بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ياسمين شملاوي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 11
أطفال فلسطين تحت حراب الاحتلال
دراسة للكاتبة : ياسمين شملاوي
_ القاضي الإسرائيلي العسكري للطفل (ماجد جرادات ) 13 عام من الخليل الذي حكم علية بالسجن لمدة عام لأنه استعمل المقلاع صوب جنود الاحتلال ( الم تعلم أن داوود الصغير قتل جالوت الكبير بالمقلاع الصغير .. )
_ الطفلة المقدسية ( رهام المسلماني ) ابنة 6 أعوام شقيقة الشهيد الطفل ( مجدي المسلماني ) لا تنفك تخاطب والدتها يوميا ( تتذكري يا ماما لما كان مجدي يرجع كل يوم من المدرسة يحملني ويعبطني ويبوسني ... )
_ قائد عسكري إسرائيلي ( .. يجب علينا أن نزرع الخوف والجبن في نفوس الأطفال الفلسطينين حتى نقتل روح المقاومة لدى الأجيال القادمة ) .
_ نسبه كبيره من الجنود الإسرائيليين تجاوزت 55% يفضلون استهداف الأطفال
الفلسطينيين .( استطلاعات الرأي إسرائيليه) .
_ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قامت أكثر من مرة بإنشاء برامج وخطط تهدف إلى
ترويع الأطفال الفلسطينيين ( وسائل إعلام إسرائيليه ) .
_ 38% من ضحايا الانتفاضة هم من الأطفال .
_ 52 % من سكان المجتمع الفلسطيني هم من الأطفال .
_ 19,2% من الشهداء هم من الأطفال .
_ 56,8% من الفقراء هم من الأطفال .
خلال ما يقارب السبع سنوات الماضية من عمر الانتفاضة وبتجميع لأكثر من مصدر إحصائي فأنه استشهد ما يقارب ( 1000) طفل , وأصيب وجرح أكثر من ( 18,800) ألف بينهم (750) معاق. واعتقل ما يزيد عن ( 6000 ) لازال منهم ما يزيد عن ( 500 ) طفل وراء الجدران أصغرهم الطفل محمد نمر الخواجا (13) عام من قرية بلعين / رام الله.
*******************************
حينما شرعت في جمع المواد لهذه الدراسة ... كنت مفعمة بالحيوية والنشاط .. يخذوني الأمل بان أساهم بإنتاج بسيط في فضح هذه المؤسسة العسكرية الغاشمة التي وضعت وفق شرائعها اللا أخلاقيه استهداف الطفولة الفلسطينية ....
وكنت كلما وقعت على المزيد من المواد كلما شعرت بالألم والغضب ... وكأنني اسمع عنها أول مرة ... وبعض هذه المشاهد تمر أمامي لتذكرني بذكرى أحبة بالأمس كانوا كلهم عوادي ...
وقد هالني حجم ونوعية هذه الممارسات .. و تسمرت في كثير من الأحيان عاجزة تخونني الكلمات في وصفها أو وضع العناوين لها ... ورغم طواعية الكلمات لدي ... إلا أن قاموس القتل والبطش وجرائم الحرب هو قاموس شبه خاوي لدي ... وأظنه فاض واغرورق عيناه ورجفت فرائضه ... مما وقف عليه من مفردات جديدة وكلمات عابرة .. وعبارات تركيبية وبيانيه ...أقف وإياكم عند بعضا منها..:-
· أطفال بلا طفولة ...
· طفولة مع وقف التنفيذ ...
· طفولة فلسطينية مبتورة ..
· أطفال فلسطين والموت البطيء ....
· حرب إبادة جماعية ضد أطفال فلسطين ...
· جرائم حرب وقتل ممنهج ضد أطفال فلسطين ....
· قتل أطفال فلسطين أصبح رغبة وغاية لدى الجنود الاسرائيلين ...
· العبثية الطفولية الفلسطينية تواجه بالعبثية العسكرية والفكرية الاسرائليه ...
· طفولة بريئة تذبح وتنتهك أمام ومرأى العالم الحر و دعاة حقوق الإنسان ....
· أيدي احتلالية تعبث بمقدرات ومستقبل أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم فلسطينيو الهوية .
وفي هذه المرحلة من الاسترسال وأمام ما انتابني من أحاسيس الفتور والقلق والشرود كان يحضرني ويحضنني كلمات الراحل العظيم ..(ياسر عرفات )...
( إنها عيون أطفال فلسطين التي تشد من عزمي وتمنحني القوة وأمامها اشعر بثقل المسؤولية .. .)
فيلهمني ذالك معاني المسؤولية والأمانة تجاه هؤلاء الأطفال .. ويشدد ذلك من شكيمتي في المضي قدما في فضح هذه الممارسات الاسرائليه الممنهجة بحق طفولتنا البريئة ... لعل وعسى أن تجد من يسمعها في عالم أصم أبكم .
· ولعل هذه الدراسة تحول إلى رسالة تقرع أبواب السلاطين والعروش والممالك ...على قاعدة ( لعلك أسمعت لو ناديت حيا .. ولكن .. )....... أم أن الكرامة العربية قدر لها أن تكفن بالعباءة الأمريكية .. وتدفن في صحراء الأمجاد الأموية والعباسية ...
( أمجاد... . وامعتصماه ... واطفولتاه ... وا فلسطيناه ) .
· جميع المعطيات الإحصائية ومدلولات استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام خاصة الإسرائيلية منها تشير إلى أن ...الطفولة الفلسطينية وقعت ضخيه القرار الإسرائيلي الممنهج بالاستهداف والقمع المقصود والمبرمج .
وان ما يحدث من ممارسات للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية , ليس عبثيا أو عفويا إنما يؤكد استهداف هؤلاء الأطفال بشتى وسائل القتل والدمار جاعلة هؤلاء الأطفال مسرحا لتجارب ومستلزمات مهنة ( الموت الأسود ) وما تتطلبه من استعراض للقوة العسكرية واستخداما للأسلحة الفتاكة .
· وتؤكد هذه المعطيات أن الجنود الإسرائيليين وما يمثلونه وبنسبه ( 55 % ) يفضلون استهداف الأطفال الذين يشكلون أكثر من 52,2% من مجموع سكان المجتمع الفلسطيني .
· إن استهداف وقتل الطفولة باتت لعبه يتقنها جنود الاحتلال ويتفننون بها موظفين كل إمكانياتهم وطاقاتهم لكسب المعركة الوهمية مستخدمين الإعدام الحقيقي كل يوم اتجاههم على مسمع ومرأى ممن يسمون أنفسهم بالعالم الحر .
** وليس من الصدفة أن يكون ما نسبته 38% من ضحايا القمع الإسرائيلي هم من الأطفال الذين يتعرضون يوميا ضحايا لاحتراف الجندي الإسرائيلي لمهارة القتل والتعذيب والإيذاء وساديته في تحقيق الانتصار المزعوم حتى ضد الأطفال الأبرياء. ذاهبين بذلك إلى أن هذا الاستهداف من شأنه إضعاف هذه الفئة الفاعلة وقتل الروح النضالية الرافضة للاحتلال لديهم مما يساعد على كسر إرادتهم ووقف نموهم العددي .
· ووفق كم لا حصر له من الشواهد والأدلة والمعطيات الموثقة فأن المذبحة الصهيونية ضد الطفولة الفلسطينية متجددة وطويلة ومستمرة مع سبق الإصرار والترصد الإجرامي رامية لتحويل حياه الطفل الفلسطيني إلى جحيم دائم وقلق مستمر وقتل أحلامهم وطموحهم في الحرية والحياة والاستقلال غير مميزين ما بين الطفل الرضيع أو الطفل الفتى ..... لتغدوا يوميات الطفل الفلسطيني مليئة بشتى إشكال الألم والعذاب والمعاناة التي لا نهاية لها بلا سقف وبلا حدود .
`` وخير دليل على فضح المشهد الإسرائيلي ما كتبه وأكده الصحفي الإسرائيلي ( كوبي ينيف ) حين كشف النقاب على خطورة الفتاوى الدينية التي تحولت لتعليمات عسكريه تبيح قنص الأطفال الفلسطينيين مؤكدا أن هناك دورات خاصة للقنص ينجح خريجوها وبتفوق في إصابة رؤوس الأطفال وقتلهم .... ويلقون كل التقدير والاحترام لان المقابر في المناطق الفلسطينية امتلأت بالأطفال ... الذين قتلوا بالطلقات البلاستيكية( التي لا تقتل أو دفاعا عن النفس ) .
· يضيف هذا الصحفي الإسرائيلي الجريء وما دمنا نتبع سياسة اقتلهم وهم صغار .... فلماذا ننتظر حتى يصلوا لسن 11 سنه ؟ ولماذا لا نقتلهم وهم أبناء ثلاثة أو أربعة أو حتى أبناء شهور .... ولماذا لا نقتلهم وهم حتى قبل ان يولدوا ..... وهم في رحم أمهاتهم ؟ ! .
· إذا بات من الواضح وفق معطيات المشهد الفلسطيني أن يوميات أجنده أطفال فلسطين مليئة مخضبة باللون الأحمر ودفاتر اليوميات الفلسطينية لم تخلوا يوميا وعلى مدار عمر الاحتلال من استشهاد أو إصابة أو ترويع عدد من الأطفال بل ولم يسلم هؤلاء الأطفال من استهدافهم بقذائف الدبابات ونيران القناصة وصواريخ المروحيات حتى وهم يلعبون أمام بيوتهم أو في حقولهم أو خلف مقاعد الدراسة .
مشاهد على الجريمة
مشهد رقم ..(1)
"ماريا أمن" ابنة الأعوام الستة..لم تعرف من الأمن إلا اسم عائلتها تواجه أبشع جريمة ترتكب بحق الإنسانية والطفولة،،فهي مصابة بشلل كامل في جسمها بعد تعرضها هي وعائلتها لقصف إسرائيلي في شهر أيار (مايو) 2006 استهدف تصفية أحد رجالات المقاومة الفلسطينية محمد دحدوح» فأصاب صاروخ أطلقه جيش الاحتلال الإسرائيلي السيارة التي تقلهم ، مما أدى إلى مقتل أمها، وأخيها، وجدتها وخالها، أما ماريا، فقد أصيبت بشظايا الانفجار مما حوّلها إلى طفلة مشلولة تماما عدا رأسها، ولا تزال غير قادرة على التنفس لوحدها، ومنذ ذلك الحين وماريا تقبع في كرسي متحرك في «مستشفى الين» في مدينة القدس المحتلة ولسان حالها يبكي على بقائها حية ويتوسل لباريها أن يلحقها بالأهل والأحبة.
مشهد رقم..(2)
ولم يتوقف مسلسل استهداف الأطفال عند "ماريا" ففي مشهد آخر في يوم من أيام يونيو 2007عائلة أبو غزالة التي تقطن شمال قطاع غزة فجعت هي أيضا بمقتل أطفالها يحيى (12 عاما) ومحمد (9 أعوام) وسارة (9 أعوام) حين مزقت قذيفة إسرائيلية أجسادهم إربا في 29 أغسطس/آب الماضي إثناء لهوهم ولعبهم في الأرض الزراعية التي يملكها آباؤهم،، قذيفة دفنت أحلامهم البريئة وحولت طموحهم وحبهم للحياة إلى ركام أحلام وطمست معالم البراءة،،
وفق الشهادات الفلسطينية الحية كان الطفلان يحيى رمضان أبو غزالة ومحمود سليمان أبو غزالة، وابنة عمهما سارة يلعبون مع مجموعة من الأطفال شرق بيت حانون حينما أطلقت دبابة احتلالية قذيفة قاتلة باتجاههم، فتحول الثلاثة إلى جثث وصلت إلى المشفى أشلاء مقطعة اختلطت مع بعضها بعضا عظما ولحما ...ومعنا.. (عن المواقع والوكالات الفلسطينية) ،
مشهد رقم...(3)
في الرابع عشر من يونيو 2007 أعلنت مصادر طبية فلسطينية عن استشهاد خمسة أطفال فلسطينيين، وإصابة عدد آخر من عائلة واحدة ـ عائلة أبو مطرود ـ في قصف مدفعي احتلالي لمنطقة الشوكة شرق مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، وقد وصلوا إلى مشفى أبو يوسف النجار أشلاء ممزقة جراء شدة الانفجار.
مشهد رقم.(4)
أما الطفلة زينة فادي عبد المرعي حمد ( 8 أعوام ), من بلدة رامين شرق طولكم,والتي استشهدت متأثرة بجراح خطيرة في الرأس أصيبت بها عندما أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار بشكل عشوائي تجاه المواطنين شرق مدينة طولكم .
مشهد رقم...(5)
غزة- معا- استشهد الفتى الفلسطيني محمود كايد الكفافي ( 17عاما) بعد أن دهسته جرافة احتلالية متوغلة في منطقة جحر الديك شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة.
مشهد رقم...(6)
وقبل ذلك بأيام أيضا استشهد الطفلان احمد أبو زبيدة وزاهر المجدلاوي برصاص قوة وحدة إسرائيلية خاصة كانت تتواجد في مستعمرة «دوغيت» سابقاً في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وقال شهود عيان إن الطفلين اللذين يبلغان من العمر 12 عاماً كانا يقومان بصيد الطيور في هذه المنطقة عن موقع عرب 48 «02 - 06 - 2007».
مشهد رقم..(7)
أما نورا" فهي طفلة في الخامسة عشر، استشهدت على حاجز عسكري بطولكرم، عند محاولتها طعن جندي احتلالي. كانت طفلة متفوقة، وجميلة، ومرهفة الإحساس، وربما لأنها كانت كذلك، فعلت ما فعلته، ورحلت.
*ومن عرف كفاح عبيد ومعتز ومحمود سكر، أطفالا لم يعرفوا التقاعس يوما، ماتوا في خط المواجه الأول، ماتوا وشكلوا من موتهم انتصار، أطفالا ضحوا بالذات من أجل حماية ذاتهم، فمن يذكر هؤلاء...ومن لا يذكرهم..أوردنا مشهدهم الشاهد على خلودهم في سفر الذاكرة الفلسطينية .
مشهد رقم...(8)
وكانت «كاميرا الجزيرة» قد أضافت لنا مرة مشهداً موثقاً بالبث الحي والمباشر لأبشع الجرائم الصهيونية، حينما «اقتنصت» صوراً حية للقناصة الصهاينة وهم يسقطون عدداً من الأطفال الفلسطينيين واحداً فوق الآخر، كان ذلك مساء السبت في منتصف يناير 2005 حينما قنص أحد القناصة الصهاينة المرابطون قرب بوابة صلاح الدين على الحدود المصرية الفلسطينية طفلاً فلسطينياً بريئاً اعزل مجرداً من كل شيء إلا من براءة الطفولة. فأردوه فوق كومة من حجارة ركام أحد المنازل المهدمة بفعل قذيفة دبابة أو صاروخ مروحية أو جنازير دبابة أو جرافة عملاقة، ربما كان اسمه «حازم» أو «جمال» أو«علاء»، فسارع طفل فلسطيني آخر لا يحمل معه سوى شجاعته ونخوته وقهره، ربما كان اسمه (سلام) أو «براء» أو «فداء» ليعاجله قناص صهيوني آخر كان متربصاً له برصاصة غادرة، ربما أصابت رقبته أو صدره أو قلبه، ليتكوم بدوره فوق الطفل الأول.لم يتوقف المشهد هنا، إذ قفز طفل ثالث لا يحمل قنبلة أو بندقية ولا حتى حجراً... قفز بجرأة عز نظيرهاً محاولاً إنقاذ الطفل الثاني الجريح ولم ينجح .. فقد أرداه قناص صهيوني ثالث برصاصة مسمومة أصابت منه ربما مقتلاً، فسقط بدوره فوق الطفلين الأولين. لتزودنا كاميرا الجزيرة بذلك بلقطات حية لتبين للعالم كله بشاعة القتل اليومي الذي تنصبه كمائن الموت الصهيونية عن سبق نية وتبييت وإصرار إجرامي لا مثيل له في العالم.
مشهد رقم...(9)
الأطفال مرة أخرى..ولكن في مشهد أكثر دموية ووحشية خمسة أطفال غزيين قتلوا ثلاثة منهم ذكروا بخبر عابر في الصفحة 11 من" يديعوت احرنوت" الأمر الذي يعتبر مسألة تبعث على السقم بحد ذاتها- فعدم الإحساس الشعبي إزاء مقتلهم لا يمكنه أن يطمس حقيقة أن الجيش الإسرائيلي يشن حربا على الأطفال. ليس لهم ذنب إلا أنهم كانوا يلعبون لعبة الأطفال المعتادة (الزقطة)(واحد يمسك الآخر) قبل أن يمسكهم عن الحياة رصاص قناصة الموت الاسرئيلي. أما الطفلين الآخرين فقد كانوا بكل بساطة يجمعون الخروب.
مشهد رقم..(10)
ولمشهد الطفولة في طولكرم ما يشهد صارخا على وحشية وهمجية جنود الاحتلال الذين أطلقوا النار بكثافة على الطفل محمود إبراهيم القرناوي (11 عاماً) وأسقطوه من على شجرة التين التي كان يجني ثمارها، وتُرك ينزف على الأرض دون تقديم العلاج له، ودون النظر حتى إليه وهو يتلوى، وعندما سألت والدته احد الجنود"ابني عايش؟؟؟ فأجاب باستهزاء وباللغة العربية, "يمكن فيه الروح".والشئ الأصعب من ذلك، تقول شقيقته رقية أن الجنود طلبوا منها ان تقوم بجر أخيها الطفل الشهيد وتبعده عن شجرة التين، "إلا أنني رفضت، لكنهم ارهبوني وهددوني أنني سأقتل إن لم أفعل، فقمت بجره وإبعاده عن شجرة التين حيث كان رأسه مفتوحاً ومخه على الأرض والمشهد مخيف جداً،نعم انه مشهد حقيقي وليس فلما خياليا من إنتاج هيليوود.
مشهد رقم...(11)
أسيران رضيعان ممنوعان من إبصار النور في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
صبت إدارة سجون الاحتلال الصهيوني جل حقدها على طفلين أسيرين هما أصغر الأسرى في سجونها - دون العامين من عمرهما - وقررت منعهما من إبصار نور الشمس فيما يعرف بالخروج إلى " الفورة " المقررة بحق الأسرى يوميا ولمدة ساعتين . .منسقة ملف الأسيرات في لجنة أهالي الأسرى"سيما عنبص" أوضحت أن قوات الاحتلال أصدرت قراراً بحرمان الطفلة غادة جاسر أبو عمر ابنة الأسيرة خولة زيتاوي وتبلغ عشرة شهور من عمرها ، والطفل براء صبيح ابن الأسيرة سمر صبيح ويبلغ العام والنصف من الخروج من زنازين أمهاتهم..لان ما تعاقب به الأمهات المشاغبات ينطبق على الأبناء الذين من المكن أن يشاغبوا بالمستقبل والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تترك شيئا للصدف ..(من باب الاحتياط واجب ..)
مشهد رقم....(12)
معا-ندّد مركز فنون الطفل الفلسطيني بمدينة الخليل ، " بالجريمة البشعة التي ارتكبها جنود الاحتلال في الخليل بقتل الطفل أحمد عبد المحسن عبد الرحيم السكافي (14عاماً) بدم بارد " وكان الطفل الشهيد قد سقط بعد إطلاق الرصاص عليه من قبل جنود الاحتلال في منطقة لوزة جنوب غرب الخليل .
وأفادت مصادر طبية فلسطينية في المستشفى الأهلي أن الطفل السكافي قتل بطريقة وحشية وتركت الكلاب تنهش جسده.
وأضافت المصادر أن الطفل الشهيد وصل إلى المستشفى جثة هامدة حيث خرجت أمعاؤه خارج جسده بالإضافة إلى آثار نهش في يده اليمنى بفعل الكلاب البوليسية، وإصابته بعدة رصاصات في أنحاء مختلفة من جسمه.
مشهد رقم...(13)
المواطنة مها محمد إبراهيم قاطوني (30 عاما) هرعت فجر اليوم إلى غرفة أطفالها بعد سماعها صراخهم من صوت إطلاق الرصاص لمحاولة هدأتهم، لفاجأها رصاصة من قناص إسرائيلي اخترقت أسفل الظهر مروا بالجنين وخرجت من البطن.
مشهد رقم...(14)
قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ظهر اليوم، تلميذ مدرسة من قرية دير أبو مشعل غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية. وأبلغ مواطنون من القرية، أن الشهيد هو كريم خالد زهران (14 عاماً)..وكانت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، اقتحمت القرية، وسط إطلاق نار كثيف، مما أدى إلى إصابة الفتى بعدة رصاصات في الرأس والصدر، أثناء تواجده في الشارع العام.
مشهد رقم...(15)
وحين استذكار الشهداء من لا يذكر الأم التي استشهدت بشارع الفواغرة ببيت لحم، وأطفالها مكثوا بجانبها ثلاثة أيام، ومن لا يذكر عيسى زكري حينما قتل بدم بارد في بيته وابنته التي لم تتجاوز السنتين تداعبه وتلعب بدمه، ومن لا يذكر الطفلة ماريا أبو سريس(10 سنوات) التي قتلت برصاص الاحتلال وهي تلهو في غرفة بيتها، وأيضا رهام ورد "12عاما" عندما قتلت بغرفة صفها بمدينة جنين،
مشهد رقم....(16).
أما عائلة عويجان في نابلس،فإنها ما فتئت توجه الصرخة تلو الصرخة للمجتمع الدولي ولمؤسسات حقوق الإنسان ولكل المدافعين عن الحريات للتدخل لوضع حد لمعاناة نجلها فهمي سامر فهمي عويجان (6 سنوات)، الذي أبعدت سلطات الاحتلال والدته بعد اعتقال والده. وقال الحاج فهمي عويجان جد الطفل في تصريح لـ"وفـا"، يعيش حفيدي فهمي ظروفاً نفسية صعبة بسبب قيام قوات الاحتلال بعملها المشين وحرمانه من رعاية وحنان والديه. وأضاف أن سلطات الاحتلال، أبعدت والدته إلى الأردن بذريعة عدم حيازتها للهوية الفلسطينية، في حين تستمر في اعتقال والده.
مشهد رقم....(17)
القدس – وفي مشهد آخر نقرأ عن الطفلة عبير بسام العرامين (10 أعوام)، والتي أصيبت في مدرسة عناتا شمالي القدس وصارعت الموت ثلاثة أيام بعد أن دخلت في حالة موت سريري.وأعلن عن استشهادها بتاريخ 9/1/2007. في حقيبتها المدرسية الصغيرة...لم يكن سوى كتاب وأقلام ملونة لإنهاء لوحتها الأخيرة المليئة
بورود الربيع...الربيع الذي كانت انتظاره...لتلعب بطائراتها الورقية..
بعد أن انفجرت بقربها قنبلة غاز "طارت" على إثرها عبير في الهواء وسقطت على وجهها فكُسرت جمجمتها الصغيرة ..وأصيبت بنزيف في الدماغ .. وأكد شهود العيان، إلى أن العرامين أصيبت في وقت هادئ لم يوجد به أي مواجهات.فبأي ذنب قتلت عبير ...هذا ما كتب على شاهد قبرها..
مشهد رقم....(18)
أما ضباط الإسعاف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في (طولكرم) يروي لنا وفي مشهد آخر قرب الجدار .. شاهدت طفلة تنزف إلا ان جنود الاحتلال منعوني من تقديم الإسعافات الأولية لها رغم إصابتها الخطرة في يدها حيث أصيبت برصاصة أدت إلى قطع شريانها.. الطفلة دعاء عبد القادر لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها وهي في الصف الثامن بقي مقعدها الدراسي فارغا في مدرسة الخواجا بعد ان غادرته للمرة الأخيرة لرؤية جدار الفصل العنصري وعادت جثة هامدة. ...
وكانت دعاء قتلت بدم بارد على يد جندي احتلالي بدعوى اقترابها من السياج الأمني في منطقة طولكرم. وكان قناص أطلق النار على الطفلة دعاء بينما كانت تلهو هي وصديقتها بقرب بوابة جدار الفصل العنصري غرب قرية فرعون وكانتا تلبسان ملابس رياضية وتحملان حقيبتيهما المدرسية قبل أن يعاجلهما قناص بإطلاق الرصاص حيث أصيبت دعاء برصاصة تسببت بقطع شريان يدها ولم يسمح الجنود لسيارات الإسعاف بالوصول إليها وتركوها تنزف لمدة ساعة حتى لفظت أنفاسها الأخيرة.
*سلطات الاحتلال اعترفت بمسؤوليتها عن قتل الطفلة وقالت انه تم إيقاف ضابط وجندي إسرائيليين عن العمل بسبب مقتل الطفلة برصاص إسرائيلي وأكد الناطق الإسرائيلي أن الجندي استهدف الطفلة عمدا وأطلق عليها الرصاص دون سابق إنذار.
مشهد رقم...(19)
هكذا ببساطة الموت وقسوته التي عهدها الفلسطينيون وبأسبابه المتعددة سقطت قذيفة مدفعية على غرفة نوم الطفلة دام العز حماد "13" عاماً في رفح ، وقطعتها أشلاء مبعثرة ونثرت دماءها على جدران الغرفة المزينة بالألوان وبصور الأطفال.
ووجد الوالد طفلته الوحيدة بعد طول حرمان وقد غادرتها الروح أسفل عمود خرساني حفر في غرفتها حفرة استقرت هي في نهايتها فاستعان بالجيران للملمة بقية اللحم.. وصعدت روحها إلى باريها في شهر رمضان وهي صائمة ..لتلتحق بعصافير الجنة وطيورها
مشهد رقم...(20)
في ظهيرة الجمعة التاسع من يونيو 2006 قامت دولة الاحتلال باقتراف أبشع المذابح حيث محت أسرة (غالية)الفلسطينية كاملة عن الوجود... من الأب إلى إلام إلى الأطفال ومنهم من بقي حيا وفي مقدمتهم الطفلة المنكوبة هدى...؟ التي كان لمشهد استنهاضها لجثة والدها الشهيد ..وبحثها بين جثث أفرد عائلتها عمن يستجيب لصراخها وبكائها ما هز العالم وفضح مسلسل الأجرام والإبادة الذي يمتهنه جنود وقادة واحة الديمقراطية المزعومة..
الكاتب الاسرائيلي (يغئال سيرنا) في بيت الطفلة هدى غالية..
حيث سرد الكاتب الإسرائيلي الذي اصطحبه أبناء عمومة هدى إلى مكان المذبحة مقاله قائلا " لقد تجولت بين مواقع المآسي الإسرائيلية والفلسطينية لكن تركيزا للحزن والأسى كالذي شاهدته في بيت غالية لم أره في أي مكان آخر وكأن الرب أو الشيطان الذي كان في المكان أراد أن يجتمع هذا الكم من الحزن حتى غطى المكان وعلى شخص ما يكون يهوديا أو عربيا أن يتوقف للحظة ويقول كفى والى متى والى أي حد سنغرق في مستنقع الحرب المجنونة .
المشهد الأخير (الصحفي :بشار دراغمة)
ياسمين غسان شملاوي، كاتبة خرجت من رحم معاناة وطن مسلوب، من القصبة حيث الألم يتكرر مرتين، ومشاهد ذعر تتواصل على مدار ثلاثة عشر عام مضت، كلها سنوات شكلها في مجملها عمر الكاتبة وقصة وطن حزين، وطفولة مسلوبة لم تعرف في حياتها أكثر من الألم، المشهد دائما مرعب بكل تفاصيله، وسني الحياة لم تكن سهلة، الأيام كانت تحمل الكثير من التفاصيل.
اجتمعت الظروف، فولدت الفكرة، كانت كاتبة قبل أوانها، وشاهدة على عصر مختلف بكل مشاهده، فالمعاناة خلقت لدى ياسمين شملاوي روح الإبداع والمسؤولية فكانت الكاتبة، والمذيعة المتألقة، وفي لحظة ودون مقدمات نجدها فجأة وسط جمهور غفير ربما يودع شهيدا أو يحيي ذكرى فلسطينية فتكون ياسمين العريفة الأولى في ذلك المكان، بينما بعد دقائق نجدها على شاشات التلفزة، ترافق الأطفال، تشاركهم همهم، تبحث لهم عن كل جديد ومفيد وكأن الحياة ولدت من جديدة، بكل نجاح تجمع ياسمين ذلك في برنامجها التلفزيوني الأسبوعي الذي توجت من خلاله أصغر مقدمة برامج تلفزيونية في فلسطين.
بينما الحياة تسير بكل تفاصيلها الصعبة، الأمل يتسلل دائما، فيكون الطموح غد مشرق لأطفال فلسطينيين، وحياة مختلفة ، أقل ما فيها كرامة طفل تجسدت على الأرض كباقي أطفال العالم الحر، وأن لا نضيف مشهدا آخر وليبقى هذا المشهد الأخير.!!!!!!!!
أين المفر " أطفال فلسطين " البحر من أمامكم والعدو من خلفكم..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد العزيز المطاد
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 12
بسم الله الرحمن الرحيم
الأصول العربية الإسلامية لعلم المصطلح
ذ. عبد العزيز المطاد
جامعة ابن طفيل-المغرب
مقدمة:
إن المصطلح العلمي العربي يرتبط أشد الارتباط من حيث الأصل و النشأة بظهور العلوم و الصناعات و الفنون ونموها وتطورها و اكتمالها . فالعرب الأقدمون اهتموا بالقضايا العلمية –حسب روايات عديدة- قبل ظهور الإسلام ولكن النص القرآني مكن من تطور هذه العلوم ومن ظهور علوم أخرى سعت إلى خدمة القرآن الكريم و تفسيره وفهم ألفاظه ومصطلحاته ومفاهيمه وتراكيبه ومعانيه و وجوه إعجازه .واكتسبت اللغة العربية من خلاله قداسة جعلت العلم بها و بألفاظها ومصطلحاتها فرضا من فروض الكفايات . فالعلماء المسلمون اعتبروا العلم بالعربية و دراستها حماية للدين وللذكر الحكيم .
قال أبو منصور الثعالبي في مقدمة كتابه"فقه اللغة": "والعربية خير اللغات والألسنة ،والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم و مفتاح التفقه في الدين و سبب إصلاح المعاش والمعاد .ثم هي لإحراز الفضائل ،والاحتواء على المروءة و سائر أنواع المناقب .كالينبوع للماء ،والزند للنار .ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها . والوقوف على مجاريها ومصارفها،والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن .وزيادة البصيرة في إثبات النبوة الذي هو عمدة الإيمان لكفى بهما فضلا يحسن أثره ويطيب في الدارين ثمره" (-الثعالبي:"فقه اللغة" مقدمة الكتاب).
وقال السيوطي في المزهر:" ولاشك أن علم اللغة من الدين لأنه من فروض الكفايات وبه تعرف معاني ألفاظ القرآن والسنة."(السيوطي "المزهر"-ج2 ص302)
.
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"لايقرأ القرآن إلا عالم باللغة".
وقال الفارابي في خطبة ديوان الأدب:"القرآن كلام الله وتنزيله،فصل فيه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم .ولا سبيل إلى علمه وإدراك معانيه إلا بالتبصر في علم هذه اللغة".
وقال ابن فارس في كتابه"الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها":"القرآن نازل بلغة العرب ،ورسول الله صلى الله عليه وسلم عربي ،ومن أراد معرفة ما بكتاب الله عز وجل وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلمة عربية أو نظم عجيب لم يجد من العلم باللغة بدا".( ابن فارس :"الصاحبي"-ص64-بيروت )
وبفضل النص القرآني ظهرت مصطلحات وعلوم عربية كثيرة لم يسبق إليها كعلم التفسير و علم أصول الفقه وعلم الحديث ومصطلحه وعلم الكلام . كما ظهرت مناهج علمية كان العرب مبدعوها كمنهجية الجرح والتعديل في الحديث و الجمع والتدوين في اللغة...ولقد اعتبر بعض المستشرقين اللغة العربية أدق أداة وأخلصها لنقل بديع الفكر على الصعيد العالمي .
قال المستشرق ماسينون:"إن المنهج العلمي قد انطلق أول ما انطلق باللغة العربية ومن خلال العربية في الحضارة الأوروبية ." (-مناف مهدي محمد:المصطلح العلمي العربي قديما و حديثا- ص144)
ويعتقد كثير من المؤرخين الغربيين أن كثيرا من المناهج والنظريات العلمية صناعة عربية ، فقد سبق ابن الهيثم إلى تحديد مقياس سرعة الضوء وتقدير زوايا الإنعكاس والانكسار ، وسبق ابن النفيس السير وليام هارفي إلى اكتشاف الدورة الدموية الصغرى ،وكتب الإدريسي و الخازن عن قانون الجاذبية قبل نيوتن بقرون .بل ان الخازن ربط بين السرعة والثقل و المسافة ،وهي العلاقة التي صاغها نيوتن بعد ذلك في قوانين ومعادلات فيزيائية.أضف إلى ذلك أن الأطباء العرب عرفوا الجراحة وعلم التشريح وعلم النفس منذ القديم ،ولهم في ذلك مصنفات وصلنا منها الكثير تشهد لهم بالأصالة العلمية و العمق الفكري وما خزانة قرطبة إلامن دلائل ذلك،فقد حوت وحدها زهاء ستمائة ألف مجلد في مختلف العلوم و الفنون والآداب.
فلا شك إذن أن اللغة العربية التي صنفت بها كل هذه العلوم على اختلافها وتنوعها كانت أداة طيعة لخلق وتوليد المصطلحات العلمية . فمفاتيح العلوم مصطلحاتها ، ولكل علم من هذه العلوم ألفاظه واصطلاحاته الخاصة به، الحاملة لمفاهيمه ، الشارحة لقضاياه .لذلك كثرت الاصطلاحات العلمية بتكاثر العلوم وتطورها .ولو كانت وصلتنا كاملة لجاءنا منها الكثير . فكثير من الجهود الفكرية
العربية القديمة اتخذت طريقها إلى فضاءات النسيان، ونعتقد أن للفكر العربي القديم نتائجه وخصائصه التي تفتقر إليها النظريات الحديثة، كما أن للنظريات المعاصرة خصائص تميزها عن الفكر العربي القديم.
فالعرب الأقدمون طرحوا العديد من القضايا التي تخص الظاهرة الاصطلاحية وضعا وتوحيدا وتحديدا كما كان لبعضهم موقف خاص من دخول المصطلحات في بطون المعاجم العربية، بل إن بعضهم مال إلى إنشاء رسائل في الاصطلاح أدت إلى تطوير الحركة المعجمية وظهور المعاجم القطاعية أو الخاصة التي تحوي اصطلاحات علم من العلوم أو فن من الفنون.
هذه القضايا التي تمس الظاهرة الاصطلاحية يمكن -في اعتقادنا- استثمارها داخل التنظير المصطلحي الحديث، إلا أن هذا الاستثمار تلزمه مرحلة أولية متمثلة في استخلاص القضايا المتعلقة بالمصطلح من الكتابات اللغوية والمنطقية والفقهية والأصولية والكلامية ومن مناظرات الفرق الكلامية … لأن الفكر العربي القديم لم يكن يفصل الظاهرة المصطلحية عن هذه العلوم، بل لم يكن يفصل -في الغالب- بين العلوم اللغوية والأصولية والكلامية والمنطقية … إذ تجد الخطاب العلمي عندهم تتداخل في إنتاجه مختلف الأدوات العلمية واللغات المتخصصة بعضها يكمل بعضا. لذلك تم طرح قضايا الاصطلاح داخل هذا العموم المتناسق المتقاطع. إن استخلاص هذه القضايا المصطلحية من هذا الكم المعرفي باتجاهاته المختلفة قد يمكننا من وضع نظرية مصطلحية عربية إسلامية تضرب جذورها في أعماق الفكر العربي الإسلامي القديم وتمتد أفنانها صوب النظريات المصطلحية الحديثة.
فمعلوم أن القضية المصطلحية بدأت، منذ أمد ليس ببعيد، تفرض نفسها على الساحة الفكرية المعاصرة، وظهرت أبحاث حاولت معالجة المصطلح لكنها ظلت وفية لما توصل إليه الفكر الغربي من نتائج وقواعد مع ما سببه هذا الوفاء -في اعتقادنا- من تنحية للفكير العربي القديم ومن إظهار من قضية التراث الفكري الإسلامي. فالرجوع خطوات إلى الوراء واجب بدافع استرداد هذا الملك العربي الإسلامي الموجود وإعادته إلى الوجود الفكري الحالي ومعاودة طرحه في إطار المنظور الحديث. فرب خطوة إلى الوراء قد تشكل قوة للتقدم خطوات إلى الأمام.
ربما ليس صوابا -عند البعض- أن نحاول كسر الزمن وإلصاق الماضي بالحاضر وبالمستقبل، لكن هذا إنما هو بنية إدماج فكر في فكر مشابه له من حيث الموضوع، لا بنية تغليب فكر على فكر لاحق له من حيث الظهور، لأننا إذا زعمنا أن علم المصطلح أسس له الفكر الغربي اللاحق فإن للفكر الإسلامي فضل السبق وله ما يميزه عن الطرح الغربي الحديث . فالمصطلحية كعلم قائم على أسس نظرية محددة، لم تشهد ميلادها إلا في أواخر هذا القرن وما زالت في طور النمو والتكامل أما الطروحات العربية الإسلامية القديمة التي تمس الظاهرة الاصطلاحية فقد تناولت الاصطلاح باعتباره ظاهرة فكرية لا باعتباره علما مستقلا، لذلك كانت أبحاثهم في المصطلح وقضاياه (الوضع -التوحيد -التحديد -الرسائل -المعاجم…). متصلة بعلوم أخرى (المنطق -علم الاستدلال -البلاغة -علم الأصول …) بينما وجود نظرية خاصة -بالمصطلح تهتم بدراسة اللغات الخاصة للعلوم والفنون لم تظهر إلا في إطار التصور الحديث لقضايا المصطلح (النظرية العامة والنظرية الخاصة في علم المصطلح). هذه القضايا المختلفة، التي تحاول النظريات المصطلحية الحديثة دراستها، ويحاول المهتمون من العرب بعلم المصطلح الاستفادة من نتائجها لمعالجة المصطلح العربي، عولجت في الكتابات العربية القديمة. لذا فمن واجب البحث العربي في قضايا المصطلح محاولة إعادة طرحها في أبواب متناسقة تسهم في معالجة المصطلح العربي وتحيي بابا من أبواب التراث الفكري العربي ينضاف إلى جهود الباحثين في التراث حتى لا يظل الفكر العربي سجين الأخذ، محظورا عليه العطاء.
فمجموع النتائج التي توصل إليها المفكرون العرب القدماء والتي تخص قضية المصطلح، نعتقد أنها خامة ولود يمكن اتخاذها منطلقا تأسيسيا وتصورا عربيا أصيلا إزاء الظاهرة الاصطلاحية فيه قسطه من السلبيات كما لا يخلو من الإيجابيات. فقد يكفينا في شقة الإيجابي لمواصلة البحث ويسعدنا فيه قسطه السلبي للتأريخ ولا يريحنا قط تجاهله وعدم الالتفات إليه.
1- حد اللفظ وماهية الاصطلاح .
حاول العديد من المفكرين العرب القدماء تحديد ماهية الاصطلاح نذكر منهم : الزبيدي والخفاجي وأبي البقاء الكفوي وعلي الشنوفي والقاضي الجرجاني والقرافي وابن حزم والفخر الرازي والتهانوي … الخ.
لقد وضع هؤلاء مقاييس خاصة باللغة الاصطلاحية أثناء تمييزهم بين العرف العام والعرف الخاص. فمفردات العرف الخاص (المصطلحات) تكون دلالتها مجهولة عند العامة ولا يتداولها إلا الأخصائيون لأنها تستعمل في أغراض تواصلية لا تهم سواهم. والعرف العام يصبح خاصا بعد إفراغه من المعنى العام تم شحنه بمعان خاصة في نطاق الاصطلاح المتعارف عليه بين أهل العلم.
فالخاصية الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة الاصطلاحية قديما هي حصر دائرة التخصص لأن بها تحدد العمارة المفهومية للوحدة المصطلحية.
فلا دلالة للمصطلح إلا داخل عرفه الخاص ولا قيمة له خارجه لأنه يصبح وحدة من وحدات العرف العام. والمصطلح في الطرح القديم هو مواضعة منبثقة عن طائفة متخصصة في صناعة من الصناعات عن طريق كلام متقدم بين المصطلحين على وضع اللفظ بإزاء المعنى. فالمواضعة عندهم لا تكون إلا بإجماع لأن أهل الصناعات إذا تواصلوا إلى بعض التصورات كان لزاما عليهم وضع اصطلاحات لها «على هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصناع لآلات صنائعهم من الأسماء» (ابن جني -الخصائص -ج 1- ص 45) وما نشاهده من اختراعات النحاة لمفاهيمهم من الأسماء كالفاعل والمفعول والحال والصفة … .
فهذه الأسماء في تصور القدماء بيانات لفظية تحمل تصورات ومفاهيم خاصة بصناعة من الصناعات ولا وجود لهذه البيانات «إلا بكلام متقدم بين المصطلحين على وضعها» (ابن حزم -الأحكام في أصول الأحكام -ج1- ص30- الرازي: التفسير الكبير، ج 1 ص25).
2- قضيـة الوضع والاختراع:
تطرق العديد من المفكرين العرب القدماء إلى قضية الوضع والاختراع في اللغة وجوزوها وحددوا أطرافها وأركانها وأنواعها والكيفية التي يتم بها وضع المصطلح أو اللفظ للمعنى سواء كان موضوع الخلق متعلقا بإنشاء مصطلح أو لفظ جديد في معجم اللغة أو تعلق الأمر بخلق دلالة جديدة للفظ قديم.
لقد لاحظ المفكرون العرب القدماء أن اللغة ملزمة بالتطور في كل عصر وكل حال لتتماشى مع التصورات والمخترعات الطارئة. قال ابن تيمية «إذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها» (الرد على المنطقيين ص 66)، لذلك وجب على كل «طائفة استحدثت آلة في صناعتها أو وقفت على أمور فيما تتعاطاه من العلم وضع أسماء مستحدثة لها في كل عصر وكل حال» (القاضي عبد الجبار -المغني- ج5 -ص 175)
وقال ابن حزم الأندلسي «لا بد لأهل كل علم وأهل كل صناعة من ألفاظ يختصون بها للتعبير عن مراداتهم وليختصروا بها معاني كثيرة» (التقريب لحد المنطق ص 68). فالوضع والاختراع مرتبطان بتطور الأمة على الصعيدين الفكري والحضاري إذ ظهور المعارف الجديدة يحتم بروز المصطلحات الدالة عليها. قال ابن وهب الكاتب: «ومن هذا الجنس اخترع النحويون اسم الحال والزمان والمصدر والتمييز والتبرية وأخرج الخليل لغات العروض، فسمى بعض ذلك الطويل وبعضه المديد وبعضه الهزج وبعضه الرجز» (البرهان ص 159).
ولقد أكد ابن وهب أن ظاهرة الاختراع اللغوي صحية في كل لغة وأن «هذا الباب مما يشترك العرب وغيرهم فيه، وليس مما ينفردون به» (نفسه). وأحسن تعريف للوضع هو ما قاله الشنوفي في الحقائق النحوية والمنطقية: «الوضع العربي جعل اللفظ دليلا على المعنى» (ص 25).
وللمواضعة في الفكر العربي القديم أطراف وأركان حددها اللغويون والأصوليون وهي الواضع والموضوع والموضوع له. أما الواضع فهو من يضع اللفظ بإزاء المعنى وأما الموضوع فهو الأصوات المتقطعة التي تشكل الألفاظ المعرفة للمعاني، والموضوع له هو المعاني أو المفاهيم التي وضعت لها الألفاظ، أي: المعنى المعبر عنه بواسطة «الموضوع».
ولقد ألح المفكرون العرب القدماء على ضرورة الالتجاء إلى الوضع بشقيه: الشكلي والدلالي من أجل خلق اللغات الاصطلاحية «فلا يمتنع عندهم أن تحدث لغات كثيرة بسبب الاصطلاح، بل ذلك معلوم بالضرورة. ألا ترى أن الناس يحدثون في كل زمان ألفاظا ما كونوا يستعملونها قبل ذلك» (الرازي -المحصول -ج1 -ص255)، كذلك أهل الصناعات كلما أدركوا معاني جديدة وضعوا لها مصطلحا يعبر عنها إما بخلقه وارتجاله وإما ينقل معنى لفظ يسيح بين العامة أو الخاصة إلى حقل تخصصهم وقد نبه على ذلك «المكلاتي» في «لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول» عندما كان بصدد تفسير مصطلح «الوجود» قال: «والنظار لما أدركوا معاني لم تدركها العرب واحتاجوا أن يضعوا لها ألفاضا، ولم يجدوا في كلام العرب لفظا لها، لأن الجمهور إنما يضعون الألفاظ لما أدركوه وما لم يدركوه فلا يضعون له لفظا، نقلوا إلى تلك المعاني لفظة الوجود» فكل معنى اصطدم به أهل النظر وكانت الحاجة إلى التعبير عنه أهم كان وضع اللفظ بإزائه أولى. وقد روي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولم يسبقا إليها، وعلى نحو هذا قال المازني: «ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم»، وأيضا كان الأصمعي مشهورا بأنه يزيد في اللغة ما لم يكن منها. وقد جوز فقهاء اللغة -في الأغلب- القياس، فعلم قبولهم بذلك ارتجال ألفاظ جديدة وإدخالها في معجم اللغة، وهذا ما أطلق عليه المعجميون والمصطلحيون بعد ذلك التوليد الصوري أو الشكلي. بل إن من المفكرين العرب القدماء من رأى بأن هناك من المعاني مالا يجوز ترك اللغة خلوة عن ألفاظ ومصطلحات دالة عليها. فالمعاني والمفاهيم عندهم قسمان: قسم تكثر الحاجة إلى التعبير عنه ولا يجوز خلو اللغة عن وضع مصطلح بإزائه، لأن الحاجة لما كانت شديدة كانت الدواعي إلى التعبير عنها متوفرة، والصوارف عنها زائلة، ومع توفر الدواعي إلى التعبير عنها وارتفاع الصوارف وجب وضع ألفاظ واصطلاحات تحملها. وقسم لا تكثر الحاجة إلى التعبير عنه ويجوز خلو اللغة عن لفظ يدل عليه.
وهناك من المفكرين القدماء من حاول بيان قدرة اللغة العربية على التعبير عن المعاني والمفاهيم المختلفة بواسطة الألفاظ والاصطلاحات ورد عجز اللغة التعبيري إلى عدم قيام أهل العربية بالأوضاع الضرورية.
فالفكر العربي القديم ميز بين خلق الصور وخلق المعاني ولكل منهما مسالك وآليات لا تمام له إلا بها. فالاشتقاق والنحت والتعريب والدخيل مولدات للأشكال أما المجاز والترجمة والاستعارة والكناية فمولدات للمعاني. فالصورة المولدة في تعبير ابن رشيق هي ما لم يسبق إليه قائله (العمدة). وهي الاسم المخترع في كتابات ابن حزم وابن سينا والفارابي. أما المعاني المولدة فهي في تعبير الكفوي: إخراج الشيء من معناه اللغوي إلى معنى آخر لبيان المراد (الكليات -93) وهي تسمية الشيء باسم ينقل عن موضعه الأول في كتابات القاضي الجرجاني والرازي وهي عند ان رشيق استخراج معنى من معنى سابق وهي عند ابن حزم تسمية الشيء باسم منقول عن شيء آخر (الإحكام) … الخ. و أركان التوليد الدلالي في التصور اللغوي القديم هي الناقل والمنقول عنه والمنقول إليه، ويقصدون بالناقل الشخص أو الفئة التي قامت بعملية نقل اللفظ من معناه الأول إلى وضح ثان وهو ضربان: عرف عام يخص اللفظ العام وعرف خاص يخص اللفظ الخاص (المصطلح). أما المنقول فهو عندهم: اللفظ المفرغ من حمولته الدلالية، المشحون بوضع دلالي جديد، والمنقول إليه هو المفهوم أو المعنى الطارئ الذي جعل اللفظ المنقول مصطلحا له.
3- المصطلح واشكالات التوحيد:
إن من القضايا الجوهرية التي تحاول النظريات الحديثة في علم المصطلح معالجتا قضية التوحيد في الاصطلاح، وهي قضية اهتم بها الفكر الإسلامي القديم ولا أدل على ذلك ما جاء من ملاحظات في أبواب الترادف والاشتراك والمجمل والمبين وغيرها من الأبواب التي تناولت اللفظ من جاذبية الدلالي في الكتابات اللغوية والبلاغية والأصولية. ذلك أن كثيرا من الأحكام التي تسري على الألفاظ -عندهم- قد تسري كذلك على الاصطلاحات، باعتبارها ألفاظا خاصة، بل إن منهم من أطلق اصطلاح اللفظ في كتاباته وأراد به المصطلح فالمفكرون العرب القدماء نادوا بضرورة تخصيص كل معنى بلفظ أي: «أن يكون بإزاء كل معنى لفظ يختص به، ولا يشركه فيه غيره، فتنفصل المعاني بالألفاظ ولا تلتبس» (ابن يعيش -شرح الملوكي- ص: 96).
فانطلاقا من هذه القاعدة التي أوردها ابن يعيش يعتبر خرق مبدأ التوحيد معوقا للتداول ومخلا بالفهم التام وضبط المقصود على سبيل التمام. وما كان كذلك كان منشأ للمفاسد وما كان منشأ للمفاسد وجب ألا يكون (الرازي -المحصول -ج1 -ق-1 -ص 350).
ولقد توصل بعض المفكرين العرب القدماء إلا أن خرق مبدأ التوحيد راجع إلى تعدد الجهات التي تتوالى عملية الوضع، وإلى الوضع الفردي ومن ثم ربطوا بين الوضع وإشكالات التوحيد (الترادف -الاشتراك …)، لكنهم ورغم رفضهم لهذا الخرق فهم يرون أنه مفروض على كل لغة ومنطقهم في ذلك أن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك.
4- المصطلح وقضايا الحد والتعريف:
الحد موضوع شكل هاجس اللغويين والأصوليين والمناطقة والفلاسفة وفئات كثيرة من المفكرين العرب القدماء . وإن الخوض في قضايا الحد أدى إلى إنتاج تصورات عديدة تحتاج إلى تجميعها وإعادة طرحها في شكل نظرية عربية متناسقة. ومن أهم الكتابات العربية القديمة التي حاولت معالجة قضية تعريف الاصطلاحات: «رسالة الحدود» لبن سينا و«مفتاح العلوم» للسكاكي و«الرد على المنطقيين» لابن تيمية ومجموع فتاوي ابن تيمية (باب المنطق -المجلد: 9) و«الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (باب الألفاظ الاصطلاحية الدائرة بين أهل النظر) و«حدود النحو» للفاكهي و«معيار العلم» للغزالي و«شرح الكافية» للاستراباذي و«شرح تنقيح الفصول» للقرافي و«الارشاد في قواعد الاعتقاد» للجويني و«شرح الإرشاد» لأبي القاسم الأنصاري و«منطق المشرقيين» و«القصيدة المزدوجة في المنطق» لابن سينا و«كتاب الحروف» و«الألفاظ المستعملة في المنطق» للفارابي و«الحدود والرسوم» لإخوان الصفا و«الكليات» لأبي البقاء الكفوي ومناظرات فخر الدين الرازي … الخ.
هذه الكتابات حاولت معالجة قضية التعريف، وإشكالاتها وأوضحت المقصود من تعريف الاصطلاح، ووضعت له شروطا وأقساما ووظائف وكيفيات لا يركب الحد إلا بها، وكان غرضهم تقديم وصفة جيدة للتعريف .
كانت هذه باختصار شديد بعض القضايا التي طرحها الفكر العربي الإسلامي القديم والتي تشكل، في اعتقادنا، ثروة يمكن استخلاصها من هذه الذاكرة العربية القديمة على اعتبار أنها شكلت ثورة فكرية في ذلك العهد وما زالت أهم إشكالاتها مطروحة على الساحة المعجمية والمصطلحية الحديثة. وما ذكرناه من قضايا في هذا المشروع ليست سوى ما توقفت عنده قراءتنا للمثن العربي القديم ونحن مزمعون إن شاء الله تعالى على إتمام رحلة القراءة لاكتشاف قضايا أخرى مؤسسة للتصور العربي القديم للظاهرة الاصطلاحية.
والله المستعان.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد العتروس
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
المرأة، الحزن والوطن في "حرائق العشق"
للشاعر المغربي محمد غرافي
بقلم: محمد العتروس
الشعراء أنواع، فيهم من هو كالمسك كلما حككته ازداد عطرا وعبقا، وفيهم من هو كالوردة فواح لكن سرعان ما يذوي عبقه، وفيهم من لا تطاق رائحته.
محمد غرافي من الطينة الأولى، ينتمي إلى فصيلة المسك، تزداد قصائده جمالا وبهاء كلما ازددنا منها اقترابا. وهذا ما يؤكده ديوانه الصادر سنة 2002 عن العنقاء، الموسوم ب "حرائق العشق".
يعتبر الشاعر والناقد المغربي محمد غرافي (أستاذ الأدب العربي والسيميائيات ورئيس شعبة اللغة العربية بجامعة تولوز بفرنسا)، من أجمل الأصوات الشعرية المغربية، بدأ النشر منذ أواسط الثمانينات في منابر مغربية وعربية عدة، لكنه لم يصدر ديوانه الأول إلا سنة 2002.
قصائد هذا الديوان سافرت بي إلى الماضي البعيد لتحملني على تذكر اللقاء الأول الذي جمعني بالشاعر. كان ذلك في بداية سنة 1988 وكنت حينها أبلغ من العمر 16 ربيعا، لم أشب عن الطوق بعد، نشرت للتو أولى قصصي بالجرائد والمجلات. عرفني به الشاعر عيسى لقاح، وكانوا يكونون شلة تضم بالإضافة إليهما القاص الحسن بنمونة والروائي مصطفى شعبان. كنت أصغرهم وأقلهم تجربة، لذا استفدت كثيرا من هذه الصحبة الطيبة والغنية، على مستوى المقروء والإبداع والأخلاق. كنا نجلس بمقهى النسيم أو بالنادي الثقافي لملوية السفلى، وكنا نتجاذب الحديث في الأدب والفن والسياسة، ويقرأ بعضنا لبعض جديد إبداعه. أذكر أن نصوص مجموعتي القصصية " هذا القادم.." هي ثمرة تلك المرحلة وكذلك الأمر بالنسبة لبعض نصوص ديوان "حرائق العشق" الذي نحن بصدد تقديمه.
من هناك ابتدأ الشعر، كلام موزون مقفى، وآخر مرسل ذو إيقاع جميل، وثالث يرقص كما الماء حين تحط على صفحته يرقة أو فراشة زاهية الألوان وترتفع، ليرفعنا معه هذا الكلام إلى ملكوت الخيال، والعاطفة، والإيقاع، والحلم بغد أفضل ومستقبل زاهر، بالرغم من أن بعض قصائده تأتي حارقة (أنظر العنوان: حرائق العشق)، قاسية، ومدمرة.. لكن دمارا جميلا، ومن أجل بناء أجمل، وأمتن، وأبقى.
إنه الإحساس الأولي الذي ينتابك وأنت تتصفح قصائد هذا الديوان الذي جاء موزعا على 116 صفحة من القطع المتوسط. بدأت بـ"تعب" لتنتهي بـ "أقصى التعب" مارة بـ"قصيدة إلدا" و"أرصفة شاردة" و"مقام الحزن" و"خريف لحرائق العشق" و"تسريحة أولى" و"امرأة والبحر وهذا الليل" وغيرها من القصائد التسعة والثلاثين المكونة للديوان.
قصائد قصيرة في أغلبها لكنها كالجواهر التي تنضم العقد البهي.
يقول الشاعر مستهلا ديوانه:
"يا عبد الكريم!
ما زلت أصد هجير الحزن
عن امرأة
تصعد ماثلة في الروح
وتشتعل
ما زلت أمد لقبرة
في أقصى الريف يدا
وأزيح يدا
وأفتش عن لغتي
في الكأس
فلا يجلو الصبح
ولا يصحو الولد الثمل." ص 5 – 6.
تلخص هذه القصيدة أهم تيمات الديوان: الحزن، الكأس والنبيذ، المرأة والوطن...
إن الحضور الطاغي لهذه التيمات يجعلنا نحاول تتبع تمظهراتها في القصائد لنخلص إلى الآتي:
تيمة المرأة:
تحضر المرأة كحبيبة وعشيقة وزوجة، وتحضر كأم، وكوطن، وكرمز للصمود، وتحضر كحلم. فالمرأة الحبيبة والعشيقة (إلدا، ليلى، خديجة، جميلة...) تتجلى مثلا في قصيدة "أرصفة شاردة" حين يقول الشاعر:
"أفرش فوق رصيف الدهشة
أحزاني
تعبرني إذاك مرايا
فأرى منها العاشق والمعشوق
أرى سيدة
تشعل في صلب الثلج
مفاتنها" ص 17.
وفي قصيدة "خريف لحرائق العشق" حين يقول:
"كأساور ظل جاءت ليلى
كالحرف النازل من قيثارة هذا الحزن
تجيء
تغني
وتمد ذراعيها للريح قليلا فقليلا...
ليلى عبرت كل شوارع قلبي
كبرت في قسمات الناي وخطت فوق سهول الغيم هوايتها" ص 27.
أوحين يقول:
"فخديجة أنثاي
وليلى وجه آخر لامرأة
هي أنثاي
من يعثر فيكم عن ليلى بين حرائق نورسها" ص 31.
وتحضر المرأة باعتبارها الزوجة كما في قصائد الحنين والنسيان، يقول الشاعر في "صبابة":
"رجل يبكي تحت الشرفة
مطرا
ويهيم
ولا تبكي من فرط صبابته
امرأتان
واحدة في القلب
وواحدة
تركت في أسرار الدغل له
خاتمها
وحروفا من وقع كمان." ص 102 – 103.
وتحضر المرأة باعتبارها أم في قصيدة "أمومة" التي أهداها إلى أمه.
وتحضر كذلك باعتبارها الحلم الذي يتحقق ولا يتحقق، وباعتبارها رمز الصمود والمقاومة والتضحية، وباعتبارها وطن من لا وطن له كما في قصيدة "تسريحة أولى":
إني رأيتـك ترسمـين بنشـوة الأعـراس كل
فرائض الموت الشهي وتدخلين مدائن العشاق
من أقصى رغيـف يـورق الأحزان فـي
الصـبوات حـتى اشتعـال سحابـتـيـن
كرعشة الليمون فوق حرائق الوهج الطفولي." ص 37.
تيمة الحزن والنبيذ:
انطبعت جل قصائد الديوان بمسحة من الحزن، وبحضور لافت للنبيذ والكأس إلى درجة أن قصيدة "مقام الحزن" تتكرر فيها لفظة الحزن أكثر من ثمان مرات. ولا تخلو قصيدة من القصائد من ذكر النبيذ أو الكأس:
"... إني جئت
إليك أسيرا بغلائل هذا الحزن المتجذر بين
ضلوعي منذ زمان الرعب القاتل..." ص 21"
إن الشاعر أسير حزن وجرح عميقين، ولا مفر له إلا الكأس ينفثها وجعه لتعيد إليه غزالة حلمه، وبهاء حزنه:
"ليلى!
يا هذي الطفلة مرحى
بنبيذ سيعيد إلي
غزالة حلمي
وبهاء الحزن." ص 31 – 32.
نلاحظ أن الحزن يأتي دائما مرتبطا بالكأس والنبيذ وهو ما يؤكده قول الشاعر:
"... كم كانت تعصف بي في النخلة أقمار
وتعيد إلي مطالع كفي.. كم يثقل هذا الحزن
علي وكم يغريني بنبيذ تسقط فيه الدمعة
أنساما.." ص 25 – 26.
ويقول في قصيدة: كأس ما بعد الأخيرة":
واحدة أخرى فقط
لــــي
ولك التي بعدها
إذ تفيض...
وإذ يتعب المنفى
لا تتعب يا سيدي أنت
من جرعة
حتى ترتخي
للبكــــــاء." ص 90 – 91.
تيمة الوطن:
القصيدة عند محمد غرافي وطن يلجأ إليه، والوطن قصيدة يكتبها بدم القلب. قد يغضب حينا من الوطن فيثور، وقد تجتاحه رعشة اشتياق في دوامة الغربة والحزن والفراق واللوعة، فينثره حنينا وكلاما معسولا. لكن في كل هذا وذاك يمتح من حب لا ضفاف له ولا شطآن.
في قصيدة "جموح الولد الراعف" يدعو إلى التريث قبل الإقدام على الرحيل من الوطن. يقول:
"صرت عنيدا
يا ابن سماء الوطن الهارب
من فيك
إلى جزر
ترميك بعيدا
وبعيدا تمضي
وتعود وحيدا
فتريث قبل رحيلك
يا ابن سماء الوطن الهارب
من فيك." ص 45.
إن الوطن بالنسبة للشاعر دائما هارب منه كما الماء الذي لا تمسكه الأنامل، كما في ص 45. وفي ص 24 حين يقول الشاعر:
"... ولمن سأقول اليوم أجيء على
كفك أنثاي أجيء بسبع أساور مما تخفيه
الفرحة بين ضلوعي وأعمد في أجراس
الحلم نشيدا يضرب في أرض تحرمني من
أحشاء الوطن الهارب مني؟"
والوطن يقترن عند الشاعر بالمرأة والغربة، فامرأته وطنه، ووطنه امرأته. وكلما أحس بوطأة الغربة وقسوتها وظلمها، استعاد الوطن الجميل الذي لم يمنعه حبه الشديد له من أن يكون قاسيا معه في قصيدة "أقصى التعب" حين صرخ في وجهه بدون استئذان: آه..
"ياجسدي
خذ مني ما شئت
وما لم تشأ
ليس لنا وطن
أبهى من هذا الوطن
بحر يرفعه
ببياض نسائمه
في القلب
وبحر يغرقه
تحت بياض الزبد
ليس لنا جهة نرتاح إليها
من حب
ولا من طعنة هذا البلد
ليس لنا وطن أتعب
من هذا الوطن..
خذ مني ما شئت ولا تخجل
مما تعطيه يدي
ليس لنا وطن يا جسدي
أخجل من هذا الوطن." ص 112 – 113.
خلاصة القول، إن القصيدة عند الشاعر محمد غرافي وطن، والمرأة وطن، والكأس والمنفى ملجأ من حب هذا الوطن.
ملاحظة أخيرة تثيرنا ونحن نسافر داخل قصائد هذا الديوان هو الحضور الكثيف والمقصود للمدن والأماكن: بركان، وجدة، باريس، إيموزار، بلاد الغال... هذا الحضور يدل على عدم استقرار الشاعر، وتنقله الدائم من مدينة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر، مما جرعه مرارة المنفى الدائم في المنافي.
نلاحظ كذلك حضورأسماء أعلام مغربية وعربية وأجنبية:
محمد بن عبد الكريم الخطابي قائد ثورة الريف.
محمد علي الرباوي الشاعر المغربي المعروف.
مصطفى شعبان ومحمد المزديوي ورابح قداوي أدباء مغاربة.
سناء المحيدلي الاستشهادية والفدائية العربية.
والأب بيار الناشط الاجتماعي والإنساني الفرنسي .
هذا الحضور يمكن أن نقرأه من زاوية أنه اعتراف بالجميل لبعضها، وإشارة إلى وجوب عدم إجحافها حقها، ورد الاعتبار لها. وهو كذلك اعتبار بها مع عقد مقارنة موضوعية بينها وبين ما يقابلها في الواقع الآني. وهو أخيرا شهادة للتاريخ:
"ياشيخي المغذور به
ما عادت باريس شتاء
تمنحني أرغفة
وغطاء
أو نافذة
أرقب منها بطش بني الإنسان..
.......
فاشهد أنك باق
ما بقيت باريس تحارب وجهك
بالنسيان." ص 52 – 53.
في "حرائق العشق" نجد أنفسنا أمام قصائد ذات مضامين راقية عبر عنها بأسلوب أرقى ولغة شعرية جميلة، قصائد تقول الواقع اليومي وتبوح بسر المشاعر والنوازع الإنسانية والوطنية السامية، مستوحية كل ذلك من المعاش ومن حياة الشاعر ذاتها. قصائد لا توارب ولا تخفي انحيازها للمظلوم والمقهور والمنفي والعاشق والمعشوق. إنها حرائق أصابتنا في الصميم بنارها. لكنها لا تنتج رمادا يوزع في الهواء لتذروه الرياح فيختفي، بل ينتج نورا يشع في الفضاء، وينير الدروب المعتمة، ويحرك البرك الراكدة، مخاطبا الإحساس والعقول.
إنها قصائد تقول كلمتها بصوت دافئ، حزين، غاضب وهامس في ذات الوقت. تقولها بكل بساطة وجمال، وتذهب.. لكننا نكتشف في الختام أننا ما زلنا نحتفظ في جانب من دواخلنا بشيء ما.. شيء أثير لا يريد أن ينمحي..
إنها قصائد خلقت لتبقى لا لتموت، لأن هذا الشاعر يعرف حقا " كم وطنا يحتاج إلى أشعار؟"
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد الزعبي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 13
امل نشر هذه الدراسة مع ضرورة اعلامي على البريد الاكتروني .مع ملاحظة اني بعثت لكم مقالة قبل مدة ولم تنشر ولم يرد عليها مع كل التقدير والاحترام للقائمين على المجلة الرائعة
أمريكا وأيران.. صراع خارج حدود الزمن:
تمهيد:
المشهد السياسي الإيراني – الأمريكي بتفاعلاته الداخلية والخارجية على أرضية جيو-سياسية, تتمثل في الوضع" الجيوبوليتيكي" لإيران حيث لم تتوقع إيران ومنذ قيام ثورتها أن تكون جارة للولايات المتحدة سواء في العراق أو أفغانستان مما جعلها العنوان الأبرز على الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط سواء الجديد أو الكبير كما يحلو لأدبيات السياسة الأمريكية تسميتها هذه الأيام .
فهل قوة إيران تكمن فقط في منشآتها النووية , أم في منشآتها الحيوية المتمثلة في الدور العقائدي الذي بنت عليه دولة اديولوجية في شعب مستعد للتضحية من اجل نظامه , المتمثل بالفقيه الولي والمعصوم , وهو ما جعل الثورة الإيرانية تنتصر وتصمد دون اللجوء إلى أي قوة خارجية للان ,بل وتبدأ بتصديرها وبأشكال مختلفة سواء في لبنان أو في العراق وان كان بشكل براغماتي واضح .
التقارب الحدودي مع أمريكا (في العراق وأفغانستان ) بدا يقلق الإيرانيين كثيرا لعلمهم أن ملامح الخريطة السياسية للمنطقة بدأت تتغير ,وان احتمالات تسريع وتيرة التغيير ممكنة .
عوامل كثيرة تجعل الوضع أكثر تعقيدا بالنسبة لمخططات الولايات المتحدة فيما يخص إيران ولأسباب كثيرة أهمها أن إيران أصبحت دولة إقليمية بل وعالمية فاعلة ومؤثرة في الأمن الإقليمي حيث تزداد أهمية المكان الجيوبوليتيكي لإيران في ظل تزايد مجموعة المصالح الأمريكية في مناطق مجاورة لإيران حيث تعتبرها إيران مناطق نفوذ لها مما يؤدي إلى تصادم المصالح معها.
والاهم من ذلك هو أن الولايات المتحدة ومنذ إحداث 11\أيلول تسعى جاهدة إلى خلق نظام عالمي جديد وعلى كل المستويات حتى الجغرافية تعيد من خلاله رسم خارطة المنطقة وإعادة فك وتركيب أنظمة موالية لها وتضمن هي بقائها , وانشاء محاور وتحالفات جديدة وفقا للمعايير الجديدة لهذه الاستراتيجية الأمريكية ,وهو ما بدأت إيران العمل به كخطوة استباقية من خلال البدء بإعادة تسليخ نفسها وإيجاد روابط سياسية واستراتيجية بينها وبين موسكو وبكين والعديد من الجمهوريات الإسلامية ,وكذلك عقدت تحالفان مع كل من سوريا وحماس بشكل ما رغم الاختلاف الاديولوجي إن جازت التسمية ,ولن ننسى طبعا الابن الشرعي لإيران وهو حزب الله في لبنان والذي يقوم بدوره على أكمل وجهه.
ولك هذا نقول أن لإيران دور هام في مواجهة المخططات الأمريكية في العالم اجمع ,ليحق لنا أن نتساءل في ما إذا كانت نهاية أمريكا التي يتوقعها كثيرون ستكون على يد إيران ؟ وكم سيستغرق الوقت لذلك ؟ وهل سترث إيران سيادة العالم من أمريكا في الزمن القادم ؟ أم ستعيد الزمن إلى الوراء وتكون قطبا آخر في موجهة أمريكا وتكون وريثا للاتحاد السوفييتي ؟؟ ولكل ذلك نقول أن المواجهة بين أمريكا وإيران هي صراع خارج حدود الزمن .
الاستعمار الأمريكي الجديد في مواجهة إيران:
يبدو أن ترتيب إيران في قائمة الدول الأوسطية التي سقطت رهاناتها الإستراتيجية قد أتى متأخرًا بعض الشيء عن الدول العربية وتركيا أيضًا. وكان الإصلاحيون في بدايات فترة بوش الانتخابية الثانية يأملون أن يحدث انفتاحًا نسبيًا بالعلاقات الإيرانية الأمريكية على خلفية محددين رئيسيين:
* أولهما: المحدد النفطي الذي لا يشكل أحد آليات الحكومة الإيرانية في تجاوز العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة فحسب، بل كونه أيضًا يمثل المرجعية المصلحية التي تحدد توجهات شخوص الإدارة الجديدة، وجماعات المصالح والتأثير السياسي Lobbies المؤيدة لها, وهي المرجعية التي تبلورت على أرضية إلحاح مشكلة الطاقة التي تواجهها الولايات المتحدة بشكل حاد على المدى الآني والمستقبلي.
وقد بدا ذلك واضحًا في الوثيقة التي أعدتها قوة العمل Task Force للطاقة التابعة للإدارة برئاسة نائب الرئيس ديك تشيني، وهي الوثيقة التي طالبت بضرورة المراجعة الشاملة لسياسة العقوبات المفروضة على النفط مثل إيران والعراق وليبيا من أجل دعم سوق النفط العالمي, وتحقيق المزيد من الاستقرار فيه, وأن يتعاون الكونجرس مع الإدارة في تلك المساعي. ([1])
* ثانيهما: الانتصار الساحق الذي حققه الرئيس الإيراني محمد خاتمي والتيار الإصلاحي في انتخابات الرئاسة التي جرت في إيران والتي لم تجد نفعا حيث حاولت التأكد من استمرارية سياسة الانفتاح الداخلي والخارجي التي ينتهجها خاتمي لفترة رئاسية مدتها أربع سنوات،والتي أعطت أمريكا أملا ليس لدعم تلك السياسة فحسب، بل وأيضًا إمكانية حسم الخيارات الداخلية لصالح الإصلاحيين بشكل نهائي,والتي مالبثت أن نسفها الشعب الإيراني والذي ما لبث أن انتخب احمدي نجاد المتشدد.
ولذا كان هناك تعويل كبير على هذين المحددين وتحديدًا الأول، ليكون بمثابة القاطرة التي تجذب خلفها بقية مجالات التطبيع المستقبلي, وتهدئة الهواجس الإيرانية تحديدًا من توجهات ونيات الإدارة الجديدة تجاهها بعد الخطوات غير المكتملة التي أقدمت عليها وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت بمارس 2000 تجاه التقارب مع إيران, غير أن هذا المحدد النفطي أضحى مثيرًا للهواجس الإيرانية تجاه إدارة بوش بعد قرار 14 مارس الماضي بتمديد العقوبات المفروضة على إيران منذ العام 1995 لستة أشهر قادمة، وتشمل حظر الاستثمارات الأمريكية بعمليات تزيد عن 20 مليون دولار في قطاع الطاقة. ([2])
ومن قبلها سلسلة الملاحقات القضائية للعديد من شركات النفط الأمريكية التي دخلت سوق الاستثمار النفطي في إيران، متحدية قرار الحظر الرسمي، ومنها التحقيقات التي أجريت مع مسئولين سابقين بشركة أكسون موبيل النفطية من قبل وزارة العدل وإدارة الجمارك الفيدرالية في أبريل الماضي؛ لتحديد ما إذا كانت الشركة قد انتهكت الحظر الاقتصادي المفروض على إيران. وقد تركزت تلك التحقيقات حول دور شركة أكسون قبل اندماجها مع موبيل بالعام 1999 في صفقات شحنت بمقتضاها كميات كبيرة من النفط من كازاخستان إلى شمال إيران مقابل نفط إيراني سُلم في الخليج. ومن المعروف أن الحظر الأمريكي يمنع الشركات الأمريكية من المشاركة أيضًا في مثل هذه الصفقات التي تعتبرها شركات النفط وسيلة عملية لنقل النفط من المناطق الداخلية البعيدة عن البحار للأسواق العالمية([3]), ولم تفلح تاليًا محاولات البيت الأبيض تهدئة الهواجس الإيرانية بالتأكيد على أن قرار تمديد العقوبات لا يحد من خيارات الولايات المتحدة في التعامل المختلف مع إيران، وأن الرئيس يحتفظ بحقه في تعديل أو إنهاء هذه العقوبات إذا ما رأى أن المصلحة القومية تتطلب ذلك.
وعوضًا عن بادرة حسن النية التي كان يتطلع إليها خاتمي والتيار الإصلاحي تحديدًا، بعد بادرة الرد الإيراني على مساعي التقارب خلال اللقاءات التي عقدها خاتمي خلال وجوده بالولايات المتحدة مع العديد من الشخصيات الأمريكية في سبتمبر 2000، جاء التشدد الأمريكي ليؤيد الهواجس الإيرانية من توجهات إدارة بوش مستقبلاً، ويزيد من إمكانية الصعوبات التي يمكن أن تواجه أية دعوات إيرانية للانفتاح على الولايات المتحدة في ضوء التشدد الذي تتعامل به مع إيران، إذ ينظر إلى مسألة العقوبات الاقتصادية بوصفها الممر الذي يجب أن يجتازه الأمريكيون أولاً قبل المصالحة والتهدئة مع إيران. وقد بدت حدة الهواجس الإيرانية واضحة من تصويت لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب يوم 20 يونيه الماضي بأغلبية 41 مقابل 3 لتمديد العقوبات الاقتصادية على إيران وليبيا لمدة خمس سنوات قادمة، بعدما رفضت مشروع تعديل تقدم به النائب رون بول لخفض المدة لعامين فقط بأغلبية 34 مقابل 9([4]), ثم أتت إدانة وزير العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالية F. B. I بعد يوم واحد من هذا الإجراء. إيران بالضلوع في تفجير (الخبر) بالسعودية في يونيو 1996 لتمس وترًا حساسًا في تلك الهواجس الإيرانية، وتعيد جهود التقارب للمربع الأول من جديد. وكانت هاتان الواقعتان بمثابة أسوأ رد فعل أمريكي على نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية مؤخرًا والتي أمنت للرئيس محمد خاتمي فترة ولاية ثانية. وعنصر التوقيت والتزامن هنا يمكن أن يزيد من تعقيد عمليات التقارب الإيراني الأمريكي, لكونه يمد القوى المعارضة له بمقومات هائلة لمعارضته والوقوف ضده.
وقد ضاعف من حدة هذه الهواجس إعادة الإدارة الجديدة تكرار المحددات الثلاثة التي يدعي دومًا بأنها تعوق تطوير العلاقات الثنائية وهي:
* الدور الإيراني المناوئ لعملية التسوية العربية الإسرائيلية.
* ودعم حزب الله والمنظمات الثورية ذات النهج الإسلامي الراديكالي بالمنطقة والتي تتهمها واشنطن بـ"الإرهاب".
والسعي لحيازة وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، مما يمثل ليس تهديدًا للأمن الإقليمي في منطقة الخليج والشرق الأوسط، بل وللأمن القومي الأمريكي ذاته.
أضف إلى ذلك تزايد اقتناع الإيرانيين بأن إدارة بوش ربما لا تكتف بمحاولة إدارة علاقاتها مع إيران استنادًا لمرجعية تلك المحددات فحسب، بل وأيضًا السعي لتغيير أسس ومقومات النظام والمرجعية الإسلامية الحاكمة للسياسات الإيرانية وفي مقدمتها مبدأ "ولاية الفقيه". وقد أتت الاتهامات الأمريكية الأخيرة لتضيف بعدًا ثالثًا في تلك المساعي وهو محاولة تقويض مساعي التقارب الاستراتيجي بين إيران والسعودية التي خطت خطواتها الملموسة مؤخرًا، وهو التقارب الذي يمكن أن يمس المصالح الأمريكية في منطقة الخليج بشكل مباشر، لكونه يقوض في أحد أهم محدداته منظومة الحجج والذرائع التي تعتمدها الولايات المتحدة في عمليات الاستنزاف المالي والسياسي لبلدان الخليج، عبر التلويح بمخاطر التهديدات الإيرانية والعراقية على أمن الخليج.
العوامل الضاغطة على العلاقات الإيرانية الأمريكية:
أولاً: افتقاد الإجماع السياسي حول إيران:
ثمة إقرار بأن بوش تمكن من تكوين فريق عمل معاون على درجة عالية من الخبرة والكفاءة، غير أنه من الناحية الأخرى بات يفتقد سمة رئيسية وهي التوافق العقائدي بين شخوصه الرئيسيين وانعكاسات ذلك التالية على توجيه السياسة الخارجية الأمريكية([5]), ويكاد يكون ذلك سمة مميزة للإدارات الجمهورية مقارنة بمثيلتها الديمقراطية. فالخبرة التاريخية تظهر لنا الصراع العنيف الذي وقع في إدارة نيكسون بين وليم روجز، وهنري كيسنجر، الذي انتهى بخروج الأول من وزارة الخارجية، والصراع المماثل بين وزارتي الدفاع والخارجية الذي امتد بين واينبرجر وشولتز خلال الولاية الثانية لريجان. وما نشهده حاليًا في إدارة بوش الابن ما هو إلا إعادة إنتاج لتلك السمة، والتي اتسع مداها الخلافي بشكل غير مسبوق من قبل، على الرغم من نفي فريق السياسة الخارجية الأمنية لوجود مثل هذا الصراع العقائدي حول توجيه تلك السياسة بمنطقة حساسة مثل الشرق الأوسط، إذ يرأس فريق تلك السياسة الثنائي كولن باول ونائبه ريتشارد أرميتاج, وكلاهما يقف على يسار التيار المحافظ (المحافظون التقليديون) من حيث الإيمان بضرورة الجمع بين الدبلوماسية والوسائل العسكرية في إدراة السياسة الخارجية، وأن يكون خيار الحرب خيارًا أخيرًا أمام الولايات المتحدة وفق المقولة الشهيرة.. "الحرب هي امتداد للدبلوماسية لكن بوسائل أخرى". وتميل كوندواليزا رايس مستشارة الأمن القومي لهذا التيار أكثر وهم بهذا من الناحية العقائدية عكس الترويكا المنافسة ديك تشيني- رامسفيلد- وولفوتيز الأكثر راديكالية، والذين يقفوا على يمين هذا التيار بمقولاته المتشددة في النظر إلى قوة الولايات المتحدة وسبل الحفاظ عليها، وطريقة استخدامها إلى القوة المسلحة في إدارة الصراعات والقضايا الدولية.
ويكاد يمثل ثنائي الخارجية باول أرميتاج وجهة النظر الواقعية والتي بات يوصف حاليا بالتوجه الليبرالي الجديد New Liberalism التي تحاول تحقيق التوافق العقائدي بين المقولات المحافظة التقليدية، والقيم الليبرالية. ينطلق هذا التيار من اعتبار أن العلاقات الدولية بكافة قضاياها غير قابلة للضبط أو التنميط في إطار تنظيمي ثابت، مهما كانت قوته العقائدية. ومهمة السياسة الخارجية الأمريكية تحقيق الصالح القومي عبر منظومة متكاملة من السياسات المتحولة وفق الظروف المرحلية، وتتبنى عسكريًا فكرة التدخل العسكري الهادف. وفي المقابل يعتبر وزير الدافع رونالد رامسفيلد من صقور التوجه المحافظ الجديد، ويتمتع بسمات الشخصية القوية والصلبة داخل الإدارة، ويعتبر أيضًا مؤيدًا قويًا لمشروع الدرع الصاروخي الوقائي الذي تزعم واشنطن إقامته في الفضاء من أجل حمايتها من الهجمات الصاروخية الباليستية من دول معادية مستقبلاً, ويكاد يكون نائبه اليهودي بول
وولفوتيز أكثر تشددًا وصلابة منه، ويمثلا معًا المحافظين الجدد New - Conservatism الذين ينطلقون في رؤيتهم للعلاقات الدولية من افتراض ضرورة التلازم في الحفاظ على الحريات السياسية والاقتصادية وفق المفهوم المحافظ على المستويين المحلي والعالمي، وذلك للتناقض الوجودي الضمني بين الديمقراطية الغربية والأنظمة المخالفة لها "الاستبدادية" ويسعى هذا التيار لمحاولة تنميط العالم وإخضاعه للرؤية العقائدية المحافظة سواء على المستوى السياسي العسكري أو الاجتماعي الثقافي بهدف دفع المجتمعات العالمية لاعتناق الأسس السياسية والاقتصادية للديمقراطية الغربية بجوهرها المحافظ. وقد عظمت التعيينات التالية في وزارة الدفاع، من هيمنة التيار المتشدد الموالي لإسرائيل، ورغبة رامسفيلد في تشكيل فريق من المتشددين العقائديين حوله ممن يهيئون الساحة لصدام مقبل مع باول والخارجية. إذ نقل إلى بيتررودمان مساعد الوزير لشئون الأمن الدولي ملف المعارضة العراقية الذي كان حكرًا على الخارجية، كما أن تعيين دوجلاس فيث في منصب مدير السياسات بالوزارة، سوف يدعم سيطرة البنتاجون على العديد من ملفات السياسة الخارجية وتحديدًا إيران، ويضاعف من خطورة هذا الانقسام كون نائب الرئيس ديك تشيني شكل بدوره مجموعة متماسكة من المستشارين بالمجالين السياسي والأمني سوف يكون لها دورها الأكثر سخونة في الصراع الدائر حول النفوذ بين الخارجية والدفاع لصالح الأخيرة.
ولذا يمكن تصنيف نائب الرئيس ديك تشيني بكونه من أشد أنصار التيار المحافظ تشددًا وميلاً نحو استخدام القوة في حل معضلات السياسة الخارجية الأمريكية حول العالم، ولذا فهو يميل من الناحية الأيديولوجية إلى أن يصنف على أنه يقع يمين هذا التيار، ولكن ليس أقصاه كما هو الحال مع ثنائي وزارة الدفاع، وقد بدا ذلك جليًا خلال أزمات مثل إيران كونترا، وغزو بنما لاعتقال رئيسها نوريجيا، وكما كان من أشد أنصار استخدام القوة المسلحة لدعم سلطة رئيسة الفلبين أكينو ضد معارضيها، وهو الذي قدم الدعم الجوهري للضربة الأمريكية الأولى تجاه العراق، ويشكل هؤلاء الثلاثة ثقلاً عقائديًا منافسًا للخارجية الأمريكية وتوجهاتها. وتتبنى هذه الترويكا المحافظة موقفًا عالميًا يسعى للمحافظة على الهيمنة الأمريكية وإطالة أمدها، ومثل هذا النهج ليس انعزاليًا وإنما هو أحادي الجانب، لا يستحي من استخدام القوة العسكرية لدعم مقومات تلك الهيمنة، وثمة تأكيدات بأن إقدام الإدارة الأمريكية الجديدة على إعادة الاعتبار للحل العسكري للمسألة العراقية أو التصعيد السياسي تجاه إيران جاء نتيجة الضغوط القوية التي مارستها تلك الترويكا على الرئيس بوش، ومؤيديهم بالكونجرس، وأنه على الرغم من مكانة باول القوية وعلاقة رايس الجديدة بالرئيس، فإن تلك الترويكا المحافظة هي التي سوف تحدد في نهاية المطاف نوعية السياسة الخارجية الأمريكية فيما يتعلق بكل ما هو استراتيجي فيها. ويرجع ذلك في أحد أهم محدداته لكون باول ليس له أصدقاء أقوياء سواء داخل البيت الأبيض أو بالكونجرس على عكس تلك الترويكا، كما أن رايس ستجد نفسها في موقف المحايد بين صراع الرؤى والنفوذ الكبيرين بين وزارتي الخارجية والدفاع وميل ديك تشيني للأخيرة، ولذا فإن الصراع سوف يحسم في النهاية لصالح المحافظين الجدد وليس أصحاب التوجه التقليدي، أو ما يسمون بـ "الليبرالية الجديدة". وإيران ليست وحدها هنا، القضية موضع خلاف حاد بين وزارتي الخارجية والدفاع، وإنما هناك قضايا كثيرة منها عملية التسوية والموقف من المسألة العراقية..
والخلاف هنا يكمن حول رؤية إيران هل هي الصديق أم العدو؟ إذ يسعى ثنائي الخارجية للتهدئة والتطبيع مع إيران من أجل دعم فكرة العقوبات الذكية على العراق، وتوظيف ورقة المعارضة الشيعية في أي تغيير سياسي محتمل بالعراق، بالإضافة للتعاون في منطقة وسط آسيا القوقاز تحديدًا, وأن مواقفهما تتشابه في قضايا محددة مثل أفغانستان. ولذا كانت الخارجية وراء العديد من المواقف الإيجابية وفي مقدمتها بداية إغلاق مكاتب منظمة مجاهدي خلق بالولايات المتحدة في أبريل الماضي، من خلال التأكيد على أنها منظمة إرهابية، والتقليل من حدة المعارضة تجاه إمكانية أن تكون إيران معبر لصادرات بحر قزوين من الطاقة للعالم والسعي لتحقيق تعاون تجاه حركة طالبان.
أما الثنائي رامسفيلد - وولفوتيز فهو في حاجة لإيران العدو لإضفاء قدر أعلى من المصداقية على برنامج الحائط الدفاعي المضاد للصواريخ ذي التكاليف العالية، والذي يتبناه بوش بقوة تحت وهم امتلاك مقومات الهيمنة العالمية بشكل غير مسبوق من قبل, والحديث عن إيران "المارقة" والتي تهدد الأمن والمصالح الحيوية الأمريكية من خلال حيازتها للقدرات العسكرية بالمجالين التقليدي وغير التقليدي، ينسجم مع النتيجة النهائية التي استخصلها تقرير سبق أن أعده رامسفيلد نفسه للكونجرس عام 1998 حول المخاطر النوعية الجديدة التي تتعرض لها الولايات المتحدة على مشارف قرن جديد. ومثل هذا التباين عكس نفسه بوضوح تمام خلال الندوة التي عقدت في مارس الماضي بواشنطن حول العلاقات الأمريكية الإيرانية، والتي دعا إليها المجلس الأمريكي الإيراني برئاسة هوشنك أمير حمدي([6]) فعلى الرغم من المداخلات الداعية للتقارب وتجاوز موروث الماضي العدائي وتحديدًا في ظل هيمنة الإصلاحيين في إيران، والتي بلورها شخصيات أمثال روبرت بيلليترو وريتشارد ماتزكيه نائب رئيس شركة شيفرون وعضو الكونجرس بوبي نيي، فإن آخرين وجهوا انتقادات شديدة للسياسات الإيرانية، مهددين بدعم تمديد قانون داماتو هليمز، حال مناقشته في أغسطس القادم وفي مقدمتهم توم لانتوس، ما لم يحدث تغيير جذري بالسياسة الإيرانية غير أن أخطر ما أثار هواجس الإيرانيين، التقرير الذي صدر عن الندوة وأشار صراحة إلى "أن خطأ خاتمي الكبير، رغم جهوده لتحسين الديمقراطية تمسكه بالنظام السياسي الراهن القائم على أساس ولاية الفقيه".
ثانيًا: انهيار الرهانات الاستراتيجية:
كان لدى الإيرانيين اعتقاد عام بأن التغيير الذي حدث بالبيت الأبيض في يناير الماضي، ما من شك أنه سوف يحمل في طياته مؤشرات جديدة للتقارب معهم، ومبعث هذا الاعتقاد ليس مرجعية العامل النفطي فحسب، بل وأيضًا لبروز محددين لا يقلان أهمية عنه:
* أولهما: إعادة إحياء إدارة بوش لعقيدة الرئيس الجمهوري السابق نيكسون والقائلة بضرورة الاعتماد على دول إقليمية قوية لتنفيذ السياسة الكونية الأمريكية، ففي إطار توجهات الإدارة الجديدة نحو إعادة النظر في عمليات الانتشار العسكري الواسع الحالية حول العالم، سوف يكون من العبث المضي قدمًا في هذا الانسحاب بدون التفكير في إيجاد بدائل استراتيجية لملء فراغ القوة الناشئ عنه، ولذا سوف تكون إيران محورية في هذا التفكير تجاه منطقة الخليج نظرًا للمحددات الموضوعية المحيطة بها حاليًا، وهي العقيدة التي طورها فيما بعد بول كيندي عن الدول المحورية Pivotal State, ومن ثم فإن التقارب مع إيران يكاد يكون ضرورة حتمية للحفاظ على أمن الخليج على المدى المتوسط والبعيد في ضوء استعصاء الحالة العراقية وصعوبة (إن لم يكن استحالة) الاستعانة بها في أية ترتيبات أمنية في المدى الآني أو المتوسط بالخليج، ومقتضيات التعاون والتنسيق الاستراتيجيين بمنطقة وسط آسيا والقوقاز.
* ثانيهما: تراجع قوة تأثير المحددات الثلاثة التي بلورت مواضيع الحوار الخلافي مع واشنطن طوال حقبتي كلينتون فمع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في مايو 2000، تراجعت مستويات التصعيد غير المنضبط مع حزب الله الذي تدعمه إيران، وهو ما تزامن مع عدم رصد أية عمليات إيرانية ضد المصالح الحيوية الأمريكية، أضف لذلك أنه بتراجع فرص التسوية السياسية وعدم استعداد إدارة بوش للاضطلاع بنفس الدور الذي مارسته الإدارة السابقة، فإن معارضة إيران لعملية التسوية لن تكون عامل احتكاك مستمر مع الولايات المتحدة كما كان الحال بالسابق. ويبقى المحدد الثالث والمتعلق بسعي إيران لحيازة أسلحة الدمار الشامل وقدرات صاروخية بعيدة المدى بوصفه الأهم على جدول أعمال التقارب. والاعتقاد العام إزاء هذا المحدد الأخير كان يتجاوز فرضية إعادة تكرار النموذج الكوري مع إيران عبر إقناعها بالحوافز المادية والتقارب للتخلي عن برامجها التسليحية بالمجالين التقليدي وغير التقليدي؛ لصالح الاستفادة من القدرات الإيرانية من المنظومة الأمنية الجديدة التي تسعى الولايات المتحدة لتدشينها بالمنطقة أو على أقل تقدير تحييدها بعد التثبت من مدها الدفاعي من ناحية، وفشل سياسة احتواء إيران تحديدًا على كافة الأصعدة من ناحية ثانية، والتقارب الإيراني السعودي من ناحية أخيرة, ومن ثم تصبح إيران من أولى الدول المرشحة للخروج من دائرة التأثير الصهيوني على السياسة الخارجية الأمريكية، لتصبح علاقاتها مع الولايات المتحدة قائمة على أولويات المصالح الأمريكية في تحديد سياساتها الخارجية. غير أن محصلة التفاعلات الثنائية خلال الشهور الخمس الماضية بتعقيداتها، أظهرت عكس تلك القناعات السابقة، ومحدودية التعويل على تلك المحددات في التخفيف من حدة المعارضة الداخلية سواء بالولايات المتحدة أو في إيران للتقارب بينهما. بل أكثر من ذلك بدا وكأن هناك صعوبة في خروج إيران من دائرة التأثير الصهيوني على السياسة الخارجية الأمريكية، كما بدا في تصويت لجنة الشئون الدولية بمجلس النواب، إذ دعم قرار الإبقاء على العقوبات النواب المعروف عنهم تأييدهم المطلق لإسرائيل، وهو ما قاد تاليًا لسقوط كافة الرهانات الاستراتيجية على تحقيق تقارب سريع بين إيران وإدارة بوش، وقد بدا ذلك واضحًا من خلال إعادة التأكيد على القوة الضاغطة للمحاددات الثلاثة السابقة على تقييد التقارب. ولعل مؤتمر طهران لدعم الانتفاضة الفلسطينية الذي عقد خلال يومي 24-25 أبريل الماضي كان رسالة واضحة للزعامة الإيرانية بشقيها المحافظ والإصلاحي تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل معًا, مفادها تبني خيار التصعيد ولذا عادت المحددات الثلاثة تطفو على السطح كقاضيا ضاغطة على تقارب البلدين من جديد.
* أولاً: مزاعم دعم الإرهاب إذ عاد التركيز على علاقات إيران بحزب الله بقوة مع سلسلة العمليات الناجحة على القوات الإسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة، وتحديدًا بعد فشل كافة الضغوط الغربية التي مُورست على إيران لدفع حزب الله للتعاون مع إسرائيل في قضايا الأسرى, بل أكثر من ذلك بدأ الحديث عما أسمته وسائل الإعلام الأمريكية بـ "تحالف الإرهاب" بين حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي الذي رعته إيران في مؤتمر طهران الأخير، وأهداف هذا التعاون تجاه إسرائيل وعملية التسوية التي يتباكى عليها حاليًا.
ومن ثم أتت عملية الإدانة غير المباشرة في حادث الخبر لتشكل نقلة لها مدلولاتها تجاه تلك المزاعم، وتحديدًا لكونها أتت هذه المرة من جانب الإدارة وليس الكونجرس الأمريكي, فقد أشار وزير العدل جون أشكروفت صراحة في معرض تقريره عن نتائج التحقيقات في الحادث تفيد لائحة الاتهام أن عناصر من الحكومة الإيرانية حرضت ودعمت وأشرفت على أعضاء حزب الله السعودي, وشاركوا في تدبير الهجوم الذي أدى لمقتل 19 عسكريًا أمريكيًا في حين حرص لويس فريه مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية على التأكيد على أن تقر لائحة الاتهام بأن المتهمين الـ 13 وثلاثة منهم موجودون في إيران حاليًا وتسعة بالسعودية والأخير في لبنان، رفعوا تقارير عن أنشطتهم الخاصة بالاستطلاع الذي كانوا يقومون به لمسئولين إيرانيين تلقوا منهم الدعم والتوجيه منهم بشكل مباشر. على الرغم من الشكوك الخاصة بوجود أدلة قانونية حقيقية تدعم مزاعم وزارة العدل الأمريكية، والضغوط التي مارستها الخارجية الأمريكية على التحقيقات، فإن المحصلة هي دعم الموقف المتشدد الذي يتبناه ترويكا البنتاجون، وإمكانية الاستفادة مستقبلاً من هذه الاتهامات في أية سياسة انتقامية تجاه إيران, ولذا يكاد يكون من الصعب فصل تلك الاتهامات عن فكرة نفي المؤامرة السياسية، وإنما الرغبة في التوظيف السياسي لتلك الحادثة في مجمل التفاعلات السياسية سواء داخل المؤسسات الأمريكية ذاتها أو منطقة الخليج، عبر التدخل المناوئ في التنامي الحادث بالعلاقات الإيرانية السعودية وقد بدا ذلك واضحًا من كم التداعيات المحيطة بتلك القضية ونذكر منها:
1- أن نتائج التحقيقات أعلنت يوم 21 يونيو الماضي وقبل أن تسقط بالتقادم بعض التهم التي وردت في عريضة الاتهام مثل محاولة القتل والتآمر يوم 25 يونيو والذي يصادف الذكرى الخامسة للانفجار، وهي الفترة التي حددها القانون الأمريكي لمثل هذا التقادم.
2- كما أن تلك النتائج أتت قبل يوم واحد من ترك لويس فريه عمله في مكتب التحقيقات الفيدرالية، ومن المعروف أنه بعد خلافاته مع وزير العدل جانيت رينو في إدارة كلينتون السابقة حول سبل وغايات التحقيق استغل عمليات التغيير بالبيت الأبيض ونقل ملف القضية من مكتب المدعي العام في واشنطن إلى مكتب الادعاء الفيدرالي في ريتشموند بولاية فرجينيا, بل الأخطر أنه طوال فترة التحقيقات لم يناقش على الإطلاق فكرة توجيه الاتهامات لإيران أو المسئولين فيها سواء مع البيت الأبيض أو مسئولي وزارة العدل.
3- وفقًا لكافة التقويمات الأمريكية بأن الدوافع الحقيقية وراء الاتهامات الأخيرة ذات طابع سياسي ليس قانوني هي الرغبة في تحقيق العدالة. فالتيار المتشدد في وزارة الدفاع يرغب في الزج بإيران في تلك القضية والتوظيف السياسي لها في إدارة التفاعلات مع إيران من ناحية، وتقويض جهود المهادنة التي ترغب فيها الخارجية من ناحية أخرى. كما أن وزارة العدل ترغب في الحصول على صك قانوني يتيح لها الاستفادة من الأرصدة الإيرانية المجمدة بالبنوك الأمريكية لصالح عمليات التعويضات المتزايدة التي يطالب بها المواطنون الأمريكيون الذين تعرضوا للاختطاف أو التهديد من قبل جماعات تؤيدها إيران مثل حزب الله في لبنان. غير أن اللمحدد الأخطر في تلك القضية، هو تداعياتها المباشرة وغير المباشرة تحديدًا على العلاقات السعودية الأمريكية فالولايات المتحدة ليست لديها الحجج والمستندات الرسمية لإدانة إيران، ومن ثم القيام بعمل انتقامي عسكري ضد إيران، فهذا ليس واردًا في التفكير الاستراتيجي في المدى الآني؛ لأن في مقدوره أن يشعل منطقة الخليج برمتها، فضلاً عن تداعياته التالية على بقية الملفات الساخنة بالمنطقة وفي مقدمتها المسألة العراقية والقضية الفلسطينية أضف لذلك أن الوجهة الحالية لمسار القضية ربما تكشف مستقبلاً عن الدور الذي قام به المعارض السعودي أسامة بن لادن في بلورة أشكال المعارضة السنية للنظام الحاكم بالسعودية.
* ثانيًا: حيازة أسلحة الدمار الشامل. عادت هذه القضية لتضفي بثقلها الأكثر حدة على علاقات البلدين، فبعد الحملة الشرسة التي أطلقتها الولايات المتحدة على التعاون التسليحي بين إيران وروسيا بعد زيارة الرئيس خاتمي الأخيرة لموسكو، بدأت إدارة بوش تعيد التفكير في إحياء التنسيق والتعاون مع الدول المصدرة للسلاح والتقنية المرتبطة به لإيران، والصعوبة الحقيقية تكمن في روسيا، لكون الصين توظف تعاونها التسليحي مع إيران وتحديدًا في شقي التقنيات الخاصة بالصواريخ البالستية، والقدرات النووية في إدارة علاقاتها المصلحية مع الولايات المتحدة.
وحتى الآن لم تؤكد روسيا التقارير التي تحدثت، نقلاً عن وزير الخارجية الأمريكية كولن باول في 25 يونيو الماضي، بأن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على تشكيل مجموعة عمل سياسية دفاعية تهتم بضمان عدم انتقال التقنيات الخاصة بالأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل لإيران وغيرها من الدول التي لا تمتلك مثل هذه الأسلحة, وفقًا لأقوال باول فإنه جرى الاتفاق على تشكيل هذه المجموعة خلال القمة الروسية الأمريكية التي عقدت مؤخرًا بالعاصمة السلوفينية لوبلينا. وإن صدقت تلك التقارير فإننا أمام تفاهم مماثل لتفاهم تشيرنومردين آل جور للعام 1995, الذي كان يسعى لوقف التعاون العسكري والتقني بين سوريا وإيران بحلول العام 2001, والذي تخلت عنه روسيا رسميًا في نوفمبر الماضي. ثم جاء الدعم الإيراني للانتفاضة الفلسطينية الحالية، وتحديدًا العمليات الاستشهادية التي تقوم بها المقاومة الإسلامية ممثلة في حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لتضفي على هذه المحكات الثلاثة الخلافية ثقلها الضاغط على عرقلة التقارب. وفي النهاية فإن أحد نقاط الحسم بالعلاقات الإيرانية الأمريكية قد انقضت دون مؤشر على إمكانية حدوث تقارب بينهما، وهو الخاص بتوقيت يونيو 2001 وهو التاريخ الذي حددته إدارة بوش للانتهاء من عملية المراجعة التي تجريها لسياسة الاحتواء المزدوج بالخليج بل على العكس فقد حمل هذا التوقيت في طياته مؤشرات تصعيد أكبر في علاقات البلدين ويبقى الأمرل قائمًا بالتوقيت الثاني. أغسطس الحالي، حينما يحل الأجل النهائي لقانون داماتو - هيلمز الذي تم بمقتضاه فرض العقوبات الاقتصادية على إيران ومن قبلها ليبيا وعنده سوف تقطع الأحداث، بمقوماتها الواقعية السياسية بالتخمينات المتبقية حيال إمكانية تطور العلاقات الأمريكية الإيرانية بشقيها التعاوني أو الصراعي.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 10
أولا: على صعيد مخيمات فلسطين: مع وضوح الرؤية المستقبلية فى حتمية انبثاق الدولة الفلسطينية وما يترتب عليه من قضايا هي الآن موضع البحث و في خضم المفاوضات والنقاش مع الجانب المحتل بحضور عربي وعالمي كراعين لعملية السلام وأخرها مؤتمر أنا بليس تحت إشراف أمريكي قد يكون صادقا هذه المرة في حل عادل وفق جميع الرؤى العربية والقرارات الشرعية لقضية الصراع العربي / (الاسرائيلى) وعلى أولوياتها قضية اللاجئين وما تحويها من مفاهيم أساسية لا تقبل الجدل أو التغيير كالعودة والتعويض والتنمية وقضايا أخرى ذات أولوية لسنا بواردها الآن وإنما بصدد طرح اختيارات تدفعنا للتفكير على وضع تصورات لكيفية تطوير المخيمات الفلسطينية داخل حدود الدولة المستقلة قريباً بداية، لتكون جزءاً من التنمية الكلية وليست بمعزل عنها ، فالمخيمات مربوطة بمجاوراتها الحضرية فالخطط والتصورات للمخيمات يجب أن تؤخذ بنظرة شاملة،وذلك حتى لا نقع فى أخطاء كبيرة على المستوى الفني والسياسي والإجتماعى. الاحتياجات الأساسية للبدء فى عمل تصورات لتطوير المخيمات: 1. الحاجة إلى توافر خرائط جوية حديثة لكل مخيم مع المناطق المجاورة. 1:20.000 /1:10.000 2. الحاجة إلى توافر خرائط جوية متكاملة لكل المخيمات ضمن حدود مناطق السلطة.1:20.000 3. الحاجة إلى توافر خرائط طبوغرافية للمخيمات.1:2500 4. الحاجة إلى جولات ميدانية من أخصائيين فى العمارة فى داخل المخيمات لمعرفة أمور كثيرة وهامة (يتم تحديدها مسبقا) وذلك على أرض الواقع. 5. عقد ورشات عمل تخصصية يتم فيها دعوة المعنيين والمهتمين فى داخل المخيمات وأعضاء المجلس التشريعي فى المناطق المحددة.والجهات العاملة فى المخيمات الرسمية والأهلية. 6. الحاجة إلى تحليل دقيق للمعلومات الأولية الخاصة بالمخيمات وذلك بالتعاون الدقيق مع دائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني والجهات العاملة فى المخيمات كالوكالة ومراكز أخرى. 7. الحاجة لمعرفة ملكية الأراضي فى المناطق المعينة والمجاورات. 8. الحاجة إلى التشاور مع الجهات السياسية وإشراكها فى مناقشة التصورات المستقبلية للحلول المقترحة والتصورات المختلفة. الاعتبارات الأساسية فى عمليات تطوير المخيمات: 1. مما تقدم كان لزاماً على سياسة التخطيط أن تواكب التغيير الحتمي فى السياسات على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية لتعزيز الأنماط المختلفة للتطوير وعمليات التنمية ووضع المخيمات كأولويات فى تلك السياسات للوصول إلى تصور منطقي وعملي للنهوض بمستوى المعيشة فيها لتحقيق الأهداف الأساسية للتنمية على المستوى الوطني فى السنوات القادمة والتي بدأنا تلمسها شيئاً فشيئاً كما كانت عليها خطة التنمية الفلسطينية 99 -2003 من خلال مشروعات تحسين الظروف المعيشية فيها. 2. الإطلاع على سياسات التخطيط فى الوزارات الأخرى كتجارب فى هذا الإطار وتحليلها والاستفادة منها فعلى سبيل المثال السياسات التى اعتبرتها وزارة الإسكان بشكل مباشر أو عن طريق مجلس الإسكان ( كتجربة فى هذا الطريق) فى توفير السكن للطبقات المقتدرة لم تستطيع حتى الآن توفيرها للطبقات الفقيرة والمحرومة والذين فى أغلبهم من أبناء المخيمات وحتى أن بنك الإقراض السكاني أو البنك العقاري لم يستطيع تقديم العون لهم، فالبنوك المالية ومشاكل الضمانات- ضمانة العقار، ملكية الأرض- أمور يفتقر لها السكان بسبب عدم وجود طابو لأرض المخيمات. وبتحليل التوصيات المنبثقة عن المؤتمر الأول لإسكان ذوى الدخل المحدود فهى لم تتطرق أبداً للطبقات متدنية الدخل والفقيرة ،فهناك فارق كبير بينها وبين الطبقات محدودة الدخل ، فالأولى تخص جزءاً كبيراً من أبناء الشعب المحروم والذي نحن بصدد البحث عن كيفية مساعدته والأخذ بيده لنيل أبسط حقوقه فى ظل دولته المستقلة ألا وهم سكان المخيمات، لهذا فعلى السلطة الوطنية الفلسطينية واجب تشريع القوانين الخاصة بإعادة توطين اللاجئين من حيث الكم والكيف . فالفشل فى إيجاد حل مناسب لمشكلة اللاجئين سيكون بمثابة العودة للصراع قرناً آخر من الزمان، وكذلك الحال بالنسبة إلى إيجاد حلول لوقف وإنهاء الأوضاع البائسة للاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات لأن ذلك يعطى مبررات قائمة على تدهور وتفاقم الأوضاع على المستوى الداخلي وبالتالي قد ينعكس ذلك على المستوى الخارجي.فهل تبقى المخيمات فى داخل حدود السلطة الوطنية تجمعات للفقراء البائسين فكيف يتسنى لها استيعاب أعداداً من القادمين لأرض الوطن أو كيف لها أن تتحدى شبح الزيادة فى النمو السكاني المتزايد، أو كيف لها أن تحيى حياة كريمة أسوة ببقية المناطق الحضرية المجاورة لها. 3. حصول سكان المخيمات على الأرض والأموال اللازمة أمر ضروري لهم ومن شأن الحكومة والقطاع العام توفيرها وعلى عكس الطبقات المقتدرة وذات الدخل الكافي والتي من شأن القطاع الخاص لعب دوراً هاماً فى عمليات التطور والبناء فى خارج المخيمات. 4. أما فيما يتعلق بتأسيس جمعيات الإسكان التعاونية لشرائح من الطبقات الفقيرة والتي باءت بالفشل حتى الآن.كما اتضح من خلال المؤتمر الأول لإسكان ذوى الدخل المحدود عام 1999 لهو دليل قاطع على أن القطاع الخاص فى هذه المسألة بالذات لن يستطيع التدخل لعدم وجود جدوى اقتصادية من وراء ذلك،وهذا يعزز من أن القطاع العام والرسمي يجب أن يضع الخطط والسياسات الخاصة والعمل على تحقيقها للوصول إلى إنصاف هذه الشريحة العريضة من الشعب الفلسطيني.أسوة بتجارب دول العالم فى هذا الشأن. 5. العمل على استثمار الموارد البشرية والمادية المتاحة بشكل أمثل وسليم لتحقيق عدالة التوزيع وتوفير فرص العمل فهي ركائز التنمية للوصول إلى التطور الإجتماعى والإقتصادى لاحقاً للمخيمات. 6. الأخذ فى الاعتبار المشاكل والمعوقات الخاصة داخل المخيمات فهذا ليس بالأمر السهل فى وجود نسبة 44 % من السكان دون 15 عام ( أي لا يشاركون فى عناصر التطوير ) ونمو سكاني يبلغ 3.5 % وحالات ولادة بلغت 46.3 % فى (مخيمات محافظات غزة تحديداً ) ،وفى وجود بطالة لم تقل عن 20 % فى أفضل الحالات وتصل إلى الضعف فى حالات الإغلاق ، مما سيؤدى بلا شك إلى زيادة الموارد تجاه السلع الاستهلاكية ويقلص بالمقابل التوجه نحو الإنتاج وذلك لسد حاجات التعليم والصحة والمسكن .وهى القضايا الجوهرية فى بلد كثير السكان طبقاً للمساحات المعمورة حيث بلغت الكثافة أكثر من 2600 نسمة لكل/كم مربع.وهذه دلائل ومؤشرات تضاف إلى سابقاتها لتؤكد وبقوة على ما نطرحه من أن الجهات الرسمية من خلال القطاع العام هى الوحيدة القادرة على إيجاد حلول ليست بالحلول السحرية أو السريعة ولكنها تؤدى إلى تحقيق الأهداف المنشودة بالنسبة للمخيمات. 7. فلو فرضنا بأن 50 % من المخيمات بحاجة إلى تطوير فنحن بحاجة إلى حسابات أولية للت كلفات ( يتم حسابها على أسس معرفة الوحدات السكنية التى يجب هدمها كلياً، وعلى أساس استقدام مواد البناء من مصر على سبيل المثال أو غيرها على أن تكون خالية من الضرائب لخدمة الغرض حيث أن أثمانها الآن تبلغ ضعف ما هي عليه فى الدول العربية المجاورة، وعلى أساس أن متوسط نسبة المقيمين خارج مخيمات فلسطين تبلغ 35.5 % ). 8. إن تحقيق مصلحة المجتمع الفقير فى المخيمات ورفع مستوى معيشته منوط بالدور الكبير الذى ينتظر القطاع العام والمشرف على تحقيق ومتابعة تنفيذ الخطط التنموية الصحيحة والشاملة حيث سيستفيد منه كافة الشعب فهو القادر على تأمين المصلحة العامة ومن ناحية أخرى سيعمل على تحقيق مصالح القطاع الخاص دون أن ينعكس بسلبياته على هذه الشريحة من الشعب وسيحافظ على الأهداف المطروحة وإلا ستكون حبراً على ورق، فالمطلوب من الجهات المسئولة فى السلطة الوطنية الفلسطينية تحديد الأهداف التنموية بشكل واضح بالنسبة للمخيمات وتعمل على تحقيقها من خلال القطاع العام، لذا فتقوية هذا القطاع ودعمه وتوجيهه نحو المخيمات هدفاً إستراتيجياً دون أن ننسى أهمية مساهمة القطاع الخاص بالجانب المنوط به فقط. 9. الاطلاع والاستفادة من جميع المؤتمرات الدولية للسكان التي عقدت فى بوخارست عام 74 وفى المكسيك عام 84 والقاهرة عام 94 وإسطنبول عام 96، وحسب مؤتمر البرلمانيين للتنمية والسكان فى كولومبو عام 79: فإنها جميعاً أكدت على المبدأ المركزي للتنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية هو جزء رئيسي ضمن الأهداف والسياسات السكانية لرفع مستوى المعيشة وتحسين نوعية الحياة كما وأكدت على ربط برامج السكان مع خطط التنمية خصوصاً المتعلقة بنواحي الصحة والإسكان والتعليم والبيئة والعمالة واستخدام الموارد. 10. تبقى حقيقة لابد من التنويه لها ألا وهى أن معدل النمو السكاني فى المخيمات لا يخضع لمبدأ القاعدة المتعارف عليها عالمياً حيث تتأثر بعوامل (التغذية، الصحة، التعليم ،التربية و الحروب )،حيث نرى أنه رغماً عن سقوط آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين وإجهاض مئات النساء الحوامل خلال المسيرة النضالية الطويلة إلا أن نسبة المواليد زادت عن معدلها وتم القضاء على أمراض سوء التغذية وكثير من الأمراض المألوفة للأطفال والتعليم وصل إلى نسبة 88.4 % ،منها نسبة حملة الشهادات العليا والمتوسطة 4.4 % حسب تقارير وكالة الغوث ودائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني. آلية العمل لوضع تصورات لتخطيط المخيمات: 1. دراسة تجمعات المدن والقرى القريبة من المخيمات من حيث السكان وأعدادهم والمساحات المشغولة والمساحات الخضراء والمساحات المفتوحة ومن حيث ملكيات الأراضي. 2. دراسة إحصائيات سكانية خلال فترة معينة لإظهار التزايد السكاني المستقبلي فيها على قاعدة الواقع. 3. تحليل للمشاكل المتواجدة فى المخيمات( سياسية،اجتماعية،اقتصادية). 4. دراسة تفصيلية لمواقع فى المخيم المراد تطويرها والعمل على ربطها بمناطق مجاورة متحضرة من نفس المخيم أو من مناطق حضرية قريبة. 5. تجهيز ما يلزم من خرائط جوية وطبوغرافية وتفصيلية حديثة كما بيناها آنفاً. 6. دراسة نوعية للمساكن بهدف فرز المناطق المراد استبدالها ومدى جدوى ترميمها. 7. يمكن اختيار نموذج لمخيم ما فى محافظات غزة وآخر فى محافظات الضفة حيث يتم تطبيق العمل عليهما كتجربة قد تكون رائدة وتطبق فى جميع المخيمات. 8. التطوير العمراني يجب أن يأخذ المتجه الآتى: * تحديد نسب الهدم الكلى والجزئي بدقة لبعض المناطق المراد تطويرها. * مراعاة أن يأخذ في التصاميم الطابع العربي والاسلامى وخصائصه حسب الموقع سواء مساكن شعبية أو مساكن عالية لتتناسب مع جميع الأذواق للسكان ، والأخذ في الاعتبارات الارتفاعات وتدرجها من الغرب إلى الشرق على سبيل المثال في مناطق قطاع غزة. * التركيز على المناطق الخضراء ومناطق الترفيه . * توسيع الخدمات الأساسية كالمدارس والمرافق العامة ومنشآت الشباب. * ربط المناطق المطورة ببقية المناطق الحضرية المجاورة. * عمل دراسات أولية للت كلفات الاقتصادية لتصور المبالغ المطلوبة للبدء فى العمل. وهذا يدفعنا للتأكيد على أن التنمية فى المخيمات يجب أن تخضع لدراسات خاصة وعلى أرضية الواقع وليس بتطبيق النظريات ومسميات يتم تطبيقها عالمياً أثبتت فشلها للطبقات الفقيرة حتى الآن ولكن هناك تجارب كل من بريطانيا وفرنسا ومصر لتطوير المناطق الفقيرة عن طريق القطاع العام والرسمي والتى أثبتت نجاحها ولكن الكثير لا يقفون عندها ويتم تبرير نقدهم لها على تكلفتها على القطاع العام لاستثناء دوره ووضع القطاع الخاص فى مكانه ، وهذا حسب تفسيرنا مرجعه إلى الصراع الأيدلوجي فقط والذي ساد فترات الحرب الباردة ولكن بعد انتهائه ما زالت الأفكار القديمة عالقة … فهل يستمر الفقراء والبائسين بدفع فواتير هذا الصراع الذي أضحى فى صفحات التاريخ ؟. وليضع كل من يستطيع فكرة أو اقتراح ليكون بمثابة حجر في بناء وطن حتما قادم إن شاء الله. إلى اللقاء