولما بلغ الميرزا علي محمد الشيرازي الخامس والعشرين من عمره  ، انفصل عن الشيخية  وأعلن أنه ( باب ) الإمام الغائب ، وبعد أن اكتمل  عدد من اجتمع حوله من كبار تلامذة الرشتي ، ثمانية عشر شخصا أطلق عليهم لقب:أصحاب أو شهداء (حي ) (6)، وأمرهم بالانتشار في إيران والعراق   يبشرون به وبدعوته ، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يظهره هو بنفسه ، ثم عاد إلى إيران ،  وهناك أعلن عن دعوته ، واشتهر اسمه ، فثار المسلمون عليه ، وحاربوا دعوته بوسائلهم المتاحة ، ثم جمع والي شيراز بينه وبين علماء إيران ، فناظروه  ، وأظهروا ما في دعوته من ردة ، وغواية ، وضلال ، فاعتقله الوالي في سجن شيراز  ، ولكن هذا الاعتقال لم يمنعه من الإدعاء بأنه يوحى إليه ، فقرر الوالي قتله لولا لجوء الباب إلى :التقية   ، فأخفى معتقده ، وأظهر ما يخالف ذلك ، ونفى أنه يزعم أنه واسطة بين الناس والإمام المنتظر ، فأطلق الوالي سراحه ، ليبدأ الدعوة لمذهبه من جديد ، فأمر الشاه ناصر الدين  باعتقاله  ، وفي معتقله ألف الباب كتابه : ( البيان ) ، وزعم أنه أوحي إليه به ، وأنه ناسخ للقرآن الكريم ، فثار عليه العلماء ، وكان من نتائج ذلك ، أن أصدر الشاه ناصر الدين أوامره بإعدام الباب ، فقتل رميا بالرصاص  ، وعلقت جثته في ميدان عام بمدينة تبريز ، ثم أخفى أتباعه جثته في تابوت ، ودفنوه خارج طهران ، ثم نبش القبر وأخرج التابوت حين طلب عباس أفندي الملقب بـ ( غصن الله الأعظم ) نجل البهاء ، نقل الجثة إلى ثغر ( حيفا ) ، من ثغور فلسطين المحتلة   حيث تم دفنه هناك (7)، ليصبح المكان فيما بعد قبلة للبابيين ، ثم البهائيين ، حيث تم دفن جثة (بهاء الله ) بجوار (الباب ) في ( البهجة ) ، على منحدرات جبل الكرمل .(8)  

المطلب الثاني :     شذرات من شريعة الباب

يزعم  الباب أن شريعته  نسخت شريعة القرآن ،  وأحكامه مطلقا ،  بقوله :[ كل من كان على شريعة القرآن كان ناجيا إلى ليلة القيامة ، ويوم الساعة ، أي : ليلة قيامه بالدعوة ، وساعة ظهوره بالأمر ، وهي الساعة الثانية والدقيقة الحادية عشرة  ، من غروب شمس اليوم الرابع  ، وأول الليلة الخامسة من شهر جمادى الأولى سنة 1260 هـ ،  وبناء على ذلك  ، يحكم  على كل من يرغب عن إطاعة أوامره ، ولم يذعن لأقواله بعد هذا التاريخ ، بأنه عاص ، فاسق ، والذي يخالفه فهو كافر جاحد مهدور الدم ] (9)                                                                                                                                                                                                                                                               ثم حدد الباب أمر الزواج ، وجعله برضى الزوجين فقط ، دون ولي ، أو وكيل ، أو شهود ، ونسخ البهاء  هذا الحكم   في كتابه الأقدس، فقال ما نصه :   [  إنه ( أي : الباب  )  حدد الزواج برضى الطرفين ، إنا لما أردنا المحبة والوداد ، واتحاد العباد ، لذا علقناه بإذن الأبوين بعدهما لئلا تقع الضغينة والبغضاء](10)

وجعل قيمة المهر لأهل المدن تسعة عشر مثقالا من الذهب ، وأعلاه خمسة وتسعين مثقالا، وخصص هذا العدد والوزن لأهل القرى  من الفضة  .  وجعل العصمة بيد الرجل في الطلاق ، فقال : (  إذا انحرف الزوج عن زوجته  ،  وعزم على طلاقها ، يجب عليه أن يجتنبها تسعة عشر شهرا  ، فإن تندم في أثناء هذه المدة ، ورجع عن عزمه فبها ونعمت  ، وإلا كان له أن يطلقها بعد انقضائها ، وإذا وقع الطلاق لا يجوز الرجوع إلى الزوجة المطلقة ،  إلا بعد مضي تسعة عشر يوما ، والطلاق تسعة عشر مرة ، وبعد تسعة عشر مرة يحرم عليه الرجوع  إليها مطلقا طيلة حياته  )(11).

والطهارة عند البابية تتم بواسطة : الماء ، والهواء ، والتراب ، والنار ، وكتابه ( أي البيان ) ، والشمس ،  بشرط أن تجفف الشيئ المبلول (12)

والوضوء للصلاة : يشمل الوجه واليدان فقط إلى الكفين ،  ويكون بماء مضاف إليه ماء الورد ، وفي حالة عدم وجود الماء ، يكفي البابي أن يقول خمس مرات : ( باسم الله  الأمنع والأقدس ) وبذلك يتحقق الوضوء ، وتتم الطهارة .

وفرضت البابية  على أتباعها : الصلاة ركعتين في الصباح ، وصلاتين أخريين  ، على البابي أن يقوم بهما في حياته ، وهما : صلاتي الجنازة ، وصلاة الوضع ( عند ولادة مولود جديد ) .

وفي صلاة الجنازة : يقوم  البابي بالصلاة  على الميت منهم صلاة ذات ست تكبيرات ، يذكر بعدها دعاء من أدعية الباب  ، تسع عشرة مرة .

 أما الزكاة : فيلزم كل بابي ملك النصاب ( ويقدر بـ 541  مثقالا من الذهب ، أو ما يعادله من الفضة ) ،  أن يؤدي زكاة أمواله سنويا  إلى الباب في حال حياته ، ولمجلس البابية ( المكون من تسعة عشر عضوا )  من بعده ولا يجوز بحال من الأحوال إعطاء الزكوات ، أو الصدقات  ، لغير البابيين .(13)

وجعل الباب  الصوم في شهر العلاء ، ومدته تسعة عشر يوما ، من شروق الشمس إلى غروبها ،  وحقيقة الصوم عند البابيين : هو  (  كف النفس عن كل ما لا يرضاه الشيرازي ) (14)  ووقت الصوم يبدأ من شروق الشمس إلى غروبها ، ويجب الصوم على المكلف ، والتكليف عندهم يبدأ من سن البلوغ الذي هو : أحد عشر سنة  ، إلى اثنتين وأربعين سنة ،  قال الباب :  ( أنتم كل حول شهر العلاء لتصومون ، وقبل أن يكمل المرء والمرأة إحدى عشرة سنة ،  إلى أن يقول : وبعد ما يبلغ إلى اثنتين وأربعين سنة يعفى عنه ..) (15) 

ونسخ الباب الحج إلى بيت الله الحرام بمكة ، بل أوصى أن يهدم هذا البيت  عند ظهور رجل مقتدر من أتباعه ، وفرض الحج شخصيا مرة واحدة في العمر  ،  إلى بيته الذي ولد فيه بمدينة شيراز ،  وأسماه بيت الله الحرام ،  وحرم الحج نيابة عن الغير ، وأعفى النساء من الحج إلى بيته إلا نساء مسقط رأسه ( شيراز )(16). كما نسخ البهاء دين زعيمه  الباب  ، مع أن الباب قد صرح مرارا أن دينه سيطول أمده أعواما  ، بقدر حروف كلمة

( المستغاث )  ، ومقدارها بحساب الجمل  يساوي ( 2031 ) عاما ، فقال : ( كل من ادعى أمرا قبل سنين المستغاث فهو مفتر كذاب ، اقتلوه حيث ثقفتموه ، وإذا ظهر بعد هذه المدة من  يظهره الله ، وأتى بآيات ،وادعى أمرا جديدا ،  فلا يعارض ولا يمانع في قوله ،   لأن المعارضة والمخالفة في أمر هذا الرجل ،مما يحزن الباب ).(17) . وأكتفي بهذه الشذرات الموجزة عن شريعة الباب ، ليقاس على المذكور ما أهملنا ذكره  .

المبحث الثاني  :

المطلب الأول: نشأة البهائية :

البهائية  نحلة ورثت البابية ، لتعبد من دون الله  : حسين علي بن الميرزا عباس المازنداني ، الملقب بالبهاء .  عرف البهاء البابية على يد أحد دعاتها في طهران ، فوقع في حبائلها ،حتى أصبح من كبار دعاتها . ولما دبر البابيون مكيدة لاغتيال الشاه ناصر الدين ، تبين للحكومة الإيرانية أن للبهاء وإخوانه يدا في تدبير هذه المكيدة الفاشلة ، فأودعوهم السجن ريثما يصدر الأمر بالقصاص منهم ، إلا أن تدخل القنصل الروسي ، والسفير الإنجليزي لدى الشاه ، حال دون ذلك ، فصدر الأمر بنفيهم إلى بغداد .وقد صرح  بهاء الله  بأنه لم ينج من الأغلال والسلاسل إلا بجهود قنصل الروس ، فقال في سورة الهيكل : ( يا ملك الروس : ولما كنت في السلاسل والأغلال في سجن  طهران  نصرني سفيرك )(18)  .

  وكاد البهاء بدهائه وبمساعدة بعض البابيين ، فرض زعامته على من تبقى من البابيين  لولا  حادث ذهب بأمانيه أدراج الرياح ، وهو نفي البابيين من بغداد إلى القسطنطينية  التي لبثوا فيها أربعة شهور ، ثم صدر الأمر بنفيهم إلى  ( أدرنة ) وتسمى عند البهائيين بـ ( أرض السر ) ، وفي أدرنة جهر البهاء بالدعوة إلى نفسه ، فتابعه قوم ، وعارضه آخرون ، وخشيت دولة الخلافة أن تضطرم بـ ( أدرنة ) نيران الفتنة والثورة ،  فاتفقت وسفير الشاه على تغيير منفى القوم ، فنفت   (  البهاء )ومن تبعه إلى مدينة ( عكا )  في فلسطين المحتلة ، وسجنتهم في قلعتها ، ونفت  معارضيه إلى جزيرة قبرص ، وسجنتهم في قلعة  ( فاماغوستا)  ،  ولم يلبث أن قوي بالتالي أمر   ( البهاء ) وامتد نفوذه ، فكبرت مزاعمه ، إذ بعد أن كان يدعي أنه خليفة الباب ، أصبح يزعم أنه المهدي ، ثم ادعى النبوة ، فالرسالة ، فالربوبية  والألوهية ، واستمر سادرا في غيه وضلاله  ، إلى أن هلك في الساعة الثانية بعد منتصف يوم السبت ثاني ذي القعدة سنة 1309هـ الموافق  لـ  28 / 5 / 1892م ، فخلفه ولده الأكبر :   الميرزا عباس ، الذي تلقب في حياة والده بـ ( غصن الله الأعظم ) ، وبعد هلاك أبيه بـ ( عبد البهاء ) ، ولم يمض وقت طويل ،حتى غير عبد البهاء أحكام شريعة أبيه ، وادعى النبوة ، فالربوبية ، حتى  أن  أخاه : ( الميرزا محمد علي ) أنكر عليه ذلك أشد الإنكار، ورماه بالكفر والمروق  من دين البهاء ، فانقسمت البهائية  إلى فريقين : فريق سمي بـ  ( الناقصين ) ويرأسهم الميرزا محمد علي ، وسمي الفريق الآخر بـ ( المارقين ) ، ويرأسهم عبد البهاء  ( الميرزا عباس )  الذي استطاع الظهور على أخيه ، بمساعدة بريطانيا ، والحركة الصهيونية ،  فأصبح أداة طيعة في أيديهم .(19)

المطلب الثاني :         شذرات من أحكام شريعة البهاء

                     يزعم البهاء كسلفه الباب ، أن شريعته ناسخة لما سبقها من الشرائع ، ولشريعة الباب كذلك ، بل أنشأ دينا جديدا هو مزيج عجيب من العقائد السماوية والوضعية ، كحل وسط بين الأديان ، وكطريقة عملية لإشاعة السلام في الأرض كما يدعي ، ففي البهائية آيات من القرآن الكريم ، ونصوص من التوراة والإنجيل ،    واقتباسات من الهندوسية ، والكونفوشيوسية ، والبوذية ، ويؤولون هذه الاقتباسات   بما تقتضيه ديانتهم الجديدة  ، التي وصفوها بأنها لا تنتمي إلى ديانة معينة بالذات ، ولا هي فرقة أو مذهب ، وإنما هي دعوة إلهية جديدة ، من شأنها أن تختم الدورة السابقة ، أي : الرسالة الإسلامية ، وأن تعطل شعائرها وعباداتها  ، فعقيدتهم تخالف عقيدة لمسلمين في الله ، والرسول ،  والقرآن ، والصلاة ، والصوم ، والحج ، وفي كل الأصول والفروع .(20) ،  وسأورد شذرات من أحكام شريعة البهاء التي دونها في كتابه ( الأقدس ) :

    فقال في الأقدس  عن الصلاة : (  قد فرض عليكم الصلاة  من أول البلوغ أمرا من لدى الله ربكم ، ورب آبائكم الأولين ، من كان في نفسه ضعف من المرض أو الهرم ، عفا الله عنه فضلا من عنده ، إنه لهو الغفور الكريم . ومن لم يجد الماء يذكر خمس مرات ( بسم الله الأطهر ) ثم يشرع في العمل ، هذا ما حكم به  مولى العالمين .   وقد عفونا عنكم صلاة  الآيات _ أي : صلاتي الكسوف والخسوف – إذا ظهرت ، أن اذكروا الله بالعظمة والاقتدار ، إنه هو السميع البصير  . وكتب عليكم الصلاة فرادى ، قد رفع حكم الجماعة ، إلا في صلاة الميت ، إنه لهو الآمر الحكيم .) (21)  وحدد البهاء قبلة البهائيين  في ( الأقدس ) بقوله : ( إذا أردتم الصلاة  ولوا وجوهكم شطري الأقدس ، المقام المقدس -  أي : عكا (22) -  الذي جعله الله مطاف الملأ الأعلى ، ومقبل أهل مدائن البقاء ، ومصدر الأمر لمن في الأرضين والسموات ..)( 23)

وفرض الحج على الرجال دون النساء ، ولهم ثلاث مزارات يقدسونها ويحجون إليها ، الأول : في شيراز ، وهو المكان الذي ولد فيه الباب . والثاني : في بغداد ، وهو المكان الذي جهر فيه البهاء بدعوته . والمكان الثالث : في عكا ، حيث  استقر به المقام ، ودفن بعد هلاكه . يقول في  ( الأقدس ) :       ( وقد حكم الله لمن استطاع منكم حج البيت -  أي مكان إقامته ومدفنه فيما بعد بعكا   -  دون   النساء ، عفا الله عنهن رحمة من عنده ، إنه لهو المعطي الوهاب ) (24)

 وجعل الصيام :   تسعة عشر يوما  في شهر العلاء ، ويكون عيد الفطر عندهم موافقا : لما يسمى بـ ( عيد النيروز ) ، ويوافق كذلمك ما يسميه العالم اليوم :  بـ [ عيد الأم  الموافق ليوم ( 21/ 3  ) من كل عام ميلادي ] .  قال في الأقدس : ( ياقلم الأعلى ، قل يا ملأ الإنشاء : قد كتبنا عليكم الصيام أياما معدودات ، وجعلنا النيروز عيدا لكم بعد إكمالها  . ) (25)

 أما حكم الزكاة عندهم : فقد بينه البهاء في ( الأقدس ) فقال : (  والذي تملك – هكذا – مئة مثقال من الذهب  ، فتسعة عشر مثقالا لله فاطر الأرض والسماء  .  ) ( 26 )  وحرمت البهائية على أتباعها الحهاد ، ولم يوجدها من أوجدها إلا لهذا السبب ، وفرضت على أتباعها الدعوة إلى السلام ، وعدم اللجوء إلى الحرب والقتال ، بأية صورة من الصور وأكتفي بما أوردته من أحكام شريعة البهاء ، وهي غيض من فيض ، لا يتسع لها مثل هذا البحث .

الفصل الثاني

معنى التأويل ، شروط التأويل الصحيح المقبول، وسمات التأويل الفاسد المردود

من المقرر لدى أهل العلم : أن الأصل هو إبقاء النصوص على ظواهرها ، لتدل على معانيها التي وضعت لها في اللغة ، ولكن تأويلها ، بصرفها عن معناها الحقيقي إلى معناها المجازي ،أو الكنائي، لا يخالف فيه عالم له دراية بالكتاب والسنة  ، بشرط أن لا يحدث ذلك  إلا بدليل ، أو بقرينة توجب صرفه عن معناه الأصلي ، وإلا بطلت الثقة باللغة ، ودلالاتها ، فإذا وجد الدليل أو القرينة ، جاز لنا  صرف اللفظ عن ظاهره الصريح إلى معنى يحتمله اللفظ  ، وتدل عليه دلالات اللغة  ، ومن الحقيقة إلى المجاز ، وإلا فلا .  فالتأويل إذن مقبول إذا دل عليه دليل صحيح من اللغة ، أو من الشرع ،  وإلا كان مردودا على قائله ، ولا اعتبار له . 

المبحث الأول :      معنى التأويل في اللغة ،  ونصوص الكتاب والسنة  ، والاصطلاح  :

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان  ، منها   :

1-الرجوع  ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير:قال  الأزهري (ت370هـ):( الأول : هو الرجوع . والأيل -  على وزن السيد  -  الذكر من الأوعال ، وإنما سمي أيلا : لأنه يؤول إلى الجبال يتحصن فيها .) (27) 

 وقال ابن فارس  ( ت395هـ):: أول الحكم إلى أهله : أي : أرجعه (28)، ورده إليهم . (29) 

وقد جمع ابن منظور ( ت711هـ) كل ما يتصل بمادة ( أول ) ومشتقاتها ، وما استعملت فيه من معاني ، فمن ذلك قوله : [ ألت عن الشيء : ارتددت عنه ، والأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع . وقال أبو عبيدة  ( ت209هـ) : التأويل : المرجع والمصير . وأول الكلام ، وتأوله : دبره ، وقدره . ( وأوله وتأوله – أي الكلام - : فسره  .  ](30)

2- التفسير ، والتدبر ،  والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : ( وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير والمرجع والمصير . ) (31)        وقال الأزهري: [قال الليث  : التأول والتأويل : تفسير الكلام الذي تختلف معانيه . ] (32)

وقال الجوهري ( ت400هـ) : ( التأويل : تفسير ما يؤول إليه الشيء . ) (33)

ومما سلف  يمكننا اختصار معاني  التأويل في اللغة في معنيين هما : المرجع  والعاقبة ، والتفسير والبيان .                               المطلب الثاني : الاستعمال القرآني  لكلمة التأويل

وردت  كلمة ( تأويل ) سبع عشرة مرة  في عدة سور قرآنية كريمة ، وسألتزم في ذكرها حسب ترتيب السور في القرآن الكريم كما يلي :

أ – قال تعالى في سورة آل عمران : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ) (34)    ففي هذه الآية نجد أنه سبحانه قد ذكر المتشابه في مقابلة المحكم ، وجعل ابتغاءهم الفتنة والتأويل ، خاصا بالمتشابه ( 35) دون المحكم (36)

         [ وعلى هذا يمكننا أن نفهم أن المراد من المحكم من الآيات هو : ما لا يمكن التلاعب بفهمه على غير ما يراد منه  ، لأن معناه لا يحتمل التوجيه حسب الأهواء ، وذلك كقوله تعالى : ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ) ( 37) . كما يمكننا أن نفهم أن المراد بالمتشابه من الآيات  ، هو : ما له  أفراد من المعاني يشبه بعضها بعضا  ، ويحتملها ظاهره ،  وذلك هو الذي يجعلهم  يتوجهون إليه ليؤولوه ابتغاء الإفساد لعقائد الناس ، وهذا كقوله تعالى : ( وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ..الآية ) (38) فإن  أهل الزيغ من الكفار  يأخذونه على ظاهره دون الرجوع إلى الأصول المحكمة في القرآن التي تبين حقيقة المراد منه ، فيقولون : الله روح ، والمسيح روح منه ،فهو من جنسه ،وجنسه لا يتبعض فهو هو ، أي : فعيسى   هو الله ،ولا يرجعون إلى الأصل المحكم الذي يبطل مثل هذا التأويل ، وهو قوله تعالى:( لم يلد ولم يولد ) (39)      ومعلوم أن عيسى ابن مريم  – عليه السلام – مولود ، فكيف يكون هو الله ..؟ ] (40)

 قال ابن كثير : (  وابتغاء تأويله : أي : تحريفه . وعن مقاتل ، والسدي : يبتغون أن يعلموا ما سيكون ، وما عواقب الأشياء … وقال عند تفسيره قوله سبحانه : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) : ومن العلماء من فصل في هذا المقام فقال : التأويل يطلق ويراد به معنيان : أحدهما : التأويل بمعنى معرفة حقيقة الشيء ، وما يؤول أمره إليه . والمعنى الآخر : هو التفسير والبيان ، والتعبير عن الشيء ) (41)  فإذا كان التأويل بمعنى بيان المرجع والعاقبة ، ورد النص إلى صورته المادية الخارجية ، وتحديد ما تؤول إليه حقائق الآيات من الكيفيات ،  والتفاصيل العملية ، فهذا خاص بالله تعالى ، ولا يعلمه الراسخون في العلم ، ولا يدركون حقيقته ، ومآله ، وعاقبته ، ويسلمون بعجزهم عن ذلك ، ويعلنون إيمانهم به  ، ويقولون : (  آمنا به كل من عند ربنا ) (42) فتكون الواو : استئنافية ، ويكون الوقوف على لفظ الجلالة ( الله ) واجبا . أما الذين في قلوبهم زيغ فإنهم يتبعون هذا المتشابه بهدف تأويله ، وإثارة الفتنة ، والشبهات ، فضلوا وأضلوا .

وعندما نحمل التأويل على هذا المعنى ، فإننا نجده يتفق مع معنى التأويل المذكور في السور الأخرى وهو : رد الأشياء إلى حقائقها المادية ، وإرجاع الأمور إلى صورتها العملية ، وتحديد العاقبة ، والنهاية الواقعية للأخبار والوعود ، وبيان ما تؤول إليه فعلا ، وتستقر عليه واقعا .

وإذا كان التأويل بمعنى التفسير والبيان : فالراسخون في العلم يعلمون المتشابه ، فرسوخهم في العلم وتمكنهم منه ، أوجد عندهم ملكة في تفسير القرآن وتأويله ، ففهموا آياته المحكمات ، وأحسنوا تأويل آياته المتشابهات ، بإرجاعها إلى أمها من الآيات المحكمات ، وبذلك أحسنوا استخراج دلالاتها ، ومعرفة معانيها وحقائقها .

وعلى هذا المعنى للتأويل : تكون الواو في قوله ( والراسخون ) حرف عطف ، ويكون الوقف على ( العلم ) . وتكون جملة ( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) جملة حالية .

وممن ذهب إلى هذا المعنى للتأويل واعتبر نفسه ممن يعلم تأويل المتشابه : ابن عباس -  رضي الله عنهما   – فقال : [ أنا ممن يعلم تأويله . وقال مجاهد : ( والراسخون في العلم ) يعلمون تأويله ، ويقولون آمنا به .   وقا ل محمد بن جعفر بن الزبير : والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، ثم ردوا  تأويل المتشابه  على ما عرفوا من تأويل الآيات المحكمة  التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد ، فاتسق بقولهم الكتاب ، وصدق بعضه بعضا ، فنفذت به الحجة ، وظهر به العذر ، وانزاح به الباطل ، ودفع به الكفر ] (43).

ب – قال تعالى في سورة النساء : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (44)     

طائفة القاديانية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

التفاصيل
كتب بواسطة: د. سامي عطا
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 07 سبتمبر 2007
الزيارات: 8

طائفة القاديانية

وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت  - المفرق

المملكة الأردنية الهاشمية

ملخص

تموج المجتمعات البشرية بظواهر فكرية ، وعقدية ، وتيارات سياسية ، متعددة المناهج ، والأساليب ، ومختلفة المناحي والاتجاهات ، ومتنوعة الأغراض  والأهداف . ويجيئ هذا التباين طبقا لاختلاف العوامل التي ساعدت على ظهور هذه التيارات والظواهر ، ودفعت إلى ظهورها وتكوينها  .  فخصصت  هذه الدراسة  لإلقاء بعض الأضواء على ظاهرة من هذه الظواهر ، أعني بها  طائفة القاديانية الباطنية ؛ لبيان حقيقتها ، وتأويلاتها المنحرفة لآيات القرآن الكريم ، والفرق الباطنية عموما تعد بذرة من البذور التي غرستها فرقة السبئية في العالم الإسلامي وهدفها جحد الشرائع ، وتعطيل النصوص بالتأويلات الباطنية الفاسدة ، ولم أجد من أفرد تأويلات هذه الطائفة البحث ، إنما تحدث الكاتبون عنها حديثا مبتسرا كفرقة من الفرق الضالة المنحرفة ، فحفزني ذلك إلى كتابة هذا البحث  لكشف حقيقتها للدارسين .

Qadyaniyyah and its latent interpretations of Holy Koran verses

Dr . Sami Ata  Hassan

AL  -Albayt university –AlMfrak

The Hashemit Kingdom of Jordan

BSTRACT

The human societies are burdened with enormous ideologies, doctrines and political views that have different methodologies for different reasons and purposes. This diversity comes according to the different factors that worked as a catalyst in promoting these ideologies and doctrines to prosper and grow. Therefore I dedicated this study to research a few of them and in particular the Cult of the “Kadianiya” to shatter the myth that surrounds it. Hence revealing their twisted ascription of the Holy Koran will benefit those who seek the truth. . In general these mysterious cults are to be considered an evil seeds, which have been sawn in the house of Islam by the “Sapiens” cult in order to undermine the divine revelations and twist its texts with depraved interpretations. I yet have to find any one who profoundly embarked with expansion on the exposition of this sect therefore I find

myself motivated to unravel the truth and reveal it to the seekers.

 

طائفة القاديانية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

تمهيد

عندما يكون هناك فراغ فكري في أمة ما ، فإن هذه الأمة تكون نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب  والأمة الإسلامية – بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث -، عاشت حالة من الفراغ الفكري ، سببه الرئيس : الجهل بحقائق الإسلام  ،  مما مكن لكثير من الفلسفات المادية ، والمذاهب الباطنية ،والفكرية ، والاجتماعية ، والاقتصادية الهدامة ، أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين ، وفي ديارهم .    وكانت  طائفة القاديانية   من أبرز هذه الطوائف الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين  ،   ولم تأت بجديد، إنما نبشت ما قبرته الأيام من ضلالات الإسماعيلية   وغيرها من الفرق والطوائف الباطنية الغالية ، وجعلت منها أفكارا لها ،  وخطر هذه الطائفة أشد من خطر غيرها ، لا لأن لأقوالها  وتأويلاتها ، قيمة علمية أو فكرية   ، بل لأنها تتخذ من الإسلام ستارا لتنفث سمومها   ،  فحفزني ذلك على الكتابة في هذا الموضوع   لعل ذلك ينبه الغافلين  ، أو المتغافلين عنها وعن أمثالها ،  فكانت هذه الدراسة .

 وقد جعلتها في تمهيد، وثلاثة فصول ، وخاتمة ، على النحو التالي :

تحدثت في الفصل الأول  : عن نشأة القاديانية  ، ومراحل تطورها  ، وذكرت شذرات من عقائدها ، وشرائعها . وضمنته أربعة مباحث على النحو التالي :

تحدثت في المبحث الأول : نشأة طائفة القاديانية .

وتحدثت في الثاني   : عن القاديانية في عهد مؤسسها .

وتحدثت في الثالث : عن القاديانية بعد غلام أحمد القادياني .

وذكرت في المبحث الرابع  : شذرات من عقائد القاديانية وشرائعها .

وتحدثت في الفصل الثاني  : عن معنى التأويل ، وشروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد ، وضمنته ثلاثة مباحث   على النحو التالي :

بينت في المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، وفي الاصطلاح  .

وبينت في المبحث الثاني  : شروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد المردود

وبينت في المبحث الثالث : جذور التأويلات الباطنية .

وفي الفصل الثالث : ذكرت نماذج لتأويلات طائفة القاديانية، وبينت بطلانها .

وبينت في الخاتمة أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج . والله ولي التوفيق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

طائفة القاديانية .. نشأتها .. عقائدها .

المبحث الأول :   نشأة طائفة القاديانية :

تنتسب القاديانية للميرزا غلام أحمد القادياني ، المولود في قاديان  في الثالث عشر من شباط عام 1835م(1)،  وكانت أسرته على جانب كبير من الغنى، إذ كان جده  صاحب قرى وأملاك، وصاحب إمارة في البنجاب، خسرها جده (الميرزا عطا محمد) في حرب دارت بينه وبين (السيخ) الذين دمروا أملاكه وطردوه وأسرته من بلدهم (قاديان) ، ثم أذن لهم الإنجليز بالرجوع إليها عام 1818م، لقاء خدمات عسكرية قدمها لهم والده، وأعادوا إليهم بعض هذه القرى(2). ويذكر الميرزا غلام أحمد ذلك فيقول : [ ففي تلك الأيام صُبّت على أبي المصائب  ونُهبت أموالهم من أيدي الكفرة   ... إلى أن يقول :   ثم ردّ الله إلى أبي بعض القرى في عهد الدولة البريطانية  ] .(3)  

 وكان الإنجليز  يطمعون في  تكوين إمبراطورية لهم لتشغل الفراغ الممتد فيهما بين مصر والهند ،كما كانوا يريدون  استقرار وضعهم  في الهند-درة التاج البريطاني- ، وهذه المناطق يشغلها   المسلمون ،  وعداوة المسلمين لهم  : تاريخية ... جغرافية ...  نفسية... ، وتلك أصعب العداوات وأعمقها وأعصاها على التوفيق والنسيان..... .فقد جاء أسلافهم الصليبيون إلى هذه الديار.....   واستولوا على بلاد الشام.... وهزموا المسلمين شر هزيمة ... وارتكبوا أبشع المجازر ....وكانوا أول من ابتدع إجلاء المسلمين عن ديارهم   ، وساروا على ذلك أيضاً في جميع حروبهم مع المسلمين ، وكانوا يظنون أن الأمر قد استتب لهم وأنه لن تقوم للمسلمين قائمة ... ولكن المسلمين ظلوا مصممين على إخراجهم من ديارهم.... فدينهم يفرض عليهم  ذلك ... وبالرغم من مكوثهم مدة تقارب القرنين من الزمان أقاموا خلالها ممالك وإمارات في بلاد الشام ... إلا أن  المسلمين استطاعوا في النهاية أن يتغلبوا عليهم ويطردوهم من ديارهم شر طردة... وقد بحثوا عن السر في ذلك فوجدوه في الإسلام  ... وأن عقيدته هي منشأ هذه القوة العظيمة في المسلمين.....ولو كان المسلمون قوة سياسية ليس إلا....لهان خطبهم على الاستعمار بجميع أنواعه.... ولكنهم قوة روحية...  تندفع كالسيل إذا اندفعت ... وتستقر كالصخر إذا سكنت.. وتفارقها قدرتها على الغلبة والسيادة حيناً ...ولكن لا تفارقها قدرتها على الصمود والثبات...لذلك لا بد من تفتيت هذه القوة....وهذا ما أجمعت عليه القوى الاستعمارية .

  والسبب الذي جعل المستعمرين الانجليز  يفكرون في إيجاد القاديانية  ، والروس في إيجاد البابية ، ثم البهائية ،   يتلخص في أن الاستعمار البريطاني عندما بدأ يركز احتلاله المستبد في شبه القارة الهندية ، والتي استظلت براية الحكم الإسلامي بضعة قرون  ،  جوبه بمعارضة عنيفة من حركات الجهاد الإنجليز استطاعوا أن يقضوا عليها وعلى الثائرين بكل عنف وقسوة ، وتمكن المستعمر من تثبيت أقدامه، وأقام نظاماً لحكم البلاد يعتمد على مئات من الخبراء يؤازرهم جيش صغير، وعلى اصطفاء عناصر تدين لهم بالولاء السياسي والفكري ، وجعل المستعمر نصب عينه هدف القضاء على كل أثارة من حمية الجهاد في قلوب المسلمين ، فاستقدموا طوائف المبشرين وملأوا بهم أرجاء الهند ، يسرقون عقائد الناس ويزلزلون نفوسهم بالشكوك والريب ، وكانت معارك حامية تلظى المسلمون بنارها في المجال الفكري  ،  وكان رد المسلمين على ذلك أن أصبحت نغمة الجهاد ضد الإنجليز على كل لسان ، وشغل كل عالم، وأصبحت المنشورات تكتب وتوزع ، والعلماء من الناس وغيرهم يطوفون المدن والقرى لهذا الغرض.  . وهكذا أصبحت عقيدة الجهاد عقبة كأداء في وجه المطامع الاستعمارية في الهند وغيرها من بلدان العالم الإسلامي  .

وكانت روسيا قد فعلت نفس الشيء في فارس ... إذ بدأ التدخل الروسي في الهضبة الإيرانية في عهد بطرس الأكبر ، وكانت بلاد فارس آنذاك تكابد فتناً  وانقسامات داخلية  ، ومطامع الروس في إيران وغيرها بدأت منذ عهد (بطرس الأكبر)  ، الذي طمع بعد مقتل (نادر شاه) في وراثة إمبراطوريتة إلا أنه أخفق في ذلك ، لكنه لم ينس قبل موته أن يضع  لمن بعده خطة استعمارية ليسيروا  عليها ، فقد أوصى خلفاءه أن يتقدموا بحدودهم ما استطاعوا إلى القسطنطينية من جهة، وإلى الهند من جهة أخرى  ، وأن يقيموا لهم قواعد برية وبحرية على البحر الأسود  ، وأن  يسرعوا  إذا دبّ الانحلال في جسم بلاد فارس بالتوغل فيها حتى يصلوا إلى الخليج العربي، إلى المياه الدافئة ..... والذي دفع المستعمرين لإيجاد هذه الفرق البابية والبهائية والقاديانية , يقينهم التام بأنهم لن يستطيعوا حكم بلاد يؤمن أهلها بالجهاد ، ويعتبرونه ركنا سادساً من أركان الإسلام, ففكروا بصورة جدية في رسم المخططات للقضاء على هذه العقيدة  ،  من خلال رجال ربوهم على أعينهم، وأرضعوهم لبان حبهم  ، فكانوا  عند حسن ظن سادتهم بهم ..  فها هو الغلام القادياني يقول في كتابه ترياق القلوب ما نصه: ( لقد قضيت معظم  عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها, وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب  طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة, وقد نشرت معظم هذه الكتب في البلاد العربية: مصر والشام وتركيا ، وكان هدفي هو أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة )(4).   وقال في رسالة أخرى:( لقد ظللت منذ حداثة سني وقد ناهزت الآن على الستين أجاهد بلساني وقلمي، لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية، والنصح لها، والعطف عليها، وأُلغي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم ،والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة )(5)

كذلك فعل الباب والبهاء من بعده إذ قال البهاء (حسين علي المازنداني )  زعيم البهائية ما نصه:"البشارة الأولى التي منحت في هذا الظهور الأعظم  لجميع أهل العلم محو حكم الجهاد من الكتاب "(6)  .

 ثم تلقف اليهود كلتا الحركتين : القاديانية والبهائية، منذ أن نشطوا  لتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين منذ القرن التاسع عشر تقريباً ،  فاحتضنوا أمثال هذه الحركات :  البابية ، والبهائية  ، والقاديانية ، لتدعوا إلى إبطال ونسخ الجهاد عند المسلمين ، وبلبلة عقائدهم ،   فشجّعوا البهائية واحتضنوا طاغيتها عباس عبد البهاء  ،   وجعلوا مدينة عكا في فلسطين المحتلة كعبة للبهائيين المبثوثين في بقاع شتى، وربطوهم بفلسطين المحتلة روحيا  ... بيد أن اليهود لم يكتفوا بالبهائية فلا بد من استقدام القاديانية إلى فلسطين كي تشارك في صُنع الشتات العربي  الإسلامي، وتمهد للوجود اليهودي, فقدم الخليفة الأحمدي الثاني بشير الدين محمود احمد ابن مؤسس الجماعة عام 1924م  إلى فلسطين عن طريق حيفا  ، وحضر معه المبشر الأحمدي جلال الدين شمس ، وفي مدينة حيفا بشّر بدعوة  المهدي زمناً ،  حتى تسنى له الاتصال بأهل  الكبابير  على قمة جبل الكر مل ، فأسس مركزا  للجماعة، وأقام مركزاً تبشيرياً عام 1929م ،  و عاد جلال الدين شمس  الى قاديان  عام 1931م ، وقد تبع ذلك بناء أول مسجد للجماعة هناك سنة 1934،  ثم أضيف إليه ( دار التبليغ  ) ، بعدها وصل الى فلسطين  أبو العطاء الجلندهري حيث مكث حتى العام 1936في الكبابير ، وهو الذي أكمل بناء مسجد –سيدنا محمود- فيها وأسس مجلة

 ( البشارة  ) التي تحولت إلى  (البشرى ) الحالية ، وهي المجلة الأحمدية القاديانية الوحيدة  في الديار العربية  ،والتي لا تزال تصدر في فلسطين المحتلة إلى وقتنا الحاضر  ، . ثم أعادوا بناء المسجد الذي يعرف بمسجد-سيدنا محمود- عام1979م ، وتضم قرية الكبابير قرابة ال3000 نسمة معظم سكانها من أتباع الأحمدية .

ولم يكن هؤلاء فقط هم الذين حاولوا نشر مبادىء الجماعة بين العرب فهناك محمد سليم الهندي الذي خدم الجماعة في فلسطين من العام 1936 حتى 1938وتراس تحرير مجلة البشرى ثم شودري محمد شريف والذي بقي زهاء 18 عاما في البلاد العربية ، كذلك جلال الدين قمر الذي حضر للبلاد العربية عام 1954 وعمل رئيسا لتحرير البشرى ومديرا للمدرسة الأحمدية في حيفا وفضل الهي بشير الذي حضر أواخر السبعينات للمنطقة وألف كتبا بالعربية تطرق فيها الى المسائل الخلافية وغلام احمد الذي وصل الى عدن وأسس بها الجماعة الأحمدية عام 1949 وغيرهم . مما يبين  بجلاء اهتمام الجماعة الأحمدية بالانتشار في العالم العربي والانطلاق نحو هذا العالم عبر فلسطين ورغم تمحورها في الكبابير بحيفا في فلسطين إلا أن هناك انتشارا محدودا لها في الضفة وغزة  ، لكن هل ستمنع فتوى الشيخ شوبا ش الأحمدية من الانتشار في فلسطين   ؟ أم ستكون فلسطين جسرا لعبور الأحمدية الى العالم العربي؟ هذا في علم الغيب وسيجيب عليه الزمن والتاريخ.(7).

المبحث الثاني :  القاديانيّة في عهد مؤسسها

يكاد يُجمع الذين كتبوا في القاديانيّة، وتاريخها وتطورها، أنّ دعوة الميرزا غلام أحمد قد مرّت بمراحل  ثلاث هي :

المرحلة الأولى: مرحلة الدعوة إلى الإسلام وجدال الخصوم ودعوى التجديد :

وقد استمرّت هذه المرحلة بين عام 1879م وعام 1891م (8)  ، و "في هذه المرحلة ادّعى الميرزا أنّه مُصلح و مجدّد …وأنّه مأمور من الله لإصلاح العالم ،و الدعوة إلى الإسلام .   وكان نشاطه في هذه المرحلة يأخذ أشكالاً ثلاثة هي : المناظرة، وتجميع الأتباع، والكتابة (9).

المرحلة الثانية: مرحلة ادعاء أنه المسيح الموعود :  

وقدْ ابتدأت هذه المرحلة سنة 1891م،  "حيث أعلن أنه المسيح الموعود الذي ذكره القرآن الكريم ونصت عليه أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -  ، وأنّه المصلح الذي تنتظره جميع الأقوام والأمم منذ ثلاثة عشر  قرناً"(10)  ،  ويقسم الميرزا نفسه على هذه الدعوى بقوله "والله أني أنا المسيح الموعود وأعطاني ربي سلطاناً مبيناً"(11).

المرحلة الثالثة: ادعاء النبوة :    

ربما تكون هذه المرحلة هي التي أدّت إلى ظهور القاديانيّة وانتشار أمرها  ،  و ثمّة اتجاهٍ  آخر ينفي أنّ يكون الميرزا قد ادّعى النبوة، ولكن عند مناقشة أقوال أصحاب هذا الاتجاه لا نجد فيه ما يقوى على نفي نسبة دعوى النبوّة إلى الميرزا، و هناك اتجاه ثالث يثبت أصحابه نسبة دعوى النبوّة إلى الميرزا، ولكنّهم يدافعون عن فكرته ويوضحونها بما يشعر أنها منسجمة مع ثوابت العقيدة الإسلامية.

المبحث الثالث: القاديانية بعد غلام أحمد القادياني :  

توفي الغلام القادياني في السادس والعشرين من شهر مايو سنه 1908م ،  فخلفه الحكيم نور الدين ،  وهو الذي اقترح على الغلام القادياني الادعاء بأنه المسيح الموعود الذي أخبرت عنه الأحاديث النبوية بنزوله آخر الزمان وبويع بالخلافة بعد وفاه الغلام أحمد القادياني ..ولقب بالخليفة الأول. واستمر بالخلافة إلى أن توفي في 13مارس 1914م ،ليخلفه  [بشير الدين محمود ] ابن مؤسس الأحمدية ، وبقي في منصبه حتى وفاته عام 1965 ، ثم خلفه [الميرزا ناصر أحمد ]المتوفى عام 1982 ، ثم تلاه  [الميرزا طاهر أحمد ]  ، الذي توفي قبل أقل من عامين ، حيث انتخبت الجماعة : [مسرور أحمد ]  المقيم في لندن زعيما لها ولا يزال . وقد انقسمت القاديانيّة  بعد وفاة الحكيم نور الدين سنة 1913م إلى شعبتين ، أو فرعين:

الأولى :  تسمى: الجماعة اللاهورية ، وهي  بزعامة محمد علي اللاهوري ..

والثانية  : تسمى: الجماعة القاديانيّة ، وهي بزعامة الميرزا بشير الدين محمود . (12).

الشعبة الأولى: جماعة محمد علي اللاهوري    : 

يذكر أصحاب هذه الشعبة  سبب الانقسامَ بقولهم "وفي أثر وفاته [يعني نور الدين] نتجت خلافات في العقائد أثارها (  الميرزا بشير الدين  ) نجل الميرزا غلام أحمد المؤسس، بادّعائه أنّ والده نبيّ ،  فانبنى على هذا الخلاف أنْ انقسمت الجماعة  إلى قسمين، سُميّت أوّلهما الجماعة القاديانيّة، ومركزها في قاديان، والأخرى الجماعة الأحمديّة بلاهور، عاصمة بنجاب الهندية، وتولّى رئاستها مولانا محمد علي"(13)، و من أهم معتقدات هذا الفرع: أنّهم لا ينكرون الإلهامات الإلهيّة للميرزا غلام أحمد، ويذكرون أنّ ما أُثر عنه صراحة في دعواها، إنّما هيَ تعبيرات مجازية ، ومع ذلك يطلقون عليه ألقاب: مجدد القرن الرابع عشر الهجري، والمسيح الموعود (14).

الشعبة الثانية: جماعة الميرزا بشير الدين محمود :     و أصحاب هذه الشعبة يتشبثون بقوّة وصراحة بعقيدة نبوّة الميرزا غلام أحمد، و يدافعون عن هذه العقيدة بحماسة، وبلا مواربة ولا تأويل.

وكلتا الشعبتين تتسميان بالأحمديّة، إلا أنّ أصحاب إحدى هاتين الشعبتين انتسبوا إلى اسم مؤسس الجماعة، فتسمّوا بالأحمدية، والآخرون انتسبوا إلى بلده ،  فتسموا بالقاديانيّة، "وكلتاهما تعتبران إلهـــام ووحي الميرزا – المدّعى به- حجّةً شرعيّة يجب إتباعها، ويصدّقون بكل ما جاء به الميرزا من هذا القبيل.   وكذلك فإنّ الجماعة اللاهورية وإنْ كانت تُصرّح بأنّها لا ترى الميرزا نبيّاً بل مجدداً، إلا أنّها تعني من لفظ (المجدد) عين ما تقصد به جماعة بشير الدين محمود من لفظ (النبي) (15).

المبحث الرابع :  شذرات من عقائد القاديانية  ، وشرائعها

لست بصدد ذكر كل مفتريات الغلام القادياني.. فذلك يحتاج إلى كتاب مستقل، لكني سأذكر منها ما يكفي لوضع النقاط على الحروف لبيان حقيقتها ،    وقد نشر الأستاذ الفاضل أبو المكارم محمد عبد السلام المدرس بالكلية العربية في بلدة كرنول في أعمال مِدارس بالهند نتفاً من عقائد هذه الطائفة ومفترياتها في مجلة (الصراط المستقيم الغراء الصادرة بتاريخ 21 شوال 1351هـ ) - مستلّة من كتب الغلام القادياني -          جاء فيها :

عقيدته في الله تعالى : ( إن الله ذو طول وعرض وله أرجل وأيد ولا تحُصى وأيضاً له أعصاب وأوتار كالسلك البرقي ممتد في الجهات ) (16)   و( إن الله بعد أن كشف لي الغطاء كان يمازحني مراراً ) (17)

عقيدتة في الأنبياء عامة : (أعطي كل الأنبياء حياة بمجيئي ،وكل واحد من الرسل مستور تحت قميصي ) (18)

عقيدته في القرآن الكريم :  ( القرآن كلمات الله وكلمات لساني ) (19)  .

عقيدته في الأحاديث النبوية : (  الأحاديث التي تخالف إلهامي تستحق  أن نلقيها مع الأوراق الرديئة في سلة المهملات  ) (20) .

عقيدته في الملائكة :( لا تتنزّل الملائكة ولا ملك الموت إلى الأرض أبداً ، وما الملائكة إلا اسم لحرارة الروح ) (21)   . عقيدته في القيامة : ( القيامة ليست آتية و التقدير ليس بشيء ) (22) .

عقيدته في الحج :      ( بعد ظهوري تحوّل مقام الحج إلى قاديان ) (23) .

عقائده في عيسى وأمه عليهما السلام :  ( كان يشرب الخمر وكان عدو الصدق متكبراً أكّالاً يدعي الألوهية مجتنباً العبادة و الزهد غاية الاجتناب ) (24) .وقال : (كانت ثلاث من جداته لأبية   –كذا –وثلاث  من جداته لأمه بغايا وزانيات ...؟! ) (25)

الفصل الثاني

معنى التأويل ، وأنواعه ، وشروط التأويل  المقبول ، وسمات التأويل الباطني المردود

المبحث الأول :   معنى  التأويل في اللغة ، ونصوص الشرع ، وفي الاصطلاح .

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان  ، منها   :

1- الرجوع  ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير:   قال ابن الأعرابي ( ت230 هـ):

[ الأول : هو الرجوع .]  (26) .

وقال ابن منظور ( ت711هـ) :[  الأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع . ](27)

2-  التفسير ، والتدبر ،  والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : [ وأما معنى (التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير والمرجع والمصير . ] (28) .  وسئل أبو العباس ثعلب ، أحمد بن يحيى (ت 291هـ) عن التأويل ، فقال :[ التأويل والتفسير بمعنى واحد .]( 29) 

وقال ابن فارس : ( ت 395هـ) : [ معاني ألفاظ العبارات التي يعبر بها عن الأشياء  مرجعها إلى ثلاثة ، وهي : المعنى ، والتفسير ، والتأويل ، وهي وإن اختلفت ، فإن المقاصد بها متقاربة . ] (30) ومما سلف  يمكننا اختصار معاني  التأويل في اللغة في معنيين هما : المرجع  والعاقبة ،والتفسير والبيان .

المطلب الثاني : الاستعمال القرآني  لكلمة التأويل :

وردت  كلمة ( تأويل ) سبع عشرة مرة  في عدة سور قرآنية كريمة ، وسألتزم في ذكرها حسب ترتيب السور في القرآن الكريم .. كما يلي :

أ – قال تعالى في سورة آل عمران :  ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ) (31)

 [ ففي هذه الآية ذكر سبحانه  المتشابه في مقابلة المحكم ، وجعل ابتغاءهم الفتنة والتأويل خاصا بالمتشابه  (32)  دون المحكم (33) ... وعلى هذا يمكننا أن نفهم أن المراد من المحكم من الآيات هو : ما لا يمكن التلاعب بفهمه على غير ما يراد منه ، لأن معناه لا يحتمل التوجيه حسب الأهواء . وذلك كقوله تعالى :( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ) (34)  .

كما يمكننا أن نفهم أن المراد بالمتشابه من الآيات  ، هو : ما له  أفراد من المعاني يشبه بعضها بعضا  ، ويحتملها ظاهره ،  وذلك هو الذي يجعلهم  يتوجهون إليه ليؤولوه ابتغاء الإفساد لعقائد الناس ، وهذا كقوله تعالى :

 (  وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ..الآية )(35) ، فأهل الزيغ  يأخذونه على ظاهره دون الرجوع إلى الأصول المحكمة في القرآن التي تبين حقيقة المراد منه ..ويرجعونه إلى المعنى الذي ينطبق على أهوائهم  وتقاليدهم ، ويزعمون أنه حقيقته ،  ويقولون : الله روح ، والمسيح روح منه ، فهو من جنسه ، وجنسه لا يتبعض ،فهو هو ، أي : فعيسى هو الله ،ولا يرجعون  إلى الأصل المحكم الذي يبطل مثل ه

لمسات عقائدية من سورة الزمر

التفاصيل
كتب بواسطة: سليم إسحق
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 26 أغسطس 2007
الزيارات: 10

السلام عليكم
هذا السورة مكية وهي تتصل في السورة التي تسبها اتصال يكاد لا يخفى على احد حيث قال الله تعالى في (ص) :"إِن هو إِلا ذكر للعالمين" ثم قال هنا: (تنزيل الكتاب من اللَهِ) فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل وهذا تلاؤم شديد، بحيث أنه لو أسقطت البسملة لا لتأمت الآيتان كالآية الواحدة وقد ذكر الله تعالى في آخر (ص) قصة خلق آدم، وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه، وخلق الناس كلهم منه، وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميتون، ثم ذكر وفاة النوم والموت، ثم ذكر القيامة، والحساب، والجزاء، والنار، والجنة وقال: (وقَضى بينَهُم بالحق وقيل الحمدُ للَهِ ربِ العالمين) فذكر أحوال الخلق، من المبدأ إلى المعاد، متصلاً بخلق آدم المذكور في السورة التي قبلها.وهذا ما اثبته السيوطي في كتابه ترتيب القرآن.
والسورة كما ذكرت سابقًا هي مكية وشأنها شأن السور المكية في البحث في العقيدة وتثبيتها في نفوس المسلمين.
بدأت السورة في قوله تعالى:" تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم",وقد اثيرت مسائل عديدية حول هذا الآية وخاصة من قِبل المعتزله حيث انهم إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق,وقولهم العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا.
والجواب على زعمت المعتزله ما اورده الرازي في نفسيره مفاتيح الغيب حيث قال: أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف,وكذلك جوابه على الشق الآخر من قول المعتزله في قول الله (العزيز الحكيم): فنقول كونه تعالى: عزيزاً حكيماً يدل على هذه الصفات الثلاثة، العلم بجميع المعلومات، والقدرة على كل الممكنات، والاستغناء عن كل الحاجات، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً. إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما: أن يعلم أن القرآن كلام الله، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني: أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيماً، وثبت أن لا سبيل إلى إثبات كونه حكيماً إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزاً، فلهذا السبب قال: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }.
وقال ابن عادل في معنى: { أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ } قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله.واما العبادة فهي كما قال الرازي : فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله.
واما قول الله تعالى:" مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى " فالضمير عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيزاً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين الأول: أن الضمير في قوله: { مَا نَعْبُدُهُمْ } ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صوراً لها.
والآية :" لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ",تنفي عن الله ان يكون له ولدًا ,فالواحد القهار فيها من المعاني ما يدل على وحدانيته,فكونه واحداً يمنع من ثبوت الولد,وكونه قهاراً فلا يقهره غيره كان الولد في حقه محالاً.
وبعد ان اثبت الله عز وجل اصول الدين والتنزيه عن كل ما يثبت العجز والافتقار والاحتياج ,عقب الله تعالى في هذه السورة على كمال قدرته واستغنائه مبينًا خلقه للسموات وارض والانسان والشمس والقمر والانعام كل اولئك مخلوقات له سبحانه وتعالى.
بعد هذا كله اشار الله تعالى بطريقة لا تتحمل ادنى شك ان ذلك الذي انزل القرآن و الخالق هو الله تعالى الملك :" ذٰلِكم ٱللَّهُ رَبُّكُمُ لَهُ ٱلْمُلْكُ",وقوله تعالى:" لَهُ ٱلْمُلْك " يفيد الحصر أي له الملك وحده لا لغيره،وعليه ترتب بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكاً قادراً ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله:" لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا "[الأنبياء: 22] وذلك محال، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصاً ولا يصلح للإلهية، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد.ومع هذا كله ترى الانسان مصروفًا _حيث جاء مبني للمجهول وبصيغة المضارع_ عن التوحيد كما قال الله تعالى:" فأنّى تصرفون" وقد اثارت هذه الآية جدلاً كون الفعل مبني للمجهول فالمعتزله قالت: تعجب من هذا الانصراف، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى.وقال الرازي : أ الآية صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم، وما ذاك الغير إلا الله، وأيضاً فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه،وقال ابن عاشور: وجعَلهم مصروفين عن التوحيد ولم يذكر لهم صارفاً، فجاء في ذلك بالفعل المبني للمجهول ولم يقل لهم: فأنى تنصرفون، نعياً عليهم بأنهم كالمَقُودين إلى الكفر غير المستقلين بأمورهم يصرفهم الصارفون، يعني أيمة الكفر أو الشياطين الموسوسين لهم. هذا هو الرأي الذي ارجحه وذلك لأن معنى أنّى (كيف) ويصبح معنى الآية كيف تنحازون تكونوا,فمن انحاز الى التوحيد شكر ومن انحازعن التوحيد كفر ,وهذا ما تؤكده الآية التالية :" إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُم".

يقول الله تعالى:" قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ",بعد ان بيّن الله عز وجل منزلة الذين يعلمون علواً من الذين لا يعلمون بدأ في مخاطبتهم بقوله سبحانه:" يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ",وقد طلب من المؤمنين ان يتقوا ,وهذا يدل على أن الإيمان يبقى مع المعصية، قال القاضي: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط،وقال الرازي :" هذا بأن يدل على ضد قولك(القاضي) أولى، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان".
وإن للتقوى هذه فوائد كما ذكر الله تعالى:" لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ" ومعناه الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة،و الحسنة هي الصحة والعافية،وقال الرازي اولى ان تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية",وهناك من قال ان المقصود للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، والتنكير في قوله: { حَسَنَةٌ } للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها,و يدل على النهاية والجلالة والرفعة، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا، فإنها خسيسة ومنقطعة، وإنما يليق بأحوال الآخرة، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض.والرأي الذي اميل اليه هو ان الحسنة هي حسنه الدنيا بدليل الآتي:الاية نزلت في جعفرَ بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة, قال ابن عباس في قوله تعالى: { قُلْ يا عِبادِ الذين ءَامنُوا اتَّقوا ربَّكُم } يريد جعفرَ بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة.قال ابن عاشور:" ونكتة الكناية هنا إلقاء الإِشارة إليهم بلطف وتأنيس دون صريح الأمر لما في مفارقة الأوطان من الغمّ على النفس، وأما الآية التي في سورة النساء فإنها حكاية توبيخ الملائكة لمن لم يهاجروا.
وموقع جملة { إنما يُوفَّى الصَّابِرون أجرهم بغيرِ حسابٍ } موقع التذييل لجملة { للذين أحْسَنُوا } وما عطف عليها لأن مفارقة الوطن والتغرب والسفر مشاق لا يستطيعها إلا صابر، فذُيّل الأمر به بتعظيم أجر الصابرين ليكون إعلاماً للمخاطبين بأن أجرهم على ذلك عظيم لأنهم حينئذٍ من الصابرين الذين أجرهم بغير حساب.

يقول الله تعالى:"قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّين",َهذه الآية كما هو واضح بدأت بفعل (قل) وهوكلام موجه الى الرسول عليه الصلاةوالسلام بعد أن قال له الكفار:" ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى"...
والجواب جاء من عند رب العزة (قل) اي يا محمد (أٌمرتٌ) ولي وقفة هنا حيث ان الفعل جاء بصيغة المبني للمجهول وبصيغة الامر والمعنى يصبح :قل يا محمد ان الله امرني ان اعبده بإخلاص الدين الاسلامي..ولم يكن الجواب بصيغة آخرى مثل عقلت او هداني عقلي اوغيرها من الصيغ العقلية لأن المسأله هنا إظهار كيفية عبادة الله وبيان الحال حيث قال الله "مخلصًا له الدين" كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي،بعيدة عن كل ما يمس التنزيه لله تعالى عما يصفون وذكره الدين بعد ذلك للدلالة عن ان الاخلاص يكون ايضًا باتباع اوامرو والابتعاد عن نواهيه.
والخطاب هنا للرسول عليه الصلاةو السلام ,وهو وإن كان له فهو خطاب لكل أُمته,جاء الخطاب له عليه السلام رغم انه يعرف حق المعرفة كيف يعبد الله مخلصًا فوائد (كما قال الرازي):
1. كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعاً فيه وأكثرهم مداومة عليه.
2. المقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصي فغيره بذلك أولى.اه
بعد ان ذكر الله الاخلاص له في عبادته قال في الاية التالية:" وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ",الملاحظ هنا انه كرر (اُمرت) وجاءت معطوفة وذلك للتنويه بهذا الأمر الثاني ولأنه غَاير الأمر الأول بضميمة قيد التعليل فصار ذكر الأمر الأول لبيان المأمور، وذكرُ الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله، ليشير إلى أنه أمر بأمرين عظيمين: أحدهما يشاركه فيه غيره وهو أن يعبد الله مخلصاً له الدين، والثاني يختص به وهو أن يعبده كذلك ليكون بعبادته أولَ المسلمين، أي أمره الله بأن يبلُغ الغاية القصوى في عبادة الله مخلصاً له الدين، فجعل وجوده متمحضاً للإِخلاص على أي حال كان ,او ان الاول في عمل القلب والثاني في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً.
واريد ان ابين لماذا ذكر الله تعالى هنا ان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام اول المسلمين مع انه سبحانه وتعالى قال عن سيدنا ابراهيم انه من المسيمين وهو قبل سيدنا محمد عليه السلام:
1.تشريفًا وتعظيماً لسيدنا محمد كونه خاتم واشرف المرسلين وسيد الانبياء.
2.إن الاسلام على صورته التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من قبل احدمن الانبياء عليه فهو شريعته ,ومن باب حسن الاسناد قال رب العزة ان محمج أول المسلمين.
دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب، وذلك لأنه قال في أول الآية: " إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّين"* وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ" ثم قال بعده: " قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره لوجود هذه القرينه التي تذم المخالف.

يقول الله تعالى:" وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أن يعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ لهُمُ البُشْرىٰ فبشر عبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)"...
من تمام الترغيب والترهيب وكمالهما تعاقب الوعد والوعيد ,والوعيد لمن عبد الطاغوت والوعد لمن اجتنب الطاغوت وعبد الله وحده,وهذا هو عين انفراد العبودية لله ,فلا معبود مع الله .
والطاغوت :مصدر أو اسم مصدر طَغا على وزن فَعَلُوت بتحريك العين بوزن رَحموتٍ وملكوت. وفي أصله لغتان الواو والياء لقولهم: طغا طُغُوًّا مثل علوّ، وقولهم: طغوان وطغيان.ومن العلماء من جعل الطاغوت اسماً أعجمياً على وزن فَاعول مثل جالوت وطالوت وهارون، وذكره في «الإِتقان» فيما وقع في القرآن من المعرّب وقال: إنه الكاهن بالحبشية. واستدركه ابن حجر فيما زاده على أبيات ابن السبكي في الألفاظ المعرَّبة الواقعة في القرآن.
واطلق القرآن الطاغوت وأراد بها:الاصنام والاوثان او الشيطان,وقال الرازي في شأنها:"اختلفوا في أن المراد من الطاغوت ههنا الشيطان أم الأوثان، فقيل إنه الشيطان فإن قيل إنهم ما عبدوا الشيطان وإنما عبدوا الصنم، قلنا الداعي إلى عبادة الصنم لما كان هو الشيطان كان الإقدام على عبادة الصنم عبادة للشيطان، وقيل المراد بالطاغوت الصنم وسميت طواغيت على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها، والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان عند مشاهدتها والقرب منها، وصفت بهذه الصفة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب بحسب الظاهر، وقيل كل ما يعبد ويطاع من دون الله فهو طاغوت، ويقال في التواريخ إن الأصل في عبادة الأصنام، أن القوم كانوا مشبهة اعتقدوا في الإله أنه نور عظيم، وفي الملائكة أنها أنوار مختلفة في الصغر والكبر، فوضعوا تماثيل وصوراً على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على أعتقاد أنهم يعبدون الله والملائكة".وبغض النظر عن المقصود بالطاغوت ههنا,فإن المراد هو ألإعراض عن عبودية كل ما سوى الله.
ثم يقول الله تعالى:"وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ " أي رَجَعُوا بالكلية إلى الله وأقبلوا بالكلية على عبادة الله.
وقد وعد الله الذين يعبدونه وحده ولا يشركون به ويجتنبون الطاغوت الآتي (كما قال الرازي:"ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها: قوله تعالى: { لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } واعلم أن هذه الكلمة تتعلق بجهات أحدها: أن هذه البشارة متى تحصل؟ فنقول إنها تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع في القبر وعند الوقوف في عرصة القيامة وعندما يصير فريق في الجنة وفريق في السعير وعندما يدخل المؤمنون الجنة، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل البشارة بنوع من الخير والروح والراحة والريحان وثانيها: أن هذه البشارة فبماذا تحصل؟ فنقول إن هذه البشارة تحصل بزوال المكروهات وبحصول المرادات، أما زوال المكروهات فقوله تعالى:{ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ }[فصلت: 30] والخوف إنما يكون من المستقبل والحزن إنما يكون بسبب الأحوال الماضية فقوله: { أَن لا تَخَافُواْ } يعني لا تخافوا فيما تستقبلونه من أحوال القيامة ولا تحزنوا بسبب ما فاتكم من خيرات الدنيا، ولما أزال الله عنهم هذه المكروهات بشرهم بحصول الخيرات والسعادات فقال:{ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ }[فصلت: 30] وقال أيضاً في آية أخرى:{ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ }[الحديد: 12.اه
وقوله تعالى:" لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ " تفيد القصر أي أن هذه البشارة لهم وليس لغيرهم ,وهي تفيد ايضًا أنه لا بشارة لأحد إلا إذا اجتنب عبادة غير الله تعالى وأقبل بالكلية على الله تعالى .
وهناك لطيفة ذكرها الرازي في قول الله تعالى :"لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ "وهي ان المخبرهو الله تعالى وهو أعظم العظماء وأكمل الموجودات والشرط المعتبر في حصول هذه البشارة شرط عظيم وهو الاجتناب عما سوى الله تعالى والإقبال بالكلية على الله والسلطان العظيم إذا ذكر شرطاً عظيماً. ثم قال لمن أتى بذلك الشرط العظيم أبشر فهذه البشارة الصادرة من السلطان العظيم المرتبة على حصول ذلك الشرط العظيم تدل على أن الذي وقعت البشارة به قد بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يصل إلى شرحها العقول والأفكار، فثبت أن قوله: { لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } يدل على نهاية الكمال والسعادة من هذه الوجوه، والله أعلم.

  1. محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الأضداد جـ4
  2. محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الأضداد جـ3
  3. محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الاضداد جـ2
  4. محمد بن القاسم الانباري في كتابه الأضداد جـ1

الصفحة 17 من 66

  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21

المتواجدون الآن

217 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك