مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد العرفي
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
هتصوموا ولا زي كل سنة!؟
محمد العرفي
هي لا تمر سريعا فقط،بل تمر بكامل سرعتها غير مكترثة بكمية الوقود المتبقية في مخزوننا ولا إشارات المرور العابرة على جانبي طريق العمر..
إنها الأيام ، تعبث بأعمارنا كيفما تشاء فتبعثرالشهور والسنين وتجيد رسم التجاعيد في الوجوه.
لا عليكم من هذه المقدمة الحمقاء التي تجعل الجميع يتوهم أن الكلام الذي يليها سيكون أقل حماقة منها.
بالأمس القريب البعيد أذكر ضحكات أبي وضيوفه حينما يسألوني عن عمري فأجيب بمنتهى الفصاحة ( ثبعة)، بينما أشير لهم بيدي اليمنى واليسرى ( تثعة أصابع)!
ولا أدري أي شيء كان يضحكهم اكثر من الآخر خطئي في العد أم نطقي للعدد؟!
ودارت الأيام كعادتها وأصبحت أنا من يسأل..عمرك كم؟
فيجيبون بعدما تنامت حماقة الأطفال، وتأتي الإجابة غير المتوقعة: عايش من زمان
بالفعل لم يعد هناك أطفال، والشيء الوحيد الذي يدل على طفولتهم..حجمهم لا أكثر!
بالنسبة لي الحديث عن العمر والطفولة وكل ما هو قديم كأمجادنا التليدة، ما هو إلا مضيعة للوقت وبكاء على الأطلال حتى يمتليء الوادي بالدموع، فيأتي متحذلق آخر يثقب الذاكرة ويفرغها من الدموع ليبكي هو من جديد على طلله.
إلا أن الحديث عن الطفولة المتعلقة بذكريات جميلة كـ(رمضان) له طعم خاص كمذاق أول حبة تمر في فم الصائم.
قديما كانوا يقولون وكنت أسمعهم أن رمضان قادم وكنت أنتظر رمضان هذا بفارغ الصبر فيأتي وينتهي وأنا لا أدري به ولم أره، حتى خيل لي أنهم يقصدون (خالي رمضان) المقيم بالسعودية ولا يأتي أيضا أي رمضان، ثم يتبعه العيد وكنت أظن أيضا أن عيد هذا شخص سيمر ليوزع الحلوى في الشارع على الأطفال، ولم أر أي حلوى إلى الآن
كبرت وعلمت أن رمضان هو رمضان والعيد هو العيد والحلوى تباع عند البقال!
وإستمرارا لمسيرة الإستهبال في الأرض كانوا يسألوني دائما هذا السؤال المحير، هتصوم ولا زي كل سنة؟
فأحاول الإجابة بمنتهى الحيرة كمن يبحث عن أي شهامة متنكرة في زي عربي!
لأعرف أن إجابة هذا السؤال تحتوي من المكر والخديعة ما يكفي لخداع البلهاء العرب من جانب الولايات المتحدة وابنتها الجاثمة على صدورنا.
كبرت أيضا وأصبحت أعلم أن رمضان على الأبواب من الأصناف والألوان التي أراها في الأسواق ما بين الأبيض والأسود والبرتقالي وبقية المجموعة الطيفية الرمضانية وكمية الأصناف التي أتفاجأ بها تحت سريري ومزرعة الدواجن في مطبخنا الموقر، كأن أمي قد قررت أن تدخل حربا طويلة الأمد ومعسكر مغلق لمدة شهر تذيق فيه أفراد الأسرة ما لذ وطاب.
لن أنتقد كعادة من ينتقدون ، في كل رمضان تشهر الأفواه والحناجر وتعلو لتتحدث عن الإسراف في الأكل والإسراف في المعاصي المسلسلاتية!
الأمر بسيط كبساطة كلوا واشربوا ولا تسرفوا،أما الإستعداد الشيطاني من جانب الإعلام الذي يجعل من رمضان شاشة عرض سينمائية طويلة الأمد تلهي الجميع حتى تنتهي أيام الرحمة والمغفرة والعتق من النار،سيتلاشى أمام إيمانيات صلاتي الفجر والتراويح.
قديما أيضا كانوا يشترون لي فانوس ويضعون فيه شمعة حمقاء سرعان ما تنطفيء ويتحول الفانوس إلى كابوس لأهل البيت
أما الآن فيمكنك الإستمتاع بأعذب الألحان من داخل فانوس صغير اقنعونا قديما بأنه قد يخرج منه مارد طويل يلبي كل رغباتك،ولم نصدق
حتى أتى لنا المعلم بيونج يانج بفانوس يخرج منه صوت عبد المطلب بكامل فرقته الموسيقية وهو يستقبل رمضان بأغنيته الشهيرة.
فكل الشكر للصين الشعبية على إستهبالها شعوب المنطقة العربية وتعبئة الهواء في زجاجات فارغة وتصديره إلينا.
وكل رمضان وأنتم صايمين زي كل سنة!
وبالمناسبة هذه إجابة السؤال الوارد أعلاه
- التفاصيل
- كتب بواسطة: صباح الشرقي / المغرب
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
إن باب مناقشة موضوع عمل المرأة في المهن الصعبة أصبح مفتوحا على مصراعيه أمام الإخفاق الاقتصادي والتدهور الاجتماعي ولن يغلق مادام هناك جناح معارض وآخر مؤيد ولكل منهما أسبابه.
اقتحمت المرأة العربية بسبب الظروف القاسية سواء منها الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية مجالات عدة، لم تكن تخطر في البال حتى وقت قريب، و خلال السنوات الأخيرة شاهدناها وهي تغزو فضاء بعض المهن التي كانت حكرا على الرجل، فئة تعتبرها إصرار وتحدي واعتداء على حقوق الرجل وأخرى تعتبرها مجرد فرصة عمل كمثيلاتها يجب استغلالها مهما وصلت ذروة قسوتها.
تعود النظر وألف رؤية المرأة وهي تعتلي كرسي القضاء والمحاماة والتمريض والهندسة والتعليم والفضاء واثبت وجودها كذلك في مجال المهن الحرة على اختلافها والإدارة والسلك الدبلوماسي والسياسي الخ لكن أن نراها تمتهن بعض المهن المثيرة للجدل أمر قد يكون غامضا تشوبه الكثير من التحفظات، وظائف ومهن تتعرض فيها المرأة الإنسانه الحساسة التي تتأثر بكل المظاهر كالفقر والبؤس والحرمان والعوز والتخلف والظلم والأوضاع المزرية والآثار السلبية المهينة وتبعاتها كالانتهاكات الحقوقية والجسدية والنفسية التي تنقص من كرامتها وإنسانيتها والتي لن يقبلها الفكر السليم ولا الدين لما تلاقيه فيها من مشقة وأذى.
فبائعة السجائر بالتقسيط، ونادلة المقهى والحانة وحارسة السيارات في الشوارع، وحارسة مر آب السيارات ليلا، والعاملة في ورشات البناء وتلك التي تجهز البنايات بتجهيزات الكهرباء والتدفئة والتكييف، والأخرى في ورشات الحدادة واللحام والألمنيوم والميكانيكية ومصلحة السيارات والشاحنات، والمجندة التي تحمل السلاح، والبائعات على الأرصفة والطرقات العامة وفي المقاهي والأماكن المتعددة والمشبوهة أحيانا. إنها لمعادلة خيالية وظروف مزرية من اجل توفير لقمة عيش وسد رمق أسرة بأكملها.
على سبيل المثال فالمرأة المجندة تحمل سلاحا بوزن الأثقال، تجري وتمارس الرياضة الصعبة والحركات التدريبية على التراب وسط الغبار والأوحال وفي الأماكن الوعرة تحت المطر والشمس الحارقة، وتقف أمام خط النار في ظروف وقاسية تنهك قواها وما لها من مؤثرات وما لها من مدى على الأمد الطويل، حملناها أكثر من طاقتها انطلاقا من التدريبات الخشنة إلى المسؤولية الصعبة والتي قد لا يتحملها حتى الرجال الأشداء الأقوياء. ألهذه المهن خلقت حواء وبهذا أمرنا الله ؟؟؟
اجل لا يوجد أي قانون يقف ضد عمل المرأة وهذا أمر جميل ورائع، لكن أن يوافق لها القادة والمسؤولين وولاة الأمور والمجتمع ككل بالمهن المهينة المؤذية بل نجد الأغلبية راضية عن هذه المهن مادامت مطمئنه على الراتب والمردود والدخل والمساهمة في اقتصاد البلد و التكفل بالواجبات دون الاهتمام بل في غفلة عن الأذى عدو الحياة الإنسانية والتي لا زالت ترزح تحت هجماته القاتلة حتى الآن.
إن لغة الواقع تشير إلى أن المرأة العربية غزت جميع المهن مهما صعبت لكن بعضها ما فتئت تمتص معنوية هذا الكائن الحساس وتقضي على كيان عماده، وها نحن نشاهد أوضاعها تتجه من سيء إلى أسوأ ومعاناتها تتفاقم كل لحظة ومدى انعكاسها على حياتها وصحتها ومستقبلها لأن فجوة الفرق كبيرة التي كشفتها نتائج تلك المهن المهينة التي لا تنسجم مع طبيعتها الفزيولوجية والسيكولوجية رغم حضورها الدائم وللافت والسمة التي تمتاز بها في التضحية والعطاء والإنتاج لأنها حين تصوب على الهدف يعني ذلك أنها عزمت على بلوغه مهما كلفها ذلك، مما جعل الأبواب الموصدة تفتح أمامها في شتى الميادين والمهن دون مراعاة ظروفها ولا من يحمل همها ويسأل ويتساءل لماذا حققت المراة العربية كل هذا التفوق والنجاح وهي صابرة متابرة حتى يؤول بها الحال لتأكل لقمة عيش مريرة ممزوجة بالدموع والألم من اجل إعالة أطفالها وتمكينهم من سبل العيش البسيطة وها هي لازالت تواجه تيارات الحياة الجارفة من اجل ضمان الحياة واستمرارها بنفس الوسائل النافعة والشريفة مثل ما يضمنها أخوها الرجل ولو كانت قاسية ومهينة.
جل البلدان العربية والإسلامية تعيش في الوقت الراهن مأساة شاملة إذ تمر بمراحل جد صعبة وأمامها تحديات جسام اثر الحروب المتعاقبة، والصراعات المسلحة والظواهر الطبيعية والمآمرات الخارجية والداخلية وما يعقبها من نهب للثروات وتبديدها مما دمر الأوطان والآمال ونخر أساس المجتمعات ونشر ونثر المزيد من البؤس والظلم والعذاب فتضرر الاقتصاد والقانون والثقافة والأخلاق والقيم والطموح، نجد جل القطاعات الحيوية مهمشة بالجملة وأصابها الشلل ولدت معها جماهير مهزومة تحت سقف القفر والعوز والحرمان، إضافة إلى كل ما سبق ذكره تأتي حقبة الألفية الثالثة بأوزارها الهائلة التي أطلقت عنان حمولتها على كاهل المرأة كالعديد من الصعاب والتحديات،إلا أنها دائما تتطلع للتغيير بأمل لأنها لا تملك إلا إياه، ولأنها تطمح أن ترجع الأمور إلى نصابها الطبيعي يوما ما بينما هي بين ظالم متملق لها ومعتد على حقوقها، تأمل أن تتحرر الأوطان من رقة الاحتلال واختلال قواعدها وتعود الأمة العربية كما كانت عليه من قبل محررة أراضيها وشعوبها من التبعية والاستغلال والخوف والاستبداد الذي سلط عليها، آنذاك تكتمل الوحدة أرضا وشعبا وحقوقا.
.
حتى الثقافة العربية لا تقبل دخول المرأة العربية مضمار المهن الصعبة التي لا تناسب طبيعتها، وقوانين الشريعة الإسلامية وضعت من اجل حمايتها وصونها ولو أن بعض الجهات يرون في عملها الشاق نقط أكثر ايجابية ما دامت تدر دخلا تساهم به في الالتزامات والمسؤوليات ومن هنا ندرك أبعاد القضية دون تسييس للموضوع أو اتخاذ بعض الذرائع كحجج لأن المراة أينما وصلت فطبيعة تكوينها من الجنس الناعم لا حاملة أثقال وأوزار. فمن الأسى والعار السكوت عن أوضاع المرأة العربية وظروفها ونعرضها للمزيد من الخطر والإهانة ونحملها ما لا طاقة لها به نيابة عن المعيل وولاة الأمور والدولة نفسها.
آن الأوان كي نقوم بمحاسبة أنفسنا أفرادا وجماعات، يجب أن لا ننخدع للمظاهر، فالاقتصاد العربي الهش له اثر كبير في تكوين وإبراز جل المظاهر، إذ يتوجب العمل على تغيير النظام الاقتصادي وإنشاء المزيد من القطاعات الإنتاجية الفعالة، لنمر بسلام من هذه المرحلة الانتقالية والانقلابية المضطربة بما تحمله المسؤولية من تضامن وتكافل وعون، لأن القواعد تتغير من أساسها والحياة ليست بالسهلة كما نزعم، علينا كذلك الخوض بكل صدق وأمانة في غمار التحديات من اجل القضاء على الطفيليات القاتله و المهلكة كي نعبر لضفة أخرى ومرحلة أخرى مع تحقيق التوازن المطلوب مرفق بالثوابت اللازمة التي تدعو لتحسين حال المرأة العربية وإعطائها الثقة التي هي أهل لها كي تبني بدورها مستقبل امتنا على الأسس الصالحة والمفيدة.
1/9/2007
- التفاصيل
- كتب بواسطة: حيرش بغداد محمد
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6
السيـــرة الذاتية
الاسم الكامل: حيرش بغداد محمد
الجنسية: جزائري
تاريخ الميلاد:25 سبتمبر 1972.
الشهادات الجامعية:
1/ ليسانس فلسفة من قسم الفلسفة بجامعة السانيا-وهران
2/ 2003 ماجستير فلسفة حول القراءة النقدية للتراث وعائق التكفير-نصر حامد أبو زيد نموذجا-
3/ أحضر حاليا رسالة الدكتوراه حول "حقيقة النزعة المثالية الألمانية".
الخبرة المهنية:
1/ 12 سنة في التعليم الثانوي.
2/ أنا حاليا باحث دائم بمركز للأبحاث في الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (CRASC).
النشاطات العلمية:
1/ مقال في مجلة إنسانيات يصدرها .CRASC
2/ مشاركة واحدة في ملتقى وطني 2006.
3/ مشاركة واحدة في ملتقى دولي 2006.
يسرني أن أتوجه إلى مجلتكم بهذا المقال المعنون "عوائق التنوير في مشروع النهضة العربية الإسلامية" على أمل أن ينشر في العدد القادم من إصداراتكم، أو الأعداد اللاحقة.
أرجو من سيادتكم أن تراسلوني عبر البريد الإلكتروني، أو عنوان مركز البحث: مركز البحث في الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، حي باهي عمر، عمارة A رقم 1 ، دائرة السانيا، ولاية وهران.
عنوان المقال : عوائق التنوير في مشروع النهضة العربية الإسلامية
الكلمات المفتاحية: النهضة، الحداثة، التنوير، التثوير، المصالحة، الإسلام، الإصلاح.
ملخص المقال: يعتقد نصر حامد أبو زيد أن مشروع النهضة، كما أسس له العلماء والشيوخ، كان قائما على أساس تلفيقي، يدعي المصالحة والتوفيق بين الإسلام والحداثة، ولكنه في أعماقه منحاز للتيار "السلفي" و "الأصولي". عدم نجاح الإصلاح يؤكد على هشاشة منطلقاته، وعدم تلاؤمها مع روح العصر.
من أجل تجاوز هذا المشرع يقترح أبو زيد "التثوير" بدل "التنوير" كتجاوز جدري، وانقلاب على الدهنيات الكلاسيكية، وهذا ما حاول القيام به في مؤلفاته العديدة ( نقد الخطاب الديني، دوائر الخوف في خطاب المرأة، التفكير زمن التكفير...)
رغم جرأة الخطاب الذي يحمله أبو زيد، إلا أنه لا ينظر للحداثة في صيرورتها، و مآلاتها، بل يركز فقط على لحظاتها الأولى، فالحداثة ليست واحدة، بل هي متعددة وهي ليست حاملة لأفكار القلة ومقصية لأفكار الأغلبية، وهي ليست فقط العقلانية...الحداثة هي القدرة على المناورة، على المساومة، وهي تستدعي تسخير جميع القوى وجميع الملكات العقلية والوجدانية.
المقـــــــال:
عادة ما يتم الأخذ بسنة 1798م كبداية لمشروع النهضة العربية، التي حاولت تغير واقع الإنسان المفتقر للعلم والتفكير العقلاني والممارسة الديمقراطية. من الجلي أنه على ما يزيد من قرنين مرا على محاولة تحقيق ذلك، ما زالت الكثير من إشكاليات النهضة لم تحل لأنه مازال المفكر العربي إلى الآن يطرح نفس الإشكاليات النهضوية حول الدين والفلسفة، الدين والسياسة، وقيمة المعرفة العقلانية مقابل المعرفة الدينية، وطبيعة العلاقة المفترض إقامتها مع الغرب. حيث يقول برهان غليون: <<...بل أن العديد من المثقفين انتبهوا إلى أننا عدنا نطرح اليوم نفس المشكلات التي كان يطرحها أكثر من قرن جيل النهضة.>>([1])، ويظهر أن العائق المركزي الذي أدى إلى الفشل في تحقيق النهضة، والذي انتبه إليه من انصب اشتغالهم على نقد مشروع النهضة، يتمثل في ميل المفكرين إلى اتخاذ المواقف التوفيقية، وقبول الحلول الوسطى. هذه التوفيقية أو كما سماها نصر حامد أبو زيد بالتلفيقية تجنح في آخر المطاف إلى التمسك بالماضي وبالدين أساسا. لقد اكتفى رجال الإصلاح بتقليد المرحلة الأولى من الحداثة الأوروبية كما رأى ذلك بن مزيان بن شرقي[2] في كتابه "التاريخ والمصير". لأن المستوى الأول من الحداثة الغربية كان يتجه إلى استرجاع التراث الإغريقي، أما المستوى الثاني فعلى العكس اتجه إلى المستقبل بعد تطور العلوم التجريبية. وهذا ما يفسر أن العرب بقوا حتى سنة 1967م يريدون تغير أحوالهم باسم مشاركتهم السابقة في الحضارة. إن ميل مصلحي النهضة إلى الماضي لم يكن عفويا بل كان نتيجة ما تعرضوا له من ضغوطات جعلتهم يقدمون تنازلات و ترضيات للاتجاه السلفي. إذا ما هي الأسس الفكرية التي بني عليها مشروع النهضة العربية الإسلامية، وما حقيقة العوائق التي حالت دون أن يحقق أهدافه؟
1- في مفهوم الحداثة:
الحداثة نمط حياتي يتجسد فيه مستوى وعي الجماعة حسب جون بودريار. وهي عكس عالم التقاليد، لأن مصطلح حداثة/Modernité مشتقة من الكلمة اللاتينيةModernus" " وتعني "الآن" أو الزمن الحاضر. في حين أن التقليد يرجع إلى الزمن الماضي، والأصل ""Modus يعني يقيس، لذلك هناك ارتباط وثيق بين الحداثة والعقلانية والعلم. يقول ألان توران: << فكرة الحداثة تغير الله من مركز المجتمع وتستبدله بالعلم، تاركة الإيمان الديني داخل الحياة الخاصة، ولا يكفي حضور التطبيقات التكنولوجية حتى نتكلم عن الحداثة، يجب بالإضافة أن يكون النشاط العقلي محميا من الدعايات السياسية أو المعتقدات الدينية.>>([3]). إن منشأ الحداثة في الغرب مرتبط بتغيير العلاقة التي كانت موجودة بين الدين والحياة السياسية والاجتماعية، بحيث تم زحزحة المعتقدات الدينية من مركز الحياة ليحل محلها العقل والعلم. بعد أن عانى العقل من الممارسات السياسية والدينية السائدة في العصور الوسطى، والتي فرضت عليه وصاية محاكم التفتيش. كما أنه من الضروري التمييز بين الحداثة والتحديث، لأن التحديث إجراءات عملية ذات طابع اجتماعي وسياسي تفرضها ضرورات حيوية. كما فعل مثلا محمد علي عندما شرع في تحديث الجيش والتعليم وبناء الصناعة الآلية، وإرسال البعثات العلمية إلى الخارج. أما الحداثة فهي التأسيس المعرفي للتحديث بالانتقال من المجال التطبيقي إلى المجال النظري ومجال الوعي. لذلك فإن الحداثة نمط حضاري يرتكز على الإيمان بقيمة العقل والعلم، واتخاذ موقف خاص من كل ما يمكن أن يعيق بروزهما.
الحداثة في أوروبا ارتبطت بالتنوير. فما هي الأنوار؟ سؤال طرحه إمانويل كانط، ونجد الإجابة عنه في كتاب" فلسفة الأنوار" لإرنست كسرر:<< ما هي الأنوار؟ هي خروج الإنسان من ضعفه المسؤول عنه، ضعفه الذي يعني العجز عن استعمال فهمه عندما يكون تحت توجيه الآخر، وهو المسؤول عن هذا الضعف، لأن السبب لا يمكن في عيب الفهم ولكن في قلة القرار والشجاعة في استعماله عندما يكون تحت توجيه آخر..>>([4]). هذا الآخر لا يمثل إلا في التقاليد والماضي، والشجاعة تكمن في إمكانية ممارسة التفكير النقدي أمام ما هو جاهز. فكما أن العالم الفلكي كوبرنيك أحدث ثورة فلكية حينما فشل السابقون في إحراز أي تقدم لتفسير حركة الأجرام السماوية بافتراض أنها تدور جميعا حول الشخص الملاحظ. عمل كوبرنيك على جعل الشخص الملاحظ يدور وأن تظل النجوم ثابتة. وهي الفكرة التي انطلق منها كانط في نقده للعقل النظري بأن جعل الفكر بمقولاته يدور حول الموضوع و يؤطره، وبهذا الشكل أنشأ نظرية معرفة جديدة تعطي "للقبلي" قيمة في تحصيل المعرفة. كما عمل كانط في مجال نقد العقل العملي على إبداع أخلاق جديدة بعيدا عن الدين وعما هو نافع أو ضار.
لقد ارتبط مشروع النهضة العربية الإسلامية بفكرة التقدم أي محاولة الارتفاع من حالة المدنية الدنيا إلى الحالة العليا. أي من حالة متأخرة على حالة متقدمة. ويميز برهان غليون بين الحداثة وبين النهضة على أساس أن الحداثة تحصل في المجتمعات العربية الإسلامية بشكل عفوي وتلقائي، ونتيجة التفاعل الحضاري يتم انتقال أنماط السلوك والمنتجات الغربية. في حين أن النهضة مشروع وإستراتيجية تتمثل في القدرة على الاختيار بين البدائل، ورسم طرق لكيفية الدخول في الحضارة، وذلك من أجل خلق وعي جماعي. إلا أن أنماط السلوك والمنتجات المادية التي تنتقل إلى العالم العربي تعكس عملية التحديث وليس الحداثة. وتتمثل الإستراتيجية التي قام عليها مشروع النهضة على أساس إصلاح الدين مما لحقه من خرافات جعلت الجماهير تميل إلى الاتكال والجمود، وفي نفس الوقت التأكيد على أهمية العلم والعقل كما فعل الأفغاني و الطهطاوي. يقول برهان غليون: <<...وكأن الأفغاني يكمل هنا الطهطاوي في تبريره وتشريعه للاقتباس من الغرب حين ذكر أن الاختراع ليس كفرا وإنما هو علم...وميز بذلك بين الاختراع النافع والبدعة الفاسدة التي تؤدي إلى الضلالة، والضلالة تؤدي إلى النار.>>([5]). وهذا الإصلاح يعبر كذلك عن المصالحة بين الدين والعلم، وأصبح الرهان على عدم تعارضهما هو محور عمل رجال النهضة من الإسلاميين. في حين أن الحداثة الغربية قامت على أساس الفصل بينهما، معيدة الاعتبار للإنسان كمركز للعالم ومحور له. وأصبحت الفلسفة تفكير في الوجود خارج مفاهيم اللاهوت، مؤسسة العقلانية كذلك على الفصل بين الدين والفلسفة. ويرى سبينوزا مثلا أن هدف الكتابات المقدسة هو الطاعة لا العلم، لأنها تتوجه إلى شعوب ما زالت في مرحلة الطفولة، وأنه حتى الرسل يقاسمون شعوبهم الأخطاء العلمية. فماذا يهم إذا كان "اليسوع" يجهل الفلك أو كان سليمان يجهل الرياضيات؟ يقول براشفيك في توضيحه لآراء سبينوزا: << أيضا فإن ميدان العقل وميدان الإيمان منفصلان تماما، ولا يوجد بينهما أية نقطة تواصل، مما يؤدي إلى عدم الصراع المتخوف منه، لا اللاهوت هو في خدمة الفلسفة، ولا الفلسفة في خدمة اللاهوت، وإذا جعلنا اللاهوت موضوعا للتفكير العلمي، فإننا نحكم على أنفسنا بأن نراكم تأويلات مرهفة و الاستحواذ على الدروس المشكوك فيها أو المزورة من أجل إيجاد في الكتاب المقدس تخيلات غير مقبولة خاصة بأفلاطون أو أرسطو.>>([6]). بمعنى أن محاولة التوفيق بين الفلسفة والدين تؤدي إلى محاولة إيجاد التأويلات التي تظهر النصوص الدينية بمظهر علمي وفلسفي. في حين أن هذه النصوص لا ترتقي إلى هذا المستوى، فهي تتواصل مع الإنسان ذو قدرات محدودة وكأنه ما يزال في مرحلة الطفولة. وهكذا فإن هناك اختلافات كبيرة بين أسس الحداثة الغربية وأسس النهضة العربية الإسلامية.
2- الخلفيات التاريخية لانتكاس التنوير:
يركز محمد عابد الجابري مثلا في دراسته للتراث على مرحلة "إعادة التأسيس" أو "عصر التدوين الجديد" الذي تحقق في المغرب والأندلس وتجاوز بكثير تناقضات الفلسفة الإشراقية في المشرق. والتي كان من نتائجها "استقالة العقل" وتكريس التصوف واللامعقول. ويعتبر ابن رشد في نظر الجابري مركز العقلانية بالإضافة إلى ابن باجة و ابن حزم و الشاطبي...إلا أن نصر حامد أبو زيد يعيد النظر في المنجزات الفكرية و الطروحات العلمية لابن رشد. يقول في شأن ذلك: << وهو الذي اضطر-أي ابن رشد- تحت ضغط الخلافة الإسلامية وسيطرة الخطاب الغزالي والأشعري إلى تقديم الكثير من التنازلات و "الترضيات".>>([7]). ويتميز ابن رشد بالمقارنة مع الفلسفة الإشراقية أنه أقام نظاما معرفيا يبدأ من الجزئيات ليصل إلى الكليات. أي أن المعرفة تبدأ من عالم الحس ليصل إلى عالم ما بعد الطبيعة، عكس أبو حامد الغزالي الذي يبدأ من النص ذو المصدر الإلهي ليصل إلى عالم الحس. والنص الديني لا تعرف دلالته الحقيقية إلا من خلال "المعراج الصوفي" الذي يقرب العارف من الله (عالم الملكوت© النص © عالم الحس). ورغم ذلك فإن ابن رشد استلهم المعرفة الإشراقية عندما اعتبر أن الله "نور" بهدف تعليم العامة. في حين أن المعرفة البرهانية تقتضي القول إن الله "عقل خالص". وعلى اعتبار أن العامة لا يحق لهم الإطلاع على المعارف البرهانية والفلسفية فسيظلون يتمسكون بتلك المعرفة الإشراقية. وبذلك فإن ابن رشد يخدم العرفان أكثر مما يخدم البرهان. بالإضافة إلى أن تقسيم الناس إلى عامة وخاصة ذو أصل صوفي، فهناك من يمتلك القدرة على التأويل وبالتالي على العروج وهم الخاصة، وهناك من ليس لديهم هذه القدرة وهم عامة الناس. والغريب أن ابن رشد يأخذ بهذه القسمة، وبدل العمل على نشر الفلسفة أغلق الأبواب في وجهها عندما اعتبر أن باب البرهان مغلق أمام العامة، وهو عائق أمام انتشار المعرفة وعالميتها. لذلك يقول أبو زيد: << رغم أن ابن رشد حاول أن يكشف تهافت التهافت، ويستعيد للبرهان مكانته في مرجعية التأويل، فإنه لم يسلم هو نفسه من علامات التراجع التي كانت واضحة في الثقافة التي ينتمي إليها.>>([8]). مع العلم أن ابن رشد يمثل مرجع أغلب الخطابات "التنويرية" لمشروع النهضة، وحتى المفكرين العرب المعاصرين. فكيف يمكن والحالة هذه الارتكاز على مرجعية "عقلانية " خضعت هي نفسها إلى ضغوطات الخطاب النقيض وقدمت له الكثير من التنازلات؟ هذا ما جعل أبو زيد في كتابه "النص، السلطة، الحقيقة " يتكلم عن سلفية دينية من ممثليها: الحنابلة، الأشاعرة، الصوفية، حسن البنا، رشيد رضا،...ويتكلم كذلك عن سلفية تنويرية ومن بين ممثليها: المعتزلة، ابن رشد، الطهطاوي، الأفغاني، محمد عبده،…فكل هؤلاء يدخلون في نطاق السلفية وإن تعددت الصفات المضافة إليهم. لأن عند كل هؤلاء تسود "التلفيقية التبريرية" التي شملت مجمل نشاط العقل العربي. وهذا مخالف للحداثة حسب جابر عصفور، فلا يجب على الوعي الحداثي أن يتحول من جذرية رفضه إلى المهادنة والمصالحة. يقول جابر عصفور: << الوعي الحداثي وعي ضدي، لأنه يضع نفسه وواقعه وتراثه وحاضر الآخر وتراثه موضع التساؤل والشك وليس موقف القبول والإذعان.>>([9]). الحداثة بهذا الشكل هي ضد كل تقليد للآنا أو للأخر.
3- تلفيقية مشروع النهضة العربية الإسلامية:
يطرح عبد الله العروي ثلاثة نماذج لثلاثة أنماط من الشخصيات والتي لكل واحد منها نظرة خاصة إلى الغرب. فهناك "الشيخ" أو رجل الدين الذي يقيم تعارضا بين الغرب والشرق وبين الإسلام والمسيحية مثل محمد عبده. وهناك "السياسي الليبرالي" الذي ينظر إلى أساس الغرب كحامل لقيم الحرية والديمقراطية مثل لطفي السيد. وهناك أخيرا "التقني" الذي يماثل بين الغرب والتقنية ويأخذ بمنجزاته التقنية والعلمية كسلامة موسى. ويبقى نموذج الليبرالي السياسي هو الذي يتمثل الحداثة بشكل صحيح. يقول بن شرقي بن مزيان: << رغم هذا فإن النموذج الذي يلقى صدى في نظر العروي عند العرب وفي الحقل الثقافي والسياسي العربي يبقى الأنموذج السياسي الليبرالي لا لشيء سوى لأن الشيخ غامض جدا، وداعية التقنية مفرط الإدعاء.>>([10]). الواضح أن مشروع النهضة في ارتكازه على فكرة الإصلاح الديني ارتبط بالشيخ. حيث يؤكد أبو زيد ذلك بقوله: << إن الرواد الأوائل للنهضة في معادلتها التوفيقية وفي مختلف مراحل حياتها وموتها كانوا دائما رجال الدين وأئمته.>>([11]). مما أدى إلى عدم الوصول بمشروع النهضة والحداثة والتنوير إلى غاياته القصوى. و بدل اتخاذ المواقف الحاسمة في الإجابة على مشكلة الإنسان والتاريخ مال الشيخ إلى التوفيق بين الذين والعلم، إلى حد الميل الكامل إلى الدين. وأنه حتى فكرة التوفيق بين العلم والدين والقول بإمكانية الأخذ عن الآخرين لم تكن مقبولة من طرف المؤسسة الدينية. يقول أبو زيد: << حين قالوا بذلك التوفيق بين طرفي معادلة النهضة، فإنهم أقيلوا عن الأزهر وصودرت كتبهم، وأنهم تراجعوا خطوة أو خطوات- سواء بالصمت أو بالرضا .>>([12]). وهذا ما يفسر أن الخطاب السلفي الذي يحاول تغير الواقع بحد السيف لا بقوة الكلمة هو مجرد تطوير لخطاب مؤسسي حركة "الإصلاح الديني".
إن تضمن حركة الإصلاح للاتجاه السلفي "المنغلق" يعود إلى أن المصلحين كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده دعيا إلى مناهضة الغرب ومقاومته مستعين بأسلحته المادية والفكرية. وخاصة بعد أن تحول الغرب من "الخصم المتفوق" إلى "العدو المنتصر" مظهرا أطماعه الاستعمارية. أما بالنسبة لمشكلة الإنسان والتاريخ، فإن محمد عبده ظل متمسكا بمسألة قدم الكلام الإلهي وأزليته بطريقة ضمنية. وبالتالي استبعاد كون "الوحي" واقعة تاريخية قابلة للتأويل الإنساني. وهذا ما جعل عبده لا يحسم في العلاقة الموجودة بين الحرية الإنسانية وتدخل الإرادة الإلهية في صنع العالم، وبالتالي عدم القدرة على نقل الفرد من مرحلة الوعي الديني الغيبي على مرحلة الوعي العلمي بالظواهر الاجتماعية و الطبيعية معا. كما حدث بالنسبة للنظرة الغربية التي ألغت القدرة الإلهية في توجيه الأحداث التاريخية، وتأكيدها على مسؤولية الإنسان وحريته تجاه تلك الأحداث التاريخية، فالحقيقة المطلقة ليست أزلية، ولا خارج متناول البشر وهذا ليس موقف أبو زيد وحده بل كذلك موقف عبد الله العروي وآخرون.
هكذا يبقى الإصلاح مقيدا بالموقف التبريري والتوفيق بين المتناقضات لأسباب نفعية برغماتية تخدم السلطة السياسية. ويظهر هذا بوضوح في طرح محمد عبده لفكرة "المستبد العادل" ودوره في تحقيق الحداثة، كوصي على الجماهير بسبب نقص وعيها. وتظهر هنا المفارقة عند الجمع بين الديمقراطية والقائد الملهم الذي يكون بيده خلاص الناس وتطورهم. في حين أن سبينوزا في معالجته لنفس الفكرة، أي إمكانية وجود ولو لفترة قصيرة نظام حكم استبدادي يخلص الناس من التجاوزات السياسية الممكن حدوثها خلال فترة الحكم الديمقراطي. فإن سبينوزا يرفض ذلك من منطلق "أكسيومي" باعتبار أن مبادئ وفرضيات نظرية معينة لا تصلح إلا داخل تلك النظرية. يقول: << العلاج الأول الذي يظهر للفكر، هو أنه كل خمس سنوات، يقوم دكتاتور مطلق لمدة شهر أو شهرين، دكتاتور يكون له الحق في فتح تحقيق حول أفعال النواب والموظفين لمحاكمتهم و أخذ القرارات، وبعد ذلك إعادة الدولة إلى مبدئها ولكن من أجل حماية الدولة من الآفات التي تهددها، لا بد من تطبيق العلاجات التي تتلاءم مع طبيعتها والتي يمكن استنباطها من مبادئها الخاصة.>>([13]). إنه لا مجال هنا للجمع بين المتناقضات. إن فكرة "المستبد العادل" قائمة على أساس أن المجتمع لا يستطيع إصلاح نفسه بنفسه، فلا بد له من إرادة خارجية تمارس الاستبداد ليس ضده ولكن من أجله، بحيث هناك نوع من الاحتقار للجماهير. وهذا ما يؤكد عليه أبو زيد في قوله: << ومن الضروري الإشارة هنا إلى بعد من إبعاد خطاب النهضة لم ينتبه له كثيرون حتى الآن.هذا الخطاب عدا استثناءات قليلة لأفراد ظلوا مهمشين- كان خطابا نخبويا سلطويا بالأساس، اعتمد على النظر للناس والجماهير نظرة متعالية بسبب جهلها الناتج عن فقرها المادي.وهذا الخطاب في بعده الديني الإصلاحي بصفة خاصة ساهم بشكل مباشر في إفقار الجماهير، إفقارا روحيا حين وصم ممارسات الجماهير الدينية الاحتفالية وعقائدهم في الأولياء والشفاعة الخ...بوصفها عقائد وثنية.>>([14]). فوصف هذه الممارسات الاحتفالية بأنها وثنية، يؤدي إلى إخراجها من دائرة الإسلام، وأن منعهم من هذه الممارسات يجردهم من الوسائل التي تتناسب مع وعيهم وتوصلهم بالله.
هذه النظرة الخاصة إلى الجماهير ستجعل الذين جاؤوا بعد مصلحي النهضة كرشيد رضا، وحسن البنا، وسيد قطب وغيرهم يتجاوزون توفيقية مشروع النهضة التي نشأت تحت ضغط الظرفية الدفاعية والاحتماء بالذات. ورأى هؤلاء المتأخرين أنه لا يمكن أن تقبل "الحاكمية" نظرية "التعاقد الاجتماعي". لأن الجماهير مازالت بحاجة إلى الوصاية السياسية والدينية، وهذا ما جعل حسن البنا في رسائله يدعو على اعتبار "الخلافة" شعيرة إسلامية. يقول: << ولعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان من الخلافة وما يتصل بها وبيان ذلك أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها و الاهتمام بشأنها.>>([15]). ولا يتردد في أن يصف "الإمام" بأنه ظل الله في الأرض. وفي المجموعة الثانية من الرسائل ينتقد الفصل الذي حدث بين الدين والسياسة في الحكومات الحديثة معتبرا أن ذلك إفساد للدوق الإسلامي في رؤوس الناس. لأن كثير من القوانين التي تعمل بها المحاكم تتنافى صراحة مع ما جاء به الإسلام. وهنا يكمن في رأيه التناقض بين الدستور الذي يعتبر أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وبين القوانين حيث يقول: << وأحب أن أنبه إلى الفرق بين الدستور وبين القوانين التي تسير عليها المحاكم، إذ أن كثيرا من هذه القوانين منه ما يتنافى صراحة مع ما جاء به الإسلام...>>([16]). وقد طرح كذلك رشيد رضا فكرة "الخلافة" بدون وضع أي حدود بين القدرة الإنسانية والقوة الإلهية. وفي رأي الطاهر بن عيسى الذي قدم لكتاب الخلافة لرشيد رضا. فإن هذا الأخير أهمل دراسة التاريخ، وتحدث عما يجب أن يكون. يقول الطاهر بن عيسى: << فالتاريخ الصحيح بالنسبة له يتقلص ليغطي فقط مرحلة الخلفاء الراشدين أما ما عداه فهو خاطئ.>>([17]). إن هذا الموقف يخلو من النظرة النقدية، لأنه حتى الخلافة الراشدة عرفت الفصل بين السياسي والديني، ومهدت بشكل ما لظهور دولة الملك السياسي. فإهمال دراسة التاريخ يهدف إلى "التعالي" بالتاريخ و استعباد الإنساني وإبقاء حضور الإلهي ليحتفظ بكل مثاليته التي يطمح البشر إلى محاكاتها.
إذا كان عبد الله العروي يصف الشيخ بالغموض، فإن علي أمليل يصف خطاب المصلحين بـ "قلق العبارة" و"قلق المفاهيم". هذا القلق الذي له علاقة بالتردد المستمر بين الدين والليبرالية، الحاضر والماضي…بحيث تصبح وظيفة المثقف الجديد حسب العروي هي "زحزحة" و "خلخلة" الإيديولوجيا السائدة المعادية للتاريخ، وللنسبية في مجال المعرفة، والإرادة في مجال التاريخ. وهذا ما جعل أبو زيد يطرح "التثوير" بدل "التنوير". يقول: << والحقيقة أننا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية في حاجة إلى ما هو أكثر من التجديد، نحن بحاجة إلى " تثوير" فكري.>>([18]). لأن الحداثة لا تقوم على المهادنة والمصالحة بل على الرفض الجدري بالعودة إلى السؤال الذي ظل مضمرا في مشروع النهضة والمتمثل فيما يلي: كيف حققت أوروبا تلك النهضة الهائلة من ظلام عصورها الوسطى إلى نور التقدم؟ والإجابة أن ذلك تحقق بنقد التراث والعقائد. وهذا ما لم يسمح به الموقف التلفيقي في مشروع النهضة العربية الإسلامية، لأن الخطاب "التنويري" إذا ما وجد نفسه بين الخطاب الإستشراقي والخطاب السلفي، يميل إلى الدفاع عن التراث بدل نقده. وفي مقابل الحوار الذي كان قائما بين الخطاب السلفي والخطاب التنويري الليبرالي في المرحلة الأولى من النهضة، يظهر في المقابل العقاب " التكفير". كما حدث لعلي عبد الرازق، عندما ظهر كتابه "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925م. وينقسم بذلك التراث من جديد إلى تراث الفرقة الناجية (الأشعرية في الأغلب) في مقابل الفرقة الضالة كما يرى جابر عصفور.
إن إقامة الحداثة على عملية "التثوير" الفكري التي لا تترك مجالا للمصالحة بين العقل والدين. وتقيم علاقة صراعية بين الاتجاهات العقلانية والاتجاهات التراثية. كل ذلك يتضمن مخاطرة كبيرة تنبته لها الغرب. مما استلزم نقد الحداثة الغربية التي كانت قائمة على أسس عقلانية، عندما طرحت ما بعد الحداثة التي ترفض شمولية الأفكار والنظريات الكلية في التاريخ والفلسفة والعلوم الإنسانية. لذلك يقول علي حرب: << والقول أن العقل التنويري الحديث هو أمر لا عودة عنه، يعني التعامل مع مفردات العقل والتنوير و الحداثة والتقدم، بمعايير العقل اللاهوتي ذي الطابع المطلق و الثبوتي.>>([19]). فالحداثة تبقى مشروع غير مكتمل حسب بول ريكور. ونقد الحداثة الغربية بدأ مع كل من نيتشه و فرويد اللذين أكدا على مبدأ الرغبة في الإنسان مقابل العقل. يقول آلان توران: << بداية من نيتشه و فرويد، توقف الفرد على أن يكون متصورا كعامل، كمستهلك أو كمواطن، أو أن يكون مجرد كائن إجماعي، بل أصبح كائن الرغبة، مسكون بقوى لا شخصية وبلغات، ولكن كذلك كائن فردي، خاص...>>([20]). وأصبح يتم الإعلاء من شأن الجمالية، والتفكير في جعل الحياة تحفة فنية. كما أن الفلسفة النقدية مع هوركيمر"Horkheimer" و أدرنو"Adorno" أظهرت أن العقلانية التقنية التي تطورت عن العلم هي عقلانية السيطرة لأن العقل أصبح خاضعا لصيرورات الإنتاج ولمعايير الصناعة. كما تم نقد الفلسفات التي ضحت بما هو خاص في الإنسان لصالح الأنساق الكلية، التي تجعل العقل والرغبة يتنازلان أمام مبدأ الواقع والتقنية الذين يجعلان الفرد مجرد وسيلة. ويرى محمد نور الدين أفاية أن النظرية النقدية جعلت العودة إلى "اليوتوبيا" كشكل من أشكال الحرية والفكر آخر السبل لممارسة الرفض أمام هيمنة الحداثة التقنية. لأن المجتمع "اللاقمعي" يسمح بسيادة "الإيروس" الذي يحد من هيمنة العقل التقني. وهذا ما جعل جان بودريار يتكلم عن مفارقة الحداثة قائلا عن الحداثة أنها :<< تدمير وتغيير ولكنها أيضا ازدواجية ومساومة وخلط...>>([21]). الازدواجية والمساومة والخلط في الحداثة تظهر بوضوح وجلاء في الكتابات المعاصرة للفلاسفة الغربيين أمثال جون باتوتشكا Patocka Jan في كتابه "أزمة المعنى" الذي يحلل فيه موقف أستاذه ماساريك"Masaryk" ، بحيث نلمس في مواقفه العودة إلى الدين المسيحي. معتبرا إياه وسيلة للعلاج الأخلاقي و الاجتماعي لما أصاب الحضارة الغربية من نزعة تدميرية متجلية في الحروب، أو الاتجاه نحو الانتحار الذي يتزايد عند الشعوب غير المؤمنة. وينتقد كذلك نيتشه الذي ركز على النزعة الذاتية التي تقدس الجسد، وتقدس الهنا الأرضي. يقول باتوتشكا: << إن نيتشه بنزعته الذاتية وبالهنا الأرضي يحاول أن يدحض ميتافيزيقا هدف الحياة الإنسانية والتخلص من الطريقة التي تكونت بها بواسطة كانط الذي أعطى ميله للميتافيزيقا توجها جديدا بعد انهيار الأنطولوجيا اللاهوتية وبالنسبة لنيتشه فإن الهنا الأرضي لن يفرض نفسه كما عند كونت مثلا بوسائل التطور العقلي الهادئ، لأن الهنا الأرضي مضطر للصراع من أجل عمق الإنسان...>>([22]). فقد انتقد كانط الدين في البداية لكنه عاد في الأخير لإثبات قيمته. لأن الهنا الأرضي وحده غير كاف لتحقيق الخير المطلق. أما أ. كونت فقد رأى أن التطور العلمي يهيئ للمرحلة الوضعية التي تجعل الإنسان يؤمن بالعلم أكثر متجاوزا المرحلة اللاهوتية والميتافيزيقية، لكن بدون أن يحيل كونت إلى "الصراع" كوسيلة لذلك. إلا أن نيتشه كان نقده تدميريا وخاصة للأسس التي تقوم عليها الأخلاق المسيحية واليهودية. بحيث جعل من شروط الحكمة أن يكون الإنسان مقاتلا وعنيفا. ففي هكذا تكلم زردوستروا يقول: "غير مكثرتين، ساخرين، عنيفين، هكذا تريدنا الحكمة: إنها امرأة، إنها لن تحب أبدا إلا مقاتلا." في حين أن "الصراع" حسب مساريك لن يولد إلا إرادة التدمير الذاتي والعنف. فلا بد من العودة إلى الهنالك، لأنه وحده يعطي للإنسان قاعدة ميتافيزيقية وأساسا أخلاقيا.
يرى كذلك آلان توران أن علاقة الدين بالحداثة في العالم الغربي مازالت قائمة. رغم أنه عند دخول العالم الغربي في الحداثة فإن الذين تفجر، لكن أجزاءه لم تختفي تماما. وفي الولايات المتحدة الأمريكية نجد أن الكتاب المقدس (الإنجيل) معترف به كأساس ديني لضمان احترام الدستور. وأن الفكرة التي تراعي ضرورة استناد الحياة الاجتماعية على القيم الدينية المشتركة تبقى قوية وفاعلة.
يمكن القول أخيرا أن مشروع الإصلاح لم ينجح. لأنه لو نجح لما حصل الاحتلال كما رأى ذلك عبد الله العروي. لكن هذا ليس مبررا لممارسة النقد التدميري الشامل على مشروع النهضة، بالقول أنه يغلب عليه الطابع التوفيقي والتلفيقي. ولا يمكن استبدال علاقة المصالحة بين السماء والأرض بعلاقة أخرى مبنية على الصراع والعداوة أو "الثورة" بمفهوم نصر حامد أبو زيد، بهدف محاكاة لحظة التنوير الغربية. إن مشروع الحداثة عبر تطوراته التاريخية أعاد بناء الحداثة على أسس المصالحة والمهادنة مع الدين. لذلك يبقى رواد النهضة العربية الإسلامية متحلين بالجرأة والشجاعة الفكرية إلى حد ما. يقول العروي: << إذ أرى أن فكر النهضة يتصف قبل كل شيء بحرية الرأي و الاختيار، بالجرأة على الاجتهاد و اعتباره واجبا دينيا وطنيا وأخلاقيا. نلمس هذه الجرأة عند الجميع، عند فرح أنطون ومحمد عبده، عند يعقوب صروف والكواكبي...>>([23]).
[1] غليون برهان – اغتيال العقل- دار التنوير للطباعة والنشر- ط2، 1987. ص202.
[2] بن مزيان بن شرقي باحث جزائري من جامعة و
- التفاصيل
- كتب بواسطة: م. زياد صيدم
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
لم تكن مساجد الرحمن عنوان قهر للمصليين إلا في عصرنا هذا انه عصر الوهم والغاطسون في أحلام يقظة ليس أكثر. لقد كتبنا مطولا حول ظاهرة التكفير والتخوين والقدح والذم والشتم والسب المتبعة في مساجد الرحمن وحذرنا منها ومن تداعياتها على النسيج الاجتماعي ولم ينتبه ذوى الأمر؟؟؟ لقد كتبنا في مآذن المساجد ودورها الجديد المتمثل في قنص الآمنين وحذرنا من خطورة هذا الدور الذي لم يتواجد في أي تاريخ أسود مر على الدولة الإسلامية بكل حقبها ودولها ولم ينتبه ذوى الأمر ؟؟؟ قلنا مرارا وتكرارا حتى ملت منا الكلمات نفسها من أن المصليين في المساجد ليسوا إلا مسلمين ومؤمنين يقولون ربنا هو الله ورسولنا هو محمد عليه صلوات الله وسلامه و يقرون بالخلفاء الراشدين الأربعة ابو بكر وعمر عثمان وعلى.ولكن انتماءاتهم السياسية متعددة وأكثرها لمنظمة التحرير الفلسطينية بحكم أن المستقلين ينضوون تحت مظلة المنظمة حسب تمثيلهم فى المجلس الوطني ومع هذا دأب القوم في تجاهلهم ونعتهم بأبشع الصور والصفات ومن على المنابر وفى حضورهم وخاصة في صلاة يوم الجمعة المقدسة فهذا والله العجب العجاب والعيب المعيب وحذرنا بالقول بأن ذلك غير منطقي وفوق قدرة تحمل المصليين ولم ينتبه ذوى الأمر؟؟؟ وبعد أن أعلنت تلك الجماهير نفسها مرحلة جديدة في صلاة يوم الجمعة وهى ترك المساجد لمن ترك الخطبة الدينية التي اشتاق إليها المصليين بما تشمله من أحاديث نبوية وسيرة الصحابة وحياة الرسول الأكرم و حولوها إلى خطب في معظمها غير مفهوم لا لغة ولا مقصود فهي مد بلجة أو مترجمة عن ثقافات خارجية وبعيدة عن مجتمعاتنا التي تعودنا عليها!!! فها هم المصليين يتركون المساجد المبردة بالمراوح والكهرباء التي تدفع فواتيرها حكومة رام الله ومساعدات الدول الأوربية لمن يطغى فيها ويتجبر إلى الساحات العامة والمكشوفة في العراء تحت أشعة الشمس وسياط الغاطسون في الوهم وأحلام اليقظة..!!! فاللجوء إلى منع الصلاة في العراء والذي يراد منه كسب صلاة الجمعة دون فقدها بوسوسة الشياطين في العقول والقلوب من جراء ما يقال من على المنابر من فتنة بوسائل أولية من تكسير بالهراوات وتخويف بإطلاق الرصاص فوق الرؤوس إلى اعتقالات عشوائية لكل من شارك في الصلاة وتغريم عائلاتهم بمبالغ طائلة يعجزون عن دفعها وهنا قد يتم اللجوء إلى محاكم دولية أو مجلس الأمن وهذه هي المبررات الأولية التي ينتظرها العالم لفرض ما حذرنا منه هنا في قطاع غزة بقولنا لا تستقدموا الكاسك بلو .. ولم ينتبه ذوى الأمر؟؟؟ وكانت الصور وكانت المشاهد المؤلمة للنفس معنويا أكثر منها ماديا كتلك التي ما تزال في الذاكرة من وقت ليس بالبعيد !!! فهي أصدق أنباء من الكتب في حدها الحد بين الجد والكذب (بيت الشعر للمتنبي وبتصرف ) إن كل ما نخشاه حقيقة يا حكام غزة أن تدفع الجماهير من المصليين لاحقا ثمنا لصلاتها حياتها أو إعاقتها ومنهم الكثيرون ممن انتخبكم في لحظات غياب للحقائق !!!! أو عن قناعات لتغيير ما ... لم ولن يحدث !!! . وهنا نقول وبصراحة أنكم قوم فعلا تتخبطون وأن كلامنا وحديثنا لكم بصراحة لم يجدي ولم ينفع وهنا سنكون جميعنا في دائرة العواصف والأعاصير التي لن تميز أحدا فالقادم نراه مهول وغير مبشر بخير فيا قوم اتقوا الله يجعل من أمركم مخرجا حسنا فنحن فى النهاية تحت جور وظلم المحتل الصهيوني المتربص بنا جميعا والفرح والمغتبط بما تفعلون وبما ستفعلون لاحقا ؟. إلى اللقاء.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. صلاح عودة الله-القدس
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 5
المقاومة العربية: من النجاح الى التعثر..!
تتواجد الآن ثلاث حالات كبرى للمقاومة الوطنية على المستوى الشعبي للاحتلال الأجنبي, في فلسطين ولبنان والعراق. ومع ذلك تصعب المقارنة بينها. فالمقاومة اللبنانية انتصرت في النهاية. أما المقاومة الفلسطينية فمازالت متعثرة إن لم نقل مأزومة, وقضية فلسطين تمر في هذه الأيام مرحلة في غاية الخطورة لم تشهد الساحة الفلسطينية لها مثيلا منذ انتصاب الكيان الفلسطيني على ارض فلسطين. ومع ذلك فلا يمكن المصادرة على المستقبل. فمازال من الممكن أن تحقق نصرا مؤزرا. وأخيرا فالمقاومة العراقية نشأت حديثا ولا يزيد عمرها على بضعة اعوام. وهي فوق ذلك مشوشة على أقل تقدير.
يمثل المدى الزمني أحد معايير المقارنة. فالمقاومة اللبنانية, بالتمايز عن المقاومة الفلسطينية, بدأت بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 بما لا يزيد على عام واحد. وهي قد حققت انتصارها بإعلان باراك قبول القرار رقم 425 وسحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان عام 2000. وقد خسرت اسرائيل حربها الأخيرة على لبنان في صيف عام 2006 وبذلك حطمت "اسطورة الجيش الذي لا يهزم"...! أي أن المقاومة اللبنانية وبدون الأخذ بعين الاعتبار الحرب الأخيرة استغرقت نحو 17 عاما. أما الانتفاضة الفلسطينية الثانية" انتفاضة الأقصى" فهي على وشك اكمال عامها السابع قريبا.
ولكن هناك جوانب أخرى للبعد الزمني ربما كان لها تأثير كبير على المسار الصعب للانتفاضة, بالمقارنة بالمقاومة التي قادها حزب الله. إذ انبثقت الانتفاضة بعد شهور قليلة من أول هزيمة سياسية مكتملة لإسرائيل بسحب قواتها من جنوب لبنان دون قيد أو شرط, وربما يفسر التوالي نفسه أحد أسباب التحول الجارف في الموقف الإسرائيلي من المدخل التفاوضي إلى المدخل العنفوي الإجرامي الذي انتهجته للتعامل مع قضية الشعب الفلسطيني. فقد فهم الإسرائيليون الانتفاضة باعتبارها محاولة من جانب القيادة الفلسطينية لتقليد تجربة المقاومة اللبنانية: أي الحصول على الاستقلال بالقوة المسلحة لإجبارهم على الانسحاب دون قيد أو شرط, أي دون تفاوض. وبدا لهم أن تحمل هزيمتين سياسيتين كاملتين أمر يستحيل قبوله أو استيعابه, ويجب الأخذ بعين الاعتبار اخلاء اسرائيل لجزء كبير من المستوطنات في قطاع غزة. وقد يأتي هنا دور البعد السيكولوجي في الحساب السياسي لآليات النضال.
ولكن هذا التوالي قد لا يكون المشكلة بحد ذاته. إذ نجد تباينا ملحوظا في عملية نزع الاستعمار . فقد تمت هذه العملية على نحو شبه متزامن في عدد كبير من المستعمرات الفرنسية والبريطانية , بحيث استغرقت تلك العملية الفترة من عام 1947 عندما استقلت الهند وعام 1956 عندما هزمت الإمبراطورية البريطانية سياسيا في بورسعيد. ومع ذلك بقيت استثناءات مهمة مثل اليمن الجنوبي الذي لم يحصل على استقلاله سوى عام 1970, وبالنسبة للاستعمار الفرنسي, فقد تمت تصفيته من غالبية المستعمرات بدرجة أكبر من التردد. ولم تكن معركة ديان بيان فو عام 1954 التي سحقت فيها القوات الفرنسية على يد الفيتناميين كافية لإقناع الفرنسيين بإنهاء استعمارهم لإفريقيا. ولم يتم ذلك إلا بعد أن اتضحت خسارتهم للحرب سياسيا في الجزائر عام 1961. وما إن خسروا الجزائر التي نظروا إليها لنحو130 عاما كامتداد لفرنسا, حتى صار من المنطقي أن يسحبوا قواتهم من المستعمرات الإفريقية الأخرى. حتى تلك التي صوتت للبقاء في إطار الدولة الفرنسية.
ومعني ذلك أن عملية تصفية الاستعمار تمت في الأعم كموجة متكاملة: أي على نحو متزامن. ومع ذلك بقيت تلك الاستثناءات التي اعتاد أن ينظر لها المستعمر كجزء من كيانه السياسي أو الأيديولوجي أو الاستراتيجي.
هذا من جهة المستعمر, فماذا عن النضال المقاوم؟ لاشك أن توافر ما سمي في أدبيات المقاومة بـ "الأرض المحررة" التي تمثل الإسناد الأساسي للنضال المقاوم أو الثورات الوطنية المسلحة بالذات في الحالة اللبنانية, يمثل ميزة واضحة بالمقارنة بحرمان المقاومة الفلسطينية داخل الضفة والقطاع من هذه الميزة. وقد فشلت تماما الاستراتيجية التي انتهجها المناضلون الفلسطينيون تاريخيا منذ عام 1948 وحتى تطبيق اتفاق "أوسلو", وهي الانطلاق من أراضي دول عربية مجاورة. وبدأت المقاومة الفلسطينية تسجل نجاحات سياسية وعسكرية بعد أن استقر في يقينها أن التحرر يجب أن يبدأ من الداخل وليس من الخارج. ويؤكد ذلك أن هناك, دائما استثناءات مهمة في النظرية العامة للمقاومة, وأن على كل حالة أن تصوغ استراتيجيتها الخاصة في ضوء معطياتها المميزة. فبينما كانت نظرية الانطلاق من أرض محررة قاعدة عامة مقبولة لحركات التحرر الوطني الأخرى, فقد انتهت دائما بكوارث في الحالة الفلسطينية بدءا من معارك جرش في الأردن عام 1970 حتى خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982
ولكن المقارنة بين الحالتين الفلسطينية واللبنانية دالة تماما بالنسبة لمتغيرات أخرى لا يمكن لأي باحث علمي حجبها أو إنكارها, على الرغم من ميلنا لعدم القيام بذلك بتأثير العاطفة الساذجة التي تضر أكثر كثيرا مما تنفع. فالمقاومة الفلسطينية أخذت الفرصة نفسها على أرض جنوب لبنان بين عامي 1969 و1982. وخلال هذا الأفق الزمني الطويل لم تسجل نجاحات تذكر بالمقارنة بما حققته المقاومة اللبنانية. وبالطبع يجب ألا تتم المقارنة على صعيد طبيعة الهدف. فالمقاومة اللبنانية كانت تستهدف تحرير جنوب لبنان, بينما كانت المقاومة الفلسطينية تستهدف تحرير فلسطين أو على الأقل الضفة والقطاع.
أما في الحالة العراقية, فلا تتوافر أدنى مستويات الإجماع, وتبدو المقاومة أساسا في المحيط السني. ويصر قطاع كبير من العراقيين, يضم غالبية الشيعة وكل الأكراد والأقليات الأخرى, على النظر إليها كحركة تخريبية لا كحركة مقاومة ضد الاحتلال. وقد يعود ذلك الانشقاق جزئيا إلى التباين في الاستراتيجيات والأنصبة الطائفية التي لعب عليها الاحتلال الأمريكي. ولكن السبب الأعمق يعود في الحقيقة إلى الاستراتيجية التي تتبناها ربما مجموعات مقاومة غاية في التباين. ففي النتيجة الظاهرة أمام الناس, لم تفرق تلك المقاومة بين الأمم المتحدة وقوات الاحتلال. كما لم تفرق بين المرافق المدنية التي تعد ضرورة لا غنى عنها لمعيشة ملايين العراقيين والأهداف العسكرية للاحتلال. وفي النهاية تبدو تلك المقاومة وكأنها كيان مشوش تعتمد أقسى وأقصى درجات ومستويات العنف الذي يتسم بالفوضوية واللامعنى حتى الآن, بأكثر مما يركز على أهداف سياسية واضحة أو أفكار تحظى أو يمكن أن تجذب التوافق الوطني العام. ويؤكد هذا الانطباع السائد بين غالبية العراقيين أن تلك المقاومة (أو بالأحرى المقاومات) لم تطرح على المجتمع العراقي أي برنامج عمل سياسي يتعامل مع مستقبل العراق ككل.
هناك قضية أخيرة ربما تميز حركات المقاومة العربية جميعا بالمقارنة باللوحة العامة لحركات المقاومة في المناطق الأخرى من العالم الثالث, ومع خبرات مناهضة الاستعمار التقليدي في العالم العربي نفسه خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر, والنصف الأول من القرن العشرين.
فحركات المقاومة الحديثة غرقت في أيديولوجيا الهوية. ولم تنجح في مخاطبة العالم بمصطلحات ولغة إنسانية عامة بالرغم من أنها تنطلق من مشروعية قانونية عالمية. وهنا أيضا نلحظ أن هذه الحركات أهدرت جانبين بالغي الأهمية في مفهوم المقاومة نفسه: الجانب الأول هو المبادئ الإنسانية العامة التي كان من شأنها أن توسع مجال الإسناد العالمي لحركات المقاومة العربية. أما الجانب الثاني فهو تأكيد المغزى الكوني لظاهرة المقاومة. فمادامت تلك الحركات تتحدث بلغة الهوية وليس بلغة إنسانية عامة, فإن وعودها تظل محصورة في تحقيق انتصارات محلية في أفضل الأحوال. ولن تتجاوز هذا الأفق لتصبح حركة مقاومة متحدة أو مرتبطة بعمق بالمقاومة لنظام الهيمنة العالمي من أجل مستقبل أفضل للبشرية جمعاء.
وبالنسبة للمقاومة الفلسطينية فقد كتب عليها الجمود وذلك لانشغال قيادتها بالاقتتال الداخلي مهرولين وراء مصالحهم الشخصية والحزبيةالفئوية الضيقة, ضاربين بعرض الحائط المصالح الوطنية الفلسطينية العليا. والنتيجة هي انه نجحنا بتقديم هدية على طبق من ذهب للعدو الاسرائيلي..تقسيم ما يسمى بسلطة وطنية الى منطقتين, الاولى "امارة غزة الاسلامية" بقيادة حماس, والثانية "دويلة الضفة الغربية العلمانية" بقيادة فتح, والآتي اعظم...!
د. صلاح عودة الله
ألقدس المحتلة