مقالات متنوعة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سليم بتقه
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 8
الأدب الجزائري بين عقدة اللغة وتكريس القطيعة
ماجستير في الأدب الجزائري الحديث
رقم 126 شارع الزعاطشة بسكرة الجزائر ALGERIA
تعتبر فترة الخمسينات من القرن العشرين من أخصب الفترات في الجزائر المستعمرة، لا لأنها شهدت أعظم ثورة في التاريخ الحديث وحسب وإنما لبروز أدب جزائري عمل على النقيض من الأدب الإثنومركزي الذي احتكر الفضاء الأدبي لفترة طويلة يمارس الزيف والمغالطة، ويتبنى الأيديولوجيا الاستعمارية. أدب جزائري استعمل لغة المحتل لمقاومته، ومثل بذلك ظاهرة ثقافية مناهضة.
لقد ارتبط هذا الأدب بمرحلة مهمة من مراحل المقاومة والكفاح، وشكل الأطروحة المناقضة للأيديولوجيا الاستعمارية، محاولا بذلك الانفلات من قبضة الاستعمار وتكريس القطيعة مع الأدب الكولونيالي الذي يحقق القتل الرمزي للجزائر، ويمد الاستعمار بالشرعية الأيديولوجية عن طريق الكتابة، يمثله "هراطقة" الاستعمار من أمثال (Luis Bertrand)الذي كان يروج فكرة "الجزائر لاتينية" باعتبار أن روما احتلت الجزائر قرابة سبعة قرون وهي تأتي الآن لإعادتها إلى أحضان الأمة اللاتينية.
ظهر هذا الأدب الجزائري على يد مجموعة من الأدباءالذين كتبوا بالفرنسية، منهين بذلك احتكار الفضاء الأدبي، معبرين عن واقع المجتمع الجزائري بطرق عدة: الشعر، الرواية، المسرح، الصحافة، حيث عمدوا إلى تفجير اللغة وتفتيتها، فأسسوا بذلك لغة جزائرية وفق رؤية جديدة، وفلسفة جديدة.
منذ أن أخذ التاب المغاربة الكلمة ليعبروا بلغة المستعمر في الفترة الواقعة بين(1945-1956
(الظاهرة شملت تونس والمغرب أيضا ولكنها كانت أقل حدة) حتى شعروا بأنهم حرموا من لغتهم الأم.
هذا الشعور بالقلق له ما يبرره، خاصة وأنهم استطاعوا أن يبرعوا في استخدام أداةأخرى للتعبير.
يؤكد "ألبير ممي"(Albert Memmi. في كتابه صورة المستعمر (Le portrait du colonisé) هذا الإحساس، حيث يشرح كيف أن ازدواجية اللغة في البلاد المستعمرة تسبب اضطرابا في التوازن النفسي للإنسان. فالاستعمار كما يقول "مالك حداد" و"صمة التاريخ" (Pathologie de l'histoire).
وهذا "فرانس فانون" الذي درس الخصائص النفسية لدى المستعمرين(بفتح الميم) يؤكد ماذهب إليه "مالك حداد"، فالتحليل النفسي كطريقة للشرح يبرهن امتداد المشكل .
يرى "ألبير ممي" أن امتلاك لغتين لا يعني امتلاك أداتين، فالعالمين الرمزيين الممثلين باللغتين هما في صراع؛ إنه صراع المستعمر والمستعمر. من جهة أخرى فاللغة الأم للمستعمر هي التي تتغذى من إحساساته يعني المستعمر (بفتح الميم) انشغالاته
وأحلامه، تلك التي يحس فيها بالحرية. هذه اللغة ليس لها الشرف والمكانة في البلاد أو في "كونسيرتو" الشعوب. لذلك فالإنسان المستعمر إذا أراد الحصول على عمل، بناء مكانته، أن يحقق وجوده في هذا العالم، ينبغي عليه أولا أن ينطوي على لغة الآخرين، لغة المستعمرين المحتلين .
في هدا الصراع اللغوي الذي يسكن المستعمر(بفتح الميم) تظهر لغته مهمشة بسبب الاضطهاد، والذي يدفعه إلى أن يجعل بينه وبين لغته هوة، بل يحاول إخفاءها عن أعين الأجانب، ويظهر أنه لا يجد الراحة إلا عند استعماله لغة الآخر.
المتتبع لأعمال هؤلاء الأدباء يلاحظ أنها تتهم كلها الوعي بنظام غير طبيعي، بالقلق فمثلا "أحمد السفريوي"، يصور المغرب منغلقا على نفسه، لدرجة تجاهل وجوده. ففي (صندوق العجائب) (La boite à merveilles) جاء على لسان إحدى شخصياته:
"المسيحيون أغنياء، وهم يعطون رواتب مرتفعة لمن يعرف لغتهم"
"هل سأتكلم اللغة الفرنسية عندما أكبر؟"
"الله يحفظنا يا ولدي من كل احتكاك بهؤلاء الناس الذين لا نعرفهم"
الكاتب الذي تعلم لغة المسيحيين يظل محتفظا بقدر من الحنين إلى أصالته.
أما "جون عمروش" (Jean Amrouche)(1906-1962) الذي برع في استعمال اللغة الفرنسية والتي تعلمها عن أمه "فاطمة ناث منصور"، فرغم نجاح العائلة في تبوء مرتبة اجتماعية مرموقة في المجتمع الفرنسي، فإنه وأخته "طاوس عمروش" (Taos Amrouche)(1913-1972) عاشا غربة روحية وعزلة هوياتية مما جعلهما ينكصان إلى الثقافة الجزائري بحثا عن التوازن النفسي. يقول "جون عمروش" تعبيرا عن ذلك:
«عندما تكون في وضعية المستعمر (بفتح الميم)، فإنك مجبر على استعمال هذه اللغة التي أعيرت لك، وأنك تستعمل هذه اللغة لهدف واحد هو الإطراء ومدح أهلها. وحين تريد أن تستعمل هذه اللغة بحرية، لحاجة التعبير بها وتستعمل كل إمكانيات المهاجمة، أو النقد فإنك في هذه الحالة تكون قد ارتكبت خطأ لايغتفر وبالتالي فإنهم يذكرونك بأنه حين منوا عليك وعلموك الفرنسية، فليس لاستعمالها ضدهم ...كم من مرة قيل لي: أنت الرضيع الذي يضرب مرضعته». إنه تعبيرعن القلق العميق الذي يحسه هؤلاء الأدباء من أمثال "عمروش،" "كاتب ياسين"، "محمد ديب".
ولكن ألم يكن في وسع هؤلاء الأدباء الجزائريين أن يعبروا بغير لغة العدو وهم الذين ولدوا هنا في الجزائر وتربوا في أحضانها؟ يجيب "محمد ديب' عن هذا السؤال بأن ذلك راجع إلى تكوينه المدرسي الذي قاده إلى الكتابة دون تعقيد وهو يرى بأن هذه اللغة هي الناقل المثالي لفكر يبحث من خلال الواقع المحلي الالتحاق بالاهتمامات العالمية لعصرنا. وكجزائري فإنه لا يرى من عقدة في استعمالها. من جهـــة أخرى فالفرنسية
تضمن له جمهورا من القراء.، ويؤكد أنه سيظل يكتب بهذه اللغة حتى بعد الاستقلال لأنها بكل بساطة وسيلته الوحيدة للعمل وهو لا يحمل أية عداوة ضد هذه اللغة، ولا للشعب الفرنسي عموما الذي كانت ثورته(1789) ملهمة الثوار. وفي رسالة كان قد بعث بها من "تلمسان" في أفريل (1956) جاء فيها:« إن قراءتي لـ كتابات "ستنباك" و"كالدويل" هي التي طورت كتابتي فجأة للمرة الأولى؛ فلم يكن من الممكن لكاتب مثلي غير فرنسي أن يكتب باللغة الفرنسية ويكون روائيا، ودون الاندماج في التيار الأدبي الفرنسي فالحياة اليومية والمعاشة، التي كنت أرقبها بعيني مثلت مادة أدبية لا تقل أهمية عن أخرى»..
فاللغة لدى هؤلاء الأدباء إلى جانب أنها وسيلة للتعبير، فهي تعكس روح الشعب وروح الحضارة التي ينتمي إليها الفرد والأمة، وهي بهذا تمثل جزءا من التفكير لا وسيلة للتعبير عنه فحسب.
إذن فقد كتب هؤلاء الأدباء: "ديب"، "معمري"، "ياسين"، "فرعون"، "بوربون" بالفرنسية وبينوا مأساة الأديب الذي يكتب بهذه اللغة، والذي يجد نفسه بين حضارتين، بين ثقافتين صحبة هذا الصراع والعنف التاريخي، يعبر عن المأساة بطرق عدة؛ من خلال الصحافة، الأدب، فـ"مالك حداد" يصرح بأنه حرم من اللغة العربية، وقال أن الهدف من الكتابة بالفرنسية هو المساهمة في تحرير الجزائر، وطرح مشكلة الجنسية الأدبية" (La nationalité littéraire) وقال إن الجنسية الأدبية تحكمها السياسة، بل التاريخ والجغرافيا والأديب الجزائري هو الذي ولد بالجزائر، والإشكال بالنسبة للأدباء الفرنسيين الذي ولدوا بالجزائر "كامي"، "روبلاس"، أنهم فرنسيون لأنهم انحازوا لفرنسا. فروايات ألبير "كامي" هي امتداد للأدب الاستعماري الذي يكرس صراع (الأنا) و(الآخر).الروايات تدور في البحر تماشيا مع الهوية المتوسطية. فبطل الغريبétranger) L') هو "ميرسو"
(Meursaut) اسم له برمجة دلالية (التزاوج بين الماء والشمس) في الأسطورة اليونانية القديمة Mer + soleil)).
لقد أحس الأدباء الجزائريون بالانفصام، بين ثقافة أجنبية تعلموها في المدارس وبين ثقافة أصيلة تشدهم إليها لارتباطها بالبيئة التي ولدوا فيها، كل هذا كان له الأثر في تفكيرهم وطريقة تعبيرهم. الشيء الذي يفسر الأزمة التي اعتبرها البعض مأساة والتي تتمثل في:
«إحساسهم بأن هناك ارتباطا بين مشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم العربية، التي كانت تستطيع وحدها أن تعكس هذه المشاعر والأفكار والأحلام عكسا صادقا». لا شك أن أدباءنا قد تملكتهم الحيرة في وقت من الأوقات قبل أن يختاروا الكتابة باللغة الفرنسية، وهذا يفهم من تصريحات البعض منهم. من ذلك مقولة "كاتب ياسين":"السكوت أو قول ما لا يقال" ( Se taire ou dire l'indécible ). فهناك احتمالان من خلال هذه المقولة إما السكوت وهذا يعني الЪواطؤ والمشاركة في الجريمة، أو العجز أي أن الأديب الجزائري عاجز عن الاتصال مع شعبه بلغة عدوه، فهو يشعر بالغربة.
والاحتمال الآخرهو الكتابة، ولكن بأية كتابة ؟ وماذا يقول؟ إنه يتكلم بلغة غير مفهومة بالنسبة للفرنسي، والجزائري، لغة الاستلاب. فالأديب الجزائري يفجر هذه اللغة ويفتتها ليؤسس بهذه اللغة لغة جزائرية جديدة، رؤية جديدة، وفلسفة جديدة أيضا، وبالتالي فهي لغة أخرى غير فرنسية تحمل كل التناقضات، وهو يحقق المأساة، ولكن ماذا يكتب؟ إنه يضطر إلى "التراجيديا" ليعبر عن مأساة الفرد الجزائري. يقول "مالك حداد" : "نحن يتامى محرومون من القارئ "(Nous sommes orphelins du lecteur). لقد عبر إذن هؤلاء الكتاب عن هذه المأساة التي يعيشونها بمرارة، واعتبروا أنفسهم غرباء منفيين في لغة أجنبية، وإن كان البعض قد عبر عن ضمان هذه اللغة للقارئ الأجنبي، أو لجمهور
غير الجمهور الجزائري مما زاد في إحساسهم بهذه الغربة . يقول "مالك حداد":« أنا الذي أغني باللغة الفرنسية، أنا الشاعر يا صديقي يجب أن تفهمني جيدا إذا ما كانت لغتي تثيرك، لقد أراد الاستعمار ذلك، لقد أراد الاستعمار أن يكون عندي هذا النقص، ألا أستطيع أن أعبر بلغتي».
إذن أرجع "مالك حداد" هذه الغربة، وهذه المأساة إلى سبب واحد هو الاستعمار الذي عمل كل ما في وسعه على فرض لغته، بل وجعلها لغة التعليم والثقافة، وفي المقابل استمر يعمل على قبر اللغة العربية بكل الوسائل وعدها لغة ثانية. ولا يعني ذلك أن أبواب المدارس كانت مفتوحة لكل الجزائريين، فالأولوية كانت تعطى للأوربيين مما أجبر الجزائريين على الكفاح من أجل الحصول على مقعد دراسي، خاصة وأن الحصول على شهادة يعني الحصول على لقمة العيش. فقد كان الجزائريون الذين فهموا هذه المعادلة (مدرسة = شهادة = عمل) يتواصون فيما بينهم: " تعلم القرآن لآخرتك وتعلم الفرنسية لدنياك ".
حين قال "غابريال أوديزيو" (Gabriel Audisio) :" إن وطني هو اللغة الفرنسية أجابه "حداد":" الفرنسية هي منفاي) (La langue Française est mon exil. هذه الظاهرة (ظاهرة الغربة، والنفي، والانفصام) أسماها "حداد" "باليأس الفني" (Désespoir Technique) وهي تعبير عن جهله باللغة العربية.
يمكن تحديد جذور هذه المأساة فـيما يأتي:
أولا: استحالة الوصول إلى الجمهور العربي بشكل واسع.
ثانيا: صعوبة التعبير بلغة أجنبية عن الأوضاع التي يعيشها المجتمع الجزائري في ظل الاستعمار الفرنسي.
هذه الصعوبة في التعبير دفعت بهؤلاء الأدباء إلى البحث عن انسجام وتنسيق بين
عبقريتهم القومية، وبين أداة لغوية أجنبية كان لا بد من استخدامها.
يرى الدكتور "عبد الله ركيبي" أن هؤلاء الأدباء قد شعروا بهذه المأساة بعد الثورة وأن هذه الأخيرة قامت على إثبات الهوية الوطنية وفي مقدمتها اللغة العربية، وأن المستوى الوطني الذي صاحب هذه الثورة قد بلغ مستوى كبيرا، وضع هؤلاء الكتاب موضع الاتهام، وأدى إلى اعتبار هذا الأدب أجنبيا ودخيلا عن الأدب الجزائري.
وفي ردهم على هذا الاتهام يقول "مراد يوربون":« إن اللغة الفرنسية ليست ملكا خاصا للفرنسيين، وليس سبيلها سبيل الملكية الخاصة، بل إن أية لغة إنما تكون ملكا لمن يسيطر عليها ويطوعها للخلق الأدبي أو يعبر بها عن حقيقة ذاته القومية».
وبدورها تقول "آسيا جبار":«إن مادة قصصي ذات محتوى عربي، وتأثري بالحضارة العربية، والتربية الإسلامية لا يحد. فأنا إذن أقرب إلى التفكير بالعربية الفصحى من التفكير بالفرنسية دون إنكار لفضل هذه اللغة».
أما "كاتب ياسين" فقال:«إن معظم ذكرياتي وإحساساتي، أحلامي ومناجاتي الداخلية تتعلق ببلادي فمن الطبيعي أن أشعر بها في صيغتها الأولى أي لغتي الأم العربية، ولكنني لا أقدر على إنشائها والتعبيرعنها إلا بالفرنسية». إن مشكلة هؤلاء الكتاب الجزائريين ليست في اللغة بقدر ما هي شعور الكاتب الذي يكتب بهذه اللغة بمكانه في هذه المعركة أين يتموقع؟ بجانب شعبه ؟ مدى شعوره بمشاكل الشعب ؟ صدى هذه المشاكل في نتاجه؟
يلخص كاتب ياسين هذه التساؤلات في مقولته السابقة : "السكوت أو قول المحظور". وهو في هذا الاختيار يقول:«ليس علينا أن نختار نحن الكتاب الجزائريين فلقد
اخترنا وانتهى الأمر والتزمنا بالثورة والتحقنا بها دون وجل».
لقد التصق هذا الأدب المكتوب بالفرنسية بواقع الجزائريين، وبواقع الثورة الكبرى وحمل مع نظيره المكتوب بالعربية مهمة عظمى، إنها مهمة التعبير عن القضية الأم القضية الوطنية، وجعلها في صدارة انشغالاته. يقول "إدريس شرايبي" تعليقا على هذه الظاهرة في الرواية في شمال إفريقيا:« لقد ترك الواقع أثره علينا، واقع يومي ملموس، من الصعب نسيانه وإغفاله. إن أدبنا تأثر به وتشبع منه».
وقد عبر "محمد ديب" عن هذا الالتحام:« قولوا إن أدبا قوميا يظهر الآن في المغرب عامة وفي الجزائر خاصة».
نفس الطرح حمله أحد النقاد الفرنسيين في إحدى المقدمات التي كتبها "لكاتب ياسين" حيث يرى أن هذه الروايات عربية مترجمة إلى الفرنسية لأنها كانت تحمل بصدق آلام هذا الشعب فمن العيب بمكان ضرب هذه الإنجازات الأدبية التي أوصلت القضية الجزائرية خارج الحدود المحلية.
فإذا ألقينا نظرة إحصائية سريعة على الأعمال الروائية المكتوبة بالفرنسية، نجد الفترة الواقعة بين عام (1945) وعام (1964) ظهرت فيها سبع وثلاثون رواية جزائرية مكتوبة باللغة الفرنسية. وفي الفترة الممتدة من سنة (1965) إلى (1972) صدرت سبع عشرة رواية مكتوبة بالفرنسية في حين أن الروايات التي كتبت باللغة العربية في تلك الفترة لم تتعد الثلاث روايات.
لقد أتاح هذا الأدب للفرد الجزائري لأول مرة فرصة التعبير عن وجوده كإنسان ينتمي إلى أرض، وكشعب له كيان، وقيم, وماض عريق، له هموم وآمال، وهو الأمر الذي ظل الأدب الكولونيالي يصر على نفيه. وقد عبر "ديب" عن ذلك عقب الاستقلال
بقوله:
«L’Algérie n'a plus besoin des avocats que nous avons cru devoir être tout ce temps passé…l'écrivain algérien est rendu à lui-même son épreuve est là».
والمعنى أن الجزائر لم تعد الآن بحاجة إلى من يدافع عنها كما كنا طيلة الفترة السابقة، فالكاتب الجزائري أصبح يعبر عن ذاته ومشاغله الحميمية.
إن التحول الذي ظهر لدى هؤلاء الكتاب عقب الاستقلال يؤكد الرأي القائل بأن اللغة الفرنسية كانت مجرد أداة استخدمها الروائيون الجزائريون للكتابة مساهمة منهم في تحرير الجزائر، أما وأن الجزائر قد نالت استقلالها ، فلم يعد هناك داع للتمسك بها.
في تصريح أدلى به لمجلة (الهلال) المصرية، ذكر فيه "مولود معمري" أنه تأسف على عدم استطاعته تعلم اللغة العربية لغة بلاده، واعتبر الجهل باللغة العربية مأساة تكمن في داخله، وتسبب له كثيرا من الآلام. وتنبأ أن الأجيال المقبلة من الكتاب الجزائريين ستعوض ما حرموا منه. وفي رده عن رأيه في كتاباته باللغة الفرنسية، أجاب بأنه حاول كثيرا أن يتعلم اللغة العربية، ولكنه فشل، وفشله هذا أثبت غباءه عن جدارة، وهذه مأساته التي تسبب له كثيرا من الآلام، ولكن يضيف الأجيال المقبلة من الكتاب الجزائريين ستعوض كل ما حرم منه، وأنه لا يوجد ما يعيب الكتابة باللغة الفرنسية ما دام التعبير عن آلام وآمال الجزائريين، فالقارئ لأي كاتب جزائري يكتب بالفرنسية لابد أن يشعر للوهلة الأولى أنه يقرأ لكاتب عربي، لأن روح الكاتب هي التي تقوده وتنير له الطريق حينما يضع الخطوط الرئيسية الأولى لما يكتب. وختم مولود معمري تصريحه بأن هناك حركة من شباب الجيل الجديد بدؤوا يكتبون باللغة العربية، وهؤلاء هم مستقبل الجزائر، وهم الذين سيعملون على إذابة اللغة الفرنسية، وإحلال اللغة العربية ، اللغة الأم محلها.
تلك التحولات وجدت بداية لدى هؤلاء الكتاب ويمكن التحقق من ذلك من خلال الملاحظات الآتية:
· توقف "مالك حداد" عن الكتابة، واعتبر أن دور الأدب المكتوب بالفرنسية قد انتهى وكتب في إحدى مقالاته في جريدة النصر سنة (1974) قائلا: « كما كان على بعض فناني السينما الصامتة أن يختفوا، وأن يتركوا أماكنهم لممثلي السينما الناطقة فإن على الكتاب الجزائريين الذين ينتمون لجيلي، ولهم تكوين ثقافي كتكويني، أن يتخلوا عن أماكنهم للكتاب الجزائريين الذين يكتبون باللغة العربية ...وأن يقتنعوا بترجمة أعمالهم إلى (اللغة العربية) في بلدهم».
· انشغال "كاتب ياسين" بالمسرح وتوقفه عن الكتابة بالفرنسية، ودعوته بالمقابل إلى الكتابة بالعربية الدارجة.
· انصراف "مولود معمري" إلى دراسة وتدريس اللغة البربرية، فلم ينشر له غير عملين أو ثلاثة.
· غياب "مولود فرعون" عن الساحة الأدبية بعد إقدام المنظمة السرية (O.A.S) على اغتياله سنة )1962).
· اختيار "محمد ديب" العيش بعيدا عن الوطن، وابتعاده عن الجزائرسنة (1962)، فانعكس ذلك في أدبه فمال إلى التجريد والرمزية على حساب الواقعية.
· تحول الكاتب "رشيد بوجدرة" عن الكتابة بالفرنسية إلى الكتابة باللغة العربية.
المراجـــــــع:
-عبد الله ركيبي:القصة الجزائرية القصيرة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر1983.
-عبد العزيز شرف: المقاومة في الأدب الجزائري، دار الجيل بيروت،1991.
_سعاد خضر: الأدب الجزائري المعاصر، منشورات المكتبة المصرية، بيروت1967
-واسيني الأعرج: اتجاهات الررواية العربية في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب1986.
-Albert memmi: le portrait du colonisé, correa, paris,1957
-Jacqueline arnaud : la littérature maghrebine de langue française, publisud, France,1986
-Jean dejeux :situation de la littérature maghrebine de langue française , opu , Algerie 1982.
القيم الاجتماعية ,مجموعة كبيرة من العادات و التقاليد و السلوكيات التي اكتسبت حيزا من الشرعية عبر سنوات تطور المجتمع الطويلة ,وجرى سن الكثير من الأنظمة والقوانين والدساتير بالاستناد إليها. ومن الطبيعي أن يكون لهذه القيم بعض الجوانب السلبية في التطبيق العملي ,ويحتاج تجاوزها الي سنين أخرى ,تكون خلالها عائقا أمام التطور والتقدم لما تتركه من بصمات أثار في النفس البشرية ,تفرض الالتزام بها ,حتى جرى نفيها عبر القوانين لوضعية جديدة. وإذا كانت حرية الرأي تعني حرية التعبير بالكلمة المنطوقة و المكتوبة عن ما يجول في النفس من آراء وأفكار مواقف سياسية و اقتصادية و اجتماعية وثقافية ,بعيدا عن أي قيود أو رقابة حكومية ,فقد شكلت القيم الاجتماعية في الكثير من الأحيان عائقا أمام تلك الحرية ,حتى في كثير من الدول الديمقراطية في العالم ,بسبب الرواسب الدينية و الأخلاقية التي حملتها تلك القيم في ثناياها . لقد شكل الإعلاميون الشريحة الأكثر تضررا من المجتمع بهذه القيم كونها شكلت عائقا أمام أداء مهامهم على اكمل وجه ,وبنقل الحقيقة إلى الموطنين كما هي ,دون رتوش و دون تعديل ,أو إخفاء لأي جانب من جوانبها ,ففي العمل الصحفي هناك جوانب يستطيع الإعلامي تغطيتها لأسباب عديدة تلعب الرقابة الذاتية دورا بارزا فيها فعلى سبيل المثال أدت حرية التعبير المطلقة لدى بعض الإعلاميين في مصر إلى ما يمكن القول بأنه فتنة طائفية بين المسلمين و المسيحيين في الأعوام الأخيرة ,ولازالت أثارها قائمة حتى الآن رغم كل الجهود المبذولة للإصلاح ما بين الطرفين ,كذلك يخشى معظم الصحفيون العرب التطرف إلى المواقف المتناقضة ما بين الشيعة و السنة في العديد من الدول العربية ,أبرزها العراق و السعودية ,إما بحكم الرقابة الذاتية للإعلامي وخشية من الآثار السلبية لتلك التغطية الإعلامية ,أو بسبب الخشية من الرقابة والقمع المخابراتي والبوليسي للأنظمة –حتى الديمقراطية أحيانا -. كذلك فان القيم الاجتماعية تحول أحيانا دون توخي الدقة والموضوعية في تناول بعض المواضيع الإعلامية .كالسرقة والاختلاس والرشاوى في النوادي الليلية الخ..... حيث يضطر الإعلامي لتناول هذه القضايا بشكل عام ودون تحديد و تخصيص وتسمية الأمور بمسمياتها ,خشية من الملاحقات القانونية أو الشخصية و العشائرية. أما الرقابة الذاتية للإعلامي و التي تعود لاسباب دينية و أخلاقية ونفسية فهي أيضا تندرج في ذات الإطار السابق,حيث يضطر الإعلامي لاخفاء جزء من الحقيقة,فعلى سبيل المثال يقوم الإعلامي بإخفاء الجوانب المريعة و المخيفة من الكوارث أو المجازر أو الجرائم,أو الأرقام الحقيقية للضحايا لتجنب بث الذعر و الرعب في نفوس المواطنين,ومراعاة لمشاعرهم وأحاسيسهم. من هنا يمكن لنا تلمس الإعلاميين وتلمس قدراتهم و كفاءتهم أثناء التغطية الإعلامية لأي حدث أو موضوع إعلامي.والصحفي الجيد هو الصحفي الذي يستطيع تقديم الحقيقة يكل موضوعية وحيادية ودون المساس بمشاعر الناس و أحاسيسهم,أي بمراعاته للقيم الاجتماعية ما أمكن ,ودون جعلها السيف المشهور في وجه الحقيقة و نزاهة العمل الإعلامي. الأدب الإثنوغرافي في الجزائر المستعمرة بقلم الأستاذ: سليم بتقــــه ماجستير في الأدب الجزائري رقم 126 شارع الزعاطشة بسكرة الجزائر الأدب الإثنوغرافي (La littérature ethnographique) ويسمى الأدب الإثني، (الكلمة مأخوذة من الكلمة اليونانية (Ethnos) وتعني العرق والجنس)، هو فرع من فروع الأنثروبولوجيا(Anthropologie) من أنثروبوس (Anthropos) وهوالإنسان. ظهر علم الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر، موضوعه الإنسان أو الشعوب البدائية، ويتفرع عن هذا العلم: الأنثروبولوجيا الثقافية، والاقتصادية... الإثنوغرافيا عمل ميداني، هو وصف لهذه الشعوب وتلك السلالات، عمل يقوم على رصد ثقافتها، من مسكن ولباس وشرب ومعاملات وأعراس...وصف شامل لحياة الإنسان أو المظاهر الخارجية للثقافة (Les manifestations extérieures de la culture) التي يراها الملاحظ (السائح، العالم، الأنثروبولوجي) فيسجلها. ظلت الإثنوغرافيا منصبة على الشعوب البدائية، حيث كانت محصورة في مناطق معينة مناطق تعيش خارج التاريخ، أي أنها تعيش حياة معزولة، وهذا الوصف شبيه بالبطاقات البريدية(Les cartes postales).فمن يقوم بهذا العمل؟ بطبيعة الحال هم الأوروبيون ممثلون في المستشرقين، علماء الجغرافيا، المشتغلين بالحفريات... يقوم هذا الأدب على الغرائبية والعجائبية(L’exotisme) (نظرة الأنا الأوروبي للآخر) حيث ينظر هذا الأوروبي إلى الآخر نظرة العرفان والسلطان(Sens/puissance) (Savoir/pouvoir). هذه الجدلية فحواها أنني أعرفك يعني أنني أتسلط عليك. لقد مهدت الأنثروبولوجيا الأوروبية للإستعمار، حيث عمل العالم والتاجر والجندي ورجل الدين جنبا إلى جنب على تحقيق ذلك. فالأنثروبولوجي الأوروبي ينظر إلى تلك الشعوب من الخارج ولا ينظر إليها من الداخل بروح استعلائية، فيوهمها بأنها ميتة جامدة ولا يظهر لها الحقيقة فتبقى متقوقعة على ذاتها. يتسلح الانثروبولوجي عند قيامه بعمله بثقافة تلك الشعوب، فيتعلم لغتها، وثقافتها وتاريخها ثم يحاول الاندماج معها، فيأكل مأكلها ويتبنى عاداتها، وتقاليدها... اتجه العلماء إلى طريقة الذات والموضوع، فالذات هو الإنسان والموضوع هو موضوع البحث، بعد استحالة الحصول على معرفة علمية من الأدب. والسؤال هو كيف نجري تجارب على الإنسان؟ كيف نسمو بالأدب إلى العلوم التجريبية؟ لقد كانت هناك محاولات، خاصة في علم الاجتماع لجعل العلوم الإنسانية علوما تجريبية كما فعل أوجست كونت (Auguste Conte). لكي يتم تحقيق الالتقاء بين الذات والموضوع فلا بد أن يكون ذلك عن طريق التماهي (Identification) ذوبان الذات بالموضوع، التجلي عن الذات والعيش لحظة الإبداع بالنسبة للآخر، ينظر كما ينظر ويعيش عاداته وتقاليده ليصل الباحث في النهاية إلى إنجاز معرفة داخلية أي يفهمه كما يعيش من الداخل، ثم يخرج ليسلط الرؤية الخارجية، فهو ينظر إلى الذات من الداخل ومن الخارج فيحصل على معرفة حقيقية كما فعلت الباحثة الأمريكية "مارغريت ميد" (Marguerite Mead) التي أرادت أن تقيم دراسة أنثروبولوجية عن الحياة في أستراليا، فتزوجت من رئيس القبيلة وبقيت معه ثم انفصلت عنه بعد أن أنهت دراستها تلك. بدأ الأدب الإثنوغرافي في الجزائر مع الاستعمار، فلما كانت نية فرنسا استعمار الجزائر بعثت بجواسيسها لتدوين وتسجيل كل ما يسمح لها بالتدخل، فقد كان يطلق على الجزائر بلاد البرابرة (Pays des barbaresques). احتاجت فرنسا إلى تلك المؤلفات في احتلالها للجزائر فكانت المقاومة الشعبية (صالح باي، الأمير عبد القادر، بوعمامة، الزعاطشة..) ولكن تلك المقاومات أخمدت، فانتقلت إلى المتخيل تحقيقا للتوازن الذاتي (إيهام النفس بالانتصار، وأن المستعمر هو المنهزم) وهو ما يسمى بالمقاومة السلبية. قام بعض العسكريين المتقاعدين بكتابة ذكرياتهم عن الحملة على الجزائر، حيث وصفوا المناطق، واللهجات، والعادات، والتقاليد، والقبائل.. فنشطت الإثنوغرافيا واتجه المستعمر إلى إدخال الجزائريين متحف التاريخ قبل أن تموت هذه الأجناس، فقدم صورة منحطة لشعب بدائي فكتب تاريخ الغالب على حساب المغلوب، وظهر القتل الرمزي للجزائر، أي إفراغ الجزائر من الحياة، من الديناميكية وإخراجها من التاريخ. في القرن التاسع عشر انتقلت الإثنوغرافيا من العسكريين إلى المدنيين من جامعيين وباحثين من الجيل الثاني حيث اهتم هؤلاء بكل ما يتعلق بالمظاهر الخارجية من لباس ومساكن ووسائل نقل.. دون أن يصفوا الثقافة الداخلية، ولم يطلعوا على عقلية الإنسان الجزائري، ولا على روح المقاومة، وانتشرت دراساتهم في بلاد القبائل، حيث أسسوا للأسطورة القبائلية(Le mythe Kabylie) . في مرحلة لاحقة، بدأ علم الاستعمار يدرس في الجامعات، حيث اضطلع الجامعيون بالبحث في الإثنوغرافيا، ثم انتقل هذا الاهتمام إلى الأدباء الفرنسيين الذين وفدوا إلى الجزائر فظهر الأدب الإثنوغرافي. لم يكن هذا الاهتمام بالأدب الإثنوغرافي حكرا على الأدباء الفرنسيين بل انتقل إلى الأدباء الجزائريين ممن تخرجوا من المدارس الفرنسية، حيث لقنوا الإثنوغرافيا وكأنها معرفة علمية عن الجزائريين في المراحل التعليمية المختلفة (الابتدائي حتى الجامعي) ومن هؤلاء محمد ولد الشيخ الذي له رواية بعنوان مريم في سعف النخيل (Myriam dans les palmiers) والتي كتبها سنة1936. الرواية من خلال العنوان تبدو فيها إثارة، وغرابة، فالأجنبي يرحل عبر الواحات والصحراء، صور نمطية جاهزة تتماشى مع فكرة البطاقة البريدية(La carte postale). ومن الذين برعوا في الرواية الإثنوغرافية الكاتب مولود فرعون الذي عد المؤسس لهذا النوع من الرواية (Mouloud Feraoun fondateur du roman ethnographique) الكاتب تلقى تعليمه في المدرسة الفرنسية المسماة (L’école normale) والتي تكون المعلمين الجزائريين، يقوم العلم الذي تلقاه على المعرفة الإثنوغرافية سعيا من الاستعمار تلقين الجزائريين النظرة الاستعمارية حتى يكون هؤلاء المعلمون الجزائريون منتجين للأيديولوجيا الاستعمارية. أول كتاب لهذا المؤلف أسماه نجل الفقير (Le fils du pauvre). الرواية عبارة عن سيرة ذاتية، فشخصية "فرولو"(Fouroulou) الذي التحق بالمدرسة الفرنسية استطاع أن ينفلت من قبضة المجتمع القروي ويصل إلى ما وصل إليه وفي ظروف قاسية، فهو إنجاز عظيم، بل ملحمة. في الرواية أيضا تصوير لمنطقة القبائل على أنها منطقة بدائية ومعزولة في الزمان والمكان ومنغلقة على نفسها. من ناحية التاريخ إفراغ المجتمع من التاريخ ومن الديناميكية والحيوية، والتركيز على المظاهر البدائية للثقافة، وصف الزوايا، العادات اللباس التقليدي للمرأة والرجل، دون أن يتعرض للاستعمار، أو للمقاومة، بل فيه تمجيد لفرنسا. التي جعلت المجتمع الجزائري ينتقل من الحياة التي تقوم على القبلية والعروش إلى حياة تقوم على مركزية الفرد، كما جعلت الأديب الجزائري يتكلم عن طريق المثاقفة، هو اندماج المثقف الجزائري في الثقافة الفرنسية(سياسة الاندماج). الرواية فيها استبطان لتلك المعرفة، (عزل الجماعة عن المحيط العربي الإسلامي). فيها وصف الشخصيات والمحيط الثقافي الذي تتحرك فيه تماشيا مع فكرة البطاقة البريدية على اعتبار أنها موجهة للمتخيل الفرنسي لذلك نشرت في فرنسا حيث دور النشر التي تشجع مثل هذه الكتابات والتي تظهر تلك الصور النمطية عن الجزائر. المراجــــــع: 1- إبراهيم عبد الله: المركزية الغربية، إشكالية التكوين والتمركز حول الذات المركزالثقافي العربي، بيروت 1997. 2- لوكا فيليب وفاتان جون كلود: جزائر الأنثروبولوجيين، ترجمة محمد يحياتن، بشير بولفراق، وردة لبنان، منشورات الذكرى الأربعين للاستقلال، الجزائر2002. 3- نسيب يوسف: مولود فرعون، حياته وأعماله، ترجمة حنفي بن عيسى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1983. 4- Dejeux jean :littérature maghrébine de langue française,édition nàaman, sherbrook 5- , quebec,canada1980. ذات التعبير الفرنســــــــــــــــــــــــي (مرحلة ما بين الحربين العالميتين) بقلم الأستاذ: د.الطيب بودرباله ترجمة: الأستاذ سليم بتقــــــــه ماجستير في الأدب الجزائري جامعة بسكـــــــــــــــــرة العنوان: رقم 126شارع الزعاطشة بسكرة الجزائر كان ظهور الرواية الجزائرية في القرن الماضي بتأثير من الأدب الغربي، ونتاج عملية طويلة من المثاقفة التي وضعت ثقافتين مختلفتين في سياق تاريخي خاضع للتوسع الكولونيالي الغربي وعنف التاريخ، مثاقفة خاصة أطلق عليها المختصون في الأنثروبولوجيا "مثاقفة تصادمية"ACCULTURATION ANTAGONISTE)) لأنها تتحقق بالمواجهة، ومن خلال سيطرة ثقافة على أخرى (حالة الجزائر مثلا). ظل الأدب الجزائري حقلا خصبا ومفتوحا على التفاعلات الثقافية والحضارية المتنوعة، فضاء للتبادل والتواجد بامتياز. لقد كان من نتاج هذه المثاقفة محو الجذور العميقة للهوية الفردية والجماعية, فنحن في مواجهة مأساة التهميش مع كل ما يؤدي إلى الضيق والاضطراب، فمثلا البطل "بولنوار" في رواية "رابح زناتي" يعيش المعاناة بالرغم من أنه يتحكم في الثقافتين العربية والفرنسية، جراء هذا التناقض الثقافي، وعن تساؤلاته المحيرة يجيبه أحدهم :"إن ديكارت روسو، فولتير قد وضعوا في ذهنك جراثيم لا تريد أن تطردها. أنت نتاج ثقافتك المزدوجة، ولا يمكن أن تكون غير ذلك، أنت من الآن عبد للعقل الغربي والخادم المتحمس له." بفضل المدرسة الفرنسية برزت نخبة من الأدباء الجزائريين الذين تلقوا نوعا معينا من التعليم يفضي إلى التنكر للماضي وللهوية، فمنطق النظام الكولونيالي يعارض كل سياسة انعتاق تهدف إلى تمدرس الجزائريين إلا للمفضلين بالمال أو المولد، وبالتالي فإن مهمة التحضير التي تدعيها فرنسا ما هي إلا خدعة. هذه النخبة من المثقفين أغلبها تنحدر من العائلات الأرستقراطية المتعاونة من فرنسا. إن تمدرس الجزائريين حسب وجهة نظر الفرنسيين ينبغي أن يهدف إلى خلق طبقة من المتعاونين قادرة على مساعدة النظام الكولونيالي على الاستقرار وتمكينه من تأطير السكان، مع ضمان شروط بقائه وإعادة إنتاجه. كتب "بيار بورديو" P.BOURDIEU و"جون كلود باسرون"J.C.PASSERON في هذا الموضوع : " تستطيع المدرسة أكثر من ذي قبل أن تساهم في استتباب النظام لأنها قادرة على التكتم على المهمة التي ستوفي بها". لكن الإنسان ليس آلة مبرمجة، فهذا التعليم الذي استطاع أن يلبي احتياجات الإدارة الكولونيالية من حيث الإطارات والموظفين يخفي حقيقة الفرد، وحقيقة التهميش الكولونيالي . لا يلقن التعليم الفرنسي للمتمدرسين الجزائريين المحظوظين أفكار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن يعمل على ترسيخ تلك الأكذوبة في أذهانهم. من جهة أخرى فاللغة غير حيادية، ولا هي مجرد ناقل للفكر.إن استيعاب لغة يعني استيعاب مضامينها الثقافية والأيديولوجية والحضارية. يعلمنا " دوسوسير" DE SAUSSUR أن اللغة مؤسسة اجنماعية تفرض شروطها، وقوانينها، ومخططاتها، باختصار رؤية كلية للعالم الحقيقي في المجموعة التي تتكلمها. وبالنسبة لـ"هايدجر" HEIDEGGER "اللغة مأوى الفرد". من هنا تطرح القضية الشائكة المتعلقة بحقيقة اللغة الجزائرية المعبر عنها بلغة فرنسية. إن المشكلة في تفاقمها تظهر الازدواجية بين لغتين تنتميان إلى عائلتين لغويتين تختلفان اختلافا جوهريا: الأولى (الجزائرية) سامية والثانية (الفرنسية) هندو أوروبية. حين يعود بنا الزمن، نلاحظ أن أول مؤلف كتب بالفرنسية من طرف كاتب جزائري هو لـ"حمدان خوجة" (المرآة) كتبه مع بداية الغزو الفرنسي وتحديدا في الثلاثينات. في هذا الكتاب يحث الكاتب فرنسا على احترام الشخصية الجزائرية وعلى مساعدة هذا البلد على العيش في حرية مثل بقية بلدان العالم. فيما يخص الأعمال الأدبية، ينبغي أن نسجل بأن القرن التاسع عشر لم يسمح بظهور أدب جزائري ذو التعبير الفرنسي مبكرا بسبب التـأخر في إقامة المنظومة المدرسية الاستعمارية، إلى جانب تحفظ الجزائريين إزاءها. لكن التاريخ يؤكد أن أول قصة جديرة بهذا الاسم كتبت سنة 1891 من طرف أحد المثقفين الجزائريين الذي اشتهر بفضل شخصيته، وتقربه من النخبة الجزائرية والسلطات الفرنسية ويتعلق الأمر بـ"محمد بن رحال"(1856-1928)، وقد ظهرت هذه القصة في المجلة الجزائرية والتونسية (أدب وفن الثلاثي 3 ) 26/9/ إلى30/10/1891 تحت عنوان" انتقام الشيخ" la vengeance du cheikh .الكاتب رجل ثقافة جمع بين الكتابة والسياسة. تمكنه من الفرنسية والعربية جعل منه رمزا للثقافة والأنتلجنسيا المحلية في الربع الأول من القرن. واحد وعشرون سنة بعد ذلك، وبالتحديد سنة 1912، نشر " أحمد بوري" روايته مسلسلة في مجلة (الحق) التي كانت تصدر بوهران بعنوان" مسلمون ومسيحيون" Musulmans et Chrétiens الرواية تحكي قصة حب بين شاب جزائري " أحمد " وابنة أحد المعمرين " مارسال " . العشرية الثانية من القرن شهدت ظهور جزائريين يهتمون بالشعر والقصة، وحسب " جون ديجو " J.DEJEUX فإن أول مجموعة شعرية نشرت هي لـ" سالم القبي " سنة 1917 بعنوان "قصص وأشعا إسلامية". كما يظهر من العنوان فالأمر يتعلق بفكرة تصور مشرق أسطوري غرائبي ومثالي، ففي ذهن المعمر كما هو لدى النخبة المستوعبة للعصر فإن الاستعمار ستكون إقامته دائمة في الجزائر، فكل مستقبل خارج الحضور الفرنسي يعد ضربا من المستحيل. سجل الاحتفال بمئوية الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1930 تحولا في تمجيد الحلم الاستعماري. كتبت "سكينة مسعدي" في هذا الخصوص: المجتمع الكولونيالي بما يملكه من قوة سياسية واقتصادية في البلاد دخل في مرحلة تحمس...فهو يرى المستقبل مضمونا وساطعا، هذا الاطمئنان كانت وراءه بعض الكتابات الأدبية الطموحة، حيث وضع الكتاب الفرنسيين أقلامهم – منتشين بهذا النصر المحقق- في خدمة مجد المؤسسة الاستعمارية وعملها التحضيري". عندما ظهرت بواكير الأعمال الأدبية الجزائرية كان الفضاء الروائي الجزائري تسيطر عليه الرواية الكولونيالية وبالتالي ينبغي عليك أن تكون صغيرا حتى تقبل في عالم الآخر، فهناك عوامل يحددها التاريخ وتحددها الأيديولوجيا، فليس غريبا إذن أن نجد أول عمل روائي جزائري نشر بعد الحرب العالمية الأولى تحديدا سنة 1920 حمل عنوانا خاصا وموحيا لخضوع الكاتب للأيديولوجيات الاستعمارية (أحمد بن مصطفى رئيس القوم) Ahmed ben Mustapha chef goumier لصاحبه القائد "ابن الشريف" (1879-1921) ويعد الكاتب ممثلا خالصا للنظام الاستعماري. ومن الضروري ونحن نتحدث عن مرحلة ما بين الحربين العالميتين أن نحيط بعناوين الروايات التي تمثل هذه المرحلة لتكوين رؤية شاملة عنها، فإضافة إلى رواية ابن الشريف المذكورة هناك: - زهرة زوجة عامل المناجم Zahra femme du mineur لـ"عبد القادر حاج حمو "(1891-1953). - مأمون مشروع مثل أعلى Mamoun l’ébauche d’un idéal، والعلج أسير البربرEl Eulj captif des barbaresques لـ"أحمد شكري خوجة (1891-1967). - مريم في النخيل Meryam dans les palmiers لـ"محمد ولد الشيخ"(1906-1938). - بولنوار الشاب الجزائري Boulanouar le jeune algérien لـ"رابح زناتي ". إن عنونة هذه الأعمال تظهر أن مشكلة الهوية تطرح بصورة تؤكد الأنا الثقافي وأيضا بصورة اقتران الأنا بالآخر من منظور اندماجي يحيد كل تعابير التناقض. بالنسبة لهؤلاء الكتاب الجزائريين فإن الجزائرية والعروبة والإسلام يمكن لها أن تتعايش مجتمعة مع القيم الغربية في البوتقة الفرنسية. لقد اكتشف النقد الحديث بأنه لا يوجد نص بدون تناص، بمعنى آخرأن كل عمل أدبي يخضع بالضرورة لمجموعة من مصادر التأثير. لقد كان لزاما أن تكتب الرواية الجزائرية بطريقة أو بأخرى في فضاء أدبي محتل من طرف الآخر، والثمن هو التنكر، التورط حتى الخيانة. نضيف إلى هذا أن هؤلاء الروائيين ينتمون إلى عائلات كبيرة مرتبطة بالنظام الاستعماري، فهم تربوا وتغذوا في هذا الوسط الأرستقراطي. وعلى الرغم من دعواتهم للإندماج وخضوعهم غير المشروط للأيديولوجيا الاستعمارية، فإن هؤلاء الروائيين وضعوا في منطقة حدودية تقع بين الجاليتين. هذا الوضع الغامض أدى إلى طرق مسدودة، فقد كانوا المدافعين المتحمسين للإندماج، لم يألوا جهدا في إظهار تبعيتهم لفرنسا من خلال ما كتبوه (مقدمات، اهداءات، تصريحات ...) فقد أكثروا من خطب الاعتراف والتبعية لسادة ذلك الزمان والذين –حسب رأيهم- قد أنهوا عصور البربرية، والعبودية وجعلوا من هؤلاء البربر أكثر إنسانية. إن اختيار الخطب الاثنوغرافية يكشف رضاهم وقبولهم نمط الوجود الواقعي الاستعماري (مرحلة اضطرارية بالنسبة إليهم) وإرضاء الجمهور المتكون كله من الأقدام السوداء Les pieds noirs. مع هذه الروايات، نجد أنفسنا في مواجهة ما يمكن تسميته بالدونية، فاللغة المستعملة تحيل على حقلين دلاليين في صورة العالم الكولونيالي : من جهة نجد لغة تعبر عن القيم الإيجابية ( مدرسة، حضارة، نور، حرية، علم، إنسانية...) ومن جهة أخرى هناك لغة تعبر عن الدونية والاحتقار وكل ما يحيل على العالم المستعمر مثل البربرية، الجهل، الظلامية القدرية، الاستبداد... إن فرنسا ليس مطلوب منها المساعدة على وضع حد نهائي للنظام الاستعماري وتحسين صورة الجزائري، ولكن لتكون ممجدة ومقدسة، إنه أدب الدفاع والاعتراف. هذه الروايات تتطلب إستراتيجية جديدة للقراءة، قراءة تفكك الخطاب الظاهر، حتى يسمح بالبحث في فضاء المستتر والمجهول. يلاحظ أن أغلب هذه الروايات تعرف نهايات درامية (انتحار، موت، جنون، إحباط...) هذه النهايات تندد ضمنيا بالاستعمار، لكن هذا التنديد لا يمس أسس النظام الاستعماري، ولكن تعسفه، تناقضاته. عندما ظهر جيل الخمسينيات منذ 1950 لم يكن ليرتبط بهذا الأدب، لقد كانت تجاربهم الروائية تكريسا للقطيعة الشاملة مع الأيديولوجيا الاستعمارية التي فرضت الزيف من خلال الرواية الكولونيالية الحاملة لهذه الأيديولوجيا في تجلياتها المرحلية المختلفة. لقد قلبت هذه الأعمال صيغة الأنا والآخر، وأتاحت للجزائري لأول مرة التكفل بانتمائه التاريخي بطريقة سامية. الهوامش: 1-Christiane Achour, Abécédaire en devenir, idéologie coloniale et langue française en Algerie,Alger,Enap,1985. 2-Jean Dejeux, situation de la littérature maghrébine de langue française, Alger, Sned, 1986. 3-Sakina Messaadi, les romancieres coloniales et la femme colonisée, Alger, Enal, 1990. 4-Pierre Bourdieu et Jean Claude Passeron, la reproduction, Paris, Minuit1970. 5-Yvonne Turin, Affrontements culturels dans l’Algérie coloniale et langue française, Alger, Sned, 1986. ربّتت أم بسّام على كتف فدوى وهي تقول لها بعطف واستسماح: "أعذريه يا ابنتي، فهو يريد أن يحصل على الجنسية، وأنت تعلمين أن هذا سيسهّل عليه أموراً كثيرة، من الإقامة والعمل وغيرها من الأمور..." تنهّدت بزفرة أخرجت معها كل ما يربطها ببسام من أحلام بالارتباط، وتوقّفت عند الأمر المهم وهو "الحصول على الجنسية"، إذ يكفي أن يرتبط من يهاجر إلى تلك البلدان الأجنبية كي يضمن جنسيتها له ولأبنائه من بعده، وهذا بحد ذاته سيجلب له سعده... واستحضرت عندها معاناة المرأة العربية التي تتزوّج من أجنبي، فما هو واقع حالها يا ترى؟ وهل يجلب السعد؟ المرأة العربية تتمتع بحق المواطنة مثلها مثل الرجل تماماً بحسب الدساتير المرعية الإجراء، فالمواطنة هي كلمة تعبّر عن علاقة الفرد بوطنه، وهي علاقة ترتّب حقوقاً وواجبات، وكي تنشأ هذه العلاقة لا بد من أن ينتمي هذا الفرد إلى وطن ما ليكون مواطناً فيه، ولذلك ارتبطت كلمة المواطنة بكلمة "الجنسية" ارتباطاً وثيقاً، فيصبح الفرد مواطناً في البلد الذي يحمل جنسيته، ويحق للفرد أن يحتفظ بأكثر من جنسية واحدة تبعاً للبلدان التي يقيم فيها وبحسب قوانينها، فالقانون الدولي يعتبر أن مسألة منح جنسية بلد ما، هي مسألة سيادية تخص هذا البلد وحده، ويعطيها للأشخاص وفقاً لقوانينه. وهو يلحظ قانونين أساسيين تُمنح الجنسية على أساسهما وهما: 1ـ قانون الأرض الذي يعطي الفرد الحق في الحصول على جنسيته بموجب مكان ولادته بغض النظر عن الجنسية التي يحملها والده فهل يتساوى حق المرأة مع الرجل في الحصول على الجنسية؟ النقطة التي آثارت الكثير من الجدل هنا هي " قانون الدم" أو ما يعرف برابطة الدم، التي تجعل المولود تابعاً لجنسية والديه. وتبرز المشكلة الكبرى عندما تتزوّج المرأة العربية من أجنبي، سواء كان عربياً أو أجنبياً، لأن القوانين في معظم الدول العريبة ميّزت بين الرجل والمرأة في هذا الشأن، ففي حين يعطى المولود جنسية أبيه أينما ولد سواء داخل البلاد أو خارجها، فإنه يحرم من جنسية أمه إذا كان أبوه أجنبياً حتى لو ولد على أرض البلد لأن هذه الدول لا تعمل بقانون الأرض، وإنما فقط تعمل قانون الدم وفقط مع الذكور دون الإناث، وهذا يعدّ انتقاصاً كبيراً من حق المرأة في المواطنة، ويترتب عليه الكثير من المعاناة لما له من آثار على واقع الحياة المعاشة. أما تشدّد الدول العربية في إعطاء الجنسية فيُبرر بسببين أساسين هما عدم تجنيس الفلسطينيين من أجل المحافظة على الهوية الفلسطينية وذلك بقرار من جامعة الدول العربية، والأحوال الأمنية. أما أبرز المشاكل التي تعاني منها المرأة العربية وأسرتها فتظهر عندما يكون الزوج مقيماً في بلدها، ومع ذلك يبقى أجنبياً ويصبح الأمر أكثر تعقيداً عندما يتعلّق الأمر بأولادها الذين لا يعطون جنسيتها ويعاملون في بلد أمهم على أنهم أجانب! فيتعيّن عليهم عندها: ـ إضافة إلى معاملات الإقامة والعمل لا يسمح للأزواج والأولاد العمل في المؤسسات الحكومية والعامة. ـ التمييز بين المواطنين. ـ الحرمان من الحقوق السياسية كالإنتخابات والترشيح. ـ القيود في القوانين الخاصة بتملّك غير المواطنين العقارات والشركات. ـ حق التنقل (الحاجة إلى تأشيرة لدخول البلاد) ـ الآثار النفسية السلبية على الأبناء بشكل خاص. ومن المعلوم أن مثل هذه الأمور تعرقل كثيراً من أمور الحياة وتجعل طبيعتها قاسية جداً، عدا عن الإجحاف والغبن الذين يلحقان بالمرأة جرّاء شعورها أن عائلتها غريبة وهي في بلدها، فهي تعتبر نفسها مواطنة، تحب وطنها وتدافع عنه بروحها، وتعمل من أجل إعلاء شأنه، إنها فرد يقوم بكل واجباته تجاه الوطن، ولكنها تقابل بمثل تلك القوانين المجحفة. ومع تقدم المرأة وتفاعلها في كل الميادين، ومساندتها من قبل الأمم المتحدة أعلن عن برنامج إنمائي لهذه الدول أدى إلى إجراء تعديلات مهمة في قوانين العديد من البلدان العربية منها المغرب، وتونس، ومصر وسورية ولبنان، والأردن والسعودية من أجل الاقتراب من إعطاء المرأة حقها في نقل جنسيتها لأولادها، على أن هذه التعديلات التي حصلت ما زالت تثير الكثير من العقبات في حال تطبيقها. فمثلاً في مصر حيث أعطيت المرأة المصرية الحق بأن تنقل جنسيتها إلى أولادها أياً تكن جنسية الأب، فإن معظم النساء لا يملكن الوعي بهذا الأمر، إضافة إلى تعسّف الجهات الإدارية في تطبيق هذا القانون مما يضطر المرأة للجوء إلى القضاء بما يحوي ذلك من متاعب ومن انعاكاسات قد يؤدي إليها كالملاحقة الأمنية. لكن مقابل ذلك هناك تحركات للانطلاق بحملات توعية من خلال عقد الندوات ووسائل الإعلام المختلفة، وتكرار المحاولة للحصول على الجنسية. أما في السعودية فبالرغم من إعطاء المرأة هذا الحق فإن تطبيقه على الأرض أيضاً فيه الكثير من المشاكل، إذ لا تمنح الجنسية إلا للذكور في سن الثامنة عشر أما الفتاة فتمنح بطاقة إقامة فقط، ولا تعطى الجنسية إلا إذا تزوجت من سعودي، كما أن الأم غير السعودية تحصل على الجنسية بسهولة أكبر بكثير من حصول أبناء الأم السعودية على الجنسية. لا زالت المرأة العربية تحاول المضي قدماً في طريق طويل، لكنها بدأته، ومسألة مساواتها بالرجل من حيث حقها في المواطنة، وفي الحصول على الجنسية باتت أمراً في طريق التحقيق رغم العثرات التي تواجهه.
2ـ قانون الدم الذي يعطي الفرد الحق عند ولادته في الحصول على جنسية والده تلقائياً.
كما لوحظ قانون جديد تُمنح الجنسية على أساسه وهو ما يعرف بقانون الهجرة والذي تعتمده العديد من الدول فيحصل الفرد على المواطنة في الدولة التي هاجر إليها إذا توفرت فيه شروط الهجرة وتمت الموافقة عليه من قبل الدولة .