بحوث و دراسات
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد فلاح الزعبي
- المجموعة: بحوث و دراسات
- الزيارات: 7
المحافظون الجدد...حكام العالم الاخفياء
إعداد
محمد الزعبي
حكام العالم والحزب الحاكم في أمريكا:
"من يحكم أمريكا يحكم العالم من ورائها" جملة قالها بوش الاب ثم كررها منافس بوش الابن في الانتخابات الأمريكية الأخيرة جون كيري مضيفا " وإن من يحكم أمريكا ليس بوش إنما هم المحافظون الجدد الذين يحركونه بالريموت كنترول" .
ونستطيع تخيل المكانة التي صار إليها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة ومن ورائها العالم كله من خلال هذه الجملة (وما خفي كان أعظم).
وهذه الدراسة تسلط الضوء على جوانب مهمة عن المحافظون الجدد وخافية على الكثير من الناس علها تكون تبصرة للمبصرين.
يشكل اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية طبقة متميزة تتكون من تحالف عنصري أمريكي صهيوني. وتتواجد هذه الطبقة داخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي كما توجد على رأس مختلف الشركات متعددة الاستيطان الأمريكية متحكمة بذلك في عصب الاقتصاد العالمي. وتخطط هذه الطبقة كما فعل هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية لغزو "المجال الحيوي" الضروري لتأويج أرباحها، بينما لا تسمح لبقية الشعوب الأخرى بالوجود إلا في الحدود التي لا تشكل فيه تهديدا لمصالحها.
إن الهدف الأساسي لهذه الطبقة يقوم على مراكمة الأرباح والثروات عبر الاستقطاب الرأسمالي العالمي. فشعوب العالم في منظور هذه العصابة ليسوا سوى هنود حمر لا حق لهم في الوجود إلا في الحدود التي لا تعرقل فيه توسع رأس المال والشركات متعدد الاستيطان. وتتوعد عصابة واشنطن شعوب العالم بأن كل مقاومة من طرفها سيتم القضاء عليها بمختلف الوسائل والتي تصل إلى حد الاغتيال.
فالمشروع السياسي الذي تتبناه هذه الطبقة في مواجهة العالم (العولمة ومن ثم الأمركة) يقوم على إخضاع مختلف الشعوب إلى عمليات جراحية تقويمية تجعلها قابلة للنهب والابتزاز، حيث تسهل سياسات التقويم الهيكلي والخوصصة المفروضة بواسطة المؤسسات المالية الدولية، عملية إخضاع اقتصاديات العالم لتحكم هذه الطبقة. ([1]) ونظرا لأن هذا المشروع المتوحش القائم على همجية نظام السوق يعتبر مجردا من أية قيم إنسانية أو حضارية، فإن بقائه واستمراره سيضل مهددا بانتفاضة الشعوب، لذلك فإن بقاء النظام وإستمراريته لن يتأتى إلا بواسطة الأمن والعسكرة.
إن هيمنة اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية يقوم على إلغاء الآخر أو تكييفه مع مصالح رأس المال: إبادة الهنود الحمر، استغلال العبيد، إحلال اليد العاملة المهاجرة محل اليد العاملة المحلية، محاصرة العمل النقابي ومعاداة الشيوعية. فالحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة مع أوروبا تبقى فقيرة من حيث تنوع المشاريع السياسية والاجتماعية، حيث يهيمن الفكر الرأسمالي المتوحش على عمل الأحزاب السياسية فتصبح العملية الانتخابية مشروعا رأسماليا محضا يتوخى اليمين المتطرف من ورائه تحقيق المزيد من تراكم الأرباح.
فالمجتمع الأمريكي لم يعش الثورة الثقافية التي عاشتها البلاد الأوروبية والتي تميزت بصياغة ثقافة سياسية متميزة رسختها الأحزاب العمالية الاجتماعية والشيوعية. لذلك فهو لا يتوفر على أدوات إيديولوجية تتيح له مقاومة الديكتاتورية وبناء قوة موازنة لرأس المال. بل ضلت الطبقة الرأسمالية المهيمنة منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية تعيد إنتاج نفس نمط الفكر السائد القائم على نزعة عنصرية صهيونية يحاول أن يطبع بها المجتمع المتعدد الأعراق لتمييزه عن بقية الشعوب الأخرى.
ويؤسس اليمين المتطرف الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية مشروعه الإمبريالي على الاستغلال الاقتصادي واللامساواة السياسية، وعلى هذا الأساس تقوم خلفية اللجوء إلى العنف المطلق في تدبير التناقضات داخل المجتمع الأمريكي، مثل العنف المسلط على الهنود الحمر والعبيد والأقليات العرقية واستمرار عقوبة الإعدام، ومطاردة الشيوعيين. بل أن نفس العقلية يتم تصريفها حاليا على المستوى الدولي من خلال معاداة الأقليات العرقية والدينية والسياسية ووصف الشعوب الأخرى المستهدفة بالمارقة أو بمحور الشر. ولا يبتعد هذا المشروع كثيرا عن المشروع الذي قامت عليه النازية في أوروبا خلال القرن العشرين.
إن تنفيذ المشروع الإمبريالي الأمريكي يؤدي إلى انهيارات متواصلة في البلدان التي تتعرض للغزو (صربيا - أفغانستان- العراق) كما يؤدي إلى تأسيس حكومات عميلة شبيهة بحكومة كرزاي في أفغانستان تخضع بالمطلق لإرادة الأمريكيين.
وفي المقابل، تكاد تتفق الآراء التي تناولت محصلة المائة يوم الأولى من عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، أن ثمّة مشكلات جدية وحقيقية واجهت السياسة الأمريكية خلال تلك الفترة على صعيد العالم، وقد ذهبت معظم الآراء إلى أن سياسة الإدارة الأمريكية ستواجه المزيد من الصعوبات والمشاكل في المدى المنظور، إذا استمرت في السياق الذي اتبعته منذ مجيء الرئيس بوش إلى الرئاسة، وهو أمر سوف يؤثر على موقع الولايات المتحدة بصفتها دولة كبرى، ودولة تتصدى للعب دور فعَّال ومؤثر في السياسة العالمية في جوانبها المختلفة.
والحق أن تقديرات متابعي السياسة الأمريكية، جاءت نتيجة رصد وتقييم سياسات الفترة الماضية من عهد الرئيس بوش، التي يمكن القول: إنها بدت مرتبكة من جهة، وغير متوازنة من جهة أخرى، بل إنها في بعض جوانبها، جسّدت خروجًا عن إستراتيجية أمريكية، تسعى إلى تكريس زعامة الولايات المتحدة للعالم وسيطرتها عليه.
ومن بين الأسباب المباشرة في ارتباك سياسة الإدارة الأمريكية، اعتقاد أركان الإدارة الأمريكية بالقدرة على فرض ما يرونه من سياسات ومواقف على مختلف التكتلات والدول، وإحساسهم بعدم قدرة أي من هؤلاء على رفض ما تمليه واشنطن، أو حتى الاعتراض عليه. والحق أن وقائع كثيرة تغذي الاعتقادات والأحاسيس الأمريكية المدعومة بقوى غاشمة سياسية وعسكرية واقتصادية تتربع اليوم على كرسي الزعامة في العالم. ([2])
إن نمط التعامل الأمريكي الذي تذهب فيه إدارة بوش الابن مع القضايا والدول ومع التكتلات الدولية، يفرض ظلاله ليس على المؤسسة الحاكمة وإدارتها فقط، بل على المؤسسة التشريعية الأمريكية، فيدفع الأخيرة إلى التأسيس لسياسات ومواقف تصب في الاتجاهات ذاتها، وهو ما يبدو واضحًا في توجه عدد كبير من أعضاء الكونجرس الأمريكي إلى الحكومة الأمريكية؛ لتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وطلب معاقبتها وسحب الاعتراف الأمريكي بها.
وثمّة نموذج آخر في السياق ذاته، وهو قيام الكونجرس الأمريكي بدراسة مشروع قانون، يسمح لوزارة العدل الأمريكية وهيئة التجارة الفيدرالية باتخاذ إجراءات ضد دول أجنبية، بما فيها الدول الأعضاء في منظمة "أوبك" بتهمة "ممارسات تآمرية لتحديد الأسعار أو مستوى إنتاج المنتجات النفطية"، وهو أمر يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة، وبخاصة حق الدول في مواردها الطبيعية، ويجعل منظمة "أوبك" والدول الأعضاء فيها أسرى الابتزاز والضغط الأمريكي.
مدى تأثير المحافظون الجدد على السياسة الأمريكية:
من الذي حـوّل السياسة الأمريكية في الخارج إلى حرب لا تنتهي ضد الإرهاب في كل مكان من العالم؟ ومن الذي قاد حملة التحريض لشن الحرب على العراق؟ ومن هم الذين أقنعوا الرئيس بوش بتغيير استراتيجية الأمن القومي بالتوجه نحو الحروب الاستباقية؟ ومن الذي تسبب في تسلل كلمة الشر إلى قاموس الخطابات الرسمية الرئاسية؟ ومن الذي يدفع البيت الأبيض باتجاه تغيير الشرق الأوسط؟
إنها مجموعة صغيرة من المثقفين تتألف من مسؤولين سابقين، وكتاب، وصحفيين، ونشطين سياسيين، وأساتذة جامعيين، وباحثين في خزانات الفكر، المعروفة باسم “Think Tanks”، ويجمعهم تيار فكري واحد اسمه "المحافظون الجدد" أو(Neo Cons)، وهم مجموعة قليلة العدد، لكنها تتسم بنفوذ ضخم لا يتناسب إطلاقا مع حجمها في حلبة السياسة الأمريكية. ([3])
ولعل تأثيرهم ينبع من حقيقة سيطرتهم على افتتاحيات الصحف الأمريكية، والتعليقات والتحليلات، التي تنشرها كما أنهم متغلغلون في كل برامج الحوار في شبكات التليفزيون الأمريكية.
ولعل من أكبر المفارقات في تشكيل حركة المحافظين الجدد في أمريكا أنها نشأت على أيدي مجموعة من أعضاء الحزب الديمقراطي الرافضين لسياسة اعتبروها لينة مع الاتحاد السوفيتي في السبعينيات. وكان الدافع المحرك للحركة آنذاك هو معاداة الشيوعية، خاصة فيما يتعلق بمعاملة اليهود السوفييت، وانشقوا عن الحزب الديمقراطي، والتحقوا بالحزب الجمهوري ورحبت بهم حكومة رونالد ريغن في أواخر السبعينات، والتحق بعضهم بمناصب في تلك الحكومة، مثل ريتشارد بيرل الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع وكان يلقب باسم "أمير الظلام" للتعبير عن خطه السياسي الممعن في التشدد والتطرف نحو اليمين، وبول وولفوفيتز الذي شغل منصب وكيل وزارة الدفاع ولا يزال.
لكن حظ المحافظين الجدد لم يكن طيبا خلال فترة حكم جورج بوش الأب وحتى عام 1993. فقد كان بوش محافظا تقليديا واتسم بكثير من الاعتدال في سياسته الخارجية والمحلية، وتجمد نشاطهم خلال تلك الفترة، وخلال الثمانية أعوام التي قضاها بيل كلينتن في البيت الأبيض. ([4])
لكن الحياة دبت من جديد وبعنفوان ونشاط مضاعف مع انتخاب الرئيس جورج بوش الابن في عام 2000، حيث وصل عدد منهم إلى مناصب بارزة، خاصة في وزارة الدفاع مثل بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع، ودوغلاس فايث وكيل وزارة الدفاع، وريتشارد بيرل عضو المجلس الاستشاري لوزير الدفاع رامسفلد، الذي كان مستشارا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في حملته الانتخابية. ([5])
وكانت المفارقة في عام 1996، عندما وجه بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، الدعوة إلى العديد من هؤلاء النشطين ذوي النفوذ لحضور مؤتمر نظمه في القدس لمناقشة سبل إنهاء اهتمام الحزب الديمقراطي في سياسته الخارجية بموضوع حقوق الإنسان، والتركيز بدلا من ذلك على شن حملة تتصدرها الولايات المتحدة ضد الإرهاب في العالم. ([6])
وفي ذلك المؤتمر، قدمت مجموعة من المحافظين الجدد برئاسة ريتشارد بيرل، الذي كان آنذاك كبيرا للباحثين في معهد أمريكان إنتربرايز للسياسات العامة في واشنطن، وعضوية دوغلاس فايث وكيل وزارة الدفاع الأمريكية حاليا، وديفيد وورمسر من معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة، وآخرين من أنصار إسرائيل، خطة استراتيجية جديدة بعنوان "A Clean Break"، تدعو نتانياهو إلى التخلي عن اتفاقات أوسلو، والتحول من مبدأ الأرض مقابل السلام إلى "السلام مقابل السلام"، المستند إلى توازن القوى، واعتماد علاقة استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة تستند إلى الفلسفة التي تجمعهما معا، وهي فلسفة السلام من خلال القوة، وإعادة تشكيل الوضع في المنطقة بما يخدم أمن إسرائيل. (
جمال المنطق النبوي أسلوبُ النَّبي r في أدائه للكلام متفرِّدٌ ؛ لأنَّ اللغةَ عنده فطريَّةٌ ، والبيان عنده r مسكونٌ بالجمالِ الإنسانيِّ ، ومنطقُه نابعٌ من إنسانيَّتِهِ ومن وحيِ اللهِ عزَّ وجَلَّ ، وحتَّى قبل أن يهبط عليه الوحي كان منطقه جميلاً صادقاً أميناً ، وما ذلك إلا لأنَّ اللهَ تعالى هو الذي تكفَّل بإعداده لتبليغ رسالته للعالمين ، فجمالُ مَنْطِقِهِ r شَهِدَ به قومه قبل البعثة إذ شهدوا له بالصدق والأمانة ، وفي ذلك شهادة له بجمال الخطاب. أمَّا بعد البعثة فقد عرفنا كيف مخَّضَ اللهُ عزَّ وجلَّ البيانَ العربيَّ وألقى زبدتَه على لسان النبيِّ r فما وقع شيءٌ من كلامه r إلا صار مثل الوَضَحِ في نقبة الأدهم ، وأبلغ شاهدِ صدقٍ على جمال المنطق النَّبوي ما قاله الصحابة الذين تخرَّجوا في مدرسة النبوَّة على يدي المصطفى r ، أولئك الذين ملأ حبُّهُ شغافَ قلوبِهم فجاشتْ فيضاً مدراراً من مرهف الأحاسيس ورقيق المشاعر ، فساروا على قدمه وترسَّموا خطاه ، ودوَّنوا أقواله وأفعاله وشمائله وأحواله ، وسجَّلواْ أوصافه كاملة لتكتمل الصورة في معناها ومبناها جامعةً كلَّ لمحةٍ لسيِّدِنا محمَّدٍ r من ميلاده إلى انتقالِهِ للرَّفيقِ الأَعلَى ، ولنتناول وصف أم معبد أولاً : وما أصدق ما قالته أم معبدٍ الخزاعيَّة[1] وهي تصف النبيَّ r وذلك عندما مرَّ بها ومَنْ معه[2] وهم في الطريق إلى المدينة المنوَّرة ، فطلبوا منها ابتياع لبنٍ أو لحم فلم يجدوا عندها شيئاً ، غير أنَّ الجهدَ قدْ خلَّف شاةً عن الرعيَّة ، فاستأذنَ النبيُّ r أمَّ معبدٍ في حَلْبِ تلك الشاة ، فأَذِنَتْ وقالت له لو كان بها حَلْبٌ أصبناهُ نحنُ ، فمسح رسول الله صَّى الله عليهِ وسلَّم على ضرع الشاة ودعا الله عزَّ وجلَّ فدرَّ اللبنُ ، فحلب وسقى القومَ وأرواهمْ ، ثم شربَ آخرهم ، وحلبَ وملأ الإناء وتركه آيةً جليَّة ، ولمَّا جاء أبو معبدٍ ورأى اللبن سألها متعجباً : أنَّى لكِ هذا ولا حَلوب في البيتِ تبِضُّ بقطرة لبن ؟! فحكتِ القصَّة ، فقال لها : صِفِيهِ ، فقالت ( رأيتُ رَجُلاً ظَاهِرَ الوَضَاءَةِ ، حَسُنَ الخلقِ ، أبلجَ الوَجْهِ ، لَمْ تُعِبْهُ ثَجْلَةٌ[3] ، ولم تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ[4] ، قَسِيماً وَسِيماً ، فِي عَيْنَيهِ دَعَجٌ ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ ، أحورَ أكحلَ أَزَجَّ أقرَنَ ، فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ ، وَفِي لَحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ[5] ، إِذَا صَمَتَ فَعَليْهِ الوَقَارُ ، وإذَا تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلاهُ البَهَاءُ ، حُلْوُ المنْطِقِ ، فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذْرٌ ، كأنَّ منطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ ، أبهى الناس ، وأجمله من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب ، ربْعَةٌ لا تشْنؤه عينٌ من طُولٍ ، ولا تقتَحمُهُ عينٌ مِن قِصَرٍ ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصنَيْنِ ، فَهُو أَنْضَرُ الثَّلاثَةِ منظَرَاً ، وأحسنُهُمْ قَدَّاً ، لَهُ رُفَقاءُ يَحفُّونَ بِهِ ، إِنْ قَالَ اسْتَمعُوا لِقَولِهِ ، وإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُواْ لأَمْرِهِ ..) تناولت أمُّ معبدٍ وصف النبيِّ صلى الله عليه وسلَّمَ من نواحٍ منها : § الجمال الخَلْقي فقالت : ".. ظاهر الوَضاءة ، أبلَج الوجهِ حسن ، وسيماً قسيماً ، في عينيه دَعَجٌ ، وفي أشفاره وَطَفٌ .." وفي قولها : ظاهر الوَضَاءَةِ ، أَبْلَجَ الوَجْهِ إشارةٌ إلى طَلاقة وجهِ النبيِّ r وحَسُنِهِ ، وهو البَلَجُ ، قال الـجوهري : " البُلْـجَةُ نَقاوَةُ ما بـين الـحاجبـين ، يقال: رجلٌ أَبْلَـجُ بَـيِّنُ البَلَـجِ ، إِذا لـم يكن مقروناً. وأَبْلَـجُ الوجهِ " أَي مُسْفِرهُ مُشْرِقُه ، ولـم تُرِدْ أمُّ معبدٍ بَلَـجَ الـحاجِبِ ؛ لأَنها تَصِفُه بالقَرَنِ. ويقال للرَّجلِ الطَّلْقِ الوجهِ : أَبْلَـجُ " ، لذا كان r ظاهر الوضاءة. § أمَّـا قولها : وسيماً قسيماً ؛ فالوسامة هي الـحُسْنُ الوَضيءُ الثابتُ ، والوسيمُ الثابتُ الـحُسْنِ.. وفلان وسيم أي حَسَن الوَجْهِ ، والقَسامةُ هي الـحُسْنُ. ورجل مُقَسَّم الوجهِ أَي جميلٌ كلُّه كأَن كل موضع منه أَخذ قِسْماً من الـجمال. وقد تجمَّعتِ الوسامة والقسامة في النبيِّ r . § ثم أشارت بعد ذلك إلى جمال عيونه r فقالت : " في عينيهِ دَعَجٌ وفي أشفاره وَطَفٌ " ثم قالت : ".. أحولَ أكحلَ أَزَجَّ أقرَنَ " والدَّعَجُ والدُّعْجَةُ : السَّوادُ ؛ وقـيل : شدة سواد العين مع سعتها، أمَّا الوَطَفُ فهو كثرة شعر الحاجبين والعينين ، والـمعنى أَنَّه كان فـي هُدْب أَشفار عينـيه طول ؛ وفـي حديث آخر: " أَنه كان أَهْدَب الأَشْفار " أَي طويل شعر الأجفان. والعرب قديماً كانت تجعل من العيون معياراً من معايير الجمال ، وسبق أن ذكرنا أنَّ الأصمعيَّ سأل أعرابيَّاً ، ما الجمال ؟ فقال : " غؤور العينين ، وإشراق الحاجبين ، ورحب الشدقين " ، وهذا ما وصفت به أم معبد الخزاعيَّة رسولَ الله r ، دَعَجٌ العين ، وبلجُ الوجهِ ، بل وإشراق الحاجب ، ووطفُه . " وفي صوته صَحَلٌ " والصَّحلُ : صوتٌ فيه بحة. § ثم تحدَّثت أم معبد بعد ذلك عن الوقار الذي يكسوه ، والبهاء الذي يعلوه في حالتي الصمت والحديث ، وفوق هذا وذاك كان حلو المنطقِ فصل لا نزرٌ ولا هذرٌ ، كأنَّ منطقه خرزاتُ نظمٍ يتحدَّرنَ ، والنزر : القليل التافه . قال ابن سيده النزر والنزير القليل من كل شيء.. ويمكن أن يُوصفُ المنطقُ بأنَّه رخيمُ الحواشي لا هراء ولا نزر أي إنَّ الكلام مختصر الأطراف ، وهذا ضد الهذر والإكثار. وفي وصفِ أم معبد للمنطق النبويِّ بأنَّه : لا نزر ولا هذر فالنزر القليل ؛ أي ليس بقليل فيدل على عَيٍّ ولا كثير فاسد ، فقد كان كلامه فيصلاً ، كيف وأنَّه أُوتِيَ جَوَامِعَ الكَلِم ، وهو قوله r : ".. بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الكَلِمِ ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ". ولله در المجذوب في مدحه للنبيِّ r : [ بحر الطويل ] سَلامٌ عَلَى فَمِّ النبيِّ مُـحَمَّدٍ لَفمٌّ بِهِ درٌّ نَفيـسٌ مُنظَّــمُ بِغَيرِ كَلامِ اللهِ والذِّكرِ والنِّدا بِحَيٍّ عَلَى فِعْلِ الصَّلاةِ تَقدَّمُواْ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ والإِجَابَةِ والدُّعَا[6] لِحَضرَةِ مَـوْلاهُ فَلا يَتَكَـلَّمُ § هكذا كان حديث المصطفى عليه أفضل الصَّلاة ِوالسَّلام – كما قال المجذوب – فهو لم يأمر بغير العُرفِ ، كريم الأخلاق ، حديثه كله لتقويم النفس كيف لا وقد بعثهُ اللهُ تعالى متمِّماً لمكارم الأخلاق فقد جاءتْ بعثتُه r بشيراً بميلاد الحق الذي توارى خلف حجب الرذيلة والطغيان ، وبشرى باسترداد القيم الفاضلة السامية مكانها بعد ذلٍّ وهوانٍ ، كيف وأنَّ الناس كانوا أسرى لشهواتهم ، في زمن لا حياة لضعيفٍ مع القوي. ولله در الصرصري : [بحر الخفيف] هاشميٌّ له العـفافُ إزارُ وله الحسنُ والجمالُ رداءُ إنْ بدا صامتاً علاهُ وقارُ أوْ سَمَا ناطِقَاً علاهُ البهاءُ وكيف لا يعلوه بهاء أو وقارٌ وهوَ الذي " .. لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر .. إذا جلس إلى قوم جلس حيث انتهى المجلس ، ويأمر بذلك ويعطى كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه" أمَّا مجلسه فقد كان ".. مجلسُ حلمٍ وحَياءٍ وصبرٍ وأمانةٍ لا تُرفَعُ فيه الأصواتُ ، ولا تؤبن فيه الحرم.. متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين يوقرون الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون ذوي الحاجة ، ويحفظون الغريب. هذا هو مجلسُه ، أمَّا عن سيرتِهِ بين جلسائِهِ فقد كان دائمَ البِشْرِ ، سهلَ الخُلُقِ ، ليِّنَ الجانبِ ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ، ولا صخَّاب[7] ولا فحَّاش ولا عيَّاب ولا مزَّاح.. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنَّما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده الحديث "[8]. هذا هو حال النَّبيِّ r بين أصحابه هيبةُ وقارٍ ، واحترامٌ متبَادَلٌ بين المربي وتلاميذه الذين يستمعون لكلامه وينصتون. حتَّى كأنَّ على الرؤوس طيراً يَخاف أصحابها طيرانها ، فهم سكونٌ لا يتحرَّكونَ " ويُقال للقوم إذا كانوا هادئين ساكنين كأنما على رؤوسهم الطير ؛ لأنَّ الطيرَ لا يقعُ إلا عَلَى شيءٍ ساكنٍ ، فَضُربَ مثلاً للإنسان ووقارِه وسُكُونِهِ ، وفيه وصفٌ للصحابةِ - رضوان الله عليهم - بالسُّكونِ والوَقَارِ ، وأنَّهم لم يكن فيهم طَيشٌ ولا خِفَّةٌ ، قال الجوهري : " كأنَّ على رؤوسهم الطير إذا سكنوا من هيبةٍ ، وأصلُهُ أنَّ الغرابَ يَقَعُ عَلَى رَأسِ البَعِيرِ فيلتقط منه الحلمة والحمنانة[9] فلا يُحَرِّكُ البعيرُ رَأسَهُ لِئَلا يَنفرُ عَنه الغرابُ". فالرَّسول صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ لم يكن بالفظِّ ولا بالغليظ بل كان ليِّنَ الجانب سهل الخُلُقِ ، وقد خاطبه الله عزَّ وجلَّ قائلاً : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }[10] لذلك تجمَّع حوله الصحابة ممتثلين أوامره في طاعة كاملة واحترام تام ؛ لسهولة خُلُقهِ ، وسَعةِ صدرهِ ، وإعجازِ لَفظِهِ. فقد كان ذا فصاحةٍ منقطعةِ النَّظيرِ ، سِحْرٌ في الكلامِ ، وعذوبةٌ في المنْطِقِ . وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم ،،،،، [1] ) أم معبد الخزاعيَّة : هي عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة ، وكانت امرأة برزة - البَرْزَةُ من النساءِ الجليلة التي تظهر للناس ويجلس إِليها القوم وامرأَة بَرْزَة موثوق برأْيها وعفافه (لسان العرب ج 5 ص 309)- جلدة تسقى وتطعم بفناء الكعبة ، مرَّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومَن معه وهم في طريقهم إلى المدينة ، وقصتها معهم مشهورة. [2] ) كان معه : أبو بكر الصديق ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي . [3] ) الثُّجْلة استرخاء البطن. [4] ) والصَّعْلة صِغَرُ الرأْس. [5] ) كَثَّتِ اللحيةُ كَثَثاً وكَثاثَةً وكُثُوثةً أي : كَثُرت أُصولُها وكَثُفَتْ وقَصُرَتْ ، وفي صفته r أَنه كان كَثَّ اللحية أَراد كَثرةَ أُصولها وشعرها ، وأَنها ليست بدقيقة ولا طويلة وفيها كَثافة. والرجُلٌ يُقالُ له : كَثُّ اللِّحْيَة بالفتح ، وللجماعة يُقالُ : قوْمٌ كُثُّ بالضَّم. [6] ) الندا والدعا ، أصلهما بالمد ( النداء والدعاء ) ولكنَّ الشاعر قصرهما تخفيفاً أوللضرورة الشعريَّة . [7] ) الصخب والسخب الضجة واختلاط الأصوات للخصام. ( لسان العرب ج 1 ص 521 ) . [8] ) كتاب الثقات – ج 2 ص 49 . دلائل النبوَّة – ج 1 ص 216 . [9] ) الحَلَمَةُ : الصغيرة من القردان ، وقيل : والحَلَمَةُ بالتحريك : القرادة الكبيرة . يٌقالُ : حَلِمَ البعير حَلَمَاً فهو حَلِمٌ كَثُرَ عَلَيهِ الحَلَمُ. لسان العرب ، ج 12 ص 147. أمَّا الحمنانة فهي قراد ، وفي التهذيب : القرادُ أول ما يكون وهو صغير لا يكاد يُرَى من صِغَرِهِ يُقالُ له : قَمْقَامَة ، ثُمَّ يَصيرُ حَمْنَانَة ثُمَّ قُرَاداً ، ثُمَّ حَلَمَة . لسان العرب ج 13 ص 128. [10] ) سورة آل عمران الآية رقم 159 المبحث الخامس التقديم والتأخير ذكر الجرجاني أنّ التقديم يكون على وجهين "تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل ما أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل. والتقديم لا على نية التأخير ولكن أن تنقل اللفظ عن حكم إلى حكم وتجعله في باب غير بابه وإعراب غير إعرابه، وذلك أن تجيء على اسمين يحتمل كل واحد منها أن يكون مبتدأ والأخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك وأخرى ذاك على هذا[1]. ويرى ابن جني أنّ التقديم والتأخير على ضربين: أحدهما: ما يقبله القياس، والآخر ما يسهله الاضطرار[2]. وهو فن من رفيع معرفة أهل البصر بالتعبير، والذين أوتوا حظا من معرفة مواقع الكلام، وليس ادعاءً يدعى أو كلمة تقال، وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن كما في غيره الذروة في وضع الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب[3]. ودراسة هذا المبحث تشتمل على أمرين: أحدهما تقديم اللفظ على عاملة، والآخر تقديم اللفظ على غير عاملة لعلة ذكرها النحويون والمفسرون. الأول: تقديم اللفظ على عاملة: ومواضعه في السورة:- أ- تقديم الخير على المبتدأ: دوّن النحويون شروطا لتقديم الخبر على المبتدأ في مظانهم[4]ومواضعه في السورة هي:- قوله تعالى ]قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض[(الكهف: من الآية26)، قدم الخبر جواز، لأن المبتدأ لم يكن نكرة محضة أو غير مقيدة، فهي نكرة خصصت بالإضافة. وذلك من المسوغات التي اصطلح عليها النحويون للابتداء بالنكرة. فقد ذكر عباس حسن أن النحويين أوّلوا مواضع النكرة الواقعة مبتدأ إلى نحو أربعين موضعاًً[5]. وإنما قدم الخبر المجرور لإفادة الاختصاص، أي: لله لا لغيره رداً على الذين يزعمون علم خبر أهل الكهف ونحوهم[6]. وقوله تعالى ]هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَق[(الكهف: من الآية44)، يجوز أن يكون هنالك خبرا مقدما والولاية مبتدأ: والعامل في هنالك الاستقرار المحذوف الذي قام هنالك مقامة[7]. ونص بعض النحويين على أن الظرف إذا وقع خبرا فهو منصوب بالفعل المحذوف لفظا ومعنى، فهو غير مطلوب ولا مقدر بل اكتفى بالظرف عنه وبقي منصوباً[8]. وتقدير الآية الولاية لله الحق هنالك أي: يوم القيامة[9] والتقديم هنا جائز،لأنه معرفة. ومما يلزم تقديمه فيما وقع المبتدأ نكرة والخبر ظرفا[10]. وقوله تعالى ] بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً[(الكهف: من الآية58)، فالخبر واجب التقديم، لأن المبتدأ نكرة محضه ومخبر عنها بالجار والمجرور (لهم) . وبنحوه أشار ابن جني إلى أن قولنا: لك مال وعليك دين، فالمال والدين هنا مبتدآن قبلهما خبر عنها، إلا أنك لو أردت تقديمهما إلى المكان المقدر لهما لم يجز لقبح الابتداء بالنكرة في الواجب، فلما جعلنا ذلك في اللفظ أخروا المبتدأ وقدموا الخبر، وكان ذلك سهلا عليهم مصححًا لما فسد عندهم، وإنما كان تأخره مستحسناً من قبل إنه لما تأخر وقع موقع الخبر ومن شرط أن يكون نكرة، فلذلك صلح به اللفظ وان كنا قد أحطنا علما بأنه في المعنى مبتدأ[11].. وقوله تعالى ]وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [(الكهف: من الآية88)، فمن قرأ بالرفع[12] جعله مبتدأ وله الخبر[13]. وجاز تقديم الخبر، لأنه شبه جملة والمبتدأ نكرة مضافة. ب- تقديم خبر كان وما يعمل عملها على اسمها:- نحو قوله تعالى ]وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [(الكهف: من الآية34)، قدم خبرها (له) على اسمها النكرة (ثمر)[14]. وفي ذلك ذكر النحويون أن النكرة إن دخل عليها ناسخ لا تكون مبتدأ وإنما تصير اسما للناسخ ومن ثم يصح في أسماء النواسخ أن تكون في أصلها معارف أو نكرات كقولهم كان إحسان رعاية الضعيف....[15].وعلى هذا فأن دخول الناسخ على النكرة يسوغ الابتداء بها. قوله تعالى ]وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ[(الكهف: من الآية43)، (له) خبر مقدم، وفئة اسم كان مؤخر. ويجوز أن يكون ينصرونه الخبر ولا وجود للتقديم هنا[16]. والوجه الأول عند سيبويه، وانشد: لتقرين قربا جلذيا مادام فيهن فصيل حيا[17] وخالفه أبو العباس محتجا بقوله تعالى ]وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[(الإخلاص:4)[18]. وجاز أن تكون جملة (ينصرونه) صفة، والخبر الجار والمجرور[19]. فيكون اسم كان مخصصا بالنعت فيسوغ الابتداء به. وقوله تعالى ] وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً[(الكهف: من الآية79)،قدم الظرف على اسم كان[20].، قال الزجاج "فأما الظرف إذا كان خبرا كان تقديمه على اسم (كان) كثيرا"[21]. ت- تقديم خبر إن على عاملها: والشاهد فيه قوله تعالى ]وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً[(الكهف: من الآية2)،قدم خبرها الجار والمجرور (لهم) على اسمها (أجرا)[22]. ث- تقديم الظرف أو الجار والمجرور على عاملها: ونحو قوله تعالى ] فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً[(الكهف: من الآية10)،تقديم الجار والمجرور للاختصاص، أي: رحمة مخصوصة[23]. ومنه الآية نفسها (وهيئ لنا من امرنا رشدا)، تقديم المجرورين على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما، وإبراز الرغبة في المؤخر، وتقديم المجرور الأول على الثاني للإيذان من أول الأمر بكون المسؤول مرغوبا فيه لديهم[24]. وقوله تعالى ]وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [(الكهف: من الآية60)،فأن تقديم المجرور هنا بمعنى الاعتناء بالمقول له، وتشريعه والاهتمام به وتخصيصه بتلك المقالة دون غيره[25]. وقوله تعالى ]فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ [(الكهف: من الآية71)، يجوز أن تكون إذا ظرفية فينبني نظم الكلام على تقديم الظرف على عامله، للدلالة على أنّ الخرق وقع بمجرد الركوب في السفينة، لأن في تقديم الظرف اهتماما به، فيدل على أن وقت الركوب مقصور ولإتباع الفعل فيه[26]. ح- تقديم المفعول به:- وشواهد في السورة هي: قوله تعالى ]وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ[(الكهف: من الآية39)،إذا كانت (ما) شرطية فهي منصوبة بشاء، فقدمت عليه لأن الفعل واقع عليه[27]. فالمفعول من الألفاظ التي له الصدارة في الكلام[28]. وفي الآية نفسها قوله تعالى (ولولا إذ دخلت جنتك قلت...) يجوز أن تكون إذ منصوبة بـ (قلت)،وفصل بينه وبين لولا وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك لأنه ليس بأجنبي[29]. وقوله تعالى ]مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً[(الكهف: من الآية17)، (من) في الموضعين شرطية في محل نصب مفعول به على الفعل[30]. لأنها من الألفاظ التي لها الصدارة في الكلام، وإنما تنصب على المفعولية لأن الفعل بعدها لم يستوف مفعوله. قوله تعالى ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا[(الكهف:1)،فأخر المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع إن حقه التقديم عليه ليصل بقوله تعالى ((ولم يجعل له عوجاً)) إلى الكتاب[31]. ج- تقديم الحال على عامله: وقوله تعالى ]هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقّ[(الكهف: من الآية44)، هنالك منصوب على الظرف متعلقا بخبر الولاية وهو لله، أو بما تعلق به، أو بمحذوف على انه حال منها، والعامل الاستقرار في الله عند من يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي[32]. والمقرر عند النحويين أنه لا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي، وهو ما تضمن معنى الفعل من غير حروفه، كأسماء الإشارة وحروف التمني والتشبيه والظرف والجار والمجرور، فلا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي في مثل هذه، وقد قدر تقديمها على عاملها الظرف والجار والمجرور وأجازه الأخفش قياساً[33] . ومن مسائل التقديم والتأخير في سياق الآية، ما ذكره غير واحد من النحويين والمفسرين في قوله تعالى ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا[(الكهف:1)، إن في بداية هذه السورة تقديم وتأخير، أي: أنزل الله الكتاب قيما ولم يجعل له عوجاً[34]. كأنه قال احمدوا الله على إنزال القرآن قيما لا عوج فيه، ومن عادة البلغاء أن يقدموا الأهم، قال: الكرماني إذا جعلت (قيما) حالاً وهو الأظهر فليس فيه تقديم ولا تأخير[35]. وانكر الرازي أن يكون في الآية تقديم وتأخير، لأن قوله (ولم يجعل له عوجاً) يدل على كونه في ذاته، وقوله( قيما) على كونه مكملاً لغيره، وكونه كاملاً في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملاً لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله (ولم يجعل له عوجاً قيماً) ، وان ما ذكره من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه[36]. وجوز السمين كون (قيما) حالاً ثانية، والجملة المنفية قبله حال أيضاً، وتعدد الحال لذي حال واحد جائز، والتقدير: غير عاجل له عوجاً قيما[37]. ومجازه يدل على انتفاء أن يكون في الآية تقديم وتأخير وإنما هي على حالها، وهو ما يطمئن إليه الباحث، لأن دعوى التقديم والتأخير مردودة بالدليل العقلي والنقلي. الثاني- تقديم اللفظ على غير عامله: ويرد لعلة يذكرها النحويون وأصحاب البيان تدل على عظمة التعبير القرآني في استعمال الكلمة في سياقها، ويلتمس الباحث هذه المسألة في المواضع الآتية: 1- في الأعداد: ونحو قوله تعالى ]سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ[(الكهف: من الآية22)، وكذلك جميع الأعداد، وكل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات[38]. فقدم الثلاثة على الأربعة وهكذا، فيناسب ترتيب الأعداد. 2-في المنزلة (الأعلى والأدنى): ونحو قوله تعالى ] مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [(الكهف: من الآية49)فقدم الصغيرة على الكبيرة، والغرض هنا التدلي من الأعلى إلى الأدنى[39]. أو التنقل من الأقرب إلى الأبعد. فإن قلت: لم لا اكتفي بنفي الأدنى ليعلم منه نفي الأعلى بطريق الأولى؟ قلت: يعلم جوابه مما سبق من التقديم بالزمان[40]. ويسميه في موضع آخر بلاغة الترقي[41]. 3-في العناية بالأهم: ومنه قوله تعالى ] وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ
المبحث الرابع: التضمين دأب النحويون و المفسرون على تضمين الأفعال والحروف معان مغايرة لها تماشيا مع المعاني القرآنية ، ووضعوا لذلك قواعد خاصة أدخلت ضمن قواعد النحو العربي ، وقد عرف هذا الباب بـ ( التضمين) قال ابن جني " وقد عرفت من هذا الفن شيئاً كثيراً لا يكاد يحاط به ، وقد عرفت طريقته فإذا مر بك شيئاً منه فتقبله وانس به ". وحده أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين ، وهو زيادة بتغيير الوضع و من وسائل التعدية . و التضمين سماعي لا قياسي وانما يذهب إليه عند الضرورة ، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله فإنه يكون أولى "81 . ويرى الدكتور احمد حسن حامد أن الغرض من التضمين النحوي أن تؤدي الكلمة وضيفتها في التركيب بغض النظر عن القيمة الجمالية لهذا التركيب. ويشمل على قسمين : أحدهما التضمين في الأفعال و الآخر التضمين في الحروف . 1- التضمين في الأفعال :- ذكر ابن جني أن " الفعل إذا كان بمعنى آخر و كان أحدهما يتعدى بحرف و الآخر بأخر، فأن العرب قد تتسع فتوقع أحد الطرفين موضع صاحبه إيذانا بان هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه". وأشار أحد الباحثين إلى أن الزمخشري لما عرض في تفسيره في قوله تعالى ] وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [(طـه: من الآية71) ، أن الفعل صلب لا يتعدى ب(في) بل يتعدى بـ ( على ) فأخترع شيئاً سماه التضمين البياني ، وتعريفه أن تعدي كلمة بغير حرفها فيكون الجار والمجرور متعلقاً بحال محذوف يشير إليها السياق، وكأن الكلمة أصلا و لأصلبنكم موجورين، أي: متكلبين في جذوع النخل". ويلحظ أن التضمين يدخل في النوعين اللازم والمتعدي بحيث يجعل اللازم متعدياً و المتعدي لازماً ، وبعبارة أخرى إن الفعل المتعدي قد يتضمن معنى الفعل اللازم فيأخذ حكمه " . وأهم الأفعال التي ضمنت معنى فعل آخر في سورة الكهف: جعل :- في قوله تعالى ]إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا [(الكهف: من الآية7)، اختلف النحويون في معنى الفعل (جعل)، مما ترتبت عليه اختلافهم في إعراب (زينة). فبعضهم يرى أن تكون "زينة مفعولاً ثانياً لـ (جعلنا) لأنه بمعنى صيرنا"[1]ويرى الآخرون أن زينة مفعول من أجله لأنّ جعلنا بمعنى خلقنا فيتعدى إلى مفعول واحد"[2]،وهو قول حسن عند النحاس[3]. وذكر أبو حيان رأيا آخر هو "انتصابها على الحال إذا كان الفعل بمعنى خلقنا أو وجدنا[4]". والرأي الأول هو الأظهر و جعله مفعولاً من أجله ضعيف، ووجه الضعف فيه عند الدرويش أن الفعل ليس قلبيا، لأنها من أعمال اليد وذلك لا يكون مفعولاً له إلا بتقدير فعل الإرادة أي: إرادة الزينة، ولكن هذا التكلف لا يجوز ، والأظهر مفعول من أو حال،ويستعبد كون (زينة) مفعولا من أجله، لأن الله تعالى ذكر علة الجعل بقوله ((لنبلوهم)) فلا يجتمع تعليلان في الآية. ومنه أيضاً قوله تعالى ] وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً[(الكهف: من الآية52)، نص بعضهم على اسميه (بينكم) أي "تواصلكم"[5]. فيكون مفعولا أولا لجعلنا والفعل بمعنى صيرنا أي: "وصيرنا وصلهم إهلاكا لهم"[6]. وان جعل الفعل بمعنى خلق كان ظرفا متعلقا بالمفعول، أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله قدم عليه لرعاية الفواصل فتحول حالاً. قوله تعالى ] فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء[(الكهف: من الآية98)، إن جعل الفعل بمعنى صير يكون (دكاء) مفعولا ثانيا للفعل، وإن جعل الفعل بمعنى خلق ينصب دكاء على الحال[7]. وهذا بعيد جداً عند أبى حيان، لأن "السد إذ ذاك موجود مخلوق ولا يخلق المخلوق لكنه ينتقل من بعض هيئاته إلى هيئة أخرى"[8]. ويبدو أن الفعل، كما يرى أبو حيان، بمعنى صير يناسب سياق الآية والله تعالى يصير السد دكاء وليس يخلق السد دكاء. لأن الخلق بمعنى الإيجاد والسد موجود. اطلع: في قوله تعالى ]ِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً [(الكهف: من الآية18)، "ضُمن معنى الإشراف فتعدي بـ (على)، ثم استعمل مجازا مشهورا في رؤية الشي الذي لا يراه أحد"[9] . قال في اللسان "أطلع رأسه إذا اشرف على شيء وكذلك إطلع"[10] . أعثر: في قوله تعالى ]وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَق[(الكهف: من الآية21) ،فالفعل "ضمن معنى اطلعنا، فيتعدى بـ (على[11]) قال في اللسان "عثر على الأمر يعثر عثراً وعثورا اطلع، واعثرته عليه اطلعته…"[12] تنازع في قوله تعالى ] إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُم[(الكهف: من الآية21)، فقد تعدى الفعل بنفسه، لأنه على أصله في المعنى. ولم يتعدى بـ في، لأنه لم يضمن معنى التخاصم كما في قوله تعالى ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [(النساء: من الآية59)[13] ، ولم يتعد هذا الفعل بنفسه إلا في هذا الموضع من القرآن الكريم. وذكر في اللسان (يتنازعون)، أي: بمعنى يتجاذبون، والمنازعه المجاذبة في الأعيان والمعاني[14]. اصبر: في قوله تعالى ]وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه[(الكهف: من الآية28)، الصبر في قولك صبرت على كذا معناه حبست نفسك عليه وجستها عنه، ولذلك تعدى (اصبر) في الآية الكريمة بغير واسطة، لأن المعنى "احبس نفسك"[15]، وقال في اللسان "صير عن الشيء يصبره صبرا جسه....[16]" تعد : في قوله تعالى ] وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[(الكهف: من الآية28)، "ضمن تعد معنى تنصرف، فعُدي ب(عن) أي لا تنصرف عيناك عنهم، أولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم"[17] . فأن قلت أي غرض في هذا التضمين، وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك؟ أو لا تعدل عيناك عنهم، قلت :الغرض فيه إعطاء مجموع المعنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى نذر، ألا ترى كيف رجع المعنى إلى ذاك[18]. أي "رجع معنى ولا تعد عيناك عنهم إلى قولك ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم"[19]. وذكر أبو حيان أن ما ذكره الكشاف من التضمين لا ينقاس عند البحريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوصفي فإنه يكون أولى[20]. وزعم بعضهم أنّ "حق الكلام لا تعد عيناك عنهم لا تعد متعد بنفسه"[21]. أغفل:- في قوله تعالى ] وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا[(الكهف: من الآية28)، قرأ "عمرو بن فائد وموسى الأسواري (أغفلنا قلبه)، على معنى أهمل ذكرنا وتركه"[22]. وقال ابن جني: "فكأنه قال ولا تطع من ظننا غافلين عنه"[23]. وقال أبو البقاء فيه وجهان: "أحدهما وجدنا قلبه معرضين عنه، والآخر أهمل امرنا عن تذكرنا"[24]. رأى:- في قوله تعالى ] إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً[(الكهف: من الآية39)، قرأ الجمهور (أقل) بالنصب على المفعول الثاني لـ (ترني)، والرؤية علمية لا بصرية. ويجوز أن تكون الرؤية بصرية و (انا) توكيد للضمير في (ترني) المنصوب، ويكون (اقل) حالاً[25]. وعلى قراءة الرفع في (اقل)، يكون (انا) مبتدأ و(اقل) خبره والجملة مفعولا ثانيا لترى. هذا إن كانت الرؤية علمية، وان كانت بصرية فهي في موضع الحال[26]. قوله تعالى ] فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ[(الكهف: من الآية49)، (مشفقين ) مفعول به ثانٍ والرؤيا هنا علمية. و"لك أن تجعلها بصرية فيكون حالاً"[27]. وجعل الفعل على معنى البصرية أولى، لأنها مشاهد يوم القيامة التي سيراها العباد بالبصر. غادر: في قوله تعالى ]فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً[(الكهف: من الآية47)، "تعدى الفعل، لأنه بمعنى نترك أو بمعنى نبقى[28] . منه قوله تعالى ]ِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا[(الكهف: من الآية49)، جملة إلا أحصاها في موضع المفعول الثاني ،لأن الفعل بمعنى يترك، ويترك يتعدى لأثنين كقول الشاعر أمرتك الخير فأفعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نسب ظن : في قوله تعالى ]فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [(الكهف: من الآية53)، المعروف أن الظن نقيض اليقين فمعناه الشك، وقد وقع هنا موقع اليقين قال الزركشري: "ويقرب من التضمين إيقاع فعل موقع أخر كإيقاع الظن موقع اليقين في الأمور المحققة كقوله تعالى (( فظنوا أنهم مواقعوها...))، فحصل اليقين في ظنهم، لأن جزاء المجرمين المحقق هي النار". أتى : في قوله تعالى ] آتِنَا غَدَاءَنَا [(الكهف: من الآية62)، (غدائنا) منصوب بنزع الخافض (الباء)،وعلى هذا فإن الفعل بمعنى جئنا وليس بمعنى أعطنا، لأنه يتعدى بغير واسطة[29]. قوله تعالى ]آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [(الكهف: من الآية96)، "قرأ أبو بكر عن عاصم أتوني، أي جيئوني"[30]. وأنتصب زبرا بآتوني على إسقاط حرف الجر، أي: جيئوني بزبر الحديد"[31]، لأنه ضمت معنى فعل لا يتعدى إلا بواسطة وهو (جيئوني). سوى: في قوله تعالى ] ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً[(الكهف: من الآية37)، "قال: الحوفي (رجلا) نصب بـ(سوى) أي جعلك رجلاً، فظاهره أنه عدى سوى إلى أثنين"[32]. فيكون مفعولا ثانياً له. ركب:- وذلك في قوله تعالى ] حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا [(الكهف: من الآية71)، "تعدى بحرف الجر في، لأنه ضُمن معنى الدخول"[33]. ودخل يعدى ب(في) في أغلب ما ورد منه في كتاب الله العزيز. جاء: وذلك في قوله تعالى ] لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً[(الكهف: من الآية74)، أي أتيت شيئا، إن ضمن معنى الفعل (آتى) فهو يتعدى، وإن جاء على معناه فـ"(شيئاً) منصوب بنزع الخافض، لأن الفعل لا يأتي متعدياً"[34]. ترك: في قوله تعالى ]وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْض[(الكهف: من الآية99)، يجوز ان تكون جملة (يموج في بعض) في مجل نصب مفعولا ثانياً لـ (ترك) فيتضمن الفعل معنى جعلنا، أي جعلنا يأجوج و مأجوج يومئذ مضطربين بينهم فصار فسادهم قاصراً عليهم ودفع عن غيرهم[35]. 2- التضمين في الحروف اضطربت أقوال النحويين وتشعبت آراؤهم في هذه المسألة. فالبصريون ومن تابعهم يرون في الأماكن التي ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، وأن العامل ضُمن معنى عامل يتعدى بذلك الحرف، لان التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف، أما الكوفيون فيرون أن تأدية الحرف معنى آخر هو حقيقة لا مجاز[36]. وصرح ابن جني بأن "العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه"[37]،وعدّ السيوطي التضمين من باب المشترك اللفظي[38]. ويرى د إبراهيم أنيس أن العرب لا يكادون يحررونها (أي الحروف) من المعاني وينسبون معناها لغيرها من الأسماء والأفعال، فلما عثروا على شواهد لذلك قالوا إن من الحروف ما يستعمل استعمال الأسماء في بعض الأحيان[39]. وعبارة يكادون تدلل على الدقة في التعبير، فلم ينص صراحة على أنهم جردوا الحروف من المعاني
مظاهر من التأويل النحوي في سورة الكهف المدرس المساعد معمر منير العاني كلية الآداب الجامعة الإسلامية 2008 المقـدمة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، هدايةً وذكرى لأولي الألباب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله والأصحاب ، وعلى كل من قرأ القرآن وتدبره بفكر صائب ، وقلب سليم أواب . أما بعـد .. فقد كان القرآن الكريم ولا يزال محط أنظار الدارسين ، ومناط بحثهم في كل زمان ومكان، فهو معين ثرّ لكل العلوم والمعارف لا ينضب ، يتناول المعاني الدقيقة ، ويطاوع في شكل مدهش على تقلب الأساليب ، ويساعد في تنويع الاعاريب وتلوين التراكيب ، فكل حرف أو كلمة أو حركة فيه تناسب موقعها وتوافق القصد منها ، سواء أدركه المشتغلون بتفسيره وإعرابه أو لم يدركوه ، والنحويون الذين كانت لهم إسهامات تعدُّ بحق مظهراً من مظاهر الجهد النحوي بالقرآن الكريم تستحق الشكر والثناء . وقد لفت نظري إلى دراسة هذه السورة أيضاً أن قسماً من آياتها كانت مثاراً للمجادلات النحوية والقواعد الإعرابية ، والتوجيهات المختلفة من قبل النحويين . بل كان القسم منها الأساس الذي انطلق منه النحويون لوضع ضوابط النحو العربي من تقديم وتأخير وحذف وذكر وتأويل واعاريب مختلفة ، فعمدت على دراسة جزء من موضوعات النحو فيها ـ وبما يناسب المقام ـ ووقع اختياري على مظاهر من التأويل النحوي في هذه السورة المباركة آملاً أن يقف هذا البحث إلى جانب تلك الدراسات التي فاضت بها أقلام الباحثين وليكشف عن أمور جمة وعظيمة في علم النحو تُزاد إلى ما كشفت عنه البحوث السالفة في مختلف الاختصاصات . وقد حمل هذا البحث المباحث الآتية : المبجث الأول: الحمل على المعنى والتوهم و الحكاية ، المبحث الثاني: التعليق ،المبحث الثالث : التنازع ، المبحث الرابع: التضمين ، المبجث الخامس: التقديم والتأخير. المبحث الأول: الحمل على المعنى والتوهم والحكاية 1- الحمل على المعنى: أ- فيما يخص القراءات القرآنية: منه قوله تعالى] فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [ (لكهف :من الآية77) ،"قرأ ابن مسعود والأعمش (يريد أن ينقض)"[1]. ووجه ابن جني ذلك بقوله " فإن شئت قلت اللام زائدة فيه واحتججت فيه بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن شئت قلت التقدير إرادته لكذا كقولك قياسه لكذا وجلوسه لكذا ثم وضع الفعل موضع مصدره كما أنشد أبو زيد: فقالوا ما تشاء فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير[2] أي اللهو فوقع ألهو موضع مصدره وأنشد أيضاً: وأهلكني لكم في كل يوم تعوجكم علي واستقم[3] أي واستقامتي وكاللام هنا في قوله أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل[4] فيحتمل اللام هنا ،الوجهين للذين تقدم ذكرهما"[5]. فجعل اللام زائدة هي على قياس قراءة النبي صلى الله عليه وسلم (يريد أن ينقض)، أما على الرأي الثاني فيأتي حمله على المعنى، كما استدلوا بالأمثلة الآنفة، وجعلها على قراءة النبي يبعدنا عن التكلف في التأويل. ب- فيما فيه عود الضمير ومنه قوله تعالى ]وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ[ (الكهف: من الآية43)،حمل ينصرونه على المعنى لا للفظ كقوله ] فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ [ (آل عمران: من الآية13))[6]. "وقرأ ابن أبي عبلة (تنصره)"[7] "فحمل على اللفظ" وقوله تعالى ] وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[ (الكهف: من الآية28)، ضمير تريد للعينين، وإسناد الإرادة إليه مجاز وتوحيده للتلازم، كما في قول امرئ القيس لمن حلوقه زل بها العينان تنهل[8] وقول الآخر وكأن في العينين حَب قرنفل أو سنبلاً كحلت به فانهلت[9] ويجوز أن يكون الضمير للمخاطب أي تريد أنت[10]. فعلى الرأي الأول يكون محمولاً على المعنى، أي تريدان إذا أخبر عن الشيئين المتلازمين بإخبار الواحد، وعلى الثاني يكون محمولاً على اللفظ. ت- في دلالة الفعل الزمنية: نحو قوله تعالى ]وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً[(الكهف:47) ، ذكر الزمخشري قي قوله (وحشرناهم) أنه ماض بعد نسير وترى للدلالة على أن حشرناهم قبل التسيير، وقيل البروز ليعاينوا تلك الأهوال العظائم كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك[11]. وزاد أبو السعود" أنه للدلالة على تحقيق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المنكرون وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه منفيا و موجبا"[12]، فالكلام ظاهرة على اللفظ، ومنهم من جعله بمعنى المستقبل. فهو ماض مراد به المستقبل أي ونحشرهم، وكذلك (وعرضوا) و(وضع الكتاب). والتعبير بالماضي وإرادة المستقبل كثير جداً في القرآن العظيم[13]. وعد بعضهم الواو في (وحشرناهم) واو الحال والجملة في محل نصب، أي نفعل التسيير في حال حشرهم ليشاهدوا تلك الأهوال[14]. ث- في الأخبار بالإفراد أو التثنية:- ومنه قوله تعالى ]كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا [(الكهف: من الآية33)، آتت حمل على اللفظ ،لأنّ كلتا لفظ مفرد، ولو قيل آتتا على المعنى لجاز[15]، فغلب اللفظ ولم يستعمل المعنى "ثقة لمعرفة المخاطب به"[16] و"إفراد ما لكلا وكلتا أجود من تثنيته"[17]. ومنه قول الشاعر في كلت رجليها سلامي واحدة كلتاهما مقرونة بزائدة يريد بكلت كلتا[18]، ويجوز تثنيته حملا على المعنى، أي كلتا الجنتين آتتا أكلها[19]. وقد يأتي محمولا على اللفظ تارة وعلى المعنى تارة في الكلام. ومنه قول الشاعر كلاهما حين جد الجري بينها قد اقلعا و كلا انفيهما رابي[20] وقراءة المصحف جاءت حملا على اللفظ لا المعنى وهو الأكثر في كلا وكلتا. ومن ذلك قوله تعالى]الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[(الكهف: من الآية46)، وقد اخبر به عن أشخاص، فإِما أن يكون على تقدير محذوف أي الحياة الدنيا، وإما أن نضع المال والبنين بمنزلة الغنى والكثرة[21]. وإنما افرد زينة وإن كانت خبراً عن شيئين، لأنهما مصدر والتقدير ذروا زينة، إذ جعلا نفس المصدر مبالغة، إذ بهما تحصل الزينة، أو بمعنى متزينين[22]. بيد أن الدكتور إبراهيم أنيس ذكر أن اللغات تسلك مسالك متعددة في علاج الإفراد والجمع، وكذلك اللغة العربية لا تسلك في علاج الإفراد التثنية مسلكا منطقيا إذ قد يستعمل الجمع ويراد منه المثنى، كقوله ]إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا[ (التحريم: من الآية4)، ]وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[(المائدة: من الآية38)، ]هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [(الحج: من الآية19)[23]. جـ- في التذكير التأنيث:- نحو قوله تعالى ]وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ[(الكهف: من الآية43)، "قرأت (تكن) بالتاء على تأنيث لفظ الفئة، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه ولأنه حمل على ظاهر اللفظ"[24]. "وقرأ (يكن) بالياء الأعمش ومجاهد وابن وثاب وطلحة وأيوب وأبو عبيد وابن سعدون وابن جرير وابن عيسى الأصبهاني"[25].على التذكير، "لأنه فرّق بين المؤنث وفعله بالظرف، ولأنه تأنيث غير حقيقي"[26] .وقد نص الدكتور إبراهيم أنيس على أن النحويين يقسمون التأنيث إلى مؤنث حقيقي ومؤنث مجازي ولكل منها أحكامه اللغوية[27]، ومنه قوله تعالى ]قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي[(الكهف: من الآية98)، فالمؤنث بعلامة قد تكون علامة التاء مثل الموعظة والرحمة، وقد تكون الألف المقصورة نحو الدعوى والدنيا، وقد تكون الألف الممدودة نحو الصحراء والطرفاء، وقد جاء في ذلك كله التذكير والتأنيث فعملوا ذلك مرة على اللفظ فأنثوا ومرة على المعنى فذكروه، … وباب الحمل على المعنى واسع"[28]. فأسم الإشارة (هذا) يشار به إلى الذكر. وقد أُشير إلى المؤنث حملاً على المعنى، لأن المقصود بالرحمة الرحم، أو لأنها إشارة إلى السد المتقدم ذكره أو غيره مما فيه التذكير، وقد يكون الكلام على تقدير محذوف والتقدير هذا أمره رحمة. حـ- في المشتقات: ومنه قوله تعالى ]أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً[(الكهف:9)، الرقيم أصله من الرقم وهو الكتابة، يقال: رقمت لكتاب أرقمه، فهو فعيل بمعنى مفعول كالجريح والقتيل[29] ،ومنه قول الشاعر أمية بن أبي الصلت وليس بها إلا الرقيم مجاوراً وصدهم والقوم في الكهف همد[30] و"قيل بمعنى أرقم[31]. ومنه قوله تعالى ]قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ[(الكهف: من الآية98)، "الوعد بمعنى الموعود، والمعنى فإذا جاء موعود ربي لا يريد المصدر لأن المصدر قد سبق"[32]. خـ- في الاستفهام المتضمن معناه الشرط: ومنه قوله تعالى ]قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [(الكهف: من الآية63)، "كأنه قال أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت فحذف ذلك"[33]. "وليست الفاء إلا جواباً لـ أرأيت، لأن إذ لا يصح أن يجازى بها إلا مقرونة بـ(ما) بلا خلاف"[34].فُحمل الكلام على معنى الشرط وجوابه، فعدت الفاء واقعة على جواب شرط تضمنه الاستفهام. د- في القول المستثنى: ومنه قوله تعالى ]وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً[ (الكهف:23)، في قوله (أن يشاء الله) يجوز أن يكون حالاً والتقدير أفعل غداً إلا قائلاً أن شاء الله، وحذف القول كثير، فقوله (إلا أن يشاء الله) في معنى إن شاء الله وهو مما حمل على المعنى[35]. ولا يمكن حمله على الظاهر، لأنه قد يكون داخلاً تحت القول فيكون من المقول، ولا ينهاه الله أن يقول إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله، لأنه كلام صحيح في نفسه لا يمكن أن ينهاه عنه فاحتج في تأويل هذا الظاهر. والتقدير الآخر عند الرازي "(ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) إن يأذن لك في القول"[36]. فحملت هذه التقديرات على ظاهر المعنى. 2- الحمل على التوهم: ويظهر ذلك من خلال قراءات وردت لعدد من الألفاظ في السورة ،نحو قوله تعالى <SPAN dir=ltr style="FONT-SIZE: 16pt; FONT-FAMILY: 'AGA Arabesque'; mso-bidi-font-family: 'DecoType Naskh Spec