مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

قلعة الموصل

التفاصيل
كتب بواسطة: عبدالوهاب النعيمي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 27 يونيو 2007
الزيارات: 8

قلعـة الموصـل  ...باشطابيا

واثرها التاريخي في حماية الموصل عبر كل العصور

 عبدالوهاب النعيمي*

         من منا لا يعرف قلعة الموصل "  باشطابيا " التي امتد عمرها لاكثر من الف ومائة عام وهي تنتصب شامخة تتصدى لكل المحاولات التي تبغي استباحة الموصل وحرمتها ، هذه القلعة التي تغفو على الضفة الغربية من نهر دجلة وتشكل في مشهدها العمراني الفريد احدى اهم الشواخص الحضارية في مدينة الموصل ، شأنها بذلك شأن منارة الحدباء ..

هذه القلعة الحصينة الرائعة التكوين والبناء هجرتها الذاكرة منذ اكثر من ثلاثة قرون ، لم يلتفت اليها المعنييون على تاريخ المدينة ومعمارها ، فاصابها الاهمال والتصدع ، ثم بدأت بالانهيارات والسقوط البطيء ،  مما جعلها تنكفىء على بعضها خلال العقد الاخير لتحتضن بين ذراعيها برجها الرئيس الذي الذي هوى من اعلى القلعة ليستقر في محيطها ، كما تحتضن الام الرؤوم رضيعها مستجيرة بابنائها ممن امدتهم بأجنحة الحماية والامان على مدى احد عشر قرنا بلهفة الخوف والترقب.

 مركز دراسات الموصل في جامعة الموصل كان هو الصوت المدوي ، المنبه والمنادي بضرورة الحفاظ على موروثنا قبل ان يأكله الضياع ، ولا سيما الشواخص المهمة مثل منارة الحدباء الفريدة وقلعة باشطابيا التي باتت رمزا من رموز المدينة ، ولا بد لابنائها ان يحافظوا على شواخص رموزهم الحضارية من الانهيارات والضياع كما ضاعت شواخص كثيرة من قبل ، بهذا الحرص المتيقن يتحدث الدكتور ذنون الطائي مدير المركزعن قلعة الموصل الآيلة للسقوط أ فيقول :

 قلعة الموصل تعد إحدى المعاقل المهمة في التصدي والصمود لهجمات المعتدين التي تعرضت لها مدينة الموصل على إمتداد تأريخها الطويل، فالمصادر التأريخية تحدثنا عن صمود القلعة بوجه الحصار الذي فرضه البساسيري ابراهيم قرابة أربعة أشهر في عام 1058م  وبعد قرنين من الزمن. ركَّز المغول في هجومهم على الموصل سنة 1261م  على قلعتها الحصينة فضربوها بالحجارة والمجانيق ولم يفت بها وصمدت قرابة سنة، بالرغم من محاصرتهم للمدينة اقتصادياً وقطع الإمدادات عنها، الا انهم لم يتمكنوا منها إلا بعد قيام هولاكو بتعزيز أحد قواد جيشه (سمداغو) بجيش كبير، فدخلوا المدينة وإستباحوها لمدة تسعة أيام فدمروا القلعة ضمن ما دمروا من شواخص ومبان،قام الأتابكيون فيما بعد باعادة تعميرها .

وعندما جهز نادرشاه جيوشه الكبيرة متجهاً صوب الموصل عام 1743م. حيث قدر للموصل أن تقف وحدها في مواجهة المهاجمين، معتمدة على أبنائها وإمكاناتها الذاتية، فصمدت بفضل ابنائها وقلعتها الحصينة بوجه حصار دام 42 يوما من دون ان تفلح الجيوش الغازية بأقتحام سور الموصل وقلعتها .

تقع القلعة في أعلى بقعة من مدينة الموصل، الى الشمال الشرقي منها وعلى الضفة اليمنى لنهر دجلة، اذ كان لهذا الموقع أهمية دفاعية كبرى، وترجح الدراسات التأريخية نشأتها الى العصر الأمويباشارة من الاستاذ الدكتور احمد قاسم الجمعة ان اول من أنشأ القلعة هو مروان بن محمد الأموي سنة 126هـ-128هـ  وإن أقدم ذكر لها سنة 378هـ حيث أتى على ذكرها ابن جبير لدى زيارته للموصل عام 580هـ / 1184م بقوله: " وفي أعلى البلد قلعة عظيمة قد رُصّ بناؤها رَصاً ينتظمها سور عتيق البنية، وتتصل بها دور السلطان وقد فصل بينها وبين البلد شارع متسع من أعلى البلد الى أسفله". كما عَني بها عماد الدين الزنكي وبناها قلعة واسعة تتسع لآلاف من الجند وما يحتاجونه من المؤن والعتاد وعدة الحرب.

  معظم الآثار الشاخصة لقلعة الموصل تعود الى العهد العثماني ، ومما يذكر فإن والي الموصل بكر باشا ابن اسماعيل بن يونس الموصلي عَمّرَ سورها ورَمَم بعض أبراجه وكانت هي أكبر الأبراج لذا أطلقوا عليها تسمية باشطابيا باللغة التركية وتعني (البرج العالي) وتتكون من برج رئيس يمتاز بضخامته وهيئته المستديرة، وارتفاعه الشاهق، حيث يبلغ أقصاه من جهة النهر حوالي (16) م، ويحتوي البرج مدخلاً سرياً يؤدي الى النهر ليكون حلقة وصل بين القلعة وبين النهر وظهيره، من المدن الواقعة عليه، ليؤمن المياه واللوازم الغذائية والإمدادات العسكرية، وهو إجراء وقائي تَركُنْ إليه قيادة العمليات العسكرية في حالات الحصار، الذي يُضرب على المدينة، ويحوي البرج أيضاً بعض الغرف التي تتصل ببعضها بدهليز أفقي، وآخر عمودي يصلها بأعلى البرج ويسمح بتحريك المدافعين ونقل المعدات الحربية بمأمن عن أنظار الأعداء. ويعلو البرج برجا آخر على نفس الغرار، ولكن أصغر منه بحيث أتاح قسماًُ من سطح البرج الأول عرضه (1،65) م ليكون بمثابة ممر يستخدم لمراقبة الأعداء، وتصويب الأسلحة عليهم عن طريق المزاغل المستحدثة في الشرفة المجاورة التي تتقدمه، وتتضح أهمية البرج العلوي في إمكانية وضع المدافع فيه بعد استخدام المدفعية في العهد العثماني، ولهذا زود القسم العلوي من جداره، بأربع فتحات كبيرة يتسع كل منها لمدفع فضلاً عن وجود فتحتين صغيرتين، بين كل من الفتحات السابقة.

وتكمن الأهمية الدفاعية لمزاغل وفتحات البرج كما يذكر الأستاذ الكتور أحمد قاسم الجمعة في إعطاء المدافعين حماية كبيرة، لأنه يتعذر على المهاجمين إصابة المدافعين الذين يحتمون خلف جدران البرج من الداخل، كما ساعد الارتفاع الشاهق للبرج على إمكانية مراقبة الأعداء من مسافات بعيدة والتقليل من تأثير أسلحتهم، وتُوجَ البرج والجزء المتبقي من سور القلعة المرتبط بها من الناحية الجنوبية بشرفات، ذات هيئات نصف دائرية تقريباً، لتساعد المدافعين على الاحتماء خلفها وسهولة إصابة الأعداء بأسلحتهم.

ويأتي المؤرخ الراحل سعيد الديوه جي على ذكر القلعة الى وقت قريب، على أنها متداعية ولم يبق منها سوى قسم من البرج وتحته الزندان  

 

معالجات  .. ومقترحات

 

   ويتواصل الدكتور ذنون الطائي في حديثه عن المعالجة التي توصل اليها ابناء مدينة الموصل وباحثوها وعلماؤها من خلال الندوة التي اقامها المركز في اواخر العام المنصرم 2007 حيث يقول : قمنا من خلال مركزنا بدعوة وزارة السياحة والاثار والتي تعود اليها مديرية اثار نينوى لانشاء مرافق سياحية مناسبة أمام كل مرفق سياحي مثل الثور المجنح او باب المسقى كأن يبنى مطعم سياحي، وكذلك لانشاء  متنزهات وملاعب للاطفال في الفضاء الكائن امام باشطابيا بعد اكمال ترميم القلعة واعادة الحياة للمنطقة  ، اذ كما يعرف الجميع ان هذه المنطقة كانت من أفضل الامكنة المرتادة لتنزه المواطنين وعوائلهم في ايام الربيع ، ولعل افضل من وثق تلك المهرجانات والسفرات هو الفنان المرحوم (نجيب يونس) بلوحاته الشهيرة المتضمنة رسومات العوائل والباعة الجوالين ، وغيرها من الفعاليات الربيعية التي كانت تقوم في تلك الامكنة الربيعية، ونأمل من القائمين على مديرية متحف الموصل تجاوز القوالب القديمة المتبعة سابقاً والتي تفرض قيودا وتحد من حرية استعمال الفضاءات وتحويرها الى حدائق وكازينوهات لتجميل المنطقة والاستفادة من بدلات الايجار لادامة وترميم هذه المنشآت.

 ولدى مركز دراسات الموصل  مقترحات  متعددة لصيانة قلعة باشطابيا ، منها على سبيل المثال :  معالجة برج القلعة برفعه كقطعة كاملة لأنه حالياً مفصول عن الجسم الأصلي وعُملَ أُسس كونكريتية له لكي يوضع في موضعه الطبيعي وبمستوى البناء الأصلي لأن أُسسه الأصلية قد عملت عوامل الزمن الطبيعية (الطباقية) والبشرية (المتمثلة بتحويل مسار نهر دجلة بمحاذاة القلعة) على إذابتها وتعريتها ، وبعد رفع الجدار بالكامل يجري تشييد أُسس بديلة بطريقة حديثة كغرز ركائز كونكريتية مسبقة الجهد الى مستوى إرتكاز الركائز على طبقة صخرية وتصب أُسس كونكريتية بين الركائز ويُعاد البناء بنفس الحجارة المرفوعة اوالإستعانة بحجارة مشابهة في حالة الحاجة لذلك وتربط بالبناء الموجود بشبكة من الحديد تدخل في ثقوب تستحدث في البناء القديم ، كما يجري بناء جدار ساند من الحجارة الكبيرة  بشكل مائل بعد عمل أساس قوي له من مستوى الأرض الى بداية جدران القلعة لحمايتها من مياه الفيضان مستقبلاً ، وإدخال القلعة ضمن المخطط العمراني لمدينة الموصل وإعدادها كمعلم سياحي وتشكيل هيئة أو وحدة خاصة بقلعة باشطابيا لها حق التصرف و اتخاذ ووضع القرارات للحفاظ على القلعة، وإدخال القلعة ضمن التراث العمراني العالمي والدولي والاقليمي، ووضع قانون الاستملاك على الأراضي التي تجاوزت على حدود القلعة ، ودعوة منظمة اليونسكو لتبني هذا المعلم وجعله معلما دوليا والحفاظ عليه بعد تأهيله وصيانته ، وإعداد القلعة كمتحف ومعلم سياحي وثقافي وإجتماعي والاستفادة من التضاريس الاصلية في المنطقة و لا سيما منطقة عين كبريت المتاخمة لها وكذلك ضفاف  نهردجلة  لجعلها  منطقة سياحية بعد تشييد المنشآت السياحية فوقها كالفنادق والمتنزهات التي تحتاجها مدينة الموصل .

 

 

 

                                

الحفاظ على التراث العمراني لمدينة الموصل

 

          وللدكتور سلام احمد محمد من قسم الهندسة المعمارية

   في كلية الهندسة جامعة الموصل راي في إعادة توظيف قلعة باشطابيا كأحد استراتيجيات الحفاظ على التراث العمراني لمدينة الموصل ، حيث يدعو الى إحياء قلعة باشطابيا وربطها مع بقية المعالم الاثارية لمدينة الموصل ضمن مخطط عمراني حديث وجعلها من المعالم التراثية ذات الطابع السياحي والثقافي والاجتماعي ومعلما حضاريا.

 

التحديات

 في أواخر القرن التاسع عشر بدأ ظهور تقنيات البناء المتطورة ومواد البناء الحديثة وظهور عمارة ذات طابع عربي مما أثر على النسيج التقليدي لمدينة الموصل وتجاوز بعض السكان على ادخال تلك التقنيات ومواد البناء الحديثة وسلب هوية النسيج التقليدي لمدينة الموصل ظهرت عمارة مختلطة مع ذلك النسيج مما جعلها لا تؤدي الفعاليات التي أنشأت من اجلها.

      وكذلك ظهرت توجهات حديثة تدعو إلى الهدم أو ازالة كل ما هو قديم وتجاوزت على العمارة التقليدية.

      كما أن الوضع الاقتصادي وقلة الوعي والتخلف الاجتماعي ساعد على نمو عمارة غربية داخل مدينة الموصل كما ساعد على ظهور من ينادون بهدم وقلع وإزالة كل ما هو قديم.

 

بما أن طبيعة المشاكل التي تواجه عملية الحفاظ على التراث العمراني مترابطة وتراكمية الطابع لذا فان الاستراتيجيات اللازمة لمواجهة التحدي يجب أن تكون مترابطة بدورها.

يجب إتباع طرق للحفاظ على التراث العمراني يتضمن عدة استراتيجيات منها تحسين مستوى الخدمات العامة والخاصة وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإداري.

وإن الحلول والمعايير المنفصلة أو الجزئية لا يمكن أن تتماشى مع حجم وتعقيد المشكلات لمدينة الموصل والأبنية التراثية. لذلك يجب ربط جميع الابنية التراثية بمخطط متكامل للحفاظ والتطور،

    واعادة الفاعلية الحيوية بشكل مقصود لجوانب معمارية متروكة أو مهملة أو زائلة جزئياً أو كلياً تعود لازمنة سابقة، والمحافظة عليها أو تطويرها ضمن خطط عمرانية متكاملة كـ (حق للتاريخ والزمن). ولعملية إعادة الإحياء هناك ثلاثة طرق استراتيحية  تتمثل في: التوثيق و التأهيل و التطوير ، فطريقة التوثيق تكمن في تحقيق وتثبيت وتسجيل كل ما يتعلق بالمبنى أو المركز أو المدينة واخذ كل المعلومات من كافة المصادر والتأكد من صحة المعلومات مع تثبيت واقع الحال ضمن منهج علمي يتضمن اسم المبنى وعمر ه أو الفترة الزمنية له  الى جانب موقع المبنى وملكية المبنى ومحاولة التقاط صور فوتوغرافية جوية أو ارضية أو بانواعها للمبنى المراد توثيقه، مع مراعاة توثيق القيمة المعمارية ومواد البناء والانشاء الداخلة في بنائه وحالة الصيانة وارتفاع المبنى وتدوين حميع الاحداث ألتاريخية التي مر بها المبنى ، الى جانب محاولة جمع كل الوثائق المتعلقة بالمبنى من شتى المصادر  كدراسة اسباب التهوي والدراسات الجيولوجية المتضمنة (زلازل/فيضانات/انزلاقات ) وغيرها من التأثيرات البيئية التي من شأنها ان تتسبب بحالة التدهور المعماري في المباني القديمة ذات الاثر التاريخي مثل قلعة باشطابيا التي نحن بصدد الحديث عنها الان ، الى جانب قيام فريق عمل يتكون من مجموعة علماء وباحثين مهمتهم الاساسية تكمن بوضع دراسات بيئية و مدىتأثيرها على المبنى  ودراسات عن الاثار والتنقيب واخرى   اقتصادية ومالية

 

 

دراسات التطور العمراني والحضري للمدينة

   اما طريقة التاهيل ، ونعني بها عملية تأهيل منطقة  ما وذلك بتحديد وضعها العمراني من ناحية هياكل أو مساحات أو إعداد فضاءات وإدخال الخدمات إليها دون الاخلال بشخصيتها المتميزة الى جانب توفير فضاءات معمارية جديدة مثل تحويل مسكن قديم إلى متحف اوإضافة فضاءات إلى الأبنية الموجودة تلائم المتطلبات والاستعمال الجديد على ان تكون منسجمة مع القديم ، او استبدال هياكل متهدمة بهياكل جديدة .

 فيما تشمل عملية التطوير هدم وإزالة وتنظيف المبنى القديم بكامله ، ومن ثم الشروع بإعادة إنشاء مبنى  جديد  في الموقع القديم نفسه .

         وطريقة التطوير تعد هي الاصعب من بين العمليات الثلاث المشار اليها آنفا لانها عملية معقدة بمستوياتها المتعددة للفعل وتستغرق وقتا طويلا وعمليات تبادل معقدة ودقيقة وتعتمد على النواحي المالية والقانونية والإدارية . كذلك على الأساليب التوثيقة المتبعة الطويلة والمتعددة والمعقدة في جمع المعلومات وطرق الحفاظ على المبنى خلال اجراء عملية التطوير إلى خلق نسيج حضري متكامل العمران ومكيف للمتطلبات الحديثة للأفراد والمجتمع وتكون بعيدة الأمد ومدعومة من قبل الدولة أو جهات رسمية لتحقيق أهداف تنمية عمرانية وإقتصادية وإجتماعية.

 

استنتاجات بحثية لادامة القلعة

يؤكد الدكتور ذنون الطائي في ختام حديثه على إن حالة قلعة باشطابيا  في الزمن الراهن حالة يرثى لها بما آلت اليه من اهمال لفترات طويلة من الزمن جعلها معرضة للسقوط والاندثار الحتمي ان لم تتدراكها المساعي الوطنية على المستويين الرسمي والشعبي ، كما  ان حجم  التجاوزات التي وقعت على هذا الصرح المعماري المهم عجل بانهياره وتآكله ، وليس هناك من دلالات او خرائط خاصة بالقلعة نتمكن من خلالها على الاستدلال على طبيعة وضعها الأصلي لكي نعرف ما هو النقص فيها  ، خلال زيارتنا للقلعة لا نجد  سوى بقايا سور قديم متهريء وبرج  آيل للسقوط مشطور كما لا تمتلك جامعة الموصل  اية دراسات  في التنقيب عن بعض الفضاءات التي  عثر فيها على بعض الاواني والادوات الفخارية داخل القلعة ، وان كان ثمة دراسات عن القلعة  فانما هي دراسات فردية وعمل ضائع وغير محفوظ الى جانب عدم وجود قانون يحمي القلعة ومحيطها من التجاوزات ، لهذا نرىان من واجب الدولة والمجتمع

* الاهتمام بمعلم باشطابيا وبقية المعالم التراثية الاخرى في مدينة الموصل مثل منارة الحدباء، الآيلة للسقوط هي الاخرى ،والعمل على  إعادة إحيائها والقيام بإعداد دراسات متخصصة بالحفاظ على المعالم التاريخية من جوانب  متعددة عمرانيا وإقتصاديا وإجتماعيا ،و تشجيع الدراسات العلمية سواء كانت رسائل أو أطاريح  اوبحوث علمية  تقوم باعدادها او الاشراف عليها الاقسام المعنية في جامعة الموصل ، و العمل على إدخال القلعة ضمن المخطط العمراني لمدينة الموصل وإعدادها كمعلم سياحي الى جانب تكوينها الاثاري والتراثي ، و تشكيل هيئة أو وحدة خاصة بقلعة باشطابيا يكون لها الحق في اتخاذ ووضع القرارات للحفاظ على القلعة ، وديمومة بقائها والعمل على  إدخال القلعة ضمن التراث العمراني الاقليمي والعالمي والاستعانة بالخبرات العالمية والدولية للحفاظ على معالمها المعمارية كأثر تراثي وتاريخي مهم و دعوة منظمة اليونسكو لتبني هذا المعلم وجعله معلما دوليا والحفاظ عليه. وتأهيله وصيانته ، الى جانب تاهيله كمعلم سياحي ثقافي واجتماعي محليا ،و إعداد القلعة كمتحف ، والاستفادة من التضاريس الاصلية في المنطقة ووجود (عين كبريت ) ونهر دجلة لتحوير محيط القلعة الذي يتميز بالارتفاعات الشاهقة المطلة على مجرى النهر كي تكون  منطقة جذب سياحي من خلال انشاء العديد من المنشآت الخدمية والسياحية فيها مثل (الموتيلات-الكازينوات-المتنزهات بانواعها والمطاعم السياحية ، الى جانب الاسواق التجارية المتخصصة بتجارة السلع الموصلية التراثية .

 

 

 

عبدالوهاب النعيمي:

  اديب وصحفي عراقي موصلي من جيل الرواد ، اسهم في مسيرة الصحافة العراقية منذ عام 1964 محترفا ، عمل في مجموعة كبيرة من الصحف والمجلات العراقية وحصل على امتيازلاصدار جريدة " الشروق " في مدينة الموصل عام 1965 .  في اواخر عام 1967غادر الموصل الى العاصمة بغداد  للعمل في احدى صحف المؤسسة العامة للصحافة .ومايزال مستمرا.

الفكاهة والسخرية

التفاصيل
كتب بواسطة: عبد النبي ذاكر
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 10 يونيو 2007
الزيارات: 7

الفكاهة والسخرية

                                      د. عبد النبي ذاكر

 

 

صدر لفريق البحث في الفكاهة والسخرية "، التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكَادير كتاب: (أبحاث في الفكاهة والسخرية) في طبعته الأولى سنة 2008 عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، في 198 صفحة من القطع المتوسط. وهو ثمرة أبحاث الورشة الأولى في هذا الموضوع، جرت وقائعها برحاب الكلية المذكورة يوم 14 دجنبر 2007. وكان القصد منها استكشاف تجليات الفكاهة والسخرية في الأدب والثقافة. وهذا ما استجابت له مساهمات باحثين من تخصصات متباينة، ومنطلقات معرفية متنوعة. يشهد على ذلك تنوع الأبحاث التي توخَّت رصد "الفكاهة والسخرية" في الرواية والشعر والمسرح والنقد والثقافة، وفي أعمال باللغات العَرَبية والعِبْرية والإسبانية والإنجليزية والفرنسية. ولعل جرد مداخلات هذا المؤلَّف قمينة بإعطاء فكرة أولية عن تنوع وتباين المقاربات لملامح الفكاهة والسخرية في أجناس أدبية متنوعة، وخطابات مختلفة.

تضمن الكتاب دراسة لعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية د. أحمد صابر تحت عنوان: (فقه اللغة ومتعة القراءة في ضون كيشوط). تَلَتْها دراسة د.ة. بديعة الطاهري: (آليات اشتغال الخطاب الساخر في غلاف رواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم). وقدّمت ذ.ة مليكة كينا: (ملاحظات حول السخرية في خماسية "مدن الملح" لعبد الرحمن منيف). ورصد د. حافيظ إسماعيلي علوي: (لغة الخطاب الساخر: مقاربة تداولية حِجاجية). كما وقف ذ. مبارك أزارا عند موضوع طريف هو: (الهجاء النقدي: مواجهة بين محمد بن تاويت وعبد الله كَنون). وكان (الضحك الإثني في سكيتش هزلي كولونيالي) محور الدراسة التي قدمها د. عبد النبي ذاكر. في حين حاول بحث ذ.ة وفاء المنصوري رصد عناصر: (المضحِك في ديوان محمد بن إبراهيم المراكشي). ومن خلال تحليل آليات خطاب النكتة، وقف د. أحمد شايب عند: (الضحك الإثني). أما د. عبد الرحيم حيمد، فاستجلى: (مظاهر السخرية اليهودية). وآخر دراستين باللغة العربية في الكتاب، واحدة للمخرج المسرحي د. محمد جلال أعراب في موضوع: (الغْروتيسك والموقف الكرنفالي من العالم عند ميخائيل باختين)، والثانية للناقد د. محمد زاهي عن: (حظوظ الشعراء المغمورين من شعر الظَّرْف والتَّظَرُّف). كما ضمّ الكتاب بين دفتيه ثلاث دراسات باللغة الفرنسية: الأولى لسعد سلامتي عن (القلب السّاخر في "مَلِك بدون تسلية" لجان جيونو بين الفكاهة والغروتيسك)، والثانية لعبد الرحيم بن الطيبي عن: (الخطاب الساخر في "تحقيق في البلَد" لإدريس الشرايبي)، والثالثة للَحْسَن بن عزيزة تخصّ: (الفكاهة والسرد) في بعض أعمال غراهام سويفث وسكوت فيتزجيرالد ودانتي وجوفري شوسر.

ويأمل فريق البحث في "الفكاهة والسخرية"، الذي يرأسه د. أحمد شايب، الاسترسال في ورشاته بإشراك باحثين في العلوم الإنسانية من تخصصات مختلفة، مغاربة وأجانب، تعميقا لنقاش أدبي وفكري حول "الفكاهة" و"السخرية" عموما، بما في ذلك: الفكاهة والكوميديا، والفكاهة والبيداغوجيا والديداكتيك، والحس الفكاهي لدى الجنسين، والفكاهة والطب النفسي، والفكاهة أثناء التفاعل الاجتماعي، والفكاهة والإشهار، والفكاهة والكاريكاتير، والفكاهة في الثقافة الشعبية، والفكاهة في وسائل الاتصال الجماهيرية من تلفزيون وصحافة وغيرهما، والفكاهة في السينما، إلخ.

أسلوب التربية وحاجات الطفل في المجتمع العربي / ذ. بنعيسى اح

التفاصيل
كتب بواسطة: بنعيسى احسينات
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 07 يونيو 2007
الزيارات: 7

أسلوب التربية وحاجات الطفل في المجتمع العربي ذ. بنعيسى احسينات يقول أحد الفلاسفة الصينيين في القرن الثالث قبل الميلاد: " إذا وضعتم مشاريع سنوية فازرعوا القمح. وإذا كانت مشاريعكم لعقد من الزمن فاغرسوا الأشجار. أما إذا كانت مشاريعكم للحياة بكاملها فما عليكم إلا أن تثقفوا وتعلموا وتنشئوا الإنسان ". فكلما كان البلد متقدما كلما ازدادت عنايته بأطفاله. وإذا كان التغير الاجتماعي في بلاد كالولايات المتحدة وألمانيا والاتحاد السوفياتي سابقا والصين واليابان.. أسرع مما هو في بلدان أخرى، فهذا يعود بالضبط إلى العناية التي تقدمها هذه البلدان لأطفالها بالنسبة إلى حاجاتهم النمائية. أسوق هنا مثالين بارزين: المثال الأول: أمام أحد اجتماعات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي سابقا، قال كبير خبراء التربية: " لقد ألغت الثورة الاشتراكية الألقاب والامتيازات، ولم يعد لدينا أباطرة أو قياصرة، لكننا نؤكد دوما أن في الاتحاد السوفياتي قيصرا واحدا يتمتع بكل الامتيازات، ذلك هو الطفل ". المثال الثاني: يدور هذا المثال حول عالم أمريكي من علماء علم نفس الطفل، كان يزور موسكو، فأراد أن يشتري برتقالا، ولكنه لم يجد سوى بعض البرتقالات بسعر غال جدا، بعد أن طاف بعدة محلات. بعد ذلك، لاحظ عند زيارته بعض دور الحضانة والمدارس الابتدائية في موسكو وضواحيها، أن البرتقال وغيره من الفواكه، متوفرة بكثرة في هذه المؤسسات، وأنها تقدم للأطفال مجانا. إن لتربية الطفل والعناية به هنا، في هذه البلدان، علم له قواعده التي يجري تطبيقها بعناية فائقة. فالمجتمع لا يحقق إمكاناته الفضلى إلا إدا أتاح لأطفاله أن يحققوا إمكاناتهم إلى حدها الأقصى. لذا، فإن أفضل طريقة لمعرفة مستقبل بلد من البلدان هي أن نعرف كيف يعامل أطفاله؟ وكيف يعتني بهم؟ من هنا تأتي صرخة جان جاك روسو الشهيرة: " تعلموا كيف تعرفون أطفالكم، إنكم بالتأكيد لا تعرفونهم بالمرة ". إننا في المجتمع العربي عامة والمجتمع المغربي خاصة نميل في الغالب، إلى الاعتقاد بأن الأطفال ينمون وينضجون من تلقاء أنفسهم، أسوة بالحيوانات والنباتات ( المربي من عند ربي... ولد الوز عوام... ). ولهذا، فما أن يصبح الطفل قادرا على المشي حتى يتركونه يخرج إلى الشارع تحت رعاية أشقائه الكبار. وقد يقول الأب المحب عن طفله: " عندما يكبر سأرسله إلى أفضل جامعة ليصبح طبيبا ". ولكن التعليم هنا يعني، في نظر الآباء، التعليم العالي. فهم لا يعرفون أن أهم تعليم هو الذي يتلقاه الطفل في مرحلة حياته الأولى، وأن هذا التعليم بالذات يحدد نمو الطفل اللاحق برمته. من الغريب أن يتلقى الناس تدريبا في كل أنواع الوظائف التي يقومون بها، ما عدا الوظيفة العائلية وما يتعلق بتربية الأطفال ورعايتهم. ولذلك، فإن معظم الآباء والأمهات والمربون بصفة عامة، هم من الهواة قي ممارسة فن الأبوة والأمومة، وفن التربية بصفة عامة... فإذا كان حضهم جيدا، تمكنوا من أداء مهمتهم أداء حسنا. أما إذا كان الفشل نصيبهم، فالمجتمع كله يدفع الثمن، وليس هم وأطفالهم فحسب. والواقع أنه لا يمكن تحقيق الفعالية في هذا المجال إلا بالتدريب اللازم، وبمعرفة حاجات الطفل النمائية، والطريقة المناسبة لتربيته والعناية به. يقول بونابرت بهذا الصدد: " لا أفهم الحياة بلا زواج، ولا أفهم الزواج بلا أبناء، ولا أفهم الأبوة والأمومة بلا حنان ". ويقول أيضا برنار تشو الساخر: " لست معلما للأمهات ولا مدرسا للأطفال، ولكن أحتقر المرأة إذا تزوجت ولم تقم بواجبها كأم وزوجة في آن معا! وأمقت الرجال، إذا تزوجوا ورزقوا أطفالا وجعلوا حياة أطفالهم كالجحيم. إن من لا يستطيع القيام بحق الأبوة والأمومة، ينبغي أن لا يكون أبا أو أما ". يرى معظم الاختصاصيين في علم النفس النمائي، أن نمو الطفل هو حصيلة عوامل وراثية بيولوجية، تتفاعل مع عوامل بيئية واجتماعية، في إطار وضع معين. كما يرون أن البيئة هي العامل الحاسم، الذي يمكن السيطرة عليه ضمن هذا الوضع. أما عوامل البيئة التي تجدد نمو الطفل في مرحلة حياته الأولى، فهي ثلاثة أنواع: 1. الشروط الجسمانية (الصحة). 2. سلوك الأبوين والمربين (أسلوب التربية). 3. طرائق تعلم السلوك الاجتماعي (التثقيف الاجتماعي). 1. بالنسبة للشروط الجسمانية (الصحة)، يتضح أن النجاح في تربية طفل سليم البنية، يقتضي تأمين عناية طبية مستمرة قبل الولادة مباشرة وبعدها. وكذلك الأمر في مرحلة الطفولة الأولى. 2. وبالنسبة لسلوك الأبوين والمربين بصفة عامة، يمكن القول أن نمو الطفل العاطفي والعقلي والاجتماعي هو في الدرجة الأولى، نتيجة تفاعله مع الآخرين ممن يمثلون دورا هاما في حياته، وهم الأبوان والأشقاء والأقران والمعلمون والمسئولون عن رعاية الطفولة بصفة عامة. ولهؤلاء الأشخاص أهمية في حياة الطفل من حيث أنهم يؤثرون فيه بأفعالهم وأقوالهم، وبالطريقة التي يقولون فيها ما يريدون. فالعائلة العربية بصفة عامة والعائلة المغربية على الخصوص، عائلة تدور حول البالغين أكثر مما تدور حول الأطفال. فالطفل العربي أو المغربي يكتسب السلوك الاجتماعي بواسطة العائلة وبصورة آلية؛ بمعنى أن لا وجود لهدف واضح في طرائق التربية وأسلوبها السائدين في مجتمعنا. فالآباء والأمهات، وحتى المربون بصفة عامة، لا يربون الأطفال بالاستناد إلى نظام تربوي واضح أو خطة معينة. ولهذا، فإن الطرائق والأساليب التقليدية تبقى مسيطرة على مواقفهم. 3. أما بالنسبة لطرائق تعلم السلوك الاجتماعي، نعلم أن أساس بنية الشخصية يتكون في مرحلة الحياة الأولى؛ فما أن يدخل الطفل الصف الأول في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي، حتى يكون قد اندمج في الحياة الاجتماعية بواسطة القيم الأساسية السائدة في عائلته الصغيرة، أو في عائلته الكبيرة (مؤسسة دار الأطفال مثلا)، وفي الثقافة الفرعية التي ينتمي إليها. إلا أن المسألة الخطيرة الأهمية في هذه الحقبة، نوعية طرائق الانضباط وتعزيز السلوك التي يخضع لها الطفل من جانب أبويه، ثم من جانب المعلمين وغيرهم من الساهرين على تربية الأطفال ورعايتهم. يبقى أن نتحدث عن طرائق الانضباط النموذجية في العائلة العربية والمغربية، فهي تتصف بمزيج من العواطف الإيجابية والسلبية؛ أي بمزيج من التشدد والتساهل، بحيث يكون الموقف المتشدد من اختصاص الأب والمربي، والموقف المتساهل خاص بالأم والجدات.. فطرق المراقبة والانضباط في تربية الأطفال في مجتمعنا ترتكز على الطاعة. فالطفل المطيع طفل " صالح " وغير المطيع هو غير صالح. أما الطرق المتبعة في فرض الطاعة هي ثلاثة: 1. التخجيل (احشومة بالدارجة المغربية)، 2. والتخويف (احرام بالدارجة المغربية)، 3. والعقاب البدني (الزرواطة بالدارجة المغربية). فالتخجيل أو الازدراء هي من الطرق المفضلة في تأديب الطفل. فالطفل الذي يشعر بالخجل أو الازدراء يصبح أكثر ميلا للطاعة؛ فثقته بنفسه تتحطم ويصبح مطيعا خاضعا. وهذا التخجيل أو الازدراء يمكن استخدامه بطريقة مباشرة كأن يقال له: " احشومة، مسكين، حمار، أبله، لا تنفع في شيء.. "، فيجعلونه يشعر بأنه تافه لا يصلح لأي شيء. أما الطريقة الغير المباشرة كأن يقال له مثلا: " انظر إلى فلان كم هو لطيف "، أو " ليتك تكون مثل شقيقك فلان "، أو " لا أحد يضاهي ابن عمك فلان "، أو " انظر إلى ابن الجيران فلان.." والواقع أن الازدراء بالطفل، وتقديم الملاحظات الخبيثة حوله، والتعريض به عن طريق التخجيل أمورا تؤدي إلى زعزعة ثقته بنفسه، وشله وجعله سهل الانقياد. إن الشعور بالخجل يتكون بتأثير ما يتصوره الفرد، أن رأي الآخرين فيه أكثر مما يتكون بسبب رأيه في نفسه. ومن الناحية العملية، فالعيب الذي يشعر به الفرد عندنا هو ما يقوله عنه الناس (الآخرون)؛ بمعنى أن لا عيب في ما لا يراه الناس وما لا يسمعونه. وهذا ليس فقط تمييزا بين ما يفعله الإنسان وما يجب أن يفعله، بل أن تفرض موقف هو موقف الكتمان الذي يتحول في سلوك الراشدين إلى عادة إخفاء النوايا والحذر فيما يقوله هو وما يقوله الآخرون، مما يفتح باب الكذب والنفاق والاغتياب على مصرعيه، بحيث أن هناك دوما معنى مبطنا ونية مكتومة وراء كل كلمة وكل إيماءة تصدر عن الآخرين. فنحن مجتمع إيمائي ووجداني أكثر مما نحن مجتمع نسقي عقلي. من الواضح أن الطفل الخاضع للتخجيل والازدراء، قد تكون في نفسه شعورا بأنه ليس مسئولا في كل الأحوال، وأن لا مجال للومه على الإطلاق. لو أدرك الآباء والأمهات والمعلمون والمربون بصفة عامة، مقدار الضرر الذي يحدثه التخجيل والازدراء، لامتنعوا على الأرجح عن استخدامها كطريقة من طرائق التأديب. لذا، فمن الأفضل بكثير أن يكون الطفل هدفا للغضب، من أن يكون هدفا للانتقام والتقليل من شأنه والازدراء به. وبالنسبة للتخويف الذي هو أكثر الطرق أهمية في تأديب الطفل، وذلك بتهديده بواسطة قوى شريرة خفية في الغالب (حيوانات مخيفة، جن، غول، وحوش ضارية...)، أو عقاب إلهي (جهنم، عذاب يوم القيامة بأشكاله المختلفة...). وهذا كله يؤدي إلى تشويه في اختباراته اليومية وصعوبة التمييز بين الواقعي وغير الواقعي. وهكذا يبدأ الطفل برؤية أسباب خفية وراء أحداث من النوع العادي. كما أنه يرى وراء الأعمال دوافع لا دليلا واضحا على وجودها، مما يؤدي إلى الإيمان بالسحر والخوارق والخرافات التي تحجب عنا معرفة حقيقة الأمور. وإذا كان لابد من القيام بألعاب من هذا النوع مع الطفل من أجل إغناء خياله، فمن الضروري إعطاؤه شروحات كاملة وكافية حتى يتمكن من السيطرة على مخاوفه بدلا من أن يكون فريسة لها. فمن الممكن تفسير الجن والحيوانات المخيفة على أنها أساطير، مما يجعلها جزء مألوفا من عالم الطفل الخيالي (رسوم الأطفال مثلا ). فالأطفال يتمتعون بقدرة كبيرة على التخيل، وهم يفهمون ما يتخيلونه. لذا فما يفهمه الطفل لا يعود مصدر خوف بالنسبة إليه، ذلك أن فهم العالم الغير المنظور ومخلوقاته، يقوي حسه بالواقع، وبالتالي ثقته بنفسه. في حين أن تخويفه بواسطة ذلك العالم الخفي، يؤدي إلى نتائج عكسية، مبلبلا حسه بالواقع ومقللا ثقته بنفسه. أما العقاب البدني فهو أكثر طرائق التأديب استعمالا في مجتمعنا. ، فهو يستخدم لفرض السلوك الجيد والسوي على الطفل، وذلك بدرجات متفاوتة؛ كالصفع والضرب على القفا أو في أي مكان من الجسم. ومما لا شك فيه أن العقاب البدني سريع الأثر في معظم الأحيان. فلابد للطفل أن يخضع لأنه عاجز عن المقاومة والرد على الضرب بالضرب. لكن للعقاب البدني أثرا سلبيا عميقا، ناذرا ما يكون ذا فائدة. فهناك ثلاثة أنواع من المواقف السلوكية التي تنشأ في نفس الطفل، بسب هذه الطريقة في القمع، وهي: _ النزعة إلى التحدي والتمرد، _ والنزعة إلى توكيد الذات، عن طريق الامتثال والخضوع، من أجل كسب التقدير والمكانة الاجتماعية، _ ثم نزعة العداء والعنف التي علاقتها بالعقاب القمعي، أقوى من علاقة هذا الأخير بالنزعة إلى التمرد أو توكيد الذات. ذلك أن العداء المكبوت يجري إسقاطه على الآخرين. فهو يصبح موقفا متأصلا في النفس، ويلقى أشد أنواع التعزيز بواسطة التخجيل والازدراء. وقد تظهر هذه الجوانب السلوكية في مجتمعنا، متفاوتة في مواقف البالغين وسلوكهم. وهي تفسر بعض أنماط السلوك التي يتميز بها التفاعل الاجتماعي؛ كالنزعة إلى الارتياب والنزعة إلى العدوان والسلوك الفردي.. وبالتالي فهي تفسر أسباب الخلاف والشقاق اللذين يتصف بهما السلوك العربي بصفة عامة والسلوك المغربي بصفة خاصة. من هنا، يتبين لنا أن العقاب البدني طريقة مؤذية في تأديب الأطفال. فالطفل لا يتعلم السلوك الحسن بالضرب أو الازدراء أو الإذلال. فالعقاب البدني لم يكن في يوم من الأيام حلا للمشاكل في مجال التربية. والواقع أن العقاب البدني يؤدي إلى إرضاء البالغين بدلا من أن يصلح أخطاء الطفل، وهو، في كثير من الأحيان، نتيجة من نتائج الخلق السيئ والحرمان المكبوت أكثر مما هو نتيجة نية إصلاحية. وكثيرا ما يندم الآباء والأمهات والمربون، بصفة عامة، على ضرب الأطفال؛ ولكن الندم لا ينفع لأن الضرر الحاصل لا يمكن إزالته. لذا يجب أن نفهم، نحن معشر المربين، وندرك الدوافع العدوانية اللاشعورية التي تجعلنا أحيانا كثيرة نتصرف تجاه الطفل بصورة لا عقلانية. وبالتالي يجب أن ندرك، آباء وأمهات ومربون، أن الإقناع والتفكير المعتدل المقرونين بالحزم والمثابرة، هما أفضل بكثير من الصفع أو الضرب المبرح في سبيل ضبط سلوك الطفل. فالطاعة الحقيقية تكون غير مبنية على التخويف والتخجيل والعقاب البدني، بل على القبول والتفاهم والثقة المتبادلة. والواقع أن الطاعة في أسرنا ومؤسساتنا التعليمية ودور الأطفال.. هي نتيجة الخوف أكثر مما هي نتيجة الحب والتقدير والاحترام. وما يمكن ملاحظته في الغالب، هو فرض الخضوع عن طريق العقاب والتخويف والتخجيل دونما تفهم أو إقناع أو نقد، من أجل تدعيم نزعة الامتثال لتأكيد السلطة. فالطفل يتعلم من خلال تعامله مع ذوي السلطة في محيطه كالأب والمعلم والمربي؛ أولا: كيف يقمع عدوانيته تجاه السلطة؟ ثانيا: كيف يتحاشى مواجهتها؟ ويترتب عن هذا، الاتكالية والعجز والانسحاب أو الهروب من المواجهة. في الحقيقة أن مجتمعنا يقضي أن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام والمواجهة، وروح المكر محل روح الشجاعة، وروح التراجع والهروب محل روح الإقدام والمبادرة، وروح المنافسة والفردانية محل روح التعاون والمشاركة.. إن الفرد عندما يواجه الحياة بصورة دفاعية، يتحمل آلامها بهدوء وكبت داخلي. يقال المثل المغربي في هذا الصدد: " اليد اللي ما اقدرتي اتهرسها بوسها وادعي عليها بالهرس)؛ بمعنى اليد التي لا تستطيع كسرها قبلها وأدعو لها بالكسر. وعلى وجه الإجمال، فإن الطفل في مجتمعنا يختبر، من طرق المراقبة والانضباط هذه، الاستهزاء والتوبيخ والصراخ أكثر مما يختبر التفكير أو الحرمان من الحب أو الأمور التي تثير شعوره بالذنب. وبصفة عامة، فإن طرائق توكيد السلطة المتبعة ضمن عائلتنا وخارجها، تميل إلى التركيز على الخصائص التالية في نفس الفرد: _ الخوف من العقاب بدلا من الشعور بالذنب، _ العداء الموجه إلى الخارج بدلا من الثقة، _ النزعة الفردية المرتكزة على الذات بدلا من التطابق مع المجتمع، _ النزعة العدوانية بدلا من التعاون والمشاركة. وتجب الإشارة هنا إلى أن الإسراف في الحماية المتأرجحة بين الشدة والليونة يؤدي إلى تعزيز الاتكالية في نفس الطفل. ومع أن الطفل في مجتمعنا يبدو من الخارج مطيعا وخجولا ومهذبا، فإن مشاعره الداخلية هي على الأرجح، مشاعر عداء وتمرد، تعبر عن نفسها كلما أتيحت لها الفرصة لذلك. لقد تلعب الأم وغيرها من النسوة دورا أساسيا في تربية الطفل في مجتمعنا، في حين يبقى الأب، في معظم الأحيان، غائبا عما يجري في المرحلة المبكرة، وهو يدخل حياة الطفل في مرحلة لاحقة على وجه الإجمال، مما يؤثر تأثيرا كبيرا في نموه من الناحية العاطفية والعقلية والاجتماعية. و تشير كل الوقائع المتوفرة لدينا، إلى أن الطفل مكره على الطاعة في العائلة الأبوية الشكل، حيث يمثل الأب دور المهيمن البعيد الغائب. ولكن الطاعة المفروضة فرضا، قد يكون لها أثر سلبي في نمو الطفل، مما يؤدي إلى توليد شعور بعدم القدرة وبفقدان احترام الذات. وإذا كان لابد من غرس الطاعة في نفس الطفل، فيجب ألا يكون ذلك بالتخويف والعقاب البدني، بل بتنمية علاقات ثقة واحترام متبادلين على أساس الحب، بحيث أن لحب الأم في الطفولة الأولى أهمية كبرى توازي أهمية الفيتامينات والبروتينات بالنسبة إلى الصحة الجسدية. أما في مجتمعنا فنجد أن هناك عاملين يحدان من العلاقة الحميمية بين الأم والطفل وهما الفقر الشديد من جهة، مما يجعل الأم مرهقة في البيت وخارجه، الشيء الذي يجعل الطفل في سن مبكر جدا في عهدة أشقائه. ومن جهة أخرى العائلة الكبيرة الممتدة، حيث تكون علاقة الطفل بأمه أقل وثوقا، وذلك بوجود نسوة اللواتي يمثلن دور الأم، كالجدات والعمات وزوجات الأب.. أما علاقة الطفل بأبيه في المرحلة الأولى من حياته تبقى علاقة ضيقة، بحيث أن الأب لا يبدأ اهتمامه بالصبي إلا عندما يصبح هذا الأخير قادرا على الكلام، أوعندما تظهر فيه بعض معالم رجولته المقبلة. أما البنت فتبقى بعيدة عن اهتمام الأب مدة أطول، وهي لا تبلغ، على أية حال، المكانة التي يحتلها شقيقها. والواقع أن التفاعل الحميم بين الطفل وأبيه ليس ممكنا إلا في العائلة الصغيرة النووية. وكما هو مطلوب من الأبوين أن يتفهما طفلهما، ينتظر من المدرس أو المشرف التربوي أيضا، أن يكون ودودا ومتحمسا لعمله، بحيث يمثل دورا رئيسيا في نمو الطفل. والواقع أن مساعدة الطفل على تنمية طاقاته، لا تتسم فقط بما يقدمه المدرس أو المربي من تعليم وإرشاد، بل بمدى استجابتهما لحاجات الطفل وطريقة التعامل معها. أما فيما يتعلق بالانضباط، فإن ما ينطبق على الأسرة ينطبق أيضا على حجرات الدراسة ودور الأطفال. إن استخدام العقاب البدني في المدارس أو دور الأطفال هو من الناحية النفسية أكثر ضررا من استخدامه في البيت. وذلك، لأن الطفل الذي يعاقب أمام أقرانه يتعرض بأن يخسر في آن واحد احترامه وثقته بنفسه. ومع ذلك فلابد من تحقيق الانضباط بشكل من الأشكال. لذا، فمن الضروري عند اللجوء إلى عقاب غير بدني، أن يكون هذا العقاب عادلا، وبالتالي يتم شرح أسبابه بوضوح. إن المدرس أو المربي العربي عموما والمغربي على الخصوص، متشدد في مواقفه ومصر على توكيد ذاته. وهو من هذه الناحية، يجسد سلطة الأب ويحرص حرصا شديدا على سلطته ومكانته، معتبرا أن أقل تعد على صلاحيته بمثابة إهانة شخصية له. لذا يعامل الأطفال في كثير من الأحيان، معاملة المتشفي المنتقم. أما الطفل من جهته، فهو يشعر تجاه مدرسه أو مربيه بالضعف والعجز. ولكنه في الوقت نفسه، يصبح مخادعا وميالا إلى التمرد والعدوانية كلما سمحت الظروف بالتعبير عنها. إن الحرية شرط من شروط النمو العقلي السليم. مثال على ذلك أن المربي " نيل Nil " قد أسس مدرسة نموذجية في العشرينات من القرن العشرين، في قرية " سمرقيل ". وكانت فلسفته التربوية قائمة على مبدأ وحيد هو منح الطفل حرية كاملة، لا يحدها شيء سوى مبدأ آخر هو عدم إزعاج الآخرين أو إيذائهم. وكان أن قام التلاميذ بتأليف لجانهم الخاصة لتدبير شؤونهم، كما أنهم وضعوا بأنفسهم القواعد اللازمة لضبط سلوكهم. وكانت الفكرة المسيرة لهذه التجربة، أن التربية التي هي حرة حقا، تنشئ أحرارا بالفعل. والواقع أن مدرسة " سمرقيل " النموذجية قد نجحت في تنشئة أفراد أحرار وسعداء. إن الحرية التامة المجانبة للفوضى ليست هدفنا. ومع ذلك فإن مجتمعنا يحتاج إلى قدر كاف من الحرية في المرحلة السابقة للدراسة، كما في المرحلة الدراسية الأولى. وذلك للقضاء على روح التسلط الجامد المسيطرة عليه حاليا. فما تعلمناه من مدرسة " سمرقيل " النموذجية هو أن الطفل، لا يستطيع تحقيق نمو سليم إلا إذا تمتع بحرية كافية في اللعب والدراسة والتخيل.. وتوفير هذه الحرية ممكنة بواسطة مدرسين ومربين متفهمين أكفاء، من الذين يحبون عملهم ويهتمون به ويخلصون إليه. وهذا يحتاج إلى وعي ومعرفة ومسئولية وإرادة وضمير مهني وأخلاقي. وأما النمو العاطفي المطلوب، فلا يمكنه أن يتحقق إلا بتلبية حاجات الطفل الأساسية التي يمكن تصنيفها في أربع فئات رئيسية: 1. الحاجة إلى الحب والاطمئنان: فالشعور بالحب والاطمئنان أمر حيوي بالنسبة إلى نمو ذاتية الطفل، فهو لا يتعلم كيف يحب إلا إذا كان محبوبا. 2. الحاجة إلى اختبارات جديدة: فمن شروط التعلم والنمو أن يمر الطفل باختبارات جديدة. يقول العالم النمساوي " جان بياجي ": " كلما سمع الطفل وشاهد أشياء، كلما ازدادت رغبته في السمع والمشاهدة ". للطفل ميل فطري إلى الاختبار والاكتشاف، ولكن هذا الميل كثيرا ما يخنقه الأسلوب الذي يعامل بها الطفل في مجتمعنا. فالفضول أو حب المعرفة والاكتشاف، يحتاج إلى تنشيط وتوجيه وترشيد وتشجيع، بدلا من كبته عن طريق القمع وانهي واللوم. وهذا ما يجب أن يتم بواسطة اللعب والتعليم والأساليب التي تؤدي إلى السلوك الاجتماعي. 3. الحاجة إلى الإطراء والتقدير: إن الطفل الذي يجري تقدير جهوده بالقبول والإطراء يتمكن من تنمية احترامه لذاته. ولكن الآباء والأمهات والمدرسين والمربين والمرشدين في مجتمعنا لا يدركون في الغالب حاجة الطفل إلى هذا النوع الحيوي من التشجيع. والواقع أن تثبيط الهمة وفقدان التشجيع والإطراء يؤديان إلى فقدان ثقة الطفل بنفسه. 4. الحاجة إلى المسئولية: ترتكز الحاجة على المسئولية على الحاجة إلى الاستقلال، بحيث أن الطفل لا يتعلم تحمل المسئولية إلا إذا نال استقلاله النفسي، ولا ينال هذا الاستقلال إلا إذا حقق حريته انطلاقا من ثقته بنفسه. فالطفل إذ يتعلم كيف يقوم بأعمال معينة من أجل ذاته ومن تلقاء نفسه، يخطو خطواته الأولى نحو التصرف المسئول. والطفل الذي يجد الآخرين يقومون بالأعمال التي يجب أن يقوم هو بها، ينزع إلى الخجل والانفعال والاتكالية، حيث يؤدي هذا إلى كبت ما عنده من مبادرة واعتماد على الذات، فيصاب بالعجز. ففي مجتمعنا لا يمنح الطفل، في الغالب، حرية واستقلالا، بل أن الراشدين يهيمنون عليه وناذرا ما يعاملونه بروح الاحترام والتقدير. وهكذا، بدلا من أن يصبح الطفل كائنا حرا ومسئولا، نجده يشعر بالنقص تجاه من هم أكبر و أقوى منه، مما يجعله في شعوره الداخلي، ينزع إلى الخضوع والاستسلام، وبسلوكه الخارجي ينزع إلى الضغينة والحقد. على هذا الأساس، يجب أن نتذكر دائما حين نتعامل مع الأطفال، أننا كنا أطفالا مثلهم. وبهذا يمكن أن نتجنب الآلام التي يعانيها العديد من الأطفال. فمهنة التربية والتعليم جد صعبة، ولكنها نبيلة ورسالتها شريفة، فلا يمكن بخسها واحتقارها.. فالمطلوب من المربين والمدرسين والساهرين على تنشئة الأطفال أن يكثروا من المطالعة وطلب العلم والمعرفة فيما يتعلق بالطفل وتربيته والعناية به، أسوة بقوله تعالى: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون "، وإرضاء لقول رسولنا الكريم (ص): " تعلموا العلم. فإن تعلمه خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة ". لذا علينا تطبيق القاعدة الذهبية في التربية التي تقول: توجيه من غير عنف وإرشاد من غير نهي وتشجيع من غير لوم، وذلك من خلال المرونة في التعامل، وفهم وتفاهم، وحوار واقتناع، وتعامل معاملة الأب الحنون والصديق الوفي وعدم التدخل العنيف في شئونهم الخاصة. لقد رأى الأقرع بن عباس،سيد قومه، رسول الله(ص) وهو يقبل الحسن والحسين فقال: " يا رسول الله، إن لي لعشرة أولاد، ما قبلت فيهم واحدا منهم ". فقال (ص): " وماذا أفعل إذا كان الله قد نزع الرحمة من قلبك ". لقد توفرت حقائق علمية كثيرة عن الطفولة، إلا أن استفادتنا منها لا تزال محدودة. ويعود ذلك إلى ألف سبب وسبب، ولكن واحدا من تلك الأسباب هو أن ترجمة حقائق العلم إلى سلوك، أمر عسير أمام الإنسان. وتعتبر دراسة الأطفال، واحدة من المعالم التي يستدل بها، على تبلور الوعي العلمي في المجتمع. لأن الوعي العلمي الذي يشكل نتيجة لشيوع عملية التفكير والبحث العلمي، يقود إلى تكوين أفكار مرنة وموضوعية، ومتكاملة وشاملة عن الإنسان وواقعه ومستقبله. كما تعتبر دراسة الطفولة جزءا من الاهتمام بالواقع والمستقبل معا. حيث يشكل الأطفال شريحة واسعة في المجتمع، كما يشكل الجيل التالي.. لذا فإن ما يبذل من جهود من أجلهم يؤلف مطلبا من مطالب التغير الاجتماعي المخطط الذي تعتبر التنمية إحدى صوره. إن ثروة الشعوب لا تقاس بما تحويه تربتها من كنوز طبيعية، بل بمدى صقلها لمواهب أطفالها وشبابها، ومساعدتهم على التوافق الصحيح كي ينشئوا نشأة صالحة ويسهموا في التقدم وإنشاء حضارة. ولا يتيسر الإنتاج إلا إذا ربي الأطفال والشباب تربية قوامها الفهم الصحيح والأمن النفسي والحرية في غير فوضى والتفكير المتفتح المرن. ______________ بنعيسى احسينات

بيان قصيدة الشعر

التفاصيل
كتب بواسطة: بسام صالح مهدي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 30 مايو 2007
الزيارات: 8

بيان  ( قصيدة الشعر )

 

الرؤيا:

عـندما احـتاجت أمُّنا الأرض رؤية جسدها المنبسط ممـتلئاً بالحياة, انسكب الماء من قلب الغيب، رَطَّبَ شفاه الطين، فابتدأت الحياة بكلمة أولى، الإنسان، نطق الطين كلمات أخرى كل واحدة منها صارت مخلوقـاً، واكتمل النطق، فتفاضلت الكلمات في ما بينها، أفضلها حكمةً يكون ( سيّـداً ) لها، أميرها، المتصرف، كان الإنسان هذا السيد الجليل، أول الكلمات، لقد وضعت الحكمة يدها على رأسه وباركته ورفعته على كل مخلوق.

(قصيدة الشعر) هي هذا الإنسان المبارك، النص المختار، الذي اصطفته المفاضلة فحمل ثقل الاختيار.

 

ضرورة الوجود:

إن التعاقب التاريخي المكون لفقرات التصاعد الحضاري يحتم ظهور حركات فنية أو فكرية في كل مرحلة من مراحله، والحركة التي تولد من حتمية الاحتياج التاريخي لوجودها، تكتسب قدرة الشروع بمزاولة الإضافة إلى السابق ــ بما هو قيِّمٌ ــ وتخدم استمرار النمو الثقافي.

وعلى هذا، فإن حتمية تاريخية طبيعية أنجبت حركة ( قصيدة الشعر ) في مرحلتنا هذه،ساعد في ظهورها هاجس تأملي قرائي لمستوى السائد الشعري في الوطن العربي، ألح هذا الهاجس على شعراء هذه الحركة بضرورة ارتكازها على رؤيا صادقة مستعينة بالكشف والاستدلال والتحليل،إنَّ ( قصيدة الشعر ) بواقعها التعاملي لا تسعى إلى المغايرة المتشنجة مع القديم،تلك المغايرة التي تكتــسب صفة التضاد المتولدة من رغبة الظهور أو الانتشار بدعوى (خالفْ تُعرَف) التي كانت مرتكز الانطلاقات السابقة لعدة أجيال، فالمغايرة التي تسعى إليها (قصيدة الشعر) تبدأ من الانعتاق من ثوابت الإتباع,وبناء سقف دلالي شعري لـه ملامحه الخاصة يعلو على السقوف السائدة،وإكساب اللغة ولادة مدهشة وجديدة, تمتلك براءة المولد وقيمة الإدهاش الفني, كقيمة أساسية في أي أثر ناجح يبتكر أسلوبه المتمظهر في بنية فنية ضمن علاقات دلالية جديدة لا تحد بحدود ثابتة، لا تطوير فيها, ولا إفساح لمجال إضافة الآخرين إليها من الأجيال القادمة.

ولكي تنبسط أكف الاحتياج التاريخي المطالبة بولادة ( قصيدة الشعر) لا بد من عرض بعض من المسببات السلبية المنتشرة في عناصر الإبداع الشعري وفي السائد الشعري في هذه المرحلة,ولأن فعل النهوض بالمستوى الفني يقع على هذه العناصر الثلاثة,الشاعر و النص والمتلقي, مما يعرضها للمحاسبة المشروعة, وأول محاسبة لابدَّ أن تكون لمزاولات الشاعر.

 


الشاعر :

إن مساعي الشعراء منذ أواسط القرن الماضي أصبحت تتجه نحو البحث عن وسائل سهلة لكتابة الشعر, وسائل انحصرت في أول الأمر في تجربة الانتقال الإيقاعي من البيت إلى التفعيلة, ثم اتجهت إلى رغبة التخلص من المساحة الإيقاعية التي يفرضها ( الوزن ) على الجملة الشعرية, فحدث الاستغناء عنه في نصوص نسبت نفسها إلى الشعر, ولا يشفع لانتسابها إلا مقولة: إن الشاعر قصد أن يمنح هذا النص صفة الشعر, مستندا إلى حق اختيار القصد, وقصده هنا أن يكون ما يكتبه شعراً, حتى وإن خلا من الوزن, إن هذا الفعل يزاول عملية نقل القصد من موقعه الذي وجد من أجله وهو ( المعنى الأدبي ) إلى كيفية الأداء.

إن تخلي القصد عن موقعه يدفع النص إلى المجانية و اللاأدبية, وهذا ما دفع إلى ظهور طوفان الدواوين الذي غرق فيه الشعر وذابت ملامحه وحيويته في مياه حامضة, لقد تخلَّى كثير من الشعراء عن الوزن وهم بفعلتهم هذه تخلوا عن عوامل مهمة للنصِّ الشعري, ولأنَّ مزاولات الشعراء ترافقها بعض الدعوات التي لا ترتكز على وعي قرائي مخلص, فإنَّ الدعوة التي تطالب بالتخلي عن الوزن, تُشيعُ أنه من الإيقاعات التي لا تلائم عصرنا, وأنه عندما وُجد وُجِدَ من خلال إيقاعات الحياة اليومية للأوائل – حياة الصحراء – وهو أقرب إلى مشية الإبل و الحدو عند سفرهم، وهو أي الوزن إيقاع يلائم حياتهم القديمة!!

ولو طلبنا منهم إثبات هذا الرأي علمياً من خلال البحث لوجدنا أن النتيجة تثبت أنه مجرد افتراض افترضه بعض النقاد لسبب وجود الأوزان وكيفية نشأتها عند العرب، وهو ليس دليلاً قاطعاً على نشأتها، إذ يغيب عن أذهان الدعاة لهذا الافتراض أن الوزن هو حصيلة الإمكانيات الصوتية للغة، فالبحور العربية هي من حصيلة هذه الإمكانيات الصوتية في اللغة العربية، وكذلك يمكن أن يقال هذا عن الأوزان في أشعار الأمم الأخرى. وإن اختلاف الانتظامات الإيقاعية للوزن بين لغة وأخرى يؤكد أنه متولد مباشرة من الإمكانيات الصوتية لكل لغة، ولأن اللغات تختلف في بناها الصوتية فاختلاف الأنظمة الإيقاعية للوزن أمر طبيعي.

إنَّ تخلي الشعراء عن الوزن أفرز انقسامات ذوقية فأصبح (الإشكال الشكلي) مسيطراً على جانب كبير من همِّ الشاعر, بدل أن يُوجَّهَ الهمُّ الشعري نحو عناصر التفعيل في المعنى الأدبي،وقبل أن يتم التوصل إلى حل هذا ( الإشكال الشكلي ) انعطف الشعراء العرب نحو عوالم التلبس بالأفكار الفلسفية الغامضة وهيمنة الغرائبية التي لا تمنح المتلقي أيَّ شيء،فأصبحت النصوص الشعرية عبارة عن توليفات لفظية مبهمة خالية من أي معنى أدبي،ولا نستبعد تأثير الحركات الغربية المنقولة على الشعراء العرب فهو من أهم عوامل الانعطاف السلبي نحو تقليد المستورد بالتفكير والإنتاج, فمثلاً لم يكن وضع الأسطورة في الشعر العربي إلا شعوراً من الشعراء العرب أن ثمة نقصاً في تراثهم الشعري من جهة عدم تعامله مع الأسطورة، فانكبَّ المشتغلون على إدخالها، وهنا أصبح التسابق على الاستيراد من الغرب والعمل به بأسرع وقت كي يحصل الشاعر المنفذ لهذا على صفة ريادية.

 لقد تنازلت أكثر هذه النصوص المنتجة تحت هذه الرغبة عن الجوانب الفنية، فعلى صعيد الجملة الشعرية انخفض مستوى الأداء الاستعاري والإشاري فيها لتحل محله شروح واستطرادات تسمح للأسطورة بالدخول إلى النص. وهكذا توافدت مسميات كثيرة وتجارب عديدة مستوردة، كان على الشعراء العمل بها لمجرد أن دعوات الحداثة والتجديد تريد ذلك.

وعلى ضفة أخرى ثمة مزاولات لشعراء احتفلوا بمكاسب التطبيل الأيديولوجي ورفع اللافتات والشعارات في القصائد، أو استثمار العواطف الدينية، أو السياسية، بنصوص هابطة لا يشفع لها عند المتلقي إلاَّ موضوعها المحرَّم على المعترض النيل منه.

لقد ظلّ الشاعر العربي على هذه الحالة يتأرجحُ بين الاستيرادات من الغرب والاحتياجات الوقائية من مهيمنات القوى في الداخل مما أضعف مقدرته على إنتاج نصٍّ شعريٍّ بمستوى الهمِّ الشعري الملتصق بلحظتهِ التاريخية وبأرضهِ ومجتمعه.

 

 

النص :

ينطبق بعض ما ذكرناه عن مزاولات الشعراء السلبية على العنصر الثاني (النص) بوصفه نتاج فعل الفاعل. إنَّ وقوفَ النصِّ بين الشاعر والمتلقي يوقعه بين عنصرين يختلفان في النية والرغبة مما يجعله تحت مطالب عديدة منها محاولة تثقيف النص الشعري، وهي رغبة تنبعث من الشاعر لتسلط على النص بزجّ المعلومات المستحصلة من فعل الاطلاع من دون الاكتراث بالمتلقي، وقد أنتجت هذه الرغبة نصوصاً مخصصة لفئات معينة تكاد تتوازى بمستوى الاطلاع مع الشاعر، وهذا النوع من النصوص كأنه يكتب من أجل النقاد، مع الانتباه إلى أن نصوصاً أخرى أخذت على عاتقها التوجه للعامة، لقد تجزَّأ النصُّ الشعري نتيجة لتجزؤ رغبة الشاعر وتجزؤ المتلقي أيضاً ـ وإن كان تجزؤ المتلقي ظاهرة قديمة جداً  ـ مما أفرز شعوراً جمعياً بعدم المشاركة في استلام النص، وتخلخل الإيصال في عملية التلقي بين المستويات المختلفة، وهذا ما دفع النص إلى دائرة ضيقة في الانتشار والتعايش الفعال في الثقافة بسبب غربته عن  مستوى التحصيل الثقافي، وهكذا يموت الإيصال في النص.

إنَّ رغبة التثقيف النصي الناجحة هي التي تقوى على تحويل المستحصل الثقافي إلى شعور يتجلى عند الكتابة متمثلاً حالة في صميم التجربة المعـيشة، مستغنياً عن زج اطلاعات الشاعر بالصيغ الخطابية أو التقريرية بوساطة الجمل الإخبارية المبتعدة عن حيوية المجاز, إن الشعر قادر على استيعاب المستحصل الثقافي على أنْ لا يفقد حيوية انفعالاته وبراءة وجوده وطزاجة صوره.

 

المتلقي:

إن أفعالاً أخرى تسمم وعي العنصر الثالث ( المتلقي ) تلك هي الإشاعة الصادرة عن الشعراء الدعاة، فلكي يكون ما يدعون إليه يقيناً جمعياً فلا بدَّ لهم من إشاعة تشويهات للأسس التي يرتكز عليها النشاط الشعري, وإن اتخاذهم لقاعدة يروجون لنتائجها تقول: (إن كل جديد يهدم ليبني )، وفي الحقيقة إن الجديد يبني فوق البناء السابق، إنه النمو، ولن نجد أيّ جديد في أي عصر مضى استطاع أن يهدم ويمحو أثر السابق، وهنا تلتبس الحقائق عند المتلقي حين يقع فريسة لما يشاع، فقد يقع على نصٍّ شعري يدَّعي شاعره أنه كتبه لقارئ مستقبلي، لأن المتلقي المعاصر للشاعر لا يرتقي إلى الرؤيا التي يتضمنها النص..!! وهو يكتبه للمتلقي القادم عبر المستقبل الذي سيفك رموز وشفرات النص..!!

إن دعوات مثل هذه تسببها رغبة التميز من الآخرين، فكيف يضمن أن المتلقي المستقبلي يفهم نصَّه إذا كان من يعاصره لم يتوصل إلى فهمه؟ ثم، ألسنا الآن في عصرنا هذا نمثل المتلقي المستقبلي للشعر العربي القديم؟ ألم يكن هذا الشعر يلقى حضورا عند المتلقي في عصره؟ إنها دعوات تقف في وجهها أدلَّة عديدة لتبطلها، وهي محاولات للتستر ناتجة من خواء الموهبة  ونضوب ملكة القول الشعري لدى الشاعر، متكئة على أعذار التجديد. وينسى من يعمل بهذه الدعوات أن التجديد هو إضافة مؤثرة في عصره, ولا يعني أن يكون النص مبهماً أنه جديد.

لقد شاركت هذه الدعوات في عزوف المتلقي عن قراءة الشعر، وهولا يحمل  وزر هذا العزوف وحده، وقد لا نبالغ عندما نقول إنها محاولات لتشويه صورة الشعر العربي الحديث عند المتلقي، فهو مستورد أو تقليدي أو مستقبلي، وهو مبهم أشبه بالطلاسم، لا يجد المتلقي في نفسه أي أثر عند قراءته لنص شعري من هذا النوع، ولأن عملية اصطدامه بالنص تكون حالة اكتشاف لـه، يتخذ كشفَهُ درجة من الوعي تعمل على إظهار رغبة أن يكون هو من توصل إلى هذا القول الموجود في النص الشعري الناجح، وأن اندهاش المتلقي بالتوافق بين دواخله وبين ما يعرضه النص من معنى أدبي، تكون محركاً أساسياً لإنتاج الأثر الفني الذي يستعين بالإشارات والتلميحات  الشعرية التي تتجه إلى العالم الداخلي للمتلقي والى الخارج أيضاً، إنه اكتشاف ما أراده المتلقي من الشيء الذي لم يتوقع ما يريده فيه، إنها سمة الحياة الدائمة في كل قراءة للنص الشعري، وليس ذلك إلا لأنَّ النصَّ يمتلك عناصر تؤهله للاستمرار عبر الزمن, إنه الشعر القادر على إخراج الإنسان من سكونيته وزمنيته نحو فاعلية روحية متسامية تلامس المغيب والمخفي، وكل شيء يستحيل تحصيله في الواقع يكاد يكون في قبضة اليد هنا.

(قصيدة الشعر) المصطلح والمفهوم

دواعي استدعاء المصطلح:

كان لمصطلح ( قصيدة الشعر ) حضور لدى عديد من نقادنا المعاصرين، إلا أن نسبة شيوعه ظلت ضيقه بفعل ما أراده لـه النقاد عند استدعائه كمؤشر يشير إلى النصوص الموزونة التي تقف قبالة ما ظهر من نصوص (قصيدة النثر) فكان أن جرد هذا المصطلح من أي سمة فنية سوى وجود الوزن(1) ، إلا أن موقفنا التعاملي الجديد في مشروعنا قام بترحيل هذا المصطلح من حالته السابقة إلى مفهوم محمّـلاً بقيمة ما نريده من الشعر، ليجد له مكاناً يقف فيه داخل متن الشعر العربي.

 ومما يثير الانتباه في مصطلحنا هذا ورود كلمة (قصيدة) مضافاً إليها كلمة (شعر)، ذلك لأن الفهم الشائع عن كلمة قصيدة بأنها تعني الشعر، وهذا الفهم الذي ساد لفترة طويلة رغم خطئه نتج عن قصور في  القراءة النقدية لهذا المصطلح في تراثنا، فلم تكن القصيدة عند الأوائل تمثل الشعر دوماً. فبمراجعة أي معجم يتبين أن كلمة (قصيدة) تمتلك شرطاً هو أن يكون لها مساحة عرض قرائي أو كتابي, أي عدد من الأبيات أو الأشطر وما لا يقل عن (7) أبيات. وما قلَّ عن هذا العدد وصف عند القدماء بتوصيفات أخرى مثل القطعة الشعرية أو النتفة أو الرباعية أو البيت اليتيم. وهذا يعني أنَّ هذه التوصيفات تُعدُّ شعراً  ولا تُعدُّ قصائد،مما يوصلنا إلى نتيجة أنَّ الشعر يمكن أن يوجد خارج القصيدة، كما أنَّ كلَّ ما زاد زيادة مفرطة صنف في ما بعد تصنيفاً آخر هو القصيدة المطولة. ولم يكن هذا الفصل محصوراً بأدبنا العربي إذ أن إشارات كثيرة ترد عند شعراء وأدباء غربيين قديماً وحديثاً تجعل للقصيدة مساحة عرض تفي بمتطلباتها الفنية، ويظهر لنا أيضاً، أن مساحة العرض للنص الأدبي، هي من عوامل التفريق بين النصوص في جميع الأجناس الأدبية الأخرى. فلم يكن التفريق بين الرواية والقصة والقصة القصيرة يرتكز على الخصائص الداخلية فحسب، بل كانت مساحة العرض للنصِّ عاملاً أساسياً في التفريق بينها، عاملاً يؤثر على جوانبها الداخلية ويتدخَّل في خصائصها الفنية.

ولا يمكن الاعتراض على أن القصيدة في كل الأدبيات العالمية حازت على شرط آخر، في أن تكون ضمن تنظيم إيقاعي مهما كان نوعه. وكذلك لا اعتراض على أنَّ القصيدة هي نصٌّ مولّد للبنى الدلالية المتكاملة في سعيها للحصول على سمات الوظيفة الفنية، وبوجود نصوص كثيرة تمتلك كلا الشرطين ــ مساحة العرض والتنظيم الإيقاعي ــ إلاَّ أنَّها تعاني من تشظي بنيتها الدلالية، أو تكون ساعية إلى أغراض نفعية إخبارية ليست من صميم الوظيفة الفنية، وهذا يجعلها مستبعدة عن الانتساب إلى صفة (قصيدة).

فالقصيدة ليست شعراً دائماً، وكما ذكرنا وأكدنا سابقاً إنها مكان وزمان للحدوث الشعري/ النثري تمتلك هوية وجودية فنية خاصة, وأن الشعر يمكن إيجاده خارج مساحة القصيدة أيضاً. ولأنَّ خلطاً خاطئاً يحدث بين الشعر وبين القيمة الفنية للعمل الأدبي يجعل وجود نص نثري يمتلك إمكانيات جمالية عالية في جمله وتعابيره واستعاراته يحسب على أنه شعر، وهذا إما مجاز يقال للتعبير عن الإحساس بجمالية النص النثري, أو سوء فهم انتشر في الوعي الجمعي ساعد المجاز السابق في انتشاره.

وينبغي إيراد تعريف أو تحديد لهوية القصيدة في ( قصيدة الشعر ) لأجل أن تكون الرؤيا واضحة فالقصيدة هي ( متناهٍ شكلي مقترن بزمن قرائي محدود في لا متناهٍ دلالي عبر تنظيم إيقاعي مؤسس في بنية كلية موحدة تُنجِزُ وظيفة فنية مُعتمدة في مادتها على مكونات الشعر أو النثر ). 

إن القصيدة في حالتها هذه تشبه المسرحية فإذا كتبت بالشعر أصبحت (مسرحية شعرية) وإن كتبت بالنثر أصبحت (مسرحية نثرية)، (فقصيدة النثر) في مفهومنا تنتسب إلى النثر. إنها تمثل تحقق القصيدة في المتن النثري كما تمثل ( قصيدة الشعر ) تحقق القصيدة في المتن الشعري، ولا تعطي القيمة الجمالية لقصيدة النثر الحق في انتقالها من متن النثر إلى متن الشعر، وذلك لأن جميع الأجناس الأدبية تشترك في إنجاز القيمة الجمالية.

ولأنَّ ( قصيدة الشعر ) تنقسم إلى فرعين هما ( قصيدة البيت ) و( قصيدة التفعيلة ) يصبح لزاماً علينا إيضاح الفهم المتعلق بكلِّ من هذين المصطلحين.

 

( قصيدة البيت ) و( قصيدة التفعيلة ):

 إنَّ ولادة أيّ مصطلح أدبي، ناتجة عن ضرورة استدعتها المرحلة التاريخية المتزامنة مع ظهور صنف أدبي جديد أو متطور عمّا سبقه تطوراً فنياً.

 في بداية القرن الماضي كانت كلمتا ( شعر ) و( نثر ) تؤشِّرانِ الفارق النوعي لكلٍّ منهما,فكلمة شعر تؤشر ما هو موزون مقفى, إلى أن ظهر (الشعر الحر) في منتصف القرن الماضي، وأثبت هذا المصطلح مع نصوصهِ المنتمية إليه شرعية إبداعية جديدة. إن من مؤثرات ثبوت هذا المصطلح أنه فصل بين نموذجين هما الشعر الحر والشعر الذي كان يكتب قبل هذه الدعوة والذي سمي في ما بعد بـ ( الشعر العمودي ). هذا المصطلح الذي استدعته رغبة التمييز بين النوعين، فما كان لهم إلا الاستفادة من الجذر التاريخي (عمود الشعر) واستخلاص جانب واحد منه هو الجانب الإيقاعي ( الوزن) كمؤشر على صيغة ( العمودية ). ومن المعروف والثابت لدى جميع الدارسين والمتأدبين أن عمود الشعر هو مذهب أسلوبي يرتكز على قيم فنية اجتمعت خصالها في الشعر العربي القديم, وأن تراثنا الشعري ضم عدداً كبيراً من الشعراء الخارجين عن هذا المذهب, إلا أن هذا المصطلح كان بمثابة إسعاف فوري للجرح الذي سببه ظهور الشعر الحر، ولم يكن علاجاً كاملاً لا على مستوى التصنيف الاصطلاحي ولا على مستوى القيمة الفنية. وعلى الطرف الثاني من هذا الصراع كان على مصطلح الشعر الحرّ أن يجد جذره التاريخي مما دفع بعض الدارسين إلى مدّ نسبه إلى الدوبيت أو ( الشعر الحرّ ) في الغرب, وبعدها استبدل هذا المصطلح بآخر هو: ( شعر التفعيلة ).

إلا أنَّ الطرف الأول من الصراع ظل مطمئناً إلى مصطلح ( الشعر العمودي ) على الرغم من وقوعه في التشويش، فإن أريد به تأشير مذهب أسلوبي في كتابة الشعر، فإن أغلب النصوص المعاصرة التي تسمى به فارقت الأسلوب الواحد، وخالفت وغايرت الأسلوب القديم في الموروث العربي. فكيف تسمّى عدة أساليب في كتابة الشعر بمصطلح واحد؟

وإنَّ أريد به الإشارة إلى الجانب الإيقاعي فإن دلالة الكلمتين اللتين يتشكل منهما المصطلح  (الشعر ـ العمودي) لا تؤشر الجانب الوزني من القضية. فكيف يكون لهذا المصطلح أن يبين أن نصاً ما مكتوب وفق النظام الوزني الذي أثبته الخليل.

 


 لذلك فإن مصطلح ( قصيدة البيت ) يكتسب ضرورة حضوره من جوانب عديدة. فهو يؤشر وجود حالة فنية خاصة داخل متن الشعر يتمثل في كلمة ( قصيدة )، وكذلك فإنه يثبت ارتكاز النص على عنصر الإيقاع المعروف ( الوزن ) ولبنته

الأساسية التي تنبني بتكرارها بنيته الإيقاعية، وهذه اللبنة هي ( البيت )(2).

وقد نصطدم بفكرة أن نصوص الشعر العمودي أو عمود الشعر تمتلك اللبنة نفسها التي ترتكز عليها البنية الإيقاعية لـ ( قصيدة البيت ) فلماذا لا تسمى النصوص القديمة أيضاً بهذا المصطلح الجديد؟

إن الاصطدام بهذه الفكرة يظهر بحق امتياز ( قصيدة البيت ) مصطلحاً ونصاً عمّـا هو سابق، فباسترجاع  تاريخي سريع يتبين لنا وجود أصناف متعددة في التراث الأدبي العربي حملت اصطلاحاً جديداً على الرغم من ارتكازها على البنية الإيقاعية نفسها، فالموشح مثلاً هو نوع شعري متطور إيقاعياً وموضوعياً وغرضياً عن الشعر الذي سبقه، إلا أن القدماء منحوه اصطلاحاً جديداً يفي بحاجة تأشير إمكانياته الفنية الخاصة به، داخل متن الشعر العربي،فلذلك لا يمكن تسمية الشعر المكتوب سابقاً بـ ( قصيدة البيت ) لأنَّ استدعاء هذا المصطلح ناتج عن وجود ميزة فنية أسلوبية وتعاملية مختلفة من الداخل مع وجود البنية الإيقاعية نفسها المتولدة من تكرار لبنته الأساسية ( البيت ).

 

وعي التعامل الشعـري لدى الشاعر :

لا يعني انتماء الشاعر إلى هذه الحركة تسليماً أن كل ما يكتبه من شعر هو من (قصيدة الشعر) وكذلك لا يعني عدم انتمائه لهذه الحركة خلو شعره من نصوص تنتمي لهذه الحركة.

فقضية ( قصيدة الشعر ) قضية نصٍّ يمتاز عن غيره من نصوص الشعر، وهذا يعني أيضاً أنَّ ما يكتب بالوزن لا يعد شعراً دائماً، فـ ( قصيدة الشعر ) التي تنحي أي نص ينقاد إلى هيمنة الوظيفة الإخبارية المتمثلة في المواضيع والأغراض النفعية والإخبارية المباشرة بمميزاتها الخطابية والتقريرية والمجانية. هذه النصوص التي تخلو من الركون إلى وظيفة وهدف فني ليس لها القدرة على تحويل المهيمنات السابقة إلى رسالة أدبية تترك أثرها الخالد.

ولعل التعامل الذي يفرضه الوعي المتكون لدى الشاعر كفيل أن يفرق بين النصوص، إذ يستند منهجنا في التفريق بينها على عاملين هما:

أولاً: النصوص التي لم تتوافر فيها صفات القصيدة.

ثانياً: النصوص التي توافرت فيها جميع صفات القصيدة.

أما النوع الأول فتنطوي تحته: ( نصوص النثر ) ملتزم بالوزن, وهي اذ تتخلى عن الوظيفة الفنية فإنها تفقد شرطاً من شروط القصيدة, وكذلك فإنها تفقد شروط الشعر فلا تعد شعراً ولا تعد قصيدة أيضاً.  و( نصوص الشعر), وهي تلك النصوص التي انحسرت في مساحة عرض صغيرة أو اختلطت وظيفتها الفنية مع الإخبار حيث يظهر جمالها في مقاطع صغيرة يمكن فصلها عن باقي النص من دون أن يضر ذلك سياقها. هذه الالتماعات المنتشرة في نصوص الشعر بكثرة لا تجعل من النص الذي يعدُّ ( قصيدة ) ( قصيدة شعر ).

أما ما ينضوي تحت العامل الثاني، وهما ( قصيدة الشعر ) و ( قصيدة النثر ) فالأولى نحن الآن بصدد عرض أهم مميزاتها، أما الثانية فهي كما ذكرنا تعد (قصيدةً) ضمن متن النثر.

هذه التفريقات التي إن ثبتت في وعي الشاعر, منحته تعاملاً جديداً مع الكتابة الشعرية الموزونة, ودفعت عن عينه غشاوةً كانت تمنعه من رؤية موقع النص من الشعر والنثر.

مقومات قصيدة الشعر

( الإيقاع ): صوت الدلالة الشعرية:

إن من أهم مقومات الأصالة الفنية التي يقف في مقدمتها مقوم لا يمكن استبعاده او إلغاء وجوده, لأنَّه من عناصر اللغة التي ترتكز عليها في تكوينها, هو الصوت منطوقاً أو ملموساً في الذهن أو مخزوناً في الكتابة, فالشاعر في (قصيدة الشعر) لا يستبعد أهم مكونات الصوت وهو الإيقاع متعاملاً معه تعاملاً تفاعلياً بنوعيه ( الخارجي والداخلي ) غير أنَّ الأوَّل قد هيمنت عليه مفاهيم تجرّده من امتلاك أيّ فعل إشاري أو دلالي مع أنه يمثل دلالة تخدم النص على مستوى التعرف الفوري بنوعه  وإشعار المتلقي فور شروعه بالقراءة أن ثمة فارقاً نوعياً إيقاعياً في هذا النص, تفقده نصوص أخرى. ولا يمكن إهمال ما يتركه الوزن من أثر نفسي وذهني عند المتلقي, بإيجاده لمسار من التشابهات الايقاعية ترافق استلام الدلالة المطروحة في النص, وللوزن فعل آخر ينجزه هو الإيجاز في القول الشعري من خلال مساحته الإيقاعية المحدودة, هذه المساحة التي تختفي عند إهمال الوزن فيتسرَّبُ الإطناب إلى الجملة الشعرية دافعا بالنص نحو النثر الذي يعتنق الإقناع بالمعنى لا التلميح به. إن الإيجاز الذي ينجزه الوزن يمنح الجملة صفة التلميح لا التصريح مما يدفع الجملة إلى دخول عالم الشعر المرتكز على الإشارة إلى الأشياء لإثبات وجودها أو تثبيت صفاتها. إن للوزن ــ فضلاً عن كلِّ ما ذكرناه ــ إمكانياتٍ تعبيرية ًيستعين بها المعنى في أدائه, ثم إن إيقاع الوزن يتداخل مع الإيقاع الثاني (الداخلي) ليكوّن الإيقاع العام للشعر. ولرغبة الدلالة الشعرية بالتمظهر الصوتي(3), فإنها لن تجد أشمل من هذا الإيقاع لتمظهرها, إذ يصبح الإيقاع (صوت الدلالة الشعرية) تحركه تحريكاً خاصاً ومغايراً لما هو سائد من مقول / مقروء, ولأن إمكانيات إيصال اللغة ــ دون صوت كلامي / نطقي, أو قرائي / ذهني (4) ــ غير ممكن, فإن الإيقاع الذي يتميز به الشعر يعمل على امتلاك الدلالة الشعرية لصوت خاص بها. إن ( قصيدة الشعر ) لا تتعامل مع الوزن بمرجعية سلفية خاوية من المعنى, بل بجعل ما ينتجه الوزن من شكل بفرعيها ( قصيدة البيت ) و( قصيدة التفعيلة ) شكلاً للدلالة الشعرية, أي بإحداث نقلة من الثبوت إلى التهيؤ الدلالي،وحيث يمثل ( الإيقاع ) الجانب الحقيقي المحسوس في الشعر, تمثل ( الدلالة ) الجانب المتخيل فيه.

فضلاً عن ذلك فإن الشعور المتولد لدى المتلقي من إحساسه بانتقال العبارة من مستوى إيقاعي منخفض في النثر إلى مستوى إيقاعي مرتفع في الشعر, يجردها من ماديتها التي اكتسبتها نتيجة لاستخدامها في اللغة الساعية إلى الإفهام, وإن إيقاع الوزن يذهب من ذهن المتلقي حالة التركيز والفهم الكامل. ويحدث هذا عبر انتظاماته الإيقاعية, وذلك نتيجة للإحساس بوقع الإيقاع المرتفع, الذي يشاطر الدلالة, فتكتسب العبارة شفافية لا واقعية, أي تتحوَّل إلى إشارة إلى الواقع لا تلبية لاحتياجاته.

 وينبغي الانتباه إلى وجود الإيقاع الداخلي في الشعر والنثر وعدم انفراد أحدهما به, مثلما ينفرد الوزن بالشعر بفاعلية جمالية عالية, مانحاً إياه صفة إضافية للجمال عن مادة النثر,أضف إلى ذلك أن الوزن هو تنظيم إيقاعي فوقي يمكن عزله ـ وتأشير مادته ـ عن مادة الشعر,على الرغم من تولده منه, بينما لا يمكن عزل التنظيم الإيقاعي الداخلي للنثر الفني عن مادته, لأنه متولد مباشرة من أصوات الأحرف وانتظامها في الكلمة والجملة معاً وتكرار الألفاظ و الأشطر وتوازيها, فهو على هذا تنظيم بدائي, بينما يكون الوزن تنظيماً أكثر تطوراً منه. كما أن التنظيم الإيقاعي الداخلي, يحاول الابتعاد عن مادة النثر المنسابة, وبدرجة أقل,بينما يحقق الوزن بعداً شاسعاً عن انسيابية النثر, لذلك فإن ما يحصل من استخدام الإيقاع الداخلي في النثر لا يشكل إلا مغايرة طفيفة عن استخدام الإيقاع الخارجي في الشعر,كما أن هذا الإيقاع ــ  الداخلي ــ  في حقيقته هو إيقاع يحمل طابعاً سردياً متلائماً مع درجات الانسيابية في مادة النثر, بينما مادة الشعر مرحلية انتقالية لا تمتلك انسياباً حقيقياً وفقاً لطبيعتها الإشارية, إلا بإدخال الوزن ليوفر الانسيابية المفقودة بدرجة إيقاعية أعلى مما يوفر الإيقاع الداخلي؛ لأن ( الوزن ) إيقاع فوقي, والإيقاع الداخلي غير مقتصر على النثر الفني أو قصيدة النثر لوجوده قبل هذا في الشعر العربي القديم وبدرجة من التنظيم المتناسق, يمكن رصده حتى في المدونات الشعرية الحديثة المكتوبة بالوزن.

 

المجاز والأداء الشعري المتجـدّد:

كما تحدثنا عن المقوم الأول ضمن النتائج المقرونة بالتطوير المستمر, فإن الحديث عن المقوم الثاني المتمثل بالأسلوب يأخذ بعداً  آخر بعد جعله هدفاً لتجاوز العلاقات الانزياحية, مما يضمن وثوق الأداء الشعري من إمكانياته ومعطياته الواسعة من دون الإخلال بوحدة النص التي ترتكز على بنيتي (الشعور) و( الرؤيا ) اللتين لا تخلوان من بعد فكري, يمكن استلامهما من العوامل التركيبية والتحليلية التي لا تفتقد إلى الإدهاش شرطاً لانبعاثها من الروح الباثة,التي تمثل انزياحاً وجودياً عن العالم المادي, متجاوزة بطاقاتها الأسلوبية والتعبيرية حواجز المنع والكبت المترسبة من صياغات عالقة بالذاكرة إلى الانطلاق الفعلي من الحاضر بالتباسات الماضي/ المستقبل، من دون الانصياع لمفردات المعاصرة التأثيثية, وذلك بالانفتاح الكبير على خزائن اللغة التي أصبحت تمثل وعيا فنياً محملاً بجميع مفرداتها المستهلكة وغير المستهلكة تعبيرياً, بإكساء هذه المفردات أبعاداً تشي بعدم المبالاة لواقعها المادي الجاف, محدثة باشتراط الإدهاش تأثيراً مشابهاً لدى المتلقي, تشعره بالانزياح عن العالم المحيط ولو آنيّاً, إلا أن ما يترسب من آنية التأثير لا يفنى عند المتلقي الواعي, إذ يخلق هذا الترسب نتاجا فكريا وروحياً، ومع كل هذا فليس المجاز هو العنصر الفاصل بين الشعر والنثر الفني، لتحققه الناجح في كل منهما. مع الانتباه إلى قوة الأثر النوعي الذي يتركه المجاز المختلط مع الإيقاع الوزني عن المجاز الواقع في متن النثر الذي يكون فيه المجاز حاضراً من أجل غاية أخرى غير إحداث الأثر الانفعالي والتأثيري المباشر عند المتلقي, إن الأخذ بزمام إضافة مجازات جديدة لا يعني الانكباب الأعمى على توليد الانزياح في اللغة, الذي يدفع النصَّ إلى الوصول إلى ظاهرة اللامعنى واللاموضوع,إذ تقع نصوص كثيرة فريسة لرغبات التوليد المجازي والإعجاب الشديد من قبل الشاعر بالجمل الاستعارية التي تمثل لغةً يغيب عنها المرشد لوجودها بديلاً عن التصريح بالمعنى. إن نصوصاً كثيرة تحتشد بالمجازيات المجانية لا يمكن الوصول إلى هدف أدبي فيها سوى حضور الغرائبية والغموض غير المجدي يدفع المتلقي إلى طرح النصّ ولا يصل الشكُّ إلى أنَّ من أهمِّ السمات الأدبية توليد علاقات جديدة بين مكونات الوجود المادي والمعنوي, هذه العلاقات لا يكون هدفها التوليد المجازي بحد ذاته, إنما إيجاد سياق لغوي يحتمل إيصال الشعور أو الفكرة إلى المتلقي .

 

نفي الغرض من المعنى إلى التحريض:

لا يقتصر التعامل في ( قصيدة الشعر ) على ما ذكرناه, فالمضمون النصي يتعلّقٌ بالمقومات السابقة بشدّة, ولا يَغفَل الرغبة في تعدد الدلالة لا في انحسارها وارتكازها على الأغراض الشعرية القديمة, هذه الأغراض التي أخذت بالانفتاح عبر مراحل زمنية مختلفة في واقعها الاجتماعي والمعرفي والذوقي (5), و تسنى لنا الإمساك بتحولها النهائي إلى مسبب ( واخز ) للشروع بالقول الأدبي والشعري على الخصوص المتجاوب مع رغبة الوصف الأدبي في الشمول والبروز النوعي، بفنية متعالية عن السائد والسابق من المضامين الثابتة والمحدودة سلفاً مترافقة مع رغبة الاختيار الموافق لمقدار الألم والفرح الروحي بمنظور أدبي, إن من المواضيع التي تتناولها النصوص الشعرية ما يكون مهيأ مسبقاً لدى الشاعر, موضوعاً يلبِّي رغبة الجمهور, يدغدغ المشاعر الدينية أو السياسية أو الجنسية, وقد تظهر المحاسبة النقدية لمثل هذه النصوص جوانب الخلل والضعف فيها, مما يجعلها تكتسب صفة المخادعة, إلا أنَّ نفي العاطفة الجمعية لدى الجمهور تعني خطراً آخر, خطر الغربة عنه, غربة لا يجد المتلقي حلاًّ لها سوى نبذ النص الذي لا يشاركه عاطفته وهمومه, وهنا يقف الوعي بالتعامل مع الموضوع,ليصف دواء لكلتا الحالتين, يقع العبء كلُّه في المعالجة على الشاعر, لينجز نصاً تتوفر فيه عوامل التواصل الموضوعي مع المتلقي – على اختلاف درجاته – واحتفاظه بعناصر الشعرية العالية في الجملة والبنية الكلية, إن الاستسلام للأغراض الشائعة في الشعر العربي يوقع النص الشعري تحت هيمنة قسرية لا يمكن الفرار منها دائماً, وإنَّ إمكانية الإفلات منها تكمن في تحويل الغرض إلى موقف أو محرض أو باعث أو مسبب للكتابة من دون إظهاره في النص إظهاراً كلياً.وهذا لا يعني الوقوع في دائرة اللاموضوع. هذه الدائرة التي طوقت نصوصاً كثيرة وأطفأت ضوءها فباتت معتمة لا تعني أحداً, ولكي يجد أصحاب هذا النوع عذراً لهم راحوا يروِّجون لمفاهيم تدَّعي أنَّ النصَّ لم يكتب للآخر, أو كتب في مجال معالجة شعرية لفكرة فلسفية, أو موضوع غيبي, أو صوفي…!! وهذه كلها لا تشفع للنصِّ المعتم عندما ينبذه المتلقي ويتخلَّى عنه.

إن هذه المفاهيم تلغي دور الشعر في الحياة الإنسانية, وإن كان للفلسفي والصوفي أن يجد طريقه إلى الشعر كموضوع, فعليه أن يكون مؤثراً شعرياً جمالياً, يشرك الآخر في تجربته ولا يحاول عزله عنه.

 

بسام صالح مهدي
عارف الساعدي
مضر الألوسي
محمد البغدادي
رشيد حميد الدليمي
نجاح العرسان

 

العراق بغداد

 

ملحق بالبيان

  كتابة الجملة الشعرية

مغادرة التمظهر الوزني في (( قصيدة الشعر ))

 

كتب العرب البيت الشعري في القصيدة على هيئة الشطرين؛ لأن أغلب الشعر الذي يتداوله الناس في زمنهم كان عن طريق أمرين هما: الحفظ والإنشاد، وكلاهما يتطلب مَرْحَلَة العبارة؛ أي: جَعْلها مراحل متساوية؛ لتسهيل كلا الأمرين.

 وبعد أن وضع الخليل الشكل التقطيعي للبيت وتَمظْهَر الوزن بهيئة التفاعيل التي تنقسم إلى شطرين، صار الأمر محسوماً على هذا النحو الذي ساد منذ المرحلة الشفوية وحتى المرحلة التدوينية.

 هكذا أصبح الجانب الشكلي/  الوزني هو المهيمن الظاهري على هيئة النص الشعري،وقد استعرضنا فيما سبق بعضاً من تعامل الحركات الشعرية التجديدية وبيَّـنـَّا أسباب انكبابها على  التغيير والتجديد الشكليين برغباتها العديدة والمتغيرة من عصر إلى آخر.

 وبحضور مصطلحي ( قصيدة البيت ) و ( قصيدة التفعيلة ) اللذين تم شرحهما سابقاً، فاتنا تبيان أن الدعوة  لهذين  المصطلحين ــ اللذين هما فرعا ( قصيدة الشعر ) ــ لا يعني اتكاء (قصيدة الشعر ) على المهيمن الظاهري الذي ينقسم إلى فرعين محسوسين هما:

1 ـ الشكل البصري.

2 ـ الشكل السمعي.

    إنَّ الشكل الأول مرسومٌ على الورقة يحتم الإحالة الفورية بمجرد سقوط النظر على النص المكتوب، وهذه الإحالة تعمل على نقل النص فوراً إلى مرجعية قَبلية شكلية مثبتة من قَبْل؛ لتنهض معها المخزونات المعرفية كافة المتعلقة بهذا  الشكل أو ذاك، مما يعرّض النص الشعري إلى عملية هامة في التلقي هي انتمائية وطبقية القارئ.

    وأما الشكل السمعي الذي يَحدث عند الإنشاد والسماع فهو مرتبط في أغلب الأحيان بالعملية التقطيعية للبيت إلى شطرين، فكثير من الشعراء عندما ينشدون البيت الشعري يقفون عند نهايات الشطرين ( الصدر والعجز ) (6) مما يوحي بأن بناء القصيدة معتنٍ بالوزن أكثر من اعتنائه بالدلالة(7).

   إن( قصيدة الشعر ) التي حددت المصطلحين ( قصيدة البيت ) و ( قصيدة التفعيلة ) أرادت أن تبين الفارق النوعي بين الشكلين المنتميين إليها من جهة الإيقاع والوزن  في جسد النص ولم يكن هدفها السير على هاجس الإنكباب الدائم على المباشرة بالتجديد من خلال خرق الوزن أو إجراء تعديل عليه أو جعله الحَكْم في شعرية النص .

    لذلك فإن الشكل البصري في ( قصيدة الشعر ) ـ بفرعيها ـ لا يُعْنى بترتيب الشطرين أو الأشطر على نهايات الوزن، بل يكون ترتيب الشطر الشعري على وفق انتهاء الجملة ودلالتها، سواء طالت أم قصرت حتى ولو كان بيتاً كاملاً أو كلمة واحدة، أما الشكل السمعي فهو يأخذ بانتهاء الدلالة في الجملة عند الإنشاد ولا يرتكز على النهايات الوزنية للأشطر عند الإنشاد.

    ويؤيد مشروعية هذا المسعى وجود التدوير في الشعر العربي القديم وشيوعه في الشعر الحديث بكثرة، وجانب التأييد فيه قبوله قديماً وحديثاً، إن التدوير هو اشتراك أو انقسام كلمة بين شطري البيت الواحد، مما يدفعنا إلى القول: إن الحركة الدلالية لا يمكن الهيمنة عليها بنهايات محددة إلا بتجزئة مفرداتها، ولا حاجة لنا في هذا التقسيم البصري(8) إذا  كتبت الجملة الموزونة على وفق دلالتها وانتهاء المعنى المراد منها، ويبقى الجانب الإيقاعي فاعلاً بكل أهدافه مع هذه الحالة أيضاً؛ ثم إن هناك نصوصاً ناجحة قد تنتمي إلى ( قصيدة الشعر ) وتكون متشكلة من نظامي البيت في مقاطع منها ومن نظام التفعيلة في مقاطع أخرى،وهذا مما يدعم المذهب الداعي إلى مغادرة التمظهر  الشطري / البيت / الوزني،والتحول النهائي إلى كتابة الجملة لا إلى كتابة الوزن والاعتناء بشكليه البصري والسمعي الثابتين، بل تركهما إذ كانا في عصور الشعر السابقة ضرورة أملتها الحاجة الحياتية ـ كما أشرنا سابقاً ـ أي الحفظ والإنشاد.

ولا بد أن نشير إلى أن شعراء مثل السياب وسعيد عقل ونزاز قباني ومحمود درويش وغيرهم(9) اعتمدوا الشكل البصري (الأيقوني ) في قصائد عديدة كان أساسها الوزني هو البيت ورتّبوها على وفق رغبات مختلفة، فبعضهم لا يمكن أن نجد لهم تفسيراً لسلوكهم هذا إلا أن يكون الشاعر مأخوذاً بإبعاد القارئ عن بصرية البيت التي تحيل إلى مرجعية سابقة،فأغلب تجاربهم لم تراعِ الوقوف عند نهاية الدلالة في الجمل الشعرية.

يقول يوسف حامد جابر: (( لا ينفصل التناغم الدلالي عن الشكلي بأية حال من الأحوال، سوى أننا، بالنظر إلى حركة العناصر، إما أن نعطي الأهمية للدلالة في الحالة الأولى, وإما للشكل في الحالة الثانية)) (10).

إن كتابة الجملة الشعرية والوقوف عند نهاية دلالتها هو ما تهتم به ((قصيدة الشعر )) لأن الدلالة هي شغلها الشاغل، وإن فِعْلَ من يكتب شعره بهيئة ( البيت ) لا بإيقاعيته تُظهِر الوزن كأنه مهيمن شكلي على النص لا عنصراً من عناصر التكوين يعمل مع غيره في تكوين الشعرية.   

الهوامش:

ــــــــــــــ

([1]) النقاد الذين استخدموا مصطلح (قصيدة الشعر) للدلالة على ما هو موزون فقط، نذكر منهم: الدكتور علي عباس علوان في ( تطور الشعر العراقي الحديث ) . الدكتور علي جعفر العلاق في (حداثة النص الشعري) . سوزان بيرنار (قصيدة النثر ) ترجمة سعيد مغامس، مصطفى خضر في ( الشعر والهوية)  وآخرون. تكرر استخدام المصطلح عندهم في مواضع عدة من كتبهم.  

(2) ينظر قول الفارابي: (( البيت هو القول الذي حصر بوزنٍ تام )) كتاب الموسيقى الكبير: ص 108 ــ  نقلاً عن الشعرية العربية، أدونيس:ص22. وكتاب عضوية الموسيقى في النص الشعري، يقول د.عبد الفتاح صالح نافع، البيت: (( هو الوحدة الموسيقية للقصيدة العربية )): ص50، ط1، مكتبة المنار، 1985م، الزرقاء.

(3) لا يمكن للدلالة اللغوية أن تكون ظاهرة للحواس إلا بتجسدها في أصوات هي الأحرف والكلمات والعبارات، فالصوت وما يتولد منه كالإيقاع هو حاجة الدلالة لوجود كينونتها وتمظهرها المادي وليس فرضاً خارجياً عليها.

(4) نقصد بأن الصوت يخزن في الكتابة: أي أن الذي يقرأ النص يستنطق أصواته إضافة إلى المعاني، وهذا يحدث حتى عند القراءة الصامتة إذ يكون الصوت مهموساً في الذهن.

(5) من أوائل الذين حددوا أغراض الشعر أبو العباس ثعلب، فجعلها: الأمر و النهي و الإخبار، والاستفهام. وهذه الأغراض الأساسية للشعر تتفرع إلى المديح، والهجاء، والرثاء، والاعتذار، و الغزل، و التشبيب، والتشبيه،والوصف,اقتصاص أخبار. وإن أقدم ما وصلنا من أغراض الشعر في الجاهلية كانت تحصر في ( الهجاء والمديح والرثاء والغزل ) ثم اتسعت هذه الأغراض وتشعبت واختلطت وولِّدَت أغراضا جديدة أحصاها بعضهم وجعلها  أبو تمام في عشرة أبواب: هي الحماسة، والمراثي، و الأدب، و التشبيب/ النسيب، والهجاء، والإضافات، والصفات، والسير، والملح، ومعرفة النساء. وجعلها غيره: الغزل، والوصف، والفخر، والمدح، والهجاء، والعتاب، والاعتذار، والآدب، والخمريات، والأهديات، والمراثي، والبشارة، والتهاني، والوعيد، والتحذير، والتحريض، و الملح، وباب مفرد للسؤال والجواب. وحصرها ابن رشيق في: النسيب والمديح والافتخار، والرثاء، والاقتضاء، والاستنجاز، والعتاب، والوعيد، والإنذار، والهجاء والاعتذار. وورد في ديوان المعاني: إن "أقسام الشعر في الجاهلية خمسة: المديح، والهجاء، والوصف، والتشبيه، والمراثي، حتى زاد النابغة فيها قسماً سادساً وهو الاعتذار، فأحسن فيه. وجعل أبو الهلال العسكري أغراض الشعر: المديح، والهجاء، والرثاء، والغزل والوصف، وتدخل فيها الأغراض الأخرى. ينظر كتاب فصول في الشعر: الدكتور أحمد مطلوب: ص38، منشورات المجمع العلمي، بغداد 1999م. إن هذه الإحصاءات تتباعد زمنياً مما يظهر أن مساحة الموضوعات تتسع وتتشعب من زمن إلى آخر، وعليه يكون تطوير و تغيير الأغراض أمراً مقبولاً إن لم يكن مطلوباً. 

(6) الوقوف عند الإنشاد في نهاية العجز يكون إجبارياً بسبب وجود النهاية الإيقاعية أي القافية. 

(7) يذكر جواد علي أن هذه السلوك في الإنشاد هو ((من عمل الشعراء المتأخرين الذين أحلّوا الوزن محل الإلقاء)) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام:9 / 133 . 

(8) يظهر تقسيم الكلمة بين الصدر والعجز في البيت المدور بصرياً على الورق وكذلك عند التقطيع العروضي للبيت أما عند الإنشاد فالكلمة تقرأ مع سياقها الدلالي من دون أن تجزأ وهذا يدل على غلبة الدلالة في ال

المنطقة العربية في الفكر الاستعمار الغربي

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد فلاح الزعبي
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 29 مايو 2007
الزيارات: 8

 

(مرحلة ما بعد الانقلاب الجيوبوليتيكي)

محمد فلاح الزعبي

 

لم تكن المنطقة العربية تحت مفهوم الشرق الأوسط سوى تعبير عن المنظور الاستعماري في العصر البريطاني، ورؤية العالم ومناطق النفوذ من زاوية المركز الأوربي؛ وفي الوقت ذاته نفي لأي تسمية أو مشروع لتوحيد الوطن العربي؛ ومن هنا كان تعبير الشرق الأدنى مرادفا للدول العربية الواقعة فيما يسمى بالهلال الخصيب، واختلفت دلالة مفهوم الشرق الأوسط قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية عن دلالته بعد الحرب.

 

وإذا كان المفهوم قد شهد انتشارا متعمدا في العصر الأمريكي فقد اعتراه إضافات عديدة، حتى استقر في المفهوم الأخير تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير". وإلى جانب هذا الاتساع في الدلالة شهد أيضا انقلابا في الأدوار؛ فبينما كان العصر البريطاني يركز على قناة السويس ومصر، أصبح العصر الأمريكي يركز على النفط والخليج. فالتقارير الإستراتيجية الأمريكية -منذ السبعينيات- تتحدث عن خطط التحرك والبدائل المختلفة للسيطرة على منطقة الخليج لضمان إمدادات البترول. وتزايدت هذه الدراسات في إعدادها وحدة لغتها منذ قيام الثورة الإيرانية وإسقاط الشاه؛ وغطت حقبة الثمانينيات، وصولا إلى العمل العسكري في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة؛ ثم في تقديم مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي نجد أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية في تقرير مجموعة الدراسة الرئاسية المقدم في عام 2000، والذي شمل توصيات بالخطوات التي ينبغي أتباعها بالشرق الأوسط من المجموعة الرئاسية الجديدة.

 

إن التركيز على الخليج العربي ودوائره الحيوية والمحيطة به لم تكن رغبة عابرة، ولم يكن صدفة. فمن المعروف أن تأمين الثروة والقوة بالنسبة للولايات المتحدة يرتبط بالتحكم عالميا بسوق النفط ومشتقاته؛ هذا التأمين يشكل أحد المفاتيح الرئيسة في إستراتيجيتها الكونية منذ عام 1945؛ فسيطرتها على تدفق النفط وفر لها الانطلاق الاقتصادي، وتأمين النظام الاقتصادي العالمي وهي نقطة المركز فيه.

 

لقد كانت الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية مكتفية ذاتيا بالنسبة الطاقة؛ لكنها تحولت الآن إلى المستهلك العالمي الأول؛ حيث تمثل 4.6% من سكان العالم، بينما تستهلك ربع إنتاج النفط في العالم. وفي الوقت ذاته -وكما يشدد بعض المحللين الأمريكيين- فإنها لا تزال تستورد 24% من احتياجاتها من نفط الشرق الأوسط([1]). صحيح أن النسبة أقل من نسبتها قبل حرب أكتوبر1973، ولكنها أكثر بنسبة الثلث قياسا بالسنوات القليلة الماضية؛ وهو ما يعنى بالنسبة للعقلية الحاكمة بواشنطن، وللمخططين الإستراتيجيين بها، عدم السيطرة الجازمة في سوق النفط العالمية.

 

إن الباحث عن توجهات السياسة الاستعمارية بعد الثورة البترولية أو ما سمي بالانقلاب الجيوبوليتيكي([2])/الإستراتيجي على حد تعبير العالم الراحل د.جمال حمدان في مطلع الثمانينيات -وذلك في كتابه القيم "إستراتيجية الاستعمار والتحرير"- يستطيع بالقراءة لتلك الكتابات القيمة أن يستشف معادلة البترول والخليج، ودخولهما في صلب الإستراتيجية الاستعمارية الأمريكية. فمنذ أن أصبح الخليج المستودع الأول لمخزون البترول بالعالم تحول تدريجيا ليصبح محور السياسات والصراعات. من هنا كانت المعادلة أو المتتالية التكنولوجية الإستراتيجية الجيوبوليتيكية في عصر بريطانيا هي: الفحم، السكة الحديدية، الباخرة، قناة السويس، مصر، الاستعمار القديم، صراع الإمبراطوريات، ولكن هذه المتتالية تحولت في العصر الأمريكي إلى: البترول، السيارة، الناقلات، الخليج العربي، الاستعمار الجديد، صراع الكتلتين.

 

إن هذا التبدل في اتجاه البوصلة نحو الموقع/الإقليم، وما يفرضه ذلك على الصراع والإستراتيجية، ولانتقال مركز الثقل الإستراتيجي وهو ما يدفع بالضرورة إلى تحجيم أدوار وتضخيم أدوار لإقليم أو دول، وما تحتويه من ممرات صناعية أو بحيرات وخلجان طبيعية. فبعد أن كانت السويس كبيرة والخليج صغيرًا من الوجهة الإستراتيجية، انقلبت الموازين واختلت، فأصبح الخليج كبيرًا جدًا والسويس صغيرة نسبيًا، بل وورث الخليج ومضيقه دور وموقع مصر وقناتها إلى حد بعيد جغرافيا وإستراتيجيًا؛ ومن هنا لم يكن غريبا وقوع ثلاث حروب على ضفاف الخليج وحوله، ولواشنطن يد فيها خفية أو علانية منذ الثمانينيات، وحتى الآن، هذا إلى جانب حربها بأفغانستان.

 

إعادة تعريف الشرق الأوسط:

 لقد ارتبط مفهوم الشرق الأوسط بالرؤية الاستعمارية لمصالحها الإستراتيجية، وبتصورها لإعادة صياغة وتركيب المنطقة منذ القرن الماضي وحتى اليوم، ومن ثم جمع مفهوم "الشرق الأوسط" بين الجغرافيا والسياسة، ولم تكن دلالته الجغرافية مستقرة؛ حيث تذبذبت بين الاتساع والضيق حسب المصالح الاستعمارية، والرغبة في تفتيت الأمة العربية والإسلامية.

 

لقد كتب ونستون تشرشل في مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، كما ذكر المفكر ساطع الحصري في كتابه "دفاع عن العروبة" (1955) ([3]) عن مفهومه للشرق الأوسط؛ وذلك في 26 أغسطس 1942، يقول: إني كنت أشعر على الدوام أن تسمية مصر والمشرق وتركيا باسم "ميدل إيست" (الشرق الأوسط) لم تكن من التسميات الموفقة. فإن هذه البلاد تؤلف الشرق الأدنى، وإيران والعراق تؤلفان الشرق الأوسط؛ وبلاد الهند وبورما وماليزيا تؤلف الشرق؛ أما الصين واليابان فتؤلفان الشرق الأقصى. وقام تشرشل بإعادة تقسيم القيادة العسكرية، في مساء نفس اليوم، إلى قيادة الشرق الأدنى، وتحتوي مصر وسوريا وفلسطين ومركزها القاهرة؛ وقيادة الشرق الأوسط، وتشمل العراق وإيران ومركزها بغداد؛ وبذلك كانت البوصلة البريطانية في التسمية والتقسيم هي العمليات الحربية.

 

بعد تسع سنوات (أي في عام 1951) وفي مجلس العموم البريطاني وجه أحد النواب سؤالا للحكومة عن البلاد التي تدخل ضمن اصطلاح الشرق الأدنى؛ فأجابه وكيل وزارة الخارجية آنذاك قائلا: "إن تعبير الشرق الأدنى الذي لازم السلطنة العثمانية يعتبر الآن في بريطانيا العظمى مما فات أوانه في اللسان الرسمي، ويستعاض عنه الآن بتعبير الشرق الأوسط. ومجموعة البلاد التي يشار إليها بهذا التعبير تشمل: مصر، العراق، سوريا، لبنان، إسرائيل، العربية السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، قطر، مسقط، محمية عدن واليمن. أي ما يعرف بالوطن العربي مع اقتطاع المغرب العربي الكبير، ومع إضافة إسرائيل بديلا عن فلسطين".([4])

 

وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد ركزت على مفهوم الشرق الأوسط بمعناه الأخير، مع إضافة تركيا وإيران -وذلك في الإعلام وفي المؤسسات الدولية ووزارة الخارجية في كل ما يتعلق بالصراع العربي/الصهيوني، ونجحت في تسييد هذا المفهوم كبديل عن الوطن العربي أو العالم العربي... إلخ- فإنها ومنذ الثمانينيات اتخذت منحى جديدا. فقد قدم "بيتر دويجنان" بالمشاركة مع "إل إتش غان" دراسة عن الشرق الأوسط لصانع القرار الأمريكي، أشارا فيها: إلى أن "لفظة الشرق الأوسط لفظة اعتباطية؛ فهي تشمل بالمعنى الضيق مصر والجزيرة العربية وتركيا وإيران؛ أما بالمعنى الواسع فهي تشمل كافة المناطق الممتدة من شاطئ المحيط الأطلسي، وعبر شمال أفريقيا، وصولا إلى حدود إيران الشرقية".

ولكن أخطر ما في هذا المفهوم الذي تجذر فيما بعد وتوسع بجهود العديدين من المختصين ودوائر صنع القرار يتمثل في ثلاث نقاط:

1)     تسفيه وتقليل شأن المفهوم الضيق للشرق الأوسط، وفيما بعد إلغاؤه.

2)  الإشارة إلى أن هذه المنطقة الشاسعة تنطوي على اختلافات جغرافية وإثنية واسعة جدا، كما تحوي العديد من المناطق التي لكل منها تراثها التاريخي والحضاري الخاص بها؛ أي القول بعدم وحدته من جهة، وقبوله للتجزئة من جهة أخرى.

3)  الاعتراف بوجود مؤشرات مشتركة بين بلدان الشرق الأوسط، يقع الإسلام في مقدمتها بوضوح؛ فالإسلام هو الذي استحوذ على عالمها، والمنطقة تدين بالإسلام باستثناء بعض الفئات. هذا العامل سوف يتم استخدامه سلبا في منظور صراع الحضارات، ونهاية التاريخ من الزاوية الأيديولوجية الأمريكية، وفي استهداف ضربه، وربطه بالإرهاب في المنظور الإستراتيجي العسكري/ السياسي.

 

وإذا كانت وثائق وزارة الدفاع/مايو 1995، والكونجرس /مارس 1995 قد تضمنت إستراتيجية الولايات المتحدة بالشرق الأوسط -والتي اختزلت في ضمان تدفق البترول وبسعر مناسب، وضمان حرية الملاحة، والالتزام بأمن إسرائيل وتفوقها النوعي، وزيادة القدرات الدفاعية (لا الهجومية) للدول الصديقة- فإن الدراسات الإستراتيجية الأمريكية منذ العام 1997 قد اعتمدت المفهوم الأوسع لتعبير الشرق الأوسط الكبير؛ حيث إن هذا المفهوم الجديد يضم كلا من تركيا وإيران ودول آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بالبترول، والسوق الضخمة المرتقبة للسلع الأمريكية؛ وهو ما أكدت عليه في خطتها المعلنة الآن، المعروفة بمشروع الشرق الأوسط الكبير (بلدان العالم العربي، زائد باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل). ومن هنا فإن التخطيط للاستقرار والأمن في المنطقتين العربية والإسلامية -كما ترى واشنطن- أصبح ضرورة حياتية وإستراتيجية بالنسبة لواشنطن.

 

إن الانتقال بين التعريفات في العصر البريطاني لا يعود للتاريخ وللجغرافيا، بل للاحتياجات السياسية والمتطلبات العسكرية للاستعمار الغربي. ونحن نشير بدورنا أيضا إلى أن الانتقال والتوسع في التعريفات بالعصر الأمريكي، بل ومحاولة الاستقرار على النتائج النهائية للمفهوم الشرق أوسط، لا تعود إلى تقسيمات الجغرافيا والتاريخ (أي قوميات أو أقاليم متجانسة)، بل لاحتياجات الأمن والطاقة، ورسم الخريطة الإستراتيجية الأمريكية، بما فيها نفي كل ما يقال عن الدائرة أو الأمة العربية، خاصة في ظل ربط المشرق بتركيا وإيران والعديد من دول آسيا، وفصل المشرق عن المغرب، وربط الأخير بالدائرة الجنوبية للمتوسط، والتقسيم للوحدات القطرية الموجودة باسم الفوارق العرقية أو الدينية؛ وفي الوقت ذاته دمج إسرائيل كأمر واقع، بل وكجزء في هذا التقسيم السياسي العسكري، وهو ما ظهر فيما بعد في حلف بغداد، وظهر حديثا فيما سمي بالسوق الشرق الأوسطية.

 

ما الجديد في التعريف الأمريكي للشرق الأوسط؟

1 – أنه تعريف غير خاضع لخطوط المعارك الحربية، وتبدلات القتال والمواقع (كما كان في بريطانيا العظمى)، أو كما كان الأمر بالنسبة للحرب الباردة وصراع الكتلتين، بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يعني هذا عدم دخول البعد العسكري في هذا التعريف، لكن التعريفات السابقة ترسم الحدود وفق وجود القوات والعمليات، بينما التعريف الأمريكي يضع الحدود أولاً للمفهوم ثم يجعل القوة العسكرية (وغيرها من الأدوات الاقتصادية والثقافية) تتحرك فوقها، وتقيم عملياتها وقتما تشاء.

 

2– أنه تعريف يقوم على أساس خريطة بلا تضاريس جغرافية، فلا تحمل عوائق طبيعية، وبلا تضاريس عسكرية أو بشرية، فلا تسجل عوائق صناعية أو حواجز مانعة؛ ومن ثم الرسم فوقها للأقاليم والحدود التصورية لا التواء فيه، ولا صعوبة للخيال أو الجموح أن يسجل ما يريد أن يتصوره؛ أي الكتابة والرسم والتشكيل فوق صفحات بيضاء وخالصة، ومن ثم مطلوب ملء تلك الصفحات بالثقافة والأفكار والنظام الاقتصادي بل والعسكري وفق المشيئة الأمريكية؛ وهي فرصة قلما توفرت في التاريخ بهذه الصورة، ولا تتحمل التردد أو الانتظار لحظة واحدة من منظور رجال الإستراتيجية الأمريكية، خاصة أن مفهوم الشرق الأوسط بمعناه الواسع/الجديد يمثل جزءا كبيرا من منطقة الارتطام التي يمكن أن ينطبق عليها رؤية ماكيندر منذ أوائل القرن الماضي للصراع بين قوى البر وقوى البحر للسيطرة على العالم؛ ولأن هذه المنطقة أرض الصدام والمعركة وجسر العبور لطرفي الصراع؛ فهي بين فكي الكماشة، وهي ضحية موقعها الجغرافي؛ وهو ما يسهل المهمة الأمريكية للانقضاض عليها والعبور منها للانفراد العالمي أيضا.

 

3– ولأنها فرصة تاريخية -كما تراها عقول التخطيط الإستراتيجي بواشنطن- فإن الإمساك بها ضرورة، وتشكيلها وفق الاحتياجات الاقتصادية الأمريكية (وفي مقدمتها الطاقة ثم الأسواق) حتمية؛ وبالضرورة والحتمية أن تكون خطوط الطول والعرض في الخريطة الجديدة هي التي توفر سهولة الإمدادات بالطاقة وسرعتها ورخصها، إلى جانب التحكم فيها، خاصة في ظل غياب الموانع والعوائق.

 

4- ووفق الضرورة والفرصة والاحتياجات، فإن فصل دول من إقليم الشرق الأوسط، أو إضافة دول إليه أمر بديهي؛ بل إن السعي إلى تقسيم دولة ما إلى دويلات أو كانتونات أو مناطق طائفية أو عرقية هو أمر ضروري تحكمه الرغبات والخطة الأمريكية، فضلاً عن أنه تأمين للمستقبل ومفاجآت التاريخ ودروسه؛ هذا إلى جانب سهولة السيطرة لواشنطن وصعوبة المواجهة ضدها.

 

 

 

 

 



([1]) مشروع القرن الأمريكي الجديد:   http://www.newamericancentury.org

([2]) في معناه البسيط يعني الجيوبوليتيك: "علم سياسة الأرض"، أي دراسة تأثير السلوك السياسي في تغيير الأبعاد الجغرافية للدولة. ويتداخل هذا المفهوم مع مضمون علم الجغرافيا السياسية الذي يعنى بدراسة تأثير الجغرافيا (الخصائص الطبيعية والبشرية) في السياسة.

([3]) ساطع الحصري، دفاع عن العروبة، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.

([4]) الموقع الالكتروني: www.islamonline.net

  1. الباحث التأريخي جاسم محمد صالح
  2. الحركة الثقافية في مدينة السماوة...تأملات موجزة
  3. الجنس الرابع
  4. تأملات موجزة في حضارة الوركاء

الصفحة 19 من 66

  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23

المتواجدون الآن

75 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك