بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: معمر العاني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 12
المبحث الثالث
القضايا اللغوية والنحوية والبلاغية في الكتاب
حفل كتاب ابن الأنباري بالكثير من قضايا اللغة، فلم يكتفِ بذكر معاني الأضداد، وإنما زاد في ذكر قضايا النحو والصرف والصوت والدلالة وعلم البلاغة، مما يدل على علمه الواسع وثقافته الغزيرة، فأخذ منه النحويون والبلاغيون، ومن اهتم باللغة وعلومها، وصدق ابن النديم في قوله: "كان – ابن الأنباري – في غاية الذكاء والفطنة، وجودة القريحة، وسرعة الحفظ يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب".(1)
وبدوره ذكر الأزهري بأن ابن الأنباري: "كان أعلم من شاهدتُ بكتاب الله ومعانيه وإعرابه ومعرفة اختلاف أهل العلم في شكله".(2)
وأرى أن من الضروري التعرض لتلك القضايا التي أوردها ابن الأنباري في كتابه، وسأتناول ما استطعت من هذه القضايا :
أ. القضايا الصرفية:
وقد تعرض للكثير من القضايا الصرفية في أضداده والتي أعانت على حدوث الأضداد وبيان المعاني، وفهم التفسير، ومن ذلك ما يأتي:
الصيغ الصرفية
قال: وأما معنى التهمة، فهو أن تقول ظننت فلاناً فتستغني عن الخبر لأنك تريد اتهمته ولو كان بمعنى الشك المحض لم يقتصر به على منصوب واحد. ويقال: فلان عندي ظنين، أي منهم، وأصله مظنون فصرف عن مفعول إلى فعيل كما قالوا: مطبوخ وطبيخ"(3).
جمع التكسير:
قال: "والقُرءُ حرف من الأضداد يقال: القُرءُ للطهر، وهو مذهب أهل الحجاز، والقُرءُ: للحيض، وهو مذهب أهل العراق، ويقال في جمعه: أقراءُ وقرُوءُ.."(5) وهذا مما يطرد جمعه على القلة والكثرة.(6)
وقد يتعرض للجمع والتثنية في شرحه لأحد الألفاظ، قال ابن الأنباري: "ويقال في تثنية الندّ: نِدّان، وفي جمعه أنداد، ومن العرب من لا يثنيه ولا يجمعه ولا يؤنثّه فيقول: الرجلان ندّى، والرجال ندّى، والمرأة ندّى، والنساء نِدّى.
كما قالوا: القوم مثلى، أو أمثالى، قال الله – عز وجلّ – (ثم لا يكونوا أمثالكم)(1)
الإدغام والإبدال:
يرى عدد من الدارسين أنهما من الموضوعات التي توجد فيها صعوبة في استيعابها بسبب قواعدها المتشابكة وصورها المتخيلة، إذ يقتربان من دراسة اللهجات أحياناً والأصوات في أحيان أخرى(2). ولكننا نجد أن ابن الأنباري يعالج عدداً من الألفاظ ببيان ما طرأ عليهما من أمور الإدغام أو الإقلاب، قال: وكان أبو البلاد النحوي ينشد هذا البيت:
عسعس حتى لو يشاء ادنَّا كان له من ضَوئه مقبس
ومعناه: لو يشاء إذا دنا، فتركت همزة إذ، وأبدلوا من الذال دالاً، وأدغموها في الدال التي بعدها.."(3).
التمييز بين الاسم والمصدر:
فرق ابن الانباري في مواضع عدة بين الاسم والمصدر لما لذلك من أهمية في تحديد المعنى بشكل دقيق. قال: ويقال في دعاء للعرب: به للورى وحمَّى خيبري، وشرُّ ما يُرى فإنه يسري(4). وقال أبو العباس: الوَرْى المصدر بتسكين الراء، والوَرَى بفتح الراء: الاسم".(5)
صيغ الأفعال:
ووقع على الصيغة الصحيحة للأفعال التي فيها لبس عند الدارس أو الباحث. قال: "ويقال أرديت الرجل إذا أعنته من قول الله – عز وجلّ – "فأرسله معي ردءاً يصدقني" معناه: عوناً، ويقال منه: أردأت الرجل، وأرديتُهُ، فمن قال: أرداته: ليّن الهمزة، ومن قال: أرديتُه انتقل عن الهمزة وشبه أرديت بأرضيت.."(6)
ب. الظواهر اللغوية:
الفروق اللغوية :كما في قوله:والذّفر: من الأضداد، يقال: شَممِمت للطبيب ذَفَرا، وللنتن ذفرا، والذفر: حدة الريح في الطيب والنتن جميعاً، والدّفر بتسكين الفاء مع الدال لا يقال إلا في النتن. من ذلك قولهم: الدنيا أم دفر، وللأمة يا دَفار، ومنه قول عمر بن الخطاب – رحمه الله – وادفراه.."(2)
الترادف كقوله: أن يقع اللفظان المختلفان على المعنى الواحد كقولك: البر والحنطة، والعير والحمار، والذئب والسيد، وجلس وقعد، وذهب ومضى.."(3)
جـ. القضايا النحوية:
لا يختلف اثنان على سليقة ابن الانباري النحوية ونحيزته الإعرابية، واطلاّعه الواسع على آراء النحويين ومذاهبهم، وذلك لكثرة المسائل التي جاءت في كتابه، ومن ذلك:
الأفعال التي تنصب مفعولين: في قوله: قال الله –عز وجلّ – "وإن هم إلا يظنون" فمعناه: وإن هم إلا يكذبون، ولو كان على معنى الشك لاستوفى منصوبيه أو ما يقوم مقامهما.."(4)
التأكيد: ومنه قوله: "وينشد في هذا المعنى أيضاً:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره نبييٌّ اتى من عند ذي العرش صادق
معناه: أتانا فلم نعدله بغيره، على هذا أكثر الناس، ويقال فيه: قولان آخران.
وسواه: صلة للكلام معناها التوكيد، كما قال الله – عز وجلّ – "ليس كمثله شيء".
أراد: ليس كهو شيء فأكد بمثال، قال الشاعر:
وقتلى كمثل جذوع النخـ ل يغشاهم سَبَل منهمر (1)
الأفعال الناقصة: ومنه قوله: وقال أبو عبيدة: كان من الأضداد، يقال: كان للماضي، وكان للمستقبل، فأما كونها للماضي فلا يحتاج لها أي شاهد وأما كونها للمستقبل فقول الشاعر:
فأدركت من قد كان قبلي ولم أدعْ لمن كان بعدي في القصائد مصنعا
أراد: لمن يكون بعدي. قال: وتكون كان زائدة كقوله تعالى: "وكان الله غفوراً رحيماً". ومعناه: والله غفور رحيم.(2)
الحذف: ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا". قال: وقال آخرون: محال أن يكون الله – عز وجلّ – عرض الأمانة على السموات في ذاتها لأنها مما لا يكلف عملا بفعل ثواباً وإنما المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال فأبوا أن يحملوها فحذف الأهل وقام الذي بعده مقامه وجعل (أبين) للسماوات والأرض والجبال لقيامها مقام الأهل، كما قالوا: يا خيل الله اركبي، وأبشري بالجنة. أرادوا: يا فرسان خيل الله اركبوا فاقيم الخيل مقام الفرسان.(3)
النائب عن المصدر: قال: "وقال الفراء: مرحباً وأهلاً وسهلاً: حروف وضعت في موضع المصدر، يذهب الفراء إلى أن التأويل رحّب الله بك ترحيباً وأهلّك تأهيلاً وسهّل امورك تسهيلاً فأقيمت الأسماء مقام المصادر".(4)
المصدر النائب عن فعل الأمر: قال ابن الأنباري: وظَفَار اسم مدينة في اليمن، وإليه ينسب الجزع الظفاري، وظفار: كسرت لأنها أجريت مجرى ما سُمي بالأمر كقولك قطام وحَذام لأنهما على مثال: قوالِ وَنَظار، ومن ذلك حلاقِ من أسماء المنيّة.."(5)
الاستثناء: قال في قول تعالى: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم".
فمعناه: لا معصوم اليوم من أمر الله إلا المرحوم، ويجوز أن يكون عاصم بمعنى فاعل، وتكون مَن في موضع نصب أو رفع على الاستثناء المتقطع.."(1)
الضمائر: قال: "ومما يشبه حروف الأضداد نحن، يقع على الواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث، فيقول الواحد: نحن فعلنا، وكذلك يقول الاثنان والجميع والمؤنث.."(2)
الحروف والأدوات: قال: "ومن حرف من الأضداد: تكون لبعض الشيء، وتكون لكله، فكونها للتبعيض لا تحتاج فيه إلى شاهد، وكونها بمعنى كل شاهده قول الله – عز وجلّ – "ولهم فيها من كل الثمرات" معناه كل الثمرات.."(3)
التصغير: قال: والجذيل تصغير الجذل، وهو الجذع: وأصل الشجرة.
والعَذيق: تصغير العِذق وهو الكياسة والشمّراخ العظيم.."(4)
د. القضايا البلاغية:
امتلك ابن الانباري حساً بلاغياً من خلال الآراء التي جاء بها في كتابه، فتعرض للفنون البلاغية المختلفة كالجناس والاستعارة والتشبيه وغيرها، ومنها:
الاستعارة: في شرحه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استثفري وتحيضي في علم الله ستا أو سبعاً ثم اغتسلي وصلي"(2).
قال: واستثفري له معنيان: يجوز أن يكون شبَه اللجام للمرأة بالثفر للدابة إذا كان ثفر الدابة يقع تحت الذنب، ويجوز أن يكون استثفري كناية عن الفرج لأن الثفر للسباع بمنزلة الحياء للناقلة ثم يستعار من السباع فيجعل للناس وغيرهم.
قال الأخطل:
جزى الله فيها الأعورين ملامة وفروةَ ثِفرَ الثورةِ المتضاجم(3)
فجعل للبقرة ثفراً على جهة الاستعارة.(4)
المجاز والتشبيه: قال ابن الأنباري: وقال امرؤ القيس:
وأفلَتَهنّ عِلياءَ جريضا ولو أدركنه حَفِرَ الوطابُ
فُسر قوله صَفِر الوطاب تفسيرين: أحدهما: قُتِلَ وأخرج روحه من جسده، فصار جسده بعد خروج الروح منه كالوطب الخالي من اللبن، والوطب للّبن بمنزلة الزّقِّ للعسل والنّحي للسمن، وتأويل صَفِرَ: خلا. جاء في الحديث: إن أصفرَ البيوت لبيت لا يُقرأ فيه كتاب الله.
والتفسير الآخر: لو أدركت الخيل عِلباء قتل.
وأخذت إبله فَصَفِرت وِطابه من اللبن. فالجواب الأول على المجاز والتشبيه"(5)
2. شواهد الكتاب ومصادره
تنوعت شواهد كتاب ابن الأنباري كثيراًَ، واشتملت على القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي وأقوال العلماء القدماء وأمثالهم. وفي ذلك يقول آل ياسين: وشواهد ابن الأنباري في الكتاب كثيرة جداً ومتنوعة تنوعاً عجيباً أكسبت كتابه هذه الضخامة والسعة بحيث لو أننا جردنا الكتاب من الشواهد واقتصرنا على مواد الأضداد وبيان معانيها المتضادة فقد لم يبقَ في أيدينا إلا جزء صغير لا يتعدى ثلث الكتاب... وبلغ عدد الآيات التي استشهد بها في الكتـــاب (269) آية، والأحاديث (53) حديثاً، والأشعار (796) بيتاً، وأنصافل الأبيات (11) شطراً، والأرجـاز (99) رجزاً، ومثل هذه الأعداد استشهد بالأمثال والأخبار والمأثور وهكذا.."(1)
وأرى أننا لا يمكن في هذا المقام أن نستقصي هذه الشواهد التي بلغت المئات، ولكنني سأورد كيفية تناوله لهذه الشواهد.
القرآن الكريم:
أتى ابن الأنباري على جميع القرآن الكريم فاستقى من سوره، وفسّر عدداً منها، وذكر آراء المفسرين في ذلك، ويمكن أن نوضح ما يأتي:
أ. تفسير الآيات القرآنية:
قال ابن الأنباري: "ومما يفسر كتاب الله – عز وجلّ – تفسيرين متضادين قوله – جلّ اسمه – (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه). فيقول بعض المفسرين: الرجل المؤمن هو من آل فرعون؛ أي: من أمته وحيه ومن يدانيه في النسب. ويقول آخرون: الرجل المؤمن ليس من آل فرعون، إنما يكتم إيمانه من آل فرعون، وتقدير الآية عندهم: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون".(2)
ب. مناقشته لآراء المفسرين والإتيان بآراء جديدة:
ومن ذلك رأيه في آيات سورة يوسف التي أثارت جدلاً بين المفسرين، والآية: "ولقد همّت به وهمّ بها". قال ابن الأنباري: "ولا وجه لأن نؤخر ما قدم الله، وتقدم ما أخر الله" فيقال: معنى (ةهم بها) التأخير مع قوله – عز وجلّ – "لولا أن رأى برهان ربه" إذ كان الواجب علينا واللازم لنا أن نحمل القرآن على لفظه، وأن لا نزيله عن نظمه – إذا لم تدْعنا إلى ذلك ضرورة – وما دعتنا إليه في هذه الآية ضرورة – فإذا حملنا الآية على ظاهرها ونظمها كان (همّ بها) معطوفاً على (همّت به) – و (لولا) صرف مبتدأ جوابه محذوف بعده، يراد به لولا أن رأى برهان ربه لزنى بها بعد الهمّ – فلما رأى البرهان زال الهم – ووقع الانصراف عن العزم"(1).
جـ. يتعرض في شروحه إلى القراءات القرآنية:
قال في قوله تعالى: "يرونهم مثليهم رأي العين"، ومن قرأ "تَروْنهم مِثليهم" جعل الفعل لليهود أي: يا معاشر اليهود – ترون المشركين مثلي المسلمين – وقال أبو عمرو بن العلاء: من قرأ (ترونهم) بالتاء لزمه أن يقول: مثليكم – فرُدّ هذا القول على أبي عمرو – وقيل: المخاطبون: اليهود، و(الهاء) و (الميم) المتصلتان بمثل للمسلمين"(2).
الحديث الشريف:
استشسهد ابن الأنباري بالحديث النبوي في توثيق آراءه، ومن أهم ما وجدته في استشهاده بالحديث أمرين:
أحدهما: شرحه لعدد من الأحاديث النبوية، وعدم الاكتفاء بذكرها، ومن ذلك قوله، وفي الحديث: "أفضل الحجّ العجُّ والثجُّ" فالعجُّ: التلبية، والثجُّ: صب الدماء.(3)
الآخر: يذكر في أحاصين أكثر من رواية للحديث، نحو قوله: عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما هاجر إلى المدينة ودخلها جاءت ناقته إلى موضع المنبر فاستناخت وتلحلحت، وفي غير هذا الحديث: وأزرمت.
فمعنى تلحلحت ها هنا: أقامت وثبتت.(4)
الشعر العربي:
يعدّ الشعر من أكثر شواهد ابن الأنباري في أضداده، قال آل ياسين: استشهد بشعراء من مختلف العصور، ففيهم الجاهليون كامرئ القيس، والأعشى، وزهير بن أبي سلمى، وفيهم الإسلاميون المخضرمون وفي صدر الإسلام كحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، ومنهم الأمويون كالأخطل والكميت، ولم يستشهد للعباسيين مطلقاً كأنه مما لا يحتج بلغتهم في الشعر.(1) ولستُ هنا بصدد ذكر الشعراء الذين استشهد لهم ابن الأنباري، والذي كان له فضلٌ كبير إذ عرفنا على ذلك الموروث اللغوي العظيم، ولكنني رصدت عدداً من النقاط التي اتبعها ابن الأنباري في شواهده الشعرية، وهي:
أ. بين الشعر بالشعر: وذلك في مواطن عدّة، فيأتي بالبيت من الشعر ثم يتبعه بما يشبهه، قال: "قال الشاعر يصف قِدراً:
تقسم ما فيها فإن هي قُسمَت فذاك وإن أكرت فعن أهلها تكرى
أراد: فإن نقصت فعن أهلها تنقص، أي: ضرر النقصان على أهلها يرجع.
وشبيه بهذا قول الآخر:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
أي: "أقسم قون فيأكل منه جماعة من الناس...."(2)
فجاء بالبيت الشعري المشابه لما سبقه من باب التوضيح والبيان.
ب. يأتي بالمعاني المتضادة ثم يورد الشواهد عليها: وقد يذكر أحد المعنيين ويأتي بالشاهد ثم يتبعه بالمعنى الآخر وشاهده، وهي كثيرة في الكتاب، من ذلك قوله: وأرديت حرف من الأضداد، يقال: أرديت الرجل إذا أهلكته...
قال علي بن أبي طالب – رضوان الله عليه:
ولا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه فكم من جاهل أردى حليماً حين أخاه
وينتقل إلى المعنى الآخر: ويقال: أرديت الرجل إذا أعنَته من قول الله – عز وجلّ – "فأرسله معي ردءاً يصدقني".(3)
جـ. يورد أكثر من رواية للبيت الواحد، قال:
ظن بهم كعسى وهم بتنوفه يتنازعون جوائز الأمثال
أراد ظن بهم كيقين ويروى (سوائر الأمثال) ويروى (جوائب الأمثال)(1).
د. اهتم ابن الأنباري في مناسبة القول والقائل: فيطالعنا بذكر المناسبة وقائلها من الشعراء في مواضع عدة من الكتاب، من ذلك قوله: قالت امرأة من العرب ترثي عمرو بن عبد ود، وتذكر قتل علي بن أبي طالب – رضوان الله عليه – إياه:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته ما أقام الروح في جسدي
لكن قاتله من لا يعاب به وكان يُدعى قديماً بيضة البلد(2)
هـ. لم أجد ابن الأنباري يكتفي بذكر الشاهد الشعري: وإنما يعلل مجيء عدد من الألفاظ على صيغة معينة، وينقل آراء العلماء في الشواهد، قال:
قال عمران بن حطان:
بَراك تراباً ثم صَيَّرك نطفة فسوّاك حتى صرت مُلتَئم الأسر
الأسر: الخلق – من قول الله عز وجلّ – (وشددنا أسرهم)، وأراد عمران ثم صَيَّرك فأسكن الراء وأكثر ما يقع هذا التخفيف في الياء والواو.(3)
وينقل نقد العلماء لأقوال الشعراء، قال: ويقال: قد دوّم الطائر في السماء: إذا تحرّك وذار، وقال الأصمعيّ: لا يقال: دوّم إلا في السماء، وقال: أخطأ ذو الرمّة في قوله:
حتى إذا دوّمت في الأرض راجَعَه كِبر ولو شاء نجَّى نفسه الهربُ(4)
أقوال الصحابة والسلف الصالح:
وهذا يزاد إلى توثيقه للنصوص والحكم على المعاني بدقة، قال: "من ذلك الحديث المروي عن عمر – رحمه الله – أنه قال لما مات خالد بن الوليد: ما على نساء بني ؤالمغيرة أن يُرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع ولا لقلقة"، فالنقع: الصياح، واللقلقة: الولولة"(1).
الأمثال والحكم:
لم يغفل ابن الأنباري عنها، قال: ويقال في مثل يضرب للرجل الحازم: لا يُدَبُّ له الضِراءُ، ولا يُمشى له الخمر. فالضراء: ما ستر الإنسان من الأشجار خاصة، والخمرُ: ما ستره من الأشجار وغيره.
مصادر الكتاب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: معمر العاني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 13
المبحث الثاني
سبب نشوء الأضداد
إن لنشوء الأضداد أو حدوثه أسباباً وتبريرات وآراء كثيرة يمكن الرجوع إليها في مظانها(1) وذلك تجنباً إلى تكرارها وتفادياً للإطالة والتعداد، واعتقاداً منا بأن الواقع العلمي الفعلي في هذا الكتاب يكفي لبيان وقوعه، وتوضيح الكثير من أسبابه وملابساته وإدراك طبيعة نشوئه، فأسباب نشوء الأضداد بحسب ما جاء في الكتاب نوردها في النقاط الآتية:-
أ. تداخل اللهجات:
أشار ابن الأنباري إلى هذا الأمر فقال: "إذا وقع الحرف على معنيين متضادين، فمحال أن يكون العربي أوقعه عليهما بمساواة منه بينهما، ولكن أحد المعنيين لحي من العرب، والمعنى الآخر لحي غيره، ثم سمع بعضهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء، وهؤلاء عن هؤلاء وقالوا الجون: الأبيض في لغة حي من العرب، والجون: الأسود في لغة حيّ آخر ثم أخذ أحد الفريقين من الآخر"(2).
ومن الأمثلة التي أوردها ابن الأنباري قوله: "السُدفة حرف من الأضداد ، فبنو تميم يذهبون إلى أنها الظلمة، وقيس يذهبون إلى أنها الضوء، قال الأصمعي: يقال: أسدف أي: تنحَّ عن الضوء، وقال غيره: أهل مكة يقولون للرجل الواقف على البيت: أسدف يا رجل، أي تنحّ عن الضوء حتى يبدو لنا، قال ابن مقبل:
وليلة قد جعلت ُالصبحَ موعدها بصدرة العنس حتى تَعرفَ السُّدفَا
العنس: الناقة – ومعنى البيت: إني كلفت هذه الناقة السير إلى أن يبدو الضوء وتراه، وقال الآخر:
قد أسدف الليل وصاح الحِنزاب
أراد بأسدفَ: أضاء – والحنزاب: الديك وقالت امرأة تذكر زوجها:
لا يرتدي مرادي الحرير ولا يرى بسدفة الأمير
أي: لا يرى بقصر الأمير الأبيض الحسن، وزعم بعض الناس أن السُدفة في هذا البيت: الباب، وأن العرب تذهب بالسدفة إلى معنى الباب.
وقال ذو الرمة:
ولما رأى الرائي الثريا بسدفةِ ونشت نطاف المبقيات الوقائع (1)
ويروي (ونشت بقايا المبقيات) السُّدفة في هذا البيت: الظلمة وقال الآخر:
وأطعت الليل إذا ما أسدفا(2)
وقال بعض شعراء هذيل:
وماءٍ وردت قبيل الكرى وقد جنّه السدف الأدهم
أراد بالشدف الظلمة –
وقال ابراهيم بن هرمة
إليك خاضت بنا الظلماء مُسدفة والبيد تقطع فنداً بعد أفناد
المسدفة: الداخلة في الظلمة، والفند: الشمراخ من الجبل،
وقال جدُّ جرير المعروف بالخطفي:
يرفعن لليل اذا ما أسدفا أعتاق ضان وهاما رُجفا
وعنقا بعد الكلال خطفا
ويروي خطيفا وقال ابن السكيت: قال الفراء: يقال: أتيته بُسدفة، وشُدفة، وسَّدفة، وهو السَّدف والشدف.
ويبدو أن هناك عدداً من الألفاظ "تطورت صورة بعضاً منها حتى ماثلت البعض الآخر وهكذا رويت لنا متحدة الصورة مختلفة المعنى"(3).
ب. العوامل النفسية والاجتماعية:
يندرج تحت هذا السبب : التفاؤل والتشاؤم، والتهكم والسخرية.... الخ.
ومثال ذلك ما جاء على سبيل التفاؤل قول ابن الأنباري: "والسليم حرف من الأضداد، يقال: سليم للسالم، وسليم للملدوغ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن في الحي سليماً، أي: ملدوغاً، وقال الشاعر:
يُلاقي من تذكر آل ليلى كما يلقى السليم من العداد
العِداد: العلة التي تأخذ الإنسان في وقت معروف نحو الحُمَّى الرِّبع، والغِب، وما أشبه ذلك،
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما زالت أكلة خيبر تعادنّي، فهذا أوان قطعت أبهري، والأبد: عرق معلق بالقلب إذا انقطع مات الإنسان، قال الشاعر:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الفلام وراء الغيب بالحجر
وقال الأصمعي وأبو عبيد: إنما سُمي الملدوغ سليماً على جهة التفاؤل بالسلامة، كما سميت المهلكة مفازة على جهة التفاؤل لمن دخلها بالفوز. وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال: قال بعض العرب: إنما سمي الملدوغ سليماً لأنه مُسلَمٌ لمآبه. قال أبو بكر: الأصل منه مُسَلم فصرف عن مُفعل إلى فعيل كما قال الله عز وجل: "تلك آيات الكتاب الحكيم" أراد المحكم(1). ومما جاء بسبب الاستهزاء والتهكم قول ابن الانباري: "ومما يشبه الأضداد أيضاً قولهم للعاقل – يا عاقل- وللجاهل إذا استهزؤا به يا عاقل: يريدون: يا عاقل عند نفسه قال - عز وجل -:"ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ" معناه: عند نفسك، فأما عندنا فلست عزيزاً ولا كريماً وكذلك قوله عز وجل – فيما حكاه عن مخاطبة قوم شعيب بقولهم: "إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ" أرادوا: أنت الحليم الرشيد عند نفسك قال الشاعر:
فقلت لسيدنا ياحلــ يم إنك لم تأس أسوا رفيقا
أراد: يا حليم عند نفسك، فإنما عندي فأنت سفيه!(2).
جـ. التغير في الوحدات الصرفية:
إن المتتبع لكتاب ابن الأنباري يستشعر دور الاشتقاق الصرفي، والتباس الصيغ المختلفة في خلق الأضداد. ومن الأمثلة التي أوردها ابن الأنباري على التحول في الصيغ الصرفية ومن ثم حدوث الضدية قوله: "والعائذ حرف من الأضداد، يكون للفاعل: ويكون المفعول، يقال: رجل عائذ بفلان، بمعنى "فاعل" ويقال ناقة عائذ – أي-: حديثة النتاج وهي مفعولة، لأن ولدها يعوذ بها، وجمعها عوذ، وقال أبو ذؤيب:
وإن حديثاً منك لو تبدلينه جنى النحل في البان عود مطافل
مطافيل أبكار حديث نتاجها تُشاب بماء مثل ماء المفاصل
قال الأصمعي: المفاصل: منقطع الجبل من الرملة، وفيه رضراض وحصى صغار، فالماء يرق عليه زيصفو – وقال أبو عبيدة: المفاصل: مسايل الوادي – وقال أبو عمرو: المفاصل: مفاصل العظام، وقال الآخر:
لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قريبة الأجل(1)
فالفاعل أتى للفاعل والمفعول، وتأتي ألفاظاً على فعول تنصرف للفاعل والمفعول.
ومنه قول الأنباري: والرغوث، مثله يقال: رغوث للتي يرغثها ولدها، فيكون للمفعول، ويقال: رغوث للولد الذي يرغثها، فيكون للفاعل"(2).
ويأتي فعيل على فاعل ومفعول، قال ابن الأنباري: "والقنيص حرف من الأضداد يقال القنيص: للقانص، ويقال: للمفعول أيضاً: قنيص – ويكون القنيص بمعنى الفعل والمصدر، قال الشاعر:
تقنصك الخيل وتصطادك الطـ ير ولا تُنكع لهو القنيص
معنى تنكع: تُخلّى، والقنيص- وتمتع بلهوه(3).
ويأتي مُفتعل على فاعل ومفعول، قال ابن الأنباري: "والمتظلم حرف من الأضداد، يقال للرجل الظالم: متظلم وللمظلوم متظلم، قال نايفة بني جعدة:
وما يشعر الرمح الأصم كعوبه بثورة رهط الأبلخ المتظلم
الأبلخ: المتكبر، والمتظلم: الظالم، قال المخبل:
وإنا لنعطي النصف من لو نضي أقر ونأبى نخوة المتظلم
ويقال: قد تظلم الرجل اذا ظلم، وطلب النصرة، وقد تظلم إذا ظلم، قال الشاعر:
تظلمني مالي خديج وعقنى على حين كانت كالحنى ضلوعي
وقال الآخر:
تظلمن مالي كذا ولوي يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
أراد: ظلمني!(1)
ويبدو أن تمام حسان لم يجانب الصواب عندما أقر بأن المبنى الصرفي صالح لأن يعبر عن أكثر من معنى واحد ما دام غير متحقق بعلامة ما في سياق ما، فإذا تحقق المعنى بعلامة أصبح نصاً في معنى واحد بعينه تحدده القرائن اللفظية والمعنوية والحالية على السواء(2).
د. المجاز:
لا يخفى على كل ذي بصيرة في اللغة دور المجاز في تكوين العديد من مفردات اللغة ومعانيها، وهو مظهر من مظاهر التطور الدلالي فيها، والعربية لغة التوسع المجازي، "وباب المجاز مفتوح على مصراعيه، كما يقول أحد المعجمين العرب"(3)، "والمجاز القديم مصيره إلى الحقيقة"(4).
وأقر ابن الأنباري المجاز كونه سبباً في حدوث ضدية عدد من الألفاظ من خلال ما عرضه من مواد لغوية في كتابه، ويرى آل ياسين أن قول ابن الأنباري: "ومما يشبه الأضداد" قصد به المجاز وإن لم يصرح بذلك(5)، ونقل الباحث أيوب سالم رأي آل ياسين في رسالته الأضداد في اللغة العربية ونسبه الى نفسه من غير ان يشير الى صاحب الرأي .
ومن الأمثلة على دور المجاز قول ابن الأنباري: "ومن الحروف أيضاً الظعينة، المرأة في الهودج، والظعينة: الهودج، وقد يقال للمرأة وهي في بيتها: ظعينة، والأصل ذال، وقال ابن السكيت يقال: بعير ظعون إذا كان يحمل الظعائن، قال زهير:
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن تحمّلن بالعلياء من فوق جُرثم(1)
وأنشدنا أبو العباس:
إن الظعائن يوم حزم سويقة أبكين عند فراقهن عيونا
وقال أبو عكرمة الضبي: قال بعض أهل اللغة: لا يقال للمرأة ظعينة حتى تكون في هودج على جمل، فإن لم يجتمع لها هذا الأمران لم يقل لها ظعينة"(2). ويرى عدد من اللغويين أن مثل هذه اللفظة قد تطورت دلالتها إلى مجال آخر لعلاقة مكانية أو سببية بين مدلولين فكانت من الأضداد(3).
ولم يقتصر المجاز على قول ابن الأنباري: "ومما يشبه الأضداد" كما ذكر آل ياسين وإنما يتعدى إلى ألفاظ أخرى لم يصرح بها، ونجد دلالتها في كلامه(4).
هـ. القلب والبدال:
قال ابن الأنباري: "وصار حرف من الأضداد. يقال: صرت الشيء إذا جمعته وصرته إذا قطعته وفرقته، وفسر الناس قوله تعالى عز وجل:- (فصرهن إليك) على ضربين: فقال ابن عباس: معناه: قطعهن، وقال غيره معناه: ضمهن إليك، فالذين قالوا معناه قطعهن قالوا: "إلى" مقدمة في المعنى، والتأويل: فخذ أربعة من الطير إليك، فصرهن أي: قطعنَّ، وقال الفراء: بنو سليم يقولون: فصرهن، وقال: أنشدني الكسائي عن بعض بني سليم:
وفرع يصير الجيد وحف كأنه على الليت قنوان الكروم الدوالح
أراد يضم الجيد.
قال أبو بكر: واستضعف الفراء مذهب من قال: صرهن قطعن، وقال: لا نعرف صار بمعنى قطع إلا أن يكون الأصل فيه صرى فقدمت الراء إلى موضع العين وأخرت العين إلى موضع اللام، كما قالوا: عاث في الأرض وعثا، وقاع على الناقة وقعا، وقال الآخر: حجةً لمن قال صار جمع"(1).
و. دلالة الفعل على السلب والايجاب:
عرض ابن الأنباري ذلك في صيغة الفعل: (أخفى) فقال: "وأخفيت حرف من الأضداد، فقال: أخفيت الشيء إذا سترته، وأخفيته إذا أظهرته، قال الله عز وجل:- (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) فمعناه: أكاد أسترها وفي قراءة أبي: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم" (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك).
ويقال معنى الآية: إن الساعة آتية أكاد أظهرها، ويقال: خفيت الشيء إذا أظهرته ولا يقع هذا – أعني الذي لا ألف فيه، على الستر والتغطية، قال الفراء: حدثنا الكسائي عن محمد بن سهل عن وقاء عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أكاد أخفيها" فمعنى أخفيها أظهرها، وقال عبيدة بن الطيب :
يخفى التراب باظلاف ثمانية في أربع مسهن الأرض تحليل
أراد يظهر التراب.."(2)
ز. دلالة الألفاظ على المفرد والجمع:
قال ابن الأنباري: "وضعف حرف من الأضداد، عند بعض أهل اللغة يكون ضعف الشيء مثله، ويكون مثليه، قال الله عز وجل: (يضاعف لها العذاب ضعفين)، وقال أبو العباس عن الأثرم، عن أبي عبيدة معناه: يجعل العذاب ثلاثة أعذبة. قال: وضعف: الشيء مثله، وضعفاه: مثلاه، وقال أبو عبد الله هشام بن معاوية: إذا قال الرجل: إن أعطيتني درهماً فلك ضعفاه معناه: فلك مثلاه، قال: والعرب لا تفرد واحدهما، إنما تتكلم بها بالتثنية، وقال غير هشام وأبي عبيدة: يقع الضعف على المثلين، وقال أبو بكر: وفي كلام الفراء دلالة على هذا"(3).
وبعد ذكر أسباب حدوث الأضداد كما وجدتها ظاهرة في كتاب ابن الأنباري لا بد من الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن الكثير من آراء العلماء التي تشتمل على أسباب حدوث الأضداد قد ساقوها بالاعتماد على أضداد ابن الأنباري.
الآخر: هناك تباين في آراء العلماء حول سبب حدوث الأضداد في لفظة الجون مثلاً، فصاحبنا ابن الأنباري يرجعها إلى تداخل اللهجات، وابن فارس يردها إلى أصل الوضع اللغوي، في حين يردها علي عبد الواحد وافي إلى الاقتراض من اللغات الأخرى، ويرى إبراهيم أنيس: أن هذه المادة قد حدث فيها مخالفة صوتية أدت إلى الأضداد(2).
وهذا بدوره يقودنا إلى نتيجة مفادها: أن هناك عدداً من الألفاظ لم تصل فيها آراء العلماء إلى أحكام دقيقة، لذا ينبغي الوقف عليها من جدبد من خلال البحث والتدقيق للخروج بنتائج حاسمة.
2. أنواع الأضداد في الكتاب
أورد ابن الأنباري عدداً من أنواع الأضداد لا نكاد نجدها مرتبة ترتيباً معيناً، وإنما كانت موزعة على الكتاب كله، وسأورد ما تتبعته بالنقاط الاتية :
1. الأضداد في الأسماء: قال قطرب: "الحرفة من الأضداد، يقال: قد أصرف الرجل إصرافاً، إذا نما ماله وكثر، والاسم الحرفة من هذا المعنى، قال والحرفة عند الناس: الفقر، وقلة الكسب، وليست من كلام العرب إنما تقولها العامة(1).
2. الأضداد في الأفعال: : "وأسررت من الأضداد أيضاً، يكون أسررت بمعنى: كتمت وهو الغالب على الحرف، ويكون بمعنى أظهرت، قال الله عز وجل: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) فمعنى أسروا هنا: كتموا وقـال- تبارك وتعالى- في غير هذا الموضوع: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب)، فقال الفراء والمفسرون: معناه: وأظهروا الندامة عند معاينة العذاب، واحتجا بقول الفرزدق:
ولما رأى الحجاج جرّد سيفه أسرّ الحروري الذي كان أضمرا(2)
معناه: أظهر الحروري(3)
3. الأضداد في الحروف: و (أو) حرف من الأضداد، تكون بمعنى الشك في قولهم: يقوم هذا أو هذا، أي: يقوم أحدهما وتكون معطوفة في الشيء المعلوم الذي لا شك فيه كقول جرير:
نال الخلافة أو ت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر(4)
أراد: وكانت، وقال توبة بن الحُمير:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها
أراد: وعليها،..... وتكون: أي بمعنى التخيير كقولك للرجل، جالس الفقهاء أو النحويين، فمعناه: إن جالست الفريقين فأنت مصيب أيضاً، وتكون أو بمعنى بل كقوله عز وجلّ: (إلى مائة ألف أو يزيدون)، فمعناه: بل يزيدون...."(5).
4. الأضداد في المصادر : "ومن الأضداد التفطر، التفطر: أن لا يخرج من لبن الناقة شيء، والتفطر: الحلب، والتفطر: الانشقاق، قال الله عز وجل: (تكاد السموات يتفطرن منه)(6).
5. الأضداد في المشتقات: "والسارب أيضاً من الأضداد، يكون السارب: المتواري من قولهم: قد أنسرب الرجل، إذا غاب وتوارى عنك، فكأنه دخل سرياً، والسارب: الظاهر، قال الله عز وجل: (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار)، ففي المستخفي قولان: يقال هو المتواري في بيته، ويقال هو الظاهر، وفي تفسير السارب قولان أيضاً: هو المتواري، ويقال: هو الظاهر البارز، قال قيس بن الخطيم:
أني سريت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب
ويروي: أني اهتديت، أراد: أي ظهرت وكنت غير ظاهرة ،وقد يفسر على المعنى الآخر، ومن قال: السارب: الظاهر، قال: سرب الرجل يسرب سرباً: إذا ظهر"(1).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: معمر العاني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 9
المبحث الأول
حياة ابن الأنباري وثقافته
ذكر الزبيدي (1170هـ) في طبقاته بأن اسمه: أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسين بن بيسان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة الأنباري، ولد في بغداد يوم الأحد، لأحد عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين، ونشأ في كنف أبيه القاسم، وكان أحد أعلام الأدب في عصره، وأخذ عن أحمد بن يحي المعروف بثعلب، وكان أنجب طلابه وألمعهم، كما أخذ عن إسماعيل القاضي، وأبي العباس الكديمي، وأحمد بن الهيم البزاز وطبقتهم، ولم يلبث أن أصبح إماماً في اللغة والنحو والأدب والتفسير، وعدّ من أعلام الطبقة السادسة من النحويين الكوفيين أصحاب ثعلب(1).
وتحدث عنه ثلةً كبيرة من أرباب اللغة والمؤرخين، لما كان يتمتع به من علم وثقافة ومؤلفات كثيرة.
ذكر ابن النديم أنه "في غاية الذكاء والفطنة، وجودة القريحة، وسرعة الحفظ، وكان مع ذلك ورعاً من الصالحين، لا يعرف حرمة ولا زلة، وكان يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب"(2).
أتقن علوم القرآن والحديث واللغة والرواية، وكان عالماً بالنحو الكوفي(3)، وحفظ المئات من الشواهد المختلفة، وله مؤلفات عدة وقد ذكرها محمد أبو الفضل إبراهيم وهي(4):
1. أدب الكاتب، ذكره ابن النديم وياقوت.
2. الأضداد، ومجاله في هذا البحث.
3. الأمالي، ذكره ياقوت.
4. الألفات، ومنه نسخة بمكتبة لاله لي.
5. إيضاح الوقف والابتداء، ومنه نسخ مخطوطة في الإسكندرية وحلب.
6. الرد على من خالف مصحف عثمان، ذكره ياقوت.
7. الزاهر في معاني الكلمات التي يستعملها الناس في صلاتهم وتسبيحهم، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية، واختصره الزجاجي (415هـ).
8. السبع الطوال، في دار الكتب المصرية.
9. شرح المفظليات- وطبع بمطبعة الآباء اليسوعيين.
10. ضمائر القرآن، ذكره صاحب كشف الظنون، ونقل عن الزركشي في البرهان.
11. غريب الحديث، ذكره ابن النديم.
12. الكافي في النحو، ذكره ابن النديم وياقوت.
13. اللامات، ذكره ابن النديم وياقوت.
14. المجالس، ذكره القفطي وسماه ياقوت (المجالسات).
15. المذكر والمؤنث.
16. مسائل ابن شنبوذ، ذكره ابن النديم وياقوت والقفطي.
17. المشكل في معاني القرآن، ذكره ابن النديم وياقوت وابن خلكان.
18. المقصور والمحدود، ذكره ابن النديم وياقوت والقفطي.
19. الهاءات في كتاب الله عز وجل، ومنه نسخة مخطوطة في باريس.
20. كتاب الهجاء، ذكره ابن النديم وياقوت.
21. الواضح في النحو، ذكره ابن النديم وياقوت.
أما وفاته فقيل: (327هـ) وقيل (328هـ).
كتاب الأضداد
سبب التأليف:
ذكر ابن الأنباري أن الدافع لتأليفه الكتاب هو الرد على الطاعنين في لغة العرب، واصفاً إياهم بأهل الزيغ و الشعويين، فقال: "هذا كتاب ذكر الحروف التي تُوقعها العرب على المعاني المتضادة، فيكون الحرف منها مؤدياً على معنيين، ويظنُّ أهل البدع والزيغ والازدراء بالعرب، أن ذلك كان منهم لنُقصان حكمتهم، وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم"(1).
وبدوره عقبّ محمد حسين آل ياسين على قول الأنباري: بأنه "يشير هذا إلى دوافع الكتاب ويرسم لنفسه الطريق، ثم يحاول بعد ذلك أن يجيب على ما أثار أهل البدع والازدراء بالعرب بأجوبة مختلفة تفنّد أشكالهم في الالتباس الذي يحصل من جرّاء انصراف اللفظة الواحدة إلى المعنيين المتضادين(1).
ولم يقتصر داعي التأليف على رد إدعاء أهل البدع والزيغ، وإنما اشتمل على جميع ألفاظ الأضداد من مظانها والتوسع فيها وزيادة ألفاظ أخرى، قال الأنباري: "وقد جمع قوم من أهل اللغة الحروف المتضادّة، صنفوا في إحصائها كتباً نظرت فيها، فوجدت كل واحد منهم أتى من الحروف بجزء، وأسقط منها جزءاً، وأكثرهم أمسك على الاعتدال لها فرأيت أن أجمعها في كتابنا هذا على حسب معرفتي، ومبلغ علمي، ليستغني كاتبه، والناظر فيه عن الكتب القديمة المؤلفة في مثل معناه إذا اشتمل على جميع ما فيها، ولم تقدم منه زيادة الفوائد، وحسن البيان، واستيفاء الاحتجاج، واستقصاء الشواهد"(2)، فنرى ابن الأنباري مندفعاً إلى الإحصاء غير الواعي واللمم المنظم، ليكون هذا مجالاً للمكاثرة بالمادة والمفاخرة بالعلم والتوسع بالرواية والنقل، وإن كان قد عرض أيضاً إلى هذه التفسيرات السابقة وغيرها أثناء معالجته لبعض الألفاظ في الكتاب(3).
وأرى أننا يمكن أن نضيف أمرين ، أحدهما : لايمكن أن نغفل عن الوازع الديني ودوره بالمحافظة على لغة القرآن الكريم، فهو من الأسباب التي دفعت اللغويين والباحثين إلى جمع ألفاظ اللغة، والغور في بحورها، واستخراج كنوزها، وهذا ما قام به ابن الأنباري في هذا الكتاب.
الآخر: لا نجانب الصواب إذا قررنا بأن دور ابن الأنباري في هذا الكتاب كان أعظم من غيره ممن ألفوا في الأضداد، فقد دافع ابن الأنباري عن اللغة العربية عندما طعن الأعداء فيها لوجود ظاهرة الأضداد، أما غيره من اللغويين فقد دافعوا عن هذه الظاهرة من خلال إثباتها، ولكونها لا تمس اللغة العربية بسوء، ولعمري إن البون شاسع بين دفاع صاحبنا ودفاع غيره، وإن كان ذلك كله يصب في مصلحة اللغة العربية.
أهمية كتاب الأضداد:
يُعد كتاب الأضداد لابن الأنباري من أجلّ ما ألف في موضوع الأضداد، وأكمل المحاولات الجادة لدراسة هذه الظاهرة، بما اشتمل عليه من مواد لغوية وشواهد مختلفة ونصوص لأرباب اللغة، ومناقشة لآرائهم، وتأييد بعضها وتفنيد الآخر، فنهل منه الدارسون والباحثون، كونه يمثل مرحلة النضج في التأليف اللغوي لهذه الظاهرة.
وقد أثنى عليه جل المؤلفين، واللغويين والمؤرخين في مظانهم اللغوية(1)، كما أثنى عليه من حقق هذا الكتاب، فقال أبو الفضل: أعظم هذه الكتب خطراً، وأوسعها كلماً، وأحفظها بالشواهد، وأشملها لعلل"(2).
وذكر الدسوقي أن كتاب الأنباري جاء "بجميع ما ضمته كتب الأضداد من قبله، ويزيد عليها ما اهتدى إليه، ويناقشها مبدياً رأيه فيها، موضحاً المراد منها..."(3).
ويمكن لنا أن نجمل أهمية الكتاب بالنقاط الآتية:
1. تتحلى أهمية الكتاب من خلال دفاع ابن الأنباري عن اللغة العربية، وإثبات هذه الظاهرة اللغوية، ورده على أهل البدع والزيغ والازدراء.
2. أتى ابن الأنباري بجميع الألفاظ التي ذكرها من سبقه وزاد عليها ألفاظاً أخرى، وقد أحصى أيوب سالم في رسالته الألفاظ التي انفرد بها ابن الأنباري(5)، فانفرد عن قطرب بمائة وخمس وثمانين لفظة، وعن الأصمعي (213- 216هـ) بمائتين وأربع وثمانين لفظة، وعن ابن السكيت بمائتين وسبع وسبعين، وعن الجستاني بمائتين وإحدى وثلاثين، وعن أبي الطيب بمائتين وثلاث وعشرين، وعن ابن الدهان بمائة وإحدى وخمسين، وعن الاغاني بمائة وثمانين لفظة.
وذكر حسين نصار أن ابن الأنباري قد ذكر جميع ما في أضداد ابن السكيت والجستاني ما عدا قريباً من ثلاثين أهملها لشكه فيها، وجميع ما في أضداد قطرب غير اثنا عشر ضداً، وكان قطرب قد انفرد بعشر منها(1)، والفيصل في إحصاء الأعداد كان يستأهل الدراسة والبحث، فانبرى ثلة من الدارسين إلى إحصاء ألفاظه وبيان ما زاد منها عن غيره وما لم يذكره من الأضداد.
3. يعد الكتاب من أهم المدونات اللغوية وأكملها نضجاً، ويتأتى ذلك من العصر الذي كان فيه ابن الأنباري، إذ بلغت فيه المظان اللغوية الذروة من خلال موضوعاتها وطريقة عرض المادة، ووصف آل ياسين الكتاب بقوله: "إنه مرحلة جديدة من التأليف في الأضداد، إذ ألفه ابن الأنباري متأثراً بمحاولات سابقة: الفراء(207هـ) والأصمعي، وأبي عبيدة (221هـ)، وثعلب وغيرهم، محاولاً أن يجمع بينها ليكمل بعضها بعضا، مضيفاً إليها من رأيه الخاص، بمنهج أكثر شمولاً ونضجاً"(2).
1. انماز الكتاب عن غيره من كتب الأضداد بزيادة أنواع فيه، فلم يقتصر على الألفاظ وإنما تعدى إلى أن يفسر القرآن بالقرآن تفسيرين متضادين، ويفسر الحديث النبوي تفسيرين متضادين، ويفسر الشعر تفسيرين متضادين، ويفسر قول العرب تفسيرين يشبهان الأضداد(3).
5- كما يعد هذا الكتاب المنطلق الذي انطلق منه الدارسون في دراساتهم اللغوية الحديثة ولا سيّما في السياق والدلالة. يقول آل ياسين: " إن ابن الأنباري هو أول من فسر التضاد، فانفتح لكثير من الباحثين الغربيين والعرب هذا الباب، فراحوا يفسرون المشترك بالسياق أيضاً، وأيدوا هذه الفكرة بالنسبة للأضداد"(4).
والحقيقة أن التعرف على الأبعاد أو المجالات الدلالية للكلمات والتراكيب اللغوية المكتسبة من أضداد لابن الأنباري تمكن الفرد من استغلال الطاقات المتوافرة في الألفاظ التي جاءت فيه، للتعبير عن مكنونات النفس، ودقائق الفكر، وتوازع الوجدان، بما يتلاءم مع كافة الظروف النفسية والاجتماعية، ومع السياقات اللغوية المختلفة.
تحقيق الكتاب:-
يقول كارل بروكلمان: "بقى من مصنفاته – محمد بن القاسم الأنباري – كتاب الأضداد: نشره هوتيسما في ليدن سنه 1883م، على أساس مخطوط ليدن، ونشر أيضاً في القاهرة سنة 1325هـ عن الطبعة السابقة"(1).
وكتاب ليدن كان طبعة علمية جيدة، ووضع له فهارس منوعة، وعنى بإخراجه عنايةً مشكورة، ثم عن هذه الطبعة نشرت في مصر ولم تخل من الخطأ والتحريف(2).
ويبدو أن هذه الطبعة ظلّت في متناول الدارسين والباحثين والقراء، ينهلون منها ما يخص موضوع الأضداد إلى أن قام محمد أبو الفضل إبراهيم بتحقيق أضداد ابن الأنباري سنة 1987ليأتي ذلك ضمن سلسلة التراث العربي التي أصدرتها دائرة المطبوعات والنشر في الكويت.
تحقيق أبي الفضل للكتاب:-
قام صلاح الدين المنجد بتصدير الكتاب المحقق، وذكر أنه يدور حول الألفاظ التي تحتمل معنيين متضادين في اللغة العربية(3).
وقد اعتنى أبو الفضل بتحقيق هذا الكتاب عناية كبيرة، فهو من فرسان هذا الميدان، وسبق أن حقق كثيراً من كتب الأصول القديمة... وشارك علماء آخرين في تحقيق كتب أخرى، وهذه الكتب أحسن دليل على فضل المحقق وما بذله من جهوده لإحياء آثار العرب(4).
وفي تحقيقه للكتاب نجد أن أبا الفضل قد بدأ فيه بمقدمته ذكر فيها تعريف الأضداد ، معرجاً على جدل العلماء في إثباتها أو إنكارها، ذاكراً أهم العلماء من الطائفتين، ثم انتقلت إلى التعريف بأهم الكتب التي اشتملت على الأضداد.
قال أبو الفضل: "قام الدكتور أوغست هفنر بنشر كتب الأضداد للأصمعي والسجستاني وابن السكيت والصاغاني، وطبعت هذه المجموعة طبعة علمية جيدة في بيروت سنة 1913، كما نشر الأستاذ هانس كوفلر كتاب أبي علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب في مجلة إسلاميكا (المجلد الخامس) سنة 1931. ثم نشر محمد آل ياسين كتاب ابن الدهان، ونقل السيوطي (911هـ) أن ممن ألف في ذلك أبو البركات الأنباري (577هـ)، وظهرت فصول منه في كتاب الجمهرة لابــن دريد (321هـ) والغريب لأبي عبيدة، والمخصص لابن سيده، وفقه اللغة العربية للثعالبي (429هـ)، وديـوان الأدب للفـارابي (350هـ)(1).
والمتتبع لتحقيق أبي الفضل يجد أنه اشتمل على ثلاثمائة وسبع وخمسين مادة في الأضداد، وقد ضمّن تحقيقه بالحواشي التي ذكر فيها شروحاً للألفاظ الغامضة، والإحالات للشواهد القرآنية والأحاديث النبوية، والشعر العربي والأعلام، ثم ختم كتابه بفهارس اشتملت على ألفاظ الأضداد مرتبة على الألف بائية ، ثم الآيات القرآنية، فالأحاديث النبوية، وفهرس القوافي، والأرجاز، وأنصاف الأبيات، والأعلام، وفهرس القبائل والأمم، والأماكن.
تحقيق محمد إبراهيم الدسوقي
جاء الدسوقي ليقوم بمحاولة جادة لإعادة تحقيقه، وطبع الكتاب في مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع في مصر.
وبيّن الدسوقي السبب الذي دفعه لإعادة تحقيقه بقوله: "ورغبة في التيسير على أبنائنا الباحثين عن خصائص لغتنا، وإسهاماً في معاونتهم على الإحاطة بأسرار اللغة، وامتلاك ناصية الكلام كان لا بد من إعادة تحقيقه بمزيد من تخريج الأحاديث والقرآن والروايات الشعرية مع تسليط الأضواء على كثير من الألفاظ والأساليب، والإشارات ليتسنى لهم فهم النص، والإحاطة به، والاستدلال عليه على خير وجه"(3).
وعلى عادة المحققين السابقين، بدأ الدسوقي مقدمة تحقيقه بتعريف الأضداد، وأهم من ألّف فيها، وعرج على حياة الأنباري، ومن أخذ عنهم وأخذوا عنه من العلماء، ثم شرح منهجيته في تحقيق الكتاب.
وفي الحواشي نجد شروحاً لعدد من الألفاظ التي تلتبس على القارئ، وأشار فيها إلى المصادر المعتمدة، وخرّج فيها الشواهد القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية، وكان عدد المواد التي شرحها في كتابه ثلاثمائة وست وخمسين مادة.
أما فهارسه فلم تشتمل إلا على الألفاظ من غير ذكر الآيات والأحاديث والأبيات الشعرية.
وبعد هذه الجولة في الكتابين المحققين أرى الأمور الآتية:-
1. اختلف المحققان في تسمية عنوان الكتاب، فأبو الفضل سماه: كتاب الأضداد، والدسوقي سماه: الأضداد في اللغة، وأرى أن تسميته الصحيحة هي: الأضداد، من غير ذكر لفظة قبله، وهذا ما وجد في مظان اللغة.
2. اختلفا في عدد المواد المحققة، فالأول كانت ثلاثمائة وسبع وخمسين لفظة، والآخر ثلاثمائة وست وخمسين لفظة.
3. اشتمل الأول على فهارس أكثر من الآخر، وإن كان الدسوقي أكثر شرحاً في الحواشي من أبي الفضل.
3. كتب الأضداد
شغلت ظاهرة الأضداد مساحة كبيرة في المظان اللغوية، ونالت اهتمام اللغويين، الذين رسموا طرقاً عدة لمعالجة هذه الظاهرة في كتبهم.
ويرى إبراهيم أنيس أن اهتداء الرواة وعلماء اللغة إلى مواد الأضداد كان نتيجة ولعهم بالتماس فرائد العربية ونوادرها وغريبها (1)، فيما يرى آل ياسين أن جمع ألفاظ الأضداد وتلمسها في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر والأمثال ولغة التخاطب من لدن العلماء كان دافعه استطراف هذه الألفاظ من جهة وخدمة القرآن من جهة أخرى(2).
وسنورد من ألف في الأضداد بحسب ما وردت في الكتب اللغوية(1):
1. أضداد قطرب، 2- الأصمعي،3-ابن السكيت،4-السجستاني،5-ابن الأنباري،
6- ابن الدهان،7- الصاغاتي.
وأورد علماء آخرين ظاهرة الأضداد في كتبهم اللغوية ومنهم:(2)
الفراء،أبو عبيدة (210هـ)،التوزي،أبوعبيد القاسم (244هـ)،ثعلب،
الآمدي (370هـ)،ابن فارس (395هـ)،عبد الله ابن القاضي (1304هـ).
(1) ينظر:طبقات اللغويين والنحويين 167- 172.
(2) الفهرست 75.
(3) ينظر: التهذيب 70، معجم الإدباء 18/307.
(4) الأضداد للأنباري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (و).
(1) الأضداد 7.
(1) الأضداد في اللغة 433.
(2) الأضداد 12.
(3) الأضداد في اللغة 436.
(1) ينظر: طبقات النحويين واللغويين 127، الفهرست 93، تأريخ الأدب العربي لبروكلمان 2/186.
(2) الأَضداد، تحقيق محمد إبراهيم أبو الفضل (ج).
(3) الأضداد، تحقيق محمد إبراهيم الدسوقي 4.
(5) ينظر: ظاهرة الأضداد في اللغة العربية رسالة ماجستير 151.
(1) ينظر مدخل تعريف الأضداد 107.
(2) الأضداد في اللغة 433.
(3) ينظر في أضداد الأنباري المواد: 265، 285، 343، 381.
(4) الأضداد في اللغة 433.
(1) تأريخ الأدب العربي 2/168.
(2) الأضداد، مقدمة المحقق أبي الفضل (ز).
(3) المصدر نفسه – تصدير الكتاب.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: معمر العاني
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 13
المقدمة
خالص الحمد وجزيله لله، كما يليق بجمال وجهه وعظيم سلطانه، على ما أنعم ويسّر وأتمّ ، وأفضل الصلاة والسلام على النبي الحبيب، كما يليق بمقامه الشريف وشخصه الكريم لما فتح لنا من أبواب العلم والعرفان وهدانا إلى منابع البحث والتدبر والبيان.
أما بعد:
فإن اللغة العربية أكثر اللغات بلاغة وفصاحة، وأجملها لفظاً وأغزرها بالمعاني الأخاذة الدقيقة والصور الجميلة الرقيقة، وهي في ذات الوقت مليئة بالمعاني القوية المحكمة، ولهذا اختارها الله سبحانه تعالى لتكون لغة القرآن العظيم، ولسان النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك أمارة واضحة على ما لها من منزلة وما فيها من قابليات لا توجد في سواها من اللغات.
لذلك قام علماء اللغة بالبحث والدراسة، والاستقصاء لكنوز هذه اللغة، والغور في أعماقها يدفعهم حسهم الديني وإيمانهم بضرورة الحفاظ على هذا التراث العظيم. والألفاظ المؤتلفة المختلفة المعاني لتشكل مع ما صدر لها من شروح ودار حولها من مناقشات جزءاً مهماً من تراثنا اللغوي والأدبي، غير أن موقف اللغويين حيال هذه الألفاظ كان وما يزال خلافياً غير مستقر، كما أن الكتب التي تناولت هذه الألفاظ تختلف في منهجيتها ودراستها لهذه الظاهرة، مما جعل هذه الألفاظ جديرة بالبحث والدراسة والاستقصاء.
ومن بين الكتب التي عالجت هذه الألفاظ التي أطلق عليها الأضداد، كتاب ابن الأنباري الذي يعد من أنهج كتب الأضداد وأوسعها، مما جعلني أختار هذا الكتاب للبحث والدراسة , وعند قراءتي للكتاب رأيت أن أقسم البحث على ثلاثة فصول، وقبلها مهّدت للحديث عن تعريف الأضداد وآراء اللغويين في هذه الظاهرة، ثم شرعت في الفصل الأول ببيان حياة ابن الأنباري وثقافته، وكتابه المحقق، وأهم كتب الأضداد المصنفة.
واشتمل الفصل الثاني على سبب نشوء الأضداد في الكتاب، والأنواع التي ذكرها من الأضداد، والمنهجية التي سار عليها في شروطه، وتتبعت المآخذ التي ظهرت في هذا الكتاب.
أما فصل الختام – الفصل الثالث – فتضمن نظرة عميقة على القضايا اللغوية الصرفية والنحوية والبلاغية التي أتى عليها في كتابه لدعم آراءه وتدقيق أحكامه، ثم عرجت على أهم شواهد الكتاب ومصادره التي اعتمدها في تقرير معاني الأضداد أو إنكارها.
وفي نهاية المطاف أتيت بجملة من النتائج التي ظهرت لي خلال مسيرة البحث في هذا الكتاب.
الباحث
التمهيد
1. تعريف الأضداد
الأضداد لغةً:- الضد: "كل شيء ضاد شيئاً ليفعله، والسواد ضد البياض، والموت ضد الحياة، والليل ضد النهار، إذا جاء هذا ذهب ذلك، قال ابن سيده: ضد الشيء وضديده وضدّيدته: خلافه، قال ابن السكيت: حكى لنا أبو عمرو الضد: مثل الشيء، والضد خلافه"(1).
واصطلاحاً:- لم يتفق دارسو العربية على تعريف واحد لمفهوم التضاد، ولعل أول من أشار إلى مفهوم الأضداد هو سيبويه (180هـ) حين قسم الألفاظ والمعاني فقال: "أعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين نحو جلس وذهب، واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو ذهب وانطلق، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضالة، وأشباه هذا كثير"(2).
وأخذ قطرب (206هـ) الوجه الثالث من تقسيم سيبويه الخاص بالمشترك اللفظي، فقال: "فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعداً، ومن هذا اللفظ الذي يجيء على معنيين فصاعداً ما يكون متضاداً في الشيء وضده"(3). وهو بذلك يطلق مصطلح الأضداد على ما اتفق لفظه واختلف معناه.
وبدوره حدّد ابن الأنباري (328هـ) مفهوم الضدية التي أطلقها قطرب فقال: "الحروف التي توقعها العرب على المعاني المتضادَّة، فيكون الحرف منها مؤدياً على معنيين مختلفين.(4)
ويطالعنا أبو الطيب اللغوي (351هـ) في كتابه الأضداد، بتحديد معنى الضدية فقال: "والأضداد جمع ضد، وضد كل شيء ما نافاه، نحو البياض والسواد، والسخاء والبخل، والشجاعة والجبن، وليس كل ما خالف الشيء ضداً له، ألا ترى أن القوة والجهل مختلفان وليس ضدين، وإنما ضد القوة الضعف، وضد الجهل العلم، فالاختلاف أعم من التضاد، إذ كان كل متضادين مختلفين وليس متضادين"(5).
ويرى عدد من الباحثين المحدثين أن: " التضاد فرع من فروع الاشتراك، ولكن آتيه أن تختلف دلالتا اللفظ المشترك اختلافاً يبلغ الغاية حتى تكون إحداهما نقيض الأخرى(3).
2. آراء العلماء في الأضداد
اختلف العلماء في توجيه هذه الظاهرة ففريق يراها حُلة تزهو بها العربية على أخواتها من اللغات، تمدها بمزيد من الامتياز والثراء، وفريق آخر يراها مطعناً على العربية يسلبها بهاء الفصاحة، ويخلع عليها أثواب الغموض.
والحقيقة أن هذه الآراء المتضاربة جاءت من أجل الوصول إلى قرار حاسم يحدد طبيعة هذه الظاهرة، وليس من المناسب هنا ذكر هذه الآراء، لأن المقام لا يسمح بذلك، لا سيّما وأن الكثير من اللغوين والباحثين قد تعرض لهذه الآراء ودوّنها في مؤلفه(4).
ويمكن لنا أن نوجز آراء الفريقين تماشياً مع مقتضيات هذا البحث، وذلك بذكر الأعلام الذين أبدوا هذه الظاهرة أو أنكروها.
فكل من ألّف في الأضداد يمكن عدّه من المؤيدين لهـذه الظاهـرة، ومنهم قطـرب، والسجستاني(244هـ) وابن السكيت (248هـ)، وابن الأنباري، وأبو الطيب اللغوي، وابن الدهان(569هـ)، والصاغاني (650هـ).
ويعدّ محمد بن القاسم الأنباري الذي خصصنا هذا البحث لتناول كتابه الأضداد من أكثر المؤيدين لهذه الظاهرة، فهو يرى أن وقوع الضدّ في كلام العرب أمر جائز، لأن سياق الكلام يحدد المراد منه، وفي ذلك يقول: " كلام العرب يصحح بعضه بعضاً، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه، واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنهما يتقدمها، ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد"(1).
وأقر ابن سيدة (458هـ) في المخصص بوجود الأضداد، فأورد دليلين عقليين أحدهما: سماعي والآخر قياسي.(2).
أما المحدثون المؤيدون للأضداد فهم كُثر، وقد أوردهم محمد حسين آل ياسين في دراسته للأضداد.(3). ومن المحدثين المتحمسين لهذه الظاهرة توفيق محمد شاهين، إذ عدَّ الأضداد من وسائل تنمية اللغة(4)، في حين ذهب الرافعي مذهباً وسطاً، وعدّ وجود عدد منها في زمن اختلطت فيها اللغات مع بعضها(5). وهذا ما نجده عند منصور فهمي، وإبراهيم السامرائي الذي درس الشواهد التي جاءت بها الكتب المشتملة على الأضداد وأنكر منها مائة وخمسين لفظة(6).
أما من أنكر هذه الظاهرة، فيطالعنا ابن دستوريه (347 هـ (برأيه الذي ذكر فيه أن الألفاظ التي تشير إلى معنيين متضادين لا بدّ من أن ترد إلى أصلها الذي لا يمكن إلا أن يكون واحداً(7).
وأورد الجواليقي ( ) في شرح أدب الكاتب قولاً لثعلب (291هـ) يؤيد ما ذهب إليه ابن دستوريه(8).
ومن المحدثين الذين أنكروا الظاهرة: عبد الفتاح بدوي، إذ عدّها دليلاً على عدم الإبانة، منكراً على ابن الأنباري دفاعه عن الأضداد(9).
ويرى حسين نصار أننا حين "نتبع الأقوال التي أتى بها المنكرون لدعم رأيهم لا نجد فيما بين أيدينا من مراجع غير أقوال قليلة لا تدل على حقيقة موقفهم دلالة كافية"(1).
وبعد هذه الجولة الموجزة في آراء العلماء أرى الأمور الآتية:
1. إن من التعسف بمكان نفي ظاهرة الأضداد جملةً وتفصيلاً فهذا أمر واقع لا مفر منه، ولا أرى فيه عيب على لغتنا العربية.
2. إن المتتبع لعدد من الألفاظ التي أوردها أرباب اللغة في مظانهم وجعلوها من الأضداد يجد الغلو والتكلف في تفسير معانيها، والأولى إخراجها من الضدية.
3. إن من ألّف في الأضداد كصاحبنا الأنباري، لم يؤلفوها إلا لقناعتهم بهذه الظاهرة، ومن أنكر هذه الظاهرة كثعلب لا يسير على إنكاره في مواضع أخرى، فقد أورد أمثلة على الأضداد في مجالسه(2).
(1) اللسان / مادة ضد
(2) الكتاب 1/8،7 وينظر: فئة اللغة للصاحبي 96، المزهر 1/388.
(3) أضداد قطرب 244.
(4) الأضداد 7.
(5) أضداد أبي الطيب 1/1.
(3) دراسات في علم اللغة 218.
(4) ينظر: الأضداد في اللغة 227، فقه اللغة لرمضان عبد التواب 135.
(1) الأضداد 7.
(2) ينظر: المخصص 3/259.
(3) ينظر: الأضداد في اللغة 237.
(4) ينظر: المشترك اللغوي 199.
(5) ينظر: تأريخ أدب العرب 1/197.
(6) ينظر: التطور اللغوي التأريخي 92، الاشتراك والتضاد في القرآن الكريم 95.
(7) ينظر: تصحيح الفصيح 1/204، وينظر: الأضداد وموقف ابن دستورية منها- مجلة المورد العراقية- مجلد 2- ص42.
(8) ينظر: شرح أدب الكاتب 182.
(9) ينظر: ظاهرة الأضداد في اللغة العربية – رسالة ماجستير 51.
(1) مدخل تعريف الأضداد 13.
(2) ينظر: مجالس ثعلب 1/170 ، 2/490.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سميرة شادلي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 16
الأسلوبية : تحديد مفهومها و بعض مصطلحاتها
سميرة شادلي
معهد الاداب المركز الجامعي بشار- الجزائر
لقد حضي النص الأدبي بإهتمام وعناية الدارسين والمحللين، فمارسوا عليه عدة قراءات منها السياقية سابقا والنسقية حديثا.
والقراءة الأسلوبية من القراءات النسقية التي تهتم بالجانب اللغوي من النص، ولقد رمنا البحث في هذا الجانب من الدراسات الحديثة لحداثته، وغموضه بالنسبة إلينا وكذلك لأن الدراسة الأسلوبية من أكثر الدراسات إستعمالا في عصرنا، فأردنا البحث عند بدايتها، وإتجاهاتها وطرائقها وبعض مصطلحاتها.
1- الأسلوبية : تعريفها وتحديد مجالها وإتجاهاتها وطرائقها
إن المتحدث عن الأسلوبية أو البحث الأسلوبي
إذا ما أراد أن يجد تعريفا له سيجد نفسه أمام آراء عدة وإشكاليات كبيرة ذلك لأن الأسلوبية لم تنطلق من فراغ وإنما إعتمدت وتداخلت مع العلوم القديمة والحديثة مما يجعلها ذات حدود واسعة. فمعظم الباحثين المهتمين والذين أفردوا للأسلوبية بحوثا بدؤ
ها بتحديد مفهومها وإبراز نقاط تلاقيها وإفتراقها مع علوم ومناهج أخرى ليخرجوا في الأخير بتحديد علمي للأسلوبية.
فلا باحث يمكنه أن ينكر وجه الشبه بين البلاغة وعلم الأسلوب إذ أن كلا منهما يجعل موضوعه الأساسي هو الأسلوب غير أن الواضح كذلك هو أن البلاغة معيارية تقعيدية إرشادية أما الأسلوبية فهي وصفية تقريرية.
"... أما على الصعيد المعرفي فإن كلا منهما يسعى إلى وعي الأسلوب الأدبي من خلال علائقه اللغوية ومن ذلك فإن الأسلوبية هي الوريث المعاصر للبلاغة القديمة"1
يقول الدكتور محمد بلوحي في هذا الصدد :" لم تتضح معالم الأسلوبية إلا مع" شارل بالي" C.Bally 1855-1947 بعد أن كانت متداخلة مع علم البلاغة بحيث نجد أن الأسلوبية قامت بعد أن وقعت البلاغة في المعيارية المتحجرة التي إنغمست فيها ردحا من الزمن، وبذلك عملت الأسلوبية مع " بالي" على توحيد رؤية البلاغة التي تعمل على تجلية العلاقة القائمة بين النص ومدلوله ولهذا يمكن إعتبار الأسلوبية إمتداد للبلاغة ونفي لها في نفس الوقت...."2
أما عن المفارقات الموجودة بين الأسلوبية والبلاغة يتحدث عنها الدكتور عبد السلام المسدي قائلا :"وأن من أبرز المفارقات بين المنظورين البلاغي والأسلوبي ، أن البلاغة علم معياري يرسل الأحكام التقييمية ويرمي إلى تعلم مادته وموضوعه : بلاغة البيان، بينما تنفي الأسلوبية عن نفسها كل معيارية ... والبلأغة ترمي إلى خلق الإبداع بوصايا التقييمية بينما تسعى الأسلوبية إلى تعليل الظاهرة الإبداعية بعد أن يتقرر وجودها... البلاغة إعتمدت فصل الشكل عن المضمون في الخطاب اللساني فميزت في وسائلها العلمية بين الأغراض والصور بينما ترغب الأسلوبية عن كل مقياس ما قبلي وترفض مبدأ الفصل بين الدال والمدلول إذا لا وجود لكليهما إلا متقاطعين، ومكونين للدلالة، فهما لها بمثابة وجهي ورقة واحدة"1
أما عن علم اللسانيات فقد إستفادت الأسلوبية إستفادة كبيرة من هذا العلم الذي أرسى دعائمه العالم السويسري "دو سوسير" والذي تتلمذ على يديه أحد أعمدة الأسلوبية وهو" شارل بالي" آخذا بالمفاهيم اللغوية اللسانية ومحاولااتباع نهج جديد ينحرف به عن مسار أستاذه.
"لقد أسهمت اللسانيات الوصفية الحديثة التي جاء بها "دو سوسير" في تعميق الدرس الأسلوبي للأدب ودفعت به إلى التخفف من المعيارية أو إلغائها تماما وصولا إلى إكتساب صفة العلم..."2
فكلا من اللسانيات والأسلوبية ذات منطلق لساني محض حتى قيل إن الأسلوبية هي جسر اللسانيات، أما عن الفرق بينهما يقول الدكتور سعد الدين كليب:".... ففي حين يهتم الدارس اللساني بنحو الجملة يهتم الدارس الأسلوبي بنحو النص، وفي حين يهتم الأول بظاهرة الكلام فإن الثاني يهتم بما جعل الثاتي ذا خصائص متميزة أسلوبيا" 3
وفي عصرنا الحاضر تروح فكرة تداخل الأسلوبية مع النقد الأدبي إلا أن الفرق واضح "فيمكن القول إن الأسلوبية هي جزء من النقد الأدبي الذي لا يهتم بالأسلوب فحسب، بل يهتم بكلية النص الأدبي علاوة على التقويم الجمالي والأدبي ...."1
ويذهب رأي آخر إلى أن الأسلوبية سوف تحل محل النقد الأدبي الذي يعتمد أحيانا على الذوقية والمعيارية، فتصبح هي الكل و هو الجزء.
وبعد هذا التوضيح والتفريق يمكننا أن نورد تعريفا للأسلوبية منطلقيتن من آراء الباحثين والنقاد، فالأسلوبية هي –علم الأسلوب- وهي مشتقة من لفظة أسلوب style، والأسلوب هو "طريقة الكتابة بإستعمال الكاتب الأدوات التعبيرية من أجل غايات أدبية"2
وينطوي مفهوم الاسلوب على جملة من الموضوعات و المنطلقات المختلفة فهناك المنطلق الشخصي و المنطلق الاجتماعي و المنطلق اللغوي.
و لكن رغم اإختلاف المنطلقات والتعريفات إلا أننا نكاد نجد تعريفا يدور حوله الكل وهو أن "الأسلوب هو طريقة الأداء أو طريقة التعبير"3.
وبهذا يكون المفهوم النقدي للأسلوبية هو :"العلم الذي يكشف عن القيم الجمالية في الأعمال الأدبية إنطلاقا من تحليل الظواهر اللغوية والبلاغية للنص الأدبي، تركز على دراسة الخصائص اللغوية التي بها يتحول الخطاب عن سياقه الإخباري إلى وظيفة تأثيرية وجمالية فهي تبحث عن مل يتميز به الفني عن مستويات الخطاب الأدبي"4.
2- إتجاهات الأسلوبية :
أ.الأسلوبية التعبيرية : يعد العالم شارل بالي C.Bally مؤسس الأسلوبية التعبيرية بعد أن تتلمذ على يد دي سوسير الذي درس الكلام دراسة لسانية فإستفاد منه بالب ورأى ضرورة دراسة الكلام دراسة وصفية أسلوبية.
يقول بالي "تدرس الأسلوبية وقائع التعبير اللغوي من ناحية الحساسية المعبر عنها ... التي ينتبغي أن تهتم عنده بإستعمال الفرد للكلام في الظروف العامة التي تشترك فيها مجموعة لسانية لا بالإستعمال الذي يقوم به الكاتب وهو إستعمال إرادي قصدي يتعامل مع اللغة بهدف جمالي"1.
وبهذا التعريف فإن بالي يجعل مجال الأسلوبية هو التعبير اللغوي في وسط إجتماعي، أو شكل معين للحياة أو طريقة للتفكير الجماعي مثل اللغات الشعبية أو لغة الطفولة ... إلخ.
"يرى بالي أن مستويات التعبير الأسلوبي تتحدد باللهجة والطبقة والشريحة الإجتماعية والعصر والمكان والعمر والجنس"2.
لقد قسم بالي خصائص اللغة العاطفية أو الوجدانية إلى قسمين :
القسم الأول : هو اللغة الطبيعية، وتعني أن يكون هناك تلاؤم بين الشكل والمضمون.
القسم الثاني : هو اللغة المستشارة وهي أن تضفي فئة من الفئات طابعا تأثيريا خالصا.
وقد إعتنى بالي بهذين القسمين معا لأنه يهتم باللغة من حيث هي كلام فردي ذو طابع إجتماعي لا يقصد به التأثير الجمالي.3
هذا هو بإختصار تصور الأسلوبية، ولكن تلامذته لم يوافقوه على إخراج الأدب من دائرة الدرس الأسلوبي، ومنهم بيار جيرو الذي يحدد الأسلوب بقوله "هو وجه للملفوظ ينتج عن إختيار أدوات التعبير، وتحدده طبيعة المتكلم ومقاصده"1.
وحدود أدوات التعبير تحدد بالقيم التي يحتويها الإيصال اللساني فتعبر عن الموقف العفوي للمرسل، وتنقسم هذه القيم إلى ثلاث وهي :
1- قيم مفهومية : وينجم منها الأسلوب الواضح والمنطقي والسليم.
2- قيم تعبيرية : وينجم منها الأسلوب الإنفعالي أو النزق أو الطفولي.
3- قيم إنطباعية : وينجم الأسلوب الحاسم والساخر والمضحك.2
وبهذا فإن الأسلوبية عند جيررو "تتلخص بمعرفة أدوات التعبير ووصفها وتحديدها، وفي معرفة مختلف الملفوظات، علاوة على إنشاء نموذطجا للأساليب"3.
2. الأسلوبية التكوينية :
إن رائد هذا الإتجاه هو الألماني ليوسبيتزر الذي تأثر يأستاذه كارل فوسلر الذي جمع بين المثالية والوصفية بوصفهما منهجين لا فلسفتين، فإنطلق سبيتزر في وعي الظاهرة الأسلوبية من الحدس لكنه لم يتوقف عند إطار الحدس، إنما يستعين على تأكيده أو نفيه بإختبار الأسلوب إختبارا علميا.
يتحدث سبيتزر عن خطوة الحدس قائلا :"إن الخطوة الأولى في هذا التحليل التي يتأسس عليها ما سواها لا يمكن التخطيط بها على الإطلاق إذا ينفي أن تكون قد تمت بالفعل، هذه الخطوة هي إدراك دهشتنا أمام ملمح معين والإقناع بأنه يرتبط جذريا بمجموع العمل الأدبي ويشرحه"4.
وبهذا فسبيتزر يجعل للتحليل الأسلوبي خطوتان :
1. الخطوة الأولى : هي خطوة حدسية ذاتية ومهمة، هذه الخطوة هي الكشف عن العنصر المركزي بالأسلوب الذي تتمحور حوله العناصر الأخرى، أو مجموع العمل الأدبي.
2. الخطوة الثانية : هي التفسير الذي يأخذ على عاتقه إختبار ما إكتشفته الخطوة الأولى ويكشف عن السمات الأسلوبية العامة للنص وطريقة تكونها وعلاقتها بالفرد مرسلا أو متلقيا1.
3. الأسلوبية البنيوية : من المعروف أن العالم رومان ياكوسبون قد حدد ست عناصر وست وظائف، والأسلوبية البنيوية قد إهتمت بالوظيفة الشعرية من بين هذه الوظائف، لذا ينظر إلى نظرية ياكبسون على أنها جزء من الأسلوبية، على الرغم من أن ياكبسون لا يدعي ذلك، إلا أنه لا يميل إلى تعريف الخصائص الجوهرية للأدب من المنظور اللغوي البحث، أو بمصطلحات لغوية بحثة، فهو يعطي العوامل الأخرى من مثل المتلقي أهمية في تحديد الأدب.
4- ويتحدد الأسلوب عند ياكبسون حسب الوظيفة المهيمنة التي تقوم بها اللغة، ولذا هناك من يذهب إلى أن أسلوبية ياكبسون أسلوبية وظيفية لتمييزها عن الأسلوبية البنيوية.
يختلف ريفاتير مع ياكبسون في عدة مفاهيم، ويقترح ريفاتير الوظيفة الأسلوبية بدلا من الوظيفة الشعرية ويقترح كذلك مصطلح الوظيفة الشكلية، كما أنه لا يوافقه على أن الأسلوب تابع للوظيفة المهيمنة التي تقوم بها اللغة، ولذا هناك من يذهب إلى أن أسلوبية ياكبسون أسلوبية وظيفية لتمييزها عن الأسلوبية البنيوية.
يختلف ريفاتير مع ياكبسون في عدة مفاهيبم، ويقترح ريفاتير الوظيفة الأسلوبية بدلا من الوظيفة الشعرية ويقترح كذلك مصطلح الوظيفة الشكلية، كما أنه لا يوافقه على أن الأسلوب تابع للوظيفة المهيمنة من الوظائف الست :
ويذهب ريفاتيير إلى أنه توجد وظيفتان فقط هما :
1. الوظيفة الأسلوبية : وهي وحدها المتركزة في الرسالة.
2. الوظيفة المرجعية : تشترك الوظائف الأخرى في كونها موجهة نحو شيء موجود خارج الإرسالية وهي تنظم الخطاب حول المسنن ومفكك السنن والمحتوى.
يؤكد ريفاتير على أن اللسانيات يمكنها أن تحلل كل الإرساليات فهي تهتم فقط بالبنيات التي لا تقبل أي تعويض.
وبهذا فقد ميز ريفاتيير الأسلوب الأدبي عن بقية الأساليب الأخرى وعرفه قائلا:"أعني بالأسلوب الأدبي كل شكل مكتوب فردي ذي مقصدية أدبية"1.
ففي نظر ريفاتير الشكل ذو مرتبة متفوقة ذلك لأن في منظوره الرسالة ومحتواها سوف يفقد كل منهما خصوصيته المتميزة إذا ما تغير عدد العناصر اللفظية ونظمها وبنيتها، ومن هنا فالأسلوب هو الأساس في الأسلوب هو ذلك الإبراز الذي يفرض إنتباه القارئ، بعض عناصر السلسلة التعبيرية بحيث لا يمكن لهذا القارئ أن يهما تلك العناصر دون تسوية النص، كما أنه لا يمكن أن يكتشفها دون أن يحددها دالة ومتميزة ... وما يتحصل قوله هو أن اللغة تعبر والأسلوب يعمل على إبراز القيمة"2.
ومن هذا التعريف يتضح أن ريفاتير يعتمد على القارئ في الكشف عن الخصائص التعبيرية، كما أنه أقام تحليله لمعايير الأسلوب على مفهوم القارئ النموذجي، الذي يقصد به مجموعة القراء تقاطعون في التأثير بخاصة من الخصائص الأسلوبية..."1.
3. طرايق الأسلوبية :
رغم وجود هذه الإتجاهات إلا أنها تشترك في طريق وخطوات وهي : الإحصاء والمقارنة والتصنيف2.
يوجد هنا منهجين في الدرس الأسلوبي :
1-المنهج الأول : ينطلق هذا المنهج من المستوى الصوتي للخطاب الأدبي ليصل إلى المستوى الدلالي.
2-المنهج الثاني : أما هذا المنهج فينطلق من المستوى الدلالي ليصل إلى الصيغ والتعابير التي تؤديها هذه الصيغ في الخطاب.
سنقوم في هذا الفصل بالبحث عن المصطلحات البارزة في البحث الأسلوبي، ونحاول تحديد مفاهيمها جامعين ذلك من بعض المراجع التي توفرت لدينا.
1- الأسلــــوب :
يقول الدكتور سعد الدين كليب "ينطوي مفهوم الأسلوبStyle مثل المفهومات الأخرى على جملة من الموضوعات المتباينة والمختلفة ... فهناك المنطلق الشخصي والمنطلق الإجتماعي والمنطلق اللغوي، فإذا كان المنطلق الشخصي يحدد الأسلوب من خلال السمات النفسية للمرسل الفرد، فيرى أن الأسلوب هو الإنسان نفسه، كما يقول الكاتب الفرنسي بيفون، فإن المنطلق الإجتماعي يحدده من خلال الطبقات والشرائح والفئات الإجتماعية في حين أن المنطلق اللغوي ينظر إلى الأسلوب من منظور العلائق اللغوية التي تتشكل منها الرسالة أو النص"3.
ويذهب الدكتور سعد الدين كليب إلى أن كل هذه التعريفات لا تخرج عن التعريف العام وهو "إن الأسلوب هو طريقة الأداء أو طريقة التعبير"و الذي ينطوي ضمنا على العناصر الثلاثة الأساسية التي تتكون منها العملية التعبيرية وهي : المرسل والرسالة والمتلقي.
ويضيف الدكتور سعد الدين كليب قائلا :"فمثلما أن الكلام هو الإستخدام الفعلي للغة التي هي نظام مجرد، فإن الأسلوب هو الإستخدام الفعلي للإحتمالات الممكنة.
وبهذا فإن الإختيار الذي يقف وراء الأسلوب إنما هو الإختيار للمكن وليسس ااناجز، أو هو إنجاز للمكن"1.
ويرى الدكتور رجاء عيد تقريبا نفس الرأي إذ يقول :" في البدء كان مصطلح أسلوب والذي تشكلت له دوما دلالات تتواءم مةع الظرف التاريخي وتتصالح كذلك مع التحولات الثقافية، والمسافات الفكرية، ومن ثم تعددت مفهوماته وتخالفت تعريفاته"2.
وبهذا فإن مصطلح الأسلوب لم يستقر على مفهوم واحد، وإنما كان في البداية مصاحبا للبلاغة، ومنهجها المعياري فكان هو الوسيلة الوحيدة لتقنين الأسس وتحديد القيم وإبراز المفارق بين الأنواع الأدبية ثم ترسيخ المعايير بين الأدبي واللأدبي وقد ظهر هذا المفهوم منذ أوائل الفكر الأوروبي مقترنا بالشعر خاصة. أما في العصور الوسطى فقد لبس الأسلوب دلالة إجتماعية ترتبط بالطبقات، فكان هناك الأسلوب البسيط والمتوسط والرفيع.
وفي عصر النهضة تقدم مفهوم الأسلوب ليواكب النظر الكلاسيكي وتولى الحدود الفارقة بين كل جنس أدبي، وقد ميزت البلاغة القديمة بين أنماط الخطابة السياسية والقضائية وسواهما وكان لكل مناسبة أساليبها الخاصة وقد كانت النغمة السائدة في البلاغة هي نغمة إرشادية إلى حد بعيد، وقد استمر هذا الإتجاه حتى القرت الثامن عشر.1
يتضح مما تقدم أن الفكر البلاغي القديم كان يؤكد على لفظية الأسلوب إذ أنه يفرق بين المضمون والأسلوب أي بين الذي يقال والطريقة التي يقال بها " وبمجيء النظريات في الأدب، بدأت تسود نظرية جديدة لمفهوم الأسلوب، تهتم بالنظر إليه على أنه أمر متصل بطبيعة المؤلف نفسه و هو لهذا تعبير عن شخصيته."2
أما في العصر الحاضر فقد أندثرت هذه التفرقة تماما، وأصبح ينظر للعمل الأدبي وحدة لا تتجزأ وقد جمع الدكتور رجاء عيد ست تعاريف للفظة أسلوب وكل تعريف ينطلق من منطلق مغاير للآخر:
1- الأسلوب هو إختيار من جانب الكاتب بين بديلين في التعبير.
2- الأسلوب هو قوقعة تكتنف من داخلها لبا فكريا له وجود أسبق.
3- الأسلوب هو محصلة خواص ذاتية متسلسلة.
4- الأسلوب هو إنحراف عن النمط المألوف.
5- الأسلوب هو مجموعة متكاملة من خواص يجب توفرها في نص ما.
6- الأسلوب هو تلك العلاقات القائمة بين كليات لغوية وتنتشر إلى ما هو أبعد من مجرد العبارة لتستوعب النص كله.3
وبهذا فإن لفظة أسلوب لم تستقر على مفهوم واحد ونختم قولنا عنها قاله الأستاذ جون مدلتون: "إن مناقشة لفظة الأسلوب لو أنها تحرت قدرا من الدقة العلمية فإنها سوف تغطي صعيد الجمال الأدبي، ونظرية النقد برمتها".1
2- الأسلوبيــــة :
يقول الدكتور محمد بلوحي عن القراءة الأسلوبية: "هي علم الأسلوب مشتقة من لفظة أسلوب: STYLE وهو طريقة الكتابة باستعمال الكاتب الأدوات التعبيرية من أجل غايات أدبية. وبذلك تكون الأسلوبية في مفهومها النقدي هي: العلم الذي يكشف عن القيم الجمالية في الأعمال الأدبية إنطلاقا من تحليل الظواهر الغوية والبلاغية للنص الأدبي فتركز على دراسة الخصائص اللغوية التي بها يتحول الخطاب عن سياقة الإخباري إلى وظيفة تأثيرية وجمالية، فهي تبحث عن ما يتميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب الأدبي".2
أما الدكتور عبد السلام مسدي فيتعرض لمفهوم السلوبية قائلا: "فسواء إنطلقنا من الدال اللاتيني وما تولد عنه في مختلف اللغات الفرعية أو إنطلقنا من المصطلح الذي استقر ترجمته له في العربية وقفا على دال مركب جدره – أسلوب- - STYLE – ولاحقته – ية- - ique- وخصائص تقابل انطلاقا أبعاد اللاحقة فالأسلوب ذو مدلول إنساني ذاتي، بالبعد العلماني العقلي وبالتالي الموضوعي. ويمكن في كلتا الحالتين تفكيك الدال الإصطلاحي إلى مدلوله بما يطابق عبارة علم الأسلوب. (Science du style) لذلك تعرف الأسلوبية بداهة بالبحث عن الأسس الموضوعية لإرساء علم الأسلوب".3
ويقول الدكتور رجاء عيد: "... فإن مصطلح الأسوبية يتجاوز الأسلوب، وإن كان مجالها يظل في دائرته، وهي في الوقت ذاته تفتح لها مجالات أرحب وأفسح، فمنها دراسة الإمكانات اللغوية التي تولد تأثيرات جمالية، ودراسة الركائز التي يعتمد عليها هذا التأثير الجمالي".1
ويوضح أكثر في قوله: " ومهما يكن من أمر فإن من طموحات البحث الأسلوبي أن يستحوذ على مجالات الأداء اللغوي، لإستكشاف ما تهيئه الألفاظ، والتراكيب من قيم تعبيرية، ويكون ذلك بواسطة المتابعة، والملاحظة للفرد، والجملة وكيفية استخدام حروف الربط ودلالات الأصوات اللغوية ومن خلال ذلك كله يمكن رصد مفارقات تؤدي في كثير من الأحيان إلى الإيماء بدلالات معينة أو الإيحاء بها"2.
ويحصر الدكتور رجاء عيد مجال الباحث الأسلوبي في المجال اللغوي أما ما يتصل بالأثر الجمالي أو تحليل عمل الشاعر أو الروائي، والمسرحي وجدانيا جماليا وذلك من مهمة الناقد.
3- الإحصــــاء:
يرد ثلاث مصطلحات في البحث الأسلوبي على التوالي وهي: الإحصاء والمقارنة والتصنيف. وسنتناول ردهم تباعا. ونبدأ بالإحصاء:
" يتناول الإحصاء الأسلوبي مجمل مستويات النص الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والتركيبية والدلالية... ويتم جدولة ذلك بحسب أنساق المستويات وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تقوم بها الأسلوبية الإحصائية خاصة..."3.
ولقد اقترح زميب ZEMB شكلا يمثل نجمة يبين أنواع الكلمات وهو كالآتي:
أسمــاء الكلمات والضمائر أدوات الشـــرط أدوات الوصل أفعــــــــال حروف الجـــر ظروف الزمان والمكان نعـــــــــوت
ويهدف هذا المتر الأسلوبي إلى تبيان الإختلافات الأسلوبية اللغوية بين الكتاب حيث يتم بمقياس الصفة المهيمنة على النص بحسب السهم المهيمن"1.
1- المقــارنــة :
إن البحث الأسلوبي لا يصل إلى نتيجة هامة وقوفا عند عملية الإحصاء بل عليه الإنتقال الخطوة الثانية وهي المقارنة.
والمقارنة ".... تقوم على دراسةى الخصائص المهيمنة لهذا النص أو ذلك مثلما تقوم على دراسة الإختلاف والتشابه بين الأساليب"2.
2- التصنيــف :
يعتمد البحث الأسلوبي على التصنيف كخطوة ثالثة بعد الإحصاء والمقارنة فهو :"يعني جدولة الأساليب بحسب الخصائص المشتركة بين النص المحلل والأساليب الكبرى كالأسلوب السردي والشعري والدرامي والملحمي علاوة على أسلوب هذا العصر أو ذلك"3.
6-السمــة المتميـزة :
هي :"... السمة المتميزة في الأسلوب عبارة عن تفريع أسلوبي فردي أو هي طريقة خاصة في الكلام تنزاح أو تنحرف عن الكلام العادي ..."1.
7- القيــم التعبيريــة :
ظهر هذا المصطلح مع بالي يقول الدكتور رجاء عيد عن بالي :" ومن ثم فإن نجد بدايته مستمدة من منطلق أستاذه ومن جملة آرائه حول اللغة يحسبانها نشاطا إنسانيا يستطيع الفرد وكذلك الجماعة بواسطة طاقاتها الكامنة فيها أن يخلق قيما فنية وأن ينتج صورا تعبيرية متعددة"2.
"وعليه فإن التعبيرية تمثل أساس منهجية وتكون الدراسة اللغوية دائرؤة في إطار معرفة المحتوى العاطفي وفي إستكشاف الترابط بين الصيغ اللغوية وفي أثر السياق في تحديد تلك القيم التعبيرية إلى أن الفرد والمجتمع يسهمان في إبداع قيم تعبيرية متجددة للأسلوب"3.
النتيجـــة :
بهذا العرض المختصر للأسلوبية، وبعض مصطلحاتها الأساسية يتضح لنا أنها منهج أو قراءة حاولت التقرب من النص الأدبي متجاوزة بعض مآزق المناهج التي سبقتها، لذا يعتبرها بعض الباحثين الأقرب من النص الأدبي، ولنترك هذا الموضوع لبحوث قادمة إن شاء الله لأن الحديث عنه يطول، وننتقل إلى نقطة أخرى لمسناها خلال بحثنا عن تحديد الأسلوبية وعن تحديد المصطلحات : وهي عدم الإهتمام بالمصطلحات النقدية، والدليل على ذلك أننا لم نعثر على معاجم نقدية تهتم بجمع المصطلحات وتحديدها علميا دقيقا، ولما إنتقلنا إلى الكتب التنظيرة فإننا وجدنا مصطلحات متفرقة من هنا وهناك، وتحديد مفاهيمها يختبق من كاتب إلى آخر، وهذا الإختلاف والفوضى في المصطلحات لا يقتصر على موضوع بحثنا فحسب بل يشمل كل المناهج والنظريات بل كل العلوم.
وهذا إشكال عام لابد من التحرك للقضاء عليه، فإذا كنا لا نستطيع خلق وإيجاد النظريات والمناهج، فعلى الأقل نتفق فيما بيننا على تجديد مصطلحات إستوردناها من الغرب.