مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

بحوث و دراسات

جُذاذات تشظّي السنين (( ثلاثيــة التابوو )) وحديث في الحياة

التفاصيل
كتب بواسطة: معن عبد القادر آل زكريا
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 10 مايو 2006
الزيارات: 11

جُذاذات تشظّي السنين (( ثلاثيــة التابوو )) وحديث في الحياة وفي التفلسف

 

واحد - في لغة تابوو السين 

أيفعتني سُنّة الحياة من مثل بقية الخلق من قبلُ ومن بعدُ ، بعد ان دفعتْ فيَّ من كروموسومات الجنسين ما شاء لها أن أُخلقَ مضغةً ثم أنمو عَلَقةً ، ليقذفني خارجاً رحم التي انضوت تحت (قدميها) الجنّة ...! ولأن طفولتي كانت اعتيادية ليس فيها ما يثير لا في الحمل ولا في الولادة ولا في البيئة ... ولا حتى في التربية ، فقد كانت ظروف التنشئة ظروفاً ليست صعبة على نحوٍ ما ، سوى أن الوالدين كانا من الذين لم يُوهَبا نعمة فك رموز خطوط اللغة ... وهنا لابد ان تسقط بقعة الضوء في بحيرة المحذور ، ليبدأ الصراع بين أن أكون أو لا أكون ..!!

تسلقتُ في أول شبوبتي شجرة القراءة (الأدب) هوايةً ، تُحرّكها جنيّات خفيّات وتلاعنها أباليس من الرغبة الجامحة ...

وبينا أستجير من الكتاب بالكتاب ، اضطرني أصحاب القرار في بيتي أن أُعوّجَ في أقنية الدراسة العلمية (كيمياء ، فيزياء) ، لكني لم أفقد لذّة الأدب قراءةً ، بل تحولتْ هذه المرة إلى قراءةٍ / كتابةٍ / هوايةٍ .

ولأمرٍ ما ، صار أن انتسبتُ إلى دراسة (المحاسبة) فلم أستطع هضمها أو ممارستها فقمتُ إلى (الاقتصاد) أتجلببُ بأرديته وقفاطينه ، فكنتُ له هذه المرة من المغرمين ، لأنال فيه إجازة أولية ، أعقبتها بدبلوم دراسات عليا في (التنمية الاقتصادية) من إحدى جامعات الملكة فكتوريا وحفيدتها الملكة اليزابيث الثانية (اليصابات) .

لم أنقطع عن ممارسة (القراءة) فضلاً عن الكتابة ... هذه (الثانية) صارت لي هاجساً جنونياً ، يحكّ جلدَ صاحبه من مثل مرض الحساسية اللعين . وبعد زمن تعاقبت فيه عقود من السنين ، انحرفتُ لأدخل أزقة (القانون) فأحصل فيه على إجازة الدراسة الجامعية الأولية ، ومن ثم نلتُ فيه شهادة الماجستير في القانون الدولي (ولو على تأخُّرٍ في العمر) ..!!

ومن بداياتي ... اني ملأتُ جعبة لغتي بآياتٍ بيّناتٍ من دُرَرِ القرآن الكريم . وارتويتُ بمياهٍ عذبةٍ من زمزم الصحيح من تأريخ مروٍ . بل قُلْ اتكأتُ إلى لغةٍ عربيةٍ فصيحةٍ ، أستنشق بها وأتنفس منها أوكسجينٍ نقيٍ صافٍ لآدابٍ من شرقٍ ومن غربٍ ملأتُ بها خزين جعبتي ، كلما أمدُّ كفيَّ أنالَ منها وطراً ، تعودان وقد امتلأتا من ذاك ما شاء الله ... وما
شئتُ ...

لكن ... ولكن ، يبقى الينبوع الأعظم (فضلٌ من ربِّ العزّة) سليقةٌ أصيلةٌ ومواهبُ فضلى ، ثُريّاتٌ تُطلُ على قواعد فضاءات الأبحار ، فناراتٌ مضيئاتٌ وأبراجٌ عاجيّة من نورٍ إلهي (يطلُّ / أطل) (المبدع / أنا) (صبح / مساء) على صورة نفسي ، أنظر (فيها / منها) في قعر خفايا روحي ، يقوم يشرَأبُ لها قلمي يستلهم الإلتماعة فيحوّلها إلى سحرٍ ... وما هو بسحر ...!!!

أسَّستُ لقصائد في الشعر (وما أنا بشاعر) منها (انتظار قرب بئر مدين) وأخرى جعلتُ لها إسماً (النجم الثاقب) ... وثالثة (بلادي ملح شاهد) ... (وتوسلات إلى دخاخين مشرقية) .

كل ذلك أعتزُ به أشدّ الاعتزاز ... وأفخرُ به كلّ الفخر ... كيف لا وأنا أصوغ في (العربية) ذهباً عيار أربعاً وعشرين !! . ولأني لست بشاعرٍ ، بل إنّي مُوَزَّعُ الولاءات في الكتابة وفي الهواجس ... فأنا أَعدُّ نفسي بهذه القصائد قد أتيتُ شيئاً مقبولاً ... بل نَحَتُّ في صخر اللغة العربية (آهاتٍ) تستعجل إصفرار نبات (البيبون) كي ما يتحول إلى منقوع دواءٍ يشفي من مرض (المحنة) ...!!

كل الذي قلناه في آنف هذا الكلام له شرطية خصوصية (المعرفي) في ماهية هذا الأنموذج من (الكُتّاب) الذي يجعل غير المبصرين لا يرون من مثل الذي رأيناه .

في إحدى قصائدي (اللامجدي ... والعشب المشتعل بالرغبة) فُرِضَ عليّ فرضاً من أن أوجه خطابي / شعري إلى امرأةٍ أعرفها ... ولا أعرفها ...!!! هي تعرفني ولا تعرفني ...!!! انتظر قدومها كلَّ يوم ، بل هي تطل عليّ من وراء الحجب كل ثانية ... حين يزف الموعد أهرُب (أنا) من الامتثال في حضرتها ... فأنا أخاف مواجهة أحلامي ، كي لا تقصم هذه الأولى (ظهري / الحقيقة) فتضيّع عليَّ فرصة اللّذة المخزونة لمستقبلٍ يظلُّ هارباً ... ولذةٍ تظلُّ ناقصةً ...!!!

انها لو جاءت (حقيقة) كما تمنّيتُها ، لفسدت القصيدة ، ولتهدّمت مشدّات أعمدة الحكمة السبع في ظهري .

كتبتُ نصوصاً تشبه الشعر ، بل هي ليست منه ، هي من جنس القصة والرواية ، لكنها أشياء فيها من هذه وفيها من تلك ، ثم هي ليست قصة ... وهي ليست رواية ...!!!

من ينظر إلى نصوصٍ كتبتُها وفيها (الوضوء بالدم) و(دخول الزمان في المكان) ... ويدقق في النصّين بعيونٍ فاحصةٍ نافذةٍ يحسبها نثراً وقد يتوهّم التخمين ...! وبعد قراءة ثانيةٍ وثالثةٍ يقتنع الناقد عنوة أنها فوق مستوى النثر ... وهي أشياء تحكي تأريخاً موجزاً متفلسفاً ، بل تدقُّ على حجر التأريخ ، وتنحت فيه بأزاميل الفلسفة ، وتلوي أذرُعَ المحكي والمروي من الموروث ...!!!

كلُّ الرجال في العالم يعشقون نساءَ أُخريات (غير زوجاتهم) ... نساءً قد يعرفوهن ... ونساء أُخريات لم يشاهدوهن في حياتهم ، ... فهم / الرجال حين يفشلون في الإبحار في فضاءات الأعالي (مهنة لا يجيدها إلاّ أهل الخاصة) لابد وأن يتزوجوا من جنّيات البحر ، ويفرّخوا الصبيان والصبيات تحت أضوية مصابيح (النيون) ويصعدوا (بالقلل والرقي) إلى أعالي سطح الصيف ...

كل أنصاف الشعراء ، وكل أثلاث المغرمين ، وكل أرباع أهل البِدعة ، وكل أخماس المهابيل ، وكل أثمان الكتّاب ، وكل أعشار الدراويش في العالم ، يظلّون يدورون العمر كله حول جذاذات أساطير (التابوو) . وحين يلوح لهم الشرطي من بعيد ، تراهم يتدافعون على عجل في الأزقة الجانبية (قنطرة الجان مثلاً) ، يشغلون أنفسهم بالتفاهات ... يدقون (من هلعهم) الأوتاد فوق دشاديشهم ، حياة معطوبة يجرّونها وراء ظهورٍ هلكةٍ مقوسةٍ من كثرة ما جلدها (رواة التأريخ) ، وكأنما يثأرون لأنفسهم علانيةً من تخمة البَلادة ، يفتشون عن مقابر محفورة سلفاً ، يلقون من فوقها قصائد عرجاوات ، يحكون كلاماً ممجوجاً فيحسبون أنهم إنما جادت بهم صروف الدهر بعد جدب ... بل إن هي إلاّ عملية قيصرية ، ولفافات خرق متهرئة ... وجدوا أنفسهم داخلها ملفوفين في دياجير ياخورٍ معتمٍ ...!!!

في كل يوم ، وفي كل ليلة ، ومنذ خُلقت الكتابة ... ينتكس الأدباء وأهل القلم في أرجاء الدنيا ، بل تخترق خوازيق أواسطَ أكُفِّهم ، تتدلى أقدامهم في الهواء من شدة الفرح ...

المبدعون الحقيقيون في بلدي لم يحصلوا على مكافآت الحياة الحقيقية (الاختراع / الأجر) . إنهم يعاملون بأصبعين دون مستوى الأيتام ، إنهم يعاملان بثلاثة أشبار فوق حدود أبناء السبيل ... بل هم يعاملان في مستوى الأرامل الصوماليات ... قل أين منهم حفلة (مطيربة) بخمسين ألف دولار تتلوى أمامها مصارين الربع الخالي ... هُمُ الكتّابُ يظلون هكذا معلقين بين جريمة (قابيل) وتنورة (كونداليزارايس) ...

لم أتراجع في حياتي عن مذهبٍ اعتنقتُهُ وعن فلسفةٍ أُؤمنُ بها توازياً مع أيقونةٍ أحملها فوق رأسي منذ الخليقة ، بل لم أتراجع عن الهروب ... بل كنتُ هارباً إلى أمام ...

 

أعود إلى بداياتي ...

أقول : كم أصغيتُ بشغفٍ إلى (أهل السين) وأنا لمّا ينبتُ لي زغبٌ بعد...! ثم عملتُ (وأهل الشين) وقد صار لي زغبٌ باهتٌ . وجاء عليّ دهرٌ كفرتُ فيه (بالسين وبالشين) يوم تهامس أهل الدار بشأني ، وتكأكأوا في زاوية غرفة نوم والدتي ... لقد غدا الولد نَجِساً ، انه يبقر عيون رأسه كل صباح وكل مساء ، لا يرفع حاجبيه عن التحديق في الكتب ... كتب مال المسقوف ... أعوذ بالله ... أستغفر الله ، قال أخي الأكبر ، كتاب رأس المال مال الزنديق كارل ماركس ، أيضاً عندنا طلاب في الاعدادية الشرقية يتداولونه بالسرّ (من تحت القوابيط) .... ! فلمّا قمتُ إلى الوضوء أريد أغتسل بتراب العذرية ... علّها تأخذني إلى البراءة ... وأردت اللّحاق بالمصلّين ، طردني الخادم الأفغاني في الجامع الكبير (حج محمد) ، وقذف بصدري شيئاً من مثل الحديد (مفتاح باب سطح المنارة) ليعيدني إلى الشرنقة، أستظهر المحفوظات من جديد ... وأقرأ في (أنف الفيل) ... !

•-   لماذا لا تدع الباب مفتوحاً طول النهار (يا حج محمد) كي ما نتعبدُ جميعاً نحن الأطفال في ساعة الرجاء على كيفنا ... ونتقافزُ فوق زوالي المسجد الملوّنة والممدودة على طول وعلى عرض ...

•-   جاءني صوت (حج محمد) من بعيد وأنا أهرب بين طيات جلدي المخروم . سأزعل (سأجعل) منك زِلاًّ (ظلاً) يغرقُ كل يوم في بير الجامع ... لا تدور حول دشداشتك يا ولد دونما أوامر ... سأخلصكَ من نحرِ رقاب أهلك لو أحزرت (أحضرت) المالوم (المعلوم) في هازا (هذا) المكان ... وأشار بيده السمراء المعروقة وكأنها سيخ ربابة إلى البقعة التي يقف عليها . نظرتُ يُمنةً ، جاءتني مع الهواء الحار حشرجة زعيق قصبات هواء (حج محمد) المصابة بالربو وهي تُهسهس ... زيب (جيب) كليجة للحجي ، غدا يزي (يجي) العيد ...

•-   أدرتُ نظراتي في كل الاتجاهات ، فوقع بصري على إمام الجامع . كان الإمام (عين) يمشي الهوينا في إيوان الجامع ، يقرأ بصوت صوفي مُلتاع في (ابن الفارض) ...

•-   ظل (حج محمد) متسمّراً في مكانه ويده على طولها ممدودةً في الهواء وبيده المفتاح يخزرُ ظهر (الإمام) الذي لا يهمه من يدخل الجامع ومن يخرج من الجامع ، بل حج محمد يريدنا ألاّ نفرح ولا يفرح الآخرون ... ربما كانت (الفلقة) إحدى وسائل التنظير في ارسال الأولاد إلى بهجة اللعنة طوال أربعة عقود ...!

•-   فجأةً ، شعرتُ وكأن (دشداشتي البازة النظيفة والمقلّمة) انشقت بالطول نصفين - رغم أوامر حج محمد بأن لا أستدير بدشداشتي في أي اتزاه (اتجاه) - ، وأنا أتقافزُ كالسنجاب.

•-   استقبلتني أمي وهي تشير بكلتي يديها من على السطح (الوسطاني) ... هبطتُ في (دست السليقة) أوزّع (السطلات) على بيوت الجيران ...!

•-   تناقل الناس الخبر (الولد الذي طار من الجامع ليهبط على سطح دار أهله الوسطاني) ، وزادوا في الخبر ... وأنقصوا منه ، وأضافوا عليه ... وفعلوا الأفاعيل ، حتى صارت الحادثة (الخادم الأفغاني حج محمد) جزءاً لا يتجزأ من تأريخ محلة الجامع الكبير ، بما فيه السطح الوسطاني ... والسطلات ... والسليقة .أما (المفتاح) فظلّ سرّه مخزوناً في كبد (حج محمد) يرسله عقوبة إلى الأولاد ، في اللحظة التي يتلقى فيها أوامر (الجان) ... الباب مالوقة (مغلوقة) يا ولد ... ارزعي (ارجعي) يا حورمة ... روح من غير مكان ... ماكو باب ماكو باب ...!

•-   ولا يعلم احد لغاية هذا اليوم ، سرّ قوة الألم الذي يسبّبهُ (مفتاح حج محمد) في كعبرة سيقان الأولاد ، وفي أصابع أقدامهم ... في محلة الجامع الكبير .

•-   ظلّت (الكليجة) في غرفة (حج محمد) متيبّسة مثل (حجر القاو) وقد طالتها (العفونة الخضراء) بعد أن مات ويده قابضة على (أربع فلسات حمراوات) بيد (وكليجة تمر) باليد الأخرى ، ومفتاح المنارة يجلس باستطالة تابوتية على قفصه الصدري بكل هدوء (وكأن يد النحّات مايكل أنجلو قد رصرصته على صدر موسى) .

•-   كان مصرانه الأعور ومصرانه الغليظ خاليتان من كل أثر من بقايا طعام (كشف الطب العدلي) ... وأضاف الطبيب ... (حج محمد) لم يأكل شيئاً غير شوربة الجمعة ... منذ أكثر من ألف سنة ... !

 

اثنتان - في لغة تابوو الجيم

قرأتُ لمبدع عراقي (قاص وروائي متفلسف) حديثاً منصوصاً في مجلة موصلية محلية صدرت يوماً ما تحت ضغط الحاجة إلى استطالات في تسابيح أفياء الحرية . شعرتُ وأنا أقرأه / أقرأها أن هناك بين نسيج ثنايا الحديث تكمن قطة أليفة وهي (تقرقر) تحت منقل الفحم في يوم جمعة من أيام شتاءاتي الطفولية ، تناجي (هارونها) الذي عذّبنا بُعْدُ مسافته عن سطح دارنا ، وسلّط عليّ شيئاً من أحزان القطة المهمومة تنفث هواء زفيرها الإحباطي في (شبابيك) بيتنا ولا من مجيب ... !

وأنا أمضي أُلاعب القطة أحسبُها تظل أليفةً ، اكتشفتُ كم أنّيَ كنتُ (واهماً) ، بل بعيداً عن مركز اللحظة الآنية الماكرة ... ! اكتشفتُ (النَمِرَة) في ثنايا حديث المبدع ، ثم كان أن (أقْعتْ) النمرة متوثبةً ، حتى أيقنتُ أنّيَ في غابةٍ أو من مثل ذلك ... غابة تزمع الإبحار ، بكل فرائسها ، وطرائدها ... وبكل أشجارها ... نحو المجهول ...

ان جذور أشجار غابات (ثامر معيوف) خُلِقت كي تلتفُ فيها الساق على الساق باتجاه الفُلك المُبحر ، الذي يضج بحركة (هيتَ لَكْ) ، يسأل فيه السفّان الركّاب ان يحكوا له عن تفاصيل أبعاد المشهد الأنثوي المتشظّي ... ثم هو مرتعب ...!

وقبل ان تنفصم عند (المتفلسف) إياه عروة (تاء التأنيث الكبرى) ، مستديرةً - على وفق تنازلات تقدم الزمن - إلى تاءاتٍ صغيراتٍ ناهداتٍ ، يسافرن على متن قاطرات الألم فوق الصدر المتأوّه ، كان (القاص) يثرثر والشاعر سيد هاشم ، ويحكي في (قنطرة الجان) عن قصة المسافات القصية ، ويذكر الديار ... والأحلام ... والانشطار في القمم النامية لكلية الزراعة ... !

يقول المبدع : (... وقد وجدتُ نفسي أنني أعاني من مشكلة الانسجام والنص القصصي ... مشكلتي تكمن في التوفيق بين الذاكرة والمخيلة في كتاباتي . ولأن حجرة الذاكرة قد تضيق في لحظةٍ ما ...! لذا قررتُ أن أُحلّقَ في فضاءٍ جديدٍ ، كي ما أتحول فيه من قاص معرفي إلى قاص رؤيوي ...) .

ويُكمل (الرؤيوي) قائلاً : (... هذا ادى بي أن اقطع صلتي ، وبتعبير أدق أُقلل من لحظات اتكائي للخزين المعرفي المتواتر ... وبدلاً من استيراد الماضي أو تقليب يوميات الحاضر عمدتُ إلى إقامة واقع مقارن ... أو واقع محتمل ... كون (الأدب السابق) على وفق (زاويتي تناقضاته) لم يقدر ان يقدّم غير وجهين من أوجه العملة ، يقلبهما أمام المرآة ... فكسرتُ المرآة ، كي ما يتحول الواقع إلى محتمل . عليه صار بإمكاني أن أبتكر له اسماً جديداً هو (نص الواقعية الداخلي) .

(... الواقعية الداخلية لا تستطيع ان تقدم سوى خطاب كروي لا يسمح لنفسه أن يحدّد تجاهه أو يغيّره ، ويسمح لي - بوصفي كاتباً - أن أجاري ما يحدث لي في مدى استطعامي لحياتي كما هي ماثلة عليه في لحمي الحي ... والمفارقة هنا أنني في النص أتواصل انسانياً وأنفصل اجتماعياً .

فالقارئ لنصوصي لا يجد نفسه كما يريدها ، بل هو يتعلم أن يفعل شيئاً آخر ... هو ان يتحول إلى خلاّق ... كي ما يتحول من عاطل إلى فاعل ...) .

*****

هذه إن هي إلاّ مزية تمنح الروائي تفرداً نوعياً في الخطاب الرؤيوي ، وها هو بعد أكثر من ألف سنة يواصل ما بدأه تأريخ الروح الراديكالية ، إذ يُبرهن على عمق تجذّر نزعته التلقائية التي لا تتخاتل أمام اندياح الظلام (هو من أؤلئك القلّة الذين لا يمارسون أرجحة الجذع على إيقاع دربكة المنعطفات والمنحنيات وتلوّيات العارض والطارئ) .

يعترف الروائي (معيوف) في داخله ان من حقّه (حق الروائي الشجاع) أن يجعل لعوالمه وأجوائه كل مزايا الاستقلال النوعي وتحدّي منطق العقل (البذيء) المفرط في السذاجة والتبسيط ، الذي يتوسل توليد (مخلوقات الأنابيب) الديدانية التي ليس لها من واجب سوى تكسير الأداء الوظيفي (للعقل الجمالي) وتقعير التضاريس الطبيعية لحقيقة الحياة ، وتحويلها إلى أشكالٍ متنافرةٍ (كولاج) ، وتغيير تجاهاتها إلى خروجٍ عن سياق السرد التأملي ... وبالتالي فإن رواية (ما بعد التابوو) لا تؤدي إلاّ إلى خلق نماذج قسرية لا تصلح للحياة .

ان دراسة المعلَن وحده (رواية ما قبل التابوو) وعلى نحوٍ خاصٍ في فكر الابداع الروائي ، تظل سطحية وعقيمة ، ذلك ان تلافيف انعطافات دروب الحدث الروائي تقوم في أعمق خصائصها على المكبوت والمحجوب . حتى يمكننا ان نتخيل ان من أولويات واجبات غرس أعمدة الأسمنت في قواعد الفكر الروائي (التناص بين الذاكرة والمخيلة) هو الذي يقرأ المخبوء لا المكشوف ... وينادي عبر مايكروفون الصمت وليس الكلام .

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

بوصفي (كاتباً تفكيكياً) لتضاريس هيكلية (معيوف) ، كنت شاهداً على التأريخ ، أسجل الآتي تشطيراً :

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . .

لقد حوّلتني (حوارات ثامر معيوف) ومخيلته المزدحمة (بنون النسوة) إلى مشدوه بتلك النصّية الرائعة . دخلتُ في صلب قضيته وقد فُرض عليّ (غصباً) أن أتمنطق بسلاح علم النفس وأتربع على بساط نظرية فرويد ، وألتصق موتاً بعقدة أوديب . اضطرني الروائي (معيوف) إلى تفكيك نظرية المحاورة بين (الأنا) و (الآخر) (نوناً أو تاءً) ... لأن (الآخر) عنده وعندي هو (منّا) هو (فينا) ... والآخر هو اصبع نضعه في أفواهنا نُمَصْمِصُ به ملوحة كالسيوم حياطين الجوامع .

أؤلئك (نحن) هم / هنّ مقصد (الواقعية الداخلية) ، هروباً من انتكاسات (المتخيّل) .

هذه (الواقعية) قد تضطرنا أحياناً ، وفي حالة عوز عاطفي مدمّر أن نصطلي بقوالب لحمٍ مُقددٍ انتظاراً للحظة اقتراب من (فايروس قصور المناعة) ثم نُقفل أبواب عيوننا الملتهبة بتراخوما (تابوو الجسد) ... كي ما نزعم أننا اكتشفنا القطب الشمالي المار من تحت (خط طول) وعلى تقاطع (خطوط عرض) . كيف يا صديقي (القاص) لا تخرز مهماز الذاكرة بنهم، تريد ان تتذكر أبعاد المشهد وقد حكيت لك كيف (أحمد وأنا) تقارعت كؤوسنا النشوى في (دوماهاوس - براغ) نحتضن شعر الجواهري ، ونحكي عن الوطن وعن خطوط العرض وعن أشياء أخرى . ولكي يصح أغلب الصحيح في ما بين (المتخيّل والمحتمل) ، لابد لنا أن نبدأ القراءة من (الواقعي) سِفراً إلى (المتخيّل) عند الروائي (معيوف) . ولو مشينا الهوينا في مسألة تشظي الزمن بين تقسيماته الأزلية الثلاث ، ثم أعدنا القراءة تلاوة سريعة ، إذن كان لابد لنا - على وفق تدفق تعاريج منحنيات الذاكرة - ان نكتشف ان هناك تلاعباً بالألفاظ من مثل طقوس السحرة والحُواة ، إذ يمكن ان تجعلنا الوسائل المتاحة ان نقتنع - على وفق نظرية التشيؤ - أن (الماضي) لابد وأن (كان) (مستقبلاً) لزمن دعوناه في حينه (الحاضر) ، كون مستقبل حاضر الماضي إن هو إلاّ (ماضٍ) كان (حاضِرُهُ) يتأملُ زمناً لم يأتِ بعد اسمه (المستقبل) ... !

هذه اللعبة الأزلية في تقسيم الوقت التي اخترعها البابليون تُعدّ المدخل الأسمى (لتابوو) أشعل يوماً (الجسد) ثم أحياه مروراً بحرقة الشفتين . وتبقى ... بعد كل هذا تصرخ صفارة القطار (طوط ... طوط ...) ثم ليس هناك محطة معينة توشّي مطامحنا ... ذلك ليس سوى معاركة التأريخ والجغرافية ... فوق أسطح الزمن الغاشم ... !

ولأن (الداخلية - الجزء المتمم للواقعية) هي (الروح الباطنية) تتستّر وراءها (النفس الظاهرية) ... ولأن السفر والترحال (كليهما) - عبر الكلمة - من سمات أحداث المستقبل (القريب والبعيد) . عليه ، فإن الانتقال من (الواقعية) إلى (الاحتمالية) ، وفي مثل عمرينا ليس سوى هروب إلى أمام لم يتحقق ...!

وجُلّنا ... لا بل جُلّ المبدعين يحاولون الهرب ، لكنهم لن يهربوا / لم يهربوا قط ... فالهروب هو في حقيقته نجاح في الوصول إلى الخلاص من (الآتي) ... لكن هيهات ...!

يا صديقي المبدع (ثامر معيوف) : أنت تظل تصرّ على مستويات التجليات الطارئة في تعريفك (للرؤيوي) في الأقل فيما يخص التأريخ والمجتمع والانسان . بل آخرون ينسبونها إلى ماهية قاتمة فوق عالم الصيرورة وخارج مجرى التأريخ ، لا عمر لها ولا تشيخ وتبقى دائماً حديثة .

عندما تتكلم يا صديقي عن ماهيّة التفريق بين (المعرفي / الرؤيوي) فكأنك تتحدث عن نقاط التقاء ونقاط تقاطع لمسألة واحدة . ربّ من يردُّ عليك في أنه ليس هناك شرق ولا غرب أساساً ...! بل الأصل ، الانسان سائلاً باحثاً على صعيد الواقع الزماني / المكاني المتحوّل .

وعلى وفق تحليل أدونيس ، ان هو إلاّ انفصال بين (العقل) و (القلب) . إذ اختارت أوروبا (الغرب) العقل (وألّهتهُ) وبالغتْ في (توحيده) (أثينا / أرسطو) فوصلت إلى التقنية ، في حين اختار الشرق طريق القلب والإبداع والانخطاف والسديم ، فأرسى (الواقعَ في أفقٍ روحيّ ٍ) ... مهبط الوحي وموطن النبوات ... نقطة التقاطع ومركز التوسط بين الإبداع والتأريخ . إنه صراع بين الثابت والمتحوّل . كما أنك تعدّ المرحلة التي كانت فيها (الذاكرة) من جنس المطلقات المتوحّدة والماهيّات غير قابلة للتجزئة ، وإذ جئتَ تعترف (للمخيّلة) بالفضاء الواسع ، فكأنك تنسبُ للأولى أفكاراً ونظريات أعلنتْ إفلاسها ، وعددتَ المرحلة التي كتبتَ لنا فيها (نصوصاً وروايات) ولّدتْ عندنا (في حياتنا العامة والخاصة) فراغاً وتجويفاً يسري (على وفق قاعدة أرخميدس) باتجاه ثنايا تجاويف التأريخ الثقافي العربي فيعطبه ... بل يعطّله عن التفكير ويشلّه عن الحركة ...!

عزيزي (ثامر) : هل صحيح أن ما تطلبه (لغة تابوو السين) من أتباعها هو نفس ما تطلبه (لغة تابوو الدال) من أتباعها .. الخضوع دائماً ، والتضحية بالذات حيناً ، والقبول بتضحية الآخر غالباً . ففي (الأُضحية) تتلاقى (السين والدال) وتتمفصل (اللاهوتانية) و (السياسانية) على رأي صادق جلال العظم .

قد أرى من باب (الظن) أنك تريد (بالواقعي) (العقل المعتَقَل - السائد) وتريد (بالمتخيّل) (العقل المعتَقَل المسود) ... وفي أبسط الحالات نحزر أن العقل السائد المطلوب منك خلقه ، هو العقل الذي يقبل بعبودية الآخر وإخضاعه . وكأنك تريد (بالواقعي) هو المستساغ / المقبول ، (والمتَخيّل) هو (الرؤيوي الذي لم يصل بعد) ... لكن ذلك في أبسط تحليلاته سوف يزيد المكبوت كبتاً . فإذا كان التأريخ في الأمم الحيّة هو تأريخ (الإمكان) أي تأريخ (الإبداع)، فان تأريخ (الرؤيوي) الذي سيقع في خانة (المستقبل / المتحوّل) سيصير وعند الوصول إلى (المتحوّل) واقعاً جديداً يفتش له عن (رؤيوي احتمالي جديد) ... ! ذلك في تفسير المنطق واستطراداً ... هو الوقوع في فخّ الأزمة ... أزمة كتابة ... أزمة نص ... أزمة سلطة ... أزمة جنس من باب أولى .

 

ثلاثة - في لغة تابوو الدال

يا صديقي (ثامر معيوف) : كم تبقّى لك من جلابيب (ماضيوية) فُصّلتْ على مقاسات يافعٍ ، إنكمشتْ ، تريد استبدالها بأخرى فضفاضة أوسع ، حتى تسطيع نشرها على أسطح (الواقعية الداخلية) بعد ان تدعها تنشر ريحَها في الأرَضين كي ما تجفّ ... !

ناولني يا صديقي (معيوف) ما تبقى من (الذاكرة) القابعة تحت منقل الأخيلة (خزين المعرفة المكدسة) ، وأقسم لك بالشرف الرفيع عن الأذى ، أننا (أنت وأنا) نسطيع أن نجعلها تذوب - رغم صلابتها الظاهرة - في مياه سراديب (المخيلة المحتملة) ... التي قد تأتي ولا تأتي ... بل دعني أكرر أحمل فوانيس رمضان صبايَ الملونة ، وأنثر الرياحين على أضرحة الصالحين . ذلك يسحبني رغماً للدخول في (ضيق العبارة) ، والحصول على الرقم (صفر) في طابور (المواقف والمخاطبات) على قدر اتساع فكرة الإيمان البريئة .

تعال يا صديقي (الروائي) نخلق نحن الاثنين (واقعاً محتملاً) علّه يصمد يوما أمام تطاحن (ثلاثية التابووات) دون الرضوخ لضغوطات تراتيب مصفوفات تدميرية من مثل
(س . ج . د) أو (ج . س . د) ...!

يا صديقي (الروائي) المبدع : أهي شهوة (الركوع) أمام أساطين (الجيم / المرأة) (الدال / حج محمد) (السين / الشرطي) ، تلك التي مازالت تطفو على أسطح (مخيلتك / مخيلتنا) بين الفَيْنة والفَيْنة ، وتطلّ برأسها ... أم ماذا ؟! بل أظننا نحن جميعاً ، وعند احتدام لحظة الممارسة الحقّة (للمتخيّل المحتمل) ، نقوم نحتمي بالستائر المنسدلة ... نفتحها عن آخرها كي لا نسقط في المحرّم المتدثر بصليل سكاكين امرأة العزيز ... فكدنا ان نسقط في الامتحان العظيم ... (فتنقرُ في رأسنا الطير) ... أمِ الأبواب هي التي فَتحتْ مصاريعها على التوالي ، قبل (هَيتَ) ... وبعد (معاذ الله) ؟!!

صديقي (القاص) : كلما أزمع الإبحار في زيف أُخيلاتي المستفَزّة بتزاحم تضاد الذاكرة المؤلم ، أستذكر / أتذكر أنني لم ألعب (لعبة ثامر معيوف) في الكتابة منذ أزمنة سحيقة ... ! فأنا لم يسبق لي أن جرّبتُ أغمس ريشة قلمي داخل (الدواة) بهذه (الشهوة) ...! بالإيمان وحده أصدقك القول كم أنّيَ مارستُ جلد الذات وغرس الدبابيس (شفاهاً) في أقفية خادمات (قصر الشوق) و (السكرية) وفي أفخاذهنّ ، لا بل كم أهلكتُ سنين طوال أحاول النوم (بين القصرين) علّي أرتوي (من الأثم) ثم أقوم أغتسل في بركة ماءٍ ضحلةٍ جوار خيمة مالك بن الريب ولحين هذه اللحظة الستينية ... ! انتظاراً لولادة لحظة عشقٍ حقيقية من أجل الخلود ، يصير عندها حلم كلكامش ... مجرد مراهقة عبثية ... !

يا صديقي (القاص) المبدع : لا أخفيك حقيقة ، أن مثلينا (أنت وأنا) في هذا المنعطف من تأريخ عمرينا ، كمثل من يأتي صاحب العزاء ليقول ... هذه آخر الأحزان ...! ولأن الأحزان تهجم علينا كل يوم ، وعقب كل لحظة انسفاح حمّى ظلامية قاهرة نمارسها على تخوت الحالمين التي تستهلك التأريخ بدقائق ثلاث معدودات ... فإن آخرها (الأحزان) هو مجرد الدعاء لصاحب العزاء إما بالهرب من الموت (إلى الدقائق الثلاث) ... أو الهرب من العزاء (إلى التابووات الثلاث) كي ما تلتصق فينا (أنت وأنا) مصداقية الدعاء ... أو تدمّرنا مصداقية الموت ... في الأقل في (المخيّلة المحتملة) ... لا الواقعية ...!

يا صديقي (الروائي) : لا أريد أن أذكرك ما قاله (ماركيز) في (حب في زمن الكوليرا) وهو يعالج أزمة بطلته (داثا) ... المرأة التي ظلت أربعة أخماس عمرها (مطارَدة) تحاول التخلص من قدرها ... (... لا مناص ... فإن رائحة اللوز المقلي تطنُّ كل يوم في " رأس الذاكرة " وتُذكّرنا جميعاً ... بالمغامرات غير المكتملة ... واللّذات الناقصة ... من هنا كان لابد أن يأتي الألم ... !!! ) .

وختامها ... دُمتَ قلماً يكتب ... ومركباً يريد ان يُبحر ... وجسداً لمّا يرتوي بعد .

* * * * *

 

الموصــل في

12 - 12 - 2007

 

د.معن عبد القادر آل زكريا

الموت اشكالية لا تنتهي

التفاصيل
كتب بواسطة: د.السباعي عبد الرءوف وهبة
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 08 أبريل 2006
الزيارات: 10

الموت ... اشكالية لا تنتهي

الملك حسين مات سنة 1984 ثم عاد للحياة

كيف اعتذر هتلر عما ارتكبه بعد وفاته ب 15 عاما

الانسان عدوما يجهل ولا يوجد شيء يجهله الانسان ويخشاه اكثر مما يخشي الموت فلا احد حتي الان يعلم ماالذي يحدث بعد الموت

ولم يستطع احد ممن ماتوا ان يخبرنا بما لقاه هناك

وتعريف الموت هوحالة توقف الكائنات (الحية) نهائيا عن النمو والنشاطات الوظيفية الحيوية (مثل التنفس و الأكل والشرب والتفكر والحركة والخ) ولا يمكن للأجساد الميتة أن ترجع لمزاولة النشاطات والوظائف الآنفة الذكر.

اما وصف مشاعر الانسان وهو يواجه الموت فمتباينه فمنهم من لا يستطيع ان عبر عما يعانيه ومنهم من يحاول وصف حالته بكلمات لن توضح حقيقة ما يعانيه ولكنها علي الاقل تقرب ذلك الوصف ولعل اشهر من وصف حالته عند الموت عمرو بن العاص الذي حاول ان يخبر ابنه

بحالته وهو يصارع الموت قائلا"يا بني, والله كأن جبال الدنيا على صدري , وكأني أتنفس من ثقب الإبر"

وحينما طلب عمر بن الخطاب من كعب الاحبار ان يصف له الموت قال"يا أمير المؤمنين , ما مثل الموت إلا كرجل ضُرب بغصن من شوك من سدر أو طلح فوقعت كل شوكة في عرق , فسحب الغصن فانسحب معها كل عرق في الجسم"

يتضح من الوصف الذي وصفه الاولون مدي صعوبة والم الموت والذي لو لم يكن له الم الا فراق ما اعتدنا عليه وتعاملنا مع عالم جديد غامض ومجهول لكفي به خطرا وكفي به شيئا مؤلما ومقلقا

وكل الحضارات حاولت حل تلك المعضله والبحث عن سبل استكشاف ما بعد الموت وكان لكل حضارة فكر خاص بها في نظرتها لما بعد الموت قد يتشابه وقد يختلف

فقدماء المصريين

يؤمنون ايمانا راسخا بالحياة بعد الموت.اعتقدوا ان الطفل عند بدء خلقة علي عجلة صانع الاواني الفخارية علي يد الاله خنوم يخلق معة قرين.وهذا القرين يشبه تماما جسد ذلك الطفل بكل تفاصيله ومن ثم تكون له جميع مطالب الجسد ونزعاتة. وذلك القرين الذي اطلق علية اسم "كا" موضعة القلب. وبعد الوفاة ينفصل هذا القرين "كا" عن الجسد ولكنة لا يغادر المقبرة حتي يكون قريبا من ذلك الجسد الذي امضي فيه عمرة. ولهذا يظل في حاجه الي كل ما كان يحتاج اليه الجسد فس حياتة من طعام وشراب وملبس وعطور وظل يقيه لفحة الشمس، بل وربما يحتاج الي قرين خادم. ولهذا توضع كل تلك الاشياء في قبرة لتكون جاهزة للاستخدام اما اليونانيون والرومانيون فكان عندهم نفس الفلسفة عن الحياة بعد الموت وايمان مطلق بوجود تلك الحياة الاخري ولكن لم تكن هناك فلسفه واضحه مثل الفلسفات التي جاءت بها الاديان سواء المسيحية او اليهودية او الاسلام

وهناك بعض الاشخاص عادوا للحياة بعد الموت

وقد روت كريستين إلينجام، وهي إحدى العائدين من العالم الآخر ما شاهدته حين كانت على وشك الموت أثناء إجرائها عملية ولادة قيصرية فقالت إنها ظلت طوال الوقت على دراية كاملة بأنها ترقد على طاولة الجراحة بجسدها، أما روحها فقد كانت محلقة في ركن الغرفة

ثم شعرت بهدوء تام بينما تحيط بها هالة من الضوء حتى لم تعد قادرة على رؤية جسدها، وعندئذ شعرت بأنها تندفع إلى الأمام في بحر الضوء، أو أن الضوء هو الذي يسبح إلى الخلف على جسدها

وبعد برهة قصيرة أحست أن والدها الذي توفي قبل أربع سنوات يحملها كطفلة صغيرة، وأخبرها أن طفلها يحتاج إليها.

فرجعت الي الحياة لتروي لنا تجربتها وهناك تجربة اخري حدثت قبل ثلاثين سنة كان السيد »مالدواين ريلاند« الذي يبلغ اليوم الثامنة والاربعين من العمر يعاني من مرض معوي مزمن وأدخل للمستشفى لتجرى له عملية جراحية اعتيادية. غير أن مالدواين الذي كان يعمل كهربائيا في احدى مستشفيات ويلز تأزمت حالته أثناء العملية وأصيب بتسمم في الدم وانهارت رئته وتم اخبار زوجته كاثلين بأنه من المحتمل ان يموت.

ويقول مالدواين: لقد كنت أرقد في العناية المركزة عندما شعرت فجأة بأنني في نفق فضي وعندما تحولت وعدت للخلف شاهدت نفسي اني في حالة فقدان للوعي أرقد على السرير ويحيط بي الفريق الطبي الذي كان يتحرك بسرعة، ومن مكاني الذي أرقد فيه كان باستطاعتي رؤية كل شيء يقومون به وكنت انظر الى الاضوية المشتعلة التي تضيء المعدات التي تحيط بجسدي لقد كنت أشعر بهدوء وطمأنينة بحيث اني لم أكن أرغب في الاستمرار ولكن الشيء الثاني الذي تذكرته انني أفيق في اليوم التالي وأنا على سريري.ويقول »مالدواين« لقد أخبروني بأني كنت فاقدا للوعي تماما ولكني وصفت لهم كل شيء كانوا يفعلونه ولاحظت انهم صعقوا بما كنت أرويه من تفاصيل ويقول مالدواين ان تجربة العودة من الموت جعلته أكثر قدرة على التماشي مع حالته المرضية

السيدة كارول مان وهي كاتبة مسرحية وشاعرة من بريطانيا فقد مرت بتلك التجربة وتستذكر كارول مان الحالة بشكل جيد حيث تقول: لقد دخلت في مكان في غاية الجمال بحيث لا أستطيع أن أصدق الروعة التي عليها رغم عدم وجود شمس، لقد كان الوقت خلال فترة أعياد الميلاد ولكن في هذا المكان شعرت بأنه فصل الربيع.

وأعتقدت بأنه ينبغي علي أن أدرك في أي مكان أنا وتساءلت هل بإمكاني مشاهدة والدتي الميتة .. وبعد ذلك دخلت في غرفة حيث كان يوجد كرسي وشاشة كبيرة جدا جدا وهناك صور على هذه الشاشة يظهر بها أشخاص يسيرون عبر الجسر.

وتضيف كارول: وعلى حين غرة شاهدت والدتي كانت بين هؤلاء الناس امرأة صغيرة لايتجاوز طولها الخمسة أقدام، لكني لم أرها لأنها كانت بعيدة عني، لقد كانت ترتدي وشاح شيفون قرمزي وتبدو جميلة حقا، ومن ثم ابتسمت لي واختفت في الزحمة وذهبت.

وتقول كارول: حينما خرجت من الغرفة شاهدت رجلا لم أستطع تشخيصه وسألته هل بامكاني البقاء لكنه أخبرني بأنه يتوجب عليّ العودة الى أبني »أيان« الذي كان عمره »9« سنوات وكذلك الى زوجي مارتن ثم أضاف أن زوجي »مارتن« لن يعمر طويلا وذلك أدهشني حقا لأن زوجي كان يتمتع بصحة جيدة.

وتقول كارول: بعد ذلك عبرت جسرا فضيا ومن ثم شعرت بأني أعود الى جسدي حيث أفقت من الصدمة، ثم جلست كارول وتفاجأت بأنها لم تشعر بالوهن أو المرض، وبعد ذلك نظرت حولها في الغرفة التي كانت موجودة بها وشاهدت حقيبة اليد الخاصة بأمها التي جلبتها من المستشفى في ذلك اليوم.. وعندما فتحت الحقيبة عثرت على ايشارب الشيفون القرمزي اللون الذي شاهدت أمها ترتديه عندما فقدت الوعي، وتقول كارول: لم أر هذا الايشارب من قبل، ويبدو انه عندما عرفت »وعلى نحو مؤكد« انه كان الايشارب الذي شاهدته شعرت بانها كانت تبعث لي برسالة عرفت من خلالها انها على ما يرام.

ولسوء الحظ ان النبوءة التي سمعتها كارول أصبحت حقيقة فبعد وقت ليس بطويل من عودة كارول من غيبوبة الموت، تدهورت حالة زوجها مارتن الصحية إثر اصابته بسرطان الرئة وتوفى بعد سنتين لم يكن عمر مارتن سوى »51« عاما، ومع ذلك كانت كارول تشعر بالامتنان من أنها قد حذرت من الامر الذي سيقع لانها تهيأت نفسيا للتعامل مع موت زوجه

ومن اشهر الذين عادوا للحياة بعد الموت الملك حسين وتروي الملكة نور زوجته ما حدث قائلة:في عام 1984 كنت في العقبة مع ضيوف رسميين ينتظرون الملك حسين للانضمام إلينا من عمان، وفجأة تلقيت مكالمة تليفونية تخبرني أن زوجي حسين في حالة صحية حرجة للغاية.. وفي لحظات طرت عائدة إلي عمان لأجد زوجي قد نزف كثيرا وعلمت أنه كان يسير من الديوان إلي الندوة مع شقيقه الأمير حسن عندما بدأ ينزف من الأنف.. وأخذ النزيف في الازدياد بسرعة.. بعدها وصل طبيبه الخاص.. كان زوجي شاحب الوجه.. لونه يشبه لون الطباشير الأبيض.. فقد وعيه وتوقف نبضه.. أحسسنا جميعا أنه قاب قوسين أو أدني من الموت.. وفجأة استعاد نبضه ووعيه بعد اجراء نقل دم له.. وعندما أفاق من غيبوبته أخبرني بأنه لم يشعر بأي ألم أو خوف أو قلق.. وأنه كان في روح حرة.. يطفو فوق جسده.. وقال الملك الراحل حسين: 'لقد رأي نورا مشرقا وشعر بالهدوء وأدرك بأنه يرحل.. لكنه ظل يحدث نفسه.. وبالمساعدة الطبية العاجلة التي تلقاها عاد إلي الحياة، استطاع الأطباء وقف النزيف نهائيا فلم تعد إليه هذه الحالة مرة أخري'

ولعل المصري الوحيد الذي نعلم قصته وقصة عودته بعد الموت

نادروهو. شاب في العشرينيات من عمره.. من أسرة ميسورة الحال.. قال: 'وقع لي حادث سيارة.. انقلبت بي علي طريق الأوتوستراد.. وفي أثناء انقلابها أحسست أنني لم أكن في السيارة أو بمعني آخر كنت موجودا وليس موجودا.. انه إحساس يصعب شرحه.. وقتها تذكرت كل شيء بالتفصيل وبكل دقة.. وذلك منذ ولادتي حتي لحظة وقوع الحادث.. رأيت جميع الأشخاص الذين أعرفهم.. حتي من رأيته مرة أو مرتين.. كذلك جميع الأحداث المهمة وغير المهمة منذ أن كان عمري عام ونصف.. مرت أمامي وكأنها شريط سينمائي لعدة ثوان.. وعندما خرجت من السيارة وأنا بكامل وعيي.. أحسست وقتها أنه يوجد هناك من يحميني.

اماكمال وهوشاب فلسطيني فبعد أن صدمته سيارة علي الطريق تم نقله إلي المستشفي وأجريت له عملية جراحية.. بقي في المستشفي لمدة شهر.. وفي أثناء ذلك ظل في غيبوبة كاملة.. لكن المشكلة كانت أن الطبيب الذي أجري له العملية لم ينظف الجرح جيدا.. فانتشرت الغرغرينة في جسده كله حتي وصلت إلي الحجاب الحاجز.. هناك نقله شقيقه إلي مستشفي الجامعة وأجريت له جراحة في نفس الليلة لمدة عشر ساعات.. بعدها قص كمال تجربته مع الاقتراب من الموت فقال: 'في لحظة رأيت نفسي أترك جسدي وأحلق في سقف الغرفة.. رأيت الأطباء يصدموني بالصدمات الكهربائية ورأيت صديق أخي يبكي وهو يحتضنه خارج الغرفة.. فقال له أخي لن يموت.. لا تبكي.. وبدأ يصلي من أجلي.. وجاء أصدقاؤه يعزونه فيٌ.. ورأيت صديق أخي يدخل عليٌ ووضع صورة الخضر عليه السلام أحضرها من كنيسة المهد التي كان يخدم فيها فوقي.. وفي نفس اللحظة عدت إلي جسدي وبدأت أشعر بالآلام.

يبدو من القصص السابقة ان الروح تحلق في الاعلي حينما تذهب وتنطلق الي السماوات العلا وتبقي بعيدة عن الجسد ثم ترتد اليه اذا اراد الله ذلك

ويؤكد ذلك الشاب السعودي طارق الذي اصطدمت سيارته علي طريق الاسفلت ودل مرحلة ما بعد الموت ثم عاد فيقول"..

.. شعرت أني طويل القامة جدا.. خفيف الوزن.. مسلوب الإرادة، رأيت كل ما حدث لي منذ الولادة كأني أراقبه.. بعدها اختفي كل شيء.. كنت أمشي، لكن الخطوة بعشر خطوات، عندما أنظر يميني ويساري أري أشخاصا بعضهم يراقبني والآخر كأنه ينتظر مني شيئا وبعضهم ينظر إلي الآخر.. رأيت أشخاصا كنت قد آذيتهم ينظرون إليٌ وكأنهم يريدون الانتقام مني.. خفت أشد الخوف دون أن يدق قلبي وشعرت أن جسدي أصبح باردا جدا.. وأحسست بعد ذلك أني أسقط من فوق جبل مرتفع جدا لم أشعر بالارتطام.. كان كل شيء مظلم شعرت بعدها بجسدي فوقفت.. ترنحت يمينا ويسارا.. سقطت علي الأرض وكانت باردة جدا ثم رأيت نورا ووجه رجل ينظر إليٌ ثم هرب.. فجأة استيقظت ووجدت نفسي عاريا داخل ثلاجة موتي.. علمت بعد ذلك أنني مت حوالي 13 ساعة.. وقد أدهشتني مسألة الوقت كثيرا.. فلقد شعرت أن حادث السيارة مر عليها حوالي 15 دقيقة

ولعل تلك القصص التي ذكرتها تؤكد ان روح الانسان تبقي في السماء محلقه وموجودة ولا تفني

ولعل التجربة التي حدثت مع فريدريك يورجنسون اكبر دليل علي ذلك حيث انه اشترى جهاز تسجيل ليسجل عليه خواطره وافكاره ووضع الجهازفي حالة استعداد وبدأ يسجل افكاره عليه وحينما عاد ليستمع لافكاره وجد اصوات اري تظهر مع صوته وتشوش عليه فظن ان الشريط الذي يسجل عليه تالفا

فغير الشريط ولكنه وجد الاصوات تتداخل ثانية كررالامر مرات عديدة بلا فائدة ظلت الاصوات تشوش علي صوته حتي انه سمع اغنيه تردد"اننا احياء"

فاصاب يورجنسون الفزع وذهب به الي محل اصلاح الادوات الكهربائية وانتشر خبر تلك الظاهرة وتدفق الباحثون الي منزله وفحصوه بعناية ثم راقبوا عمليه التسجيل ولم يكتشفوا اي خدعه وفي احد الايام وفي حضور عشرة شهود سجل الشريط اصواتا حاده عنيفه بلغه اجنبيه فصاح احد الفنيين الالمان

الذي كان يجلس الي جوار الجهاز "هذا هو هتلر"

وبالفعل جرت مضاهاة للصوت مع تسجيل بصوت هتلر كان موجودا في احدي محطات الاذاعه فجاءت المطابقه كاملة الطريف ان هتلر كان يعتذر في رسالته عبر جهاز التسجيل عن الفظائع التي ارتكبها في الحرب العالمية الثانية

ومن تلك الواقعه الحقيقية المؤكده يظهر لنا اننا بعد الموت مباشرة نحلق في الفضاء ولكن ما الذي يحدث بعد ذلك

فلم نتمكن بعد من الاطلاع عليه

د.السباعي عبد الرءوف السباعي

طنطا

عولمة الإعلام

التفاصيل
كتب بواسطة: رفعت توفيق شميس
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 28 يناير 2006
الزيارات: 9

عولمة الإعلام
-----------------------
بقلم : رفعت شميس*
وأنا أعد لهذا البحث راودتني تساؤلات كثيرة  : هل يجب علينا أن ندفع ضريبة الحضارة ..؟ ولمن ..؟  وماذا نحن استفدنا ..؟ .
ماذا تحقق للعرب من تحول الكرة الأرضية إلى ما يشبه القرية الكبيرة مع ثورة المعلوماتية ...؟ وما هو موقفنا اتجاه العولمة ...؟ هل نغلق أبوابنا في وجه السيل الجارف عسى أن تستطيع هذه الأبواب الصمود  ...؟. هل نأخذ من ذاك السيل ما يتوافق وفكرنا ... وندع غير ذلك ، هل نحن في حالة توحد بأفكارنا ...؟ هل نواجه ونعلنها حرباً ... هل نستكين ونرضخ فنقبل بذلك أن نتقولب وفق المقاسات الغربية والأمريكية .. ؟  تساؤلات كثيرة وقفت عندها في محاولة لوضع تصور عن إجابات محتملة ، ووجدت أن ما أراه يختلف عن رؤية الآخر وذاك الآخر ربما يختلف معي أو يوافقني ، وذلك تبعاً لظرف الحالة وللموروث الفردي من عقائد ومعتقدات وأفكار  ، وأنا على يقين لو أن هذه التساؤلات طرحت على المستوى العربي لوصلتنا إجابات كثيرة متوافقة ومتناقضة ، متشابهة ومختلفة ... وتستمر الدوامة ، إلا أن الموقف العربي من العولمة وما فيه من تناقض لا يختلف عن الموقف الغربي وإن كان الأخير أكثر انفتاحاً ، وكمثال عن موقف الغرب نأخذ مثلاً حديث  ( أولريش باك ) ، يقول : (( وصل الجدل حول العولمة متأخّراً إلى بلادنا ، وهزّ فيها الرأي العام ، فالحديث يدور في بريطانيا مثلاً منذ عشر سنوات حول كلمة العولمة ( G-Word  ) ، عبر كل الأحزاب السياسية بمشاركة علماء الاقتصاد والاجتماع والعلوم السياسية والتاريخ بحيوية وبصورة مثمرة ، وكانت صدمة العولمة في ألمانيا كبيرة )).
          لماذا الجدل ولماذا الصدمة ولماذا هذا التخوف من العولمة ، بداية لنلقي الضوء على هذا المفهوم :
          إن لفظة " العولمة " تعود في جذورها “إلى الكلمة الإنجليزية "Global" بمعنى عالمي أو دولي  أو ربما كروي ، وهناك مصطلح ظهر إثر ثورة المعلوماتية هو القرية العالمية (Global village) أي العالم عبارة عن قرية كبيرة واحدة.
        ويرى كثيرون أن العولمة حرب استُبدل فيها المدفع والطائرة والقنبلة، بالكلمات والمصطلحات والوسائل الحديثة، وترفع شعارات براقة مثل شعارات حقوق الإنسان وعبارات الأعراف الدولية.
      ومن اللافت أنه لا اتفاق بين الباحثين والمحللين حول تحديد بداية زمنية لظاهرة العولمة إلا أن الشائع هو أنها ظاهرة قديمة ذات مصطلح جديد وذات تجليات جديدة أدت الثورة المعلوماتية إلى شيوعها ،وهناك  من الباحثين من يقول إنها تعود إلى القرن الخامس عشر ثم تطورت مع التقدم التكنولوجي وصولاً إلى هذا العصر.
         ومن خلال التعريفات الكثيرة للعولمة يمكن التعرف على أربعة أنماط مختلفة هي : أ ـ نمط يرى في العولمة حقبة محددة من التاريخ أكثر منها ظاهرة اجتماعية أو إطاراً نظرياً.
 ب ـ نمط يرى في العولمة مجموعة ظواهر اقتصادية تتضمن تحرير الأسواق وخاصة القطاع العام، وانسحاب الدولة من أداء بعض مهامها ووظائفها الاقتصادية.
 ج ـ نمط يرى في العولمة ثورة تكنولوجية واجتماعية وشكل جديد من أشكال النشاط .
ومن المفيد أن نذكر أن مصطلح العولمة في إطلالته الأولى على الساحة العالمية كان لهدف اقتصادي بحت ، وكان يعني أن يتحول العالم إلى سوق واحدة لمنتجين معينين وبرأسمال عالمي ، فتنشط الشركات الغربية في العمل على إلغاء الحدود الجمركية ، وبهذا تزداد الفجوة اتساعاً ما بين أغنياء العالم وفقرائه ، خلافاً للعدل وتساوي الفرص بين كافّة البشر ، إذ أن ثلاثة أرباع العالم هم في الدول النامية ، وهم يحصلون على 16% فقط من دخل العالم ، ويحصل في المقابل 30% من باقي السكان وهم في الدول الغربية على 85% من الدخل )).
أما اليوم فلم يعد الهدف اقتصادياً فحسب بل غدا هدفاً سياسياً أيضاً ، ولا عجب أن نرى على الساحة العالمية معركة غير متكافئة ، لا تستخدم فيها الأسلحة النارية المعهودة ، إنما هي حرب الكلمات ، أو لنقل الحرب الإعلامية ، ومن هنا غدا الإعلام وسيلة العولمة لتحقيق المآرب الذي يطمح إليها دعاة العالم الجديد أو النظام العالمي الجديد .
       وهنا يلح هذا السؤال : هل إعلامنا مدرك لأهمية ذاته ، وهل هو بالقوة التي يمكن استخدامها ..؟
نحن  - بلا شك – نعيش عصراً مختلفاً كل الاختلاف عن كل العصور التي عاشها أسلافنا وما من عصر شهد متغيرات متلاحقة في فترة زمنية قصيرة نسبياً  وعلى مستويات عديدة كعصرنا هذا ، ولعل أهم أسباب تسارع المتغيرات هو هذا التطور الهائل في أنظمة الاتصال والتواصل ، فغدا الإعلام أكثر أهمية من أي وقت مضى وتحول لدى البعض إلى غاية أكثر منه وسيلة .
ونحن ندرك أن الإعلام بوصفه وسيلة للإفصاح والتعبير ونقل الأخبار والأفكار والتواصل يشكل خطراً عندما يجتاز الحدود بلا جواز سفر أو تأشيرة دخول فهو خارق للحواجز بل وخارق للعقول ... ولطالما استخدم كأداة في الغزو الثقافي ومطية للعولمة التي هي مثار حديث العصر ... فما الذي يجعل الإعلام أداة اختراق ويخرجه عن هدفه الذي وجد من أجله ، ألا وهو نقل المعلومة أو الخبر الصحيح .
لقد ولد الإعلام قبل ولادة الإنسان وقد مارسته منذ ملايين السنين الحيوانات والحشرات وحتى النباتات وكثير من الكائنات الحية ، فالنملة التي تكتشف مصادفة قطعة من السكر تقوم بفرز رائحة خاصة ، إنها رسالة يستشعرها النمل فيأتي إلى اللقية بأرتال وفق نظام معين ، ومن الأشجار ما يشعر بخطر فيرسل إشارات كيميائية خاصة كتنبيه لأشجار أخرى ... وليست تلك الرسائل سوى شكل من أشكال الإعلام ، ويستطيع أي كائن أن يقوم بدور الإعلامي بحياته وبعد فنائه ، فالآثار الخالدة التي يجهد علماء الآثار في فهم تكوينها وتاريخها ورموزها هي أسلوب إعلامي ، والإشارات التي توضع على الطرق العامة ما هي سوى لغة صامتة يفهمها المعنيون فعندما نرى سهماً منحياً باتجاه اليمين مثلاً فكأنما هناك شخصاً يعلمنا أن منعطفاً باتجاه اليمين أمامنا وقد نابت تلك الإشارة عن الشخص الذي ننتظر منه إخبارنا بما يتوجب علينا فعله ، ونحن نعلم أن إشارات الطرق هي مصطلحات عالمية متفق عليها ، وبالتاي فإن تلك اللغة الصامتة لا تحتاج إلى مترجم ، وهي شكل من أشكال الإعلام ، وإني أذهب إلى أبعد ذلك عندما أعتبر أن قصيدة شاعر ما هي حالة إعلامية فمن خلالها وإذا ما تمتعتُ بملكة الرؤية النقدية أستطيع أن أعرف الكثير عن الشاعر وحالته النفسية عندما كتب قصيدته وأعرف بعض المعلومات عن ظروفه وبيئته ، ولعل كلمة معلومات التي هي جمع لمعلومة ما كانت لتكون لولا الجذر اللغوي ( علم ) ... وما من أحد ليعلم دونما إعلام ، إذا الأدب إعلام ، الفلسفة إعلام ، الفن وسيلة إعلامية قوية جداً إذ أننا نستطيع من خلال الفن بكل ضروبه وأنواعه أن نكون أفكاراً كثيرة وهذه الأفكار هي معلومات ... فكل ضروب المعرفة هي حالات إعلامية لأن المعرفة من العلم وما كانت لتكون علماً لو لم تصل إلينا وعملية التوصيل هي حالة إعلامية ، فالمعرفة إعلام ، ولهذا يمكن القول أن كل حركة أو إشارة أو رمز أو كود وشفرة أو جمود وسكون في أثر خالد كل ذلك حالات إعلامية .
علينا أن نبين العناصر التي تكون المفهوم الإعلامي وهي :
 أ – المرسل . ب – المتلقي . ج – وسيلة الإرسال .
المرسل : أو لنقل العنصر البشري الذي يود أن يعلم عن حالة ما ... ما هو ولماذا يتجشم عناء صناعة الكلمة ...؟.
لا شك أن المرسل لا يقوم بعمله إلا إذا أراد أن يحقق هدفاً معينا ، إذا ً الهدف عنصر جديد يدخل في مكونات المفهوم الإعلامي ، وقد يكون الهدف لغاية تحقيق المنفعة المادية أو المعنوية ، وأحياناً كثيرة لتحقيق مآرب سياسية أو اقتصادية ، ومهما تعددت الأهداف يبقى المتلقي هو الهدف الأساسي من الإعلام ، إذ لا فائدة من وجود محطة إذاعية في جزيرة نائية لا يسكنها البشر ... فلا إعلام بلا متلقي ... فمن هو هذا المتلقي : إنه ببساطة تلك الشريحة الواسعة من الجمهور على اختلاف الانتماء والعقيدة والمواطنة ... والذي غالباً ما يكون الضحية في الإعلام الذي تسيطر عليه قوى غاشمة تمتلك مقومات السيطرة ... إذا لدينا أكثر من شكل للإعلام ، إعلام موجه لغايات الهيمنة ، وإعلام موجه لغايات إنسانية حافظت على رسالة الإعلام الحقيقية ... فمتى يصبح الإعلام خطراً على المتلقي ، وما الذي ساعد في جعله أشبه بالقنبلة الموقوتة ...؟
أعتقد أن هناك عدة عوامل تضافرت لتجعل من الإعلام أداة تدمير ، تضاف إلى أدوات التدمير التي امتلكتها بشكل أو بآخر دول نصفها بالعظمى لأنها امتلكت – على حساب ضعفنا – ناصية القوة ... فكيف تحول الإعلام عن غايته الأساسية :
أولاً : هيمنة الدول الرأسمالية على الإعلام من خلال :
     - قدرتها على شراء المحطات الأرضية والفضائية وحتي إطلاق أقمار اصطناعية خاصة بها  .. ونحن نعلم أن إنشاء محطة إذاعية أو تلفازية أمر مكلف ، وتحتاج المحطة إلى تمويل مستمر بعد إنشائها ، وقد لا تكفي عائدات الدعاية والإعلان .
 - استخدام وسائل الإعلام للاختراق والغزو الثقافي ، ومحاولة تعطيل العقل العربي وإخراجه من دائرة التفكير بقضاياه التي ناضل ويناضل من أجلها ، وكلنا يعلم  بعد انتشار ما يسمى بالصحن اللاقط كم هي كثيرة المحطات المجانية التي  من شأنها أن تسيطر على عقول الضعفاء ..
       ويدخل في نطاق عولمة الإعلام ما يسمى بعولمة الأخبار، حيث تصبح بعض المحطات التلفازية كـ CNN مصدر الأخبار في كثير من مناطق العالم ، وهناك الكثير من الشعوب التي فقدت الثقة بإعلامها ، وكلنا يعرف كم حظيت إذاعات معينة بثقة المتلقي كـإذاعة لندن ومنتكارلو وصوت العرب من أمريكا وعدد من المحطات الفضائية الإخبارية.
ويستخدم  مؤيدو العولمة من إعلاميين وغيرهم  وسائل شتى لنشر وتعميم أفكارهم وهناك الكثير من الوسائل في أسلوب التوصيل ولا يخفى على أحد أثر الخبر الكاذب والإشاعة في توجيه السلوك ، وتلعب الدعاية والتصميم واستخدام تقنيات الحاسب الآلي الدور الأكبر في هذا المضمار ، إلى جانب أثر الخبر العاجل وسرعة نقل الأخبار (السبق الصحفي ) وما يترتب عن ذلك من نتائج ، ويحاول أصحاب الشأن في الجهات المهيمنة على الدوام إيجاد السبل لتحقيق أهدافهم ولا سيما التدريب الجيد للكوادر الإعلامية وقولبتها بالشكل الذي تريده .... وبالمقابل كثيراً ما استخدمت وسائل الإعلام من قبل الحركات الأصولية والانفصالية ومن قيل حركات التحرر كوسيلة للتوصيل للتاثير بالجماهير وكسب تعاطفها من جهة ولترهيب القوى المهيمنة لتعترف بحقوق تلك الجهات ، إلا أن استخدامها هذا يبقى في حدود ضيقة لعدم امتلاكها القدرة على التوصيل بالشكل الذي تتمناه ، وهذا يقودنا إلى :  إشكالية التوصيل في الإعلام العربي 0
إن الإعلام العربي ومنذ أن شهد العالم ثورته المعلوماتية يعاني جملة من الأسباب التي جعلته ضعيفاً في مواجهة الإعلام المهيمن ناهيك عن أن الكثيرمن المحطات الفضائية العربية وللأسف هي قنوات سطحية ورخيصة ، وفيما يعلق بالمحطات الجادة فإن جملة من العوائق تقف في طريقها ومن تلك المعوقات :
1 – نقص في التمويل ، بمعنى آخر عدم القدرة على إنشاء محطات فضائية منافسة ، وقد يستغرب البعض أن تكون الناحية المادية سبباً في ضعف الإعلام العربي ونحن نمتلك الكثير من الموارد ، إلا أنه ومن المخجل حقاً أن نقول : إن موارد الوطن العربي يتم الاستفادة منها في نواح أخرى على حساب الناحية الإعلامية ، إذ أننا لم نستطع بعد أن نعرف أهمية الإعلام في معركتنا بل في صراعنا من أجل المحافظة على هويتنا ، ولهدف التذكير كلنا سمع وشاهد على التلفاز ما فعلته أمريكا في العراق من قصف لمكاتب الإعلاميين ، وما فعلته إسرائيل في لبنان عندما تعرضت قاذفاتها لمحطة المنار وإذاعة النور، وما كانوا ليفعلوا لولا إدراكهم لأهمية الإعلام في توجيه السلوك .
2 – عدم وجود اتفاق عربي عربي على النهوض بمحطات أو محطة إعلامية عربية مشتركة قادرة على صد الهجمات الإعلامية المعادية ، ولعل سبب ذلك يرجع لعدم وجود تفاهم عربي عربي في كثير من القضايا الأخرى ، مثلاً : قضية التطبيع ، هناك مواقف متباينة ، قضية الإرهاب والمقاومة ، فما زالت بعض الأنظمة العربية تسمي المقاومة إرهاباً ، وبعض آخر يعتبر الإرهاب مقاومة ... ومن المؤسف ألا يعي الكثير مفهوم الإرهاب وثقافة المقاومة ... ففي الوقت الذي كانت فيه بعض الفصائل الإسرائيلية  تمطر بحممها على مدن لبنان ، كانت فصائل إسرائيلية أخرى تحتسي الشاي في ضيافة عربية أصيلة ... وفي الوقت الذي خرجت فيه غالبية الجماهير العربية تهتف باسم المقاومة كان هناك من العرب من وصف المقاومين بالمغامرين الذين عليهم وحدهم أن يتحملوا مسؤولية مغامراتهم ... ونحن لسنا بصدد تقييم المواقف ولكن أردنا الإشارة إلى عدم وجود الاتفاق العربي العربي حول قضايا مصيرية .
3 – ما يتعلق بحرية الصحافة : ليس عجيباً في بعض البلدان العربية أن تنال السلطات الحاكمة من حرية الصحافة وأن تفرض قيوداً على الخبر الصحفي فهناك مسوغاتها مثل :  – الخوف على النظام –الخوف من الشارع وثورته –أسباب أمنية تمنع أحيانا نشر الخبر الصحفي ( أمن البلد – أمن أفراد مهيمنين – أمن النظام ) ... وعندما أقول ليس عجيباً هذا الحظر فلأن أكثر الدول الغربية ادعاءً للديمقراطية تفرض القيود الآنفة الذكر على الصحافة في بلدانها بل وتتعدى ذلك لتفرض هذه القيود في بلدان احتلتها بالقوة كما فعلت أمريكا في حربها على العراق حيث أنها أنشأت محطتها الإذاعية الخاصة ، ووجهت المحطات الأخرى لتنطق بما تريده هي وإلا سيكون مصير إعلامييها الإغتيال أوالسجن أو الملاحقة .
4 – ويمكن أن نضيف سبباً آخر في ضعف الإعلام العربي ألا وهو الضعف في الكوادر الإعلامية ، وهذا الضعف لم ينتج دائما عن نقص الخبرة والكفاءة وإنما الأسباب السابقة هي التي أوجدت هذا السبب .
5 -  عدم القدرة على مواكبة الحدث لحظة وقوعه ، بل قليلة هي المحطات الإذاعية والتلفازية التي لديها مراسلون منتشرون في أنحاء مختلفة من العالم ، ونحن نعلم أن ( البث المباشر ) لا سيما أثناء الحروب له تأثير أكبر على المتلقي من الخبر المسجل 0
6 – غياب  النقد الإعلامي البناء ، ونادراً ما تسمح بعض المحطات الإذاعية والتلفازية ببث ما يردها من انتقادات .
وعلينا أن نعترف بأن عولمة الإعلام هي سمة رئيسية من سمات العصر نتيجة ذلك التطور لوسائل الإعلام والاتصال، إن قدرات وسائل الإعلام والمعلومات على تجاوز الحدود السياسية والثقافية بين المجتمعات بفضل ما تقدمه التكنولوجيا الحديثة هي قدرات أمريكية ليس لأننا في عصر سيادة القطب الواحد وحسب بل لأن الهيمنة الأمريكية تتحكم بالثورة المعلوماتية ،  وعلى سبيل المثال يمكن القول إن المواد الأولية لصناعة الإعلام السريع من تجهيزات تقنية وبرامج إلكترونية وشبكات هي أمريكية قبل أن تنتجها أية دولة أخرى ، فالإنترنت  مثلاً وهو أهم وسائل الاتصال والتواصل السريع أمريكي الصنع  ، مصادر المعلومات أمريكية المصدر ، أبراج التجسس العالمي أمريكية .
وعودة على بدء يمكننا القول إن الثورة المعلوماتية وانتشار وسائط الاتصال ولا سيما الإنترنت ناهيك عن الصحافة الإلكترونية وما يمكن أن تلعبه من دور إعلامي كل هذا ساهم ويساهم في تنامي دور الإعلام وبالتالي فإن العولمة أثّرت وبحد كبير على الأنشطة الإعلامية عالمياً، ولا تخلو اليوم ظواهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أثر وسائل الإعلام ... ويمكننا أن نجزم أن الإعلام تأثر بظاهرة العولمة فأصبح مطية لها ، كما أن العولمة بشكل أو بآخر هي انعكاس لظاهرة الإعلام العالمي الذي حمل الرسالة السياسية والاقتصادية والثقافية عبر وسائله التقنية .
=============================================
* رفعت شميس : كاتب وباحث من سورية

قراءة نقدية لمسلسل رجل غني فقير جدا

التفاصيل
كتب بواسطة: د أميمة منير جادو
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 11 أكتوبر 2005
الزيارات: 9

رجل غني فقير جداً..دراما تليفزيونية جاذبة وخلاقة

إحياء قيم الزمن الجميل .. ودعوة للانفتاح على الآخر

( قراءة في المضمون القيمي)

د/ أميمة منير جادو

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

          يؤسفني كثيراً ما أقرأه من هجوم وتجريح بعض دعاة النقد لبعض الأعمال الأدبية أو الفنية ، كما يؤسفني في ذات الوقت سيل المدح والإطناب لأعمال دون المستوى ، إنها تكاد تكون ظاهرة تتجاوز الندوات إلى صفحات المجلات والجرائد من قبيل الرغبة في التشهير بالآخر أو الشهرة والبحث عن الأضواء ، إن دل هذا على شيء فإنما يدل على غيبة الموضوعية والشفافية وأمانة الكلمة وشرف المعاملة الأدبية ، وخضوع الأمر في كلتا الحالين سلباً وإيجاباً للمصالح الخاصة والأهواء الشخصية ، وتصفية الحسابات أو توطيد العلاقات عبر المجاملات وتزييف الرؤية ، وقد يتجاوز هذا الأمر إلى لجان الجوائز في المهرجانات أو حتى اللجان العلمية للترقيات في الكليات وهو الأمر الأكثر أسفا وإسفافاً .

          وحتى يكون حديثنا موضوعياً لنضرب أمثلة على ذلك عبر تقييمنا الموضوعي المنهجي لبعض المسلسلات الرمضانية الأخيرة باعتبار ارتباط إذاعتها بالشهر الكريم .

          أساءني كثيرا ما نشره أحد الكتاب- ناقدا وربما كان ناقماً أوساخراً جارحاً- حول مسلسل (رجل غني فقير جدا)للفنان القدير الموهوب محمد صبحي، وقد نشر تهكمه في جريدة ثقافية ذات وزن على الساحة الأدبية والثقافية ( القاهرة – عدد 9 أكتوبر 2007 –بعنوان هل يرحمنا محمد صبحي ونادية الجندي من الإطلال علينا في رمضان المقبل ) ونحن لسنا ضد حرية الرأي لكن بشرط المنهجية والعلمية وعدم التجريح والهجوم لمجرد الهجوم - جاء حديث كاتبنا ليس بأسلوب النقد الموضوعي الهادف لكن بأسلوب السخرية والتهكم والهجوم اللامبرر والتطاول الذي لا يليق بقلم محترم ، يتضح ذلك جلياً مما ورد على لسانه بالنص(احتكار النجم الأوحد لمسلسل بعينه – حيث يتم تفصيل المسلسل على مقاسه من الجلدة للجلدة-وهو من يختار المؤلف غالبا والموضوع والمخرج الذي يرتاح للعمل معه – ويختار شلة السنيدة التي ستعمل معه من الممثلين المساعدين).أرجو من القارئ مراجعة هذه الألفاظ : تفصيل، على مقاسه،من الجلدة للجلدة، شلة السنيدة...الخ.

          هل هذه مفردات تليق بكاتب ملتزم بأدبيات النقد وأخلاقيات التوجيه للأفضل عبر موضوعية منهجية ؟ وماذا ينتظر من رد فعل الممثل الأوحد المحتكر؟؟ –على حد تعبير ناقدنا- أن يشكره ويطيعه ويحترم رأيه ويأخذ به في العمل القادم؟ هل يمكن أن يحدث هذا وقد بدأ بالهجوم والسخرية والتجريح متناسيا تاريخ الفنان محمد صبحي ووزنه على الساحة الفنية عبر الكوميديا الهادفة تربويا وسياسيا ؟ وماذا ينتظر من شلة السنيدة ؟ أليست هذه الشلة من الفنانين الذين يؤدون أدوارا متفاوتة تلعب دورها في إثراء العمل الدرامي ؟

وأرجو ألا يفهم من مقالي أنه مجرد دفاع متعصب لنجم نحبه وله مكانة في قلوب جمهور كبير من المشاهدين العرب ويتمتع بخفة ظل تلقائية وكم قدم لنا عبر تاريخه الفني من كوميديا تنطوي على قيم نبيلة وأهداف سامية وكم أثار الرأي العام بقضايا ساخنة استطاع فلسفتها وتبسيطها وتقديمها لجمهور البسطاء والعامة؟ فمن ينسى رحلة المليون؟ أوسنبل ؟ أو إعادته لتقديم التراث المسرحي مثل لعبة الست وكارمن أو أنت حر أو انتهى الدرس ياغبي أو يوميات ونيس أو وجهة نظر، وكلها أعمال لاقت نجاحا جماهيريا وانجذابا لما تنطوي عليه من رؤية قيمية ونقدية  وأطروحات وحلول وبدائل للواقع السياسي  والاجتماعي المأزوم في إطار تشويقي جاذب راقً دونما اسفاف بل يرتقي بعقل وفكر المشاهد العادي من جمهور البسطاء وربات البيوت والأطفال .

          لذا يعد محمد صبحي من  الفنانين القلائل المتميزين بتقديم كوميديا هادفة تغرس قيماً نبيلة سامية عبر حوارات درامية بناءة جاذبة تردنا لقيم الزمن الجميل وتحيي في النفوس أصالتها لاستخراج درر الذات الثمينة التي كرم الله سبحانه وتعالى بها الانسان .

          (أنا لا أعرف الكاتب ، ولا أعرف محمد صبحي معرفة شخصية لكن معرفتي بهما من خلال كتابة الأول وأعمال الثاني المسرحية والتليفزيونية كنجم جماهيري له وزنه واحترامه على الساحة الفنية ).

          مسلسل (رجل غني فقير جدا):

لا ينتمي للكوميديا الصارخة كما علق عليه الكاتب في نقده  لكنه يلعب دورا مزدوجا على المستوى السياسي والاجتماعي الأخلاقي في إطار فكاهي خفيف هادف ولذيذ ومشوق ومحبب لجمهور محمد صبحي.

          لقد تسابقت الفضائيات في تقديم العديد من المسلسلات التي كان من المستحيل متابعتها جميعا نظرا لتوازيها في زمن إذاعتها حيث لم يكن من خيار أمام المشاهد إلا الاختيار المدروس طبقاً لنجمه المفضل أو الاختيار العشوائي ثم تتوقف المتابعة على مدى الجذب والتشويق ، وهذا ما حدث معنا في متابعة مسلسل(رجل غني فقير جداً) لمحمد صبحي ،الذي لفت نظرنا عنوانه بداية وهو عنوان جاذب أشبه بحواديت ألف ليلة وليلة فقد اعتمد على المفارقات الغريبة والمفاجآت اللامتوقعة بدءاً بالتضاد والمفارقة في العنوان ومرورا بالأحداث التي كان يقدم لنا فيها في كل يوم مفاجأة جديدة ومثيرة لافتة وفي إطار قيمي جاذب وجميل وحيث اعتمدت الفكرة بداية على صراع الخير في مواجهة الشر دائماً .

          يدعو العنوان للتساؤل المستمر كيف يكون الرجل غنياً وفي نفس الوقت فقيراً جداً ؟ العنوان ليس تجارياً كعناوين الأفلام المسفة التي تغرق الأسواق وتدعوك عناوينها مبدئيا للنفور من الإقبال على المشاهدة احتراماً للذات .إن مقال كاتبنا المبجل الذي هاجم المسلسل يدل على أنه لم يتابع المسلسل جيدا بدليل وقوعه في أخطاء ألصقها بالبناء الدرامي للعمل وهي لا تمت إليه بصلة مما يشعرنا أن كاتبنا حين هاجم محمد صبحي -على الأرجح وليس العمل الفني- لم يركز في المضمون القيمي أو فكرة القصة وتكرر ذكره في أكثر من حلقة حتى لا تفوت على طفل مشاهد وليس كاتب وناقد ،مما يدعونا إلى استنتاج أنه ربما شاهد جزء من حلقة من هذا المسلسل أو ذاك حتى يتسنى له رؤية أكبر قدر ممكن من المسلسلات ،ليتحفنا بأرائه النقدية الفذة ربما ليحقق سبقاً صحافياً نقدياً في مهاجمة فنان قدير في قدر وقامة الفنان محمد صبحي المشهود له بالموهبة والبراعة والتفوق والتميز ويمتلك أدواته الفنية تأليفاً وإخراجاً وسيناريو وحوار لأنه ينتمي إلى الفنانيين الموسوعيين ولا عيب في ذلك ، لقد لفت نظرنا هذا في أول حلقة حتى تساءل بعض المشاهدين معي –بالصدفة-ومن الأطفال والشباب متسائلين في عفوية ودهشة مشوبة بابتسامة فرح تلقائية خرجت من القلب : ماهذا ؟ محمد صبحي سيناريو وحوار وتمثيل وإخراج ؟ كان التساؤل بسيطاً ومرحاً الذي ينم عن عيون محبة للفنان وهذا هو الفرق بين عيون تشاهد بحب وأخرى تشاهد بتحفز من يحمل حجراً ليقذف به لأول وهلة .. فالعبرة بالعمل وماذا يقدم من مضمون ؟ وكيف يقدم ؟  وهذا ما يجب أن يستوقفنا وليست المسألة قذفاً بالأحجار وتطاول باللسان  لمجرد أن الفنان هو صاحب الفكرة والسيناريو والحوار والإخراج أي ( مقاولة) على رأي ناقدنا المبجل .

           ليس ثمة عيب إلا أمراض النفوس الضعيفة الحاقدة . بل أولى بنا أن نفتخر بما قدمه محمد صبحي من جديد غير مسبوق يستحق عليه الثناء والتكريم. بدلا من تقليل شأن العمل وإحباط الجهود المبذولة والحط من قدر الفنان وفريق العمل وليس (شلة السنيدة) كما قال ناقدنا المبجل : (خذ هذا النموذج الصارخ لمحمد صبحي )، ( فقد أخذ الموضوع كله مقاولة واحدة تأليفاً واخراجاً وبطولة مطلقة تسليم مفتاح يعني والموضوع بسيط يدور حول رجل غني يرث قطعة أرض أسماها الوادي البراني تساوي ملايين لكنه لا يستطيع استثمارها لأن ساكنيها من الفقراء ...)الخ ، وكأن هذه هي مشكلة المسلسل وعقدتها الرئيسة مع أن هذه المشكلة جزء من عشرات العقد في المسلسل المحبوك درامياً ، ونود أن نلفت نظر الكاتب أنه بالمتابعة الجيدة للمسلسل وليست العشوائية- لنكتب أي كلام والسلام- نرى أن محروس بك ( محمد صبحي) شاركته البطولة الفنانة الجميلة البسيطة المتميزة بالمصرية الخالصة وفاء صادق في دور (روعة) وجاء الدور رائعا فعلا أداء وقيمة ومستوى فني يفرض نفسه على جمهور المشاهدين ولعل اختياره لوفاء صادق يحسب له إضافة فنية كما كانت عبلة كامل وسعاد نصر فيما سبق .

          وشاركه البطولة كذلك منذ الحلقات الأولى الفنان ( محمد أبو داوود) الذي قام بدور( بركات-مدير أعماله) بحيث لم تخلُ حلقة واحدة من مشاهد معه لا تقل في قيمتها الفنية عن دور صبحي أو وفاء صادق وكذلك دور ابن عمه (بسيط عبد البصير) الذي جسد ببراعة وتلقائية وخفة ظل الفلاح المصري الذكي الذي يتغابى عند الضرورة وقد قدمه صبحي عبر أسلوب الاكتشاف وعنصر المفاجأة وبقية شخصيات العمل التي يصعب حصرها جميعاً ،لنكتشف أنه عمل جماعي وبطولة مشتركة وليس احتكاراً للنجم صبحي كما ادعى ناقدنا . وليست مقاولة واحدة وتسليم مفتاح كما كتب عنه ساخرا متهكماً، وأنه اختلق ثلاثين حلقة إذ يقول بالنص :(حيث يختلق محمد صبحي مواقف ساذجة عديدة أشبه بالمواقف المسرحية المملة التي يصنعها في مسرحه ليدور الكلام بلا هدف ولا نهاية سوى استهلاك الوقت ويؤدي فيها صبحي دوره بطريقة مفتعلة والتي يفترض أنها تساعد على إضحاكنا )

          وفي هذا المقام قمت بدراسة موضوعية منهجية كنت أنتوي نشرها كتقييم للعمل ولعلها تأتي في هذا الصدد كمحاولة متواضعة للرد عن هذه الاتهامات الباطلة وهذه الدعاوي المزيفة للحط من شأن العمل : ونحن نتساءل بداية ؟؟ هل يليق بكاتب وناقد موضوعي ملتزم بنقد قضايا أدبية أو فنية ان يستخدم مثل هذه العبارات :( من الجلدة للجلدة –مقاولة واحدة وتسليم مفتاح- شلة السنيدة- الخ) ربما كان هذا الأسلوب أكثر لياقة بين المقاولين والجزارين ومن شابههما وغير لائق بنا نحن الكتاب والنقاد إلا تحري المنهجية والموضوعية .

          أما الخطأ الذي وقع فيه كاتب المقال الهجومي بأنه قال إن محروس بك الرجل الغني إنما ورث قطعة أرض الوادي البراني وأن كل أحداث المسلسل تدور حولها لأن أهلها فقراء ولا يريد أن يخرجهم منها ،ويدور هو وسكرتيره ليتسول من أقاربه ؟ 

          هل هذا هو كل مافهمه ناقدنا من العمل وقبل أن ينتهي بعشر حلقات ؟؟ إن هذا لم يرد  في المسلسل على هذا النحو الذي وصفه في مقاله الهجومي المقتضب السريع على طريقة ( والسلام عليكم ) فلا محور الأحداث  التسول وإنما هو أسلوب للدخول لأهداف ومحتوى العمل القيمي ومضمونه الأخلاقي ، ولا  جملة العمل يدور حول الوادي البراني إنما هي جزء صغير من الأحداث وذو أهمية سياسية اقتصادية و ليس كما أشار لها الكاتب المهاجم ، فالأحداث تروي بأن محروس بك  اشترى – ولم يرث- الوادي البراني بـ (15)مليوناً ، وبالتالي هو ليس غنياً بالوراثة بل بالكفاح عبر التجارة وأن ثراءه نتيجة أنه بنى نفسه بنفسه أي رجل عصامي وهو في الأصل ينتمي لأسرة فقيرة تشتغل بالفلاحة والزراعة- كما ورد عبر الفلاش باك وهو يسترجع بعض مواقف حياته ، عندما قرر أن يحولها للسينما في محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الفقر الذي حلَّ به. فهو يريد أن يبيعها لمنتج سينمائي وطوال الحلقات نتابع فصول هذه السيرة الذاتية لمحروس بيه وفي كل يوم كان يكشف لنا مفاجأة جديدة ومدهشة وبدون توقع ، كانت الحلقات كل يوم تقدم لنا جديدا مثيراً ولطيفاً يجمع بين الضحك والبكاء أحياناً .

          والمسلسل قدم الجديد في أطروحاته الإنسانية وفي الترميز السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني عبر المفاجآت المدهشة في إطار كوميدي بسيط دونما إسراف أو إسفاف أو أي ملل بالعكس كنا ننتظر كل يوم بتشوق بالغ أنا وكل من تابع معي وكنت ألاحظ وأسجل الأراء . أتفق فقط مع كاتب المقال في أسلوب أداء صبحي ،وباستثناء لهجة محمد صبحي اللا مبررة الصادمة منذ الحلقة الأولى والتي حاولنا نفهم لماذا جاءت لهجته كذلك فهي لا تنتمي للهجة الفرانكو آراب ، ولا لهجة الباشوات الأثرياء ولا لهجة الخواجات أو الأتراك وحيث لم يكن واحدا من هؤلاء ، وربما جاءت على سبيل الكوميديا لكننا اعتدنا عليها وذكرتنا بلهجة أحمد مظهر في فيلم الأيدي الناعمة لتوفيق الحكيم مع الفارق لأن كبرياء مظهر و(تناكته) كانت على حق ومناسبة لأدائه ووضعه الاجتماعي كسليل باشوات وتربى وترعرع في القصور الباشوية، وليس من الفلاحين الذين لا يغيرون لهجاتهم بسهولة لاكتسابهم لها منذ الطفولة .

مسلسل رجل غني فقير جدا...مسلسل انساني جدا ...يدعم القيم الأخلاقية والاجتماعية والوطنية :

قدم المسلسل وناقش الكثير من القيم الانسانية الاخلاقية والاجتماعية والوطنية على المستويين المباشر الصريح والضمني داخل السرد الدرامي وعبر الطرح الساخر الفكاهي أيضاً كمال سنذكر هذه الأمثلة :

تجسدت قيمة الشرف والحرص على الكرامة وتكررت في مواقف درامية رائعة مابين الحبيبة (روعة)والتي أدت دورها وفاء صادق بأداء تلقائي بسيط ورائع متميز ومصري خالص عبر كوميديا بسيطة في خفة ظل دونما إسراف حتى لا يخرجنا عن القيمة الأساسية للموقف أو المشهد الدرامي الذي كان بينها وبين الحبيب منذ سنوات طويلة وهو في أوج غناه وأراد أن يراودها عن نفسها ، ورغم حبها الشديد والكبير له إلا أنها آثرت المبدأ وقيمة الشرف وقاومت حتى النهاية وعبر حوار غير مسبوق يستلهمه الكاتب من حديث رسول الله ( صلعم) فتخاطب فيه ضميره وأخلاقه وتناشده باكية في غير ضعف ومتوسلة في شفقة عليه وأسف للموقف المفاجئ فتقول له : لو كانت أختك مكاني، لو كانت أبنتك أو أمك أو زوجتك ،هل تقبل لها ذلك؟ فنجده يتق الله فيها ويصون لها شرفها وكرامتها ،ويتركها لحال سبيلها ،بعدما أغراها بداية بالهدية الثمينة وهنا تمثل روعة الفتاة القدوة لكل بنت محترمة وتؤكد قيمة الشرف فوق قيمة الحب .

          إن هذا المشهد مع فارق الحوار والزمن لم نشاهده منذ فيلم دعاء الكروان لسيدة الشاشة فاتن حمامة التي جسدته ببراعة منقطعة النظير أمام سيدها أحمد مظهر (البك المهندس) الذي راودها عن نفسها بعدما أهداها عقداً ثمينا ، وكما فعل محروس مع روعة في طيشه وثراه معتقدا أنه يستطيع أن يشتري كل شيء بالمال حتى ولو كان الشرف نفسه ، فأثبتت له الفتاة الفقيرة أن الشرف لا يشترى بالمال ولكن دونه تهون الروح والحياة كلها ، وقد جاء التأكيد على ذات القيمة مع اختلاف الموقف والحوار مع ابنته رحمة الفتاة المهذبة الرقيقة الوديعة التي وثقت في حبيبها وذهبت إليه حين دعاها واكتشفت نذالته وخسته حين راودها عن نفسها تنفيذاً لخطة أبيه في الاستحواذ عليها عندما رفض أبوها أن يزوجها له ، فتصعقها حقارته وهو يريد اغتصابها بالقوة ، فتتحول إلى أنسانة قوية وتثور لشرفها وعرضها كوحش جريح وتدافع عن شرفها مستبسلة وتضربه فوق رأسه وتولي فراراً وحين يخرج نازفا دمائه وراءها محاولا اللحاق بها يلقى مصرعه وهي غير آسفة عليه بل نادمة على حبها الأعمى له الذي أعماها عن حقيقة أخلاقه وسلوكه التي تأثرت بأبيه كما قال لها أبوها فتؤمن بخبرته في الحياة .

          إن مشهد رحمة هذا ينطوي على قيم مركبة في وقت واحد هي :الحرص على الشرف والكرامة والدفاع المستميت عن العرض ،بل والثأر له وعدم الضعف وهنا إعلاء للشرف فوق الحب مثل موقف روعة السابق ، وقيمة احترام وطاعة الوالد وعدم عصيانه رغم رفضه زواجها منه ،حيث لم تهرب أو تتزوج منه رغما عن عدم رغبة و الدها ،وتأكيد قيمة (أزرع خير تحصده) أو المديونية بين البشر والقدر ،لقد ستر محروس روعة فيما سبق وحين تعرضت ابنته لذات الموقف لطفت بها الأقدار وسترتها بل نورت لها بصيرتها الغافلة بفعل الحب وهيأت لها الزوج الصالح والذي رضي عنه والدها وأختاره لها .

          كما يؤكد الحوار على أهمية قيمة أصالة الأنساب والتكافؤ بين الزوجين ليس على المستوى الاجتماعي والمادي فحسب ولإنما الأخلاقي القيمي ليؤكد حديث الرسول(ص) تخيروا لنطفكم فأن العرق دساس فقد رفض محروس تزويج ابنته من ابن  عدوه المليونير السحلاوي ورفض أن يأتي الشاب وحده دون موافقة أبيه لأنه يراعي الأصول الاجتماعية أولا وأهمية الأخلاق قبل الثراء وفوق الحب ، فحين تزول العاطفة المشبوبة لا يبقى إلا الأصل الكريم .

          ولتتأكد لنا قيمة أخرى هي دور وتأثير التربية السليمة والتنشئة الاجتماعية على أخلاق الشباب فيما بعد واكتساب الولد من أبيه صفاته باعتباره القدوة والمثل الأعلى له ،وعلى الرغم من أن خطيب رحمة الآخر هو ابن الديب السحلاوي وأخو خطيبها السابق إلا أن الثاني الذي تربى في ملجأ للأيتام وعبر رعاية مؤسسة اجتماعية غرست فيه الخلق الحسن والرجولة والوفاء لكافله باعتباره يتيما عندما تخلى عنه أبوه وألقى بأمه في الشارع لأنها كانت خادمة ولا تليق به وتنكر لأبوته لهذا الطفل الذي صار رجلا حريصاً على رد الجميل في موضعه وهو محروس بيه ( كافل اليتيم) وجاء هذا الابن باراً معبرأً وفياً حتى كاد يدفع حياته ثمناً لهذا الوفاء.

          وهنا يؤكد المسلسل على قيمة (كفالة اليتيم) في أرقى صورها وأجل معانيها ، حين كفل محروس بيه هذا الطفل اليتيم الذي فقد أباه وهو على قيد الحياة ، ليؤكد لنا أن اليتيم ليس من فقد أباه فقط بل من تخلى أبوه عن دوره تجاهه، وليفاجئنا بعد عدد من الحلقات بأن هذا اليتيم ليس أي يتيم بل هو ابن عدوه الوحيد الذي حاربه وغدر به مرات عديدة عندما خطف منه خطيبته وحبيبته وتزوجها ثم كل مواقف الخسة والنذالة التي يجيد أدائها الفنان البارع عزت أبو عوف ( الديب السحلاوي) رمز الشر والغدر والخسة والخيانة والوصولية الحقيرة .

عندما نتمثل قيمة (كفالة اليتيم) التي حث عليها رسول الله وحذرنا كثيرا من أكل ماله إذا كان غنياً وأوصى بها للفقراء فأي قيمة أكد عليها المسلسل عندما كفل اليتيم ابن عدوه اللدود؟ فهل هناك سمواً ونبلاً أكبر من ذلك ،حين يتغاضى محروس بيه عن هذه العداوة ويطرح نوازع النفس في هذه الحالة ويسمو بخلقه ودينه ويوقف من ماله الخاص مبلغ مائة ألف جنيها على سبيل الوقف ليخرج ريعها لكفالة هذا اليتيم الذي يكبر ويتخرج ويصير مهندساً ويبحث عن كافله ليكتشف أنه صار فقيرا جدا ودون أن يطلب كافله أي معونة منه يتطوع الابن بالكفالة بكل بر الأبناء الأصلاء من الأصلاب ليرد الجميل ،إنها قيم تولد قيمأ جميلة متتالية ومركبة عبر كوميديا راقية آسرة .

          إن هذا اليتيم الذي صار مهندسا يبقى مع كافله يزود عنه ويساعده ويحميه ويحافظ على ابنته ويحفظه في غيبته ويصون له شرفه بكل نبل تلقائي مؤثر ويكاد يدفع روحه رخيصة ثمنا لهذا الواجب نحو أبيه كافله ، وهو يجهل أبيه الحقيقي وعبر التصاعد الدرامي يتصادم مع والده الحقيقي (السحلاوي) رمز الشر وعدو كافله لأنه يهدد أمن والده كافله ويتوعده بالقتل والتنكيل به ،فيتصدى له دون أن يعرف أنه والده الحقيقي ،إنه يدافع عمن رباه ويصد عنه الشر ويتواجهان كأعداء وكلاهما يجهل الآخر يكاد أحدهما يفتك بالآخر ثم تتجلى قيمة الرحمة والنبل ومنتهى الكرم والعفو عند المقدرة لتعلو فوق قيمة حفظ السر الذي لم يشأ محروس أن يطلع الابن عليه حتى لا يفقد احترامه لأبيه وليبقى في ذاكرته جميلاً وقدوة  

          تتصاعد الدرما الموقفية وتزداد الحبكة تعقيدا وينفعل المشاهد ويتوحد مع الأحداث كأنه داخل الحدث ويدافع عن الأبن الشاب اليتيم المهذب الذي يكاد يقتل بيد أبيه الحقيقي دفاعاً عن كافله وهنا يضطر محروس أن يظهر الحقيقة معلناً أنه ابنه حتى يرفع يده عن قتله وخاصة بعدما فقد ابنه الوحيد في الحادث السابق الذي ذكرناه . ولم يبق له إلا هذا الولد الذي أنكره سابقا ليصير هو وريثه الوحيد رغماً عنه.

          * المسلسل يؤكد ويحيي قيم العائلة وصلة الرحم ووحدة ابناء العائلة المفقودة :

          من المعاني والقيم الجميلة التي قدمها محمد صبحي في مسلسله الرمضاني المناسبة جدا لهذا الشهر الفضيل ما طرحه من قيم الزمن الجميل حيث مساندة اهل العائلة لبعضهم البعض، والعفو عن اساءة المقصر فيهم ومد يد العون لبعضهم ، فمحروس بك الذي كان ثرياً جدا مشغولاً بتجارته وأسفاره مما أضطره لقطع صلة رحمه وكانت العائلة تسمع عنه من بعيد لبعيد فقط .

           فعلى الرغم من هذه القطيعة إلا أنه عندما بدأ يبحث عنهم في فقره وعندما اشتدت أزماته لم يتخلوا عنه جميعاً وآثروه على أنفسهم في موقف أنساني رائع للغاية، حين امتدت كل أياديهم ووقفوا معه وقفة رجل واحد ورغم حاجتهم إلى المال إلا أنهم آثروه على أنفسهم واختصوه به ،هذا الإيثار ليصدق فيهم قول الله تعالى ( ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة ) فها هي عمته تعطيه المبلغ المدخر لإجراء جراحة ؛ وابنة عمه تعطيه تحويشة العمر لزواجها وقريبته لا تبخل عليه بمصاغها ، وابن عمه الذي يبيع له مايملك من أفدنة مدعياً أنه يريد منه تشغيل أمواله ، وحيث لم يوضح لنا منذ البداية أنه يفعل ذلك بل ورد ذلك في إطار من الكوميديا التي قام بها بسيط عبد البصير الذي يفهم كل شيء في صمت ولا يعلن لمحروس أنه يعرف أنه صار فقيرا فلا يريد أن يجرحه بكشفه له هذه الحقيقة فيتغابى متساميا فوق الموقف ليكتشف المشاهد موقفه الإنساني الرائع عند مساندته ابن عمه في شهامة ورجولة و أصالة ونبل حقيقي .

           وإن كانت القيم الاجتماعية للعائلة تنطوي على ترميز سياسي ضمني يؤكد على أهمية الوحدة والتضامن العربي والعمل العربي المشترك حين تحل بأي بلد أزمة أو محنة وهنا يتجاوز النص الدرامي الاجتماعي  القيم الاجتماعية إلى القيم الوطنية والانتماء وقد أشار إليها في مواضع أخرى من الحلقات الأخيرة بعد وضوح الرؤية ونضج العمل الفني .

          أكد المسلسل على قيم السعادة التي لا تستمد من المال والثروة بل من الولد الصالح وحب الوطن والعمل داخل الوطن وبذل الطاقات داخله وليست خارجه ولشعوب غير شعبه .

          أكد المسلسل على قيمة الحرية والتي تتمثل في القدرة على الأختيار الحر دون المساس بحريات الآخرين .

جسد المسلسل قيمة الوفاء بلا حدود وبلا مقابل خاصة في موقف روعة في دورها الرائع المتميز والذي لا يقل عنه روعة وأداء دور بركات مدير أعمال محروس بك وثالثهما الابن بالكفالة ، وهو فنان واعد وإن تشابهت أدواره فهو الابن المهذب دائما البادي الطيبة والمريح القسمات الذي يتعاطف معه المشاهد لتهذيبه وانفعالاته الصادقة في أداء الدور .

          جاءت قيمة الوفاء مطلقة بلا مساومة وبلا أدنى شك وبلا تنازل فهي روعة الرائعة اسم على مسمى وهي المحبة المخلصة والزوجة الأصيلة التي وقفت لجوار زوجها في كل المحن والأوقات العصيبة وقد أحزن المشاهد طلاقها في نهاية المسلسل ، ولا ندري لماذا حيث لم تكن ثمة ضرورة فنية ولا ضرورة قيمية ، ولعل هذا ما نعده نقطة ضعف في المسلسل فقد كان الطلاق محزناً ولم يخدم الدراما فلم يكن في موضعه بعد سلسلة التضحيات والوفاء الذي قدمته إذ لم تأتِ روعة بفاحشة مبينة تستوجب هذا الجزاء ، على اعتبار أن الجزاء من جنس العمل كما قدمه صبحي طوال المسلسل .

          * الوفاء مقابل الغدر والخير مقابل الشر :

          حرص صبحي على تقديم الصراع التقليدي بين الخير والشر فبينما لعبت روعة دور الحبيبة والزوجة الوفية فقد كانت هناك الزوجة الثانية للسحلاوي وأمها وخالها وبلطجي الوادي البراني الفتوة (أذية الرزية ) فكل هؤلاء قد جسدوا رموزاً للشر والغدر والخيانة والنفعية بأي ثمن وبأي وسيلة مقابل المادة والثراء الذي باعوا من أجله كل قيم النبل والكرامة والاحترام والأصالة والانتماء...الخ

          وزاد على غدر السحلاوي بخادمته الزوجة الأولى غدره بزوجته الثانية في مقابل زواجه من شابة صغيرة طامعة في ثروته ، وخالها (فاروق فلوكس ) الذي أجاد دور الطامع الانتهازي الوصولي المدبر للغدر والخيانات بدهاء وخبث ولعله يذكرنا باستفان روستي قديما ًوينتهج نهجه في الوقيعة والفتنة بين البعض والمساومات الحقيرة فقد أبدع فلوكس في دوره حتى  أقنعنا كمشاهدين وكرهناه تماما ومثله عزت أبو عوف وأذية ببلطجته  .

          * جدلية العلاقة مع الآخر على المستوى السياسي  :

يحسب لهذا المسلسل إثارته لجدلية العلاقة مع الآخر وتقديم بعض سمات الشعوب للمشاهد العادي خارج المناهج الدراسية ، ولقد وفق صبحي في تقديم هذه المشاهد في التترات يومياً وهي بالطبع مقصودة لتوصيل هذه المعلومة للمشاهد عبر التكرار اليومي وإن جاءت بشكل مباشر وصريح جداً في إطار كوميدي عبر وصلات من الردح الشعبي أو (فرش الملاءة)بالتعبير الفولكلوري المصري مابين زوجاته الثلاث الروسية واليابانية والخليجية فتقول اليابانية بهدف بث المعلومة السياسية : اليابان بَنَتْ في مصر الحديقة اليابانية والأوبرا ومستشفى أطفال والكوبري المعلق ، بينما تثير الروسية قضية الديون وبناء السد العالي ومساعدتنا في حرب 56 وهنا تنطلق الخليجية مقتحمة الموقف لتقول للروسية (اتشطروا على أمريكا) وبسرعة يلتقط الخيط محروس بك من وصلة الردح الفولكلوري المعلوماتي ليثير في سخرية مفكهة الموقف المصري قائلا: ( ومصر ما عملتلكوش حاجة أبداً ..مصر كانت بتشوي ذرة) ولم يقدم الدفاع البديل المفترض .. واللقطة المتكررة يومياً تثير التساؤل : ماذا يقصد صبحي من عدم رده أوتقديم البديل للدفاع عن مصر ؟ هل يقصد إعلام المشاهد بالموقف السلبي لمصر ؟ أم بغياب دور مصر ؟ وهذا مما يؤخذ على النص ..لماذا لم يشر صبحي من بعيد أو قريب ولو لانتصارات أكتوبر في وصلة الردح السياسي المعلوماتي تماشيا مع بقية قيم المسلسل التي أشرنا إليها ؟

          ويشير المسلسل في شكل مباشر وضمني إلى بعض سمات الآخر خاصة فيما يتعلق بالزوجات ، فاليابانية زوجة مطيعة في غاية التهذيب والرقة والتفاني فهي خادمة لزوجها وطوع أمره وهي مربية مثالية لأولادها مما يذكرنا بما درسناه في  المرحلة الإعدادية قديما في دروس اللغة الإنجليزية خاصة مما ثبت في أذهاننا وعلق بذاكرتنا حتى هذه اللحظة بأن:

 (Japanese like flowers , discipline  and they are very polite people) وكنا نحفظها عن ظهر قلب ونسمعها ونرددها كلما سئلنا بالأنجليزية : بماذا يشتهر اليابانيون ؟ فنردد في صوت جماعي واحد بسرعة بأنهم شعب منظم ويحب الزهور ومهذب جدا .

           أعادنا مسلسل محمد صبحي لذكريات دراسية بعيدة جدا ولعله أراد مساعدة المناهج الدراسية بتقديمه هذه المعلومات حولثقافة وأخلاق الآخر للمشاهد العادي وجمهور الفراغ والمنازل والبيوت وليس الجمهور المثقف بالطبع المشغول جدا والذي لا يجد متسعا من الوقت للفرجة .

وأحمد الله أني من جمهور التليفزيون في رمضان فقط لالتقاط أنفاسي من المطبخ وإلا لما شاهدت أي شيْ .

          وحول صورة الآخر والتعريف ببعض سماته نجد المرأة الروسية العملية للغاية التي تؤثر عملها على زوجها فتضحي بالزوج ولا تضحي بالعمل رغم أنها كانت راقصة باليه فتقول في الحوار:أنا أستطيع أن أجد رجلاً غيرك لكني لا أستطيع أن أعوض فني إذا ضاع  وتقرر الانفصال ، ونفهم كيف يتفوق العمل والعقل على العاطفة والارتباط الزواجي عند الروس ، لكن يعود المسلسل يصور أنه شعب نصاب من خلال أفراده ورموزه في المسلسل ، كما يبث المعلومة الفنية وهي اشتهار روسيا بفنون الأوبرا في إشارته لبحيرة البجع ولقطة من الأوبرا عبر الفلاش باك مع زوجته الروسية( كاثيا)  .

          أما الآخر الشقيق العربي والذي ترمز له الزوجة الخليجية( دعجة) فقد بدت المرأة قوية متسلطة ورغم أنها كانت دخيلة على زوجته المصرية الأولى فقد اشترطت عليه أن يطلقها لأنها ( مثل الفريك لا تقبل شريك) وتبدو وكأنها أشترته بمالها ، وترفض مساعدته في محنته عندما صار فقيرا ًإلا عبر مساومة مشروطة بإعادتها لعصمته ، إنها وأبنه الثري يرفضان مساعدته حتى على مستوى منحه أجرة التاكسي . إن صورة المرأة الخليجية في المسلسل تسيء إليها ولا يمكن تعميمها في كل الأحوال .

          كما لا تقل زوجته المصرية الأولى عن الخليجية في مدى جبروتها عندما طلبت منه الطلاق بدون أية أسباب مقنعة وهي ترفض الثروة والجاه وأبوته لأبنائها فتأخذهم منه بكل جبروت وتسلط ولم نفهم لماذا ؟

          بدت المسألة الزواجية مزاجية بدرجة غير مقنعة خاصة في المجتمع المصري ، ورغم رفضه تتبدى شهامته ورجولته ونخوته مع زوجته وطفليه فضل ورحمة فيترك لها الفيللا ورصيد في البنك فتخبره بكل عجرفة إنه لأولادك ، وكان من المحتمل جدا أن يسبها ويلعنها ويشترط لطلاقها أن تبريه من مؤخر الصداق والنفقة و...و... ألخ كما يحدث في الواقع المصري ..وهنا يفرض السؤال نفسه لماذا آثر صبحي هذا الموقف الشهم كرد فعل غير مناسب لافتراء الزوجة وعجرفتها وتمردها بينما كان هو الأب الذي يحب طفليه ويعطف عليهما وكان يرضعهما بنفسه في حنان وأبوة صادقة  ؟ هل جاء السيناريو من أجل قيمة أسمى هي مثالية متطرفة  للأبوة ؟ هو أمر وارد على أية حال  ولماذا لم يربي زوجته كما ينبغي له  وكما تستحق لقد كان بوسعه في ثرائه وفي غطرستها أن يسحقها لكنه لم يفعل ؟

ترى هل لمثالية متناهية أم لأن هذا الموقف قد جاء له على-(الطبطاب) كما يقال- لأنه في ذلك الوقت كان قد تعارف إلى الخليجية التي اشترطت عليه ذلك ؟

          لقد بدا هذا الموقف ملتبساً غامضاً أثناء السرد والحكي الدرامي فجاء غير محبوك درامياً ومر سريعاً عليه مرور الكرام وعبر حكي متقطع في مواقف غير متتابعة مما أدى إلى الالتباس والغموض وضياع القيمة المعنوية.

          * علاقة الأبناء بالآباء :

          تنوعت العلاقات بين الأبناء والآباء ، جاء صبحي هو الأب الواحد لمجموعة من الأبناء وكما أختلفت صورة الزوجة من مجتمع لمجتمع فقد اختلفت أيضا صورة الأبناء بين المجتمعات ، نتعرف بداية على الأبن المادي الروسي  الدكتور (كمال) عندما عاد لمصر وقابله : والذي راح يحسب له سنوات بعده عنه ويقدر مصروفاته المستحقة عن كل عام بالدولار ثم يضرب هذه القيمة في 23 وهو عدد سنوات عمره ولا يقبل أي تفاوض فيما يتعلق بالمشاعر ويقدرها كتعويض عن أبوته الغائبة له ، ورغم فقرمحروس في ذلك الوقت إلا أنه يجمع له مااستطاعه ويمنحه إياه بكل قدرة الأب على العطاء وتجسيداً لمعنى الأبوة.

           ثم لنكتشف أنه ليس ابنه وأن زوجته ليست إلا توأم زوجته فلم يتعرف عليها وبالتالي لم يعرف ابنه الذي طلقها وهو لا يعرف أنها حامل به ، أتت هذه المفاجأة مدهشة لنا ولكنها أثارت تساؤلا : ما الضرورة الفنية لهذه المفاجأة ؟ فهل كان العمل بصدد تقديم صورة عن علاقة الابن بالأب وقيم روسيا الشيوعية كما تبين من الحوار الذي تأكد في أكثر من حلقة ، فلماذا التراجع لإعلاء قيمة النصب الروسي والاحتيال حيث نكتشف والمشاهد يجلس كاالأبله فاغراً فاه مندهشاً بعد عدة حلقات أن ليس الولد ابنه وليست الزوجة زوجته وإنما محروس بيه وقع ضحية نصب  واحتيال جديدة من أقارب زوجته الروسية . فهل أراد صبحي أن يعلي من قيمة النصب والابتزاز على حساب القيمة التربوية التي قدمها لنا سابقا وفي كلتا الحالين فهو إدانة وتشويه للمجتمع الروسي أو على الأقل وقع في التناقض ؟ فكيف ساعدت روسيا مصر في كذا وكذا وكيف لفنون روسيا الراقية يقدمها لنا وكيف يبرز قيمة العمل ثم يكون هو نفسه مجتمعا متناقضاً منشقاً على نفسه حين أتى برموز النصب والاحتيال . ثمة تناقض عند تقديم صورة الأخر غير مفهوم أو مبرر فنيا ، بالأضافة لضياع جزء من الفكرة الرئيسة : هل لمحروس ابن روسي الجنسية أم لا ؟ وإن كان لن يفيدنا دراميا في شيء لذا تجاهله الحوار التالي .

           ثم يبدو ابنه ( خزاعة) من  الزوجة (دعجة) الخليجية لا يقل في ماديته البحتة عن ابنه المفترض من الروسية ، فهو مادي يتحدث معه بقلة ذوق وندية وكأنه ليس أبنه وإنما صاحبه رغم عدم تعارفه المسبق إليه وهو شاب لا مبال تسيطر عليه لغة المال ويقدر كل الأشياء والمواقف والأبوة من هذا المنطلق فهي صورة مزرية للشاب أو الابن العربي ، فهل هذه الصورة صحيحة ؟ ربما كانت في حاجة إلى مراجعة ووقفة .

          ثم تأتي صورة الأبنة اليابانية الطفلة من زوجته ( يوريكو) طفلة جميلة رقيقة مهذبة غاية التهذيب ومن الطبيعي أن تكون كذلك لأنها سمات شعب وسمات المرأة هناك وسمات الأم لذا كانت الصورة متفقة تماما مع الشعب الياباني المبهر ومتسقة مع أمها حيث يصدق المثل العربي هنا تماماً (اكفي القدرة على فمها تطلع البنت لأمها)

          ثم تأتي صورة الأبناء المصريين من زوجته المصرية القوية الأنانية المتعجرفة والمغرورة  المتسلطة  ، تأتي صورتهما مخالفة تماما لأمهما وربما كان هذا طبيعيا تربويا فالزوجة المتسلطة لابد أن تربي ابناء يميلون للطاعة والخوف والانطواء وخاصة أنهما لم يكبرا في حضن والدهما  الغائب أو المغيب بفعل الزوجة فجاءت التربية هنا أحادية الطرف .إن رحمة وفضل أبناء محروس في غاية التهذيب والاحترام والحب والانتماء ولعلهما الأقرب إلى نفسه وقلبه طوال الحلقات ومنذ تعارف إليهما ، ولقد جاء مشهد اللقاء بينهما مشهدا درامياً مؤثراً فينا مستدراً للدمع فيما لم يحدث عند لقائه بأبنائه الثلاثة الأخرين من الروسية واليابانية والخليجية ، كان المشهد الدرامي مختلفاً تماما في الحالات الثلاثة ولعل صبحي المخرج أراد أن يبرز هذا بوعي تام منه .

·        طرح المسلسل(مشكلة التسول )على المستوي الاجتماعي الاقتصادي:

أثار المسلسل مشكلة من أخطر المشاكل الاجتماعية خاصة في المناطق المهمشة والعشوائية وربما في دول العالم الثالث لما يتداخل فيها من عوامل النصب والاحتيال من المتسولين ولما ينطوي عليه التسول من بعد ديني أيضاً ، حيث اختلط الحابل بالنابل فهناك المتسولون من الفقراء والمصابين والمرضى وذوي العاهات الذين غدرت بهم أقدارهم ويستحقون الصدقات حقيقة وبحاجة للرعاية الاجتماعية وليست لديهم طاقة على العمل من النساء والشيوخ والأطفال ، وقد ذاب هؤلاء بين المدعين للفقر  والمرض...الخ حتى صارت مهنة يسترزق منها الكثير من الكسالى والعاطلين ومنهم من لايستحق الشفقة والصدقة ويتحايل بالنصب والاحتيال حتى ولو لجأ لإيذاء نفسه وتشويهها استدرارا للشفقة والرحمة ، وقد انتشروا وشكلوا فعلا عصابات وربما كان لكل عصابة زعيم يسرحهم وهو المسؤول عنهم كما كانت تفعل نجمة ابراهيم قديما ممثلة السينما القديرة والتي أثارت في بعض أفلامها هذه القضية الاجتماعية الخطيرة التي لم تنجح المجتمعات في القضاء عليها ومواجهتها بشكل قاطع لالتباس الأمور والبعد الديني ، ولعل صبحي في مسلسله قد لفت الأنظار عبر الكوميديا الهادفة لهذه المشكلة الاجتماعية المتأصلة في المجتمعات العربية بشكل عام .

·        حث المسلسل على إعمال الفكر ومناقشة المسلمات:

أشار الحوار ضمنيا  إلى نبذ المسلمات خاصة فيما يتعلق بتزييف التاريخ وتخليد بعض الزعماء قال صبحي ردا على الرجل الذي حطم تمثاله - ( في أسلوب الحكمة الاستنكارية والتشكيك الهادف لإعادة النظرفي المواقف والأشخاص)- قال: ليس كل من صنعنا له تمثالاً كان عظيماً ، وليس كل من حطمنا تمثاله كان لا يستحق ذلك ) ولعل هذه الجملة من أخطر ما قيل وطرح في المسلسل على المستوى القريب أو الرمزي السياسي ، وبإعادة النظر في هذه الجملة على بساطتها نكتشف أنها تثير إعادة تقييم للواقع السياسي العربي أو على أي مستوى آخر ، إن إخراج اللقطة التي تم فيها تحطيم التمثال والإلقاء به ربما تثير جدلية فيما يتعلق بتحطيم تمثال صدام حسين ، وهل كان يستحق ذلك أم لا وربما تتعدد القراءة في هذا الموقف الذي يجب ألا يمر مرور الكرام عند التصدي للقيمة المضمونية للعمل كاملاً.

          يؤخذ على المسلسل إهداره لقيمة الاحترام فيما بينه وبين مدير أعماله ولو كان ذلك على سبيل الفكاهة فهو لم يناده أبدا أو ينعته في غيبته إلا بكلمة ( بركات ياحيوان – بركات الحيوان ) ظل الفنان محمد صبحي يرددها بمناسبة وبدون مناسبة حتى أغضبنا منه ولم يكن هناك داع لهذه السخرية والاستهزاء ، وفي الوقت الذي لم يعترض أبدا بركات عليه سواء كان غنياً أو فقيراً ، وسواء كان فيما بينهما وحدهما أو كان أمام الآخرين ، جاءت الكلمة( بركات ياحيوان) الشاتمة لمدير أعماله الوفي جدا والخدوم والمحب والمطيع بما لا يتناسب مطلقاً مع قيم المسلسل في عمومها ولا حتى على سبيل الكوميديا ، بل كان هذا الموقف يهبط من مستوى الكوميديا ولم يرتفع بها .ولا يسعنا إلا القول ويبقى لله الكمال وحده .

          ناقش العمل قيمة البصر والبصيرة وأشار إلى أهمية ومضمون البصيرة بالقلب حيث يكون النور في القلب يكون بعد النظر والإبصار الحقيقي والخير وقد قامت بهذا الدورالرائع لقاء سويدان الكفيفة لتناسب مناقشة هذه القيمة ، ليس كل من كان مبصراً لديه البصيرة وليس كل أعمى لا يرى لأن العمى عمى القلب وإنما تعمى القلوب ولاتعمى الأبصار وهو في الأصل استلهام من القرآن الكريم وتأكيد لقيم النور الحقيقي وشفافية الروح ، ولعل صبحي ناقشها قبلاً في مسرحيته الرائعة ( وجهة نظر)  ببطولته مع عبلة كامل  التي أدت هذا الدور ببراعة منقطعة النظير ، إن اهتمامه بهذه القيمة جعله يعيد طرحها مرة أخرى ، كما استلهم قيمة الحرية من مسرحيته( أنا حر ) وأكد عليها أيضا في بعض حلقات المسلسل .

قضية الانتماء إلى الأرض ومجتمع المهمشين :

أثار المسلسل قضية المهمشين عبر مناقشته لقيمة الانتماء للأرض ضمنيا ً فيما عرضه من مشكلة (الوادي البراني) حيث اشتراه محروس بيه بعد طمع عدوه فيه (السحلاوي) فقد أشتراه هو وآلت إليه ملكيته مما أثار حقد وغل السحلاوي الذي أراد أن يسترده منه بأي طريقة ثم يكتشف أن لهذا الوادي سكان لا يستطيعون أن يرحلوا عنه فقد استقرت حياتهم وبيوتهم وتجاراتهم فيه بما في ذلك المتسولون والبلطجية والشيخ والراقصة والبسطاء ، أنه مجتمع على الهامش ومجتمع المهمشين في الحياة رغم أنهم بشر لهم حقوقهم و كياناتهم واحتياجاتهم وبيوتهم ، وأرضهم هذه أرض الوادي البراني الذي لا ملاذ لهم غيره . وتنتمي (روعة) - التي قاسمت صبحي البطولة- إلى إحدى أُسر هذا الوادي ، حيث تعيش في شقة صغيرة مع أسرتها التي تتكون من أب وأم وأخ وأخت وزوج أختها ، ولعل المؤلف أسماه الوادي البراني دلالة على (التهميش ) والمجتمعات الهامشية والعشوائيات ومايحدث فيها .

إن العدالة الاجتماعية تغيب في هذا الوادي وتسود البلطجة وفرد الإتاوات بالقوة ممن تخول له نفسه الزعامة حيث السيادة للأقوى فهو محكوم وفقاً  لشريعة الغابة فالغلبة للأقوى والسيادة للأصلح وفق شريعة القوة ، وهنا يناقش المسلسل هل الأقوى هو المال أم الحق ؟ وأيهما أحق بهذه السيادة ؟ هل من يملك القوة الجسدية والفتوة ويقوم بأعمال إجرامية على حساب الضعفاء ومن لا حيلة لهم ؟ أم من يملك السطوة والنفوذ والمال ؟

يحاول المسلسل حل النزاع بشكل انساني هادف وبناء عبر طريقين : الأول : وهو وحدة وتحالف أهل الوادي البراني ليكونوا يدا واحدة لرفض الظلم أو بمعنى منع فرعون من الفرعنة بوجود الجماعة القوية التي ترده وفيها مافيها من ترميز سياسي لضعف الأمة العربية ووجوب مواجهة الظلم سواء من العدو الخارجي أو الداخلي  والحكام الطغاة والحكم الديكتاتوري للفرد الواحد ورفض القهر الاجتماعي للبلطجي ( رزية ) وهو يتاجر في المخدرات وهو يفرض إتاوات بلغت حد المتسولين يأخذ منهم ، والثاني : استثمار المال لصالح هذه الأرض وأهلها في مشروعات مفيدة وغلبة الواعز الانساني وعدم إيذائهم بطردهم منها ، ولعله يشير على المستوى الرمزي الدلالى إلى قضية أبعد من ذلك وهي سطوة قوة المال التي استخدمت في خصخصة كل القطاعات والتي يعمل فيها موظفون بسطاء وقد فتحوا بيوتا ولديهم أسر وأبناء فإلى أين يذهبون لو بيعت أرضهم أو مصنعهم أو شركة يعمل فيها عمال وموظفون ..الخ ؟؟

إن المليونير السابق محروس تكتمل مصائبه حين يكتشف أن أرض الوادي البراني بلا قيمة وأنها لا تصلح للبناء والاستثمار والمشاريع لأنها فوق بركة ماء ورغم السخرية الكوميدية اللذيذة فقد أتت الكوميديا على نحو شر البلية ما يضحك لقد ضاع له آخر أمل في استثمار أرضه، وصارت بلا قيمة فماذا فعل في محنته ؟ حاول توليد أمل جديد في عز اليأس عندما بدأ يفكر في استثمار المياه الجوفية وإعادة تنقيتها وتعبئتها في زجاجات لتصير (مياه روعة) عرفانا وتقديرا لكل جهود روعة معه ومحاولة استغلال الامكانات المتاحة وفي هذا دلالة على هدف المسلسل في بث قيم اقتصادية اجتماعية وتوجيه الجهود والطاقات وكيفية التفكير في إدارة الأزمات والحلول والتعامل مع متغيرات الواقع وليس الندب والبكاء على الأطلال ، إن أحد الأهداف المطروحة ضمنياً في العمل هو إدارة الأزمة وكيفية التعامل مع تحديات الواقع بمرونة وتفهم ، وهو يحسب للعمل كطرح جديد .

 

إن المشاهد المتتبع لأعمال صبحي السابقة يعرف أن مسرحه الكوميدي أنما قام لطرح ومناقشة أفكار سياسية واجتماعية وذات دلالات وفي أعماله التليفزيونية السابقة قامت على طرح مشكلات اجتماعية وتربوية مع طرح الحلول والبدائل وهذا المسلسل الذي هاجمه البعض دون وجه حق لا يخلو من أطروحات سياسية بجانب مضمونه القيمي والكوميدي . لذا يجب ألا تتطاول ألسنتنا ونحمل بأيدينا معاول الهدم دائما متجاهلين ومتغاضين عن القيمة المضمونية للعمل الدرامي أو الكوميدي بشكل عام .

 

* الأسماء في المسلسل  ودلالاتها الرمزية :

 

          منذ قديم الأزل تلعب الأسماء دورا كبيرا في الحياة وتنعكس على الشخصية وترافق الانسان منذ الميلاد والنشأة الأولى ، ولعل الفنان صبحي يعي ذلك جيدا لذا استخدمه ووظفه في المسلسل بشكل جيد   وقد انعكست على هذا العمل الكوميدي الذي بين أيدينا  فجاءت متسقة تماما مع أحد أهداف المسلسل وهو الكوميديا .كما سنرى لاحقا في دلالة الأسماء التي رصدناها على النحو التالي :

* الوادي البراني : ( براني ) من كلمة ( بره ) أي خارج الإطار الاجتماعي ولعل المؤلف أستوحاه من الاسم الفولكلوري القديم للعملة المعدنية المصرية التي كانت تعرف بالقرش البراني أو الشلن البراني أو الريال البراني ..الخ، وحيث كان المصريون في لهجتهم العامية يطلقون على هذه العملة إذا طُرِقَ عليها ولم تعد تصلح للتداول ، أطلقوا عليها أسم ( القرش البراني أو الشلن البراني )، إن هذا الاسم لم يطلقه الكاتب عشوائياً ولم يأت مع الكاتب محض صدفة ولكنه عن قصد وذات دلالة إشارة لمجتمع المهمشين والعشوائيات ، كما نلمح ذلك في كل أسماء المسلسل التي  تستحق وحدها دراسة خاصة بها .

ومن ملامح الاسماء في المسلسل (الاستلهام من الفولكلور) مثل التضاد بين الأسم والمسمى : فنجد ( محروس) لم يكن محروساً من العين فقد افتقر بعد غنى وثراء فاحش ..فهل حرسه أسمه؟؟

 * واسم ( روعة) التي لم تكن في بداية المشاهد على أي قدر من الروعة فقد جاءت غير متناسقة الجسم ومنكوشة الشعر مثل أم الشعور لدرجة تدعو لسخرية المشاهد وارتداؤها نظارة غريبة وملفتة واستخدامها لأحمر الشفاه الذي لطخت به وجهها وشوهته مثل عروس أرادت تطفيش خطيبها من أول لقطة كما تفعل البنات في أفلام زمان الكوميدية مثل لبنى عبد العزيز مع رشدي أباظة عن قصة ترويض النمرة لشكسبير فى فيلم آه من حواء . وغيرها وقد فعل ذلك صبحي في لقطة طبق الأصل مابين أخت زوجته الخليجية وابنه من المصرية في مشهد كوميدي جميل رغم تكراره .

* واسم مذهلة : ربما جاء للمفارقة الكوميدية أيضاً ، فهي مرتفعة الصوت بلا رقة أو أنوثة ومسترجلة مما كان يدعوه إلى التعليق دائما أشارة لدلالة الاسم الكوميدية ( لماذا سموكِ مذهلة؟؟)

* بسيط عبد البصير عبد المتجلى : هو الفلاح البسيط الجدع ابن البلد  والذي أدى دوراً كوميديا متناغم تماماً مع اسمه عبر لزمة في حديثه ظل يكررها ويرد عليه محروس بك متندرا بها وهي بلهجة الفلاحين (

التحليل النفسي والأدب

التفاصيل
كتب بواسطة: أسعد فخري
المجموعة: بحوث و دراسات
انشأ بتاريخ: 10 أكتوبر 2005
الزيارات: 9

أسعد فخـري

 

 

 

 

 

الشخصية العصا بية في الرواية العربية

 

(القسم الأول)

 

 

 

(مقدمة أولية)

 

التحليل النفسي ومشهد النقد العربي

 

 

 

                             

 

 

 

 

 

        ما من شك أن مطلع الستينيات من القرن العشرين قد شكل أولى تطلعات المشهد النقدي العربي  والذي ما انفك يجرب الكثير من المناهج النقدية الوافدة ، على الإنتاج الإبداعي العربي بمختلف مشاربه واتجاهاته .

           وبالرغم من السيطرة الواضحة لمنهج الواقعية الاشتراكية النقدي على أغلب البحوث والدراسات آنذاك إلا أن ثمة مناهج نقدية أخرى تمكنت من تشكيل بنى وتصورات لها رؤيتها الخاصة وفق مفهومات نقدية بعيدة كل البعد عن الاعتقاد العقائدي والأيدلوجي والقومي . ناظرة إلى مناهجية مختلفة تذهب إلى تأكيد انسانية الفن والأدب قبل أي شيء آخر .

        ومن أهم تلك المدارس والمناهج التي عنيت بتأكيد ذلك الحضور في المشهد النقدي كان منهج التحليل النفسي / Psycho – Analysis / للأدب والفن ، والذي جاءت بواكير اشتغاله متواضعة وخفيضة مؤثرة التنظير دون الانجاز ، استناداً إلى ( المدرسة الفرويدية ) ومرجعية معجمها الكلاسيكي غير آبهة للفتوحات التي أحدثها تلامذة  فرويد فيما بعد , وذلك ما أ شاع انزياحاً هاماً وخلـخلة فـــي آليات / Mechanism / وطرق التفكير والتحليل لديها , والذي شكّل في أبعاده المتباينة انعطافة لها أهميتها البالغة في الشـكل النقدي الذي مكّن النظرة الأحاد ية إلى النصوص كذاكرة سيرية للمؤلف دون التفكر / Intellection / فيما وراء النص وصيرورة / Temporalism / تخليقه .

       وبدا المشهد النقدي صورة ميكانيكية معادلها  البحث عن المؤلف سيرياً داخل نصوصه أو البحث عن سيرة النص وأهدافه داخل مؤلفه.

       لا شك أن موضوعة التحليل النفسي / Psycho – analysis / وشغلها على الأدب والفن عموماً قد أفرز أسماء هامة لها مكانتها الأدبية والريادية ومن أهمها :

( عباس محمود العقاد ويوسف مراد ثم عز الدين اسماعيل ومصطفى سويف وجورج طرابيشي . . . وآخرين )(1) .

       والمسألة الأهم في ثبت تلك الأسماء كان العقاد الذي لم يتوان عن التصريح برأيه قائلاً: ( إن مدرسة التحليل النفسي هي أقرب المدارس إلى الرأي الذي ندين به في نقد الأدب ونقد التراجم ، ونقد الدعوات الفكرية جمعاء)(2).

     مؤكداً إيمانه القاطع , ودون اخفاء لتحمسه الزائد في أ نه ( إذا لم يكن من بد من تفضيل إحدى مدارس النقد على سائر مدارسه الجامعة ، فمدرسة النقد البسيكلولوجي أو النفساني أحقها جميعاً بالتفضيل في رأي وفي ذوقي لأنها المدرسة التي نستغني بها عن غيرها ولا نفقد شيئاً من جوهر الفن أو الفنان المنقود )(3).

       لكن بالرغم من السبق الذي حققه العقاد في تأكيد نجاعة الاشتغال على منهج التحليل النفسي إلا أنه ظل أميناً على رابطة العلاقة الميكانيكية بين المبدع وانتاجه ، ناظراً إليه من زاوية الانعكاس الذاتي أو ما يدعى ( باللاشعور الشخصي ) وكأن المبدع منتج لسياق سيرته الذاتية وفق سنن وضعها العقاد معتمداً على ثنائية ( الوعي واللاوعي ) كأدوات كاشفة عن الرابط الخفي بين الفنان وإنتاجه مؤثراً التمسك بالكشوفات الأولية للمدرسة الفرويدية دون تفكير, وذلك من خلال تطبيقاته التحليلنفسية على ( ابن الرومي وأبي نواس )(4). مستلهماً مأثرة ( التحليل النفسي والفن )(5) التي أبدى من خلالها ( فرويد ) كشوفات اللاوعي الذاتي وعلائق السلوكات النفسية التي تنظّم المنتج بالمنتج الإبداعي .

        أما التجارب والبحوث النقدية التي أخذت بمنهج التحليل النفسي من جملة الأسماء التي ذكرنا سابقاً  فقد كانت تجربتي ( عز الدين إسماعيل ومصطفى سويف ) من العلامات الهامة

 

والبارزة التي أتت بعد ريادة العقاد لهذا المنهج دون أن ننسى تجربة لافتة أ يضاً للباحث محـمد النويهي فـي كتـابه ( نفسـية أبي نوا س )(6).

        لقد جاء الكتاب بمفاهيم ورؤى أكثر تطوراً من نظرة العقاد ( لأبي نواس ) حيث اشـــتملت على تحليل أكثر علمية ومحاكمة للنص الشعري بذاته لكنها لم تستطع أيضاً كما ( العقاد ) الإنفلات في مغالاتها بتعريب المعجم الفرويدي وملامــسة لا تذكر لمنهج التعويض / Restitution / عند ( ادلر(*)) وذلك من خلال التعرض لنص شعري بعينه .

      لكن ما يتعلق بتجّربتي البا حثين ( عز الدين إسماعيل ومصطفى سويف ) فإننا ننظر إليهما كتجربتين فيهما الرصانة والفهم الموضوعي لأبعاد منهج التحليل النفسي وعلاقته بالأدب ، فقد  أ سّسا بعداً علمياً جديداً وإضافة لافته على المشهد النقدي العربي، حيث طغى على بحوثهما الجانب التجريبي / Experimental / في الانجاز مقارنة مع السياق التنظيري الذي ذهبا فيه شوطاً كبيراً مما يؤكد رغبتهما في التأسيس لمنهج يؤكد العلاقة الحميمية بين التحليل النفسي والإبداع وفق معايير ومناظير مختلفة كل الاختلاف عما سبقهما آخذ ين بعين الاعتبا ربعضاً من التحولات التي أجراها تلامذة (فرويد)(**) على بنية المنهج النفسي الكلاسيكي والعوامل الخلافية التي أدت إلى تطويره .

        لننظر في البداية إلى الملامح العامة لتجربة  مصطفى سويف  دون الدخول في المتاهة التجريبية التي أثارها كتابة ( الاسس النفسية للا بداع الفني )(7), والذي رسم من خلاله اتجاهاته المناهجية والمعايير التي تقيم وزناً مؤثّراً للعوامل الخارجية عبر تحديد الإطار المرجعي لقيمة الفنان ومنتوجه فهو يؤكد دون أدنى شك على أن ( مجموع العوامل التي تؤثر في اتجاهها وفي شدتها ، سواء أكانت هذه العوامل مشعوراً بها أم غير مشعور )(8).

        وكأن ( سويف ) يقرر هنا نسف الجانب اللاشعوري / Unconscious / في العملية الإبداعية والإبقاء على سياق الحياة الاجتماعية ( كإطار ) وخبرة شعورية لازمة للفنان دون غيرها من العمليات الخافوية / Unconscious / الأخرى والتي لها دور هام في الإجراء الإبداعي وحركيته ، وكأن الفنان حسب ( سويف ) مجرد عالم مركب ومنظم من الخبرات الخارجية المكتسبة ( وأن مهمة الإطار كعامل نوعي في عبقرية الفنان أو الشاعر لا تتضح إلا بأن تضع هذا الإطار في بناء شخصية تعاني توتراً دائماً من ضغط الحاجة إلى النحن )(9).

وبذا يصبح ( النحن ) هدفاً بحد ذاته أمام ( أ نا ) الفنان ليتحول  بعد ئذ إلى وسـيط  يعكس خبرة ( أناه ) المُنظِّمة لعوالم ( النحن ) والخالية تماماً كما رآها ( سويف ) من الإحساس بآليات ( الأنا ) كذات تجاه الخبرة المكتسبة للإطار كونه المرجع الظاهري للعملية الإبداعية .

     لا شك أن المعايير التجريبية التي اشتغل على استنتاجيتها ( ســــــويف ) وتوهم / Phantasy /  مفهومة ( الإطار ) كمرجع تعود إليه العملية الإبداعية برمتها قد أسهم بشكل من الأشكال إلى فتح الأبواب التي تحاكي وتحاكم في الآن ذاته وتؤسس لمفهومية مناهجية تشاكل / Homology / أغرض ( اللاشعور الذاتي ) للفنان أو المبدع من الوجهة الإنسانية ذلك من جهة , ومن الأخرى فهي ستذهب أيضاً إلى إحكام إغلاق كل الأبواب المؤدية إلى طبقات اللاشعور باستثناء بوابة واحدة اختزلتها تجربة ( سويف ) النقدية ظنناً منه أن الإكتساب هو الشكل الأرقى لماهية السرد أو الإنفعال والذي سيؤدي حسب رأيه إلى اكتشاف ماهية مبعث الإبداع بمختلف أجناسه .

         لذا فهو لم يخبئ جهداً في سياق بحوثه التنظيرية من تلميع وتسويق مفهومة ا حتلال ( النحن ) لخصوصية ( أ نا ) الفنان التي تمتاز بالفردية غير ملتفت إلى التراكم الهائل الذي يضج به اللاشعور في طبقاته الأولية والذي يشكل الدوافع الأولى لتخليق العملية الإبداعية .

 

          أما تجربة ( عز الدين إسماعيل ) فهي في ظننا التجربة الأكثر عمقاً في تناول موضوعة منهج التحليل النفسي وعلاقته بالفن عموماً حيث أكد على مفاهيم جديدة ومختلفة كما جاء في كتابة المرسوم بـ ( التفسير النفسي للأدب )(10).

        والذي احتوى على فصول عديدة من أهمــــــها ما يتعلق بمسألة ( العصاب ) / Neurosis / وعلاقته بالفنان من جهة, ومن الأخرى تضمينه للكثير من المعطيات الاشكالية في فهم العملية الإبداعية وتوصيفه أيضاً لإجرائية /  operations / الأسئلة الكلية لقواعد اللعبة ( البسكولوجية ) وماهية ثوابتها الأساسية في عمليات الجهاز النفــــــسي / Appareille psychigue / ومتتالياته السـلوكية / Behaviourism /               ناظراً إلى الكثير من المفاصل المؤسسة لعمـلية الإبداع ومرجعياته النفـسية كعملية تقوم علــــى ( رد الفعل الانعكاسي ) الذي يعيد للفنان العصابي / Neurotic / توازنه التكيفي عبر سـلوكات لاواعية / The, unconscious / يتمظهر فيها التمثيل (الكاريزمي ) لحالة الأنا الخارجة عن مألوف قوانين ( النحن) .

        لكن قبل الدخول في عملية تفحص القيم والقوانين النفسية التي أ نتجها كتاب ( التفسير النفسي للأدب ) لا بد لنا من أن نميز بين متناقضتين في جملة الأسئلة الكبيرة التي طرحها (عز الدين إسماعيل ) والتي بقيت عائمة في إطار البحث عن أجوبة لها .

       فهو يرى أن مشكلة الفنان وعلائقه بمفهومة ( العصاب ) كحالة سريرية / Clinical / ليست بالضرورة المعيار الأساسي في الدوافع الإبداعية وأنه ليس كما أكد ( ترلنج ) بأ نه ما دام الفنان عصابياً فان محتوى عمله عصابي كذلك )(11). بل ينظر إلى المسألة أي ( عز الدين إسماعيل ) على أنها اشكالية  ولابد من الفصل بين سلوك الفنان ومنتجه مؤكداً علـــى أنه

( حتى عندما يكون الفنان عصابياً لا يكون لعصابه أي دخل في قدرته على الإبداع الفني لأنه حين يبدع يكون في حالة من الصحة واليقظة النفـــسية الواعية بكل ما في الواقع من حقيقته )(12).

    من هنا نجد حقيقة الاختلاف مع ( ترلنج ) بالرغم من أ ن التصورين اللذين أبداهما كل    مـن ( عز الدين إسماعيل وترلنج ) قابلين للحوار .

  لكن المفارقة المدهشة التي ذهب إلى الظن بها ( عز الدين إسماعيل ) هي تصوره التحـليلي / Analysis /  لماهية العلاقة القائمة بين ( ديستوفوسكي ) كمؤلف ، وشخصياته وفق الاشارية المرجعية لرواية ( الأخوة ـ كرامازوف ) والتي تؤكد سطحية التحليل وضعف دقة التصّور في استنتاج البعد البسكولوجي حين الاشتغال على الإنجاز الذي ظل يعاني

 من الوهن وتباين المقاربة التنظيرية الانجازية   دون أن ينفك عن الخلط ما بين ( قسمة أ نوا ت المؤلف ) / Egocentvgue / مؤكداً على أنه ( قد صار من الواضح الآن بعد أن تعرفنا على المكونات النفسية لأفراد أسرة كارامازوف كيف أن هذه الشخصيات كانت تجسيماً درامياً لجوانب نفس ( ديستوفوسكي ) وكيف أنها تعبيراً عن خبرته ومدركاته وموقفه من قضايا الإنسان )(13).

       واللافت هنا أن أغلب أعمال ( ديستوفوسكي ) هي مقروء من التوتر / Tension / والقلق وهي شخصيات تحليلية لمناظير العقد النفسية وإن تصورها وفق النمط الإنجازي الذي ذهب إليه (عز الدين إسماعيل ) تصور يعاني من ضعف في الرؤية / Vision / الجوانية للنص ومن غياب للتأمل الذي يستند إلى معايير محددة أما المسألة التي اتضح من خلالها تعويم مفهومات التنظير وتقلبات الإنجاز وتغيراته هي رفض عزالدين إسماعيل لرؤية ترلنج في فهمه لعصابية الفنان وقبوله لها في الآن ذاته حين يقول :

( حتى حين يكون الفنان عصابياً )(14).

 

 

         لكن الإشكالية الكبرى في مرجعية المعايير البسكولوجية عند ( عز الدين إسماعيل ) وعلاقة تلك المعايير بمنهج التحليل النفسي, تتمظهر بجلاء تام في فصل ( مشكلة الفنان ) من كتابه (التفسير النفسي للأدب) ذلك التناول الصادم في استنتاجاته وخلاصاته / Sommaire / حين يقول : (من كل ما مضى يتضح لنا أننا نستطيع من خلال الدراسات النفسية والتحليل النفسي أن نعرف الشيء الكثير عن الفنان وإن لم نتمكن من معرفة كل شيء ، وقد رأينا أنه يمتلك قدرة فائقة كانت تفسر قديماً في ضوء فكرة الإلهام ثم فسرت على أساس مرضي وكلا التفسيرين قد صار مرفوضاً في وقتنا الحاضر ، وهي تفسر حديثاً في أبحاث الذكاء والتوافق الاجتماعي)(15).

      من هنا نجد أن الكثير من المعايير والقيم النقدية التي خلص إليها ( عز الدين إسماعيل ) قد عانت من تقلبات لافتة ، ففي الوقت الذي يعارض فيه كتابه ( التفسير النفسي للأدب ) عصابيـة الفنان حسـب ( ترلنج ) فانه يوافقها ويشتغل إ نجازاً عليها .

          أما أن تتحول العملية برمتها إلى شكل من أشكال الذ كاء/ Intelligence / والتوافق الاجتماعي  فهذا يدل بصورة جلية على تقلب وتبدل المعايير النقدية وانتقائيتها والغياب الواضح والصادم للمتتاليات المناهجية للتحليل النفسي عند ( عز الدين إسماعيل ) وكذلك هي نسف لمقومات ذلك المنهج وآليات مناجزته للنصوص الأدبية مؤكداً علـــى أن

 ( القصة النفسية التي تكتفي بذاتها والتي لا تحتاج إلى تفسير لا يمكن أن تدخل الميدان الادبي ولا يمكن النظر إليها بوصفها عملاً فنياً )(16).

وبذا يغد و النظر إلى مشــكلة الفنان /adjecto  Contradictioin /  والخلافــية القائمة على عصابـيته / Neuroticism / أو غيابها مسألة اشكالية أرهقت نتائج الإنجاز على حساب التنظير الذي يستمد منه الناقد قيمة النص الإبداعي وأدوات الكشف عما وراءه أما تجنيس القصة أو العمل الإبداعي ذو السياقات النفسية أو طرده إلى خارج أجناس الفن فتلك مسألة لا بد أن نتوقف قليلاً عند التناقض الذي وقع فيه ( عز الدين إسماعيل ) مجدداً وكما هي كل مرة ينزلق بسبب عدم تأمل انتقاله من معيار إلى آخر وغياب ثبات جهة التعامل مع النص الإبداعي .

     ففي الوقت الذي يقرر فيه إخراج العمل الإبداعي ذو القيمة البسكولوجية من دائرة الأجناس الإبداعية يذهب شوطاً طويلاً في تحليل قصته (السراب) لنجيب محفوظ ويحدد القيمة التحليلــــــية / Analysis / لها قا ئلاً :  ( ورغم ما هو معروف عن أنها قصة نفسية قبل أي شيء وأن التفسير النفسي لها يزيد عن فهمنا لها ويكشف لنا عما وراء ما تعرضه لنا من ظواهر )(17).

       من هنا تتظهر المباينة والإرجاء والتقلب وغياب ثوابت معايير منهج التحليل النفسي ومناجزة النصوص عند (عز الدين إسماعيل ) الذي لو أخذنا بمعاييره لأخرجنا الكثير من الأعمال الإبداعية الخالدة من اللوح المحفوظ عارية من جلدها وجنسها إلى جنس وجلد آخرين تصعب فيه التسمية والانتماء .

        لكن وبالرغم من الخــــــــلط الزائد وابتسار الآراء والشواهد وغياب التناغم / Syntontonia / المنهجي في كتاب ( التفسير النفسي للأدب ) وكذلك ما عاناه من افتعال الكتل / Mass / التنظيرية والحشو والمبالغة إلا أنه يظل لبنة لافتة وهامة في إطار المراجع الكلاسيكية التي اشتغلت على منهج التحليل النفسي والأدب في التطبيق المناجزة النــقدية العربية .

          لاشك بأن فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين المنصرم فترة حاسمة وهامة في إطار تظهير منهج التحليل النفسي وعلاقته بالفن فقد ساهمت الكثير من الترجمات إلى العربية من مصادر مختلفةإلى إنضاج إ ستلها م ذ لك المنهج  والأخذ كذلك بالكثير من الآراء والاجتهادات البسكولوجية التي ناجرت في تأكيد حضور ذلك المنهج من خلال من خلال البحوث الهامة التي اشتغلت عليه في المشهد النقدي العربي .

        لكن القضية الأساسية التي جعلت من منهج التحليل النفسي / Psyco analysrs / منهج له قيمة وحضور نقدي يمكن التعامل معهما ومناجرتهما على نصوص إبداعية عربية, فهي دون أدنى شك البحوث النقدية النفسـا نية / Psychocritigue / للباحث والناقد العربي ( جورج طرابيشي )(18).

         والذي كان مختلفاً وظل مختلفاً في رؤاه ومنحاه في التحليل والتأويل منتجاً لكم هائل من المؤلفات التي تنوعت بين الترجمات والبحوث مما جعله علامة هامة ومؤثرة في تظهير منهج التحليل النفسي عبر إقامته العلاقة العلمية التي لها مرجعيتها النظرية مع الفن والأدب معتمداً على تنوع الآراء والاجتهادات المعاصرة آخذاً بعين الاعتبار الأســـس الموضوعية / Objectivity / لبناء تلك العلاقة ودفعها نحو أفق من التجاذب المحقق لمعادل التنامي بين النص المبحوث نفسياً والبنية المناهجية للتحليل النفسي كأداة للكشف عن البنى العميقية للاواعية النص والأوجه المتعددة لمعاينة / Polysemous,medning / غير المستقرة بالرغم من ميله الشديد إلى المعجم الفرويدي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                                      (1): يتبع القسم الثاني

 

 

                       (( الهوامش والمراجع ))

 

(1) ـ عباس محمود العقاد :

            ـ المذاهب الأدبية والاجتماعية ـ المكتبة العصرية ـ بيروت ط 1 ـ 1965 .

            ـ ابن الرومي ـ دار الكاتب اللبناني ـ ط1 1980 .

            ـ أبو نواس ـ المكتبة الصرية ـ بيروت ط1 ـ 1971.

      يوسف مراد :

             ـ مبادئ علم النفس ـ ط5 ـ دار المعارف ـ مصر 1965 .

     عز الدين إسماعيل :

              ـ التفسير النفسي للأدب ـ دار العودة ـ ط1 ـ بيروت 1962 .

      محمد النويهي :

              ـ نفسية أبي نواس ـ دار الفكر ـ ط2 1970 .

      محمد خلف الله :

  ـ من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده ـ معهد البحوث والدراسات ـ ط2ـ 1970 .

      مصطفى سويف :

            ـ الأسس النفسية في دراسة الأدب ونقده / دار المعارف ـ 1967 .

            ـ دراسات نفسية في الفن / دار مطبوعات القاهرة ـ1983 ط1 .

      مصري عبد الحميد ضورة :

            ـ الأسس النفسية للإبداع الفني في الرواية ـ الهيئة المصرية 1979 .

            ـ الخلق الفني ـ دار المعارف  ط1 ـ1977 .

      يوسف ميخائيل أسعد :

            ـ سيكولوجيا الإبداع في الفن والأدب ـ الهيئة المصرية  ط1ـ 1986 .

            ـ سيكولوجيا الإلهام ـ دار غريب ـ ط1 ـ  القاهرة 1983 .

      حسن ثائر :

            ـ البحث النفسي في إبداع الشعر ـ وزارة الثقافة والإعلام ـ بغداد ط1 ـ1986  .

      صفوح فرج :

       ـ الابداع والمرض العقلي ـ دار المعارف ـ ط1 ـ 1983

      جورج طرابيشي :

            ـ الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية ـ دار الطليعة ـ بيروت ط1 ـ 1973 .

            ـ لعبة الحلم والواقع ـ ط1 ـ دار الطليعة 1972 .

            ـ الأدب من الداخل ـ ط2 ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ 1978 .

            ـ رمزية المرأة في الرواية العربية ـ الطليعة  ط1 ـ 1981

            ـ شرق وغرب ـ رجولة وأ نوثة ـ ط1ـ  الطليعة 1977 .

            ـ الرجولة وأيدلوجية الرجولة في الرواية العربية ـ ط1 ـ 1983 .

            ـ عقدة  أوديب  في الرواية العربية ـ ط1 ـ الطليعة ـ 1982 .

          ـ المثقفون العرب والتراث ـ التحليل النفسي لعصاب جماعي دارالريس  
            ط1 ـ 1991 .

(2) ـ العقاد ـ ص12 دراسات في المذاهب الأدبية الاجتماعية ـ المكتبة العصرية ـ  بيروت ط1 ـ 1965 .

(3) ـ العقاد ، النقد السيكولوجي ـ جريدة الأخبار المصرية / 5 ـ 4 / 1961 .

(4) ـ العقاد  ـ ابن الرومي ـ دار الكاتب اللبناني 1980ـ أبي نواس ـ المكتبة العصرية ـ بيروت ط1 .

            (5) ـ فرويد ـ التحليل النفسي والفن ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ ط2 ـ 1979 .

            (6) ـ نفسية أبي نواس ـ دار الفكر ـ بيروت  ط2 ـ 1970 .

         (7)الأسس النفسية للإبداع الفني / دار المعارف 1967 ط1 .

(8) ـ المصدر السابق ـ ص117 .

(9) ـ المصدر السابق ـ ص183 .

(10) ـ عز الدين إسماعيل ـ التفسير النفسي للأدب ـ ط1 ـ دار العودة ـ بيروت 1962 .

(11) ـ المصدر السابق ـ ص28

( 12) ـ المصدر السا بق ـ ص32 .

           ( 13) ـ المصدر السابق ـ ص246 .

           ( 14) ـ المصدر السابق ـ ص28 .

           ( 15) ـ  نفس المصدر ـ ص49 .

           ( 16) ـ نفس المصدر ـ ص251 .

            (17) ـ نفس المصدر ـ ص252 .

  1. اطفال فلسطين تحت حراب الاحتلال
  2. الأصول العربية الإسلامية لعلم المصطلح
  3. المرأة، الحزنوالوطن في "حرائق العشق" للشاعر المغربي محمد غرا
  4. امريكا وايران ..صراع خارج حدود الزمن

الصفحة 22 من 66

  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26

المتواجدون الآن

66 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك