بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: منير مزيد
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
الأسلام ، وحوار الاديان الجزء الأول تناصية الموت مع المعرفة والحياة بقلم : منير مزيد سأفتح لك يا جلجامش سرا خفيا أجل سأبوح لك بسر من أسرار الآلهة ملحمة جلجامش لم يلهب خيال الإنسان شيء كما ألهبته فكرة الموت، هذا السر العجيب واللغز المحير، والحدث الحتم، شغل الفكر البشري منذ وجوده، لأنه أدرك أنه حيث توجد حياة يوجد موت، ولم يثر عقله من أفكار كفكرة انعدام العقل ذاته . فما الذي ستكون عليه الحال عندما يمضي إلى النوم ولا يفيق أبدا ؟! يتألف "قلق الموت" من ثلاثة أبعاد، هي: الخوف من الاحتضار، والخوف مما سيحدث بعد الموت، والخوف من توقف الحياة. كما يمكن تمييز أربعة جوانب فيه، هي: الخوف من موت الذات، ومن احتضار الذات، ومن موت الآخرين، ومن احتضار الآخرين. وبرؤية مقاربة، أمكن استخراج أربعة عوامل مستقلة لقلق الموت، هي: الخوف من المجهول، ومن المعاناة، ومن الوحدة، ومن التلاشي الشخصي. منذ بدء التاريخ الواعي للبشرية حتى عصرنا الحاضر وقف الإنسان أمام الموت حائراً مندهشاً، لإنه لم يستطيع فهم كنهه ولا التغلب عليه . فالعقل البشري عجز عن فهم سر حقيقة الموت، فهو لغز محير لا يدركه إنسان حي، لأن الإنسان بعد الموت لا يستطيع إخبارنا عنه.. فالموت هو ذاك المكان القصي البعيد الذي تتصارع فيه قوى امكانية الرعب للاوجود وقوى الرعب في الوجود حيث يسقط الوجود الإنساني متجها نحو مجهول غير محدد الأطر، يتأرجح بين السكينة اللامتناهية أو الهيام الأبدي. ناقشت الفلسفات الإنسانية والديانات القديمة والتوحيدية اشكالية الموت واعتبرته مشكلة من عدة نواح ويبدو أن إشكالية الموت هي أكثر تعقيدا وغموضا من اشكالية أي قضية انسانية أخرى، فقد تناولت الفلسفات والديانات مفاهيم الموت وماهيته وعلاقته بالحرية والمسؤولية وفي إطار ذلك علاقة الذاتي بالموضوعي والأنا الفردية بالأنا الكلية وصولا للمعرفة الإنسانية وكل ذلك في إطار فلسفة الحياة والموت وتأثيرها على النواميس والعلاقات الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية في المجتمع. ففي العصور البدائية لم يكن الموت بعد لازمة ضرورية للوضع البشري، إذ كان يُعتقد أن الانسان ولد خالداً، لكن الآلهة هي التي بعثت بالموت بعد أن أخذتها الغيرة من الانسان الذي طردها من الأرض. أما المصريون القدماء فاتخذوا من التحنيط وسيلة للتخليد وانكار الفناء. فالموت لديهم تغيير للشكل فحسب، وهو وسيلة لإعادة الحياة من جديد ، إلا أن الفلسفة اليونانية نظرت الى الموت باعتباره المصير الطبيعي للبشر، وإن الموت، من ناحية، موضوع ينطوي على كثير من المفارقات والمتناقضات، وهو من ناحية ثانية، موضوع كريه، مزعج لا يشجع على التفكير أو الحديث... مرتبط بالذبول .. والسقوط فهوميروس يجعل ظل "أخيل" يعبر عن وجهة النظر السائدة:- " أناشدك يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت ، فأن تعيش على الأرض، عبد الآخر... خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية." أما أنه ينطوي على كثير من المفارقات، فهذا واضح من مجرد النظرة العابرة إلى طبيعته، فطبيعة الموت في الكلية المطلقة، فجميع البشر فانون لا محالة قال تعالى: " كل نفس ذائقة الموت" إن طبيعة الموت هي الحجة الأخيرة لسقراط على نحو ما يروي أكزيفوفون: " ألم تعلموا جميعا أن الطبيعة حكمت علي بالموت منذ لحظة ولادتي؟" فالموت عند سقراط هو حكمة (الله) في كونه. فلا بد للأشياء بعد أن تكون أن لا تكون. فالموت (واجب) وهو من الله . وعلينا أن لا نخشاه. وعندما أعلن الحكم على سقراط بالموت. قال سقراط: فليس لأحد أن يخاف الموت، لأنه إما أن يكون نوماً بلا أحلام, وإما أن يكون حياة في عالم آخر". إذاً. ماذا بعد الموت؟ يرى سقراط: "أني لما كنت لا أمتلك أية معرفة عما هو آتٍ بعد الموت.. فإني لا أشعر أبداً بالكراهية والخوف من شيء. كل ما أعرفه أنه قد يكون خيراً أو بركة". ومن هنا يقدم لنا سقراط على طبق من ذهب قضية الثواب والعقاب فيما بعد الموت. ويرى أفلاطون أن الموت نعمة ما دام هو خلاص النفس من آثامها، لأن النفس ستعود إلى موضعها في العالم العلوي، عالم المثل. في حين آمن "ارسطو" بخلود العقل الذي يأتي الى الانسان من الخارج. إنه العنصر الالهي في الانسان، وهو وحده الذي لا يفنى عند الموت. أي أن الحياة ليست غريبة عن الله. لأنه هو الحياة التي هي أكثر كمالاً. وحياته هي حياة العقل. فيؤكد أرسطو على العلاقة بين الله والإنسان كعلاقة صورية بحتة. فالإنسان يستطيع أن يعرف الله ويكون منه بمنزلة الجزء من الكل عن طريق العقل. والنفس هي "كمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة". وهي مستقلة عن الجسم. وهي التي تحفظ وحدة الجسم. والكائن الحي هو جدل العلاقة بين النفس والجسد. أما الموت بالنسبة لأبيقور ليس أكثر من حركة هذه الذرات: "حين يحل الموت تفقد ذرات النفس تماسكها مع الجسم وتتبعثر، فاقدة الإحساس بنفسها". وعلى هذا النحو يثبت أبيقور: "أن الخوف من الموت أمر يتنافى مع العقل، لأن الموت نفسه ليس شيئاً يمكننا أن نجربه". في الوقت نظر (أنطستانس ) إلى الموت نظرة تجريدية إذ لم يعتبر الموت شراً, لأن الشر سوء والموت ليس بسوء. فالإنسان عندما يموت لا يشعر بشيء. لم ينازعوا في وجود الآلهة. فالإله واحد لا مرئي لا يجسم ولا يشبه. وعبادة الآلهة فضيلة. وقد بشرت البوذية أن الموت ليس شراً بحد ذاته، بل وسيلة للتحرر من مظاهر الحياة الخداعة، عبر فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة (النيرفانا). أما في الاسلام فلم يعد الموت ذلك الكائن المجهول الذي يبث الخوف والرهبة في النفوس، ولكنه قضاء الله وحكمته في أن يعيش الانسان عمراً زائلاً في الدنيا، ثم يعيش عمراً خالداً في الآخرة. قال تعالى : ((وإنا لنحنُ نحيي ونميتُ ونحن الوارثون)) ، (سورة الحـِجر- الآية 23 ) . وفي الفلسفة الحديثة، يقول هدغر:" لقد وصلنا إلى الاكتشاف المربك القائل بأن الإنسان منذ البداية ذاتها محتضر، وهذه المعرفة تسود وتخصب فلسفتنا بأسرها". فبينما أن الوجود الإنساني هو كائن فإنه يبقى بالفعل ممثلا لما لم يكتمل بعد ( أي يمثل نهايته هو ذاته) والنهاية برأي هدغر لا تعني الوصول إلى العدم الوجودي، وإنما إلى الوجود نحو النهاية، فالموت هو وجودي يحمله الوجود على كاهله بمجرد كينونته . نظر "هيغل" الى الموت بوصفه مرحلة من مراحل تجلي "الحقيقة المطلقة"، يتوحد فيه ما هو إلهي مع ما هو إنساني. ورفضت الوجودية الموت كونه عبثاً مفروضاً على الانسان، إذ رأى فيه "سارتر" نقيضاً للحرية: "الموت ليس امكانيتي.. إنما هو الاحباط المحتمل دائماً لما هو ممكن بالنسبة لي، والذي يقع خارج نطاق امكانيتي... ولأن الموت لا يضرب جذوره في حريتنا، فليس بمقدوره إلا أن يحرم الحياة من كل معنى". فالموت عنده يكشف النقاب عن حريتنا,وهذه هي وظيفته الأولى,بل إن المرء قد يتجاوز ذلك فيذهب إلى القول بان الموت لا يحقق فحسب الكشف عن الحرية بل يحرر الإنسان بالفعل من عبء الوجود . وكتب "البير كامو" في "أسطورة سيزيف": " الموت هو المشكلة الحقيقية الفلسفية الجادة الوحيدة في الحياة" . ومن الطبيعة المتناقضة للموت أيضا أنه يجمع بين "اليقين" "واللايقين" فأنا أعرف بالضرورة أنني سأموت، ولكنني لا أعرف مطلقاً متى سيكون ذلك. أو كما قال "باسكال": " إن كل ما أعرفه هو أنه لا بد لي أن أموت عما قريب، ولكنني لا أجهل شيئا قدر ما أجهل هذا الموت الذي ليس لي عليه يدان." فالموت اذن " حدّية" تتضارب بين النهائية والوسطية. وهذه بالطبع تلقي بنا بالضرورة إلى ما وراء هذا الحد. فقدر كبير من دراسة الموت طوال التاريخ كان موجهاً في الحقيقة لدراسة ما بعد الموت. وقد ربطت الديانات بين مفهوم الموت كحد وسطي وبين اعتماد بعدية الموت بأسبقيته، فتحولت دراسات الموت نتاج ذلك إلى دراسة مدركة الخلود. يرتبط الموت بالحرية معتمدا على التفسيرات الدينية في الوقت الذي لا توجد فيه الحرية، إلا إذا كانت هناك حياة ووجود. فينطلق الكون إلى ثلاثة محاور رئيسة تميزه كظاهرة لمجموعة ليحول ذاته إلى مدركة فالمحور الأول إن الموت هو إمكانية بالغة الخصوصية، والثاني أنه لا يرتبط بشيء والمحور الأخير أنه- الموت- امكانية لا يمكن للمرء أن يتخطاها .. فأصبح هذا المفهوم المدرك حتمياً موجها إلى حرية غير مدركة ... فمن أين جاء هذا الارتباط بين مفهومي الموت والحرية؟؟ يقال أن الموت دخل العالم بسبب خطيئة آدم التي أدت إلى طرده من عالم الخلد وأصبح لأول مرة قابلاًَ للفناء والموت.. ولما كانت الخطيئة الأولى تعبيرا عن ممارسة الإنسان لحريته لأول مرة فقد كان هناك ارتباط وثيق بين الموت والحرية. فالله نهاه أن يأكل من الشجرة التي في الجنة وكان الخطاب موجها إلى الزوجين الأولين آدم وحواء حيث خاطبهما الخالق عزوجل بقوله: " ولا تقربا هذه الشجرة" واختار آدم وحواء بإغواء إبليس لهما حيث يقول النص القرآني أن الشيطان وسوس لهما أن يأكلا من هذه الشجرة المحرمة، وهنا تحدث المفاجأة التي لم يتوقعاها، حيث بدت لهم سوآتهما، فأخذا يخصفان من ورق الجنة، ويغطيان عورتيهما وبذا يكون الحياء من اظهار العورة هو من اشد ضروريات الفطرة الإنسانية. الموت يُعرف على نحو حدسي ، فالموت أمر قبلي ، خلقت الحياة وخلق الضد معها. يقول ماكس شلر: " حيث أن الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة أو بإخرى يدركه هذا الفرد أو ذاك وإنما هو جزء لا يتجزأ من الحياة وفي قلب تجربة الاستهلاك المستمر لهذه الحياة، في خلال الحياة المعايشة التي يدعوها " التجربة الداخلية المتجهة نحو الموت ". وهكذا فإن الموت ليس مجرد أحد المكونات التجريبية لخبراتنا، وإنما هو ينتمي إلى جوهر معايشة كافة الحيوانات الأخرى، وحياتنا كذلك، وعلى هذا النحو فإن حياتنا تمضي نحو الموت، إنه ليس إطارا ثبت بالصدفة المحضة حول صورة عمليات فيزيائية وفسيولوجية عديدة، وإنما هو اطار ينتمي إلى الصورة ذاتها. فالموت ليس جدار ترتطم به في الظلام وليس سحقاً للكائن الحي على يد قوى خارجية معادية، صحيح ان الموت يحدث بتأثير تلك القوى، لكنه متضمن في عملية الحياة ذاتها، إن ملاقاة الموت هي، على نحو ما، عمل يقوم به الكائن الحي ذاته باستمرار بقدر ما يتعين علينا أن نعزو لكل حياة شكلا من أشكال الوعي، ينبغي علينا أن نعزو إليها أيضا ضرباً من اليقين الحدسي بالموت . فالموت يأتي ويتحكم في الطفل الذي يرقد بين ذراعي أمه كما يتحكم في الرجل الذي بلغ من الكبر عتيّا نص مصري قديم ويرتبط الموت أيضا " بالخلق من العدم" ومن هنا كانت الحياة بسبب أنها مخلوقة مرتبطة بالموت وكان الوجود لإنه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه ومن ثم، فكل الوجود يميل بطبعه إلى الفناء وكل حياة يكمن الموت في جوفها. وترتبط مشكلة الموت من حيث ادراكها بالشخصية مع أن الموت اساسا هو قضاء على الشخصية، فكلما كانت الشعوب انضج وأقوى شخصية، كان الإنسان أقدر على إدراك الموت ومن هنا، نجد أن الإنسان البدائي والإنسان الساذج لا يمثل الموت عنده مشكلة وهذه السذاجة هي الاتجاه الذي يدعو إليه بعض الفلاسفة المحدثين فيكتب " بردياييف" رداً عليهم: " إنني لا أميل إلى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل " تولستوي" على سبيل المثال، لكنني شعرت بألم حاد إزاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في إعادة الحياة لكل من ماتوا، وبدا لي قهر الموت هو المشكلة الأساسية للحياة، فالموت حدث أكثر أهمية وحيوية للحياة من الميلاد. بينما يحتج كونفوشيوس بعدم دراسته للموت: " إننا لا نعرف أي شيء عن الحياة، فكيف نستطيع أن نعرف شيئا عن الموت؟ " بينما يذهب أبيقور للقول:" إن مهمة الفلسفة أن تداوي جراح القلب ". والفلسفة ما تزال وثيقة الصلة بالموضوع حينما تكون هذه الجراح سببها الموت فمن يهمل فكرة الموت يفصل نفسه عن ينابيع المعرفة الأساسية التي تنشط البحث الفلسفي بقوة تضاهي الفضول العقلي والدهشة. إذن كان الموت الشغل الشاغل للبشرية طوال تاريخها ولعل هذا ما عناه أفلاطون بقوله:" الفلسفة تأمل الموت وهو نفسه الذي أغرى الفيلسوف الألماني شوبنهاور لكي يقول: "الموت هو الموضوع الرئيسي للفلسفة والملهم الأكبر للتفكير الفلسفي، بل إن بعض الفلاسفة والمؤرخين ذهبوا بعيداُ في إعطاء الموت دوراً استثنائيا في التاريخ البشري مثل المؤرخ المشهور (وول ديورانت) صاحب كتاب "قصة الحضارة" الذي قال: "الموت أصل الديانات كلها" أي أن الديانات كانت استجابة لقلق الإنسان تجاه الموت ومن خلال معالجتها لهذه الظاهرة وضعت إطار الفلسفة للحياة والوجود". إن أشكالية الموت متعددة الجوانب ، متداخلة المفاهيم ، فهناك الموت البيولوجي والموت الإنساني وعلاقة الروح بالجسد ، وارتباط الموت بما قبله وما بعده وغير ذلك ، مما جعلها الأكثر تعقيدا من أية قضية إنسانية أخرى ، ومن هنا فأن دورة الحياة والموت والبعث هي الفكرة الاساسية التي يتمركز حولها لا شعور الفرد في الماضي والحاضر . الذبول ، الارتخاء ، غرفة صغيرة ، ما يختصر الموت في أطر تجريدية ، ولكن أليس الموت هو الطريق الأقرب إلى الله ، من الشك إلى اليقين ؟ " وبصرك اليوم حديد" . فلغز الموت يقود بجملته إلى البحث في أعماق الروح وأسرارها ، هل هي عرض ، ارتباطها بالنفس ، فناؤها ، خلودها ، بعثها ، أزليتها ، مقرها ، عمرها ؟ فالروح بالضرورة هي الخيط الذي يقود إلى الخلود ـ الطموح والحلم الإنساني الأمثل ـ وهي بحد ذاتها السعي في عالم المثل وأطر الأكتمال . فالايمان بالروح وخلودها يقود إلى عالم المثل والفضيلة اللاقياسية بمحدودية المعرفة . بينما ظلت الروح عالقة في شباك أسئلة الموت ظل الخلود واقعا في شباك ثنائية الجسد والروح . آمنت الديانات الرافدية بوجود عالم آخر بل وحددوا مفاهيم حول هذا العالم الآخر أكثر من تحديدهم لماهية الموت والروح، فهو عالم غريب تسكنه الأطياف التعسة ويهوي إليه الموتى دون تمييز بينهم ، مطلقين عليه( دار الظلمة)، بينما احتكرت الآلهة الجنة لها وتركت الرطوبة والعفن والظلمة مأوى لبني البشر . وبهذا عجزت حضارة ما بين الرافدين عن ادراك ماهية الموت ، تاركة ذلك الفهم في تصاريف الآلهة ، لذلك لم تحاول التعمق كثيرا في ظاهرة الموت، ولم تبلغ ثقافة أبناء الرافدين درجة من التطور تؤهلها للتوصل إلى ابداء الرأي في ماهية الروح . ومع ذلك ، ففي بعض أساطيرهم ونصوصهم اللاحقة ما يوحي بجود فكرة غامضة تقترب من فكرة الروح المتزاوجة مع البدن . " لقد بدل هيئتي فصارت يداي مثل جناحي طائر مكسوتين بالريش ." وقد غلب على تصورهم ، في مرحلة من المراحل ، أن أرواح الموتى تكون على شكل طيور وهو نفس التصور الذي نجدة عند الفراعنة وفي الأدب العربي الجاهلي قبل ظهور الإسلام. وكما أنهم لم يتوصلوا إلى فكرة البعث والحساب ، الثواب والعقاب ، اللتين تعودان إلى الخلود في عالم آخر سواء في الجنة (النعيم) أو في النار ( الجحيم ) . بينما أكدت الديانة المصرية القديمة على فكرة الخلود من خلال البعث بعد الموت ، فقد رأوا أن الموت هو الباب لحياة خالدة ، والطقوس الدينية الممر والطريق إلى الآخرة . لهذا لم يهتموا يايجاد طريقة لاطالة الحياة أو البحث عن أكسير الحياة ، كما فعل جلجامش ، وبنفس الوقت لم يستطيعوا حل لغز الموت .فالميت عندهم يبعث حيا ، وروحه ستتألم أن لم تقدم لها القرابين من طعام وشراب. لقد قاد الكهنة هذا الاعتقاد ، لذلك ظل المصري الساذج يقدم هذة القرابين للألهة . مع ذلك ، لم تكن لديهم فكرة عن الطريقة أو المكان الذي يحيا فيه الميت ، فاعتقدوا نها مثل حياة الدنيا ، لا تختلف معاييرها ، ولكن في مكان آخر ، آمنوا بالحساب وبوجود النعيم والجحيم في الآخرة، بحيث يجلس أثنان وأربعون مارد غريب ، رؤوسهم كهيئة الثعابين أو الصقور أو العقبان أو الأكباش وفي يد كل منهم مدية ، وعلى المتوفي أن يعترف ببراءته ، فأن استطاع أن يثبت أنه لم يرتكب أية خطيئة من الخطايا الاثنين والاربعين ، وأظهر الميزان الذي يوزن فيه قلبه بأنه بريء ، عندئذ يأخذه كاتب الآلهة بيده . أن هذه المحكمة تتشكل برئاسة ( أوزاريس) ليزن قلبه ، وبعد المحاسبة يمر على الصراط وهو طريق ممدود فوق الجحيم ، فأذا اجتازه ، فقد نجا وارتقى إلى مرتبة الآلهة ، وإذا سقط من فوقه ، انتهى إلى واد سحيق فيه الأفاعي التي ستتولى عقابه . أما الديانة الزرادشتية فقد أشارت إلى وجود الروح ولم تحدد ماهيتها ولا علاقتها بالجسد ، واعتقدت أن الروح خلقت قبل الجسد ولم تحدد هل العقاب للجسد والروح معا ، أم للروح وحدها ، إلا أنها أكدت على أن الروح تتعرض للحساب في كل الحالات . فأرواح الموتى تجتاز قنطرة تصفى فيها تلك الأرواح ، فالأرواح الطيبة تستقبلها فتاة عذراء في غاية الجمال والبهاء وهناك تعيش مع ( أهورا مزدا) سعيدة منعمة إلى الأبد. فيما تقع الأرواح الخيثة في جحيم الهاوية حيث الظلمة المرعبة، ويتناسب العمق حسب حجم الذنوب. في حين اهتمت البراهمية ( الديانة الهندوسية ) بالموت والروح ، وفصلت عقائدها بين الجسد الذي أهملته وبين الروح التي هي جوهر يسعى للاتحاد مع الروح الكبرى ، انطلاقا من وحدة الوجود . فالجسد البراهيمي هو الذي يموت فقط ويفنى ، أما الروح خالدة . فالروح الطيبة تعيش في السماء مع ملك الموتى ، حياة مليئة بالمسرت ، لهذا قال ( باسيدو) محرضا (آرجن) على القتال : " أن كنت بالقضاء السابق مؤمنا ، فاعلم أنهم ليسوا ولا نحن معاً بموتى ولا ذاهبين ذهاباً لا رجوع معه، فإن الأرواح غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثم الشيخوخة، التي عقباها موت البدن ثم العود. وقال له: وكيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود، لا عن ولادة، ولا إلى تلف وعدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يغصها، ولا ريح تيبسها، لكنها تنتقل من بدنها إذا عتق (أي أصبح قديماً لا يصلح لاحتمال الروح ) نحو آخر ليس كذلك، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق (أي بلى)، فماذا غمك لنفس لا تبيد؟ " . فالبراهمية تقوم على اتجاهين رئيسيي من الثوابت الفلسفية الهندية على مر العصور :- الأول هو الذات البراهمية ، أي تقمص الروح الفردية في الروح الأزلية تقمصا يعتبر خلاصة الروحانية البراهمية . والثاني هو التناسخ ، أي تنقل الروح بأستمرار. إلا أن النصوص الدينية القديمة للديانة البرهمية لم تشر إلى ما يسمى بـ (تناسخ الأرواح)، بقدر تركيزها على البعث بعد الموت ، فلو نظرنا إلى تلك النصوص، ولوجدنا كيف قام رجال الدين في تلك الديانة بتحريف هذا المعنى الواضح كل الوضوح والذي يدل على البعث بعد الموت، قد حرفوه إلى ما يسمى بـ (تناسخ الأرواح)، بل إن من العجيب والغريب في الوقت ذاته أن جميع الباحثين الذين تناولوا هذه الديانة بالبحث والدراسة، قد أقروا بهذا التحريف ، مع ذلك ، يجمع الكثير من الباحثين على أن الديانة البراهمية (الهندوسية) الإيمان فيها بتناسخ الأرواح من صلب عقيدتها، وقد اعتمد هؤلاء الباحثون والدارسون في إقرارهم بذلك على ما جاء من تفسيرات وشروحات وفهم لرجال الدين القدماء الذين هم من ابتدعوا خرافة تناسخ الأرواح، ولم يكلف هؤلاء الباحثون أنفسهم عناء النظر في النصوص الأولى وتدبرها وفقهها بعيدا عن تفسيرات وفقه رجال الدين البراهمة، مما جعل هؤلاء الباحثون يقطعون بأن عقيدة تناسخ الأرواح هي عقيدة أصلية ثابتة لهذه الديانة . بينما الروح عند ( بوذا ) هي رغبة وسلوك وتتحد بللانهاية اللاوعية ، لأن الإنسان مركب جسدي ، يملك قوى يتحرك بها ، والآت يشعر بها ، وهو بحواسه ومشاعره يتصل بالعالم الخارجي ، أما طبعه فيشتمل على النزعات والكفاءات المنتجه من الماضي وهي إرث له من الحياة التي عاشها في الماضي ، وتكيف شخصيته التي يبدأ بها حياة جديدة ، لأن الحياة الداخلية للشخص ليست إلا سلسلة من الخيالات والرغبات والعواطف . فالروح عنده ليست إلا ميل نحو سلوك معين أو هوى لاتجاه بذاته كونته الوراثة والخبرة العابرة من تجارب الحياة ، فمن المستحيل أن يطبق على هذه النفس أو الذات معنى الخلود فهذا يعني أن الروح (النفس) تنتقل من جسم إلى جسم آخر ، لأن الروح لا تفنى ولا تبيد ، وقد أخذ البوذيون هذا المبدأ الإعتقادي من الديانة البراهمية ، التي تُعْتَبر البوذية أرقى صورة من صورها ، وفرعا من فروعها . فإذا تخلصت الروح من الجسم بالموت يكون أمامها عوالم ثلاث : العالم الأول : العالم الأعلى وهو عالم الملائكة ، فتصعد إليه إن كانت تستحق الصعود بعملها فتتحد به. العالم الثاني : عالم الناس وهو عالم معشر الآدميين ، فالروح تدخل إليه وتحل فيه لتكتسب خيرا أو تتجنب شرا ، وذلك إذا كانت أعمالها في الجسم الأول لا ترفعها إلا مراتب القديسين ، ولا تنزل بها إلى العالم الثالث عالم أسفل السافلين . العالم الثالث : عالم جهنم وهذا العالم للأرواح المرتكبة للخطايا والذنوب ، وليست جهنم واحدة ، بل لكل فئة مذنبة بذنب معين جهنمها الخاص بها ، فالسارقون لهم جهنم خاص بهم ، والمهينون للكتب المقدسة لهم جهنم تختص بهم. أما مفهوم الروح عند العرب قبل الأسلام ، فهي قريبة جدا من كلمة ريح مما جعل البعض يعتقد إن مصدر ومعنى كلمة الروح هي "ذَات لَطِيفَة كَالْهَوَاءِ سَارِيَة فِي الْجَسَد كَسَرَيَانِ الْمَاء فِي عُرُوق الشَّجَر" ومما زاد من صحة هذه القناعة لدى البعض إن الروح تنفخ كالريح ولكنها ليست ريحا بمفهوم الريح . لقد أقرت التوراة ( الديانة اليهودية ) بوجود الروح وقد فرقت بين الروح والجسد ، وجعلتهما ثنائية . فالجسد هو المادة أما الروح فهي الحياة المحركة له. "وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة . فصار آدم نفسا حية".( سفر التكوين 7/2 ) لم تتعمق الديانة اليهودية في الحديث عن ماهية الروح أو تركيبها ووظائفها وخلقها ومصيرها بعد الموت ، إلا أن هناك إشارة بأنها تنطلق من الجسم بعد الموت وتذهب إلى خالقها : " فيرجع التراب إلى الأرض كما كان ، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها " (جامعة 7/12 ) . " وبعد أن يفنى جلدي هذا وبدون جسدي أرى الله " ( أيوب 6/19 ) . أما القيامة في الديانة اليهودية ، هي تعبير عن غضب الرب على عباده ، وأظهار قدرته التي تفوق قوى الطبيعة والبشر . " لذلك أزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها من سخط رب الجنود وفي يوم حمو غضبه، ويكونون كظبي طريد وغنم بلا من يجمعها ، يلتفتون كل واحد إلى شعبه ، ويهربون كل واحد إلى أرضه ." ( أشعيا 13/13 ) . أما المسيحية تعتبر الروح بمثابة الكينونة الخالدة للإنسان وإن الخالق الأعظم بعد وفاة الإنسان إما يكافئ أو يعاقب الروح ويوجد في العهد الجديد من الكتاب المقدس وعلى لسان المسيح ذكر الروح و تشبيهه برداء رائع أروع من كل ما كان يملكه سليمان . هناك إجماع في المسيحية إن الوصول للمعرفة الحقيقية عن ماهية الروح هو أمر مستحيل واستنادا إلى المفكر المسيحي أورليس أوغسطينس (354 - 430) فإن الروح عبارة عن مادة خاصة و فريدة غرضها التحكم في الجسد. أما فكرة البعث عند المسيحية فكرة مهمة لذاتها وبذاتها ، وليست تمهيدا لحساب أو عقاب . فالأساس هو عملية البعث ذاتها ، كمرحلة مقابلة أمام الموت ، وهي التحول من الجسدية إلى الروحانية ، ومن الحيوانية إلى الروحانية. " هكذا أيضا قيامة الاموات، يزرع في فساد ويقام في عدم ، يزرع في هوان ، ويقام في مجد ، يزرع في ضعف ويقام في قوة ، يزرع جسما حيوانيا ، ويقام جسما روحانيا ." ( كورنثوس ) . أما الروح في البهائية هي قيمة عالية لا تتأثر باحوال الجسد من ضعف او مرض و أورد مثالا جاء فيه إن الإنسان الخرائي يشعر بالضعف او الضياع نتيجة وجود معوقات تمنع تواصل الروح بالجسد وعليه فإن ضعف الجسد هو نتيجة إنعدام الإرتباط بالروح التي تحافظ على نقاءها و قوتها في جميع الأحوال مثل الغمامة( معوق التواصل ) التي تحجب الشمس (الروح) عن الأرض الجسد. تعتبر البهائية الروح كينونة خالدة وإنها بعد إنفصالها عن الجسد ستستمر بالإرتقاء لحين تصبح مهيئة لملاقاة الخالق ويرى البهائيون إن الجنة و الجحيم هما رمزان لمدى إقتراب او إبتعاد الروح من الخالق . أما مفهوم وماهية الروح في الأسلام فلا يوجد تعريف دقيق لكلمة الروح إلا انها أمر لا ينبغي الخوض به لمحدودية العلم البشري فقد جاء في آخر سورة الإسراء: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] وقد وصفها الله عز وجلا بالتوفي والامساك والارسال ، كما وصفها بالدخول والخروج والرجوع والتسوية فقد قال تعال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }. فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها. لقد اخبرنا النبى محمد صلى الله عليه و سلم أن بصر الميت يتبع نفسه إذا قبضت وأخبر أن الملك يقبضها فتأخذها الملائكة من يده ، فيوجد لها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض أو كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض . أخيرأ تصعد إلى السماء ويصلي عليها كل ملك وتفتح لها أبواب السماء فتصعد من سماء إلى سماء حتى تنتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل ، فتتوقف بين يديه. ويأمر بكتابة أسمه في ديوان أهل عليين أو ديوان أهل سجين ، ومن ثم ترد إلى الأرض . أما روح الكافر تطرح طرحا ، وأنها تدخل مع البدن في القبر للسؤال.. يموت الجسد وتموت الذات بينما تبقى الروح في البرزخ ليوم البعث. الجزء الثاني الدعوة والحوار فالأسلام جاء مكملاً للأديان، ومصححا للانحرافات والخلل الذي طرأ عليهم ، فقد أكمل به الله الدين لأهل الأرض وارتضاه للناس كافة، ولم يقوم على أساس الإلغاء أو الإقصاء ، وانما على الدعوة والحوار : لقوله تعالى : (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل:125 ولقوله تعالى : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {256} البقرة ولقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ {68} المائدة ولقوله تعالى: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ{30} الرعد الاختلاف في الرؤى والتفكير سنة طبيعية لا يمكن رفعها نهائياً في أي مكان أو أي زمان ، ولا تستحق مهما كانت تلك الاختلافات في الرؤى والأفكار أن يكون ثمنها تصفيه الآخر وإقصاءه. فالاختلافات والاجتهادات الفقيه لها ما يبررها ، أما أن يصل الأمر لحد النزاع أو التكفير ، فهو أمر مرفوض قطعيا .فالأسلام ليس وديعة أو ملك لطرف ما ، لينكره على الطرف الآخر .والله جل وعلا هو الحافظ الوحيد لدينه وكتابه. لقوله تعالى : نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {9} الحجر و المسلم لا يحتاج إلى وسيط بينه وبين ربه ، لقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون { 186} البقرة .. فلا رهبنة في الأسلام أو اوصياء على دين الله .. "وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا " {27 } الحديد.. يتبع ....
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أ.عادل الكنوني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 42
تشكل الألفـية الثالثة ، بداية لمنافسة كونية حادة ، تأسست في المقام الأول على الطاقة الإنسانية ، باعتبارها المصدر الرئيسي لربح رهانات هذه المنافسة . ومن أجل ذلك ، أصبح الإهتمام اليوم منصبا أساسا على المنظومة التعليمية وإعداد الموارد البشرية ، وذلك من خلال تبني نمط جديد من التربية والبيداغـوجيا عـموما . والمقاربة بالكفايات ، كتصور حديث داخل الحقل التربوي والبيداغـوجي المغربي ، سواء على مستوى بمختلف المؤسسات التعليمية ، أو بمجال التكوين وإعادة التكوين فهو يتأسس على منظور ، يعتبر فيه تكيف الفرد مع محيطه الطبيعي والإجتماعي ، والثقافي والإقتصادي والسياسي ، المحلي والكوني ...، من الغايات الرئيسية .
وإذا كانت المنظومة التربوية التكوينية التعليمية المغربية ، قد عرفت في بداية الإستقلال ، محطة رئيسية ، تمثلت في التوجهات أو المبادئ الأربعة (تعميم التعليم ، تعريب التعليم ، توحيد التعليم ، مغربة الأطر ) ؛ فإنه بغض النظر عن بعض أشكال الإصلاح ، التي تجسدت بالأساس ، في إعادة هيكلة وتوزيع مراحل الدراسة منذ سنة 1985 (1)؛ فإن المحطة الحالية ، والتي تجسدت ضمن مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، تشكل في واقع الأمر ، ثاني محطة أساسية وجوهرية بالنسبة للإصلاح الشامل للمنظومة التربوية التكوينية للمجتمع المغربي ،. على اعتبار أن محطة بداية الاستقلال ، قد شكلت مرحلة لبناء الذات الاجتماعية ؛ في حين تشكل المحطة الحالية /الحاضرة ، محطة الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، محطة تؤسس لتأهـيل المجتمع المغربي ، لكي يصبح قادرا ، على المواجهة والمنافسة, وفرض ذاته بين سائر المجتمعات المتخلف والمتقدم منها .
إذا تأملنا مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، فإننا قد نستنتج ، أنه مشروع يسعى إلى تحقيق غايتين أساسيتين هما : - غاية ذات بعد تربوي تكويني : يتوخى منها تأهيل أفراد المجتمع المغربي ، بمختلف فئاتهم ، للتمكن من الكفايات الضرورية ، للقدرة على التكيف مع محيطهم المحلي والعالمي . – غاية ذات بعد اجتماعي : ويسعى فيه مشروع الميثاق للتربية والتكوين ، إلى بناء مشروع مجتمعي حداثي ، وتكوين وعي لدى الأجيال المتعاقبة ، بأسلوب متدرج يتمثل فيه الأفراد وعيا حقيقيا ، فعليا وواقعيا للمبادئ الصحيحة للحداثة (2).
لذلك يلح هذا الميثاق على > (3).
هكذا نفهم لماذا تم التخلي عن البيداغـوجيا التقليدية ، ثم تبنى مقاربة جديدة هي المقاربة بالكفايات . إنها مقاربة تقف أمام أساليب الترويض والتنميط ، والتلقين ، لتنفتح على روح العصر ، الذي يقوم على مبادئ العقل والتحديث ، والذي يسلك سلم التدرج بنحو الكفاءة وامتلاك المهارة والقدرات المعرفية والوجدانية والحسية – الحركية ، وكذا تلك التي تلتقي مع تكييف المتعلمين وقدراتهم مع محيطهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ومن أهم المبررات البيداغـوجية التي تقـف وراء بثني المقاربة بالكفايات ، كونها تساهم بشكل فعال في غزارة المعلومات وتكاثرها السريع مما يجعل الطرق البيداغوجية المبنية على نقل المعارف عقيمة وجامدة ومتجاوزة . هذا يعني ضرورة الاستجابة للتزايد الكمي للمعلومات ، ولجاهزيتها من خلال الوسائط المتعددة . ثم أيضا ، أن هذه المقاربة الجديدة في الحقل التربوي تدعو إلى ضرورة إعطاء معنى لتعلمات من خلال الإجابة عن التساؤلات التالية : لماذا أتعلم ؟ ماذا أتعلم ؟ كيف أتعلم ؟ لماذا المدرسة؟ فهذه التساؤلات تخلق لدى المتعلم وعيا بفعل التعلم، وتمكنه من الأدوات الفكرية والاجتماعية – الوجدانية التي تسمح له ببناء تصور ورؤية ومعنى حول ما يطلب منه. أخيرا ، تسهم المقاربة بالكفايات في محاربة الفشل الدراسي الذي يقلل من فعالية و مردودية المؤسسة التربوية المغربية .وتتم هذه العملية عبر تأمل نظام التقويم المعتمد الذي لا يميز بين المعارف الأساسية والمعارف الثانوية التكميلية في عملية انتقال التلاميذ إلى مستوى الأعلى ، مع التركيز على الكفايات الأساسية .
يدخل التقويم ضمن أهم العناصر الأساسية التي تقوم عليها المقاربة بالكفايات فهو عملية مندمجة في المنهاج الدراسي أو المجزوءة التعليمية ، كما هو الشأن بالنسبة للطريقة التعليمية ، ولا يمكن الاستغناء عنه خلال ممارسة الفعل التربوي . إنه عنصر يتفاعل مع مختلف عناصر بنية الإستراتيجية التعليمية التعلمية ، وهو بذلك لا يكون منفصلا عنها ، بل يساهم بشكل فعال في انسجام وحدة البنية قصد تحقق الكفايات المستهدفة . ومادام البحث الذي بين أيدينا ينصب بالدرجة الأولى على عنصر التقويم ، ومعالجة موقعة ومكانته البيداغوجية ضمن المقاربة بالكفايات ، لما يمثله من لبنة أساسية في الممارسة التعليمية – التعليمة . وما ينسجه من روابط تربوية واجتماعية بين المدرس والتلاميذ وبين الإدارة التربوية وأولياء وآباء التلاميذ، وكذلك لأهميته في وضع القيمة الحقيقية للمنظومة التربوية والمناهج والسياسة التعليمية عموما.
فـقد ارتأينا أولا أن نتقدم بتوضيح مفاهيمي واصطلاحي لمفهوم التقويم ، مع الإشارة إلى الفرق الحاصل بينه وبين مفهوم التقـييم ، ثم لمفهوم > . قبل أن ننتقـل إلى طرح مجموعة من الأسئلة تنصب على إشكالية البحث والغاية العملية.
إن هناك خلط في استخدام كلمتي التقويم والتقييم، حيث يعتقد الكثيرون بأن كليهما يعطي المعنى ذاته. مع العلم أنهما يفيدان في بيان قيمة الشيء، إلا أن كلمة التقويم صحيحة لغويا، وهي الأكثر انتشارا في الاستعمال بين الناس، كما أنها تعني بالإضافة إلى بيان قيمة الشيء ، تعديل أو تصحيح ما اعوج منه . أما كلمة التقييم فتدل على إعطاء قيمة للشيء فقط . ومن هنا ، نجد كلمة التقويم أعم وأشمل من كلمة التقييم ، حيث لا يقف التقويم عند حد بيان قيمة شيء ما ، بلا لابد كذلك من محاولة إصلاحه وتعديله بعد الحكم عليه ويزعم بعض النحاة أن كلمة التقييم خطأ ، ويوجبون استعمال " تقويم " بدلا منها والكلمتان في حقيقة الأمر مختلتان تماما ، فالتقييم منشق من القيمة والتقويم من القوام ، ومعنى الأول التقدير والتثمين ، ومعنى الثاني التعديل .
أمام هذا السجال المصطلحي لكلمتين : التقويم والتقييم ، يقدم لنا عبد الكريم غريب تحديدا لمفهوم التقييم ، وهو كما يلي :
<< إنه مجموعة من الإجراءات والعمليات المستعملة لأدوات من طرف شيء تكلف بتعليم
فئات معينة أو بشخص آخر أو المتعلم ذاته ، والتي تكون مبنية بكيفية تمكن المستهدف من أداء مهام ، أو الجواب عن أسئلة أو تنفيذ انجازات يمكن فحصها من قياس درجة تنفيذها وإصدار الحكم عليها وعلى منفذها واتخاذ قرار يخص عملية تعليمية ذاتها >> (4) .
إلى جانبه ، يقدم لنا محمد الدريج هو بدوره تحديدا لمفهوم التقويم ، وهو كما يلي << التقويم التربوي هو الجمع المنظم للمعلومات قصد معرفة مدى حدوث لدى التلاميذ ، بعض التغييرات المقصودة والمتضمنة في الأهداف ، ومراقبة مستواها لدى كل تلميذ وإصدار الحكم الملائم واتخاذ القرارات المناسبة >> (5) .
وعلى العموم ، فإن معظم التعريفات المقدمة لمفهوم التقويم ، تتفق على مجموعة من الإجراءات هي : - تحديد موضوع التقويم وأهدافه .
• البحث عن أداة التقويم والملائمة .
• اجراء التقويم واستعمال الأداة ،أسئلة ، تمرين ،....
• تصحيح انجازات التلاميذ .
• معالجة المعلومات المحصل عليها واتخاذ القرارات التصحيحية .
ننتقل الآن إلى تحديد وضبط معنى " مادة الفلسفة " قديما وحديثا. إنها تعني حسب التوجهات الرسمية والمعلنة من قبل مديرية التعليم الثانوي قسم البرامج، سنة 1991 ، في كتاب : << البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بتدريس مادة الفكر الإسلامي والفلسفة بالتعليم الثانوي >>. ما يلي : << تلك المادة النظرية التي يستعملها المدرس لتحليل الإشكالات وفحصها واستخلاص الأسئلة بشأنها، ...، فليس موضوع الدرس هو ذلك المضمون معروضا من طرف المدرس ، بل الإشكال الذي يتم بناؤه ومعالجته انطلاقا من ذلك المضمون, فعند انتقاء المضمون النظري المستعمل في الدرس ينبغي الحرص على اعتباره وسيلة لتحليل مناقشة الإشكال المطروح ومعالجته وفحصه في أبعاده ومستوياته المختلفة >>. (6)
إن الدرس الفلسفي داخل مادة الفلسفة هو عبارة عن مفاهيم وآراء فلسفية تسمح للتلميذ من استغلال إمكاناته الفكرية ليقف عند حدود موقفه الخاص ، وليبحث عن الأسس والمبادئ التي يقوم عليها التفكير السليم . وتعتمد مادة الفلسفة حسب التوجيهات الرسمية الأخيرة المعلنة بالبرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بالجذوع المشتركة للتعليم الثانوي التأهيلي ، على مجموعة من المبادئ أهمها : - مبدأ التدرج : أي الانتقال من البسيط إلى المركب ، ومن المشخص إلى المعقد ، انتقالا مرنا . - مبدأ تنمية قدرات التلميذ الذاتية على مستوى طرح القضايا وتناولها والبحث عن الحلول. – مبدأ فعالية التلميذ، وتتمثل في انخراطه في سيرورات البحث والاكتشاف . (7)
كذلك تنطلق مادة الفلسفة من قيم أساسية تهم التلميذ على مستوى وجوده الذاتي والاجتماعي منها: - حرية التفكير – احترام أفكار الآخرين المبنية على العقلانية والأخلاق،- ضرورة الحوار .
كثيرا ما يشكو التلاميذ من جهة، وآباءهم وأولياءهم من جهة ثانية من نظام التنقيط وتحويل الدرجات ، إما لكونه لا يقر شروط الموضوعية التامة ، أو لأنه معقد لا يفهمه إلا العارفون .إضافة إلى ذلك، يتفق كافة الباحثين المختصين ، على أن مدلول النقط ليس لحد الآن واضحا بالنسبة لجميع فرقاء عملية التربية والتعليم ، خاصة إذا ما استحضرنا ، أن أي نقطة محصل عليها تكون مركبة من شقين : شق يعرف بالنتيجة الحقيقية (le score vrai ) ، وشق يدعى خطأ القياس (( Erreur de mesure ، وبالتالي ، فإن التأويل الصحيح لنتائج تقويم المتعلمين ، يشترط إدراك هذه الثنائية ، ومعرفة كيفية التصرف معها وهو ما يتم إغفاله من قبل المدرسين والإدارة التربوية أثناء اتخاذ أي قرار تربوي . من هنا تنبع تساؤلات وجيهة ، يعمل هذا البحث على محاولة الإجابة عنها ، وهي كما يلي :
- كيف تتدخل ذاتية الأستاذ المقوم أثناء تصحيح وإبداء قيمة عددية لأحد انجازات التلاميذ في مادة الفلسفة خاصة ؟ .
- هل إشكالية التنقيط وتأويل النقط تعود إلى طبيعة المادة: مادة الفلسفة ، أم إلى استعدادات التلميذ ، أم أنها نتيجة ميولات المقوم الفكرية ؟
- كيف يمكن مواجهة هذه الإشكالية، انطلاقا من تبني المقاربة بالكفايات ؟
- ثم إلى أي حد يتناول التقويم من منظور المقاربة بالكفايات إشكال المزاوجة والتوفيق بين التقويم التقليدي ( الامتحان الوطني او الجهوي )، والتقويم المعتمد على معايير ومؤشرات تتخذ أساسا لتقدير مدى تحقق الكفايات ؟ .
كل هذه التساؤلات، سوف تشكل الهيكل الاستدلالي لهذا البحث، على أساس وضع الأصبع على دور الأستاذ في التقويم التربوي، وفي ظل المقاربة بالكفايات.
يعتبر التقويم عملية مركبة وغير واضحة النتائج دائما، وتتدخل فيها العديد من المتغيرات وفي مقدمتها المواقف الشخصية للمقوم وتصوراته الخاصة حول ما ينتظره المجتمع من التعليم وحول أهدافه التربوية بشكل عام . هذا يعني أن التقويم ليس عملية سهلة تكتفي بوضع عدد من الأسئلة نستطيع التحقق من حصول التعلم باستعمال مقياس لرصد مواطن القوة أو الضعف في سلوك التلميذ وأدائه لرصد ما اكتسبه من مهارات ومعارف.
ويعتبر التقويم كذلك عملية مندمجة في المنهاج الدراسي أو المجزوءه التعليمية، وأحد عناصرها الأساسية، كما هو الشأن بالنسبة للطريقة التعليمية، إذ انه يتفاعل مع مختلف عناصر العملية التعليمة – التعلمية، بل ويساهم بشكل فعال في انسجام وحدة البنية قصد تحقيق الأهداف والكفايات المرجوة.
ومن باب إغناء هذا الجانب المهم من المقاربة بالكفايات، فإننا نسعى إلى عرض بعض أهم العناصر التي تشكل مكون التقويم في شموليته، مع التركيز على مدى تناول المقاربة بالكفايات له. على اعتبار أن هذه النظرة سوف تساعـدنا ما أمكن، على تكوين مقاربة جزئية تنضم إلى مختلف الأدبيات التربوية التي تناولت موضوع التقويم، وخاصة التقويم في الكفايات .
I – تطور التقويم داخل الفكر التربوي والبيداغـوجي :
1- البيداغـوجيا التقليدية:
لقد اتبثت الدراسات الحديثة في مجال البيداغوجيا ، عدم صلاحية الكثير من الأساليب المعتمدة لحد الآن في التقويم وتدني مستواها من حيث الهدف والثبات ، ومن حيث قدرتها على تغطية مختلف الجوانب المستهدفة . فالاختبارات مازالت تركز على قياس حفظ المعلومات وذلك على حساب قياس مدى الكفاءة في المستويات العليا للنشاط العقلي ( التحليل ، الاستدلال ، الابتكار ...) ، وكذا على حساب قياس الجوانب المهارية والوجدانية والاجتماعية في شخصية الفرد ، وبما أن النموذج التقليدي في التعليم ينظر إلى المدرس كمنبع للمعرفة فإن دور التقويم في هذا النمودج كان ينحصر في قدرة المتعلم على استيعاب المعارف التي يلقنها المدرس .
ويعتبر الامتحان كأحد الأساليب القديمة في تقويم من بين مميزات البيداغـوجيا التقليدية، بحيث تغطية الأهمية الكبرى. وينظر إليه الجميع كفاية في حد ذاته وليس كوسيلة للكشف والتشخيص والتطوير. وكلنا نعلم ما يترتب عن هذا من ظواهر سلبية، في مقدمتها الخوف بل الهلع من الإمتحان وغيرها من الظواهر اللاتربوية المفسدة ، من مثل لجوء التلاميذ إلى الغش في الامتحان والخداع في إنجاز الواجبات أو إلى العدوانية تجاه المدرسة والمدرسين .
ومن مظاهر التقويم وفق البيداغـوجيا القديمة، ضعف أسلوب التنقيط المستعمل والذي عادة ما يقدم قيمة نهائية وتجميعية يصعب معرفة وتحديد ما تعنيه وما تعتبر عنه بالضبط. فتظل النقطة النهائية قليلة الفائدة في الكشف عن قدرات التلميذ الحقيقية وفي تشخيص تقدمه واستعداداته للتحسن.
وما دام التقويم يرتبط في ذهن المتعلمين بالجزاء النهائي ( النقطة، المعدل النهائي، النجاح، الانتقال....) فإنهم لا يعيرون المواد الضعيفة، أي ذات المعاملات الضعيفة، أية اهتمام وكذلك هو الأمر بالنسبة للمواد التي لا تكون موضع امتحان.
كما يعيرون المراقبة المستمرة ( التقويم المستمر ) أهمية تذكر، خاصة إذا علموا أن المدرسين لا يحتسبونها ضمن معدلات الاختبارات النهائية.
إن من أهم الأخطاء السالفة في مجال التقويم هو الاعتماد على مقارنة التلاميذ بزملائهم، بدلا من مقارنتهم بما كانوا عليه وما أصبح بإمكانهم القيام به بعد التعليم .
فيضيع الضعاف منهم بل ربما يضيع المتوسطون أيضا، في حين أن المقارنة السليمة ينبغي أن تستند على الأهداف المنشودة وعلى معايير المحددة سلفا والتي تتغير انطلاقا منها الوضعية التي يكون عليها التلاميذ في البداية وقبل شروعه في تعلم المادة الدراسية ثم ما صار عليه بعد الانتهاء من حصة أو مجموعة من الحصص.
أي ينبغي أن تسود في نظامنا التعليمي وكلما تعلق الأمر بتقويم الكفايات الاختبارات مرجعية المحك (le critère référentiel) بدل الاختبارات مرجعيـــــة الجماعــــــــــة (la norme référentiel ) التي سبقت الإشارة إليه ، فالاختبارات مرجعية المحك تتميز بأن لها قيمة تشخيصية لتحديد جوانب القوة والضعف في تحصيل التلميذ وتستخدم أساسا لتقويم كفايات الأفراد وما يمتلكونه من معارف ومهارات وظيفية مكتسبة من برامج تعليمية أو تدريسية محددة الأهداف والنواتج (8).
ومما يلاحظ على التربية التقليدية، انعدام الانسجام بين مكونات العملية التعليمية ، مما يحدث اضطرابا في سير الدروس واضطرابا في توظيف التقويم في التشخيص وفي التكوين ذاته . والأمثلة كثيرة بهذا الصدد ، منها : طول البرامج ( المحتويات ) وعدم مناسبتها لما يخصص لانجازها من وقت ومن وسائل . مما يترتب عنه الإسراع لإتمام المقرر والميل إلى إملاء الدروس دون شرح ول
لا فهم ولا أشغال تطبيقية ولا عروض ....الخ .
2- التقويم التربوي وعلاقته بالأهداف.
إنه من الواضح جليا أن مختلف النماذج السائدة في علم التدريس ، تعطي المكانة البارزة المخصصة لعملية التقويم ، وذلك بربطها بالأهداف من جهة وبوضعية العمل التعليمي من جهة ثانية .
وليس التقويم عملية منعزلة ، ولكنه سيرورة معقدة تهدف في أساسها إلى تحديد ما تحقق فعلا من الأهداف التربوية بواسطة المواد وطرق التدريس . وإذا كانت الأهداف التربوية ، كما سبق أن ذكرنا ، هي في الأساس تحقيق تغيرات في الإنسان ، أي تسعى إلى إحداث تغيرات معينة مرغوب فيها في الأنماط السلوكية للتلاميذ ، فإن التقويم معناه العملية التي نحدد بفضلها الدرجة التي تحدث بها فعلا هذه التغيرات .
فالتقويم خطوة من خطوات العملية التعليمية التعلمية وعنصر من عناصرها البارزة .
1- تقتضي الخطوة الأولى تحديد الأهداف التربوية للعملية التعليمية ، بحيث تصير هذه الأهداف نقطا مربعية ، نحكم على نجاح العملية أم فشلها بمدى اقترابنا منها أو بعدنا عنها ، وفي ضوء هذه الأحكام يقوم المدرس بوضع خطة العمل اللاحقة .
2- وتمثل الخطوة الثانية في تحديد الإستراتيجية التربوية الملائمة وكذا المواقف التعليمية التي سيقوم فيها التلميذ بأداء السلوك المرغوب فيه والمحقق للأهداف المرسومة 3 - وثالث خطوة تتضمن اختيار نوع التقويم والمسائل التقويمية الكفيلة بتيسير الحكم على ما اذا كان سلوك التلميذ في مواقف محددة ، يحقق المطلوب أم لا (9).
ومن هنا الإرباط الوثيق في هذا التوجه الجديد بين التقويم والأهداف التربوية والتي تصير المنطلقات الضرورية في عملية التقويم ، إن الأهداف تشكل معايير التقويم ، ذلك أن تقويم التعلم يمكن بالضبط في التأكد من مدى تحقق الأهداف ، فإذا صغنا هدفا على النحو التالي : << أن يكون التلميذ قادرا على تحريرإنشاء فلسفي في موضوع الوعي وعلاقته بالإدراكات الحسية >>. فإن هذا الهدف وما يتضمنه من مقاييس لجودة في الأداء ، يصبح ميثاق يلتزم به كل الأطراف من تلاميذ ومدرسين وغيرهم . ميثاقا يجعل الجميع مدركين لمستوى الإنجاز والأداء المطلوب ، ومتفـقين على سلم التصحيح ودرجات التنقـيط.
لعل أسلوب الاختبارات مرجعية المحك وما ارتبط بها من تقنيات وتطبيقات وما ترتب عنها من منهجية جديدة تؤكد التكامل بين عملية التعليم وعملية التقويم من خلال الأهداف التربوية المستقبلية ، وتعد التطورات المهمة التي وجه علماء التدريس جهودهم نحوها لتوسيع نطاق تطبيقاتها داخل القسم (10) .
وهكذا فإن كان التقويم يتحدد كعنصر من عناصر العملية التعليمية ومكون من مكوناتها الأساسية ، فإنه يمثل عاملا في توجيه بقية المكونات ووضع قراراتها المختلفة ، إن هناك ارتباطا مباشرا وتأثيرا متبادلا بين قرارات المدرس والتقويمية وطبيعة عمليات التعلم والتعليم .
II – التقويم من منظور المقاربة بالكفايات.
من اجل المساهمة في تفعيل التقويم في الكفايات وتطوير التدريس بها ، ارتأينا معالجة هذا الموضوع من خلال زوايا مختلفة ومتنوعة ، هكذا سوف نبتدىء بالدواعي الأساسية إلى تقويم الكفايات .
1- دواعي وأسس تقويم الكفايات
1-1- حاجات المدرسين:
رغم اختلاف طرق المدرسين والمدرسات، وأساليبهم في التدريس والتقويم، فإنهم في حاجة إلى معطيات من نوعين وهما : 1 – معطيات حول أنواع الصعوبات وأشكال النقص في التحصيل التي يشكو منها كل تلميذ وتلميذة .2- معطيات حول أسباب الصعوبات وسوء التحصيل
لبناء استراتيجية ملائمة لتدارك النقص المذكور . ولهذا الفرص يحتاج المدرسون إلى اجراء تقويمات منتظمة ، تندرج ضمن ما يعرف بالتقويم التكويني للكفايات المستهدفة .
1-2- حاجات التلاميذ والتلميذات :
يلعب التقويم بالنسبة للتلاميذ والتلميذات دورين أساسيين ؛ دور المراقبة ودور التحفيزعلى بدل مزيد من الجهد لبلوغ الأهداف المسطرة ، ذلك أن المتعلمين يكونون في حاجة إلى مؤشرات خارجية موضوعية حول مدى اقترابهم من بلوع الكفايات المستهدفة ، وحول درجة تحكمهم في المهارات والقدرات . لهذا ، يستحسن أن يكون التقويم واضح الغاية والوظيفة ، وأن ينتظم حسب محطات رئيسية مندمجة في سيرورة التدريس .
1-3- حاجات الآباء والأولياء .
أما بخصوص الآباء ، فإنهم بحاجة إلى معطيات من نوع آخر، تطمئنهم على النمو العادي لأبنائهم ، وتخبرهم حول الصعوبات التي قد يواجهونها في التعلم والتحصيل . ويعني هذا ، أنهم قد لا يفهمون الكثير بخصوص الكفايات المتوخاة أو التي تم تحقيقها عند نهاية الدرس أو حدة دراسية ، بل يرغـبون أن تشرح لهم الوضعية التي يوجد عليها أبناؤهم في شموليتها ، مع إبراز الخطوات التي تم تحقيقها والصعوبات التي يواجهها التلميذ في كل مرحلة حاسمة.
فكل هذه الأشياء تتجلى وتتضح من خلال نتائج التقويم الذي تخضع له مكتسبات التلميذ. لهذا يسعون إلى فهم النتائج وكيفية تأويلها .
1-4- حاجات الإدارة التربوية:
في مقدمة الحاجات والمعطيات التي يحتاج إليها الطاقم الإداري التربوي، نجد المؤشرات المتعلقة بالتقدم نحو الأهداف العامة، ومدى اكتساب الكفايات الأساسية التي يختبر فيها عامة التلاميذ، من أجل إجراء المقارنة بين أقسام نفس المستوى التعليمي، وبين أقسام مؤسستهم وأقسام المؤسسات الأخرى، سواء على المستوى المحلي.أو مستوى الجهوى أو المستوى الوطني. كما أن الإدارة التربوية ترغب في أن تعرف الأقسام الضعيفة والقوية، وأن تميز بين التلاميذ المتحكمين في الكفايات المستهدفة وغيرهم ممن هم في حاجة ماسة ( إلى معطيات موثوق فيها ) إلى دعم أو تقوية من نوع خاص.
1-5- حاجات أطر المراقبة المستمرة:
يحتاج المفتشون التربويون إلى معطيات خاصة وهي تصب في غالب الأحيان في مجالين رئيسيين هما: مجال المناهج ومجال المراقبة المؤسساتية. فيما يتعلق بالمنهاج يحتاج المفتشون التربويون إلى معطيات تقويمية، تؤكد لهم أن تطبيق المنهاج، يتم حسب المحددات الزمنية، وحسب المقاييس الكمية والنوعية الواردة في الكتاب الأبيض للمناهج، وفي التعليمات الرسمية. إن التقويم يوفر معلومات حول بلوغ الغايات والكفايات المستهدفة. ويفصح عن درجة احترام المدرسين للمعايير والمقاييس البيداغـوجية المتفـق عليها. وعلى مستوى المراقبة المؤسستية ، فإن التقويم يلعب دورا آخر ، هو أنه يقدم لهيأة التأطير معطيات تؤكد ما جاء في دفتر النصوص ، من انجازات ، ومن أعمال وأنشطة تربوية .كما أنها تقدم نظرة موضوعية حول مكتسبات التلاميذ. وخلاصة القول، فإن التقويم يساعد المفتشين التربويين على الإسهام الفعلي في تقويم المناهج من جهة، وتقويم الأداء الوظيفي للمدرسين .
2- الإطار البيداغـوجي لتقويم الكفايات ( مقاربة de ketele 1980 ) (11).
2-1- مفهوم الكفاية عند دوكتيل وروجيرز :
إن من أنسب التعاريف التي أعطيت للكفاية بهدف تقييمها، التعريف الذي قدمه فريق الباحث البلجيكي دوكتيل ، والذي يقول فيه : << إن الكفاية هي هدف إجرائي في وضعية معينة من الإنجاز >> (12) . لكن هذا التعريف غير كاف لإبراز مختلف جوانب التعقيد والغناء المفاهيمي الذي ينطوي عليه مفهوم الكفاية في مجال التربية والتكوين، سواء على مستوى التخطيط البيداغـوجي أو على مستوى التقويم التربوي.
ومن أجل توضيح ذلك، فلابد من التركيز بمعنى الهدف الإجرائي، وهنا يشير دوكتيل إلى أن الهدف الإجرائي يتضمن قدرة فكرية أو حركية إضافة إلى مضمون دراسي أو تكويني محدد، فإذا أضفنا لهذا الهدف الإجرائي وضعية معينة للإنجاز، فإنه يصبح كفاية حسب تعريف هذا الباحث . ويحقق المعادلة التالية:
- الهدف الإجرائي او الخاص x وضعيات = الكفاية
- الهدف الإجرائي = القدرة x المحتوى (13).
لابد من الإشارة في نهاية هذه الفقـرة ، إلى نوع جديد من الأهداف جاءت به المقاربة بالكفايات مع روجيرز ودوكتيل ، إنه الهدف النهائي الإدماجي Objectif terminal d’intégration ، وهو ما يصطلح عليه بOTI . إنه هدف يلتقي مع مفهوم المواصفة التعليمية Profil d’apprentissage ، التي تلخص المهارات والكفايات المستهدفة عند نهاية سنة دراسية أو سلك تعليمي معين . غير ن دوكتيل روجيرز يؤكدان أن الهدف النهائي الإدماجي يتطلب سلك دراسيا ، يستغرق على الأقل سنة دراسية .
2-2- تصنيف التقويم حسب دوكتيل :
لقد صنف دوكتيل التقويم الى أربعة أنواع هي : التقويم التوجيهي ، التقويم من أجل الضبط ، التقويم الإجمالي ، تقويم الإشهاد والضبط . وسوف نتناول هذه الأنواع من التقويم على الشكل التالي :
أ- التقويم التوجيهي : Evaluation d’orientation
يتم هذا التقويم في بداية السنة أو عند البداية في تدريس وتعلم وحدة ديداكتيكية معينة ، ويرمي هذا النوع من التقويم القبلي كما نسميه عادة ، بتشخيص مكتسبات التلاميذ ، ثم التعرف على التلاميذ غير المستعدين للإنخراط في تعلم جديد . وذلك بغرض اتخاذ القرارات اللازمة والإجراءات الضرورية لاستئناف التعلمات بشكل أفضل . لأنه يكون من غير المجدي الشروع في تدريس تعلمات جديدة هامة . ويحصل هذا التقويم التوجيهي بواسطة اختبارات ورواكز لقياس التعلمات السابقة . في إطار تشخيص عام وشامل ، يفضي إلى تزويد التلاميذ ، الذين لايتحكمون في الكفايات الأساسية ، بالدعم والتقوية المناسبة لكل حالة . كما أنه تقويم يهم الأهداف النهائية الادماجية (OTI ) أو الكفايات الأساسية لنهاية السنة السابقة أو للوحدة الديداكتيكية السابقة .
ب- التقويم من أجل الضبط Evaluation de régulation
إنه يحدث خلال تدريس كل وحدة ديداكتيكية وعلى امتداد السنة الدراسية ، ويتم استغلال نتائج التقويم بانتظام . ويهدف هذا النوع من التقويم الى اتخاذ القرارات قصد تحسين نوعية التدريس والتعلم ، وتطوير جودة التحصيل لدى التلاميذ مع الحد من الفروقات بينهم ، وبالتالي القضاء على الصعوبات قبل استفحالها ، كما يرمي إلى تأهيل أكبر عدد من التلاميذ لمتابعة التمدرس والتعلم بشكل يحد من الفشل والتكرار . ومن أهم أدواته، الملاحظة العفوية والتقويمات السريعة المركزة وتحليل أخطاء التلاميذ المتكررة في إطار مقاربة التشخيص – التصحيح وتقديم الدعم والتقوية . أما موضوع هذا التقويم فهي تلك التعلمات الدقيقة les apprentissage ponételles
ج- التقويم الإشهادي –الإجمالي Evaluation certificative
يأتي في نهاية سلك دراسي معين ، من أجل الحصول على شهادة النجاح أو الاقرار بالرسوب بخصوص التحكم في الكفايات الأساسية . كما يعتمد هذا التقويم لأجل ترتيب المتعلمين في سلم قياس التحصيل المعتمد من قبل المؤسسة التعليمية . ويكتسب الإشهاد أو التقويم الإجمالي صبغة اجتماعية – تربوية في آن واحد . ويتم هذا التقويم بواسطة امتحانات نهاية السنة ، علما أن الاختبار هنا ، يصب في الكفايات الأساسية والأهداف النهائية الادماجية (OTI ) الخاصة بالسنة الدراسية .
د- التقويم الإثباتي ومن أجل الضبط : Evaluation certificative et régulation
إنه التقويم الذي يحدث في نهاية الدورتين الأولى والثانية وفي نهاية السنة الدراسية فهو يهدف إلى المساهمة جزئيا في القرارات الإعترافية او الإشهادية النهائية من جهة ؛ وفي تنظيم التدريس والتعلم وضبطهما من جهة أخرى . ويعتبر هذا التقويم من أجل الإثبات والضبط نوع من المراقبة المستمرة ، لأنه اعتراف تدريجي بالتحصيل ، بدل الإعتراف في لحظة معينة ، إنه استدراك النقص في التحصيل وضبط التعلم مما يجنب المتعلمين الرسوب المبكر أو المستفحل وغير المبرر تربويا . وينجز هذا النوع من التقويم بواسطة اختبارات وروائز دورية ذات قدرة تشخيصية كبيرة يتم التركيز فيها على الكفايات الأساسية للدورة الدراسية المعنية بالتقويم .
3- أنواع التقويم في المقاربة بالكفايات :
نود التركيزهنا بأن عملية التقويم لاتتم بشكل آلي ، بل هي تخضع من حيث الاعداد والصياغة والشكل، إلى الغرض المراد من الدرس أو المنهاج أو الوحدة التعليمية . وذلك نصادف داخل أدبيات التربية العديد من أساليب وأشكال التقويم تختلف حسب نوع المرجعية المعتمدة . فهناك أنواع من التقويم تصنف حسب طبيعة النظام المرجعي ، فنحصل على تقويم مرجعي الجماعة ، وتقويم مرجعي المحك (14) .فإذا كان النوع الأول بستند على نظام مرجعي يقوم على مقارنة انجاز التلميذ بانجازات بقية التلاميذ في نفس المواقف التعليمية ، فإن النواع الثاني يستند على نظام مرجعي يتأسس على مقاييس ترتبط بالمادة الدراسية وأهدافها وبمدى امتلاكها من طرف التلاميذ . وإذا كان المقوم في التقويم مرجعي المحك لايحكم على انجاز تلميذ معين بمقارنته بانجازات زملائه ، فإنه يحكم عليه من خلال ما يفصله عن انجاز نمودجي معين ومحدد منذ البداية .
وإلى جانب هذا التصنيف لأنواع التقويم ، هناك تصنف آخر يتحدد حسب زمن إجرائه وأغراضه . وهو ثلاثة أنواع هي كالتالي : 1- التقويم التشخيصي ، 2- التقويم التكويني ،3- التقويم الإجمالي .
3-1- التقويم التشخيصي Evaluation diagnostique
هو عبارة عن عملية مرتبطة بوضعيات انطلاق المناهج والدروس ، أي فحص معالم هذه الوضعية وتشخيصها ، بهدف الحصول على معلومات وبيانات تمكن من اتخاذ قرارات حول تعليم لاحق . وموضوع هذا التقويم يهتم بتقدير الخصائص الفردية للشخص أو للجماعة .وعلى ضوء ما سبق نقول :
إنه إجراء نقوم به مستهل عملية التدريس ، من أجل الحصول على بيانات ومعلومات حول كفايات وقدرات وميولات ومعارف ، ومواقف التلاميذ السابقة والضرورية لتحقيق الأهداف الكفايات المنشودة من الوحدة التعليمية . فهو إذا تشخيص لمنطلقات عملية التدريس ومدى استعداد التلاميذ. فعند بداية درس ما، يمكن للمدرس أن يلجأ إلى اختبار سريع أو أسئلة شفوية أو حوار مفتوح أو استعمال شبكات مقننة أو روائز ، من أجل التعرف على مدى قدرة التلاميذ على متابعة مستوى الوحدة الدراسية والكفايات المستهدفة.
ويعمل التقويم التشخيصي على تحقيق هدفين أساسيين هما:
1- ضبط المعارف السابقة
2- تشخيص المشاكل والصعوبات التي قد تعوق عملية التعليم والتعلم (15) .
3-2- التقويم التكويني: Evaluation formative
يعد التقويم التكويني من العمليات التي تجرى خلال مهام تعليمية معينة ، وذلك بهدف اخبار المتعلم والمدرس بدرجة التحكم في الكفاية المستهدفة ، واكتشاف مواطن الصعوبة التي يصادفها التلميذ خلال تعلمه ، من أجل ايجاد استراتيجيات تمكنه من التقدم والتحسن ، لأن الغاية منه ليس التقويم بل هي التكوين والتطوير الذي يسعى إلى احداث التغيير المستمر والتحسن في سلوك التلميذ الذي نقومه . ويمكن التقويم التكويني كذلك من تحديد مؤهلات المتعلم للإقبال على مراحل جديدة من تعلمه وفق مراحل متسلسلة، كما يمكن من تصحيح ثغرات التدريس. هكذا، ينحصر دوره في توعية المتعلم بقدراته التعليمية دون أي عقاب اجتماعي.
وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن المراقبة المستمرة، وهي جملة من الإجراءات التربوية التي تسعى إلى تقويم انجازات التلاميذ بشكل مستمر، تمكن من التعرف على امكاناتهم ومردودهم وتطور أدائهم ومدى فعالية الطرق والسبل المستعملة في التعليم. كما تعني المراقبة المستمرة قياس مدى استيعاب التلاميذ للدروس السابقة عن طريق التمارين والفروض التي تواكب العملية التعليمية – التعلمية.
هكذا، ينبغي أن ينظر للمراقبة المستمرة كعنصر مصاحب للنشاط التعلمي – التعلمي يمكن الأستاذ من تتبع أعمال تلاميذه ورصد نتائجهم بانتظام للتأكد من تحقق الأهداف التربوية والوقوف على مواطن الضعف لدى التلاميذ بهدف استدراكها وتقويمها.
3-3- التقويم الإجمالي Evaluation Sommative
ينجز التقويم الإجمالي في نهاية وحده دراسية أو مجزوءة أو سنة دراسية. لغاية تحديد ما إذا كان التلميذ قد حقق التعلم المتضمن في الأهداف النهائية الادماجية (OTI )أو الكفايات الأساسية الـخاصة بمادة دراسية محددة. ولغاية إصدار الأحكام والقرارات التي تفضي إلى نقله أو تكراره. المتعلم إلى مستوى لاحق. ويكون لهذا التقويم في الغالب صفة الشمول وتشرك فيه أطراف كثيرة. كما أنه يعتبر أساسا في اتخاد قرارات التطوير والتعديل بالنسبة لمناهج ووسائل التعليم، فهو اجراء عملي نقوم به عند نهاية التدريس، من أجل التأكد من النتائج المرجوة من عملية التدريس قد تتحقـقت فعلا. من هذا المنطلق، يهتم التقويم الإجمالي بفحص الكفايات المنشودة ويمكن من الجواب على أسئلة مثل: - هل روابط وعلاقات بين الكفايات المنشودة ؟ وهل يمكن نقل المتعلم الى مستوى لاحق؟ .
أما أغراض التقويم الإجمالي ، فهي :
- تقـدير التحصيل للتلاميذ.
– تزويد المقـوم بمعلومات تساعده على اتخاذ قرارات الحكم على التلاميذ حكما عادلا وموضوعيا.
- التزويد ببيانات تمكن من إعادة تخطيط المنهاج.
4- أساليب وتقنيات التقويم .
لاشك أن الإختبارات ( الامتحانات ) تشكل الأسلوب الأكثر أهمية والأكثر انتشارا في تقويم التحصيل الدراسي التلاميذ . وعادة ما يعرف الإختبار بأنه أداة وتقنية تتضمن عينة مختارة من أنماط السلوك المراد قياسها ، لمعرفة درجة التغيير الذي حصل لدى التلاميذ بعد تناول مجموعة من الكفايات والقدرات أثناء حصص دراسية محددة .
وتجدر الإشارة هنا ، إلى أن كل أداة أو أسلوب أو اختبار ، داخل مجال التقويم ، يشترط بالضرورة توفر مجموعة من المبادىء أوالأسس ، نذكر منها ما يلي :
أ- الثـــــبات : يتم تطبيق هذا المبدأ على الإختبارات أو أداة التقويم أكثر من مرة على على نفس مجموعة الأفراد، لكي نتمكن من خلال ذلك من مقارنة مدى اختلاف نتائج الإختبار في المرات المتتابعة . وتعتمد لذلك وسائل احصائية لقياس التباث في الطرق التالية:
- طريقة إعادة الاختبار.
- طريقة للتجزئة النصفية .
- طريقة تحليل التباين .
- طريقة الإختبارات المتكافئة .
ب- الصدق : الاختبار أو الأداة الصادقة ، يقيسان ما وصف لقياسه ، فاختبار الذكاء الذي يقيس الذكاء فعلا ، هو اختبار صادق ، مثله في ذلك مثل المتر في قياسه للمسافات . وتختلف الإختبارات وأساليب التقويم في مستويات صدقها تبعا لاقترابها أو ابتعادها من تقدير تلك الصفة التي تهدف إلى قياسها .
من بين العدد الهائل من الإختبارات التربوية ، يمكن الاشارة إلى بهضها على النحو التالي:
4-1- اختبار الإستعداد الدراسي :
هو اختبار يقيس مستوى أداء المتعلم في مجال لم يدرب فيه تدريبا خاصا ، وذلك قصد التنبؤ بمستوى الأداء الذي يمكن توقعه اذا حدث تدريب للمتعلم . إنه اختبار تقييس تلك القدرة الكامنة لدى هذا المتعلم . وتتصل هذه الاختبارات بعدة كفايات منها ؛ الاستعداد التدكري والاستعداد الكتابي ....الخ .
4-2- اختبار الحد الأدنى من الكفايات .
هو اختبار موضوعية المعارف والمهارات التي تعتبرأساسية ، والتي يلزم أن يتحكم فيه التلميذ يكون قد أنهى سلكا من الدراسة . .(17)
4-3- اختبار الاهتمامات :
هو اختبار على شكل استبيان أو قائمة تقييس ميول المتعلم وتزوعه الى موضوع دراسي أو غيردراسي معين ، ومن هذه المقاييس : - مقياس الثقة الذاتية بالنفس ،- مقياس حافز التحصيل ،- مقياس الميل نحو شخصية المدرس ، - مقياس الميل للتلاميذ ،... (18) .
4-4- الاختبارات الشفـوية .
هي الاختبارات التي توجه فيها أسئلة من طرف المدرس نحو التلميذ، وهذه الاختبارات وإن كانت من أهم وسائل التقويم إلا أنها تتصف بضعف كبير من حيث الدقة في الإعداد وصياغة الأسئلة. وقد استعملت هذه الاختبارات منذ القدم واستمرت سائدة في أنظمتنا التربوية. ومما يعاب عليها : - انعدام الموضوعية وطغيان تقديرات المقوم الذاتية على أداءات التلاميذ – صعوبة تطبيقها عندما يتعلق الأمر بأعداد كبيرة من التلاميذ .
4-5- اختبار مقالي
هي أكثر الاختبارات شيوعا في مختلف المستويات التعليمية والموادالدراسية . وهي اختبارات كتابية يطلب من التلميذ فيها الإجابة عن السؤال كتابة . وتستعمل هذه الأداة كلما رغبنا في معرفة قدرات التلاميذ على التحليل والتركيب والنقد والاستنتاج والإبداع . ومن عيوبها، أنها مجال لتدخل ذاتية المصحح، وتتطلب وقتا هاما للتصحيح .
- وفي إطار تناول أساليب وتقنيات التقويم ، فإنه لابد من التذكير بأشكال الأسئلة المتداولة في الوضعيات المخصصة للتقويم ، وهي كما يلي :
4-6- أشكال الأسئلة .
أ- قـوائم الضبط : Check- List
هي أداة التقويم في شكل لائحة من المقترحات والتوجهات والتي تغطي مجالا معينا ، ويطلب ممن يتستعملها وضع علامة أو خط أو دائرة في المكان المناسب التي تحدد معايير معينة .
ب- سؤال متعدد الإختيار
وهو جملة من الأسئلة المركبة من أسئلة صغرى تمكن من اختيار السؤال الصحيح من بين مجموعة من الأسئلة الخاطئة .
ج- سؤال الصواب والخطأ :
ويسمى كذلك بسؤال الثنائي الإختيار ، وهو أداة تقويمية موضوعية ، تستعمل لتعرف مقدرة المتعلم على كشق المفاهيم الخاطئة ضمن المادة الدراسية والتمييز بينها .
د- سؤال مفتوح
ويشمل جميع الأسئلة الطويلة والقصيرة ، التي تترك حرية للمتعلم في الجواب والتعبير ، والتي يكون هدفها تنمية القدرة أو الكفاية على التنظيم والتعبير والنقد والربط والتركيب . وغالبا ما يتأثر تصحيحها بانطباعات المقومين .
هـ- سؤال مغلق :
هو مجموع الأسئلة التي تتطلب من المتعلم جوابا واحدا، مثل الأسئلة ذات التصحيح الموضوعي، والأسئلة ذات الاختيار المتعدد (19) .
ج- أهم المقاربات في تقويم الكفايات :
يندرج تقويم الكفايات في معظم الأوساط الدراسية ، في إطار التقويم التكويني ، الذي يتوخى تحسين ظروف التدريس والتعلم ، بهدف الرفع من الجودة في التحصيل على مستوى القسم الدراسي والمردودية على الصعيد المؤسسة ، وكذا المنظومة التكوينية بمختلف وحداتها . وبالطبع فإن هناك التقويم الإجمالي ، الذي يشغل حيزا هاما من الوقت ، ويكتسي أهمية بيداغوجية واجتماعية في آن واحد ، وبوصفه الأداة الفعالة لإثبات التحصيل أو عدمه ، بغاية السماح للتلاميذ بالانتقال من مستوى دراسي إلى آخر ، والحصول على الشهادات الدراسية اللازمة لحياتهم المهنية أو الأكاديمية . وإذا سلمنا بأن الكفايات هي في حقيقة الأمر ، بمثابة عناقيد من الأهداف الإجرائية المندمجة في إطار وحدة بيداغوجية ؛ فإنه يجوز لنا أن نطبق على تقويمها نفس المناهج ، ونسلك نفس المقاربات التي أظهرت مصداقيتها ، وأكدت التجربة على متانتها . ونظرا لما يتطلبه تقويم الكفايات من دقة وعناية ، فقد ارتأينا أن نركز اهتمامنا حول مقاربتين تهتمان أساسا بتقويم المدخلات والمخرجات وسيرورة التعلم أو الإدماج ، وهما كالتالي :
5-1- قياس التغيير:
تعتبر مقاربة قياس النقص الحاصل في التعلم واكتساب الكفايات ، من بين الأساليب السائدة في تقويم التعبير في التعلم . وتتجلى على الخصوص ، في تشخيص مواطن ضعف التعلم والتحصيل لدى التلميذ. حيث تسعى بالأساس إلى قياس مظاهر هذا النقص عن طريق المؤشرات المنتظمة الظاهرة منها أو المستترة لصعوبات التعلم التي يعاني منها التلميذ ويعتمد هذا القياس على :
1- معيار الإقصاء ، الذي يقر بكون النقص أو التغيير في التحصيل ، يرجع لأسباب تنحصر في سياق عملية التدريس والتعلم وفي سيرورتهما ، مما يجعل ذلك النقص قابلا للاستدراك وذلك بواسطة أنشطة الدعم والتقوية .
2 - معيار الفرق ، الذي يفرض وجود نقص أو فارق ملموس بين النتيجة المحصل عليها من المتعلم والنتيجة المرتقبة في مجال من مجالات الكفايات والتحصيل الدراسي (20).
-2 تحليل الأخطاء المنتظمة :
يعتبر تحليل الأخطاء المنتظمة لدى التلاميذ ، من بين المقاربات المعتمدة في التقويم بغاية التوصل إلى تشخيص بيداغـوجي متين ودقيق الصعوبات ، التي يعاني منها المتعلمون ، وتحديد الأسباب المانعة لتحقيق الأهداف المسطرة وبلوغ الكفايات المستهدفة . ولقد دفعت وفرة المعطيات التشخيصية في الأخطاء المنتظمة للتلاميذ بالمختصين في القياس والتقويم ،الى تطوير أساليب وطرق احصائية ملائمة لتحليل أخطاء التلاميذ . ومن أهم المشتغلين في هذا الموضوع ، تشـواكا Tatsuaka الذي وضع نموذجا سيكومتريا متينا ، لتحليل أخطاء المتعلمين بغاية خدمة التشخيص البيداغوجي ، أي التقويم التشخيصي (21) .
6- أغراض التقويم والهدف منه .
يفيد التقويم في معرفة مستوى التلاميذ، أي تحديد نقطة البداية والانطلاق. كما يفيد في تحديد الكفايات التي يكون التلميذ قد اكتسبها والتي يجب توفرها المسبق للتحصيل .
تستطيع مثل هذه الاختبارات أن تقـيس ما يعرفه وما يكون قادرا على انجازه عند البدء بالوحدة ، بحيث يمكن مقاربة نتائج هذه الاختبارات القبلية بنتائج الاختبارات البعدية أو النهائية .
ويمكننا التقويم من تحديد مواطن الضعف والقوة لدى التلاميذ، مما يقود المدرس إلى إعادة صياغة أهدافه وإعادة النظر في أساليبه التعليمية، ومعرفة مدى تأثير المواد الدراسية . بحيث يتحول التقويم إلى فيدباك يمكن المدرس من معرفة مدى ملائمة هذه المواد وتلك الأساليب لمستوى التلاميذ وقدراتهم ، حتى يتمكن من تعديلها وتكييفها لتصبح أكثر ملائمة .
كما تستخدم نتائج التقويم في تحسين المناهج بصفة عامة . بحيث يساعد في البداية على معرفة نواحي القوة ونواحي الضعف فيها ، ثم يمكن بفضل النتائج من التوصل الى تغييرات ممكنة أو بعض الفروض عن سبب حدوث هذا النمط المعين من نواحي القوة والضعف (22).
إن الانتقال من المنهاج إلى التقويم والعكس ، عملية دينامية مستمرة ، ذلك لأن تطوير المواد والأساليب يقتضي بتجريبها وتقويم نتائجها ، الأمر الذي يمكننا من التعرف على نواحي الضعف وأسبابه . ثم إعادة التخطيط و التطوير فإعادة التقويم وهكذا...
ويفيد التقويم بالدرجة الأولى في معرفة مدى تحقق الأهداف المخططة في البداية أي معرفة درجة حصول التغيرات المرجوة، كما يفيد التقويم في توضيح هذه الأهداف إذ هي لم تكن واضحة منذ البداية .
ويسمح التقويم بإعطاء صورة عن مدى ما تحققه المدرسة من نتائج . إن حكم المسئولين والآباء على مدى التزام المؤسسات التربوية وقيامها بواجبها ، يتم بفضل تقويم فاعليتها في تحقيق الأهداف التربوية العامة . إن الحكم على فعالية العملية التربوية وتطوها ، حيث يتم تطبيق التقويم بأساليبه ومستوياته المختلفة ، ولجميع والمستويات التعليمية ، للعمل على تكامل العملية التربوية وتناسقها ، مما يؤدي إلى اكتساب التقويم صفة الحكم على مدى نجاح تلك العملية أو فشلها وفقا للدليل الواضح الذي يقدمه التقويم
كما يفيد التقويم في الحكم على طرق التدريس المتبعة ، فعندما يحصل التلاميذ على علامات أو درجات ضعيفة في الاختبارات ، فإن ذلك يعني وقوع خطأ ما . وينظر المدرس الوعي ، إلى جوانب أخرى للمشكلة كالتلاميذ وأدوات القياس وطرق التدريس المستخدمة .
أخيرا ، يساعد التقويم على تحديد المستويات أو المعايير : حيث ينبغي أن يتقن التلاميذ كفايات ومهارات معينة ، وأن يتم اختبارهم فيها ، للتأكد من وصولهم إلى مستويات أو معايير محددة ، مثل القدرة على القراءة الفلسفية أو القدرة على المنافشة الفلسفية.
الهوامش:
1) النهار العلمي : السياسة التعليمية بالمغرب ، من المبادئ الأربعة إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين جريدة العلم 4/1/2004.
2) عبد الكريم غريب : << بيداغوجيا الكفايات >> منشورات 1- عالم التربية ، 2004 ص: 32.
3) الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، ص: 239.
4) عبد الكريم غريب : << معجم علوم التربية ط3، مطبعة النجاح ،2001 .-
5) محمد الدريج : << الكفايات في التعليم >> المعرفة للجميع ط 2003 ، ص173
6) << البرامج والتوجهات التربوية الخاصة بتدريس مادة الفكر الاسلامي والفلسفة بالتعليم الثانوي >> ط1991 ، ص9
- البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بالجذوع المشتركة . مارس 2005 ص 3
- صلاح الدين محمود علام : << القياس والتقويم التربوي والنفسي >> دار الفكر العربي ، 2002 ، ص316
- محمد الدريج : << الكفايات في التعليم >> منشورات المعرفة للجميع ، 2003 ص179
7) صلاح الدين محمود علام : << القياس والتقويم التربوي النفسي >> دار الفكر العربي ، 2002 ، ص329 .
8) deketelle .J.M<
- deketelle .J.M<
9) صلاح الدين محمود علام : << القياس التربوي النفسي >> دار الفكر العربي ، القاهرة ، 2002.
10) صلاح الدين محمود علام : << القياس التربوي والنفسي >> دار الفكر العربي ، القاهرة ، 2002
- محمد الدريج : << الكفايات في التعليم >> المعرفة للجميع . اكتوبر 2003،ص187
11) عبد الكريم غريب : << منهج وتقنيات البحث العلمي >> ط1 ، النجاح ،1997 ، ص127
12) عبد الكريم غريب : << معجم علوم التربية >> ط 3 ، النجاح ،2001
13) عبد الكريم غريب : << معجم علوم التربية >> ط 3 ، النجاح ،2001.
14) عبد الكريم غريب :<< بيداغوجيا الكفايات >> منشورات عالم التربية >> ط . النجاح ،2001
15) محمد خاقي : << تقييم الكفايات >> منشورات عالم التربية ، 2004 ص: 61، 62، 66.
- نفس المرجع.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد الحسيني إسماعيل
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
نهاية التاريخ
*
بين النموذج الغربي .. والنموذج القرآني
*
دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل
*
************
*
عقب نشر مقال " رسالة إلى الدكتور طارق السويدان .. حول معنى المؤامرة .. ومعنى الثقافة العربية " .. أثار بعض القراء تساؤلات عن معنى : ما المقصود بنهاية التاريخ في هذه المقالة .. وهل هو يوم القيامة ..؟!!! وما يسبقه من علامات صغرى وعلامات كبرى .. بما في ذلك ظهور المسيخ الدجال .. ونزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان .. لكي يقتل المسيخ الدجال .. ويكسر الصليب .. ويقيم شعائر الدين الإسلامي ..؟!!!
وللرد على هذه التساؤلات .. أقول بأن " نهاية التاريخ " الذي أقصده هو الفكر الذي قال به بعض فلاسفة الغرب ، بعيدا عن الفكر الديني ، ويُعرّف بأنه : الحالة التي سوف تنتهي فيها حروب البشرية .. ويسود فيها العدل والسلام على الأرض .. وتعرف هذه الحالة بالحالة ـ البشرية ـ المنتظمة ( the steady state ) . وهي حالة لا علاقة لها بالنبؤات الدينية .. لا من المنظور الإسلامي ، ولا من المنظور المسيحي .. بل هي حالة يتوقعها بعض المفكرين والفلاسفة كما يمكن أن تشير إليها حركة التاريخ نفسه .
فقد كان الفيلسوف الألمانى عمانويل كانط ( 1724 ـ 1804 ) يرى أن التاريخ البشرى الذى يبدو وكأنه مجرد سجل حافل من الحروب الوحشية المستمرة بين الإنسان ونفسه ، وأن " هذا المسار الأبله والوحشي لأمور البشر " والذى يبدو على السطح وكأنه خال من أى نمط معين ، قد يوجد فى أعماقه حركة ما منتظمة ، بحيث .. ما يبدو من الفوضى فى فترة زمنية قصيرة ، قد يكشف عن تطور بطىء مطرد فى اتجاه معين عبر حقبة طويلة من الزمان .
ولهذا اقترح كانط فى مقالة له عام 1784 بعنوان " محاولة لكتابة تاريخ عالمى من وجهة نظر عالمية " ، بإعادة كتابة تاريخ البشرية من جديد بمفهوم عالمى يبين لنا هذا الاضطراد أو هذا الهدف النهائى الذى يتجه نحوه التاريخ . ولم ينته كانط إلى أي فكر .. حول هذه النهاية ـ أي نهاية التاريخ ـ على الرغم من أنه كان يتوقع وجودها .
وجاء من بعده هيجل ( 1770 ـ 1831 ) .. وتمثل عنده نهاية التاريخ فى " المجتمع الليبرالي " . ثم جاء من بعده كارل ماركس ( 1818 ـ 1883 ) ـ مؤسس الفلسفة الماركسية ـ حيث تمثل " نهاية التاريخ " عنده فى " المجتمع الشيوعى " [1] .
· نهاية التاريخ .. النموذج الغربي ..
ولما سقط المجتمع الشيوعى جاء " فرانسيس فوكوياما : Francis Fukuyama " ـ في كتابه ( نهاية التاريخ ونهاية البشر ) في نهاية القرن الماضي ( 1992 ) ـ وقال بأن التاريخ سوف يصل إلى نهايته حينما تصل البشرية إلى النظام الاجتماعي الذى يشبع الحاجات ـ المادية ـ الأساسية للبشر .. وأن هذا النظام يتمثل في " النظام الديموقراطي الليبرالي " [2] . وبديهي ؛ كان يعني بهذا الديموقراطية الأمريكية ..!!!
ونظرا لمسيحية فوكوياما .. واعتماده على " الكتاب المقدس " الذي دمر أخلاقيات البشر واستباح دماءهم وأعراضهم .. وأصبح المرجع الأساسي في تأسيس المدارس الأولى للإرهاب في العالم .. لهذا نجده يتخوف من تدمير الإنسان لنفسه بنفسه ..!!! حيث يقول بأن الملل الناجم عن السلام والرخاء فى الماضى قد كان له أخطر العواقب .. ويضرب على هذا مثلا بأن من أهم أسباب حدوث الحرب العالمية الأولى .. كان الملل والرتابة هو محركها وباعثها الأول ..!!!
ولـهذا لم يستبعد فوكوياما قيام حرب عَدَمية ضد الديمقراطية الليبرالية من قِبـَل أولئك الذين شبوا فى ظلها . كـما وأن الفكر الحديث لا يستطيع أن يقيم الحواجز الكافية فى وجه هذه الحرب ، لأن أول ما تصطدم به الديموقراطية الليبرالية هو الطبيعة البشرية ذاتها ، ولهذا نجده يقول :
[ أن جذور الصراع التى أدت إلى الحرب العالمية الأولى لا تزال إلى يومنا هذا تبدوا معقدة ، ومحورا لدراسات كثيرة وجدل كبير . فثمة قدر من الحقيقة فى تفسيرات أسباب الحرب ، منها الروح العسكرية والنزعة القومية فى ألمانيا ، والتصلب المتزايد فى نظام التحالفات ، والإنهيار المطرد فى ميزان القوى الأوروبى ، والبواعث التى وفرتها النظريات والتكنولوجيات على القدرة فى الردع وعلى بدء الهجوم ، وغباء وتهور قادة أفراد معينين . غير أنه إلى جانب هذا كله ، ثمة عامل أكثر تعقيدا وحيوية أدى إلى الحرب وهو أن الكثير من أفراد الجماهير الأروبية أرادوا الحرب بكل بساطة لمللهم من رتابة حياتهم المدنية وافتقارهم إلى المشاعر الجماعية فى هذه الحياة المدنية . ]
وللتفاصيل .. يمكن الرجوع إلى مرجع الكاتب السابق : " الدين والعلم وقصور الفكر البشري " لرؤية وتحليل هذا الفكر ونقده .
والبعد الحقيقي للديموقراطية الليبرالية الغربية .. هو بعد مادي إلى أقصى الحدود .. حيث اتجه الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .. للتعامل مع الإنسان على أنه " مادة بشرية : Human Material " ليس إلا ، فإن أمكن توظيفه أصبح بهذا المعنى " مادة مفيدة : Useful matter " ، أما إذا لم يمكن توظيفه فيشار إليه بأنه " فائض بشرى : Human Surplus " ، أو أنه " مادة غير نافعة : Un-useful matter " . وهذه المادة الفائضة لابد وأن تخضع لشكل من أشكال المعالجة لتصحيح وضعها ، فإما أن " تصدّر :Transferred " ( أي تنقل من مكان إلى آخر ) ، أو يعاد صياغتها ( أي يتم توظيفها في مجالات أخرى ) ، أو " تباد : Exterminated " إن فشلت معها الحلول السابقة .
لتنتهي ـ الديموقراطية الليبرالية ـ بالبشرية إلى مفهوم " العلمانية الشاملة " .. والتي تعني خلق أجيال من العبيد البشري .. في الصباح في المصنع للإنتاج .. وفي المساء في السوبر ماركت للاستهلاك .. وفي الليل في الملهى الليلي للاستمتاع .. بدون عقل يذكر .. وهو المعنى الذي يخطط الغرب لبلوغه باستخدام " غسيل المخ الإعلامي " على جموع الشعوب ـ مع التركيز على الشعوب الإسلامية ـ بهدف " صناعة القبول " ( أي قبول فكر العلمانية الشاملة ) .. أو ما يعرف باسم : " هندسة الموافقة " ..!!!
وهكذا ينتهي الغرب بحقبة " نهاية التاريخ " إلى تقسيم البشر إلى مجاميع من القطعان البشرية .. أو حيوانات بشرية لا إرادة لها .. وبلا عقل يذكر ..!!! ليس لها القدرة على اتخاذ القرار .. حيث تعتمد هذه القطعان البشرية ـ وبشكل مباشر ـ في اتخاذ القرار على مجموعة من الحكماء التي تعمل في إطار مصلحة الأسياد أو السادة الكبار ( اليهود ..!!! ) .. ويصل التحكم في هذا القطيع البشري إلى حد تحديد أعداده ومدى الحاجة الاقتصادية إليه .. وإبادة كل ما عدا ذلك في إطار غاية اقتصادية عليا .. تخدم أهداف هؤلاء الأسياد أو السادة الكبار ..!!!
وهكذا ؛ ساد فكر " الدارونية الإجتماعية : Social Darwinism " ( أي البقاء للأقوى ) المجتمع ـ الأمريكي الحيواني .. خصوصا في علاقتهم بالآخر ـ بعد أن تداخلت غاياتهم الاقتصادية مع الاعتقاد الديني في الخرافات والأساطير التي يمليها عليهم كتابهم المقدس ( العقيدة الألفية السعيدة ) ..!!! وهكذا تأصل فكر " نهاية التاريخ " عند الغرب وأصبح الغاية لبلوغه هدف أساسي وسياسي لديهم .. للتحكم في شعوب العالم الثالث بصفة عامة .. وفي شعوب العالم الإسلامي على وجه الخصوص .
وما سبق ذكره .. عن صناعة القبول أو هندسة الموافقة .. هو فكر مطبق بالفعل على شعوب العالم المسيحي . فقد نجحت الكنائس المسيحية في تشكيل فكر الفرد المسيحي وسلبه إرادته تماما ـ بل وعقله أيضا ـ في اتخاذ القرار الديني بشأن عقيدته . بمعنى حتى بعد تيقن الفرد المسيحي من وثنية وخرافة الديانة المسيحية .. إلا أن الفرد لا يستطيع اتخاذ قرار التغيير بنفسه.. أو حتى أي قرار آخر بشأن إعادة التفكير في أمور دينه إلا بعد الرجوع إلى الكنيسة لتفيده بالرأي [3] .. وبديهي سوف تعمل الكنيسة على تقديم التبريرات الكافية للفرد بصحة وسلامة الاعتقاد المسيحي .. حتى يمكنها ـ بالخداع ـ إعادة الفرد إلى حظيرتها مرة أخرى .. وإلى حظيرة الإيمان بالديانة المسيحية ..!!! وقد نجحت الكنائس ـ بالفعل ـ في الوصول إلى مبتغاها هذا باستخدام أساليب غسيل المخ الجماعية التي يجريها الكهنة على النشأ منذ طفولتهم ( راجع سلسلة كتابات الكاتب عن : سيكلوجية الدين والتدين ) ..!!!
ومن أكبر الأدلة ـ الواقعية ـ على نجاح تشكيل فكر " صناعة القبول .. أو هندسة القبول " .. لدى الجموع .. هو رفض الفرد المسيحي الحوار ـ بشكل مطلق ـ مع الفرد المسلم حول معنى عقيدته المسيحية وما تحويه من خرافات وأساطير لا تتفق مع أدني المعارف العلمية في العصر الحديث . وليس هذا فحسب .. بل أن الكنيسة نفسها ترفض الحوار ـ العقائدي ـ وبشكل مطلق مع رجال الدين والمفكرين الإسلاميين . ولا تقبل بالحوار إلا فيما تفرضه هي ـ مسبقا ـ من مواضيع على مائدة الحوار .. على ألا يخرج الحوار عن هذه المواضيع ..!!! وعادة ما تكون جميع المواضيع المفروضة من قبل الكنيسة .. تنحصر في بعض المسائل أو الأبعاد الاجتماعية المحدودة فقط .. وتكون بعيدة كل البعد عن أسس العقيدة المسيحية نفسها .. وهي الأسس التي تقوم على ألوهية المسيح ( عيسى بن مريم .. عليه السلام ) .. ومعنى الفداء والصلب ..!!!
· نهاية التاريخ .. النموذج القرآني ..
وفي مواجهة هذا الفكر أصبح لا مناص من البحث عن " نهاية التاريخ " بمعناه الحقيقي والشامل بعد أن تأصلت المعاني المنحطة واللا أخلاقية التي يفرضها نصوص الكتاب المقدس في الفكر الغربي ( على سبيل المثال : حروب الإبادة الشاملة التي يجريها شعوب العالم المسيحي على شعوب العالم الإسلامي ـ في الوقت الحاضر ـ ومحو الإسلام من الوجود ) .. والتي لن تؤدي ـ وبما لا يدع مجالا لأي شك ـ ليس إلى هلاك البشرية فحسب .. بل إلى اندثار الحضارة الإنسانية أيضا .. وبالكامل ..!!!
وهنا كان علينا الانتقال من الفكر الغربي .. إلى الفكر الإسلامي لنرى معنى " نهاية التاريخ " .. من المنظور القرآني ( أي المنظور الإلهي .. من وجهة النظر الإسلامية ) . وفي الصفحات القليلة الباقية سوف نرى أن الفكر الإسلامي لنهاية التاريخ يتحرك على ستة محاور أساسية .. سوف أقوم بعرضها فيما يلي .
ولكن قبل عرض هذه المحاور أؤكد على أن هذا العرض ليس مبني على مجرد الإيمان ـ الأعمى أو الاعتباطي ـ بالدين الإسلامي فحسب ؛ فقد بينت ببراهين علمية صارمة ـ وبما لا يدع مجالا لأي شك ـ أن الدين الإسلامي هو قضية علمية كلية .. يمكن التثبت من صدقها بطرق متعددة وتجارب غير محدودة .. بعكس النظريات العلمية الكبرى المعاصرة والتي يثبت صحتها من عدد محدود وقليل جدا من التجارب الدالة على صحتها ..!!! وكل ما عدا الدين الإسلامي .. فهي أديان يسهل جدا البرهنة المطلقة على خرافتها ووثنيتها ..!!! والآن إلى هذه المحاور ..
المحور الأول : بداية نجد أن الفكر الإسلامي قد نقل القضية الدينية من حيز الوهم ( أي الإنسان مصدر وجود الإله وليس الإله هو الخالق للإنسان ) ، ومن حيز الاعتقاد ( بدون برهان ) إلى حيز القضايا العلمية الكلية ذات البراهين الراسخة . أو بمعنى آخر نقل " القضية الدينية " من الحيز النسبي ( أي التسليم بصحة كل الأديان ) إلى " الحيز المطلق " ( أي دين واحد هو الصحيح وكل ما عداه باطل ) . وقدمت هذه النقلة الفكرية ببراهين راسخة مثل البراهين المستخدمة في النظريات العلمية الكبرى المعاصرة .
وتعرف هذه النقلة الفكرية باسم : " التحول في النموذج الديني : Paradigm Shift in Religion " . وهكذا ؛ أعطى الدين الإسلامي البرهان العلمي الدال على صحته .. وليس هذا فحسب .. بل أعطى أيضا المقاييس ( the measures ) الكافية التي يمكن استخدامها في البرهنة على صحة أي ديانة أو خطأها . وقد تمثل هذا العطاء في قوله تعالى في قرآنه المجيد .. في الآية التالية :
) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) (
( القرآن المجيد : النساء {4} : 174 )
ومن هذا المنظور .. أصبح لدينا من المنطق العلمي ما يكفي للبرهنة المطلقة على خرافة ووثنية الديانات الأخرى الموجودة على ساحة الفكر البشري .
المحور الثاني : يبين لنا القرآن المجيد أن التاريخ سوف ينتهي عندما تدرك البشرية بأن الدين الإسلامي هو الدين الحق الوحيد .. وهو الدين الذي سوف يسود في " نهاية التاريخ " البشري .. كما جاء قوله تعالى في قرآنه المجيد :
) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) (
( القرآن المجيد : الصف {61} : 9 )
المحور الثالث : أن التاريخ سوف ينتهي عندما يدرك الإنسان ـ ببراهين قاطعة ـ وجود الخالق العظيم له وللكون ( الله : سبحانه وتعالى ) .. أو بمعنى آخر عندما تنتهي حركة الإنسان إلى البرهنة المطلقة على وجود الله ـ سبحانه وتعالى ـ كما جاء قوله تعالى في قرآنه المجيد ..
) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) (
( القرآن المجيد : الإنشقاق {84} : 6 )
[ التفسير / الكدح : يشمل أيضا الملاحظة ونتائج التجارب الدالة / فملاقيه : تشمل أيضا بلوغ البشرية حقبة نهاية التاريخ .. أو بعد موت الإنسان والمواجهة مع الحق المطلق .. بعد أن تتكشف للإنسان الحقائق ]
وتنتهي الحضارة البشرية .. وبلوغ حقبة نهاية التاريخ .. بالمعرفة الحقة لله ـ سبحانه وتعالى ـ ويأتي هذا بنص مباشر في قوله تعالى ..
) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (42) (
( القرآن المجيد : النجم {53} : 39 - 42 )
[ التفسير / السعي : يشمل أيضا الملاحظة ونتائج التجارب الدالة / المنتهى : نهاية التاريخ بمعناه الشامل أي بمعنى نهاية حياة الإنسان وبمعنى الوصول إلى حقبة نهاية التاريخ البشري .. أي الوصول إلى الحالة الانتظامية ( steady state ) ]
ومن هذه الآيات الكريمة .. يمكننا أن نرى أن حقبة نهاية التاريخ سوف تبلغها البشرية : (1) عندما تجتمع على معرفة الإله الحق ( الله سبحانه وتعالى ) . (2) وعندما تجتمع على الدين الواحد الحق ( الدين الإسلامي ) . ويتم ذلك ـ بغض النظر عن الاعتقاد ـ ببراهين علمية راسخة كما تأتي في النظريات العلمية الكبرى .. والتي تؤيدها التجارب الكونية الدالة .. والتجارب المعملية الحسية التي تؤكد صدق هذه المعرفة .. وصحة هذا الاعتقاد .
المحور الرابع : أن التاريخ سوف ينتهي عندما يدرك الإنسان ـ ببراهين قاطعة ـ وجود الغايات من خلق الإنسان وأن عليه تحقيق هذه الغايات لكي يفوز بالسعادة الأبدية المنشودة . ويأتي هذا المعنى في قوله تعالى في قرآنه المجيد ..
) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) (
( القرآن المجيد : الأنبياء {21} : 16 - 18 )
وكما جاء في قوله تعالى ..
) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) (
( القرآن المجيد : المؤمنون {23} : 115 - 116 )
وكما نرى ؛ فإن هذه الآيات الكريمة .. تؤكد على وجود الغايات من الخلق ( لها مقالات أخرى ) .
المحور الخامس : حديث الرسول ( ص ) ( مسند أحمد ـ رواه حذيفة )
[ تكون نبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم تنقضي ، ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم تنقضى ، ثم يكون ملكاً عضوضاً ( وراثياً ) ما شاء الله له أن يكون ثم ينقضى ، ثم تكون جبرية ( ديكتاتوريات ) ما شاء الله لها أن تكون ثم تنقضى ، ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة تعم الأرض ]
وكما رأينا ـ من خلال عرض مرجع الكاتب السابق : " السقوط الأخير / تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر " ـ أن التسلسل التاريخي للدولة الإسلامية قد انطبق تمام الانطباق على هذا الحديث ، حيث جرى التاريخ على النحو التالي :
عصر النبوة : 570 ـ 632 م
عصر الخلافة الراشدة على منهاج النبوة : 632 ـ 661 م
عصر الملك العضوض ( توريث الحكم ) : 662 ـ 1924 م
عصر الديكتاتوريات ( ممالك وجمهوريات الرعب ) : 1924 ـ ....
عصر الخلافة الراشدة على منهاج النبوة : .. ـ إلى ما شاء الله
ونأمل أن نكون ـ في الوقت الحاضر ـ على أبواب انتهاء عصر الديكتاتوريات ، وبداية عصر الخلافة الراشدة مرة أخرى على منهاج النبوة ، وأكرر ـ للجهلة ـ أن الخلافة الراشدة لا تعني سوى النظام الجمهوري الديموقراطي الليبرالي ( أي حكم الشعب بالشعب بمعناها المثالي ) بالتعبير الحديث ، وأعتقد أن التحول في النموذج الديني ( أنظر كتابات الكاتب السابقة ) سوف يكون هو المدخل الوحيد إلى هذا العصر ، وهو التحول الذي ينقل القضية الدينية من " حيز الوهم والاعتقاد " إلى " حيز القضايا العلمية الراسخة " ، أو بمعنى آخر هو التحول الذي سوف ينقل القضية الدينية من " الحيز النسبي " إلى " الحيز المطلق " ، وعند هذه اللحظة الفارقة سوف تدرك البشرية ـ على أسس علمية وبراهين راسخة ـ معنى الدين ، ومعنى الوجود ، ومعنى الغايات من الخلق . وبهذه المعاني سوف " تتوحد البشرية حول معنى الدين الواحد الحق المطلق " ، وتسعى لتحقيق الغايات من خلقها ، وحينها فقط ـ وليس قبل هذا ـ سوف يعم السلام الدائم على الأرض بأشمل وأعم معانيه ..
وأود أن أنوه ـ هنا ـ أنني قد بينت في مرجعي السابق : " السقوط الأخير / تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر " ( الفصل الرابع : توريث الحكم .. وعقد الإمامة في الإسلام ) أن الإسلام العظيم لم يأت إلا بالديموقراطية الليبرالية ـ في نظام الحكم ـ بالمعنى المثالي .. وأن العيب ـ كل العيب ـ في الدولة الإسلامية الحالية .. يرجع إلى الأنظمة الطاغوتية الحاكمة .. كما يقع هذا العيب ـ أيضا ـ على عاتق شعوب العار التي استضعفتها هذه الطواغيت .. وليس العيب في المنهاج الإسلامي .. كما يحاول الغرب أن يروج لهذا المعنى بإعلامة المغرض .. والمخطط لهذا ..!!!
والفارق بين معنى : " الديموقراطية الليبرالية " .. وتحقيق أقصى إشباع مادي للإنسان .. في الفكر الغربي .. وبين معنى " الديموقراطية الليبرالية " .. وتحقيق أقصى إشباع مادي للإنسان ـ أيضا ـ في الفكر الإسلامي ولكن بالمعنى المثالي .. هو فارق أكبر من أن يحسب . ويرجع هذا الفارق إلى الخلفية الدينية في كلا المجتمعين .. أي المجتمع الإسلامي والمجتمع المسيحي .. وهو الفارق الجوهري بين القرآن العظيم .. وبين الكتاب المقدس ..!!!
ففي القرآن العظيم .. يقول الخالق العظيم ..
) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) (
( القرآن المجيد : النحل {16} : 90 )
ويموج القرآن العظيم بمكارم الأخلاق .. إلى حد قول الرسول الكريم ( ص ) .. ( رواه أبي هريره .. والبزار ) ..
[ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ]
بينما ـ في المقابل ـ نجد الكتاب المقدس لا يلعن الإله فحسب .. بل يجعل من الإله لعنة خالصة أيضا .. كما جاء هذا في النص ـ المقدس ..!!! ـ التالي ..
[ (13) إن المسيح ( الإله من المنظور المسيحي ) حررنا بالفداء من لعنة الشريعة ، إذ صار لعنة عوضا عنا ، لأنه قد كتب : " ملعون كل من علق على خشبة " ]
( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : غلاطية 3 : 13 )
وليس هذا فحسب .. بل ويلعن الكتاب المقدس كل من يعمل بالشريعة الإلهية .. أي كل من يعمل بمكارم الأخلاق .. كما نرى من النص ـ المقدس ..!!! ـ التالي ..
[ (10) أما جميع الذين على أعمال الشريعة ، فإنهم تحت اللعنة .. ]
( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : غلاطية 3 : 10 )
وهكذا ؛ سقط المقدس .. كما سقطت الأخلاق والقيم في المجتمع الغربي أو بمعنى أدق في المجتمع المسيحي .. بفضل الكتاب المقدس . وبديهي خير شاهد على هذا المعنى .. الأحداث المعاصرة .. وحروب الإبادة البشرية التي يجريها الغرب ـ أو العالم المسيحي ـ على شعوب العالم الإسلامي .. في فلسطين .. وأفغانستان .. والعراق .. والبوسنة .. وغيرها ..!!! بينما بقى للمقدس قدسيته .. وبقيت للأخلاق قيمها في المجتمع الإسلامي . بل وتخطى الإسلام العظيم فكر الديموقراطية الليبرالية .. وتحقيق أكبر إشباع مادي للإنسان ـ بالمعنى المثالي ـ إلى ما وراء ذلك بكثير . وهكذا ؛ يصبح نهاية التاريخ من المنظور الغربي جزئية مشوهة .. من المنظور المثالي الكامل والمتكامل الذي جاء به القرآن المجيد . فالقرآن العظيم هو الكتاب الذي :
- قام بتحرير الإنسان من العبودية للإنسان .
- وأمر بالإحسان إلى كل مخالفيه .
- دعى إلى السلام ( الإيجابي ) .. حتى مع أعتى أعدائه .
- حدد الغايات من خلق الإنسان ووجوده على هذا الكوكب .. كوكب الأرض .
- أنار طريق المعرفة أمام الإنسان .. ومفهوم ومعنى البعث والجزاء من نفس العمل .. إن خيرا فخير .. وإن شرا فشر .
- ألقى الضوء على معنى الوجود والمصير .
- ألقى الضوء على معنى الحياة الروحية والأبدية للإنسان ، كما حقق التوازن بين الجانب المادي والجانب الروحي للإنسان .
- وغيرها الكثير ..
بينما انتهى الغرب ـ في المقابل ـ بفضل الكتاب المقدس .. إلى الدارونية الاجتماعية ( أي نماذج اجتماعية أحط من المجتمعات الحيوانية .. خصوصا في علاقتها بالآخر ) .. والتي تتخفى في ثياب الديموقراطية الليبرالية . وهي الديموقراطية التي عملت على إطلاق العنان لشهوات الإنسان ورغباته .. بلا قيود ..!!! فالكتاب المقدس هو الكتاب الذي :
- أباح استعباد الإنسان لأخيه الإنسان .
- أمر بإبادة كل مخالفيه ( وهو ما يعني تشريع الإبادة للبشرية ) ..!!!
- دمر الأخلاق والقيم الإنسانية .
- جعل من كل الموبقات حلالا .. بل وجعل التمادي في اقتراف الموبقات سببا في بلوغ ملكوت السماء ـ هذا إن كان لهم ملكوتا ..!!!
- كما غيب مفهوم البعث والحساب والجزاء .. وبهذا غيب الضمير الأخلاقي عند الإنسان على نحو قطعي ..!!!
وهذا هو الفارق بين نهاية التاريخ بالمفهوم الغربي .. ونهاية التاريخ بالمفهوم الإسلامي .
المحور السادس : سوف نصل إلى حقبة نهاية التاريخ .. عندما تصل البشرية إلى أوج حضارتها .. وتنتهي إلى قرب سقف المعرفة البشرية .. كما جاء في قوله تعالى ..
) .. حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) (
( القرآن المجيد : يونس {10} : 24 )
ويستطيع القاريء المدقق رؤية الدقة القرآنية في قوله تعالى .. ) .. أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا .. ( والذي يعنى أن نهاية الأرض سوف تنتهي كلها مرة واحدة .. أي نصفها ليل ونصفها الآخر نهار ..!!! وعند النهاية .. تتطاير الأخبار في كل الدنيا .. بهذا الأمر الجلل .. كما جاء في قوله تعالى ..
) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) (
( القرآن المجيد : الزلزلة {99} : 4 - 8 )
فهي غايات من الخلق .. فهل وعى الإنسان هذا ..؟!!!
ويبقى أن أشير ـ هنا ـ إلى أن التطور التنكنولوجي الذي قد يحققه الإنسان في نهاية الزمان .. قد يسمح للإنسان بمغادرة الأرض وانطلاقه في الفضاء الخارجي إلى السماء .. بعيدا عن المجموعة الشمسية وقت حدوث كارثة النهاية .. ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان سوف يكون بمنأى عن القدرة والقدر الإلهي .. بل ستطوله هذه القدرة ـ حتى وهو في الفضاء الخارجي ـ شأنه في ذلك شأن كل سكان الأرض جميعا عند نهاية الحياة .. كما جاء في قوله تعالى ..
) وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) (
( القرآن المجيد : العنكبوت {29} : 22 )
[ التفسير : ( وما أنتم بمعجزين ) : أي ببعيدين وفائتين من قدرة الله سبحانه وتعالى ]
وفي قوله تعالى ..
) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ (47) (
( القرآن المجيد : النحل {16} : 22 )
[ التفسير : ( أو يأخذهم في تقلبهم ) في جميع صور أسفارهم في الفضاء أو في غيره / ( فما هم بمعجزين ) أي ببعيدين وفائتين من بين يدي القدرة الإلهية / ( أو يأخذهم على تخوف ) تنقص شيئا فشيئا حتى يهلك الجميع حال من الفاعل أو المفعول ( فإن ربكم لرؤوف رحيم ) ]
فهي غايات من الخلق .. فهل وعى الإنسان هذا ..؟!!!
وهذا ما كان يحزن الرسول ( ص ) ـ ويحزننا معه ـ على البشرية الضالة .. لتأتي التعزية للرسول ( ص ) ولنا .. في قوله تعالى ..
) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) (
( القرآن المجيد : الكهف {18} : 6-8 )
[ التفسير : فلعلك باخع ) مهلك ( نفسك على آثارهم ) بعدهم أي بعد توليهم عنك ( إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ) القرآن ( أسفا ) حزنا منك لحرصك على إيمانهم / صعيدا : فتاتا / جرزا : يابسا لا ينبت ]
وما زلت أردد .. إنا لا أدافع في كل مقالاتي عن الإسلام وحده .. بقدر ما أدافع عن البشرية جمعاء .. كما قال الرسول الكريم ( ص ) في حديث الجنادب ( رواه مسلم ، ورواه أحمد في ثلاث مواقع ) :
[ .. مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي ]
عندما يكون الشعر هو الصورة النهائية للجمال عند العرب د. يسري عبد الغني عبد الله باحث ومحاضر في الدراسات الأدبية والنقدية والمقارنية عنوان المراسلات : 29 شارع محمد فرج الله / من شارع حسن التهامي / بريد غرب البساتين ( 11432) / حي البساتين / القاهرة / مصر. هاتف : 0223176705 أو 0223959261 جوال : 0105276260 اللغة والفنون الجميلة : لقد نالت اللغة العربية من العرب جُلَ اهتماماتهم ، وجندوا من أجل إجادتها ، وإتقانها ، ودراستها ، كل مواهبهم ، فأودعوها كل أسرار الجمال ، وقامت عندهم مقام كل ما عرف من فنون الجمال الأخرى . لقد استطاع العرب أن يحملوا لغتهم العربية الجميلة كل ما تحمل الفنون الجميلة من ملهمات وأسرار . فالموسيقى بألوانها ، وأنغامها ، ومقاماتها ، قد حواها الشعر العربي في تفاعيله ، وبحوره ، وقوافيه . والتصوير قد تكفل به البيان العربي في براعة ودقة ، تجعل من الصور الكلامية صورة جلية واضحة مؤثرة . والنحت قد تضمنته البلاغة العربية (بعيداً عن التعقيدات التي لحقت بها في العصور المتأخرة ) ، فأقامت من الكلمات أشكالاً ماثلة ، جميلة معبرة بكل أصباغها وألوانها . والتمثيل له في الكلمة مكانة ومقامة ، فلقد كانت البلاغة العربية ، والبيان العربي بوجه عام ، مسرحاً حياً ، قامت فيه الكلمات والعبارات مكان الشخوص تحاور وتجادل وتناقش ، وتغدوا وتروح ، فإذا أنت منها بمشهد من مشاهد التمثيل لأعظم الروايات ، وعلى أعظم المسارح . (1) اللغة الشاعرة : وهكذا ، فإننا نجد اللغة العربية قد احتوت الكثير من أسرار جمال الفنون ، ومظاهرها ، والذي عاون على ذلك هو طبيعة اللغة العربية ، بما فيها من موسيقى وجمال . فهي اللغة الشاعرة ، أو لغة الوزن فعلاً أو سماعاً ، كما يقول أستاذنا / عباس محمود العقاد (رحمه الله ) ، والذي يستطرد في تأكيد هذا المعنى ، وتوضيحه ، بقوله : ولا جدال في أن الألفاظ العربية نفسها مخلوقة على أنماط موسيقية ، ولعل ذلك مما جعل أشعارنا أغنى أشعار الدنيا بالموسيقى ، وجعلها أكثر من غيرها قبولاً للترنيم والترديد والتلحين . ومن أجل ذلك كانت الألفاظ نفسها في اللغة العربية كيانات موسيقية ، ولقد كانت هذه اللغة الشاعرة بفضل ما فيها من : اتساع وكثرة وطواعية وموسيقية ،أكبر عون على نجاح فن الشعر (ديوان العرب وفنهم الأول ) ، وجعله أكثر فنون العرب شهرة ، وأكثر أشعار الأمم انتشاراً ، بما تضمنته من ألوان الجمال ، وأسرار المتعة .(2) حتى لقد كان الشعر هو الصورة النهائية للجمال عند العرب ، ولذا أودعوه أسراره كثير من الفنون الجميلة الأخرى ، وأولها الموسيقى التي حرص العرب على انسجامها في الشعر حرصاً شديداً ، ومن أجلها صنفوا علمي العروض والقافية (علم موسيقى الشعر) . الموسيقى وغايات الشعر : والحق يقال إن الموسيقى أدت أدواراً متعددة في خدمة أهداف وغايات الشعر كفن من الفنون الجميلة ، فقد أصبحت إيقاعات الألفاظ مادة أساسية في الرمز يعبر بها الشعراء عن خلجات أنفسهم تعبيراً يقصد به إلى الإيماء بنفس الرنين والنغم . وكأنهم يريدون أن تكون موسيقى الشعر ، موسيقى تعبيرية (تصويرية ) تنقل أحوالهم الوجدانية ، وخواطرهم النفسية نقلاً موجزاً ، وكأنهم قد عرفوا معرفة تامة مدى تأثير النغم الجميل في السامع ، فهم يوقرونه في حرص شديد . وكأننا لا نستمع إلى ألفاظ فحسب ، وإنما نستمع أيضاً إلى موسيقى ينتظم فيها الإيقاع إلى أقصى حد ممكن . (3) الصقل عن طريق الغناء : ولم يقتصر أجدادنا على تضمين شعرهم فن الموسيقى ، وإتقانها فيه إلى هذه الدرجة الرائعة بل تغنوا به ، وصقلوه عن طريق الغناء ، حتى صار فناً غنائياً . ولا غرابة في ذلك فإن الموسيقى من مقدمات الغناء ودواعيه في التغني بالشعر إتماماً للمتعة الفنية ، وتتميماً للوحدة الجمالية فيه . ولذلك نجد الشاعر المخضرم / حسان بن ثابت (رضي الله عنه ) يوصي الشعراء بالتغني بالشعر ، لأن الغناء يصقله ، ويجوده . يقول حسان : [ تغن بالشعر ! ما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار .] الغناء والقيم الجمالية : وعن طريق الغناء ضمن الشعراء لشعرهم كثيراً من القيم الجمالية الغنية التأثير ، وأشربوه ماء السحر أو فلنقل ماء الفن الجميل المؤثر ، وغذوه روح الجمال ، وبذلك ثقف العرب شعرهم بالغناء ، وأقاموه على أصول موسيقية ، فكان من نتيجة ذلك أن صار من بين الفنون الجميلة . ندرك ذلك جيداً عندما نشدوا أو نتغنى بقول الشاعر الفارس / أبي فراس الحمداني ، وهو في الأسر يناجي حمامة ، فيقول : [ أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتاً لو تعلمين بحالــي معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ولا خطرت منك الهموم ببـال أيا جارتاً ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالــي تعالي تري روحاً لدي ضعيفة تردد في جسم يعذب بالـــي أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون ويندب سال؟ ! لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ولكن دمعي في الحوادث غال.] (4) وبعد ذلك ، أظنك معي ـ أيها القارئ المفضال ـ في أن هذا الشعر رق حتى ليكاد يذهل الإنسان عن نفسه فلا يتنبه إلا وهو يضرب على هذا الوتر الحنون الذي يعزف عليه الشاعر الفارس / أبو فراس الحمداني ، بنغمة الحزين . الأحاسيس والمشاعر : ولا تقل قدرة الشعر العربي على التصوير ، عن قدرته الموسيقية أو الغنائية ، حتى لنجد فيه المرآة الصافية الصادقة التي تبرز الأحاسيس ، وتعكس بجلاء المشاعر مهما دقت ورقت ، نحد ذلك عندما نقرأ هذه اللقطة الفنية للشاعر / خليل مردم عن طفل وأمه ، يقول فيها : [ هش لما حملته أمه ودنا من وجهها بالراحتيـــن جاز ما بينهما شوقهما قبلة تجزيه عنها قبلتيـــــن من رأى عيسى يناجي مريماً أو رأى الزهراء يناغيها الحسين وإذا ما عبثت في وجهه عبثاً أو دفعته باليديــــــن جمع الأنف وضم الشفتين وذوى اللحظ وهز المنكبيـــن وبدا الغيظ ولو دافعه والحيا في وجهه ممتزجيـــن لج بي فرط حناني فأنا من بكاءٍ وابتسام بين بيــــن بسمة حيرى أطافت بفمي حين حارت دمعتي بالمقلتين . ] (5) ولا يخالجني أدنى شك ـ عزيزي القارئ ـ في أنك ترى معي أن هذه الصورة تعد لوحة فنية رائعة الجمال ، زاهية الألوان ، بارزة الملامح والقسمات ، واضحة الحيوية ، وزعت فيها التقاسيم بدقة ، وركز فيها الشاعر على الحركة بطريقة جعلت القصيدة تكاد تكون صورة مجسمة ، وتكاد الملامح فيها أن تنطق بما شع فيها من إحساس . وقد بلغت الحبكة الفنية ذروتها ، عندما وجدنا الشاعر يفاجئنا بظهوره في الصورة ، وقد استبد به فرط الحنان ، واختلطت أحاسيسه ، فبينما ندت منه دمعة الإشفاق حارت على شفتيه بسمة السرور والسعادة . وإن كان الشاعر / خليل مردم قد استبد به فرط الإشفاق والحنان لمداعبة الطفل وأمه ، فلقد استبد بنا فرط الإعجاب بهذه الأبيات فلا ندري أهي لوحة مصورة أم هي صورة شعرية ؟ ! . عندما يقاسم الشعر الفنون ميزاتها : الشعر العربي في تاريخه الطويل قاسم كثيراً من الفنون الجميلة ميزاتها ، بل أننا كثيراً ما نجدها مجتمعة في قصائده ، فبعضها قد نال من الموسيقى سحرها وأنغامها ، ومن الغناء شدوه وتطريبه ، ومن الرقص إيقاعه وتوقيعاته ، ومن التصوير وضوحه وجماله ، ومن الرسم نبضه وأحاسيسه ... أجل ، لقد أخذ الشعر من الموسيقى ألحانها العذبة المؤثرة ، ومن الغناء سحره ، ومن الرقص إيقاعه ، والشواهد على ذلك في شعرنا العربي أكثر مما تعد وتحصى . قيمة الشعر في الجوانب التهذيبية : غني عن البيان أن الشعر قد تفوق على الفنون الجميلة في جانب جمالي آخر على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية ، ونعني بذلك الجانب التهذيبي ، الذي يعد غاية الغايات للفنون الجميلة كلها ، مع كل الاحترام والتقدير للذين ينادون بمبدأ الفن للفن . في هذا الجانب الأخلاقي أو التهذيبي ، فإن الشعر العربي بلغ الذروة ، ونال كل الإعجاب ، فما جاء فيه من حكم ، وأمثال ، وأخلاق ، ونظرات صائبة ، وفلسفة ، ودعوات إلى الأخلاق الفاضلة والقيم الحميدة الصالحة ، يفوق كل تصور . بل إن الشعر العربي يجعل بناء الروح غاية من أجل غاياته ، فغاية الأدب كغاية الفنون الجميلة الأخرى ، وهو يشاركها فيما لها من آثار تربوية وتثقيفية وتهذيبية ، تعاون على ترقية الحياة والنهوض بها ، وإزالة جفوتها ، وتهوين مشاقها ، والكشف عن أسرار جمالها الحقيقية ، بل هو في هذا المجال يكاد يسبق الفنون الجميلة كلها ، وينفرد عنها بالثراء والوضوح . فالنقرأ معاً قول أبي الطيب المتنبي (شاعر العربية الأكبر) : [ ومراد النفوس أصغر من أن تتعادى فيه ، وأن تتفانى غير أن الفتى يلاقي المنايا كالحات ولا يلاقي الهوانا ] نجده يثير في أنفسنا عاطفتي العزة والكرامة والتشبث بهما ، ولكنه يأخذ بفكرنا إلى مجال فلسفي عميق ، فيقرر أن مقالب النفوس من الطعام والشراب واللباس لا تستدعي على وجه الإطلاق هذا التطاحن العنيف ، والتعادي الحاد ، وإذن فلماذا كل هذا الصدام والتناحر ؟! ، إنه لغاية أخرى هي الكرامة والحرية .(6) تحصيل المعاني الوجدانية : ومن هنا ندرك أن الشعر مع مشاركته لغيره من الفنون الجميلة الأخرى في جمال التصوير ، وقوة التأثير ، فإنه يحتفظ لنفسه بميزات لا توجد في غيره من بقية الفنون . ومن تلك الميزات أن الأديب المطبوع يستطيع بلطف تأليفه أن يريك من الحروف والكلمات شمائل الأشياء ، وصور الكائنات ، ويتجاوز في ذلك إلى تحصيل المعاني الوجدانية التي قلما تنالها تهاويل النقش ، وأصباغ التصوير . وكأن الأدب من هذه الناحية أرقى طبقات الفنون ، وأكرمها أثراً في النفس ، وهو بلا سبب نفحة إلهية فطرية متصلة بمشاعر النفوس ، وقوة الخيال . (7) مقياس جمال القول : والذي نرمي أن نصل إليه هو أن الشعر بخصوصه ، والأدب العربي بعمومه ، يتمتع بكثير من القيم الجمالية ، التي كانت موضوعاً للعمل الأدبي البليغ ، وهدفاً من أهدافه ، وحيثما وجدت البلاغة ازدهر نجم الجمال ، ومن هنا فإن الأدب البليغ ، أو الأدب الناجح هو ذلك الأدب الذي يؤثر في النفوس بجماله وروعته . ومقياس قوة التأثير من أدق المقاييس التي يجب أن يأخذها النقد الأدبي في الحسبان ، وذلك من أجل معرفة جمال القول وبلاغته . وإذا ما عرضنا نماذج من الأدب العربي على هذا المقياس ، فإننا سندرك مدى بلاغته وجماله . ولا ننس في هذا المقام ما شهد به الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم ) لقوة تأثير الأدب الجميل ، في قوله (صلى الله عليه وسلم) : "إن من البيان لسحراً ، وإن من الشعر لحكمة " . والعرب أنفسهم قد أدركوا جمال القرآن الكريم بمعانيه وحلاوته وطلاوته ، وقوة تأثيره ، وشهدوا له بأنه يعلو ، ولا يعلى عليه . ولقوة تأثير الشعر عدوه من خير صناعاتهم وأنفعها على حدد تعبير الفاروق / عمر بن الخطاب (رضي الله عنه ) ، في قوله : "خير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته يستميل بها الكريم ، ويستعطف بها اللئيم " (8) فمن غايات الشعر الذي هو في الأساس تعبير عن المشاعر والأحاسيس ، وعكس الواقع المعاش ، من غاياته هنا الاستمالة والاستعطاف . الشعر والأماني الغالية : ولمعرفة العرب بجمال القول وتأثيره في النفوس ، اعتبروا الشعر متعة ، بل وتحية للضيف ، فيقول قائلهم : [ لحافي لحاف الضيف ، والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع أحدثه إن الحديث من القِرى وتعلم نفسي أنه سوف يهجع .] وجمال القول يبلغ منتهاه عندما يكون أحد الأماني الغالية التي يسعى المرء أو يعيش من أجلها . يقول الفاروق / عمر بن الخطاب (رضي الله عنه ) : "لولا أن أسير في سبيل الله ، وأن أضع جبهتي له ، وأن أجالس أقواماً ينتقون أطايب الحديث ، كما ينتقون أطايب الثمر ، لم أبال أنني قدمت ." (9) فالفاروق / عمر بن الخطاب يرفع من شأن أطايب الحديث والكلم ، حتى أنه يجعلها مع الجهاد في سبيل الله تعالى ، والسجود له ، في نسق واحد . ولعل ذلك يؤكد لنا مدى معرفة أهل العربية بلغتهم الجميلة ، إدراكهم الواعي لقيمة الكلمة ودورها في التربية والتهذيب والتعليم ، ودورها في البناء والتنمية ، ونهج الطريق المستقيم . إسلام عمر بن الخطاب والجمال الأدبي : ومن أوضح الدلائل على صدقي تأثير الجمال الأدبي قصة إسلام الحليفة الراشد / عمر بن الخطاب (رضي الله عنه ) ، الذي كان يعرف في الجاهلية بالجبار ، الذي خر باكياً أمام روعة القرآن الكريم ، وقوة تأثيره . فقيل أنه لما سمع القرآن من الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم ) رق له قلبه ، فبكى ، ودخل الإسلام راضياً مرضياً . ويؤكد أستاذنا / عباس محمود العقاد في كتابه (عبقرية عمر) ، على أن : بلاغة القرآن الكريم ، هي التي مالت بعمر إلى الرحمة والإيمان . مثال آخر : إسلام "الطفيل بن عمرو" : وما قصة إسلام سيد بني دوس (الطفيل بن عمرو) عنا ببعيدة ، فقد رووا أن سادة قريش عندما علموا بقدومه ، وكان شاعراً نبيلاً نبيهاً ، قرروا أن يستقبلوه قبل أن يدخل إلى مكة حتى يحولوا بينه وبين سماع القرآن الكريم من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خوفاً من أن يسلم ، فتسلم معه قبيلته ، فأسرعوا إليه ، وقالوا له : يا طفيل إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل (يقصدون محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) قد فرق بين جماعاتنا وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وأخيه وزوجته . وأضافوا قائلين : وإننا نخشى عليك وعلى قومك ... ثم مازالوا به حتى أقنعوه ، وقد أجمع أمره ألا يكلم محمد ، ولا يسمع منه ، ومضى إلى الكعبة ، وقد حشا أذنيه قطناً حتى لا يبلغه صوت الداعي إلى الإسلام . لكنه ما كاد يرى المصطفى (صلى الله عليه وسلم ) يصلي عند الكعبة حتى اقترب منه ، فنفذت إلى سمعه كلمات من القرآن الكريم . فقال طفيل : والله إني لرجل لبيب شاعر ، ما يخفى علي القول ، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان حسناً قبلته ، وإن كان قبيحاً تركته . ثم ذهب طفيل إلى بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقص عليه قصته ، فعرض عليه رسول الله أمره ، وتلى عليه من القرآن الكريم ما تيسر له ، فما كان من الطفيل بن عمرو إلا أن خشع وأسلم ، وما كان إسلامه إلا لروعة القرآن الكريم ، وصدق جماله ، وقوة تأثيره .(10) عندما يهز الشعر النفوس الكريمة : ويروي الجاحظ في كتابه الموسوعي (البيان والتبين) كثيراً من هذه الأمثلة التي هز فيها الشعر النفوس الكريمة ، كهذا الشعر الذي قالته قتيلة بنت النضر بن الحارث ، حين عرضت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وهو يطوف بالبيت الحرام ، واستوقفته ، وجذبته من ردائه ، وأنشدته شعرها بعد مقتل أبيها ، فلما سمع قولها : ـ [ أيا راكباً الأثيل مظنة من صبح خامسه وأنت موفق أبلغ به ميتاً بأن نحبه ما إن تزال بها الركائب تخفق مني إليه وعبرة سفوحه جادت لمانحها وأخرى تحقق هل يسمعن النضر إن ناديته ؟ أم كيف يسمع ميت لا ينطق ؟ ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشفق قسراً يقاد إلى المنية متعباً رسف المفتد وهو عان موثق أمحمد ها أنت نجل نجيبه من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضيرك لو مننت فربما من الفتى وهو المغيظ المُحنق أو كنت قابل فدية فلتأتين بأعز ما يغلو لديك وينفق
الفصول الفقهية شاهد على تراخي الجوهر الديني الشيخ إبراهيم الجفيري يعجز الإحصاء عن تقديم إحصائية دقيقة، عن عدد ما ألف في الفقه الإسلامي، والمسلمون في حقيقة الأمر، لا يشتكون من قلة، في مجال التأليف الفقهي، لكن جميع هذه الكتب الفقهية، أو أكثرها، التزمت مسارا واحدا، في تبويبها وفهرستها، من دون أن ترى فروقاً جوهرية، بين كتاب فقهي، ألف في القرن الهجري الثالث، أو ألف في القرن الخامس عشر، وهذه الفهرسة معروفة، تبدأ بفصل الطهارة والذي يبدأ عادة بالكلام عن أحكام المياه، ومن ثم يأتي الوضوء، تليه الصلاة وأحكامها، ثم الزكاة وبقية العبادات تباعا، وهكذا إلى أن ينتهي كل كتاب فقهي كامل، إلى فصل يسمى فصل الديات، وهي الأموال التي تدفع عوضا في الجناية على الإنسان. هذه هي فهرسة غالبية الكتب الفقهية بنسبة لا تقل عن 95%، ولا شك أنه ترتيب متميز كنسق فني، لكن ليس لهذا الترتيب أي فلسفة واقعية ذات أهمية، ولا هو بأمر الرسول (ص) ولم تلاحظ فيه الأولوية الفقهية الحقيقية، وإنما رتبت فصوله وفقاً للأولوية العملية للفرد المسلم، بعد أن انحسر الإسلام الحقيقي، من عقول المسلمين ونفوسهم، بفعل الإصرار الأموي الذي أصر على تفريغ الإسلام من محتواه، وتحويله إلى إسلام طيع في أيدي الولاة، يدور معهم حيثما داروا، فالمسلم الذي لم ير إلا هذا الإسلام، لا تعتبر أولويته، أولوية إسلامية، فالأهم عند هذا المسلم هي العبادة بمعناها السطحي ، العبادة التي لا علاقة لها بالعدل وإعمار الأرض ـ نعم العبادة هي الأهم في القرآن لكن بمعناها القرآني الشامل للحياة وإعمار الأرض على أساس العدل ـ فالأهم عند هذا المسلم هي العبادة وأهم عبادة هي الصلاة ولا صلاة إلا بطهور، لذلك ووفقا لهذا النسق، وهذه الأهمية، فإن الكتب الفقهية والبحوث والمدارس الفقهية، على مختلف مستوياتها، عادة ما تبدأ بفصل الطهارة مارة بالصلاة ومن ثم الزكاة وبقية العبادات ثم متابعة ذلك الترتيب إلى نهايته. ولو كنا في مقام النقد الفني، وكان عمل المسلم الفرد، هو الأساس في هذا التبويب، لحاز هذا الترتيب درجة الامتياز، إلا أن هذا النسق الفني في عرض الأبواب الفقهية ترك أثرا سلبيا، وبدرجات عالية على التفكير الفقهي، وعلى العقل الإسلامي بشكل عام وعلى الحياة، من حيث ندري أو من حيث لا ندري، ولو بقي الأمر مجرد تنسيق للفصول الفقهية لكان فضيلة فنية، إلا أنه تجاوز هذا الحد وخلق انطباعا بأن هذه الأبواب الفقهية مرتبة حسب أولويتها في الإسلام، وهاهنا تكمن المشكلة لذلك لا اعتراض على أصل الترتيب، إنما الاعتراض على النتيجة السلبية التي انتهينا إليها بسبب ذلك والتي كان أول ضحاياها العدالة في الحياة، إن النتيجة لذلك كانت نتيجة سلبية للغاية، فقد شكل هذا الترتيب، ذهنية تؤمن بأولويات مخالفة لأولويات الإسلام، ولسنا في حاجة إلى أدلة دامغة أكثر من ممارسة الفقهاء أنفسهم، فكم يبذل الفقيه من وقت وبحث وتدريس وجهود، منذ أن يبدأ أول كلمة حتى ينتهي فقط من أحكام المياه؟ كم يستهلك البحث الاستدلالي في فصل المياه وحده، من عمر الفقيه بكل إمكانياته الفقهية، بحثاً وتدريساً وكتابة؟ قد يستهلك ذلك من عمره سنوات، وقد تذهب زهرة شبابه العلمي قبل أن يكمل هذه الأبواب الفقهية المتاخمة لحدود فصل المياه، أو فصل الوضوء، ولذلك لا نستغرب إذا لاحظنا ظاهرة لافتة، في دائرة التأليف الفقهي، تتمثل في كثرة الكتب الناقصة، وكثير منها لم يتجاوز فصل الطهارة، بسبب السنين الطويلة المبذولة في هذه البحوث، فكان من الطبيعي أن ينتهي العمر المعتاد، قبل أن ينهي الفقيه كتابه، وربما غير بعيد عن الحقيقة أن الكتب الفقهية التي لم تكتمل أكثر من تلك التي اكتملت! فهل كل هذا البذل والجهد كان حسب الأولوية الصحيحة، هل أن الأولوية الفقهية لدى الإسلام متناسقة مع أولوية الفقهاء، وهل أن الفقهاء اعتنوا بمعرفة أولوية الإسلام الفقهية ثم حكموها في المجالات الفقهية بما في ذلك حق الأولوية في البحث والاستدلال وحق الشروع فيها قبل غيرها لما لها من الأولوية وما لها من تأثير على جميع الفصول الفقهية؟ أم أن ذلك لم يمر على تفكيرهم أساسا؟ إنه ليس معقولا أن يقوم كل هذا الصرح الكبير، من التشريع الإسلامي، من دون أن تكون له أولوية قصوى حاكمة، بمعنى سوء توزيعها على الفصول الفقهية ـ إن الذي ضيع كل هذه الجهود التي بذلت في الشأن الفقهي، وفي سائر حقول المعرفة الإسلامية، وما تزال تضيع، عدم الاكتراث ببلورة غاية الإسلام الأولى من كل هذا التشريع. إن الذي يبدو واضحا، هو أن هذا الجانب قد أهمل على الرغم من أهميته البالغة في الإسلام، فلم يُبذل من الجهد ما يكشف عن انتباه الفقهاء، لهذه الأهمية ولو كان لبان كما يقال، إن عدم اكتشاف هذه الأهمية، أدى إلى اعتبار أن الأحكام الشرعية بجميع فصولها في مستوى واحد، وبالتالي فرض هذا الاعتقاد على الفقهاء الابتداء دائما وأبداً بالترتيب السابق، والذي يعطي الفصول الأولى حصة الأسد من جهد العلماء، ولاشك أن ذلك أثّر سلبا على الفصول الأخرى، التي لها أهمية بالغة، حسب رؤية الإسلام الفقهية، فلم تنل حظها من البحث والإهتمام بها بما يتناسب ومكانتها في الإسلام، ونتيجة لذلك أيضاً فإن الفصول الفقهية المرتبطة بالعدل، تأتي دائما في الترتيب الفقهي متأخرة، فالديات مثلا ـ وهو فصل من فصول العدل مكانه في هيكلية الكتب الفقهية في نهايتها، وهكذا فصل القضاء والحكم بين الناس، ومن ثم ما يتعلق بالشأن المالي وعناوين لها أهميتها في إثراء الثقافة الحياتية وذات علاقة مباشرة بالعدل، مثل المضاربة، المساقاة، المزارعة، الكفالة، الصلح، الرهن، الشركة، العارية، الإجارة، الوقف، الصدقات، الغصب، إحياء الموات، طرق انتقال المال، تداوله كالهبة، الوصية، الإرث، الديون، وغيرها مما له علاقة بحياة الناس، تثري ثقافتهم العملية والفقهية، لكن من المؤكد أن كثيرا من المسلمين لم يسمعوا مجرد سمع، بأكثر هذه العناوين، وذلك بسبب التركيز المضاعف على الجانب العبادي الذي سهله الإسلام كثيرا، والذي لا مجال للاجتهاد فيه، حتى قال (ص): "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولو وزنا ما كتب في الفصول ذات العلاقة المباشرة بالناس وحقوقهم والتي اهتم بها الإسلام كثيرا، وبين ما كتب في العبادات المكفولة للمسلمين، والمحددة لهم، والتي كان يكفي فيها أقل القليل مما كتب فيها، لو قارنا بين ما بذل في هذا وذاك، لرجحت بكل تأكيد كفة العبادات، مع أن اهتمام الإسلام تشريعياً واضح بكل ما له علاقة بالعدل، أكثر من غيره، والقرآن خير ما نعتمده في هذا، فعدد الكلمات المتصلة بالظلم أكثر بكثير من كلمات الصلاة والعبادة والصوم. ولأن الأهمية الفقهية القصوى، لصالح العدل في الإسلام، وجدناه هو الحاكم في كل شيء، فالطهارة لا تجوز بماء مغصوب، ولا الصلاة في مكان مغصوب، ولا النكاح في مكان مغصوب، حتى الزنا القهري يسمى في عصرنا اغتصابا، تمييزا له عن زنا آخر، ولا أكل مال الآخرين، ولا كل ما يتجاوز دائرة العدل، ويتشدد الإسلام كلما اشتدت درجة الظلم، كموقفه من مال اليتيم، ويمكن أن نلاحظ هنا كيف تأثر الجانب الاجتماعي كموضوع تعدد الزوجات باليتامى وأموالهم ـ مع أن لنا تفسيراً آخر لموضوع التعدد لكنه لا يخرج عن هذه الدائرة دائرة العدل ـ وكل ذلك بسبب تحكيم العدل كمحور له أهميته الفقهية في الإسلام. إن الأولوية الفقهية يجب أن تنبع من اهتمام الإسلام بالعدل ونشره بين الناس عموم الناس، كما هو واضح من الغاية الكبرى لبعث الأنبياء عليهم السلام، قال سبحانه (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(الحديد: 25). إن قيام الناس بالقسط هي الغاية الكبرى لبعث الأنبياء، منذ أول نبي إلى خاتمهم صلى الله عليهم جميعا، وحينئذ يجب أن نتساءل، ألا يجب أن نرى روح هذه الغاية، منبثة في كل منعطفات هذا الدين وتشريعه وقضائه وعقائده وعباداته وسائر مجالات أحكامه وتشريعاته؟؟ حتى أننا لو ظفرنا بحكم يخالف هذه الغاية، وفي أي فصل فقهي ألغينا ذلك الحكم، بل لو وجدنا حكما شرعيا صحيحا، لكنه يستغل استغلالا ظالما، وجب تجميد هذه الحالة، والمنع من استغلال الحكم الشرعي، وفقاً للقاعدة التي أسسها، الرسول (ص) ومن منطلق أولوية العدل في الفقه الإسلامي (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، إنه لما كانت الغاية من الحكم الشرعي هو العدل ألغى الرسول (ص) حق سمرة بن جندب في التردد على نخلته، لأنه أراد استغلال الحكم الشرعي للإضرار بالآخرين, هذه هي الأولوية الفقهية وهكذا يجب أن تسيطر وتحكم، فكان من اللازم فقهيا اكتشافها أولا، ومن ثم العمل على تحكيمها بالمستوى الطبيعي المنطقي، الذي يؤدي بنا أخيراً أن تكون العدالة في مستواها الذي يريده الإسلام من حيث اهتمام الفقهاء بها، والدعوة إلى تطبيقها وإبراز أهميتها في ثقافة الناس الفقهية والعملية، ومن حيث حظها ونصيبها في البحث والاستدلال، ما يكشف مكانتها في الحياة، حتى يكون كل من العبادة والعدل في موقعه، ومن دون ذلك، لن تكون حتى العبادة في موقعها المناسب، لأن موقعها المناسب حينما ترتبط هي أيضاً بالعدل قال سبحانه (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(لقمان: 13). جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية