- التفاصيل
- كتب بواسطة: حميد أكبري
- الزيارات: 4
رأی جديد فی تسمية المعلقات
حميد أكبري
اختلف العلماء قديما و حديثا فی سبب تسمية المعلقات، و هی التی جمعها حماد الراوية فی أواخر عصر بنی أمية و أوائل عصر بنی عباس. و ذلك أنه لما رأی زهد الناس فی الشعر، جمع لهم هذه القصائد السبع، و قال هذه هی المشهورات، فسميت القصائد المشهورة.
و يراد بالشعر الذی زهد الناس فيه علی عهد حماد الشعر الجاهلی القديم، و إلاّ فإن سوق الشعر ?انت رائجة فی عهد حماد، و ?ان الشعراء المحدثون فی ذلك العهد لا يحصون من ?ثرة. و قد أخذوا يخرجون علی الشعر القديم و يزهدون فيه و يهجرون مذاهبه و أساليبه. و ?ان أول من فعل ذلك بشار بن برد الذی يعد رأس شعراء المحدثين، و ?ان من أصدقاء حماد المقربين. فدعا هذا الأمر حماد إلی محاولة إحياء ذلك الشعر المهجور و ترغيب الناس فی حفظه و روايته، فجمع هذه القصائد لهم، و لعلها ?انت أول ما جمع من الشعر العربی.
و يؤخذ من نص الرواية السابقة فی جمع حماد لها، أنها لم تكن قبل جمعه لها تعرف بهذا الإسم «المعلقات»، و أنها ?انت تسمی عقب جمعه لها القصائد المشهورة أخذاً من قوله بعد انتهائه من جمعها«هذه هی المشهورات». و لو ?انت تسمی قبل جمعه لها باسم المعلقات، لقال بدل هذا بعد انتهائه من جمعها«هذه هی المعلقات»، و سماها باسمها المعروف، و لم يعدل عنه إلی ما ذ?ره فی تمييزها؛ فعدوله عنه إلی ذلك دليل علی أنها لم تكن تعرف بهذا الإسم، لأنها لو ?انت تعرف به قبل حماد لكان لها اسم يجمعها، و ?انت مجموعة بالفعل فيه، و لم يكن هناك من حاجة إلی جمع حماد لها.
و إذا أردنا أن نعرف كيف حدث هذا الإسم «المعلقات» لها بعد جمعها، فلننظر إلی ما جری للناس معها بعد أن جمعها حماد، فلقد أخذوا يعنون بحفظها و شرحها، ثم شغفوا بذلك الحفظ و الشرح و اتخذوها متنا شعريا مثل المتون التی دوّنت فی العلوم بعد جمعها، ?ما شغفوا بحفظها و تعليق الشروح عليها؛ و لكن هذه القصائد ?انت أسبق جمعا من هذه المتون، حتی أتی عليها زمن و هی منفردة بعناية الناس بتعليقها حفظا و شرحا، فشاع لها بين الناس هذا الإسم الجديد «المعلقات»، و نسوا به اسمها القديم «القصائد المشهورة»، ثم مضوا علی ذلك إلی أن جاء من العلماء من عُنِیَ بفهم هذا الإسم الجديد لها و معرفة سرّ إطلاقه عليها، ففرض لها تلك الفروض الخاطئة التی سنبيّن فيما بعد خطأها.
و لا شك أن اللغة تسوّغ اشتقاق هذا الإسم «المعلقات» لتلك القصائد التی عنی بها الناس بعد جمعها من حفظها و شرحها، فإن الحفظ تعليق لما يحفظ بمحل حفظه، و الشرح تعليق علی ما يكون هو شرح له؛ و لا تزال الشروح التی توضع علی المتون و نحوها تسمی شروحا و تعليقات. و قد جاء فی القاموس أنه يقال: «فلان علق علم» أی : يحبه و يتبعه، و « علق شر» ?ذلك؛ فهذه المعلقات معلقات مما حدث للناس بعد جمعها من حبهم لها و تتبعهم إياها بما ?ان يتبعونها به من حفظها و شرحها، و هی معلقات بمعنی محفوظات أو مشروحات؛ و قد خصّت بهذا الإسم لأنها ?انت أول ما عنی بجمعه و تدوينه و حفظه و شرحه من الشعر.
فهذا إن لم يكن هو الذی وقع فی حدوث هذا الإسم «المعلقات» لتلك القصائد بعد جمعها، فهو فرض قريب يرتاح إليه العقل فی بيان وجه تسميتها بذلك، و هذا شأن ?ل الفروض العلمية التی يراد منها تقريب فهم بعض المسائل العلمية من المعقول، إذ تستعصی عليها، و لا يمكن بيقين معرفة سرّها، و هو خير من تلك الأمور الخاطئة التی يذ?رها من يذهب إلی أن تلك القصائد ?انت تسمی قبل جمعها باسم المعلقات، و لا يذ?رها علی أنها فروض رددّها الخاطئون؛ بل علی أنها أمور وقعت و ?انت سببا فی تلك التسمية.
قالوا إن الشعراء فی الجاهلية ?انوا يقصدون أسواق العرب التی ?انوا يقيمونها ?ل سنة بجوار م?ة، فيتناشدون الأشعار، و ?ان ينصب للشاعر فيها ربوة، فيصعد إليها، و تحدق به العيون، و تشرئبّ إليه الأعناق، فينشد قريضه عليهم حتی يأتی علی آخره، فلا يقاطعه أحد و لا يستوقفه. فإذا ما أحكم القول، و بلغ من الفصاحة ما وقع اتفاقهم علی حسنه و إجادته، ?تبوه بحروف الذهب علی نفيس الديباج، و علّقوه علی الكعبة تنويها بشأن صاحبه و تخليدا لذ?ره.
و ممن قال بهذا أو نحوه فی سبب تسمية تلك القصائد بالمعلقات أحمد بن عبد ربه القرطبی صاحب العقد الفريد، و ابن خلدون، و ابن رشيق. قال ابن عبد ربه : «و قد بلغ من ?لف العرب بالشعر و تفضيلها له أن عمدت إلی سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب فی القباطی المدرجة، و علّقتها بأستار ال?عبة، فمنه يقال مذهبة امرئ القيس، و مذهبة زهير، و ...؛ و المذهبات السبع يقال لها المعلقات».
و قال ابن خلدون بعد ?لام له فی ذلك : «حتی انتهوا إلی المباهاة فی تعليق أشعارهم بأر?ان البيت الحرام، موضع حجّحم و بيت أبيهم ابراهيم، ?ما فعل امرئ القيس، و طرفة بن العبد، و الأعشی، و غيرهم من أصحاب المعلقات السبع».
و قال ابن رشيق «و ?انت المعلقات تسمی المذهبات، و ذلك أنها اختيرت من سائر الشعر القديم، فكتبت فی القباطی بماء الذهب، و علّقت علی الكعبة، فلذلك يقال مذهبة فلان إذا ?انت أجود شعره». و شبيه لهذا الرأی ما ذهب إليه البغدادی صاحب خزانة الأدب، فقد ذ?ر بأنها سميت معلقات لتعليقها علی الكعبة... يقول :«?ان العرب فی جاهليتهم، يقول الرجل منهم الشعر، فلا يعبأ به و لا ينشده أحد حتی يأتی مكة فی موسم الحج، فيعرضه علی أندية قريش، فإن استحسنوه رُوِیَ، و ?ان فخرا لقائله، و علّق علی ر?ن من أر?ان الكعبة حتی ينظر إليه، و إن لم يستحسنوه طُرِحَ و ذهب فيما ذهب».
و قد أنكر بعض الأدباء و العلماء تعليقها علی الكعبة، و حجتهم فی ذلك:
1- أن خبر التعليق وصل إلينا مبهما لم يبيّن ?يفية التعليق و لا زمانه، و لم يكشف عن الذين ?تبوها أو الملوك الذين أمروا بتعليقها أو الحكام الذين حكموا لها بالتفوق و التقدم.
2- أن الكعبة قد هدمت و جدد بناؤها علی عهد رسول الله (ص)، و لم يذ?ر شیء عن هذه المعلقات و لا عما أصابها.
3- أن العرب ما ?ان لهم أن يدنسوا الكعبة بما ?ان يشيع فی هذه القصائد من فسوق و هجر و فحش، و هم الذين ?انوا يعظمونها و يحجّون إليها.
4- أن الأشعار الجيدة التی أثرت عن العرب ?ثيرة، فلماذا لم يؤثر خبر التعليق إلا لهذه القصائد؟
و زعيم هؤلاء أبوجعفر النحاس المتوفی سنة 338ه.ق، و هو أحد شرّاح المعلقات، يقول فی شرحه علی تلك المعلقات : «و اختلفوا فی جمع القصائد السبع، و قيل إن العرب ?انوا يجتمعون بعكاظ فيتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة، قال : علّقوا لنا هذه و أثبتوها فی خزانتی، و أما قول من قال إنها علّقت بالكعبة فلا يعرفه أحد من الرواة».
و لم يذ?ر أبوجعفر هذا من هو هذا الملك الذی ?ان يأمر بتعليق هذه القصائد فی خزانته، و قد رجح بعضهم أنه ?ان النعمان بن المنذر، لأنه هو الذی ?ان يعنی من ملوك المناذرة بجمع أشعار العرب، و ?ان عنده ديوان مكتوب جمع فيه أشعار الفحول، و قد وصل ذلك الديوان أو ما بقی منه إلی بنی مروان علی حسب ما رواه محمد بن سلّام الجمحی فی ?تابه طبقات الشعراء الجاهليين و الإسلاميين.
و يستند أبوجعفر فی رأيه هذا علی ما قيل فی أن حمادا الراوية لمّا رأی صدوف الناس عن الشعر و زهدهم فيه، جمع لهم هذه القصائد السبع، و قال هذه «هذه هی المشهورات»، فسميت القصائد المشهورة.
و يؤخذ من ذلك كله أن تسميتها بالمعلقات عند أبی جعفر يرجع إلی قول الملك :«علّقوا لنا هذه» لا إلی أنها علّقت فی الكعبة، و لا يعرف علی أیّ شیء يستند أبوجعفر فيما ذ?ر عن حماد فی جمع هذه القصائد، و هو ?ما قلنا ينقض تسميتها بالمعلقات قبل جمعه لها، سواء أ?ان ذلك للوجه الذی ذ?ره أم ?ان للوجه الذی ذ?ره غيره.
و لا شك أن عصر النعمان بن المنذر أحدث من عصر ?ثير من أصحاب المعلقات، مثل امرئ القيس، و طرفة، و عمر بن ?لثوم، و الحارث بن حلّزه، و ... فلا يصح أن يكون هو الذی ?ان يعلق القصائد بخزانته بعد إنشادهم لها و استحسانه إياها، ?ما لا يصح أن يكون ينشدها أصحابها بسوق ع?اظ ، لأن سوق ع?اظ أحدث ب?ثير من عهد هؤلاء الذين ذ?رناهم من أصحاب المعلقات. فقد أقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، و هو العام الذی ولد فيه النبی (r)، ثم بقيت إلی ما بعد الإسلام حتی سنة 129ه.ق. و فی عهد إنشائها ?ان جيل امرئ القيس و طرفة و عمربن ?لثوم و ... قد انقرض أو ?اد ينقرض، و إننا نستطيع أن نجزم بأن هذه القصائد لم تنشد فی سوق ع?اظ ، و لا فی غيره من الأسواق العربية التی ?انت معاصرة له. و قد ذ?ر العلماء فی العصر الحديث أسبابا أخری فی تسميتها، و أمكنة غير سوق ع?اظ أنشدت فيها، ?ما ذ?روا لبعضها ملو?ا غير النعمان التی قيلت تلك الأشعار أمامه. و لسنا فی حاجة إلی تفصيل هذه ?له لشهرته.
مراجع البحث
1- أسس النقد الأدبی عند العرب – أحمد أحمد بدوی – مطبعة لجنة البيان العربی – الطبعة الثالثة – دون تاريخ.
2- الجامع فی تاريخ الأدب العربی ( الأدب القديم ) – حنا الفاخوری – دار الجيل – بيروت – دون تاريخ.
3- خزانة الأدب – عبد القادر البغدادي – تحقيق : عبد السلام هارون – دار ال?اتب العربی – القاهرة – 1967.
4- دراسات فی الأدب الجاهلي و الإسلامي – عبد المنعم الخفاجي – دار الجيل – بيروت – الطبعة الأولی – 1992.
5- طبقات فحول الشعراء – ابن سلام الجمحی – دار المعارف – القاهرة – دون تاريخ.
6- العقد الفريد - أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسی – تحقيق : أحمد أمين و الآخرون – مطبعة لجنة التأليف و الترجمة و النشر – القاهرة – دون تاريخ.
7- العمدة فی محاسن الشعر و آدابه – ابن رشيق القيروانی – تحقيق : محمد قرقزان – دار المعرفة – بيروت – الطبعة الأولی – 1988.
8- لسان العرب – ابن منظور المصری –
9- المفصل فی تاريخ العرب قبل الإسلام – جواد علی – دار العلم للملايين – بيروت – دون تاريخ.
10- المقدمة – ابن خلدون – منشورات استقلال – طهران – الطبعة الرابعة – 1410ه .ق.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 7
العقلية الحزبية وتأثيرها على الواقع السياسى
سيد يوسف
عرفت بلادنا العربية الأحزاب منذ فترة لكنها لم تستطع أن تطور من نفسها بحيث تتخلص من تلك العقلية الحزبية التى صاحبت نشأتها فليس من المعقول أن ما ناسب مراحل النشأة الأولى أن يمتد ليكون هو السمة الرئيسة عند نضج تلك الأحزاب إن كان ثمة نضج حقيقى.
ونقصد بالعقلية الحزبية طريقة من التفكير تنغلق على نفسها وتحرم نفسها من الإفادة مما لدى الغير من أافكار ورؤى، والاعتماد الفكرى على إنتاجها الخاص
مما يؤدى بها إلى التسطيح وقلة النضج وما يستتبع ذلك من نتائج مثل غياب لغة الحوار وشيوع ثقافة الإقصاء والتبرير للأخطاء والاجتهاد المغلوط والمرجوح لقضايا المجتمع المعاصر، وسوء قراءة الواقع السياسى، والعيش فى إطار الماضى ألفاظا وإنتاجا وثقافة .
من آفات تلك العقلية
* الاعتماد على الرصيد البشرى أكثر من الاعتماد على الرصيد الفكرى.
* شيوع ثقافة التبرير للأخطاء التى تقع فيها المجموعة ومن ثم الدفاع عن تلك الأخطاء بدعوى حماية الصف الداخلى .
* تفشى ظهور الزعامات ومن ثم الانقسامات إلى جماعات وأحزاب منبثقة عن الأحزاب ومولودة من رحم حزب أم....ومن ثم الانحراف بالغاية الحزبية من نشر الوعى الثقافى والسياسى والحزبى ومعالجة شئون المجتمع إلى الصراع مع الآخرين واتهامهم والحكم عليهم بالتخوين والعمالة ولا مانع لديهم من استخدام مفردات لم تعد مستخدمة فى الوقت الحاضر ولا عجب فقد انغلقت على نفسها منذ عشرات السنين!!
* ضعف بنية الأفراد داخل الحزب سواء البنية الفكرية أو التربية الحزبية فنرى فى كثير من أبناء الحزب بعض الآفات التى تدل على غياب النضج والوعى الحزبى مثل:
الميل للعنف ، قابلية تصديق الشبهات ، تغليب الجانب اللفظى والجدلى عن الجانب العملى والحركى، ضعف استيعاب عناصر جديدة ، الفشل فى تحقيق التواجد بالشارع ، أخرى.
* ضعف التربية الحزبية وغياب الوعى السياسى لدى أفراد الصف الحزبى.
*عدم تحمل الرأى الاخر.
* ضيف الافق.
* الحساسية للنقد.
* التنافس غير الشريف مع الآخرين.
* ظهور الشللية والجيوب داخل الصف الحزبى.
*توتر العلاقة مع مسئولى العمل الحزبى سواء المباشرين أو غير المباشرين.
نتائج تلك العقلية
لا شك أن نتائج ذلك خطيرة سواء على الحياة السياسية أو حتى على الحاضر الفكرى والثقافى الذى تعيشه أمتنا من ذلك مثلا : موت الحياة الحزبية أساسا وتقاتل بعض الأفراد وتنافسهم اللاشريف تحت دعوى صراعات الأحزاب ومن ثم تفرز تلك الصراعات ثقافة الطغيان ولا سيما لدى الحزب الحاكم الذى لا يعرف عمليا مبدأ تداول السلطة حتى بتنا نرى أن فتح تمتن أنها أجرت انتخابات نزيهة فى فلسطين أودت بفتح وأنتجت حماس لكنها منة محسوبة عليها لا لها فضلا عن أنها لم تستكمل فضلها فباتت كمن كان ينفذ مخططا ما والنيات عند الله.
فى النهاية
هى مجموعة تساؤلات نرجو لها جوابا لدى أحزابنا فى الواقع العربى:
* أحزابنا السياسية غاية أم وسيلة؟
* هل أحزابنا هذى ضرورية للحياة السياسية أم هي عبء على الوطن؟
* هل الأحزاب فى بلادنا تلك التى تستعصى على التداول السلمي للسلطة...هل هى مسهلات للوعى السياسى أم هى ديكورات تخدم الدكتاتوريين ؟
* هل الممارسات الداخلية( من ديمقراطية وتداول طبيعي لرؤساء الأحزاب مثلا) بكل حزب لدينا تنم عن مستقبل مشرق أم مستقبل غامض؟أم تراها عوائق للنمو الاقتصادي بعجزها وإفلاسها الفكري ومن ثم عائقا أمام الوعى الثقافي ففاقد الشيء لا يعطيه؟!!
وكم نرجو أن تكون إجابات أحزابنا عملية لا لفظية تتبع ثقافة التبرير.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سعود الأسدي
- الزيارات: 6
فدوى طوقان وسلّة الزّهر / سيلة الظهر
سعود الأسدي
في شهر رمضان من عام 1996, وأثناء مرور فدوى طوقان, شاعرة فلسطين والعرب الكبرى بقرية " سيلة الظهر" الواقعة على جانبي الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة نابلس الصامدة بمدينة جنين المجاهدة في فلسطين, وهي متجهة إلى قرية دير الأسد لحضور المهرجان الأدبي الكبير الذي أُقيم على شرفها, سألتني وهي العارفة بالطبع, ما هذه القرية؟
قلت : سيلة الظهر .
قالت: معقول ؟ كنت أظنّها سلّة الزهر !!
انظرْ معي أليستْ سلة زهر ؟!
قلت : بلى
وابتسمت من كل قلبها، وبدا عليها الزهو والسرور, وراحت ترمق القرية, وترنو بحنوّ ومودّة إلى كروم اللوز والمشمش التي تكتسي بها روابي القرية وخلايلها وجنبات وديانها, وهي في عنفوان إزهارها وإبّان عقد ثمارها, قالت:
يا الله !
ما هذا السحر !
ما هذه الروعة!
ما هذا الجمال !
إنّ هذه البلدة قصيدة لم تخطر ببال شاعر !!
وما كان مني في مثل هذه اللحظة المدهشة, وفدوى طوقان شاعرة ترسم بالكلمات ما يرسمه الرسّام بالألوان, والموسيقيّ بالألحان, نعم ما كان مني إلا أن ثنَّيت على قولها, وأثنيت على كلمتها الشاعرية العذبة التي قالتها وهي مندهشة ومبهورة : انظر معي ! أليست سلة زهر؟!
ولما انقضى شهر رمضان, وحلّ عيد الفطر, كتبت إلى شاعرتنا المبدّاة والمفدّاة, فدوى طوقان, بطاقة معايدة قلت فيها بعد عبارات التبجيل والاحترام:
فَدْوَى! وأنتِ النّدَى هَلَّتْ نسائمُهُ
مع القصيدِ , فأوحى اللحنَ للوترِ
وغرّدَ الطيـرُ شــدواً في مرابِعِهِ
بينَ الزهورِ فأعطى الشَّجْوَ للشجرِ
وألهمَ الراعيَ المنسـابَ في دَعَةٍ
مع الغُنَيْمـات بينَ السّهْلِ والوَعَرِ
نشيـدَ شبّابةٍ شَبَّ الحنينُ بها
مع الأصيلِ فأغرى النجمَ بالسّهَرِ
غَنَّى لجفرا ودلعونا قصائدَ مَن
غنّى النَّسيبَ لرَوْضٍ بالرُّؤىَ نَضِرِ
قد كنتِ في رحلةٍ هانَتْ مصاعبُها
لما التقيتكِ ميعـــاداً مع المطرِ
فقلتُ و"الديرُ" في أُرجوحةٍ رَقَصَتْ
لبّيكِ يا أختَ إبراهيمَ ! وانْهَمِري
على جروحِ بلادي بلسماً عَطِراً
وأسعفيها بمــوّالِ الجوى العَطِرِ
واسْتَنْـزلي النّورَ من " عِيْبالَ " أُغنيةً
في "ذا الظلامِ " لصبـحٍ منه مُنْتَظَرِ
وَلْتَسْمعي ما يقولُ اللوزُ من وَلَهٍ
بما شعـرتِ بهِ , أو صُغْتِ من دُرَرِ
ما الدربُ يُوصِلُ بنتَ النّارِ نابُلُساً
بـِ "سيلةِ الظهرِ" غيرَ الحُلْم في السَّفَرِ
و" سيلةُ الظهرِ" فيها اللوزُ مزدهرٌ
حقاً على مَـدِّ عينِ المرءِ والنَّظَرِ
حسناءُ غنّاءُ تاهَتْ في مفاتِنها
ظميـاءُ لميـاءُ في دَلِّ وفي خَفَرِ
لفّاءُ هيفاءُ والإشـراقُ زنّرَها
عرباءُ هدباءُ مثلُ الطيفِ في السَّحَرِ
لما مررتِ بها وقتَ الأصيلِ وقد
طلعتِ بالأملِ المنشودِ في العُمُرِ
رسمتِ عنها بكلْمات كَرُمْتِ بها
رسماً جميلاً بديعـــاً خالدَ الأثَرِ
وهي التي من قديمِ الدهرِ رائعةٌ
ولا تزالُ وتبقى حلـوةَ الصُّـوَرِ
قد سُمِّيَتْ باسمِها حتى مررتِ بها
مثلَ الربيـعِ فصارتْ " سَلَّةَ الزَّهَرِ "
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 5
أين القائد الملهم؟
سيد يوسف
تمهيد
"إن الإصلاح لا ينبع من مجموع شعبنا كعرب مثل الغربيين وإنما ينبع من قائد نراه ربانياً يجمعنا حوله ونلتف حوله فيوجهنا بعد أن ينال ثقتنا وولاءنا "
شعرت بالغيظ حين قالها لكنى سرعان ما لبثت وعدت إلى نفسي أسائلها:
هل يصدق ذلك على المصريين لا عموم العرب؟ أم أن هذه الملاحظة برمتها تحتاج إلى إعادة نظر ؟!
ومع التأمل كانت هذه المقالة.
كلما ازدادت أوضاعنا المقلوبة هذى سوء، وكلما استغرق الناس فى الشعور بالإحباط، وكلما ازداد شعور الناس بالعجز بسبب بطش الحكام وسطوة الفساد، وتعالى أهل الباطل ، ومحاصرة أهل الحق من كل جانب.......كلما حدث ذلك كلما استغرق الناس فى البحث عن مخلص....عن منقذ...عن رجل كصلاح الدين رمز التغيير ....
وما فكر أحدهم أو أحدنا أن يكون هو صلاح الدين أو أن يكون هو ذلك المنقذ أو ذلك المخلص أو على أحسن تقدير أن يفعل ما ينبغي عليه فعله كجندي بله كقائد!!
قد لا يكون المسلمون وحدهم الذين يسيطر عليهم ذلك الشعور لكنهم – ولربما- كان ذلك فيهم أكثر من غيرهم ولربما يرجع ذلك لعدة عوامل مجتمعة منها إدراكهم لحديث أن الله يجدد لهذه الأمة أمر دينها كل مائة عام كما ورد فى الأثر...ومنها اشتداد حالة الضعف الذى عليه المسلمون، ومنها شدة وتعاظم تكالب الأمم عليها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ومنها غير ذلك.
وهم حين يفعلون بأنفسهم ذلك إنما لا يشعرون أنهم يعمقون الهوة ويزيدون الإحساس العام بالشعور بذلك الإحباط لأنه ووفقا لقانون السماء الدقيق والذي له دقة القوانين الرياضية
( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد 11 فإنهم لن يفلحوا إذ متى حولت الأماني أصحاب الكسل إلى قادة ومصلحين؟!
لقد استبان لى أن عوامل التمكين – وهى غير عوامل النصر بداهة – تحتاج إلى أناس قادرين يستمدون قدرتهم من خيريتهم وأقصد بها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وفعل الخيرات ....يقول تعالى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الحج 41
ولذلك يمكننا أن نورد ههنا ما قاله الأستاذ/ شريف عبد العزيز (بتصرف وإضافة )
"إن ظهور أمر المجددين لم يكن خبط عشواء وإنما سبقه مجهود طويل وشاق وحصاد عمل رجال قبلهم قاموا بواجبهم على أفضل ما يكون ولكن شاء الله عز وجل أن يأتي الحصاد وتجنى الثمرة على يد من بعدهم فنسب الفضل إلي هؤلاء وتاه الآخرون في بحر النسيان ولكن قطعا لم ينساهم رب السماوات والأرض ." انتهى
ومثال ذلك صلاح الدين وحسن البنا ومعظم إن لم يكن كل المجددين الذين أحيوا هذه الأمة بجليل أعمالهم وصنيعهم..لقد كانوا ثمرة يانعة لجهود سبقتهم ، ومجهود ضاف وفقوا إليه.
فى النهاية
نريد أن نوجز ما يلي:
1/ لا نهضة بلا حراك اجتماعي فاعل وايجابي ومستمر يكون وليد قناعة حقيقية بالتحول نحو الأفضل...وأن يتم ذلك بأغلبية ترى الحق حقاً وتقره وترى الباطل باطلاً وتمنعه ، ثم تفعل الخيرات وتداوم على ذلك ...ففي الحديث : "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً" . رواه البخاري.
2/ فالقانون هو " ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد 11
3/ والأمم التى تنتظر تغييراً فوقياً دون أن تصنعه من قاعدة الهرم السكاني لا يرجى لها نصر أو نهضة.
4/والأمم التى تنتظر صلاح الدين كفرد واحد دون استنبات جيد للقادة... أمم لا تستقيم لها نهضة ولا يرجى لها سوى استمرارا الكسل.
5/ للكسل لذة بالمشرق يجيد العجزة الحديث عنها دونما التفات إلى صنيع الآخرين الذين بنوا مدنية جيدة.
6/ حين تبنى الأمم أفرادها ليكونوا أبطالاً بمجموعهم وليكون كل فرد فيهم بطلاً رغم أنفه وحين تزكى فيه موروثاتنا الطيبة والجيدة روح البطولة والجهاد والحركة فإن الأمل معقود على هذا الجيل....ولكن إذا جفت منابع استنبات القادة ، وإذا عدمت أمتنا صنع رجال يقودون العمل بتناغم واقتدار، فإن أمتنا على خطر عظيم....
أسأل الله أن يهيىء لأمتنا أمر رشد.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عزيز محمد أبوخلف
- الزيارات: 4
فلسفة الفكر الديني
عزيز محمد أبوخلف
تهتم الفلسفة بقراءات فكرية في أفكار الناس، فهي تفكر في اللامفكر فيه، وقد اتخذت طابع النقد في العصر الحاضر. وكانت الفلسفة في الماضي ترتبط بحب الحكمة والتشبه بالحكماء، كما الحال عند اليونان، أصحاب هذا المصطلح. وفعلاً تشبه بهم تيار ظهر في عهد الدولة الإسلامية حاول التوفيق بين الدين والفلسفة. ثم قام تيار آخر تمثل في علم الكلام للدفاع عن عقائد الدين في مواجهة الفلسفة وغيرها، لكن المفارقة أنه قام على أسس علمية ومنطقية مبنية أيضاً على أفكار اليونان. فهل يعني هذا أن الدين نفسه لا فلسفة فيه؟.
هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال قراءات فكرية في الفكر الديني متمثلاً في أهم تياراته العقائدية الممتدة عبر التاريخ كالتيار السلفي، والتيار الاشعري وما يلحق به من تيارات أخرى، والمعاصر منها كالنبهاني التحريري. وسوف نبدأ بالفكر السلفي، باعتبار أن هذا الفكر امتداد لما كانت عليه أفكار الدين الأصلية، ثم طرأ عليها ما طرأ من علم الكلام والتوفيقية الفلسفية السيناوية والرشدية. والدليل على ذلك تقاتل التيارات الإسلامية على مصطلح أهل السنة والجماعة، فكلٌّ يدّعيه لنفسه، مع أن المنطق يقول بأن من ظل على الخط الأصيل هو أحق به منه، لأنه صفته.
السلف والعقل
السلف هم الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم الأصيل. لكن هذه الأصالة ما لبثت أن تعرضت للتشويه والتحريف بعد دخول أفكار اليونان إلى حقل المعرفة الإسلامي. أدى ذلك إلى تطور علم الكلام الذي يبحث في عقائد الإسلام من زاوية خاصة، وتغيرت وجهته ليعتمد منطق اليونان وعلومهم الطبيعية. ثم ثارت تساؤلات حول ما إذا كان السلف يدركون هذه الأفكار الجديدة المرتكزة على أثارة من العقل، وعلى أساس من تقديس علوم اليونان ومنطقهم.
لا شك ان هذا تساؤل يعكس اهتزاز الثقة بالنفس وشعورها بالعجز أمام الفكر الدخيل. وما كان تساؤل كهذا ليُثار لو ترسخت فكرة استقلال العقائد الاسلامية عن مثل هذه العلوم، وعدم حاجتها إليها. وهذه فكرة عظيمة مثيرة للانتباه، لأن العقائد، وهي تتسم باليقين والثبات، لا حاجة لها في أن ترتبط بعلوم تجريبية وعقلية سمتها الأساسية التحول والتغير والنسبية. ولو جرى إدراك ذلك لتبين للمفكرين في علم الكلام وجود المطلق والنسبي، وأن البحث العقلي الخالص والتجريبي لا ثبات لهما على أرضية موضوعية. وربما كان وجه التاريخ ليتغير، ذلك أن العلم كان سيكون بأيدٍ أمينة ترعاه وتستغله في صالح البشرية جمعاء.
كبائر علم الكلام
علم الكلام، الذي نصب نفسه مقرراً لعقائد الدين ومدافعاً عنها، اعتمد نظريات اليونان من الجوهر الفرد وحدوث الأجسام ومنطق أرسطو من بعد، ليقيم البراهين على إثبات الخالق، ومن ثم ليدلل على عقائد الإسلام الأخرى وما يتعلق بالذات الإلهية بشكل خاص. وفي خضم هذا البحث الشائك اضطر إلى أن يتسلح بسلاح متطور مبتكر هو التأويل والمجاز، لينسف أي نص يتعارض مع أفكاره، مفرغاً إياه من مضمونه ومحتواه الحقيقي، ليصير إلى معنى يوافق ما تقرر في علم الكلام هذا. وبذلك فقد يكون علم الكلام سبق الفلاسفة المعاصرين في الحرب على النص، وأن الحقيقة لا تكون كامنة في الألفاظ على حد زعمهم. لكن الزعم بأن النصوص الدينية مفرغة من الحقيقة دونه خرط القتاد، وهو أبعد ما يكون عن عيونهم!.
علم الكلام إذن ارتكب كبيرتين فكريتين: أولاهما ربطه العقائد بالعلوم المتحولة المتغيرة، وثانيهما تفريغ النصوص من محتواها بالمجاز والتأويل لصالح هذه العلوم المتقلبة. والأخذ بالتأويل والمجاز يعني تقرير معنى غير ما يفيده ظاهر النص، وهذا المعنى يتوافق مع معطيات علمية أو عقلية معينة، والنتيجة هي صرف النص عما أريد له. وفي غياب الثقة بالنصوص الدينية فلا مفر من التأويل أو التفويض، والتفويض يكافئ القول بأن الله أعلم بمراده. وهذا لازم حتى لمن يتقيد بالقطعي الثبوت والدلالة في العقيدة، كما عند الكلاميين، وكما عند بعض المعاصرين كالعلامة النبهاني إمام التحريريين، وإن كان هذا الأخير غير ملزم بالنظريات العلمية والمنطقية، لأن العقل العقائدي عنده بمثابة تأشيرة الدخول في الإيمان وحسب.
الإعجاز العلمي يقدس العلم التجريبي
ولكن هل التاريخ يعيد نفسه؟ لو أمكن ذلك لوفر هذا على علماء النظرية النسبية البحث في السفر عبر الماضي، ليركزوا جهودهم على السفر عبر المستقبل. لكن هذا لا يمنع من تكرار بعض الوجوه في أنساق متشابهة. فقد حصل ما يشبه ذلك في الإعجاز العلمي الذي يضفي القداسة على اكتشافات العلماء التجريبيين بربطها بالنصوص القرآنية والنبوية. وهذا تقديس ضمني من قبل أهل الإعجاز العلمي للعلم التجريبي، بل هو إضفاء صفة المطلق على هذا العلم. ولكنهم مع ذلك يقولون إنهم يرومون إثبات ان القرآن من عند الله، ومن ثم إثبات عقائد الإسلام بشكل علمي. وربما عليهم أن يحتاطوا بالقول إن ما توصلوا إليه اجتهادي، لكن في هذه الحالة يكونون قد ربطوا متحولاً بمتحول.
وقد سبقهم الفيلسوف كانط عندما جعل من فيزياء نيوتن علماً مطلقاً، متخذاً إياها الأساس في فلسفته العقلانية. ثم ما لبث أن تقزم هذا العلم المطلق أمام نسبية اينشتاين ليصير حالة خاصة منها. ثم ظهرت المفاجأة الأخرى بظهور ميكانيكا الكم لتقرر أن ما يجري على مستوى النظريات السابقة هو حالة خاصة مما يجري في عالم الذر، ولا تجري ملاحظته بسبب العدد الكبير من الجسيمات المجهرية في هذا العالم العياني. ولا ندري ماذا تخبئ لنا نظرية الأوتار الفائقة التي تقول بأن كل شيء هو نتاج نغمات راقصة لأوتار ذات مقاس متناه في الصغر، وأنها تتحرك في أبعاد مخفية.
فلسفة نقصان عقل المرأة
ولم يقف الأمر عند ربط العقائد بعلوم اليونان وعلوم العصر المتحولة، بل استمر سلاح التأويل في العمل، وبصور مختلفة. فكلما اصطدم نص مع فكرة سائدة من الحضارة الغربية صار اللجوء إلى التأويل متسارعاً، لأنه لا بد ان تكون السيادة للآخر، ولفكر الآخر. وهذا يعني أن النص الديني لا يحمل معناه في ظاهره، أو ان المعنى هو غير ما يفهمه المفسرون والمشايخ والمفكرون الدينيون.
وهذا ما حصل مثلاً في تأويل حديث ناقصات عقل ودين، الذي تصدى العقليون والوعاظ للدفاع عنه بأنه مجرد مداعبة أو ممازحة أو هزار، لأن الرسول لا يمكن ان يقصد اهانة النساء يوم العيد. والرسول على أية حال اعظم شأناً من ان يهين النساء أو الرجال في يوم العيد أو غيره!. ولو تأمل هؤلاء قليلاً وكانت لديهم الثقة في النصوص لما اضطروا إلى سلاح التأويل القديم الجديد، ولأدركوا أن نقصان عقل المرأة المشار إليه في الحديث ليس نقصاً في المرأة، وأن وراءه فلسفة عظيمة، تُظهر تفرد هذا الدين فيما قرره من معايير متناسبة مع فطرة البشر.
فلسفة قدم النوع
قرر شيخ الاسلام ابن تيمية، بناء على النصوص القرآنية والنبوية، أن هذا الكون خُلق من مادة سابقة عليه، وفي مدة سابقة عليه أيضاً، وأنه لا يمكن أن يكون أول مخلوق. وهذه فكرة عظيمة المعنى، إذ لا سبيل إلى تقدير فترة في الزمان على أنها تمثل أول مخلوق، لأن هذا يتضمن القول بتحديد أزلية الخالق وتقييد أفعاله. وهذا ما يعبر عنه بقدم النوع، ومعناه أن الله لم يزل فاعلاً إذا شاء. وفي هذا النص معان فلسفية عظيمة منها أن ما ينطبق على الخلق لا ينطبق على الخالق، وأنه لا بد من جعل النصوص هي المرجعية لتفكيرنا وليس العكس كما حصل في علم الكلام، وأنه ليس في النصوص ما يخالف العقل، فالواجب عرضها بدون حرج ولا خجل، بل بكل ثقة، وترك الأمر للعقول تفكر فيها بعيداً عن الأفكار الدخيلة وعن الثقة المهزوزة أمام هذه الأفكار.
وكان علم الكلام قد قرر أن المادة لا تفنى وأنه يعاد تشكيلها، وتبعه في ذلك الإعجاز العلمي بناء على قانون حفظ المادة والطاقة. وأرادوا بذلك أن يؤكدوا على أن الله خلق هذا الكون من عدم، ولذلك تبنى الإعجاز العلمي نظرية الانفجار العظيم، وأن الكون قد نشأ عن انفجار ضخم لكون متناه في الصغر، عندها ابتدأ الزمان والمكان. هذا مع العلم أن هناك نظريات أخرى حول الكون تخالف ذلك. كما أن العلم يتساءل وحالة الانفجار العظيم هذا: وماذا قبل؟ على شاكلة السؤال المألوف وماذا بعد؟ يتساءلون عن الزمان والمكان، وأين حصل الانفجار هذا، وغير ذلك من التساؤلات المثيرة.
خاتمة
لقد رأينا كيف أن أهل الإسلام حرفوا نصوصه وأولوها لصالح الفكر الآخر في جانب، ولصالح تقديس العلم التجريبي وجعله مطلقاً من جانب آخر، مع أن العلماء التجريبيين أنفسهم لا يقرون بثباته ولا بمطلقيته. وقد أدى التأويل إلى تفريغ الكثير من النصوص من محتواها الحقيقي، مثل النصوص التي تخبر عن أن الرب يقوم بأفعال معينة، مثل الاستواء على العرش والنزول وإجابة الدعاء وغيرها. بل إن اعتماد النظريات العلمية والآراء العقلية قد أدى إلى الخجل من ذكر مثل هذه النصوص أحياناً، أو تفويض معانيها أو تحويرها لتناسب تلك الأفكار.
وظاهر التأويل أنه اعتذار عن صاحب القول بأنه لم يقصد ما قاله وأن ما قصده هو هذا الرأي المُؤوَّل، لأن قوله يعارض أفكاراً أخرى موجودة يضع المؤولون ثقتهم فيها أكثر من نصوص الدين. ولكن احترام النصوص يقتضي تقديمها بدون خجل أو حرج، ثم نرى أي شيء في العلوم يناقض أفكار هذا الدين، ثم نناقشها.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 5
أزمة أمة أم أزمة نخبة؟
(ولم أر أغبى ممن يحمل بيده مصباحاً منيراً ويصر بغباوة رائعة على السير فى الظلماء)
سيد يوسف
تمهيد
استقر فى يقينى أن الأمة حين يبز فيها بعض الأفراد دون أن تصنع رجالاً يغذون الإنسانية علماً وثقافة وفكرا فإنها أمة على خطر ولولا بعض أفرادها النابغين لقلنا هى على خطر عظيم ذلك أن أى أمة هى بنخبها المفكرة لا استعلاء بل إنتاجا وتواضعا لخدمة بنى قومها فهل عجزت مؤسساتنا/جمعياتنا/أحزابنا/ حركاتنا/تنظيماتنا بفروعها المختلفة عن تحقيق مقاصد التغيير الايجابي الفعال فى مجتمعاتنا؟
وهل جفت منابع أمتنا عن استنبات قادة ورجال يحسنون البناء وعلاج الخلل؟!
وكيف نستنبت هؤلاء القادة إذا كانت بنيتنا الفكرية بها بعض العطب وتحتاج إلى إعادة تأمل؟!
(1)
أزمة أمة
من أبجديات العلم التى يلقنها الصبية أنه لا حل لمشكلة لا إحساس بوجودها فالشعور بالمشكلة ومن ثم تحديدها وفرض الفروض..واختبار صحة الفروض وهكذا... جعل فاقهونا يقررون أن عجز أمتنا – عبر نخبها المتميزة اسماً- عن إنتاج النماذج القادرة على تشكيل وتوجيه بل قيادة الأمة لهو دليل على وجود أزمة في النخبة، وخلل واضح فى منهجها.
ولا شك أن الشعور العام بالإحباط الذى تعانيه أمتنا لهو مقياس جيد على أن هناك خللا يستلزم تدخلا سريعا لوقفه ووأده.
لكن يمكن القول بأن الإحساس بالمشكلة والأزمة ( أزمة الغزو الفكرى وإصابة الأمة فى بعض معتقداتها الفكرية)، جاء لونا من الانفعال بها،الأمر الذي يعنى الاكتفاء بتسطيح أزماتنا خالطا بين الإمكانيات والأمنيات ، ومكتفيا بالكلام هنا وهناك دونما فعل ايجابي ومكتفيا بالإلقاء بالتبعة على الخارج ، والهروب إلى طلب الخوارق والمعجزات المخلصة
من الواقع...
لكننا كنا نريد لهذا الانفعال : الانتقال من الإحساس الذي يعني الانفعال إلى مرحلة الإدراك ، والاهتداء إلى فقه الحل ، الذي يعني الفعل الايجابي الفعال والمستمر.
لقد بات من المسلم به أن الأفكار هى التى تسبق الأفعال سواء فى مجال السلوك الشخصي أو الاجتماعي أو السياسي بأشكاله المعقدة ...فحركة المرء مرهونة بطريقة تفكيره بل وبما يحمله من معتقدات وأفكار وفق ما أشارت إليه نظرية البروفيسور أليس Ellis صاحب نظرية العلاج العقلاني الانفعالى السلوكي ومن ثم فان قناعات المرء وتشكيله الثقافي والفكري تؤثر فى سلوكياته ...يستوى فى ذلك الأفراد والمجتمعات .
نقول هذا لتبيان أهمية ما يتبناه الفرد أو تتبناه الأمة من أفكار ومعتقدات وما تمثله حصيلتها الثقافية من أثر بناء –أو هدام فى حالتها المتطرفة- فى نهضتها.
ولذلك فان أية محاولة لصناعة نهضة لا تقوم على أسس فكرية سليمة أو لصناعة إصلاح عام وشامل لا يراعى طبيعة الأفكار السائدة من حيث سوائها أو اعوجاجها لا يمكن أن تؤتى بثمار جيدة .
ويعجبنى قول د/ عمر عبيد حسنة حين يقول: أي تفسير للتاريخ ، أو قراءة للواقع ، وأي استشراف للمستقبل، بعيدا عن عالم الأفكار، أو المنظومة الفكرية التي ترسم ملامحه ، وتحركه ، وتحدد قسماته، هو إتيان للبيوت من سطوحها، واكتفاء بالإحساس بالمشكلة عن الإدراك لأبعادها، وأسبابها المنشئة لها، ومحاولة عديمة الجدوى لمعالجة الآثار ، التي سوف تتكرر طالما أن أسبابها قائمة وموجودة ، لم تنصرف المعالجة إليها.
لذلك ، كان من أخطر أنواع الإصابات : الإصابة الفكرية ، وأسوأ أنواع الغزو ، الغزو الفكري ، الذي يقذف بالأمة إلى الضياع ، ويحضرها لقبول ما يلقى إليها.
لذلك نعتقد أنه ما لم يتم التوجه في كل محاولة للإصلاح والنهوض ، صوب القضية الفكرية ،وما لم نتيقن أن الأزمة الأم التي تكمن وراء تخلفنا وغيابنا ، هى أزمة أفكار ، فسوف تبؤ محاولاتنا ومشروعاتنا بالفشل .
من هنا نقول : إن ما تعاني منه الأمة المسلمة بشكل عام ما هو إلا انعكاس للأزمات والإصابات الفكرية المتراكبة التي نعاني منها .
(2)
احتياجات ضرورية
وفى يقينى أن الأمة تحتاج اليوم أشد ما تحتاج إلى :
* مراجعة شاملة لموروثاتها الفكرية ومواقفها العملية بنقد بصير دون جلد ذات ولا تهوين يغض الطرف عن أخطائنا أو تقديس يرفع الخطأ عن رموزنا التاريخية...فلا احد يعلو على النقد ولا تاريخ يسلم من أخطاء .
* حسن مجابهة الاستفزازات الغربية بحيث تجمعنا ولا تفرقنا وتظهر للعالمين أننا أمة يوحدها الخطر ويلم شعثها الاستفزاز ويحفز همتها النيل من كرامتها على أن يكون ذلك بوعى بصير وحماس هادف.
* خلق هدف سام تسعى إليه الأمة بمفكريها المخلصين وببنيها الفاقهين واراه فى إحياء الخلافة الإسلامية للم شعث المسلمين فى أنحاء العالم..وإنا لعلى ثقة بعودتها لما ورد فى ذلك من نصوص صحيحة وصريحة ولعل مراجعة موضوع كلام فى عودة الخلافة الإسلامية يسهم فى إيضاح هذه المفردة.
* إعادة النظر فى تفسير إصابات الأمة الإسلامية وإحباطاتها فيما يصيبها من محن وفتن وتكالب الآخرين علينا (الحملات الصليبية قديما واستهداف الغرب لنا فى الحاضر –أيا كانت مبررات ذلك الاستهداف مؤقتاً-) على أن كل ذلك ما هو إلا تسليط عقاب ، وليس استئصال ، وإبادة...فلقد قالها الفاقهون حين استقرأوا التاريخ قالوا لو أراد الله استئصالا لهذه الأمة ولهذا الدين لحدث ذلك وهذا الدين فى مهاده الأولى إبان كان وليدا ضعيفا.....ونرجو تدريس وتوريث تلك الفكرة للأجيال القادمة عبر وسائط التربية والإعلام المختلفة .
* ولعله لا يتأتى ذلك إلا من خلال عدة وسائل منها مجابهة الاستبداد السياسى والاستغلال الاجتماعي باسم الدين أولئك الذين يخدمون الحاكم بتوظيف الإسلام من أجل تبرير أفعالهم المشينة ومنها محاصرة الكتاب السياسيين الذين يسهمون فى تبرير الواقع السياسى المرير والظالم ومنها إيقاظ الوعى المخدر فى نفوس أبناء هذه الأمة ومنها دعوة الناس كل الناس للاعتصام بمنهاج ربها الذى جاء فى قران ربها قوله تعالى:(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )
ويقول تعالى
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة من48 -50
إن الذى يملك مصباحا منيرا بيده ويبحث عن السير فى الظلماء لا شك عندى انه أبله.
يقول تعالى (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) المائدة 15-16
* نرجو للعقل المسلم من إعادة تشكيلة بحيث يستوعب إشكاليات التعاطى مع الحضارة فقد خضع للكثير من العوامل ، والإصابات ، والمواريث الثقافية المغشوشة ، والتي جعلته - يخضع تلك القيم المعيارية في الكتاب والسنة ، ويتعامل معها ، من خلال أزمته ، حيث بدأ يفتش وينتقي - من خلال أهوائه ، ورغباته ، وأزماته - على مسوغات وذرائع من الكتاب والسنة ، لمسالكه ، ومواقفه ، إلى درجة يمكن أن نقول معها : إنه أصبح لكل إنسان ، ولكل نزعة فكرية ، كتاب وسنة على حد قول د/عمر عبيد حسنة.
وهذى الاحتياجات الضرورية ليس لها عندى إلا النخبة فهلا استيقظت ولا سيما وهى معها نور ومصباح مبين؟!
فى النهاية
اسأل الله أن ينفعنا جميعا .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبد الله لعماري
- الزيارات: 7
التنجيم الأمريكي.. وآفاق حزب العدالة والتنمية المغربي سنة 20
عبد الله لعماري
اندلعت، فجأة، ضجة إعلامية، سلطت كثيراً من الضوء على حزب العدالة والتنمية بالمغرب، وصورته للرأي العام، في مظهر الحزب القوي، الذي سينجلي عنه غبار استحقاقات 2007 المرتقبة، وقد تداعت هذه الضجة، على إثر ما نشرته إحدى المؤسسات الأمريكية ذات الاهتمام باستطلاعات الرأي وتقديم المشورة لاستراتيجيي البيت الأبيض، وهو المعهد الجمهوري الدولي، حول النتيجة الانتخابية المتوقع تحقيقها من طرف الحزب، وأنها على درجة متقدمة من الأهمية.
وقد تناسل الاهتمام الإعلامي الدولي، بهذا الموضوع، استحضاراً لواقع الهيمنة على المسرح السياسي، الذي شهدته بعض أقطار العالم العربي والإسلامي، من طرف الأحزاب والحركات الإسلامية، فتقلدت بموجبه مقاليد الحكم والسلطة، مثلما وقع في تركيا مع تجربة حزب العدالة والتنمية وفلسطين بعيد زلزال حماس، وقبلهما في السودان والانقلاب العسكري لعمر حسن البشير ذي الخلفية الإخوانية والمساند آنذاك من طرف الحركة الإسلامية السودانية، أو ما شهدته أقطار أخرى غيرها تنفذت فيها هاته الحركات في توجيه الأحداث وإثارة الهواجس، مثلما وقع في الجزائر مع جبهة الإنقاذ الإسلامية، أو في تونس مع حزب النهضة، أو في مصر مع جماعة الإخوان المسلمين وغيرها.
وعلى اعتبار أن حزب العدالة والتنمية المغربي، يمثل طرفاً من الحركة الإسلامية بالمغرب، هذه الحركة التي تستقطب منذ زمن بعيد، انشغال الغرب، نظرا لما يمثله وجودها من حساسية حيال طبيعة النظام السياسي المغربي، الذي يعتمد جانباً من التراث السياسي الديني، مصدر سلطة وشرعية، وإيديولوجية خطاب. ونظراً لما كشفته بعض الأحداث الدولية من ضلوع مهم لبعض المغاربة المنتسبين للحركة الإسلامية، في قضايا التوتر خارج حدود بلادهم، مثل أفغانستان، والعراق والشيشان والسعودية والجزائر، ناهيك عن تواجدهم في قلب الأحداث التي مست الأمن في إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا وهولندا وأمريكا الحادي عشر من سبتمبر.
ويبقى السؤال، فيما إذا كان استطلاع الرأي المنجز من قبل المؤسسة الأمريكية المقربة من دوائر القرار، حقيقياً، أو مصطنعاً، وفق ما عودتنا عليه فصيلة نفس المؤسسات، التي توظفها القوى الكبرى، توجيهاً وتدخلاً في شؤون المجتمعات المتخلفة، وتلاعباً وعبثاً بمصائر الشعوب، أو تستخدمها بعض الأنظمة بشراء منتوجها لدعم شرعيتها وأيضاً فيما إذا كانت هذه الصورة المستنتجة والمروجة متطابقة مع الواقع.
ولتقييم الواقع، يستدعي الأمر الرجوع إلى حدث استحقاقات 2002، وما شهدته من صعود موسع لحزب العدالة والتنمية إلى كراسي البرلمان، فأبهر البعض، وأقلق البعض، وأرعب بعضاً آخرين، ممن يخاصمون كل ما ينتسب إلى الإسلام، فكراً وحركة أو مشاركة سياسية.
يمثل حزب العدالة والتنمية المغربي، مكوناً من مكونات الحركة الإسلامية، ضمن فسيفساء أطرافها المتعددة والمتنوعة، قد تشكل بعد اندماج فصيلين من فصائل العمل الإسلامي بالمغرب، وهما رابطة المستقبل الإسلامي، وحركة الإصلاح والتجديد تحت مظلة لافتة حزبية، لوعاء حزبي فارغ ومتهالك، هو الحركة الشعبية الدستورية، قبلت السلطة المركزية أن تسمح به وعاء انتقالياً، للتحكم في الوافدين الجدد على اللعبة السياسية، وصاية ورعاية، واختباراً للنوايا، وتطهيراً من ماض للمفاصلة والرفض، وصياغة جديدة لعقولهم بثقافة الإدماج والموالاة، وترويضاً لهم على التقاليد السياسية المرعية.
وبالرغم من مواقف باقي الفصائل الإسلامية، من هذا المسلك الإدماجي في اللعبة السياسية، والتي تراوحت ما بين التحفظ، والرفض، والاستنكاف، والاستهجان، والمعاداة، فإن هذه الفصائل التي تربو على الأربعين فصيلاً، ما بين جماعات منشقة عن الحركة الأم: الشبيبة الإسلامية، وجماعات سلفية، وإخوانية، وطرقية، وتبليغية، وتكفيرية، فإنها ظلت سنداً في الخفاء حيناً، وفي الظاهر حيناً آخر، لصنويها المؤتلفين في التجربة السياسية الجديدة، ومعاركها التي تثير الحمية الدينية، والعصبية التي تناجز الأعداء الإيديولوجيين في صراع الهوية والثقافة ونمط المجتمع. ومن ثم، فإن اقتعاد نخبة حزب العدالة والتنمية، لحيز هام من المقاعد البرلمانية، خلال انتخابات 2002، ليس مرده إلى الإمكانات البشرية والتنظيمية للحزب، بقدر ما مرده إلى التراكم العاطفي، الذي أنتجه اصطفاف الفصائل الإسلامية في خندق مواجهة التهجمات العلمانية.
والمعركة التي احتدمت، فجأة، وبشكل مريب، حول ما سمي آنذاك بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، كانت الأرضية التي أسعفت الحزب الوليد، إذ حشدت مداً هائلاً من تكاتف الإسلاميين، من غالبية الفصائل، تحت دافع الغضبة من الاستفزاز العقائدي، والاستنفار حول شعار: الإسلام في خطر.
والمظلة الرسمية التي غطت خندق المواجهة للطرح العلماني، إذ لم يخف آنذاك التحرك الواسع لوزارة الأوقاف، في الدفع بالجماهير المسجدية، لدعم الموقف المضاد، والتظاهر من أجله، في خروج شاركت فيه حتى الأحزاب والجمعيات ذات الارتباطات الإدارية، هذه المظلة هيأت الأجواء المواتية لتخصيب القاعدة الاقتراعية، التي أثمرت التصويت المكثف، لفائدة نواب الحزب المناهض لما اعتبر خططاً ماسة بالهوية الإسلامية.
فالتيارات السلفية بشقيها الراديكالي والمهادن، وهي الأكثر امتداداً وعدداً في تركيبة الحركة الإسلامية وبالرغم من موقفها النافر من مسلكية المشاركة السياسي ومن آليات اللعبة السياسية، كان لها حضور فاعل في تزكية التصويت لفائدة مرشحي الحزب، باعتبارهم مرشحي حزب إسلامي رغم كل التعلات.
وجماعة العدل والإحسان، ذات القاعدة الأكثر تنظيماً، وانصياعاً لقيادتها الروحية، وبالرغم من موقفها الممانع ضد المشاركة السياسية، ونهجها الأشد نقداً للأوضاع السياسية في البلاد، سلطة سياسية، ولعبة سياسية، وأحزاباً سياسية، فإنها لم تعق، ولم تعرقل، التفاعل الفردي لجماهيرها في اتجاه ضخ الأصوات في مجرى حزب العدالة والتنمية، ترجيحاً منها لمصلحة النصرة الدينية، وتفعيلاً غير معلن، لموقف التنسيق بين الطرفين في جبهة مواجهة العلمانية الزاحفة نحو الانتقاص من الملامح الإسلامية للمجتمع المغربي.
والجماهير المسجدية التقليدية، التي تؤطرها "أرمادا" الموظفين الخاضعين لوزارة الأوقاف، دفعت لتكون سنداً انتخابياً للحزب، ما دام قادته يعلنون أنفسهم حرساً إيديولوجياً جديداً في المنافحة عن مؤسسة إمارة المؤمنين، ضد من يروم تقليص دورها في الحياة السياسية، باسم الحداثة والتطور وفصل الدين عن الدولة.
في الوقت نفسه، الذي شكل فيه العزوف العام عن الاقتراب من صناديق الاقتراع، وخصوصاً في أوساط المثقفين الجامعيين والشباب المتعلم وجحافل العاطلين الذين نفضوا أيديهم من وعود الأحزاب ولم يعودوا يثقون في نخبها وقياداتها السياسية التي راحت تستحوذ على الثروات وتستأثر بالمناصب والامتيازات، في مجتمع يعيش سواده الأعظم في غيابات الفقر المدقع، هذا العزوف شكل عنصراً مفيداً لمصلحة حزب العدالة والتنمية، إذ ضيق من هامش المنافسة ضدهم، وهيأ لهم المناخ للاستئثار بمحتوى الصناديق الشبه فارغة. فيما لم تعد أحزاب الكتلة "الديمقراطية" قادرة على تجذير نفوذها، للتضعضع التي اعترى مسارها وللصراع والتراشق الذي استفحل بين طرفيها الرئيسين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، بما أحبط كل الأحلام التي بنيت على مشروع حكومة التناوب.
وفيما لم تتخلص قوى اليسار أيضاً، من جمود حركتها، ومن عقال اختلافاتها، ومن سجنها الكبير، في الشتات والتمزق، بالرغم من انفكاكها من السجون والمعتقلات.
لكن هذه الرياح، التي قادت سفينة حزب العدالة والتنمية إلى مرفأ الفوز، خلال 2002، لم تعد على نفس الوتيرة من الهبوب، بما يوشك أن يضيق الآفاق التي رحبت من قبل.
فقد استدرج الحزب إلى منحدر التنازلات، والتراجعات المبدئية، مؤثراً تلطيف نظرة الآخر، ومسايرة الإملاءات الفوقية، ودفع الهواجس، على الاحتراس من الوقوع في مغبة مخاصمة الذات، والانسلاخ من الماضي، وتخييب آمال الجماهير.
وهكذا تحول الحزب الإسلامي، كما وفد إلى الساحة السياسية بهذه الصفة بادئ الأمر، أو حزب الحركة الإسلامية، إلى الحزب السياسي "ذي المرجعية الإسلامية" فقط !، كما يحلو لقادته أن يرددوه بنشوة بالغة على الأسماع وعلى رؤوس الأشهاد، دونما توقف، ودونما احتياط من وقعه الصادم على القاعدة العريضة من الإسلاميين، التي راحت تتبدد منفضة من حول الدعاة السياسيين الجدد، المتنكبين عن صعود العقبة الكؤود للمواقف المبدئية.
وتسللت الأمراض الحزبية إلى الذات الغضة للحزب الإسلامي الوليد، بعد أن حل الصراع على المواقع، ومغانم الانتخابات، وامتيازات التألق السياسي، ومناصب الصدارة، محل الطهرانية النضالية، والتواري عن الأضواء، والجندية المجهولة، والزهد في المكاسب والألقاب، التي كانت أخلاق الحركة الإسلامية، المتأسية بالجيل القرآني الفريد، جيل الصحابة الكرام، وفي حمأة هذا الصراع، تخلف كثير من المريدين المخلصين عن المضي، تجنباً لمساكنة مرضى التسلق والانتهازية واستبراء لدينهم وأعراضهم
وأخفق "الحزب الإسلامي" الذي هو ثمرة عطاء أجيال متلاحقة، بدءاً من القادة المؤسسين، والرواد الأوائل للحركة الإسلامية بالمغرب، وثمرة نضالات وتضحيات عشرات من الدعاة الشباب الذين قضوا عشرات السنين من زهرة أعمارهم في السجون والمعتقلات دفاعاً عن مشروع الحركة الإسلامية أخفق "الحزب الإسلامي" في التواصل مع هذه الفئات، ذات الرصيد المعنوي، ومن ثم أخفق في دفق مددها الروحي والرمزي في شرايين هياكله، وانتهى إلى جزيرة معزولة، مبتوتة الصلة مع الجذور التاريخية ممثلة في القادة المؤسسين وعلى رأسهم الشيخ ابراهيم كمال المرجع الروحي الأول في تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، والشيخ عبد الكريم مطيع مهندس مشروعها التنظيمي، وكذا الدعاة الأوائل أمثال الشيخ محمد زحل، والدكتور القاضي برهون، والدكتور الشاهد البوشيخي، والدكتور إدريس الكتاني، وممثلة من جهة أخرى في المعتقلين الإسلاميين وهم الوقود الذي احترق لدفع قاطرة مشروع "الحزب الإسلامي".
وبعد أن استتب للقيادات الشابة، أمر التمكن من تسنم ذروة الأمانة العامة للحزب، وفي غياب الرمزية القيادية، لافتقاد هؤلاء سلطان "الكاريزما" السياسية، أو نفوذ الزعامة التاريخية، أو وهج الإشعاع الفكري والإرشاد الروحي، تحولت صناعة القرار إلى صراع الأجنحة، وسباق الظهور الإعلامي على الرأي العام، ونتج عن هذا التنازع، إقصاء بعض الوجوه الوازنة إلى الهامش دون الفعل والمبادرة، من أمثال الدكتور أحمد الريسوني، عالم الحركة الإسلامية، الذي كان بإمكان تقليده مقاليد الحزب أن يغطي فراغ الرمزية القيادية وأن يملأ شغور المرجعية التاريخية لما له من سبق التأسيس والانتساب منذ جنينية الحركة، ومن أمثال المحامي مصطفى الرميد، الأقدر على إدارة مشرفة وفاعلة لأداء الفريق النيابي الحزبي، لما اكتسبه من تمرس في تدبير السجال البرلماني، والتدافع الحزبي، وضبط التوازن بين السلطة والحزب، ولاحترافيته القانونية، الكفيلة بضمان إنتاجية تشريعية، تحسب في سجل المشاركة السياسية للحزب، وتمثيليته للأمة.
وفي الوقت الذي شب فيه عود حزب الحركة الإسلامية، عن الوصاية عليه من طرف حزب الحركة الشعبية الدستورية، وهيأت الظروف السياسية المستجدة، تخليصه من حجر الشفيع السياسي، واعتباره بالغا سن الرشد السياسي، عاد من جديد – إما لقصر نظر، أو قصور تجربة في تدبير التحالفات السياسية، وإما استجابة لإملاء مفروض – عاد إلى اعتقال نفسه، ورهن مصيره وسمعته بين يدي شفعاء سياسيين جدد، بتنسيقه وإعداد تحالفه مع بعض القوى والأشخاص المحسوبين على الماضي السياسي البائد، المتورطين إلى الأذقان في الاستغلال الطبقي، والاستحواذ على ثروات الشعب، وفساد مرحلة، مما لا يتلاءم وتطلعات القاعدة العريضة للحزب، التي تنتمي إلى الطبقات الفقيرة والكادحة والمعدمة. وبهذا الارتهان، يسقط الحزب في جريرة التبييض السياسي، لرُحل الانتهازية السياسية، النازحين من ماضي الفساد السياسي إلى بحبوحة جنة الاستوزار الحكومي، المعقودة على نواصي "الحزب الإسلامي" في آفاق سنة 2007.
ووسط مشاعر الاحتقان والغضب المتنامية في العالم الإسلامي تجاه سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وتدخلها العسكري الفتاك في أفغانستان واحتلالها للعراق وما أعقبه من مجازر، تركت مئات الآلاف من القتلى، وتأييدها المطلق واللامشروط للكيان الصهيوني في الذبح اليومي للشعب الفلسطيني، وسط تلك المشاعر التي تنحو بالنخب الفكرية والسياسية العربية والإسلامية، إلى بلورة موقف شامل للقطيعة، راق للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن تستمرئ الرحلات المكوكية إلى أمريكا، في توجه متعارض مع قرار القواعد الحزبية، قد رآه البعض نشداناً للود الأمريكي، ومغازلة للالتفات الأمريكي إلى الأحزاب "الأصولية" بالعالم العربي والإسلامي، قصد نيل الحظوة، وتلقف النصيب المغربي مما تغدقه السياسة الأمريكية على هذه الأحزاب، من اهتمام وارتضاء محفوف بالكرم والسخاء، في إطار استراتيجيتها الرامية إلى مخطط الشرق الأوسط الكبير، أو ما تعده أمريكا للعالم العربي والإسلامي من زلزال جغرافي وسياسي.
وقد أبان حزب العدالة والتنمية عن عجز فاضح تجاه الأحداث التي ألمت بالمغرب ليلة 16 ماي 2003، وشلل في المبادرة إلى تطويق تداعيات الأحداث التي حولت البلاد إلى مسرح لحملات الاعتقال الواسعة، لاستئصال جزء من التيارات السلفية، باعتبارها الرحم التي أنجبت المتورطين في الأحداث. وبالرغم من كون هذه التيارات السلفية بكل أطرافها، ساندت البروز السياسي للحزب، إلا أن الحزب لم يكن في مستوى مسؤوليته التمثيلية، سواء من حيث تعميق الفهم والتحليل لما جرى والعوامل المؤثرة، أو سواء من حيث توجيه البلاد إلى تغليب المعالجة الفكرية والاجتماعية، على المعالجة الأمنية والزجرية ذات العقوبات الأشد، وذات الآُثار الاجتماعية الوخيمة، أو من حيث الاضطلاع بوظيفة رأب الصدع الحاصل في جدار النسيج المجتمعي في البلاد بوضع حلول ومقاربات، واقتراح مبادرات، تحتوي من جهة ظاهرة النزوع إلى العنف والمساس بالأمن العام، ومن جهة أخرى توقف سيل اعتقالات الأفراد، والمحاكمات التي لم ينقطع صبيبها في المحاكم على مدار الثلاث سنوات التي خلت، وصولا إلى تفريغ السجون، وتجنيب البلاد كوارث التصدع، ناهيك عن الآثار السلبية التي خلفها تصويت برلمانيي الحزب على قانون الإرهاب في تراجع مرتبك عن ما سلف لهم من موقف معارض.
والدعم المعنوي لجماعة العدل والإحسان، الذي استفاد منه الحزب خلال الاستحقاقات السابقة، لم يعد في حكم الوارد، لما يستقبل من المحطات، بالنظر إلى تفاقم اتساع الهوة بين الطرفين، وبالنظر إلى تجذير جماعة العدل والإحسان موقفها الرافض من النسق السياسي العام، ومن المشاركة السياسية، واستهجانها لمواقف حزب العدالة والتنمية، وأيضا إلى التنافس المحموم بين الطرفين، والتنازع على موطئ قدم لدى المؤسسات الأمريكية.
إضافة إلى أن الميلاد الفجائي لأحزاب أخرى تتخذ لها عناوين إسلامي من شأنه أن يهيأ الملاذ المحتضن لانشقاقات فردية أو جماعية عن الحزب، حينما تستعر حمى الترشيح للانتخابات، وتندلع معها حرب التزكيات والتزكيات المضادة، مما ينتقص من القاعدة الانتخابية، ويقلص من حظوظ الفوز.
وإذا ما استحضرنا إلى جانب هذه العوامل، حالة العقم والجمود التي منيت بها الحياة السياسية بالمغرب، واستحكام هذه الحالة إلى الدرجة التي لم يستطع معها حزب العدالة والتنمية الخلاص من تيارها الجارف، فلم يلمس الرأي العام قيمة مضافة، أو تجديداً يتحدى الرتابة السياسية، مما يعمق من جديد النكوص الشعبي عن الأحزاب بما فيها "الحزب الإسلامي" الموعود.
إذا ما استحضرنا ذلك، فإن الواقع العنيد المعاكس للتيار، يكشف بأن قراءة المنجم الأمريكي لكف حزب العدالة والتنمية، "الحزب الإسلامي" المغربي، لا يثير سوى زوبعة في فنجان.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 6
معيار الفهم وعلاقته ببعض أخطاء التدين
تصحيحات واجبة
سيد يوسف
كان النبى محمد صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشى على الأرض جسده بأفعاله وأقواله وتقريراته وتبعه الصحابه فكانوا بمجموعهم قرآناً يمشى على الأرض ولذا شهد لهم القرآن بفضلهم فقال تعالى:
(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون * أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ) التوبة88-89
وقال تعالى:( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ) التوبة100
وقال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ) الفتح18.
وشهد لهم نبى الرحمة بخيريتهم فقال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونهم ) رواه البُخاري.
وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تَسُبُّوا أصحَابِي، فلو أنَّ أَحَدَكُم أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم ولا نَصِيفَه ) رواه البخاري.
ومن هنا يكمن قول بعض الفاقهين إن معيار الفهم العملي والتطبيقي للقرآن هو سنة النبى صلى الله عليه وسلم وتطبيقات أصحابه وتابعيه حتى القرن الثالث فماذا نقصد بمعيار الفهم؟ وما مفهوم الخيرية؟ وفى ثنايا ذلك العرض سوف تتضح بعض الأمور التى نرجو لها تصحيحاً واجباً .
نقصد بمعيار الفهم : طريقة موضوعية لفهم واستيعاب الدين والتعامل مع النصوص الدينية بأفق واسع وفهم شامل يضمن ضبط المسار وتفعيله ليشكل نقطة الانطلاق نحو الإنتاج الحضاري للإنسان كي يستحق أن يكون خليفة الله فى أرضه و يهدف إلى إدراك مقاصد الدين، والانطلاق في الاجتهاد، والحوار، والتعبد ونشر الرسالة فى ربوع العالم اقتداء وتأسياً بالنماذج البشرية التى وصفت بأنها من خير القرون الثلاثة الأولى.
ونؤكد على فهم المقاصد الكلية والخصائص العامة لهذا الدين من شمولية وربانية ومثالية واقعية ممكنة وإسقاط ذلك على الواقع فهو مطلب أساسي لفهم الدين ..بل لا نتجاوز حدود المنطق حين نقول : لا فهم للدين بغير هذا... فهو فهم على منهاج وهدى فعل النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه وتابعيه بإحسان. فالدين ليس جزء..كلا كلا إنما هو كل دينامى متكامل يتحرك معتنقه بعقيدة ثابتة راسخة فتجد لهذه العقيدة أثراً فى السلوك والأفعال والضمير والألفاظ..إنما يضبطها ويعصمها من الانحراف فهو – الدين- شكل ومعنى...
هكذا فهم الصحابة الدين فكانوا مثالاً جيداً فى التدين ومن ثم ندعو للإقتداء بهم وجعل فهمهم لقرآن ربهم وسيرة النبى وسنته معياراً للفهم..
ونذكر بأن مصدر هذا الفهم هو القرآن والسنة النبوية الشريفة الصحيحة و بأن مرجعية فهم ذلك هو فهم خير القرون كما شهد لهم النبى محمد صلى الله عليه وسلم بذلك.
وليس فى دعوتنا لمعيارية الفهم كما عند الصحابة حجاباً للعقل عن الاجتهاد والامتداد الإنساني.. فالاجتهاد الديني والدنيوي مطلب شرعي وضرورة إنسانية يحض عليها الدين وإنما هو نموذج للاقتداء وعصمة للعقل من التأويل المنحرف ومن مغالاة المراهقين فكرياً.
كما نؤكد على أمرين:
* أن ليس فى هذا ثمة قول بعصمة الصحابة فلا عصمة لهم بل هم بشر يخطئون ويصيبون لكنهم- بمجموعهم- أكثر الناس فهماً للدين كما أنزل فقد كانوا أكثر التصاقاً بمصدر الوحى.
* إن دراسة السيرة الحركية والدعوية للنبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده صحابته حتى القرن الثالث الهجري سوف تسهم فى توضيح معيارية الفهم التى نقصدها ههنا وكأنها الجانب العملي المميز لرسالة الإسلام الخالدة ولا عجب فالنبي كان قرآناً يمشى على الأرض وصحابته الذين رضى الله عنهم كانوا بمجموعهم قرآناً يمشى على الأرض أيضاً ..ومن ثم فقد وفق د /عمر عبيد حسنة حين رأى أنه لابد من جدولة الخصائص والصفات، التي بها كانت الخيرية، ومن ثم وضع المناهج التربوية والثقافية، الموصلة إلى الإنتاج المأمول، ذلك أن قول الرسول صلى الله عليه و سلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُم...الخ )، لابد أن يستدعي الاستفهام الكبير: ما هي الخصائص والصفات، التي بها كانت الخيرية، وكيف يمكن تلمسها، والاقتراب ما أمكن من هذا الجيل الرباني، ليمتد الخلود للرسالة، والإنتاج للجيل المأمول ?
ولله در د/عمر عبيد حسنة حين يقول: وحصر الخيرية في هذه القرون، وقصرها عليها، لتصبح حكراً لها، دون غيرها من سائر القرون ، يناقض طبيعة الإسلام، ودعوته الممتدة وخلوده، ووراثته للنبوة، وإنما المقصود فيما أرى ،والله أعل، أن يكون التدين في هذه القرون، وفهم الدين، الذي منحت بسببه شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية،هو سبيل المؤمنين إلى التدين الصحيح الخالص.. وإلا، فما معنى الشهادة لها، من الناحية العملية، إذا لم يكن المسلم في كل زمان قادراً على المحاولة للوصول إلى تلك الخيرية، وتمثلها ، والتحقق بها؟!
ونقصد بالخيرية: التزام بغلبة الحق على الباطل بوسيلة مشروعة هى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على أن يسبقها إيمان بالله عميق ومتجدد ومستمر.
هذه الخيرية خيرية مشروطة موقوفة على الالتزام بما عهده الله إليها من أمر بمعروف ونهى عن المنكر وغلبة للحق على الباطل وإيمان قويم بالله يكون لها زادا على المسير نحو هدفها يقول تعالى "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" آل عمران 110. وما ينبغي لمن تكون هذه وظيفته فى الكون إلا أن يتقلد من القوة ما يعينه على أداء مهامه, وأقصد بالقوة : قوة الإيمان وقوة السلطان وقوة المجتمع الذى يقبل بالنصح ويرحب به ولا يزدرى الناصحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر..
إن هذه الفئة ليست فلاسفة ينظرون – من التنظير- مشكلات المجتمع لكنها كالحارس لحدود الله كلما أوشك أحد أن يقع فيها ردوه إلى صوابه بالحسنى ولذا فهي صمام أمان للمجتمع من الانحراف بل من الانهيار وليس أدل على ذلك من قصة (به فابدأ...إنه لم يتمعر وجهه غضبا لله ومصداق ذلك قوله تعالى " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".
وعلى الفاقهين فى المجتمع أن ييسروا مهام هذه الفئة ...بقبول النصح والرجوع إلى الحق ورد المخطئين إلى رشدهم من خلال أن يشكلوا قوة ضغط اجتماعية ترحب بالآمرين بالمعروف وتزجر الفاعلين للمنكر.
وإذا كانت اليد العليا خير من اليد السفلى فإن هذه الفئة جديرة أن تفيض بما لديها من خير ولين وحسن خلق وأمر بمعروف ونهى عن منكر وإصلاح من فيض نفوسها الخيرة فلا يبذل الخير ويحتسب الأجر إلا ذو نفس فاضلة ومؤمنة تعرف دربها وتعرف هدف ربها منها لتكون خيرة ضمن فئة هى خير ما أخرجها الله للناس.
ولعمري فلقد استبان لى أن النهوض بهذه التبعات عسير وشاق وليس له إلا رجال محمد صلى الله عليه وسلم ذلك أنهم يحملون حقا ويؤمنون به ويصبرون على توصيله للناس ألا فلنتدبر سوياً هذى الآيات: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" آل عمران 110
* وننهى هذه المفردة بالقول إن لفقه/آلية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مصادره التى يلزم الرجوع إليها لتبينها.
وبناء على ما سبق نعرض هذى التأملات راجين من الله أن تحظى بإثارة انتباه الفاقهين:
تصحيحات واجبة
(1)
الدين غير التدين
هناك فارق أيما فارق بين الدين وبين التدين ومن يخلط الأمور ممن لديهم فوبيا من كل ما هو إسلامي فإنهم يضرون بغبائهم ولا ينفعون بسطحية علومهم إن كان- لديهم- ثمة علم.
حين يزداد التدين المغشوش وتكثر المغالاة وتنتشر الانحرافات باسم الدين والدين منها براء ويوظف الدين فى خدمة السلطان أو بعض الحركات التى تنتسب للإسلام ويسير كل تبعا لهواه لا تبعاً لما جاء به النبى محمد صلى الله عليه وسلم حينئذ لا يمكن القول بأن هذا هو الدين وإنما هذا تدين مغشوش ومن يتصيد الأخطاء للنيل من الإسلام شريعة وحكماً إنما هو واهم ومخطىء فالفرق بين الدين والتدين واسع يعرفه الثقات.
ونؤكد على أن هذا الخلط بين الدين، وبين فهم الناس للدين (التدين) قد أشاع بقصد أو دون قصد لوناً من الإرهاب الفكري، وجعل النقد فى بعض جوانبه منطقة محرمة ظناً ووهماً أن نقد الاجتهاد، ونقد بعض صور التدين ولا سيما المغشوش هو نقد للدين نفسه، حتى بتنا نرى الآخرين يدفعون عن أنفسهم الكفر حين ينقدون بعض الحركات الإسلامية .
والحق أنهم وإن كانوا مخطئين فإن بعض الأخطاء الشائعة هى التى كرست ورسخت ذلك الاعتقاد عند البعض خاصة الذين لديهم فوبيا من كل ما هو إسلامي أو الذين يعادون كل ما هو مرتبط بالحركات الإسلامية لنقص فى معلوماتهم (هذا بخلاف من يتعمدون ذلك الخلط لأغراض ما ).
تصحيحات واجبة
(2)
الدين يدعو للإبداع الحضاري لا للخمول والكسل
إذا كان الدين متكاملاً و يدعو إلى ذلك فلماذا صرنا إلى ما نحن فيه؟
لن تكون إجابتنا بسذاجة التبسيط حين نقول لان الناس قد ابتعدت عن جوهر الدين رغم أن هذا حق لكن الإجابة التى يعوزها العقل الجيد تتضمن العجز عن التحقق بمعيارية فهم الدين اقتداء وتأسياً وتبليغاً....ولهذا العجز أسبابه التى تحتاج إلى شرح وبيان لا يتسع المقام له الآن ولعل أن يكون له موضوعاً مستقلاً...ولننشغل الآن بكيف يكون الحل لهذا الخمول؟
تصحيحات واجبة
(3)
قطعاً الإسلام هو الحل
نعم الإسلام هو الحل ونريد ألا يتشنج البعض لهذا الشعار فيعلم الله أننا نعرضه لا كشعار بل كمنهاج..ولا يكفى أن يكون الإسلام هو الحل دون وجود آليات تستوعب مشكلات الأمة ودون إعادة البنية المعرفية لهذه الأمة بزيادة وعيها ودون تحديد كيفيات تنزل هذا المفهوم إلى أرض الواقع وتحوله إلى ممارسة وعمل بناء فالإسلام لا يُختبر وإن كانت التجارب الإنسانية والاجتهادية لفهم الإسلام تختبر وأي تبنى لهذا الحل دون تقديم تلك الآليات هو نوع من الإضرار لا بهذا المفهوم فحسب بل بالإسلام نفسه فى عيون القاصرين فكريا الذين لم يميزوا بعد بين الدين وبين التدين ...سواء كان تدينا صحيحاً أو تديناً مغشوشاً.
وحتى لا نبخس بعض العاملين جهدهم نقول إن هناك محاولات تنظيرية رائعة لتحويل ذلك المفهوم إلى واقع بيد أنها يعوزها عدة أمور منها: وسائل الظهور، وحسن الدعاية لنفسها والتسويق لها، وزيادة تلك الجهود، والعمل على تطبيقها ولو فى نطاق محدود فى البيئات التى يمكن أن تظهر فيها تلك الآليات إن كان ثمة وجود لها.
تصحيحات واجبة
(4)
التدين فطرة بشرية
بات من المسلم به أن الدين فطرة ولا نتجاوز حدود المنطق حين نعلن أن التدين حاجة نفسية واجتماعية ملحة ..والإسلام ليس دين نخبة فقط إنه دين للعالمين ومن ثم فإن شريعته صالحة لكل زمان ومكان وتعاليمه ميسرة لكل متذكر " (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِر".
ومعيارية الفهم التى تقتضى أن الإسلام ليس دين نخبة فقط وانه للعالمين تقف حائلا دون أن يقول من شاء ما يشاء دون مرجعية فى الفهم لها ضوابطها وأصولها لذا بتنا نرى بعض التيارات المعاصرة تحاول تقطيع الرؤية الإسلامية ،وقراءة الإسلام من خلال أصول مذاهبها ، فكان اليسار الإسلامي ، أو الإسلام اليساري ،والإسلام الاشتراكي ،والإسلام الرأسمالي ، وهكذا .. حتى تتمكن من الدخول إلى المجتمع الإسلامي...على حد قول د/ عمر عبيد.
فى النهاية
أسال الله أن يهيىء لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 4
العربية من الدَّين
(يا له من تناقض وسفه أن نتحدث العربية وقلوبنا تعانق عقولنا هناك بعيدا عند الغرب)
سيد يوسف
تمهيد
حين يقول الله تعالى فى قرآنه (إنا أنزلناه قرآناً عربيًّا لعلكم تعقلون ) يوسف 2 ، وحين يقول جل شأنه (إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون ) الزخرف 3
وحين يوصينا عمر بن الخطاب بقوله "تعلموا العربية فإنها من دينكم..."
فإن لنا أن نفخر بهذى اللغة لأنها عنوان هويتنا ولأن الله عز وجل قد اختار العربية وعاء للوحي ، ووسيلة للتواصل ، وتقديرا لها كأداة خالدة عبر الزمان –الزمان كله- مؤهلة للخلود والبقاء والتجدد والاستمرار وإن أصابها بعض الضعف لا لذاتها ولكن لضعف الإنتاج الحضاري والابداعى والانسانى لأهلها بعض الحين.
ولعل التعبير بقوله تعالى لعلكم تعقلون يؤكد ما تعارف عليه الناس حديثا من أن اللغة لها علاقة بالتفكير والإبداع...وهو الأمر الذى بات مطلبا هاما لأهل اللغة حتى يحرسوا الدين واللغة معا ...من أجل هذا تأتى هذى المقالة كمساهمة في تحقيق الوعي اللازم للحضارة ، والتحصين الثقافي، واسترداد شخصيتنا وهويتنا ، وكأداة تعيق معاول الهدم الثقافي لهذه الأمة التى باتت حين غلبت مبهورة بالغالب ثقافة ولسانا ومدنية.
قد غضب أهل الفرنسية فما بالنا لا نغضب؟
تناقلت وكالات الأنباء عما قريب غضب الرئيس الفرنسي حين ألقى وزير خارجيته خطابا باللغة الإنجليزية معبرا أن اللغة الفرنسية لا تقل عن الإنجليزية فهل لغتنا العربية أقل من تلك اللغات رغم أنها عند التحقيق تفوقهما ثراء ؟!
تحذير
أن أي انحطاط باللغة لسانا وكتابة ولا سيما فى المحافل العلمية والإعلامية والرسمية يعني محاصرة هذه اللغة وتقويضها ومن ثم هدمها ...
على أن من الإنصاف القول إن هذا التفريط جاء فى غمرة الحياة الدنيا والنقل عن الآخرين وأحيانا بترجمة دلالات الألفاظ العربية إلى اللغات غير العربية،مما يعد لون من الضلال الثقافي، والانتقاص لهذه اللغة قيمة ولسانا ومكانة ...ولم يكن فى كثير من الأحيان وليد تعمد وإساءة مقصودة.
ضرورات حتمية
بات من الضروري المحافظة على المصطلحات العربية ولا سيما الإسلامية بشكل عام، والاحتفاظ بمدلولاتها، وتوريث ذلك لأجيالنا القادمة حتى يحتفظوا لهم بهوية سليمة ولا يكونوا كأمثال بعضنا يتلفت يمينا ويسارا يبحث عن هوية فلا يجدها !! ولو أنهم بحثوا
داخل نفوسهم لما وجدوا عناء كبيرا...لو كانوا يعقلون!!
ولا يحسبن أحد خطأ وجهلا أن الدعوة إلى المحافظة على تراثنا ولغتنا ومصطلحاتنا فيها انتقاص أو تعارض للامتداد بها وتطويرها وتنشيط الترجمة منها وإليها لكنا نرجو لهذا النشاط استصحاب المعنى الأصلي وعدم الخروج عليه.
مثال توضيحى قرآني
ويجدر بنا أن نسوق مثالا توضيحيا عرضه د/ عمر عبيد حسنة حيث يقول: "وقد نبه القرآن لهذه القضية الخطيرة عندما أرشد المسلمين إلى ضرورة استخدام مصطلح(انظرنا)، ونهى عن مصطلح(راعنا)، الذي كان يستعمله ويشيعه يهود، كنوع من التضليل الثقافي، وتحقيق بعض الأغراض الكامنة في نفوسهم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) البقرة 104
ثم يقول " إن أهمية تحديد المصطلح، وقضية الوضوح في دلالته، في البناء الفكري والثقافي للأمة، أمر ذو قيمة فكرية بالغة، إلى درجة أصبح معها كثير من المؤلفين والباحثين، يفردون صفحات في مقدمة مؤلفاتهم، لمعجم المصطلحات المستعملة، والدلالات التي أرادوها، من استعمال هذه المصطلحات، وهي طريقة محمودة فكرياً وثقافياً، حتى يتحقق الوضوح، ولا يحمّل الكلام أكثر مما يحتمل، ولا يقوَّل الإنسان ما لم يقل، حتى لقد بلغ الأمر اليوم، أن تفرد معاجم لمدلولات كل علم من العلوم، كمعجم المصطلحات الفلسفية، ومعجم المصطلحات الدبلوماسية، ومعجم المصطلحات النفسية...الخ" انتهى.
حراسة اللغة وحمايتها...كيف؟
جميل أن تنضم لجهود المجامع اللغوية بعض الجهود الأخرى سواء كانت جهود مؤسسات تربوية وإعلامية واجتماعية أو مؤسسات الدولة من حيث التشريع القانوني أو جهود الأفراد فى مجال البحوث والتأليف أو حتى تربية النشء فى محيط الأسرة .
ونرجو لهذه الجهود أن تتكامل وان تكون نابعة من جهد اجتماعي وقومي منظم وألا تتحول الوسائل إلى غايات بحيث ندور فى فلك الشرح للقديم والاختصار له وننسى فى خضم ذلك الإنتاج والإبداع الحضاري والمادي فبذلك سوف نلفت العالم للغتنا ....
وبشكل عام نطرح خطوطا عريضة للإسهام فى إعادة تفعيل لغتنا الجميلة:
* الجانب التشريعي والقانوني
بتجريم أى استخدام للغات الأخرى فى حياتنا العامة سواء المهنية أو الإنتاجية كتجريم استخدام الأسماء الأجنبية وبكتابة أجنبية عند إنشاء مصانع أو محلات تجارية.
* الجانب التعليمي
تدريس العلوم باللغة العربية وتعريب بقية العلوم التى ما تزال تدرس بلغة أجنبية مع قيام الفاقهين بتعريب تلك العلوم من الآن وليس مستقبلا فضلا عن توجيه عناية المدرسين بالمدارس والجامعات على ضبط اللسان عند الشرح والتدريس باللغة العربية السليمة.
والعمل على تصدير برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها بطريق سهلة وشائقة.
* الجانب الإعلامي
التزام الحديث بالفصحى السهلة دون تقعر فى الصحافة المحترمة والإعلام المرئي والمسموع وحظر استخدام العامية.
* الجانب الإنتاجي
وأقصد به الإنتاج المادي والاقتصادي واستحداث منتجات صناعية ذات أسماء عربية سهلة ومعبرة ..ولا سيما الإنتاج التقنى فلقد أحيت الصين واليابان والكيان الصهيونى لغاتهم بإنتاجهم المادي ...ولعمري إن هذا هو الجانب الأهم.
* الجانب الأدبي والإبداعي
ونقصد به التأليف والإبداع القصصي والشعري والفني بصفة عامة للفت أنظار العالم إلى لغتنا الجميلة وتصدير ذلك للعالم أجمعين...ونريد لذلك الإبداع أن يكون بلساننا نحن بقيمنا نحن بثوبنا نحن بتاريخنا وإرهاصاته الخاصة بنا بمعاييرنا الشرقية لا بمعايير الغرب بعيوننا نحن لا بعيون الغرب...ألا إنه لا قيمة لنا حين نتحدث بالعربية ولا نفكر إلا بعقول غربية!!
وكم نرجو لهذا الإنتاج أن يكون معبراً عنا بلغتنا ومفرداتنا بعيدة عن مصطلحات وعقول الغرب والمسألة ليست اعتسافاً وفرض العربية بالقوة لكنها محاولة بصيرة لوضع الأمر فى نصابه وفى مكانه بعقل يقظ ومرن يصحبه وجدان وتقدير بصير لمكانة هذه اللغة ودورها فى الحفاظ على الهوية والتعبير عن ذاتنا تواصلا مع الآخرين من منطلق هانحن ذا وليس التقليد والتفكير بعقول الآخرين.
فى النهاية بقيت كلمة
انطلاقاً من نفسية المهزوم قد يستشعر بعضنا استحالة ذلك وكأن اكتساح العامية والأجنبية قدر لا مفر منه وحتمية كونية لا قدرة لنا على مجابهتها ..
أو انطلاقا من مسلمة- خاطئة- تقول إن الأهم هو الوظيفة وليس الوسيلة فما دمنا نتحدث ويفهم بعضنا بعضا فلا داعي لان نتحمل مشقة تفعيل اللغة العربية ...
أو انطلاقاً من حاجة فى نفس بعضهم والله أعلم بما فى نفوس الكارهين للإسلام والدين قد نجد بعض المثبطين من هنا أو هناك...
لكننا نقول
ما سبق طرحه من حلول إنما هو مقترحات سوف تجد طريقها هى وغيرها حين نجد حكاما يحرسون أمن الوطن ،ويستشعرون خطر التغريب، ويسعون للحفاظ على هوية أمتنا ، وإن ذلك لكائن إن شاء الله تعالى ولو بعد حين وإنه ليسير على من يسره الله عليه حين تجد الإرادة طريقها للأمم التى تريد بناء على أن يصحب ذلك همة عالية ...والحمد لله أن همة امتنا لم تقعدها المثبطات ولن تقعدها إن شاء الله تعالى.
اسأل الله أن يهيىء لأمتنا أمر رشد.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. فاروق مواسي
- الزيارات: 5
من سيرتي الذاتيـــة
د . فاروق مواسي
مع عبد اللطيف عقل: ( 1942 – 1993 )
فاجعًا كان موت عبد اللطيف عقل الشاعر والمفكر.
كان لقائي الأخير به يوم 24/5/1992م في مهرجان التضامن مع الشاعر شفيق حبيب في دار الثقافة العربية في الناصرة. يومها قدم لكل منا النائب عبد الوهاب دراوشة صينية نحاسية مكتوب عليها :
" تكريمًا للشاعر...... وتقديرًا لعطائه في مجال الشعر الوطني".
والتقطت الكاميرا هذه الصورة التي ينعم فيها عبد اللطيف النظر بالهدية الرمزية ويعلق:
" لا تعجبوا إن كانت هذه هي المرة الأولى التي يقدم لي أحد فيها شيئًا أو يكرمني أحد بشيء" ، وأتبعها بالقول: "أليست هذه مفارقة؟!".
قرأ عبد اللطيف يومها قصيدته "بيان العار والرجوع" ، وكانت صيحته أو لازمته "هلا" تطن في القاعة ساخرة من هذا الزمن الرديء الذي قلبت فيه الموازين.
أصر صاحبنا في القصيدة على فلسطينيته، وعلى حياة التقشف فيها مع كرامة متأصلة في وجدانه. وهذه القصيدة على الصعيد العملي الفعلي استمرار لقصيدة سابقة كان يردّ فيها على دعوة مشبوهة بالتخلي عن الوطن، إذ يقول في ديوانه "حوارية الحزن الواحد":
أنا نبض التراب دمي، فكيف أخون نبض دمي وارتحل
وأعود إلى كتب الشاعر وإلى طريقة إهدائه الكتب لي، فأجد اللمحات الفنية حتى في العبارة النثرية.
- كتب لي في إهداء " قصائد عن حب لا يعرف الرحمة":
وفي إهداء كتاب "هي أو الموت": "أيها المتشرد من أجل أن تظل الكلمة مصلوبة على شفتي الجرح".
كيف بدأت الكتابة عن عبد اللطيف، وماذا كتب عني؟
كان ذلك أولاً مراجعة لكتابه الأول " أغاني القمة والقاع"، فكتبت في "عرض ونقد في الشعر المحلي" (ص61) : "عبد اللطيف عقل شاعر مسؤول أمام الكلمة والقيمة. أطلق ذاته المغتربة من وهج المأساة، وأوفدها للقارئ الواعي أمانة في عنقه – أمانة عرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها، وحملتها إلهة الحزن التي تتقن رقص الأوبرا في القمم والقيعان .....لأنه كما يقول الشاعر " لا بعد بين قمة الوجد وقاعه".
وقلت في المقال نفسه: " شيء مغر في ديوان عبد اللطيف – وهو انتقاؤه للعنوان. فعنوان القصيدة أجمل في نظري من مضمونها. العنوان فستان ينتقيه لحبيبته ويحسن انتقاءه بذوق، لا تكاد تخطر حتى تشرئب الأعناق. والقصيدة عنده ملخص تركيزي لقصائد سابقة، فيها تكرار للذات بشكل أعمق، وكل قصيدة تهمس لي : أنا أجسد تجربة عقل".
أما بداية المعرفة الشخصية فكانت أولها متابعة عبد اللطيف عقل لقصائد مجلة "الشرق" المنشورة قبل شهر تقريبًا من (شباط 1972). يومها تناول قصيدتي "ليلة ابن المعتز"، وأشار إلى أنني قصرت في المعاناة، ولو تركت القصيدة بتجربة غير مفتعلة لقدمت القصيدة بشكل أفضل. ويومها أثار عقل غضبي.
وفي العدد التالي كتبت "ردًا على نقد" فقلت:
" ما أحسبني بحاجة إلى التوكيد أن هذا التضمين واستخدام الموروث كان طبيعيًا وتمثلاً، بل تصعيدًا لهذا الموروث على ضوء المعطيات الحياتية المعاصرة، فدراسة القصيدة لغويًا ، ورجوعًا إلى خلفية ثقافية هو السبيل الأصولي قبل أن نخوض لجتها فنحكم اجتراء". (الشرق عدد آذار 1972، ص42).
ثم عاد عبد اللطيف عقل إلي ليعالج قصيدتي الأخرى "صورة جديدة لامرئ القيس" ولكن بلهجة مغايرة، فبدأ بالقول:
" لماذا أحببت هذه التجربة لفاروق. إنها تجربة حقًا، وكما أرى استطاع فاروق هنا أن يسبق نفسه، وهو بين قصيدة وأخرى يقطع المسافات الطويلة في زمن قليل. إن هذه الصورة الجديدة تقفز من الرمز (الملك الضلّيل) إلى الواقع – الرمز المحدد الضيق إلى الواقع الفسيح المرير الذي عاناه فاروق بحدة الواعي المتمرد" (الشرق- عدد نيسان 1972، ص47).
أذكر أنني زرت عبد اللطيف في منزله في نابلس عندها ترك فيّ انطباعًا أنه ما من شخص أحضر منه بديهة أو أقدر منه على الكلمة أو النكتة أو السخرية أو التعبير عن المرارة وحتى على الشتيمة، فشتائمه عجيبة من قاموس خاص لا يحسن صياغتها إلا الأقلاء من الأذكياء. قال لي منكرًا علينا لقب ( عرب 48):
ألا تكفيكم مصيبة واحدة حتى ربطوا اسمكم بسنة زفت؟؟!
قال لي منكرًا قلة القراء للشعر: أتكتب شعرًا لتقرأ نفسك؟
أخذ عبد اللطيف يحدثني بتشاؤم ومرارة تارة، وبإيمان ومثابرة تارة أخرى... ويا الله ما أكثر نقده وما أحد غضبه!
زرته في جامعة النجاح حيث كان عميدًا لأحد الأقسام في الجامعة. يومها عرفت أن للرجل مكانة ومهابة خاصة....ولكنها تتلاشى أمامي إلى طيبة وأصالة فلاًحيّة حين أزوره في بيته الذي تنقل في أماكن مختلفة في نابلس.
ولكني إن أنسَ لا أنس تألق عبد اللطيف في مؤتمر الشعر الفلسطيني الأول الذي عقد في فندق غراندنيو – الناصرة 27/11/1986م – يومها كان يتحدث بلغة غريبة طريفة مثيرة، يكثر من ألفاظ باهرة على غرار "الزمكان" – قبل أن تتردد على الألسنة ... وأحس شاعرنا أنه عريس اللقاء. وحتى أسوق لكم بعضًا من لغته المثيرة الخاصة اقرءوا معي ما قاله في الذكرى الأربعين لرحيل د.سامي مرعي:
" أنا لا أحاور الموت، فهو إمكانية الشخص الأخيرة، ولكني أحاور سامي متصورًا ماذا كان يمكن أن يقول قصدًا، لو أسعفته تلك الأصابع السوداء الناعمة بعض الوقت...كان سيقول : إذا تعلم الأطفال جدول الضرب بأسلوب تربوي إنساني فإن الغش في سوق الخضار سيباشر الاختفاء..".
ويخطر عبد اللطيف في ذاكرتي في مشهد آخر رواه لنا صديقنا سعود الأسدي يوم أن سافر وإياه إلى طبرية، حيث كانا يتشاطران هموم الكرب بعد الحرب. يومها قرأ له سعود قصيدة تقليدية ....وكان عقل يقود سيارته (الفولكس فاجن) دون أن ينبس ببنت شفة، ويحدثنا سعود عن خواطره إزاء هذا الصمت المريب، حتى إذا قرأ سعود قصيدة بالعامية التي ختمها بالقول :
"بخاف بكرا إن متت عيني
تجمد وهيكي يطبقوا جفوني
وما عود أحظى بشوفة بلادي "
يقول سعود : وعندما قفلت القصيدة بالبيت الأخير، وجدت رأسي فجأة يضرب بزجاج السيارة الأمامي. قلت له: ما هذا يا أستاذ رحت تقتلني بضربة هالبريك !
قال لي : بل أنت الذي قتلتني... وراح أبو الطيب يتناول مسجل صوت صغير من خزانة السيارة أمامه، وقال بإصرار: "أعد القصيدة من أولها ..." (انظر الجديد : العدد الثاني سنة 1991،ص 59). مثل هذا التصرف الذي رواه سعود يعكس لنا أننا أمام ذوّاقة مرهف الذوق.
وما زلت أذكر كيف أنه كان يسأل عن أدبائنا المحليين... وأحيانًا مع تعليقات ساخنة طريفة هنا وهناك. كان يعجب بقولة طه محمد علي : "ذبحوني على العتبة مثل خروف العيد".
فكتب له تقديمًا قبل قصيدة " عن حب لا يعرف الرحمة" إهداء :" إلى طه محمد علي وبيننا حزن كبير.."
وما دمت أتحدث عن علاقته بأدبائنا وكتابنا فلا أنسى لقطة سمعت عنها جديرة بالتسجيل. أجرى محمد وتد معه مقابلة، وكان أن استفزه محمد بشكل ما، فما كان منه إلا أن أصر على إلغاء المقابلة أو يتحققَ مبتغاه. سمعت عن هذه الحكاية من عبد اللطيف نفسه، ولكن ذاكرتي لا تسعفني الآن للتفاصيل، لأن الموضوع أصلاً لم يكن يشغلني لسبب أو لآخر... أذكرها لأؤكد أنه لم يكن يهادن ولم يكن يرائي.
قبل بضع سنوات استضفنا في الورشة الأدبية في باقة الغربية شاعرنا عبد اللطيف عقل. يومها قرأ الأدباء الواعدون من نتاجهم. كنت أتوقع أن يقسو عليهم، لكنه فاجأني بحنوه البالغ واستعداده للمساعدة، وإذا بمقاييسه الصارمة تنقلب إلى حريرية رئيفة، سألته عن سر ذلك:
قال: " ألا يكفي أنهم يقرأون... أنهم يكتبون في هذا العصر الذي يتلظى فيه الشرق بالعار، وشعر القدس محلول على ظهر الجسور المشرعة".
أظن أنني قدمت لقطات حضرتني، أرجو ألا يفهم منها أنني أتحدث عن نفسي أولاً، فليس هذا بغيتي، وإنما أرجو أن أعرّفكم بعمق معرفة حميمية بشخص عز علينا جميعًا، ليكون ذلك تخطيطًا لملامح رجل عظيم. عظيم في شعره وفي فكره وفي إنسانيته، وكم تعلمت منه!
ولكن ، هل حقًا رحل إلى غير عودة ؟؟!!!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رحيم العراقي
- الزيارات: 5
حول العولمة
رحيم العراقي
مؤلف كتاب حول العولمة جورج سوروس أشهر من نار على علم في أميركا. فهو ملياردير كبير وشخصية نافذة في أوساط السياسيين ورجال الأعمال وأرباب الشركات الكبرى. كما أنه مؤسس الشبكة العالمية للمؤسسات التي تهدف إلى دعم المجتمع المفتوح. وقد ألف سابقاً بعض الكتب التي لاقت رواجاً كبيراً. نذكر من بينها: أزمة العولمة الرأسمالية، والمجتمع المفتوح، وكتباً أخرى. وفي هذا الكتاب الجديد يتابع جورج سوروس مشروعه في نقد العولمة ليس من أجل القضاء عليها أو محاربتها، وإنما من أجل تحسينها وتطويرها. فالرجل يتحدث من داخل العولمة الرأسمالية لا من خارجها. نقول ذلك وبخاصة أنه أحد كبار المستفيدين منها.
وينقسم الكتاب إلى أربعة فصول مع مقدمة وخاتمة. أما المقدمة فتحمل العنوان التالي: نواقض العولمة الرأسمالية. يتحدث الفصل الأول عن التجارة العالمية وبالأخص الدور الذي تلعبه منظمة التجارة العالمية. وأما الفصل الثاني في الكتاب فيتحدث عن المساعدة الدولية للبلدان الفقيرة وكيفية توزيعها. ويتحدث الفصل الثالث عن الإصلاح الهيكلي للمؤسسات المصرفية الدولية. وأما الفصل الرابع فيتناول بالتخصيص كيفية إصلاح صندوق النقد الدولي وتحسين أدائه، وكذلك تحقيق الاستقرار المصرفي. وأما الخاتمة فهي مهمة جداً لأنها تلخص فلسفة المؤلف كلها وتتخذ العنوان التالي الذي يشبه المانيفست: نحو مجتمع مفتوح على المستوى العالمي.
يقول المؤلف منذ البداية ما فحواه:
لا أهدف من تأليف هذا الكتاب إلى تبيان كيفية ممارسة العولمة الرأسمالية لدورها فحسب، وإنما أريد أيضاً أن أقدم بعض المقترحات من أجل تحسينها وتطويرها. ولتحقيق هذا الغرض فإني قدمت تعريفاً ضيقاً للعولمة. فأنا أقصد بها بكل بساطة السماح للرأسمال بالتنقل بشكل حر بين البلدين، ثم التزايد المستمر لهيمنة الأسواق المصرفية العالمية والشركات المتعددة الجنسيات على الاقتصادات القومية للدول هذه هي العولمة في رأيي بالطبع فإني أعترف بأن العولمة الرأسمالية مجحفة أو ظالمة أو لا متوازنة.
في الواقع إن سبب ذلك يعود إلى أن تطور مؤسساتنا الدولية لم يتناسب من حيث الايقاع والسرعة مع تطور الأسواق المصرفية العالمية. يضاف إلى ذلك أن التدابير السياسية التي اتخذناها كانت بطيئة ومتخلفة عن السرعة التي تمت بها العولمة الاقتصادية، بمعنى آخر فإن العولمة السياسية لم تتحقق حتى الآن لكي تتساوق مع العولمة الاقتصادية التي قطعت شوطاً كبيراً في التحقق.
ثم يردف جورج سوروس قائلاً:
لقد لاحظت مؤخراً حصول تحالف غير متعدد بين أصوليي السوق الحرة في جهة أقصى اليمين والمنظمات المضادة للعولمة في أقصى اليسار. هناك تحالف موضوعي غريب الشكل بين هاتين الجهتين العدوتين. وهو تحالف يهدف إلى تدمير المؤسسات الدولية التي نملكها حالياً. إن هدفي من تأليف هذا الكتاب هو تشكيل تحالف آخر يعمل من أجل إصلاح المؤسسات المصرفية والاقتصادية الدولية وتقويتها لا تدميرها. كما أني أهدف إلى إنشاء مؤسسات جديدة بالإضافة إليها وأقصد بهذه المؤسسات أساساً صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي.
وإذا ما نجحنا في إصلاح هذه المؤسسات وتغيير أساليب عملها وإنشاء مؤسسات جديدة إلى جانبها فإن العولمة الرأسمالية سوف تصبح أكثر توازناً وأقل ظلماً.
ثم يضيف الخبير الاستراتيجي الأميركي قائلاً:
إني أتمتع ببعض الصفات التي تسمح لي بأن أخطط لمصير العالم في المستقبل. فأنا اعرف ماذا تعني العولمة الرأسمالية والأسواق المصرفية الدولية لأني جربت نفسي فيها ونجحت. كما أسست بعدئذ شبكة دولية من المؤسسات والجمعيات الهادفة إلى تشكيل المجتمع المفتوح على مستوى العالم كله. أنا لست فقط أحد المصرفيين العالميين الكبار المنشغلين بمصالحهم الخاصة. وإنما يهمني مصير البشرية ومستقبلها على عكس الكثيرين من الرأسماليين وأرباب العمل ومدراء الشركات المتعددة الجنسيات الذين لا يفكرون إلا بزيادة أرباحهم.. ثم يوضح جورج سوروس مقصده بشكل أفضل قائلاً:
صحيح أني أحد الخبراء العديدين في الأسواق المصرفية على مستوى العالم كله. ولكني أختلف عن معظمهم من حيث اهتماماتي الإنسانية وقلقي ليس فقط على أميركا وإنما على الجنس البشري ككل. ولهذا السبب فإني أمضيت السنوات الخمس السابقة في تحليل نواقص العولمة الرأسمالية التي تكتسح العالم حالياً. ونشرت العديد من الكتب والمقالات عن هذا الموضوع الخطير. ومن أهمها كتابي: «المجتمع المفتوح. كيفية إصلاح الرأسمالية» (مطبوعات نيويورك. بوبليك افيرز. 2000 Public Affairs). والبعض يحتج علي قائلاً:
أليس من قبيل التناقض أن تكون أحد المستفيدين الرأسماليين الكبار من العولمة الرأسمالية أو الأسواق المصرفية العالمية ثم تحاول إصلاحهما في آن معا؟!
وكيف يمكن أن نصدقك وأنت ملياردير كبير؟! وأجيب قائلاً: لا أرى أي تناقض في ذلك. فلكي تغير شيئاً ما أو لكي تحسنه ينبغي أن تعرفه أولاً. وأنا معلوماتي عن العولمة والمضاربات في الأسواق المصرفية الدولية ليست نظرية أو تجريدية وإنما عملية محسوسة. وبالتالي فأنا أعرف ما هي الخطوات التي ينبغي اتباعها من أجل إصلاح العولمة وجعلها أكثر إنسانية وعدلاً..
وفي ختام الكتاب يقدم جورج سوروس نوعاً من المانيفست السياسي لإصلاح شئون العالم بعد تفجيرات (11) سبتمبر ونلاحظ أنه يستعرض مختلف جوانب السياسة الأميركية ويقدم بعض النصائح المهمة للرئيس جورج بوش، يقول بالحرف الواحد.
كانت تفجيرات 11 سبتمبر عبارة عن صدمة رهيبة بالنسبة لأميركا والشعب الأميركي فقتل كل هؤلاء المدنيين العزل خلال بضع دقائق عمل رهيب فعلاً، لأول مرة يشعر الأميركان بأن الآخرين يشكلون خطراً حقيقياً عليهم لأول مرة يعرفون بأن بعض الآخرين يكرهونهم إلى درجة مخيفة.
لكن معركة أفغانستان والرد الأميركي الحازم برهنا على أن أميركا قادرة على أن تحقق في بضعة أسابيع ما لم يحققه الاتحاد السوفييتي في عشر سنوات. لقد أثبتت أميركا أنها ليست نمراً من ورق إنها أكبر قوة عسكرية في العالم. ولكن القوة الجبروتية لأميركا تلقي عليها مسئولية ثقيلة في قيادة العالم.
ربما لم تكن أميركا قادرة على أن تفعل أي شيء في العالم ولكن لا يمكن أن يحصل أي شيء مهم بدون إرادتها.
ثم يوضح جورج سوروس منظوره العريض قائلاً:
هناك عاملان يؤثران على سياسة أميركا الخارجية: الواقعية الجيوبوليتيكيه، والمثالية الديمقراطية أو الإنسانية للمجتمع المنفتح أو المفتوح.
فإن تغلب العامل الأول أصبحت سياسة أميركا مكيافيلية هدفها تحقيق مصلحتها الخاصة فقط، وإذا تغلب العامل الثاني أصبحت سياستها إنسانية: بمعنى أن تأخذ مصالح الشعوب الأخرى بعين الإعتبار أيضاً وليس فقط مصلحتها الخاصة.
كل سياسة أميركا منذ البداية تتراوح بين هذين القطبين ففي أيام روزفيلت كانت مكيافيلية أكثر مما كانت إنسانية، وفي أيام ويلسون كانت مثالية وإنسانية أكثر مما كانت واقعية ومكيافيلية ولكنها في معظم الأحيان مزيج من هذين العاملين.
بعد سقوط الشيوعية كانت أمام أميركا فرصة سانحة لكي تبرهن على كرمها وأريحيتها وعلى مثاليتها وإنسانيتها كان ينبغي عليها أن تقدم مساعدات ضخمة لدول أوروبا الشرقية من أجل أن تنهض وتبني نفسها، مثلما قدمت مساعدات ضخمة من خلال خطة مارشال إلى أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها لم تفعل وهكذا ضيعت فرصة ثمينة واتبعت سياسة الواقعية الجيوبوليتيكية أي المكيافيلية. ثم يردف الخبير الاستراتيجي جورج سوروس قائلاً:
إن سبب ذلك يعود إلى الدور الكبير الذي يلعبه أصوليو الرأسمالية الأميركية في تحديد سياستها الخارجية، ينبغي العلم أنه توجد أصولية رأسمالية مثلما توجد أصولية دينية، والنزعة الرأسمالية المحضة هي التي منعت الإدارة الأميركية من مساعدة الآخرين، فهي تعتقد أن النجاح أو الفعالية ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للسياسة الخارجية الأميركية، فتحقيق مصلحة أميركا هو الهدف الأول والأخير وعلى العالم السلام، هذه النظرة الأنانية الضيقة هي السبب في حقد الآخرين على أميركا، ينبغي العلم أن الولايات المتحدة تستطيع أن تفرض على الآخرين ما تريده من قرارات أو معاهدات ولكنها ترفض أن يفرض عليها الآخرون أي قرار لا يتماشى مع مصلحة الأصولية الرأسمالية الأميركية.
والدليل على ذلك أنها عطلت إنشاء محكمة العقوبات الدولية، ورفضت التوقيع على معاهدة كيوتو من أجل حماية البيئة والمناخ الأرضي ورفضت التوقيع على معاهدة نزع الألغام الأرضية.. الخ.
لكن أميركا لا تستطيع بواسطة سياسة القوة أن تفرض إرادتها على العالم أبدياً.. فعاجلاً أو آجلاً قد يحصل تحالف دولي ضدها، أو قد تنشأ قوة عظمى لكي تتحداها.
البعض يفكر في الصين كمنافس محتمل ولكن ليس في الأمد المنظور. فهي لا تزال ضعيفة فيما يخص التكنولوجيا العسكرية أو امكاناتها لاتزال وراء روسيا بمسافة كبيرة وبخاصة فيما يتعلق بسلاح الجو.
هناك قوتان تستطيعان منافسة أميركا في المدى المنظور هما: الإتحاد الأوروبي وروسيا، ولكن الإتحاد الأوروبي لم يتوحد بعد عسكرياً كما توحد اقتصادياً، يضاف إلى ذلك أن معظم دوله حليفة لأميركا ومرتبطة معها بمعاهدات قوية من خلال حلف الأطلسي، أما روسيا فإنها تحلم بحل مشاكلها الاقتصادية قبل أي شيء آخر وهي بحاجة ماسة إلى رضا أميركا عليها.. ثم يختتم جورج سوروس كلامه قائلاً: ومحذراً:
إن على أميركا ألا تغتر بقوتها كثيراً، فالقوة لا تدوم وإنما ينبغي عليها أن تفكر باتباع سياسة أخلاقية فيما يخص العلاقة مع العالم الخارجي إذا ما أرادت النجاح في القضاء على الارهاب وهذه السياسة الأخلاقية تتمثل في محاربة جذور الإرهاب وأسبابه: أي الفقر، والجوع والجهل والإستبداد السياسي فهل ستعي أميركا أن مصلحتها تكمن في اتباع سياسة أخلاقية لا سياسة مكيافيلية أو ذرائعية؟ هذا هو السؤال الأساسي المطروح في المستقبل والإجابة عنه سلباً أو ايجاباً سوف تحسم مصير العالم.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: كمال عيسى*
- الزيارات: 5
شيئ من العقل
كمال عيسى*
لم يكن أبو القاسم الشابي مجنونا ولا معتوها عندما أطلق صرخته في وجه العالم :إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر، لكن هذا البيت الشعري ذو المعاني الرصاصية الذي ضربنا في المدارس الإكمالية لنحفظه ونحفظ كل معنى من معان كلماته، نراه اليوم وكأنه يتبخر مع تصاعد موجة من الكتابات السلبية، والتي تجد لدى معظم مثقفينا الأرض الخصبة لزرعها والإعتقاد بعدم وجود البديل الجيد لها.
إن ما تطلع علينا به الجرائد يوميا، وما تكتض به رفوف المكتبات أصبح كالسيل الجارف، يجرفنا إلى قاع التشائم والخوف، ويلبسنا ثوب الإستسلام والقناعة الكاذبة بنهاية التاريخ، وربما العالم، والإتكاء على القدر المحتوم كذريعة حمقاء لتبرير مالا يبرر من وضع مشين نعيشه جميعنا.
نعم، لا يختلف إثنان في كون أننا نحيا في عصر كثرت فيه المظالم وأصبح فيه الحق مهدورا، لأننا نشهد عصرا إختلت فيه موازين القيم، وتحول الحق إلى ناطق رسمي بإسم القوة، ولأن القوة غالبة فإن الإذعان لها هو إذعان لمنطقها في تفسير الحق، بيد أنه من السهل جدا الإطناب في ذكر كل عيوب العصر، والسير قدما دون أن يعترضنا أحد في وصف تفاهتنا نحن كعرب ولا معنى لوجودنا أصلا كشعب، أقول من السهل فعل ذلك، وهو ليس عيب، لكنه أيضا، ليس الطريق الأسلم والأنسب الذي تستوجب علينا عقلانيتنا غير المتطرفة السير فيه.
وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال مهم يبحث عن إجابة دقيقة وصريحة، وهو: هل دور النخبة في أي زمان ومكان هو تعرية الواقع أم تغييره؟
لا ريب أن الإجابة تكون إعتباطية ومهزوزة إذا لم ترتبط بقراءة تاريخية لمسار التحول الإنساني، بدء من طبيعته البدائية أو ما قبل إنسانية، وانتهاء بحدود التحول الأكبر، أو عصر الحداثة وتبعاتها ما بعد إنسانية، وهذا يسمح لنا بتجاوز نظرتنا الضيقة للأشياء وفهم حقيقة النخبة وإخفاقاتها في البلاد العربية.
هناك حقيقة كونية هي التي تلف وجودنا بروحها، وتبعث فينا اليقين بأن العالم منذ الأزل وإلى الأبد يسير في حركة دؤوبة من حالة الفوضى اللامتناهية إلى حالة من الإنتظام النسبي ، وأن انسياب الخطيئة هو الذي يجعلنا ندرك الخطأ ونجتهد في تجاوزه، ويمكننا القول أننا كبشر وجدنا من خطأ، إذ لم يكن بوسعنا أن نتواصل في راهننا لو لم يخطأ آدم عليه السلام بمعصيته لله، وما كان لنا أن نتعلم معنى جريمة القتل بوصفها أعظم خطأ يهدد وجود الإنسان لو لم يقتل قابيل أخاه هابيل، ومن ثمّ يتعرى الإنسان أمام مرآة الوعي، فيكتشف أنه مقيد بقيود الجهل، هذا الأخير هو العدو الأكبر الذي يصبح محط إهتمام كل الديانات والرسل، ومن بعدهم نشوء ما يطلق عليه بالفكر الفلسفي، واشتغال كل الفلاسفة إلى اليوم في فضح مكامنه وتفكيك بنيته.
لكن، ما هو هذا الجهل ؟ إنه بإختصار ذلك المستوى من الإدراك القاصر والتصور السحري، الذي يعتمد على أدوات غير عقلية لمعرفة كنه الأشياء وجوهر الحقائق، فيتموضع في حلقات الوعي الزائف، ويرهن مصيره الوجودي له، إلى أن تصبح كل تصوراته وعوائده وسائر أحواله مطبوعة به.
إن الجهل يشدنا إلى الأسفل، وهو بعكس العقل الذي هو إرتقائي، وصفة الجهل تعني غياب كلي أو جزئي لنشاط العقل وأبعاده المعرفية، تلك التي تعيد صياغة المصير الإنساني وتحدد آفاق وجوده في المستقبل بشكل مستمر ودائم، فلا معقولية العقل أو جهله يفرضا علينا قيودا من داخلنا إتجاه العالم الذي يحضننا والأحداث التي تتقاطع مع سيولة الزمن، وبالتالي تكون ردود أفعالنا وفقا لذلك سلبية حتى لا نقول معدومة.
لقد كانت النقلة النوعية بداية بفهم الإنسان عبر الرسالات السماوية ومخزون خبرته التاريخية لهذه المسألة، وكان الحدث الأكبر بعدها ذلك التحول الفكري الذي قادإلى إظهار أن التاريخ هو عبارة عن سيرورة، أو بعابرة أكثر دقة، للتاريخ مسارات تحكمه، وتفسره مجموعة عوامل ملموسة طبيعية كانت كالمناخ والكوارث، أو إنسانية، مثل الحاجات الإقتصادية، والحروب والصراعات التي تنشب لأسباب مذهبية أو عرقيةأو قبلية أو غيرها... وبهذا إنتفت الصبغة الأسطورية التي كانت تصبغ معرفتنا للتاريخ البشري، ولم يعد يعتبر سوى حركة تطورية مستقيمة تتحكم فيها مجموعة من العوامل الداخلية.
هذا الفهم الحديث للتاريخ أعطى تصورا مغايرا لنشاط الفكر، وفتح بذلك مجالات ظلت مغلقة لوقت من الزمن ليس بالقليل، حيث بدأ الإهتمام بالإنسان يأخذ مجرى آخر وينصب عليه في كونه فاعلا في العملية التغييرية لا مجرد عنصرا من عناصرها فقط، وهذا يعني أن الإنسان أصبح مركزا مرجعيا للنظر والفعل، وإرادة فاعلة بعمق رؤيتها المعرفية، فالإنتقال من وضع إلى وضع آخر أحسن يرتبط طرديا بحجم وعمق المعرفة المكتسبة، فمارتن هايدجر في هذا الإطار يوضح لنا أن المصادر التاريخية لثقافة ما ومجتمع ما تتحدد سلفا بفهم أوسع لما يحصل في العالم، وتبعا لذلك يكون توجه مجموعة بشرية معينة نحو وجهة بذاتها مرهون بهذا الفهم وحده.
وحتى وإن كان هايدجر يبني رؤيته هذه ضمن مشروعه النقدي الذي تبناه في مؤلفه الهام \"الكون والزمان \" الذي نشره سنة 1927 فإنه لا ينفصل في جانبه الأكثر أهمية عن تلك النتيجة التي حركت الجهد البشري في لحظاته الزمانية العظيمة نحو تنقية الفكر من الشوائب التي جعلته يكبل نفسه بأغلال الوصاية التاريخية وينطلق بحرية نشطة للكشف عن العوائق الإبيستمولوجية الحائلة دون رؤيته لعيوبه المنهجية.
وبالرغم من أن الثورات المعرفية الكبرى في أوروبا منذ القرن الماضي، أحدثت خطا نقديا شديد اللهجة يشكك في الإستناد المفرط لسلطة العقل والعقلانية، ويضع منهج الشك الديكارتي نفسه في موضع شك، من خلال تبلور رؤية معاكسة تعتبر أن الذات في سياق سيطرة العقلانية قد تم إستلابها وجردت من مقومات وجودها الإنساني ، وأنها في حقيقتها هي ذات غير عارفة بذاتها، تتحدد أصلا بالبنيات المختلفة والمتداخلة لجميع الأصعدة النفسية والإجتماعية والإقتصادية، وبناء عليه، تصبح في وجهها ما بعد الحداثي عبارة عن حصيلة للتفاعلات الداخلية والخارجية لها، فإن ذلك كله، لم يلغي الدور المحوري للإنسان في تشكيل المصير، ولم يستبدل العقل والوعي العاقل باللاعقل – وإن كان هذا الأخير لا يلغى من المعنى الإنساني في عمومه - ، إنما سعى النموذج الجديد\" LENOUVEAU PARADIGME\" تحت تأثير التطور الذي عرفه علم الفزياء المعاصر، من حيث إعتبار العالم المادي كما يؤكد أستاذ الفزياء النظرية في جامعة فيينا فريتيوف كابرا، ليس بمنظومة آلية ( ميكانيكية ) من أشياء منفصلة بعضها عن بعض، بل تبدو في الواقع كشبكة معقدة من العلاقات تعتمد على التعالق والتواكل والطبيعة الدينامية للظواهر الفزيائية كلها، أقول، سعى إلى إيجاد مفهوما آخر للعقل يتجاوز المنطق الذي كان سائدا والذي يرى بأن العقل والمادة ينتميان إلى مقولتين منفصلتين، فأصبح ينظر إليهما بوصفهما يمثلان مجرد سمتين للظاهرة نفسها وبهذا إنتفت الثنائيات الميتافزيائيةالتي شكلت التناقض الحداثي بين الجانب العقلي والجانب الروحي.
هذا ما جعل المنظومة الحداثية في طبعتها الجديدة تراجع نفسها ومقولاتها،وتعيد بناء عطاءات فكرها ليتلائم مع المعطيات العصرية والمشاكل التي يواجهها التطور الإنساني اليوم، في محاولة جرئية للبحث عن \" المقصى \" الذي أدى إلى غياب أو تغييب الغايات الإجتماعية والشعورية للمجتمع لصالح غايات إقتصادية صرفة، مما تسبب - على حد تعبير – عالم الإجتماع الفرنسي ألان تورين في كتابه الأخير \" نموذج جديد : من أجل فهم عالم اليوم \" في إكتساح اللاإنساني وما فوق الإنساني لعالم الإنساني، الأمر الذي يجعل العالم بالنسبة للعديد من الأشخاص من دون معنى، وينتج عنه كره الذات والمحيط.
قد يبدو هذا العرض للوهلة الأولى أنه يخط مسارا خاج المسار الذي يفترضه الطرح السالف للسؤال، لكنه في الواقع لا يحيد عنه قيد أنملة، ذلك أننا لا نأخذ بالحقائق التاريخية من حيث مظهرها، إنما – وهذا هو الأساس – نجترح الجوهر الكامن فيها لفهم تحولاتها، وهذا يجعلنا نؤمن بأهمية الدور القيادي للفكر الحامل لمشعل التغيير، ونفهم بأن تعرية الواقع التي تقف عند حدود البكاء لايمكنها أن تصنع المستقبل، والفكر الإنساني بمختلف مشاربه الشرقية والغربية ماكان ليقف بالإنسان في دائرة الحضارة – على اختلاف آرائنا حولها – لو كان سلك سبيلا آخر غير الرغبة في تغيير الواقع من حسن إلى أحسن.
إن نظرة واقيعة لثقافتنا العربية المعاصرة تظهر مدى غورالشرخ الذي أصابها في الصميم، فعلى مدى عقود طويلة لم ننتج في الغالب غير البكائيات، ونادرا ما نجد وسط العويل المتصاعد أصواتا تملك قدرا من إحترام الذات تشكل الإستثناء الذي يخرج عن القاعدة، فالمألوف لدينا أن النخبة هي الفئة أو الطبقة التي تقوم بدور التكوين والتفكير، وحين نقول هذا نعني بأن النخبة يفترض فيها الإدراك الواعي للتاريخ ومساراته والعوامل المؤثرة في تغييره كلية أو وجه من وجوهه، لكن حقائق الواقع تظهر لنا إنقطاع الفكر عندنا عن عالمه، أو فهمه بصورة عكسية، بمعنى أن الطبقة المثقفة أصبحت تجتهد في وضع الفوارق بين الفكر كعملية عقلية إجتهادية والقيادة بوصفها رابطا بين ما هو متخيل وما هو واقعي يخضع لسنن الفعل.
وهكذا أصبحت هذه النخبة تموضع نفسها في خدق معزول، لا تبادر إلى هدم الهوة التي تفصلها عن الجماهير، بل إن الجفاء الحاصل بينهما إزدادت حدته في مطلع هذا القرن، فالجماهير العربية تعتبر أنها تجابه تحديات الواقع من غير نخبة شجاعة ترشدها، والنخبة ترمي بكامل اللوم على الجماهير التي لا تفهمها ولا تقدر عطاءاتها، وفي الوقت الذي أصبحت مشاكلنا لا تأتينا فرادى بل جمعا، نجد الحديث الأكثر إنتشارا هو الحديث المتشح بالحزن و السواد، وهذا يذكرنا برأي – في موضوع آخر – أورده منذ ما يزيد عن خمسين عاما المفكر الأمريكي تشارلز فرنكل في كتابه \" أزمة الأنسان الحديث \" يقول: \" يبدو لي أن الشعور الحالي بالكآبة والقلق تجاه الحياة والكون، وهو وليد فلسفة لما وراء الطبيعة تجعل من الألم والخطيئة، وأسرار الغيب ومرارة الهزيمة، مخططا للكون ومفتاحا للتاريخ هو الذي جمد الخيال الليبرالي وعطله\"، هذا الرأي يتوافق مع الصورة التي تظهر بجلاء ثقافتنا، خاصة منذ الهزيمة التاريخية سنة 1967 ، فمما لا شك فيه أن الفكر العربي قد فقد الخيال المبدع الذي رافقه مع بدايات النهضة والذي كان يمده بإرادة قوية والأمل في تجاوز محنة التخلف الحضاري.
إن العائق الذي يحول دون خروج الفكر من حالة الجمود إلى حالة من الحركة الفاعلة يعود في الأساس إلى تلك النظرة التي نجدها متمركزة في سجله، والتي كانت سندا لأنشط حواراته، إنها نظرة دونية للمجتمع تعتقد بقرب موعد انتهاء صلاحيته تماما كما لو كان سلعة تحكمها قوانين الإهتلاك الإقتصادي، وإنطلاقا من هذا، فهي تبحث عن بديلا آخر من نماذج جاهزة تستبدله بها، لا أن تعمل بما تتيحه لها إمكانياتها لإصلاح ما أفسده ضياع حاضره بين العودة إلى الماضي والذهاب إلى المستقبل، وجلي أن البحث عن مخرج للأزمة المتشعبة التي تدير حياتنا في العالم العربي لا يمكن الوصول إليه عن طريق التصور المتماهي إما في الأنا أو في الآخر، وهذا لسبب بسيط، وهو أن الحاضر العربي يمتلك خصوصية تتشابك فيها التأثيرات الثقافية والغيرية وتراكمات ثقيلة لموروث يمتد إلى العصر الجاهلي .
وزيادة على ذلك، فإن النظرة الدونية للمجتمع ، توحي بالتعالي عليه وتمارس خطابا يجعل أمر تخلفه رغبة ذاتية وليس إكراها له عليه، ويضع الفعل والفاعل والمفعول في سلة واحدة، وعليه، تعطي تلك الخطابات لنفسها الحق في سوط الجميع بنفس القدر، وتغفل في غمرة ذلك أن تراجع طروحاتها وتبحث عن العلة التي حاكت هذا الإٌنقطاع بينها وبين الجماهير من جهة وأدت إلى بقاء المجتمع في حالة سكون وتأزم من جهة أخرى، ومن وجهة نظر شخصية أرى أنه لايمكن أن ننتظر من المجتمع التحرك باتجاه التغيير الحضاري في غياب حقيقي لقيادة فكرية تؤمن أولا بفكرة التغيير كموضوع مرتبط بقابلية دفع ثمن المطالبة بها، وتملك ثانيا بعدا للنظر يمكن على ضوئه القيام بتخطيط جيد يحيد عن الدخول الممل في حقل التجارب.
ـــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب جزائري