- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد مسلم
- الزيارات: 4
دور المثقف في عراق التغيير
الدكتور محمد مسلم الحسيني
بروكسل
من يتابع كتابات بعض الكتّاب وقادة الفكر العراقيين , يجد بأن لهجة الخطاب الفكري العراقي لا تختلف كثيرا عن اللهجة السائدة في الأوساط السياسية والدينية والشعبية على الساحة العراقيّة الغارقة في التناقضات والتباينات الفكرية العارمة . وهذا مايثيرالأنتباه والأستغراب !. أن دور المثقف هذا اليوم , هو أن يكون خارج أتجاه الهوس الجنونيّ العارم الذي يضرب العراق ويهدد حاضره ومستقبله . هذا الهوس الغريب المتمثل بأركانه الشاذة من نعرات طائفية , وتناحرات قومية , وتنابزات قبليّة , ومضاربات حزبيّة , والركض وراء المصلحة الفردية والفئوية , ونفحات العدائية والغوغائية المغرضة , وحب الذات والأنا . أن المثقفين العراقيين اليوم أمام محك تأريخي هام وصعب وربما أهم واصعب من أي وقت مضى . وأن كلّ مايظهره الكاتب من كلمات وأقوال ونزعات وأفكار سوف يسجلها التأريخ ويحاسبه عليها . فيعطي كل ذي حق حقه , ويعاقب كلّ من لا يوفي بواجبه بنزاهة تجاه هذا الوطن وهو يمر في أحلك أوقاته وأزماته .
قبل أن ندعوا شرائح الشعب وفصائله من المسلمين وغير المسلمين, ومن العرب و من غيرالعرب ومن السنة والشيعة والمتدينين والعلمانيين وغيرهم الى نبذ التطرف في التصرف والتفكير وأنتهاج خط الوسطيّة والأعتدال , فنحن ندعوا المثقفين وأصحاب القلم الى أنتهاج هذا الخط أّّولا . أن مصالح البلد وأسباب بقائه , ووحدته وعناصر أزدهاره , ودعائم حاضره ورواسي مستقبله , تتأصل وتهتدي وتتحلى بمنهج الأعتدال ونبذ التطرف . أن درجة التوافق والتلاقي وقوة الوئام والتلاحم بين الشرائح المتباينة في المجتمع العراقي المتناقض أصلا في تركيبته وشكله ومادته , تعتمد أعتمادا كلّيا على شدّة الألتزام وقوة التمسك بهذا المنهج القويم وعدم الخروج عن هذا الخط المقدس الا وهو خط الوسطية والتعقل والأعتدال .
أن أسم العراق هو الرابط المقدس لكل أبناء شعب العراق , ومن يحرص على أسم العراق وديمومته عليه أن يحرص على أسباب بقائه وسلامته . عليه أن ينبذ نزعة التشبث بالرأي الواحد والتعنت في أفكاره وأراداته وعليه أحترام آراء الآخرين وحقوقهم . كما عليه مزج شخصيته في شخصيات الاخرين وزج نفسه بين نفوسهم وأحاسيسه مع أحاسيسهم وطموحاته وأراداته جنبا الى جنب مع طموحات وأرادات الآخرين وليس فوقها أو قبلها . ألاّ يبقى متقوقعا بأفكاره ورؤاه وبنزعاته وغرائزه دون نزعات وغرائز الاخرين . فهنا يكمن دور المثقف الواعي الذي يمر بمخاض عسير في هذه الفترة الصعبة من تأريخ العراق . أذ عليه ألاّ يسلك سلوك السوقة من الناس والأميين , فلم أصبح المثقف مثقفا وندعوه قائدا ومفكرا ومنظرا, أن كان يتطرف في آرائه ورؤاه في وطن يمر في مرحلة خطيرة وصعبة . على صاحب الفكر ألاّ يتصرف تصرف بعض السياسيين الذين همهم كسب الأصوات وتحشيد المؤيدين! . فتراهم يناورون وينادون وينشرون شعارات التطرف الطائفي أو القبلي أو القومي أو الفئوي . فيتأثر بهم الكثير من الناس الذين ينقصهم عمق التفكير وبعد النظر ويفتقدون الى التعقل وحسن الموازنة والدراية والحكمة !. أن هذا المسارالزائغ الذي ينتهجه بعض السياسيين المتطرفين أو بعض الذين يلبسون رداء الدين لتغطية عاهاتهم النفسية وأمراضهم الفئوية ومصالحهم الشخصية الضيّقة , هو مسار شاذ ووعر وخطير وعلى المثقف العراقي الواعي أن يكشفه ويعريه ويبطل آثاره . لا أن يتبناه أو يغازله أوينجرف في تياره المدمر والخطير .
على الطبقة الواعية أن تنتهج منهج الثورة الثقافية المسالمة , حيث تثور على كلّ ما من شأنه أن يمزق النسيج العراقي الموحد ويشتت أوصاله , من نعرات طائفية بخسة وتصرفات صبيانية غير مسؤولة وأعمال أرهابية خسيسة , تهدد سلامة الوطن وتؤثر على أمن المواطن الآمن وأساليب عيشه وأستقراره . كما تنتهك قدسية الدولة الشرعية التي جاءت بأرادات وطموحات الشعب , وبغض النظر عن تحفظاتنا أمام الأخطاء التي يرتكبها بعض السياسيين والنواقص التي نراها من هنا وهناك, فكلّ شيء يهذب ويعالج في وقته ولا يبقى الاّ الصالح والقويم . أن على أصحاب القلم والثقافة أن ينتقدوا وينصحوا وينبهوا على أخطاء السياسيين , ولكن لا أن يحرّضوا ويشجعوا على العنف أو التمرد ومهما كانت الأسباب , خصوصا في ظروف خاصة وحساسة وخطيرة تمر بها البلاد الآن . عليهم أن يثبتوا لغيرهم بأن أختلافات الرؤى والأفكار وتباينات الأهواء والطموحات , يجب أن تصنع مزيجا صلبا نشطا وحيّا تنشأ على أساسه وحدة العراق وعناصر بقائه ولحمته , بدلا من التمزق والتفكك والأنهيار .
أن شعب العراق اليوم هو في أمس الحاجة الى من يواسيه ويمسح من دموعه ويشد من أزره على تحمل المصائب والمحن التي تواجهه في حياته اليومية , لا الى من يغذي فيه التطرف والتذمر والغوغائية والتمرد والعصيان . أنه يحتاج الى من يطفىء في نفسه لهب الحقد والكراهيّة ورفض الآخر وحب الأنتقام , لا الى من يؤجج التناحر والتباعد والتنابز والتضارب في كل الأشياء والأمور . أن دور المثقف الواعي هذا اليوم دور هام ومقدّس , فدوره هو كدور الأب الرحيم أمام أبنائه , ودور الأم الحنون أمام أطفالها, ودور المعلم الحكيم أمام طلابه , ودور القائد الحريص على حياة جنوده . أو كدور صاحب الأمانة حيال أمانته , فكلمة العدل والحق والنزاهة والأعتدال , أمانة في قلمه وفي أعماق ذاته . عليه أن يحسن ردّها وتسليمها الى قرّائه والمتأثرين فيه بأبهى صورها وأحسن مردوداتها وأعمق معانيها , حتى تأتي أوكلها وتؤدي دورها التأريخي الخالد.. , فيكسب المثقف عندها مرضاة ربّه.... ووطنه.... والضمير.... .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د.عصام شاور
- الزيارات: 5
" الشعب مصدر السلطات " وتصحيح لبعض المفاهيم
د.عصام شاور _ كاتب فلسطيني
" الشعب مصدر السلطات " مقطع مبتور لإحدى مواد الدستور الفلسطيني , تستغل استغلالا غير مناسب من قبل البعض لتحقيق أغراض خاصة لا تتوافق ومصلحة الشعب الفلسطيني .
المادة الثانية من القانون الأساسي الفلسطيني تنص على أن "الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي." , وكما هو واضح فقد بينت المادة أن الشعب هو مصدر السلطات , وقد حددت ما هي السلطات التي يعنيها القانون , فليس هناك سوى سلطات ثلاثة , تشريعية وتنفيذية وقضائية , ومن خلال ذلك يمارس الشعب سلطاته , فأعضاء المجلس التشريعي هم من الشعب ويمارسون سلطتهم التشريعية التي بينها القانون , وكذلك الأمر بالنسبة لأعضاء الحكومة الذين هم أيضا من الشعب ويمارسون سلطتهم التنفيذية وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة القضائية .
إن من يرفع شعار " الشعب مصدر السلطات " في وجه الرئاسة أو الحكومة أو النواب فكأنما ينفي انتساب من ذكرناهم إلى الشعب الفلسطيني , وهذا دليل جهالة أو ما شابه , فالقانون واضح أيما وضوح وليس بحاجة إلى عباقرة لتفسيره , والفهم الخاطئ للقانون هو ما جعل البعض_ ومنهم من يدعي الاختصاص في القانون _بان يردد تلك المقولة , وكما ذكرت فأعضاء الحكومة والتشريعي ليسوا من كوكب آخر أو دولة أخرى , كما انه ليس من المنطق أن تجعل الأمور في أيدي عامة الشعب ليفعل كل فرد ما بدا له متحللا من كل نظام وقانون ليصبح المجتمع غابة تعمها الفوضى والفلتان كما يحدث في أيامنا هذه , كما أن للشعب حق الاحتجاج والاعتراض على ممارسات السلطات الثلاثة بطرق حددها القانون الفلسطيني تحت بند حرية الرأي ولكن ضمن القانون (مادة 19 ) وليس فيه أي إشارة إلى ما يسمى بالاستفتاء , وحرية الرأي تختلف عن الحرية المطلقة غير المنضبطة والتي هي أساس كل الشرور التي يعاني منها الشعب الفلسطيني .
وهناك من يقول أن رئيس السلطة هو المسئول عن الشعب, لأنه اقسم على أن يكون مخلصا للوطن وان يرعى مصالح الشعب الفلسطيني رعاية كاملة , وهذا أمر صحيح ولكن هذا القسم لا يخول رئيس السلطة أن يتجاوز صلاحياته التي منحها له القانون وحددها بدقة,والتي ليس من ضمنها حق حل المجلس التشريعي أو الدعوة لانتخابات مبكرة أو ما شابه , كما أن أداء القسم للوزراء هو نفسه للرئيس وهو ما ورد في المادة (52) , وكذلك فان أعضاء المجلس التشريعي يقسمون بقسم مشابه , ولا اعلم كيف للبعض أن يستنبط مثل تلك الأحكام حسب هواه و دون الاطلاع على باقي المواد .
والأمر الأخير هو منظمة التحرير الفلسطينية , تلك المؤسسة التي لا ينكر احد دورها النضالي في مرحلة من المراحل , والتي تحت مظلتها استشهد في سبيل تحرير فلسطين الآلاف من أبناء شعبنا , فقد كان للمنظمة دور متميز في مقارعة الصهاينة من خلال العمليات التي نفذتها فصائلها , ولكن منظمة التحرير عانت من انقسامات داخلية حادة بعد الاعتراف بإسرائيل , فهناك تيار رافض للاعتراف وتيار آخر معه , وهذا ما أدى إلى محاولة تهميش المنظمة إلى أقصى الحدود من قبل من أصبحوا في إطار السلطة الفلسطينية , وللتدليل على ذلك اكتفي بخطاب الرئيس الراحل أبو عمار في هذا الشأن .
فبتاريخ 29_10_2002 ألقى الرئيس الراحل أبو عمار خطابا أمام المجلس التشريعي واعتبر حينها خطابا تاريخيا وقد وضح فيه نقاطا أهمها :
أولا: إن الفلسطينيين قد مروا بعدة مراحل أولها مرحلة الطليعة ثم الحركة الثورية الكبيرة ثم مرحلة السلطة الوطنية بانتظار مرحلة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. أي أن السلطة هي مرحلة قائمة بذاتها وليست تابعة لشيء بل هي تطور لمرحلة الثورة .
ثانيا : إن القيادة الفلسطينية هي القيادة التي انتخبها الشعب الفلسطيني , والمتمثلة بنواب المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينية إضافة إلى رئيس السلطة وان العنصر الأساسي في تحديد أهداف الإصلاح هو انبثاقها من الاختيار الشعبي الحر من خلال الانتخابات والقرارات والمناهج والدستور والتشريع الفلسطيني. وحسب هذا القول فلم يعترف الرئيس الفلسطيني بقادة آخرين .
ثالثا : إن أعضاء المجلس التشريعي هم أصحاب مسؤولية التشريع في وطننا، يضعون القوانين ويعتمدون الميزانية ويراقبون التنفيذ . يعتمدون الوزارات ويساعدون بالأسس لحكم القضاء العادل في إطار نظام أساسي معتمد يحدد أسس فصل السلطات وتعاونها .
هذا ما قاله الراحل أبو عمار في خطابه ولم يتطرق إلى منظمة التحرير أو إلى اللجنة التنفيذية أو أي شيء من هذا القبيل كما انه لم يرد أي ذكر لمنظمة التحرير الفلسطينية في الدستور الفلسطيني المعدل .
ومن هنا فأننا نستغرب أن تصر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن تتدخل في شؤون الرئاسة والحكومة والنواب , فاللجنة التنفيذية حسب أبو عمار لا تمثل القيادة الفلسطينية وهي حسب النظام الداخلي لمنظمة التحرير ليست شرعية من ناحية انتهاء مدتها الدستورية ومن ناحية فقدانها لثلث أعضائها , كما أن فيها من العناصر من يستحق المحاسبة لتفريطه بحقوق الشعب الفلسطيني ولتنازله عن حق العودة , وان كان هناك إصرار على تدخل المنظمة فلا مانع ولكن بعد إصلاحها وإعادة تأهيلها كما هو متفق عليه بالإجماع في اتفاق القاهرة .
و بعيدا عن القوانين الوضعية والاجتهادات البشرية والتفسير والتعليل والتوضيح , فان الدم الفلسطيني محرم سفكه , وان كل كلمة من شأنها زيادة التوتير والتحريض هي جريمة في حق الشعب الفلسطيني , فكلنا مستهدف في هذا الوطن وعلينا التمسك بوحدتنا وبثوابتنا وبحقوقنا , وهناك خطوط حمراء لا ينبغي الإمعان في تجاوزها , فعدو حماس هم اليهود, وعدو فتح هم اليهود , وعدو كل الشعب الفلسطيني هم اليهود , وكارثة إن غابت عنا تلك الحقيقة .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سوسن البرغوتي
- الزيارات: 4
المراوغون وجحور الأفاعي
سوسن البرغوتي
لم تأتِ تحركات القوى الشعبية وقوى المقاومة من فراغ، وليست حدثاً يبرز اليوم، لكنها فعل تراكم ضاغط منذ سنوات، وبسبب ظهور وجوه عربية تحت أقنعة صُنعت برعاية أمريكية- صهيونية لها جولات وخبرات في أمور وفنون الفساد والانحراف، والوقوف سداً مانعاً أمام مصلحة البلد والعباد.
إن أكثر الملفات سخونة في وطننا العربي ثلاثة: في لبنان المحتل بسطوة السفير الأمريكي وتابعيه من الشخصيات اللبنانية الساقطة وطنياً، وفي فلسطين وما يعانيه الشعب الفلسطيني من موت وقهر وجوع بفعل التخريب السلطوي، وفي الوضع المأساوي للشعب العراقي وتركيبة الحكومة العراقية وقدرتها غير المفهومة استقلالياً بوجود الاحتلال الأمريكي.
هذا الثالوث المصائبي ينذر بحروب أهلية في تلك الدول، وهو صدام عنيف بين مطالب الشعب بالتحرر من القيود والوصاية الأمريكية، وبين أنصار وأتباع "إسرائيكا" العظمى.
من الواضح أن الاجتماعات والتعبئة العسكرية في مليشيات جعجع ودحلان والحكيم، سيقود إلى جرّ الأمور نحو الانفجار المتوقع في أي لحظة، وما الاستفزازات السلطوية خلال مسيرات منظمة في غزة إلا مقدمة لتصعيد مستقبلي، وبموافقة من الرئاسة العباسية، كما التصعيد نحو المواجهة في حكومة البكّاء السنيورة، وشهاب الدين أضعف من أخيه، مما زاد الطين بلّة كحركة تمويه تسعى لتدخل أمريكي-"إسرائيلي" مباشر بالشأن الداخلي للبلدين.
هذه الملفات وفّرت الفرصة لاحتلال العراق، وتغلغل قوات دولية لخرق سيادة لبنان، والضغط على سوريا للقبول بالشروط "الاستسلامية"، والتغافل مؤقتاً على قمع الشعب في مصر.
الجبهة الفلسطينية مفككة وغير متماسكة كما ينبغي، وهي لا تمثل لونا واحداً، وليست متوافقة على القرار الوطني. فقد ظهرت قوة جديدة ثالثة بعد استلام حماس الحكومة، ولم يكن لها وجود قبل ذلك على مستوى التفاعل مع الواقع الفلسطيني السياسي، وظهورها التفاعلي المفاجىء، يعمل على عرقلة سير عمل الحكومة منذ اليوم الأول، وهذه القوة لم تعمل من أجل التهدئة الفلسطينية بقدر ما تريد لفت النظر إلى أن هناك قوة ثالثة في الشارع الفلسطيني، وبدوري أسأل أين كانت تلك القوّة منذ 12 عاماً، ولماذا لم تواجه تحكّم فتح بالسلطة والمال والتنازلات، وأين كان المجلس التشريعي وقتذاك، والسرقات والمفاوضات بالتنازل عن الثوابت لم يتوقف للحظة منذ وطئت سلطة أوسلو أرض فلسطين، ولماذا بعد أن أرادت حماس المشاركة في صنع القرار السياسي الفلسطيني لتغيير مسار جملة تداعيات، أصبح لكل من تستهويه مصالحه الخاصة أن يدلي بدلوه؟.
حماس لم تحاول الاستفراد بتوجيه دفة الأمور، بل دعت إلى تشكيل حكومة وطنية، والجميع يذكر كيف وقف أعضاء المجلس التشريعي المنتميين لفتح، وأعلنوا أنهم لن يشاركوا في حكومة وطنية، ودحلان تحدى من تسوّل له نفسه من أعضاء فتح الموافقة على المشاركة في حكومة الوحدة، ثم إن الجبهة الشعبية رفعت صوتها فجأة بعد أن غفت طوال مرحلة الحكم الفتحاوي للسلطة والمنظمة، لتعترض على رفض حماس بالانضمام إلى منظمة التحرير بشكلها الحالي، تلك المنظمة التي أعلنت موافقتها على وثيقة الاستقلال بالاعتراف بـ"إسرائيل"، وبكل اتفاقيات الطرف المذبوح بالتنازل عن فلسطين الـ 48، واختصارها بالمطالبة بالضفة الغربية والقطاع..
الخلاف الجوهري هو في رفض المقاومة ما وصلت إليه قضيتنا من مهالك.. فهل حقاً كان الحصار بسبب حماس، أم أنه مرتب ومجهز لتفكيك أقوى مقاوم فلسطيني يرفض التطبيع والتصهين؟. لماذا ابتعدنا عن لب المشكلة، واكتفينا بالقول بأن الصراع بين فتح وحماس، بينما الصراع الحقيقي بين استمرار نهج تسووي أثبت عقمه في الوصول إلى حل عادل، وبين قلب الموازين لصالح القضية بشكل عام، والوضع الفلسطيني بشكل خاص.
على مدى 12 عاماً، لم نسمع صوتاً أو تحركاً جماعياً فاعلاً من غزة أو الضفة يطالب بوقف السرقة العلنية للمال الفلسطيني والفساد، بل تم تنصيب عباس كرئيس لسلطة محلية لا تحكم على الزبالة والكناسة، ثم ها هو اليوم يعلن أنه رئيس لكل الفلسطينيين!. فهل نسأل من انتخب عراب أوسلو من فلسطينيي الشتات، والمطبل والمزمر العلني لتيار مستقبل أمريكي-صهيوني في الثالوث الملتهب؟.
ليكن الرد على بعض حاملي شعار نزعة التفرقة، إن فلسطينيي الشتات كساكن أجواء تختلف عن الواقع الفلسطيني الداخلي، وهذا ما يصرح به بعض أشاوس السلطة وزرعوه بيننا كشعب واحد، علماً أن أكثر الجوقة الحاكمة أتت من المنافي، ولكن بفارق واحد فقد أتت على ظهر دبابات "إسرائيلية" وعلى ظهر اتفاقية تقبل بالعدو على أنه جار له الحق في امتلاك أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين، بما فيها القدس الشرقية، وكاذبون ولو صرحوا عن مطالب حق العودة والقدس، فهل دعاويهم صادقة، والمسجد الأقصى يبنى تحته "هيكلهم"الجديد، وضمّها إلى الكيان الصهيوني، بدليل حصول الفلسطينيين في المدينة على هوية وحق المواطنة "الإسرائيلية"، فكيف والحال هذه يمكن أن يطبق حق العودة على من هو صفدي أو حيفاوي أو من هو من دير ياسين مثلاً؟.
وبدل المناكفات والرفض للاقتراحات واستصدار القرارات، يجب تشكيل فرقة سياسية وطنية تعمل كمراقب على التجاوزات السلطوية، ولعودة المال الفلسطيني، والقضاء على الفساد نهائيا، المصادر الأول للمال والرواتب.
حلّ السلطة والحكومة هو الحل الأمثل، والترتيب قبل ذلك لحكومة فلسطينية ثورية مؤقتة، تنهي حالة العمالة الفلسطينية، وهو أهم بند يجب أن توجه له الجهود الوطنية لأنه العائق بجدارة أمام فعل المقاومة والنضال الفلسطيني، ولأنه يشكل نهج "إسرائيلي" يعمل على تطهير أرض فلسطين من شعبها بالاقتتال الداخلي تارة، وتناوب الأدوار مع العدو تارة أخرى، ليكمل على باقي الشعب.
أما فلسطينيي الشتات، فهم مبعدون تماماً من المشاركة في الانتخابات والترشيح كون الموضوع داخلي، والمنظمة التابعة لفتح وقيادتها، لا تمثل بأي شكل صوت أي فلسطيني بالخارج، اللهم إلا من باع الأرض والقضية من أجل مصالحه الخاصة.
عندما نطرح موضوع وقوف الجميع أمام شعبهم ومصلحته الوطنية العليا، بدل الذهاب إلى انتخابات مبكرة، نفترض أن هناك خلفية بالسلطة تعمل فعلا لمصلحة القضية الفلسطينية، وكأننا ننفخ بقربة مقطوعة، فهل دحلان وجمال نزال وعبد الرحمن والأحمد وقريع وشعث ورجوب والقائمة تطول، وعلى رأسهم عباس معنيون بالمصلحة الفلسطينية،وهل انتشار القوات الأمنية التابعة لغزة هي من أجل ضبط الأمن، أم تصعيد المواجهة الفلسطينية- الفلسطينية،وأين كانت تلك القوة خلال الاعتداءات على بيت حانون وجباليا،أم أن المذابح الصهيونية لا تعني الأمن الفلسطيني من قريب أو بعيد؟!.
قد يكون هناك مطالبون باستفتاء شامل للشعب الفلسطيني بأكمله، على أساس عدم التفريط وجبّ كل الاتفاقيات السابقة، وعلى أساس المصلحة الفلسطينية فوق كل اعتبار، ولكن من يضمن عدم تلاعب وشراء الأصوات لصالح تيار القبول بدويلة هزلية مقابل خلع كرامتنا وهويتنا ووجودنا؟!.
الشارع الفلسطيني انقسم بحالة من الفوضى على جميع الأصعدة، بين من يتمسك بفلسطين الجغرافية والتاريخية، وبين من يقبل بالتفريط والتنازل، إذن ما جدوى المشاركة باللجوء إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى بعد أن قال الشعب كلمته وكفى؟!. لقد قال الاقتراع كلمته، وأضاعوا الوقت والمال والجهد، واستفادت "إسرائيل" من الوقت المستقطع بالانتخابات التشريعية، وظهرت النتيجة، ولم ينقضِ بعد عام على الانتخابات، أم أن لعبة الانتخابات هي البديل لإشغال الشعب الفلسطيني عن ما هو أهم!؟.
فرق كبير بين أن نخاطب ابن الشارع البسيط والمضلل، والذي لا يعرف شيئاً عن سارقي قوته اليومي، والرواتب تدفع ولم يتبقَ غير قسم بسيط خاص بقوات الأمن، وبين ما نراه من زعرنات فرق الموت من تخريب وتدمير للمجلس التشريعي، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية سعيد صيام، بحجة الرواتب، فهل قضيتنا اختصرت على هؤلاء "الزعران"؟، ليشهد العالم ويتصور بالتعميم أن الشعب الفلسطيني رغم تقديمه الدم، يقتل ويفتك بأهله من أجل الرواتب.. ألا يقودنا هذا إلى إفساد متعمد من قبل السلطة لأجهزتها، المفترض أنهم في صف المواجهة الأول؟.
الحالة الفلسطينية متفردة، رغم أنها لم تعد تختلف عن الملف العراقي، كون أنهما بلدان محتلان بشكل مباشر، ولكن الاختلاف في التيار الذي يدعم النضال والمقاومة ويقدم دليلا على دعمه بإدخال أموال لدفع رواتب الناس قيل أنهم سارقون ومهربون، بينما حكومة العراق تعمل بإرادة أمريكية، والمقاومة ليست معنية بالسجال والقبول بالدخول في النفق السياسي.
أزمة التجويع والحصار سببها ومسببها السلطة، وأموال الشعب الفلسطيني ترتع في البنوك الخارجية أو مصادرة من قبل السلطة. لست حمساوية، ولكنني ضد نهج شلة أوسلو التي أوصلتنا إلى هذا الوضع،ومع المقاومة والثوابت الوطنية، والحل الوحيد هو قلب الطاولة على تيار "إسرائيكا" وأدواته، والإسراع بحركة عصيان مدني ومظاهرات تُسقط رأس الأفعى السلطوية.
أما لماذا هو بالذات؟، أقول لو ندقق أكثر النظر إلى مشروع قناة البحرين نتصور وكأن فلسطين دولة، أليست مفارقة عجيبة؟.قبل أن نصبح دولة لها سيادة نقيم المشاريع التجارية المبطنة بتمرير النفط العراقي عبر مشروع حفر قناة تحت البحرين لاستبعاد الموانئ السورية تمهيداً لتقوية الحصار الاقتصادي عليها، إذا لم تخضع لإرادة القطب الأوحد، وفي حال استطاعت المعارضة اللبنانية إسقاط حكومة السنيورة، سيصبح لبنان من المغضوب عليهم، ووفقاً لهذا يتم تحويل النفط العراقي عبر الأردن و "إسرائيل" إلى البحر الأحمر، ثم عبر باب المندب، دون اللجوء إلى الموانئ الخليجية، خوفاً من سيطرة إيران على مضيق هرمز، وبحجة تكرير مياه بحر نسبة الملح تفوق معامل التكرير وتفوق قدرة أموال طائلة لاستخراج مياه جوفية أو تكرير مياه نهر الأردن، لتُستقطع لاحقاً من ضرائب مصلحة المياه الأردنية والفلسطينية، وفي نهاية المطاف تتحكم "إسرائيل" بمياه الأردن وفلسطين، وفي نفط العراق، ولم ننس بعد تجربة الأردن وحكاية المياه غير الصالحة للاستعمال الآدمي التي وهبتها "إسرائيل" منّة للأردن.
أمر يدعو للسخرية حقاً، فهل نحن على هذا القدر من البلاهة والسذاجة لقبول الارتماء بأحضان "إسرائيل" مرات أخرى وبوسائل استعمارية جديدة،وهل يُلدغ من كان مؤمناً من جحرٍ مرات ومرات؟.المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، لكن المراوغ والمناور يقبل أن يلدغ ألف مرة ومرة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 6
أحزابنا والوعى المفقود
سيد يوسف
فى مصر- وفى بعض بلداننا العربية - أحزاب سياسية متعددة يصعب على جَمْعٍ من المثقفين أن يذكروا اسمها - لا جهلا وإنما- لأن بعض تلك الأحزاب لا وجود له إلا عبر بعض الوريقات أقصد الصحف، وبعضها الآخر لا تمثيل له أساسا فى المجالس النيابية، وبعضها يعيش على ذكرى الماضى الذى لن يعود حيث عجزت أن تطور من نفسها بحيث تتخلص من تلك العقلية الحزبية التى صاحبت نشأتها فليس من المعقول أن ما ناسب مراحل النشأة الأولى أن يمتد ليكون هو السمة الرئيسة عند نضج تلك الأحزاب إن كان ثمة نضج حقيقى .
ونقصد بالعقلية الحزبية طريقة من التفكير تنغلق على نفسها وتحرم نفسها من الإفادة مما لدى غيرها من أفكار ورؤى، والاعتماد الفكرى على إنتاجها الخاص مما يؤدى بها إلى التسطيح وقلة النضج وما يستتبع ذلك من نتائج مثل غياب لغة الحوار وشيوع ثقافة الإقصاء والتبرير، وسوء قراءة الواقع السياسى، والاجتهاد المغلوط والمرجوح لقضايا المجتمع المعاصر، والعيش فى إطار الماضى ألفاظا وإنتاجا وثقافة .
ومن ثم لم يعد مستغربا أن نجد لدى بعض تلك الأحزاب بعض الآفات التى تحتاج إلى وقفة مع النفس للتقويم من ذلك مثلا : الاعتماد على الرصيد البشرى أكثر من الاعتماد على الرصيد الفكرى، وشيوع ثقافة التبرير للأخطاء التى تقع فيها بدعوى حماية الصف الداخلى، وتفشى ظهور الزعامات ومن ثم الانقسامات إلى جماعات وأحزاب منبثقة عن الأحزاب ومولودة من رحم حزب أم....ومن ثم الانحراف بالغاية الحزبية من نشر الوعى الثقافى والسياسى والحزبى ومعالجة شئون المجتمع إلى الصراع مع الآخرين واتهامهم والحكم عليهم بالتخوين والعمالة ولا مانع لديهم من استخدام مفردات لم تعد مستخدمة فى الوقت الحاضر ولا عجب فقد انغلقت على نفسها منذ عشرات السنين!!
فضلا عن ضعف بنية الأفراد داخل الحزب سواء البنية الفكرية أو التربية الحزبية فنرى فى كثير من أبناء الحزب بعض الآفات التى تدل على غياب النضج والوعى الحزبى مثل: الميل للعنف، قابلية تصديق الشبهات، تغليب الجانب اللفظى والجدلى عن الجانب العملى والحركى، ضعف استيعاب عناصر جديدة، الفشل فى تحقيق التواجد بالشارع، الحساسية للنقد، التنافس غير الشريف مع الآخرين، ظهور الشللية والجيوب داخل الصف الحزبى، وتوتر العلاقة مع مسئولى العمل الحزبى سواء المباشرين أو غير المباشرين، أخرى.
فى فلسطين نموذج
ولا شك أن نتائج ذلك خطيرة سواء على الحياة السياسية أو حتى على الحاضر الفكرى والثقافى الذى تعيشه أمتنا من ذلك مثلا : موت الحياة الحزبية أساسا وتقاتل بعض الأفراد وتنافسهم اللاشريف تحت دعوى صراعات الأحزاب ومن ثم تفرز تلك الصراعات ثقافة الطغيان لا سيما لدى الحزب الحاكم الذى لا يعرف عمليا مبدأ تداول السلطة حتى بتنا نرى أن فتح تمتن أنها أجرت انتخابات نزيهة فى فلسطين أودت بفتح وأنتجت حماس لكنها منة محسوبة عليها لا لها فضلا عن أنها لم تستكمل فضلها فباتت كمن كان ينفذ مخططا ما، والنيات عند الله، وما مصر- وغيرها- عن فلسطين ببعيد!
واقعنا العربى
واقعنا العربى يقول إن أحزابنا غاية، والأصل أن تكون تلك الأحزاب وسيلة لتداول السلطات والحد من الطغيان السياسى، ونواة للتربية السياسية السليمة لدى أفراد الشعب لكنها – يا للأسف- صارت عبئا على الوطن فى كثير من المناطق فممارساتها الداخلية ( من ديمقراطية وتداول طبيعي لرؤساء الأحزاب مثلا) تنم عن مستقبل غامض وان شئت الدقة فقل هى عوائق للنمو الاقتصادي بعجزها وإفلاسها الفكري ومن ثم باتت تشكل عائقا أمام الوعى الثقافي ففاقد الشيء لا يعطيه، وليت هذا فحسب بل لقد صارت كثير من تلك الأحزاب هى ديكورات توارى سوءة الأنظمة المستبدة كما فى مصر وغيرها .
كيف الخلاص؟
إن مناخ الحرية يفرز بيئة تقاوم الطغيان تلقائيا، وبيئة الفساد والطغيان تجعل بعض الأفراد يستمرئون ذلك المناخ، ومن ثم بات مطلبا ملحا العمل على إيجاد الفرد الحر عبر وسائل عدة منها الأسرة، والمدرسة، ووسائط المجتمع المتعددة، وإعادة النظر فى وسائل/ وأهداف التربية عندنا بدء من الأسرة ومرورا بوسائط التربية الأخرى.
والفرد هو نواة التغيير وحيثما وُجدتْ النواة الصالحة تهيأت الظروف للنجاح، ولحركات ومنظمات المجتمع المدنى دور لا ينبغى إهماله أو الحط من شأنه مهما بدا ضعيفا فى المرحلة الراهنة.
وكم أرجو أن تتجه جهود كثير من الفاقهين نحو إثارة وعى قومنا وإعادة إنتاج بنية أفراده من جديد بحيث تتشكل ملامح الإنتاج على قواعد الحرية واحترام بنيان الله فى الأرض ( الإنسان)
احتراما يعلم صاحبه حين يبحث عن حقه(الحرية مثلا) أن لكل حق واجب يقابله(كاحترام حرية الآخرين ) وهكذا.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد البقاش
- الزيارات: 4
الشعر ما كان ديوان العرب ولن يكون أبدا
محمد البقاش
الشعر ليس ديوان العرب . الشعر ديوان عرب معلومين في التاريخ . ليس للعرب بعد أي ديوان ، وسيكون لهم ديوان مستقبلا ، ولكنه لن يكون شعرا .
القول بأن الشعر ديوان العرب يقضي بسريان التتويج في كل وقت وحين ، يقضي بجعله قائما في جميع العصور، بارزا في جميع الأزمنة، وهذا غير مطابق للواقع .
صحيح أن الشعر قد اقتعد أعلى القمم في كلام العرب، ولكنه اقتعدها في الماضي . فالقرنان الأخيران للعصر الجاهلي كانت فيه اللغة العربية في أعلى مراتبها، وكان الشعر يمثل قمة البلاغة والفصاحة والبيان حينها، وإلى جانبه كان هناك نثر لا يقل روعة وسموقا عنه، نثر راق يتمثله العرب في كلامهم غير المنظوم، انحسر كله في لهجة قريش التي أخذت من كل اللهجات فسادت في وسط العرب، وكان إلى جانب شعرهم نثر الخطابة والرسالة الشفهية ..
في خضم هذا ظهر نثر جديد متميز عن الشعر؛ وهو غير معقول، إذ كان يجب أن يكون من جنس الشعر ، وليس من جنس النثر، وهو ما لم يكن، الأمر يتعلق بالقرآن العظيم، فدل ذلك أولا على أن اللغة العربية لن يتوج فيها جنس كلامي من جنس الشعر، بل يجب أن يكون من جنس النثر؛ وقد كان ذلك متمثلا في القرآن الكريم فحق أن يكون القرآن ديوانهم؛ لأنه نثر يوماوي يذهب فيه الناس ويأتي آخرون وهو هو باق، غير أن الأمر شاذ بسبب كون القرآن ليس من كلامهم ، وحتى القول ببشريته ليجعله منهم وإليهم ولو انحسر في شخص محمد؛ لأنه عربي ينوب عنهم، لا يستقيم، لأنه قد دل العقل على كونه ليس كلامهم، ولا كلام محمد، ولن يكون كلام بشر وهذا موضوع آخر، فتأكد بما لايدع مجالا الشك أن القرآن ليس اختراعا عربيا، أو تأليفا بشريا، فقضى ذلك ألا يكون ديوانهم ماداموا لم يخلقوه أو يبتدعوه، كما قضى منطقيا أن يبحثوا عن ديوان لهم في النثر، وليس في الشعر، يبحثوا عن جنس كلامي يخترعونه ولا يعمر مئات السنين ؛ أو آلاف السنين ، بل يثبت في عليينه ثباتا مادامت السموات والأرض حتى يكون بحق ديوانهم، قضى ذلك أن يأتوا بكلام
يومـاوي يظل يوماويا لجنس البشر ، ومن البشر العرب حتى يكون بحق ديوانهم، وهو لحد الآن غير موجود .
في القرنين الأخيرين للعصر الجاهلي، وفي صدر الإسلام، ثم القرون التي تلته بالعصر الأموي والعباسي ظل الشعر فعلا ديوان عرب، ديوان أولئك العرب، لأنه كان مناط التتويج، وعمر بعد ذلك ولم يزل، ولكن على شكل منحسر في أفراد، وحتى لو صار محل اهتمام الجماعات والمجموعات الناطقة بالعربية ، وبنفس الصورة القديمة اليوم، أو أرقى منها، فلن يكون مع ذلك ديوان العرب بأل التعريف .
ديوان العرب يجب أن يكون نثرا، وليس شعرا، ودليلي على ذلك باستقراء عقلي لنثر موجود بيننا وهو القرآن الكريم الذي لو علم الله تعالى بقدرة الشعر على الإحاطة بجميع المعاني لجعل كلامه شعرا ، وليس نثرا ، لجعله من جنس الشعر ، وليس مـن جنس النثـر ، ولكان شعرا متميـزا لن يقدر أحد على الإتيان بمثله ، مثله مثل القرآن بنثره، لو ..
ولكن الله تعالى لعلمه بما تقدم وما تأخر قضى أن يكون كلامه نثرا، وليس
شعـرا، قضى أن يكون من جنس النثر، فكان كلاما عربيا بحكمة إنسانية، وليس بحكمة عربية . كان كلامه بلغة وضعها البشر، ثم عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن، أو بسورة مثله؛ وهو غير معقول عقلا كما ورد في الممدرية (في النظرية والتقنية) ولكنه كائن فعلا وواقعا، فكان ذلك بحثا آخر يقودنا إلى الإعجاز، وهو ليس موضوعنا .
أقول : بما أن القرآن الكريم قد بز الشعر ، وبز جميع أنواع النثر وهو نثر من نوع خاص ، فإن ديوان العرب يجب أن يكون نثرا محاكاة للقرآن العظيم ؛ يستظل بظله ، ويتعلق بحياته ..
هذا النثر قد جرت محاولات عديدة لإيجاده مثل المقامات ، وقد صعدت سلم الإبداع درجة مرموقة لم تبلغها الرواية مثلا ، ولن تبلغها ؛ لأنها ليست من خلق العرب وإبداعهم حتى تكون ديوانهم ..
وعند استقرائي لأنواع وأجناس كثيرة من النثر تبين لي أن النثر الذي سيتوج ديوانا للعرب عبر العصور القادمة ، عبر التلبس باليوماوية والممدرية سيكون سردا، والسبب في ذلك أن السرد يكاد يكون طبيعة إنسانية، بل هو كذلك من جهة الخلق وليس الخلق، إذ لا غنى للإنسان عنه، وهو نتاج التجمع الإنساني ، وعليه يمكن القول أن ديوان العرب يجب أن يكون سردا ، كما يمكن القول أيضا أن ديوان أي شعب أو أمة يجب أن يكون سردا ؛ لأن هذا الأخير كما أسلفنا حاجة إنسانية أساسية في حياتها الاجتماعية ، فوجب أن تظهر دواوين الشعوب والأمم بلغتها في نثرها ، وليس في شعرها .
هذه هي البداية . ثم ماذا بعد ذلك ؟
بعد ذلك :
أولا : اختيار جنس سردي موجود في تاريخنا بشرط أن يكون عربيا خالصا .
ثانيا : اختراع جنس جديد نراعي فيه حياته الجنسية ( أي نراعي فيه كونه يحيا مع الجنس البشري وليس مع فرد بعينه ) حتى إذا مات الإنسان ذهب معه جنسه ، ولكن الجنس الإنسـاني يظل معمرا هذه الأرض بحكم غريزة البقاء ، وعليه يجب أن يظل مع الجنس الإنساني ، وربما يصطحبه معه إلى آخرته ..
ثالثا : البحث في السرد القرآني عن منارات تنير طريقنا نحو خلق جنس سردي يحاكي القرآن الكريم في حياته مع البشرية ، يقلده من حيث جعل الجنس لكل زمان ومكان، جعله يوماويا من حيث الخلق والإيجاد مع أهمية غيره بدرجات ..
رابعا : ركوب الممدرية في خلقها لأجناس متميزة قد تتطور فتصبح فعلا ديوان العرب ، ربما يتعلق الأمر بالقصة الظليلة أو غيرها .
هذه نظرة متطلعة إلى التتويج ، وسؤال عن الجنس والنوع ، ولكن التاج لم يصغه الصائغ المبدع بعد .
.. ترى هل يظهر ذلك في الممدرية ؟
--------------------
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 4
مستقبل الإسلام السياسى والحركات الإسلامية
سيد يوسف
تمهيد
عادة ما يحكم العقل فى ما يتعاطاه من أمور وفقا لمناهج عدة أشهرها منهج الاستقراء، ومنهج الاستنباط ، ونقصد بمنهج الاستنباط تلك الطريقة من التفكير التى بموجبها يحكم العقل فى قضية ما بناء على قانون سابق فهو عقل محكوم دائما بأصل يقيس عليه أو بنص ما فهو دائما فرع لأصل، يدور في إطار سابق، وهو ينتقل من القاعدة السابقة إلى إثبات المشاهدة أو التجربة، ويصلح هذا المنهج فى قضايا التشريع والحلال والحرام وفى الأمور التى تتعلق بالغيب ككون أن المستقبل لهذا الدين كما سنرى لاحقا.
ونقصد بمنهج الاستقراء تلك الطريقة من التفكير التى بموجبها يحكم العقل فى قضية ما بناء على التجربة والمشاهدة ومن ثم ينتقل من التجربة إلى صياغة القاعدة ، فهو منهج يحرر العقل من القيود المسبقة أو المثال ، ويصلح هذا المنهج فى الكشف عن قوانين السير فى الأرض، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة أوفقه الحياة من علوم مادية وكشف حضارى سواء فى مجال العلوم الاجتماعية أو التربوية أو العلمية .
حتى لا يتشنج بعضهم
كانت هذى مقدمة لازمة حتى لا يتشنج الذين يموتون غيظا حين نسوق إليهم نصوص الدين للتدليل على أن المستقبل لهذا الدين - متهمين غيرهم بممارسة الإرهاب الفكرى، وهى تهمة
ها هنا تنم عن جهل عريض- كما فى قوله تعالى:
* (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ) الروم 47
* (هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) التوبة 33
* (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ) النور 55
* (ألا إن نصر الله قريب ) البقرة 214
* (إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) آل عمران 160)
وفي القرآن تأكيدات أخر بأن المستقبل لدين الإسلام فالمصدر محفوظ بحفظ الله، باق أبد الدهر(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر9
ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة قوله :
* « ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزاً يعز الله به الإسلام ، وذلاً يذل الله به الكفر » .
* « لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر : يا مسلم يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود ».
* « تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكاً عاضّاً ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت » .
تصورات خاطئة
يخطىء من يظن أن الحماس يدفعنا لقول ذلك فالنصوص- بعد الصحة- يلزمها صدق الدلالة ومتانة منهج البحث، وهو المنهج الاستنباطى هاهنا، ولولا خشية فهم أننا نتحدث فى أمر ديني يعزف عنه الذين يكرهون الدين والذين يسيئهم انتصاره لأفضنا فى ذكر الآيات والأحاديث وشرحها لكننا نريد إثبات بعض المعانى ها هنا:
* يخطىء من يختزل الإسلام فى شخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم ولعلنا نذكر مقولة أبى بكر الصديق من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ويخطىء من يختزل الإسلام فى شق سياسى أو اقتصادى وإنما الإسلام دين شامل يتناول شئون الحياة جميعا يقول تعالى " قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" 162-163 ، ومن هنا فإننا نقبل على مضض – مؤقتا – مصطلح الإسلام السياسى حتى نخاطب القوم باللغة التى يفهمونها، ولكن الأمر حسب اجتهادنا فى فهم الآيات السابقة هو أن السياسة جزء –مثل غيرها – من الإسلام .
* وقد نتفهم كُرْه بعضهم لأشخاص التيار الإسلامي - باعتباره يمثل تحديا لبعضهم ومنافسا قويا فى الميدان- لكن الذى لا يُفْهًم ولا يُقدٍّر حقا هو كره أى مظهر للإسلام حتى وإن لم يكن له صبغة سياسية بل واختزال الإسلام فى الحركات الإسلامية، وما معركة الحجاب فى مصر فى الآونة الأخيرة 2006 إلا مظهر من مظاهر التشنج غير المبررة للعلاقة – المتوهمة- المختزلة للإسلام فى الحركات الإسلامية فالإسلام أوسع وأكبر من اجتهاد أى حركة إسلامية مهما بلغ صواب اجتهادها فى فهم الدين، والحمد لله أن قد استبان للفاقهين أن هؤلاء ينعقون بما لا يسمعون فهم على الأكثر صم بكم عمى ذلك أنهم – حقا – لا يعقلون.
* ولا يُتصوًّر - بداهة- أن يحمى الدين من يشوهون معالمه عن عمد أو جهل ولكم كنت أرجو أن يكره بعضهم الإسلام هونا ما عسى أن يستبصروا يوما ما أنه فيه راحتهم وسعادتهم بصفاء نهجه وفطرية تعاليمه . لو أنهم كانوا يدرسون!!
* ويخطىء من يتصور أن هذا الدين سوف ينهض من تلقاء نفسه دون رجال يحمونه ويذودون عنه أباطيل الحاقدين إذ لم يعد مجديا أن يجتمع الناس جميعا يرمون الإسلام عن قوس واحدة ويتداعى الغرب وأذنابهم ممن بين أظهرنا – جهلا ونفاقا- كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ونرجو لهذا الدين الانتصار على أعدائه ببركة الصلاة والصيام !!
وقديما علمنا الفاقهون أن الإسلام دين جميل لو كان له من رجال : رجال حين يُمَكًّن لهم يجاهدون فى سيبل ربهم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ولله عاقبة الأمور، رجال يفعلون ذلك فى ضوء هدايات الوحي، ويقظة العقل، ونقاء الفطرة، وإعداد العدة المطلوبة عبر إحياء فروض الكفاية، وتحقيق التخصصات المتعددة، في فروع المعرفة جميعها، وإنضاج الخبرات، والتزود بالطاقات الروحية المحركة، ليتخلص المسلم من العطالة، ويستأنف دوره من جديد، على هدى وبصيرة كما فعل أجداده من قبل.
ملاحظات وخاتمة
لعل الخيال لا يشطح بنا حين نقول إن الإسلام هو القادر – ولو تاريخيا- على حشد وتعبئة الجماهير وتحريك هذه الأمة فالإسلام يعد أكبر حافز لتعبئة الجماهير ولعله وحده تاريخيا القادر على ذلك .
وإن الدعوة إلى تنحية الإسلام من الحياة السياسية والاجتماعية لا تؤتى بثمار ناجعة بله أنها تؤخر أنصار ذلك الإقصاء إلى حيث لا يمكنهم النصر...ومن ثم فإن استدعاء الإسلام للتعبئة وتنحيته عن الحكم خطل كبير وسفه ينبغي إعادة النظر فيه احتراما للعقل.
إن تنامي النجاحات الإسلامية واقترابها من مواقع اتخاذ القرار فى أكثر من مكان واقترابها من مصادر الثروة والسلاح سوف تشكل مخاطر كبيرة على المصالح الاستعمارية، والإمبريالية وهو الأمر الذى يجب التفكير للتعامل معه والتصدي لمؤامرات وأد ذلك النجاح بعقل يقظ مستفيدين من أخطاء الماضي.
سيد يوسف
- التفاصيل
- كتب بواسطة: إدريس علوش
- الزيارات: 7
الكاتب المغربي محمد سعيد الريحاني:
"لا ديموقراطية بدون ديكتاتورية الواجب وقدسية الحق وشرعية الفعل والمصداقية لدى الجماهير والاعتزاز بالذات واحترام الرأي الآخر ".
أجرى الحوار الشاعر إدريس علوش
سؤال: كم الساعة الآن..؟
جواب: الساعة الحادية عشر والنصف
سؤال: إلى أي حد الوقت مهم في حياة الإنسان..؟
جواب: الحكمة القديمة تقول:"الوقت من ذهب" ولكنني لن أبالغ إذا ما عدلت الحكمة قليلا لتصبح "الوقت أغلى من الذهب".
سؤال: هل أنت متفائل بالألفية الثالثة..؟
جواب: متفائل للغاية. لا شيء يمنح للإنسان قوة غير تفاؤله بإمكانية تحقق رغباته وآماله وأحلامه ومشاريعه ومخططاته.
سؤال: ماذا تعني لك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية..؟
جواب: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي تحول تاريخي في تدبير الشأن العام في المغرب بالانتقال من أولوية الدولة إلى أولوية الإنسان. فلا استثمار خارج الاستثمار في الإنسان الذي يبقى في نهاية المطاف هو الاستثمار الوحيد المضمون في ربحيته ورهانه.
سؤال: والمغرب في أفق 2050كيف تراه..؟
جواب: لا يمكنني استشراف المستقبل وبالخصوص بنصف قرن من الزمن. لكن إذا كان المقصود هو كيف تتمنى أن ترى المغرب في أفق 2005، فأعتقد كمغربي أنني سأكون أسعد ولو في شيخوختي أن أرى المغاربة أسماكا طليقة في محيط سليم.
سؤال: من وجهة نظرك هل تغير المغرب..؟
جواب: "التغير" في اللغة يحتمل معنيين. المعنى الأول إيجابي وهو التغير إلى المبتغى إلى الأمام ويسمى في هذه الحالة "تطورا" وقد عرف المغرب تطورا على عدة واجهات خاصة واجهة الحريات. أما المعنى الثاني لكلمة "التغير" فهو معنى سلبي وهو التغير إلى ما لم يكن في الحسبان ويسمى في هذه الحالة "مسخا" ولنا في رتبة المغرب في التصنيف السنوي للتنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة مثل على ذلك.
سؤال: الصحافة في المغرب كيف هي الآن..؟
جواب: " ماتت الصحافة، عاشت الصحافة". عرف الإعلام في المغرب منذ فجر الاستقلال هيمنة قطبية تجاذبتها الدولة في شخص الإعلام الرسمي المسموع والمرئي والمكتوب والأحزاب في شخص المطبوعات والدوريات المكتوبة إلى حدود سنة 1986 التي كانت "سنة فاصلة" في تاريخ الإعلام بالمغرب والتي تميزت بميلاد أول قناة تلفزية حرة ، القناة الثانية، التي كسرت إلى حد ما هيمنة التلفزة الوحيدة حتى تلك الساعة. وفي التسعينيات، جاء دور الأعلام الحزبي، فبدأت أولى تباشير الصحافة الحرة المستقلة مع "مغرب اليوم" و"الزمن" وغيرهما. ونحن اليوم نعيش عصر الصحافة المغربية المستقلة بامتياز. هذه الصحافة التي ساهمت في رفع سقف الحرية في البلاد إلى حد صارت فيه تشكل معارضة للحكومة أحيانا في ظل ضعف المعارضة البرلمانية. فاحتلال الإعلام المستقل لمكانة الأعلام الحزبي سابقا أساسه ليس صحة الخبر أو عدم صحته بل في الحرية في نقل الخبر وهذا ما يفتقد إليه الإعلام الحزبي المغربي الذي تعاني أحزابه من جهة أخرى أزمة ديمقراطية داخلية.
سؤال: هل تعتقد في وجود مجتمع مدني في المغرب..؟
مفهوم المجتمع المدني في المغرب مفهوم حديث العهد بالوجود ينبني في أهم أركانه على تحالف المثقف والجماهير. لكن في ظل النسبة العالية للامية في البلاد وتدني المستوى الثقافي لدى الباقين من غير الأميين وتنامي البطالة واستفحال التفكير الانتهازي الظرفي الانتخابوي... يصعب من مامورية العمل الجمعوي المدني في هذه الظرفية الانتقالية من تاريخ المغرب. لكن الوعي بهذه الصعوبات قد يكون قادرا على تذليلها.
سؤال: هل تشكل الأصولية خطرا على الأفق الحداثي لمغرب المستقبل..؟
جواب: الحداثة مسار تطور طبيعي لأشكال التفكير والحياة في أي ثقافة من الثقافات تؤطره الحرية والعقلانية. لكن الحداثة ليست خطابا إنها ثمرة مخاض لقحته "المصداقية" لدى الجماهير. ولا أعتقد أن مسارا ينبني على الإرادة الخالصة والمصداقية في الفعل يثير خصوما او أعداء. ثم إن الأصولية ليست سوى شكل من أشكال التفكير الأولي أفقها الحتمي هو "الحداثة" وإن كان تحت شعار "أسلمة الحداثة" ولنا في تاريخ أوروبا وأمريكا المثل على ذلك.
سؤال: كيف السبيل إلى بناء الديمقراطية في المغرب..؟
جواب: السبيل لبناء الديموقراطية في أي بلد ينبني أولا على ديكتاتورية الواجب وقدسية الحق وشرعية الفعل و"المصداقية لدى الجماهير" والاعتزاز بالذات واحترام الرأي الآخر .
سؤال: ما هو أهم كتاب قرأته في حياتك..؟
جواب: أهم كتاب قرأته في حياتي كان كتاب "هكذا تكلم زرادشت" للفيلسوف الألماني المعروف فريديريك نيتشه وأنا طالب في سن الثالثة والعشرين من العمر. ولا زلت أتذكر القشعريرة التي كانت تلسعني وانا أركض بين دفتي هذا الكتاب المتفرد.
سؤال: آخر كتاب تقراه الآن..؟
جواب: أعكف حاليا على قراءة الأعمال المسرحية الكاملة للكاتب المسرحي النيجيري وول سوينكا، أحد أهم رواد المسرح في الأدب الإفريقي والحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1986..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد الخميسي
- الزيارات: 4
الناس يصعدون إلي السماء
أحمد الخميسي
منذ شهر تقريبا ، حكي لي ابن خالتي وهو محاسب شاب كيف شاهد النيران وهي تشتعل في عربة أتوبيس قبل مزلقان إمبابة ، ولم تترك العربة إلا وهي مجرد هيكل محترق . أحسست بالقلق . ألم يكن هناك احتمال لتواجدي داخل العربة ؟ .
لم ينقض أسبوع إلا وطالعت تقريرا بمجلة البحوث البيئية يفيد أن عدد حوادث المرور في مصر يصل إلي نصف مليون حادثة سنويا تخلف ستة آلاف قتيل ، واثنين وعشرين ألف مصاب ! قلت لنفسي " لن أركب الآتوبيس بعد ذلك أبدا . مترو الأنفاق وسيلة آمنة وسأعتمد عليها بالكامل في مشاويري " . وحين دعاني أحد أقاربي إلي عرس ابنته في الزقازيق نصحني جاري المخلص وأنا أهبط على سلم العمارة ألا أركب القطار . قال لي : احذر القطار . ألا تذكر حادثة قطار قليوب في أغسطس هذا العام ؟ مات فيها 56 مواطن غير المصابين ! ثم لا تنسى صدام القطارين في شبين القناطر بعد قليوب بشهر واحد ! نصحك واجب علي .أنت جاري وصاحب عيال ! شكرت الرجل ، فأضاءت السعادة وجهه لأنه عمل خيرا وله عليه ثواب ، وواصل صعوده على السلم . قلت لنفسي " لن أحضر العرس ، البركة في برقيات التهنئة " . وكنت في عيادة طبيب أنتظر دوري حين قرأت في مجلة مقالا جاء فيه إحصاء رسمي أن مصر شهدت ستين حادثة قطار من عام ألفين إلي يومنا . قلت لنفسي لن أركب القطار بعد ذلك أبدا .
بعد ذلك بأيام زارتنا حماتي ومعها كيلو موز ، وقالت لنا أثناء العشاء إنها تعتزم الحج في أقرب فرصة . باركنا قرارها ، وخطر لزوجتي أن تسأل جارنا بالتليفون عن أسعار بطاقات السفر ، لأنه ممن يتابعون أسعار كل شئ . لكن الرجل الشؤم قال لها إن الحديث لا يصلح بالتليفون ، فالمسألة أخطر من ذلك ، وجاء إلينا بنفسه وجلس وهو يحكم عباءته على جسمه . وقال لي موبخا : يا راجل ، عاوز الست الكبيرة تسافر بطيارة ؟ . قلت : ليه لاء ؟ . سحب رقبته للخلف وزام بلوم العارفين : يعني يا أخويا لحقت تنسى الطائرة التي تحطمت من سنتين أول ما طلعت من مطار شرم الشيخ ؟ ده كلام ده ؟ تخلي الست الكبيرة تسافر بالطيارة ؟ يعني لو أنت اللي مسافر ح تسافر بطيارة ؟! . دقت حماتي على صدرها فزعة وقالت : بلاش الطيارة . أسافر في البحر . هز جاري الواعي رأسه بدهاء قائلا : بحر ؟ طب والعبارة يا ست الكل ؟ عبارة السلام 98 التي غرقت في فبراير السنة دي ومات فيها أكثر من ألف مواطن؟ . ونظر إلي نظرة اتهام : يعني لو أنت اللي مسافر ح تسافر بعبارة ؟ . شهقت زوجتي مذعورة : بلاش يا ماما والنبي . سألته محتدا : إمال تسافر إزاي ؟ . قال وهو ينهض : ده مش شغلي . وغادرنا وقد أضاءت السعادة وجهه لأنه قدم خيرا وله عليه ثواب . قلت لنفسي : جار الشؤم عنده حق . وقررت ألا أركب الطيارات والعبارات إضافة إلي الأتوبيسات ، والقطارات . الحمد لله أن مترو الأنفاق موجود ، وجدير بكل احترام . لكنني بالأمس فقط سمعت وأنا جالس في المقهى أن المترو تعطل داخل نفق محطة السيدة زينب ! المترو ؟! وأن الركاب ظلوا محبوسين كالقطط داخل العربات في عتمة النفق ساعة يصرخون من نقص الهواء إلي أن نصحهم السائق بتحطيم زجاج النوافذ والخروج ، ففعلوا ، لكن بعضهم جرح خلال التدافع ، وصدم البعض من تخبطه فوق القضبان المكهربة . ووقعت في قبضة يأس عميق متسائلا : ماذا أركب الآن ؟ . لاحظ أحد الرجال الطيبين في المقهى أن وجهي قد تغير ، فهمس لي وهو يسحب نفسا من النرجيلة : لا تحزن . قلت : كيف ؟ أجابني : في الشارع المجاور قرب محل العصير يبيع عمك فرغلي أجنحة ! صحت فيه مندهشا وأنا أنظر إلي النرجيلة المتوهجة : أية أجنحة ؟ قال مبتسما : وكيف يذهب الناس الآن إلي أعمالهم ؟ سحبت نفسين من النرجيلة فامتلأ صدري بعطرها الفواح ، ونهض الرجل الطيب وسار أمامي بهدوء ، وأنا أتبعه ، إلي أن وصلنا لعم فرغلي . كان الرجل العجوز جالسا على الأرض وبجواره قفص . سألني عم فرغلي عن المقاس المطلوب . ثم ناولني جناحين . وأعطاني كتيبا صغيرا وهو يقول : احفظه عن ظهر قلب ، به تعليمات النجاة . وضعت الكتيب في جيبي ، وجربت الجناحين ، ثم استفسرت من الرجل الطيب : لكن الطيران سهل ؟ . طمأنني : كلنا كنا خائفين مثلك أول مرة ، في البدء ستجد حركتك مضطربة ، لكنك سرعان ما تتحكم في جناحيك ، وتشق طريقك وسط السرب .
صباح اليوم التالي ، كنت أطير إلي عملي في العباسية ، وفوجئت بالكثيرين يحلقون بين السحب عن يميني ويساري ، وأخذت أنظر للأرض المزدحمة تحتي بدهشة ، الأكثر من ذلك أنني وجدت إشارات مرور ، تصادف أننا توقفنا عند واحدة منها ، لكن رجلا بجناحين فاخرين اقترب من الشاويش وغمزه بجنيه ففتح لنا السكة ، وآمنت أننا شعب من الملائكة ، وواصلت الطيران بمزاج رائق .
عدت من عملي بعد الظهر ، فهبطت على سطح المنزل ، وقبل أن أخلع أحزمة جناحي ، وجدت جار الشؤم يضرب الهواء بجناحيه ليهبط بجواري وقبل أن تستقر قدماه على سطح المنزل سألني : الأجنحة اللي عندك دي صيني ؟!
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رغداء زيدان
- الزيارات: 6
صناعة العدو
رغداء زيدان
في قصة (المزرعة)(1), يعرض الأديب الشاب محمد ذهني لفكرة صناعة العدو والحاجة إليه بطريقة فنية مميزة. فصاحب المزرعة الذي انتقل من موقع المدافع عن دجاجاته إلى موقع المستمتع بتحويل كلابه إلى قتلة, حوّل مزرعته إلى عالم قاسي, ليس للأمن والرحمة مكان فيه, بغية الحصول على متعة شخصية نفعية, مستخدماً أساليب قذرة بعيدة عن الإنسانية والعقلانية, غير عابئة بالنتائج الخطيرة التي يمكن أن تنتج عنها, حتى وصل إلى وقت شعر فيه بالعجز عن التراجع رغم معرفته بما سيلحق به هو نفسه من أذى بسببها مستقبلاً.
هذه القصة كما أراها, هي صورة لما يجري في عالمنا اليوم. هذا العالم الذي نراه يسير إلى الهاوية بخطى متسارعة, برعاية غربيّة لا ترى إلا مصلحتها, مستخدمة وسائل دنيئة, منها نشر مصطلحات مختلفة تعبّر عن فكر تابع مُسَيطَر عليه, يخدم غايات وأهداف مرسومة.
ومن بين المصطلحات التي صرنا نسمعها كثيراً في عصرنا الحديث مصطلح (إسلاموفوبيا), والذي يعني الخوف من الإسلام, على اعتباره دين الجهاد والتعصب والإرهاب والقتل.
هذا المصطلح انتشر بصورة سريعة, وصرنا نسمع تحليلات ونقرأ مقالات تشرحه, وتشرح أبعاده وأسبابه ونتائجه وطرق علاج الظاهرة التي يعبّر عنها.
وظهرت مجموعة من الاستبيانات تؤكد انتشار هذا الخوف في البلاد الغربيّة عموماً, وتزايد هذا الانتشار بصورة جعلت مسؤولين غربيين يبدون قلقهم من انتشار هذه الظاهرة في بلادهم, منهم رئيس الوزراء الفرنسي جان بيير رافاران الذي قال: "أشعر بالقلق من تنامي (إسلاموفوبيا) في بلادي", كما نقلت عنه وكالة الأسوشيتد برس خلال عرضها لتصريحات أدلى بها بعد زيارة قام بها لمسجد باريس الكبير في وقت سابق من هذا العام.
بالطبع فإنني لا أستغرب تنامي هذا الشعور في البلاد الغربيّة, لا لشيء, إلا لقناعتي أن زرع هذا الخوف في نفوس الغربيين هو هدف بحد ذاته, اُستخدمت لتحقيقه وسائل كثيرة ومتنوعة, إعلامية وثقافية واقتصادية وسياسية...إلخ. بل إنّ إقناع العرب والمسلمين بوجود هذه الظاهرة وانتشارها, هو وجه آخر للهدف الأساس, وأعني به تصوير الإسلام على أنه العدو الذي تجب محاربته والخوف منه.
صناعة العدو حاجة أساسية وأسلوب مهم من الأساليب التي تستخدمها الدول القوية للسيطرة على الشعوب والبلاد. هذه الصناعة هي صناعة بكل معنى الكلمة, لها موادها الخام وآلاتها, وأسواقها, وصنّاعها, ومروّجها, والمتاجرون بها, ومستهلكوها حتى. وهي صناعة أثبتت أنها رابحة وفق مقاييس المصالح الأنانية لمجموعة من الناس, استطاعوا السيطرة على الدول القوية وشعوبها بطرق عديدة, وهم لا يهتمون إلا بمصالحهم الخاصة, حتى لو أدى تحقيقها إلى إشعال حروب وفتن وقلاقل قد تؤدي إلى فناء البشرية برمتها.
وحتى لا أدّعي ما ليس لي, فإن هذا الذي أقوله أكدّه مفكرون غربيون في مقالات كتبوها يحذّرون فيها من خطورة هذا الذي يحدث في العالم, فهذا بول آر دون يعلق على استخدام الرئيس الأمريكي لوصف (الفاشية الإسلامية) قائلاً : " إنها الكلمة السحرية الحالية للمحافظين الجدد الذين حرّضوا لحرب العراق. مروّجوها يريدون تأسيس تكافؤ أخلاقي بين ديمقراطيات الحرب العالمية الثانية من ناحية والشر الفاشستي من الناحية الأخرى. إنهم يريدون أن يُنظر الى الموقف الأمريكي في العراق كمعارض للشر المعاصر للفاشية الإسلامية. استعمال العبارة يُدعى رهب الإسلام (إسلاموفوبيا)، صممت لتشويه سمعة معظم العالم الإسلامي" (2).
أما نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي الذي يصرخ في كتاباته العديدة محذراً من خطورة هذه السياسات, ومبيناً أن الحكومة الأمريكية تقنع شعبها بوسائل غير قانونية وبجهاز دعايتها لتسيطر على مفاهيمه وقناعاته, وسمّى ذلك بعملية "ضبط السكان" (Population Control) . وهي تستهدف السيطرة على شعوب العالم الثالث بالإضافة إلى سكان أمريكا نفسها, والغاية هي مصلحة اقتصادية وسلطوية.
ويصنف تشومسكي القائمين على السياسة الأمريكية إلى صنفين : التجار والبروسيين, فالتجار يستخدمون الدعاية والوسائل السلمية, أما البروسيون فيقومون بالقتال والتدخل العسكري وقت الحاجة(3).
يقول تشومسكي مصوراً طريقة بلاده في استخدام وسائل الإعلام في صناعة العدو قائلاً: " إنْ حَمَّلْتَ [أمريكا] عدوّاً مسؤوليةَ شيءٍ ما، فباستطاعتكَ أن تتحدّث عنه في ذلك الإعلام"(4). وهذا ما حصل فعلاً, وكان الإسلام هو العدو المزعوم, وكان مصطلح إسلاموفوبيا مصطلحاً مناسباً لعرض نتائج صناعة العدو الرابحة.
إن المتابع لما يجري اليوم في العالم, يشعر بأن ما يسمونه بـ (إسلاموفوبيا) وغيره من مصطلحات انتشرت في العالم, مصوّرة العلاقة بين الغرب والإسلام, ليست نتيجة لعلاقات وتفاعلات بين الغرب والإسلام وحسب, وليست نتيجة لسياسات مخططة حديثاً بهدف تحقيق المصالح الأنانية التي تحدثنا عنها فقط, بل هي نتاج أفكار سيطرت ومازالت تسيطر على العالم الغربي, اعتمدت على نظريات ترسخت في عمق اللاوعي الغربي, برر من خلالها الساسة أفعالهم, وبرر من خلالها المستعمرون استغلالهم واستعمارهم, وسيطروا بها على شعوبهم, وعلى الشعوب المُستغلّة, التي اُستلبت وأقرّت هي الأخرى بالتفوق الغربي, حتى كأنه حقيقة واقعة لا مجال لنقضها, لأنها مؤكدة علمياً وتاريخياً وعقلياً(5).
ولعل المسلمين اليوم يعانون من أشد أنواع الانحطاط والخضوع, وهم للأسف يُساقون لما يريده أعداؤهم منهم, فهم أمام مصطلح كهذا إما مدافعين عن دينهم ومحاولين إظهار سماحته وإقناع الغرب بأن الإسلام لا يشكل خطراً عليهم, ولا داعي للخوف منه. أو أنهم متحفّزون لكل حركة ولكل كلمة تصدر في الغرب, ويقابلونها بالشجب والمظاهرات والعنف أحياناً, فهم يُحرَّكون كما يريد أعداؤهم, وهم بأفعالهم اللاعقلانية يقدّمون الدليل تلو الدليل على صدق ما يُوصف به الإسلام والمسلمون من تخلف وتعصب وعنف.
ولكن هذا لا يعني عدم وجود فئة ثالثة فهمت الواقع, ووضعت الأمور ضمن سياقها الصحيح وتعاونت مع الشرفاء في العالم لنشر الحقيقة, وكشف الألاعيب الدنيئة, المستخدمة في العالم للسيطرة عليه. ورغم وجود جماعة بين هؤلاء يائسون من الحل, ويرون المستقبل بعين سوداوية مستسلمة عاجزة, أو أنها تبحث عن الحل ولكنها مازالت تتخبط وتجرّب, فإن وجود هذه الفئة الواعية, رغم قلة عدد أفرادها, هو أمر صحي تماماً, وهو خطوة مهمة في طريق إنقاذ العالم من تسلط من لا يرحم ولا يهتم إلا بمصالحه الضيقة. ومن الضروري قيامها بتوعية غيرها, ومحاولة تشكيل رأي عام عالمي, مناهض للظلم والتسلط.
الهوامش
(1) ـ القصة للكاتب محمد ذهني ومنشورة على الرابط التالي : http://www.madeenah.net/vb/showthread.php?t=2573
(2) ـ بول آر دون, "دعاية أوقاتنا" 17 / 10 / 2006م, ترجمة دجلة وحيد, المحرر, العدد 250, السنة 15, 2006.
(3) ـ انظر, مازن البندك, اليسار في أمريكا, الجيل, المجلد 27, العدد 11, تشرين الثاني/ نوفمبر, 2006. وانظر, جلال أمين, عولمة القهر, القاهرة, دار الشروق, 1422/ 2002م, 98.
(4) ـ من حوار أجراه خاتشيك مراديان مع نعوم تشومسكي عندما زار بيروت في 2 آيار / مايو 2006, نُشرت ترجمته العربية في مجلة الآداب البيروتية, ترجمة سماح ادريس.
(5) ـ انظر, غريغوار مرشو, إيديولوجيا الحداثة بين المثاقفة والفصام الحضاري, دمشق, دار الأهالي, 2000م. ولنفس المؤلف, مقدمات الاستتباع, هيرندن فرجينيا, المعهد العالمي للفكر الإسلامي, سلسلة قضايا الفكر الإسلامي (18), 1416/ 1996.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: ابراهيم حمامي
- الزيارات: 4
الوفاء لعرفات بكشف الجناة
نشرت العام الماضي وفي الذكرى الأولى لرحيل عرفات، البحث المفصل الوحيد حتى اليوم حول ملابسات مرض وموت عرفات، ورغم المعلومات والحقائق التي احتوى عليها البحث، والتي تثبت أنه مات غدراً، إلا أن من تباكوا عليه، ولا زالوا حتى اليوم يتباكون، لم يحركوا ساكناً لكشف الغامض في جريمة الاغتيال، بل أنهم حتى اللحظة يحاولون إبقاء الأمر طي الكتمان، واقتصار الذكرى على بعض النحيب والمرثيات، ليقتلوا عرفات في قبره بعد أن قتلوه في حياته.
وحتى لا تذهب الظنون بالبعض بعيداً حول موقفي الشخصي من عرفات وسياساته ونهجه، أقتبس هذه الفقرة من مقدمة البحث:
ليس من مهام هذا البحث النبش في ماضي الرجل، ونصب المحاكم للخوض في سلبياته وإيجابياته، أو محاولة لتقييم مرحلة امتدت لعقود، فقد أفضى الرجل لما قدّم، وحسابه وحسابنا على من خلقه وخلقنا، ولا أنكر إطلاقاً أنني من كنت ولا زلت من أشد المعارضين للنهج الذي قاده عرفات، وكتبت في ذلك الكثير، ووجهت له الرسائل مباشرة، ولا أنكر ولا أنفي، بل أؤكد أنني من أكثر الناس رفضا للنهج الذي مورس طوال 40 عاما من تفرد بالسلطة والمال والقرار وترقية للفاسدين والتغاضي عن أخطاء الكثيرين والمغامرة والمقامرة بمصير وقضية الشعب الفلسطيني، لكن لايمكن في الوقت ذاته لأي منا أن يحعل الخلاف في الرأي والإعتراض على الأسلوب والمنهج سببا للإصطياد في الماء العكر لتسجيل موقف هنا أو هناك، كما أن عدم القبول بنهج أوسلو وإفرازاته لا يعفينا من المسؤلية والأمانة، ولا يجعلنا نصمت صمت القبور إزاء جريمة بدأت معالمها بالظهور، ولا يجعلنا نقر بما تعرض له عرفات في أيام مرضه الأخير من تلاعب بمصيره وتنازع على مرضه، بل على جسده بعد وفاته، في ما يبدو محاولة للتغطية على جريمة أصبحت مقتنعا بحدوثها أكثر من أي وقت مضى.
القضية والجريمة لا تتعلق بشخص أو أشخاص مهما علا شأنهم، ودرجة الخلاف أو الاتفاق معهم، لكنها قضية شعب بأكمله، وجريمة تمسه في الصميم، فمكانة عرفات وقضية فلسطين ومركزيتها، ليست أقل أهمية أو خطورة من أي قضية أخرى أو حادثة إغتيال في هذا البلد أو ذاك، لتُطوى أدراج المكاتب ويُنسى أمرها، بينما تُشكل لجان التحقيق الدولية وتُعقد الاجتماعات وتستصدر القرارات، إلا في حالة فلسطين وما يتعلق بها!
دون إطالة أقول للمتباكين اليوم على من اعتبروه يوماً رئيساً ورمزاً وزعيماً، وإلى من خرجوا ليهتفوا قبل اسابيع: "أبو عمار يا أبونا من بعدك جوعونا"، وإلى من يذرفون الدموع اليوم، لهؤلاء جميعاً أقول أن الوفاء لعرفات لا يكون إلا بكشف الحقيقة وملابسات اغتياله، والوفاء هو بالاقتصاص من قتلته، وهو الذي لا يتأتى إلا بفتح تحقيق رسمي مستقل حول الجريمة، وهذا ما قلته قبل عام في بحثي المتواضع أقتبسه من جديد:
"حكام المقاطعة الجدد، وكل رموز السلطة هم في قفص الإتهام، والإتهامات والدلائل ضدهم قوية، ولن ينقذهم سوى فتح تحقيق حقيقي وجدي ورسمي، والأهم محايد، وبمشاركة من يوثق بأخلاقهم وضمائرهم، وللتحقيق على كل المسارات السياسية والجنائية والمالية، وحتى الإنسانية.
إن من ينظر إلى صور عرفات خلال السنوات الأخيرة والمرفقة مع هذا البحث، لا يستطيع إلا أن يقف وقفة حساب ومراجعة، فهاهو الرجل الذي كان يحكم ويرسم، ويمسك بزمام الأمور بقيضة من حديد يضعف وتخور قواه، ويرحل عن الدنيا دون أن ينصفه رفاق الأمس، حكّام اليوم، ليدفنوه ويدفنوا سرّه معه، فهل يتعظ هؤلاء من التاريخ، أم أنهم أمنوا مكر الله؟ لينظروا في الصور ويقرروا، فدوام الحال من المحال، وكلنا إلى زوال.
أخيراً، هذا نداء لكل مخلص شريف، سواء اتفق مع عرفات أو اختلف، كان معه أو عليه، أحبه أم لم يحبه، أن يطالب بإنصاف التاريخ والحق والعدل، ومعاقبة الجاني أو الجناة، وأن لا نكتفي بكتابة البكائيات والمرثيات، وهو ما لمسناه خلال الأسبوع المنصرم، حيث كثرت الكلام والتأبين دون الدخول في لب القضية الجريمة، ولنتذكر جميعاً نظرات الخوف والتوسل في عيون عرفات المغدور وهو يُدفع داخل الطائرة، كمن يستنجد بشعبه ممن حوله، هذه النظرات الحائرة التائهة التي كانت آخر عهد الناس به، وآخر عهده بالناس".
الوفاء ليس بالأشعار والرثاء، ولا بالدموع والبكاء، ولا بأضرحة الأولياء، كما يحاول حكام المقاطعة الجدد الإيحاء، بل بكشف المستور، وإحقاق الحق، ومعاقبة المسؤولين المتورطين في جريمة إغتيال ياسر عرفات، وما دون ذلك هو الرياء!
هذا رابط بحثي المتواضع أضعه مرة أخرى بين أيديكم.
http://www.drhamami.net/studies/arafat/3rafat_index.htm
د.إبراهيم حمّامي
11/11/2006
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود سعيد
- الزيارات: 4
نمنم عراقي
محمود سعيد/ روائي عراقي
الحية والخلود.
يعتقد كثير من العراقيين حتى الآن بأن الحية لا تموت. وأنها تغير جلدها بدل الموت، وأن من يريد قتلها يجب عليه أن يسحق رأسها وإلا نمت من جديد وعادت فانتقمت منه. والتقيت شاعراً هندياً في دبي سنة 1995 أكد وجود الأسطورة نفسها عن الحية في الهند. ولست أدري إن كان هناك شعوب أخرى تقول بذلك أم لا. فمن أين جاءت الأسطورة؟
جاءت الأسطورة من ملحمة الخليقة السومرية المعروفة بملحمة كلكامش. أو قلقميش كما يصر بعض دارسي الآثار على تسميتها. فقد دفع الحزن قلقميش على البحث عن سر الحياة بعد رؤية صديقه أنكيدو يموت أمام عينيه من دون أن يستطيع تقديم العون إليه. فقرر أن يبحث عن سرّ الحياة ليجنّب الأحبة الفناء. ترك ملكه وعزه وسافر وتعب وجاع وكاد يموت عدة مرات فأثار عطف الآلهة فدلّته على مكان عشبة الخلود، وحينما غطس واقتلع العشبة من قاع الهور، وخرج تعباً أدركه النعاس، فغفا. ثم استيقظ على صوت غريب، وعندما فتح عينيه شاهد الأفعى تلتهم عشبة الخلود وتهرب. ولذا أصبحت الأفعى خالدة لا تموت، وربما دعا ذلك الأطباء ليبحثوا في سمّها عن دواء يشفي من الفناء العاجل فتوصلوا إلى استخلاص ترياق من ذلك السمّ القاتل يشفي بعض الأمراض وبذلك حققوا شيئاً من معنى الأسطورة فتركوا علامتها لتدل على الدواء الشافي وعلقوه على محلات الصيدليات في جميع أنحاء العالم، ليكون شاهداً على فاعلية الأسطورة البابلية الخالد.
مضى على هذه الأسطورة أكثر من سبعة آلاف عام، لكن بعض العراقيين ما زالوا متمسكين بها. فلماذا؟
فرقة أم علي البصرية:
من أبرز وأثمن الآثار السومرية في المتحف العراقي قيثارة من العاج يعلوها رأس ثور من الذهب مطعماً بالأحجار الكريمة، ولست أدري أسرق هذا الأثر بعد الاحتلال أم لا. وفي السبعينات من القرن الفارط شاهدت فرقة أم علي الشعبية الرائعة، وكنت آنئذ في البصرة، وفرقتها متكونة من مجموعة من النساء يغطين وجوههن بأقنعة أشبه بأقنعة المصارعين في الولايات المتحدة، فلا يبدو من وجه عضو الفرقة الغنائية سوى العينين وأرنبة الأنف والفم وهذا هو المهم لأن الفرقة غنائية. لكن الملاحظ أن أهم آلة عزف عند فرقة أم علي الشعبية الغنائية هي القيثارة. وعندما أمعنت النظر فيها رأيتها نسخة مشوهة عن الأصل السومري، إذ لم تكن من العاج، كما لم يكن رأس الثور من الذهب. كانت كلها من الخشب المصبوغ بألوان فاقعة زاهية. ثم وفق الله أم علي فانتقلت إلى الكويت، تفرعت من هناك إلى بضعة أفرع شملت معظم دول الخليج. وفي التسعينات رأيت في دبي فرقة شعبية عراقية ربما تكون هي فرقة أم علي أو إحدى أفرعها. ولم أفاجأ حينما رأيت القيثارة السومرية نفسها مازالت أبرز آلات أم علي الموسيقية.
فكيف واصلت الفرق الشعبية العراقية إبقاء آلة موسيقية مستعملة مدة سبعة آلاف سنة بينما تخلت الفرق الموسيقية المحلية الرسمية عن تلك الآلة، ونبذتها، ولم تعترف بها قط؟ فاحترمها الغربيون واقتبسوها وطوّروها وجعلوا منها أحجاما عدة كالكيتار والهارب وو. ودربوا الكثير على العزف بها فبرح بها خبراء موسيقيون فيها يشار إليه بالبنان. لم أستطيع أن أجد أي تفسير لهذا السلوك العدواني لرمز من رموز حضارتنا القديم.
أكو ماكو:
نستعمل في العربية الفصحى يوجد ولا يوجد. موجود وغير موجود.
ويستعمل أهل الشام بأقطاره كلها ودول الخليج: في. وما في.
أما المصريون فيستعملون: في وما فيش
وتستعمل شعوب المغرب العربي: كاين وماكاينش.
في العراق نشأت أهم الدراسات العربية، والعلوم العربية، والنحو العربي، والقواميس والمعاجم العربية وأوزان الشعر العربي كما يعرفه الجميع، لكن الشعب العراقي لا يستعمل لفظتين عربيتين كباقي الشعوب العربية بل لفظتين سومريتين كقول طه باقر: هما أكو وماكو.
ويقول إبراهيم السامرائي: إنهما أكديتين. أما الجيل اللاحق من علماء الآثار فيقول: أكو سومرية. وما عربية. وبهذا يزاوجون بين اللغتين.
إن أهم سؤال يطرح نفسه لماذا أبقى العراقيون على هذه اللفظة ولِمَ لم يغيروها كباقي أشقائهم في الدول العربية بالرغم من أنهم يفهمون الكلمات: موجود وغير موجود، وفي وما في وو؟
الرز:
تستعمل الشعوب العربية كلها كلمة الرز للدلالة على الحبوب التي نعرفها ونطبخها ونأكلها بشكل مستمر، وانتقلت الكلمة إلى معظم لغات العالم. لكن العراقيين وحدهم من دون الشعوب العربية كلها يستعملون كلمة التّمن للدلالة على الرز.
فمن أين جاءت؟
وفي أول مربد عقد في العراق في بداية السبعينات التقيت العلامة جلال الحنفي (توفي قبل أيام عن نيّف وتسعين عاماً)1 وسألته بضعة أسئلة منها عن الطيور التي تحوم فوق دجلة فقد كان الكتاب يطلقون عليها بضعة أسماء مختلفة كطيور الماء فقال إنها النوارس وسألته وعن كلمة تمن. فقال إنها صينية. وكان المرحوم عبد الكريم قاسم أرسله ليكون أول أستاذ للغة العربية في جامعة صينية بعد ثورة 14 تموز. ثم غضبت عليه السلطة بعد 1963 فاستقدمته قبل أن يكمل مشروعه المهم أول قاموس عربي صيني عربي. وعندما استشارته الصين في أن يرسل بديلاً عنه بعد نحو عشرين سنة رشح المرحوم هادي العلوي مكانه.
ثم أكدّ العلوي هذا الشيء في أحد كتبه. ومن هذين الاثنين علمت أن كلمة التمن هي صينية، وربما يكون الصينيون هم الذي أدخلوا الرز اللذيذ إلى المطبخ العراقي فأراد العراقيون مكافأتهم على تلك الوجبة اللذيذة فاحتفظوا باللفظة الصينية إلى حد الآن. بعدئذ ردّ الصينيون المكافأة إلى العراقيين بأحسن منها فقالوا: كل العالم عميانٌ إلا العراقيين فهم عورٌ.
وهذا المثل ليس حديثاً وإنما يعود إلى أربعة آلاف سنة حيث كان في المنطقة التي تسمى الآن بحر النجف خليج كبير كانت السفن الصينية الخشبية ترسو فيه وتنزل بضائعها لتتوزع في المنطقة كلها. ويبدو أن العلاقات الصينية العربية توطدت زمن الحكم العباسي، وحسبما يقول هادي العلوي إن السجل الإمبراطوري الصيني يذكر بالتفصيل طلب أحد أباطرة الصين الذي عزل في مؤامرة داخلية نجدة من الخليفة المنصور لإعادة ملكه، فأختار المنصور ثلاثة آلاف فارس جيد التدريب وأرسلهم، وطلب من عماله تجهيزهم بخيول قوية في كل مرحلة من مراحل طريق الحرير الذي يمر من خلال إيران وأفغانستان وباكستان وشمال الهند ويصل الصين. وبالفعل مكنتهم تلك الجياد من الجري المتواصل طيلة النهار، وأوصلتهم الصين بوقت قياسي فاستطاع الإمبراطور بهم إرجاع عرشه، ثم خيرهم بين البقاء في الصين أو الرجوع فاختار معظمهم البقاء. ويبدو أن ماركو بولو التقى بعض أحفادهم في الصين وأشار إليهم.
الشاي:
يعدّ العراقيون الشاي بطريقة تختلف عن الآخرين، ويحبونه، ويغنون له وهناك أغنية مشهورة تمجده، وترفع من شأنه: خدري الجاي خدري. عيوني لمن أخدره.
وهي تحكي قصة حبيب يطلب من حبيبته إعداد الشاي، فيقول لها: أعدي الشاي ياعيني. فتجيبه الحبيبة: يا عيني لمن أعدّه؟
وهناك شاعر موصلي "ذو النون أيوب" وصفه بجملة رائعة فقال: الشاي خمر الكادحين.
وكان أحد شيوخ منطقة الفرات الأوسط يحب الشاي وعندما سئل لماذا تحبه: قال أحبه لأن لونه أحمر جميل. ولأنه مذاقه حلو جميل. ولأنه موضوع في إناء جميل.
ولا أعتقد أن شعباً آخر غير العراقيين يعدّونه بطريقة فريدة مثلهم قط، ورأيت الكثير ممن زاروا العراق فبقي طعم الشاي العراقي على ألسنتهم سنواتٍ طوال. فهم لا يقدمونه "فطيراً" خفيفاً كالسوريين واللبنانيين وأهل الخليج، ولا عميق اللون يؤكسده الغلي الطويل كالمصريين والسودانيين، بل وسطاً رائقاً صافياً مخمراً بتركه بضع دقائق قريباً من نار خفيفة جداً عند ذاك يبدو للشاي طعم رائق حبيب لا مثيل له. وربما يعده الشعب المغربي وحده على طريقة مماثلة للعراقيين لكنهم لا يتركونه مدة كافية كي يتخمر بعيداً عن النار. ولحب العراقيين الشاي احتفظوا باسمه واسم أدواته الأجنبية كلها كما وردت لهم من غير تعريب. فهو يقدم بزجاجة يطلقون عليها الإستكان. فما أصل هذه اللفظة؟
لفظة استكان تشبه لفظة التمن. فكل العرب يستعملون كلمة قدح أو كأس للزجاجة التي يصّب فيها الشاي إلا العراقيين فهم يستعلمون كلمة استكان ولا يعلم معظمهم من أين أتت؟
قبل مئات السنين كان الكأس الزجاجي الصغير يصنع في روسيا، في منطقة تسمى استراخان. وكان يتواجد في المدينة نفسها معمل للسكر يطلق عليه العراقيون "القند" وعندما جاء الشاي في بداية القرن العشرين إلى العراق، استورد العراقيون السكر من استراخان لاستعماله مع الشاي، ووجدوا تلك الأقداح الزجاجية الجميلة فجلبوها هي وأطباقاً صغيرة جميلة جداً توضع فيها الاستكان مع السكر، ثم جلبوا معها من نفس المكان "السماور" فاتخذه الأغنياء وسيلة لإعداد الشاي، أما الطبقة الوسطى، فكانت تستعمل إنائين لإعداد الشاي، واحداً لغلي الماء أبقوا لفظها الإنكليزي كما هو "الكتلي"، والثاني لتحضير الشاي ويجب أن يكون من الفخار الصيني، ويطلقون عليه "قوري الشاي" وهي لفظة صينية محرفة عن اسم إمبراطور صيني كانت تلك القوارير تستورد في زمانه، بينما يطلق العرب جميعهم لفظتين عربيتين على ذلك الإناء إحداهما: إبريق الشاي. والثانية براد الشاي.
وهكذا نرى أن العراقيين ينظرون إلى الجاي نظرة أشبه بالتقديس، وتغيير الاسم نوع من التزييف، ولما كان المقدس لا يقبل التزييف فلذا أبقوا على الأسماء الأجنبية كما هي عليه احتراماً وتقديساً لهذا الشراب اللذيذ. (ومن نافلة القول ذكر أنهم يلفظون كلمة جاي كالصينين بالجيم لا بالشين كبقية العرب)
لذلك بقي كل ما يتعلق بالجاي على اسمه العجمي: الجاي "صينية" بدل الشاي. السماور "روسية" الكتلي إنكليزية بدل براد. القوري صينية بدل إبريق. القند فارسية بدل سكّر. الخاشوقة. فارسية أو تركية بدل ملعقة الشاي الصغيرة. لكنهم احتفظوا بلفظة عربية واحدة من أدوات الجاي مداهنة كي لا يغضبوا لغتهم الأم "اللغة العربية" وهي لفظة الصحن الذي يوضع فيه الاستكان، فأبقوها عربية: صحن.
الكرات الزجاجية.
يطلق السومريون على اللؤلؤ عيون السمك، وكانوا يظنون أن الأسماك عندما تنفُق تسقط عيونها على محار فيلتقطها ويحتفظ بها. ولقد شاهدت في الخليج العربي نوعاً من الأسماك لا يبقى من أعينها بعد الطهي إلا كرات صغيرة بيضاء أشبه باللؤلو.
ويطلق العراقيون كلمة دُعبُل على عيون السمك.
ثم أخذوا يطلقون على الكرات الزجاجية التي يلهو بها الأطفال في لعبهم كلمة دعبل.
فهل هناك تفسير لهذا التلاقح الحضاري بين هذه الشعوب؟ هناك الكثير من الكلمات السومرية ككور تنور. وشه "شعير" وأدبا مدرسة. ما تزال مبثوثة في التعبيرات العامية العراقية بالرغم من اندثار الحضارة السومرية قبل آلاف السنين، ومن الغريب أن اسم أحد أبواب إحدى أقدم المدن العربية في التاريخ وهي الموصل اسم سومري. هذا الاسم مازال يستعمل إلى حد الآن. ومثّبت في الوثائق الرسمية. وهو باب "لكش" المتجه إلى جنوب العراق، بالرغم من أن لكش هذه مدينة أهملت قبل آلاف السنين، بعد موت حمورابي وطواها النيسيان.
ما سرّ احتفاظ العراقيين بالأسماء غير العربية؟
أمثلة أخرى:
أكو طوز هوايا فوق الجرباية.
ومعناها: يوجد غبار كثير فوق السرير.
يضرب المرحوم فاضل عبد الحق العبارة أعلاه مثالاً على انتقاء اللهجة العراقية لألفاظ معينة لتزيين رقعة الفسيفساء التراثية.
أكو سومرية يوجد
طوز تركية غبار
هوايا مغولية كثير
فوق عربية
جرباية فارسية. السرير
إذا سمع أي عراقي عبارة: يوجد غبار كثير فوق السرير. يفهمها حق الفهم ولا يحتاج إلى شارح أو مترجم. لكنه عندما يتكلم عن نفس المعنى يقول: أكو طوز هوايا فوق الجربايا.
ومن يتتبع اللهجة المحلية في العراق يراها تحتفظ بألفاظ أشبه بمعادن صدئة تحتاج إلى من يحك ذلك الصدأ ليستخرج لآلئ ثقافية تاريخية مهمة، فمثلاً يطلق العراقيون على الفوضى كلمة هوسة. وهي غير عربية، لكني عرفت بعدئذ أن كلمة هوسه تطلق على إحدى أكبر القبائل الإفريقية. وقرأت عن اتفاق قديم جرى بين تجار أثرياء في زمن الدولة العباسية وبين شيوخ تلك القبيلة "الهوسة" لتصدير عمال زراعيين، يعملون في البصرة ثم تكاثر هؤلاء حتى عُدوا مئات الألوف، ومن ثم تزعمهم شخص تدعي كتب التاريخ أنه فارسي، لكني لا أعتقد بذلك. ألحق زعيمهم هذا نسبه بالرسول وثار بهم، واحتل البصرة وخربها، ودمرها تدميراً كاملاً بحيث أنه استطاع أن يمحو معظم آثارها، وكانت تلك أعظم ثورة يقوم بها العبيد في التاريخ، واستمرت أربعة عشر سنة بالمقارنة مع ثورة سبارتكوس التي لم تدم سوى بضعة أشهر. قضى الخليفة الموفق على ثورة الزنج، لكن بعد فوات الأوان، فأصبح خراب البصرة مثلاً شائعاً في الأدب العربي. فيقال دائماً: "بعد خراب البصرة"
ما آلت إليه البصرة يعزى إلى فوضى تسببت بها قبائل الهوسه فأطلق العراقيون لفظة هوسه على كل فوضى.
. وهنا يعود السؤال مرة أخرى: لماذا يحتفظ العراقيون بآثار الماضي وكلماته حية إلى حدّ الآن؟
جميل جمال.
جميل جمال.....مالوش مثال
صدق اللي آل...جميل جمـال
هذا هو المقطع الأول لكلمات أغنية المرحوم فريد الأطرش السوري الجنسية والمصري لحناً وغناءً وفناء ولهجة وحباً وهجراناً وحياة وموتاً. غناها فريد الأطرش يطري فيها جمال الراقصة الغادة السمراء الجميلة سامية جمال التي أثرّ فنها في عموم الوطن العربي آنئذ.
لكن الأغنية لا علاقة لها بموضوعنا إلا بتاريخ هذين الاسمين.
يعتقد كثير من المؤرخين أن أقدم اسم عربي هو يعرب والد قحطان اليمني، وأخذوا ذلك عن الرواية الشفوية التي سجلت بعد الإسلام، ولما كانت الرواية الشفوية تحتمل الصدق والكذب فلذا لا يعتد بها في أحيان كثيرة. لكن الوثائق المستخلصة من الرقائم الآثورية والبابلية والسومرية تذكر أن اسمي جمال وجميل كانا شائعين في الزمن السومري والأكدي والبابلي. إن اسم جمال مأخوذ من الجمل. لأن الجمل حيوان وسيم جداً ومن ينظر إلى الجمل عن قرب يرى فيه معالم كبرياء وأنفة وتناسق شديدة، ومن الجمل اشتق العرب المصدر جمال والفعل جَمُلَ ومئات الكلمات الأخرى ومنها جميل كصيغة مبالغة للجمال. ومن أنثى الجمل "الناقة" اشتق العرب الشق الثاني من الجمال وهو الأناقة والتناسق. ولا توجد أي لغة شقيقة للعربية كالأكدية والبابلية والعبرية والآشورية والأثيوبية والبربرية والآرامية الخ فيها ما يعني الجمال والأناقة بنفس اللفظ والأحرف.
إذن فكلمتي جمال وجميل هما أقدم اسمين عربيين في التاريخ كانا متداولين منذ أكثر من خمسة آلاف سنة ولحد الآن.
استعملت كلمة جميل أكثر من جمال. بسبب أن جميل صفة، وجمال مصدر، ولم تستعمل جمال إلا في العصور القديمة والعصر الحديث، أما كلمة جميل فكانت تستعمل باستمرار، وأول مومس اشتهرت في العصر الإسلامي كانت أم جميل، وهي من الكوفة وتسببت في القضاء على مستقبل أحد أدهى دهاة العرب السياسيين المغيرة بن شعبة، فقد كان والياً لعمر بن الخطاب، وشهد ثلاثةٌ أنهم رأوا المغيرة في وضع مشبوه معها، وعندما سألهم عمر: أ رأيتم الميل في المكحلة قالوا نعم. فقال لهم أين رابعكم؟ وأقام عليهم الحد، لأن المفروض أن يكون عدد الشهود أربعة لكنه عزل المغيرة ورماه في مزبلة التاريخ، فلم تقم له قائمة حتى مات. وأعاد التاريخ نفسه فقد جرت حادثة مماثلة قبل سنوات قليلة إذ قضت مونيكا لونسكي على مستقبل الرئيس الوسيم كلنيتون بحادثة شبيهة لحادثة المغيرة وأم جميل.
الطعام.
لست أدري هل هناك شعب غيرنا يحتفظ بأكلات يعود أصلها إلى أكثر من ألف سنة؟
نعم لكن ليس مثلنا فلم أعثر إلا على مثل واحد. فقد دخلت التأريخ أم علي "شجرة الدر" بأكلة لذيذة ما زالت تعدّ في مصر من الحليب والحلوى، وتسمى الأكلة :أم علي. وكان لي قريب متدين درس في الأزهر. ودعاه يوماً صديق مصري، قائلاً له: سندعوك إلى أم علي. فلم يذهب. وصارح صديقاً آخر وهو غاضب: ألا يخجل؟ كيف يدعوني إلى أم علي وأنا وهو أزهريان؟
ودخلت بوران زوجة المأمون التأريخ بأكلة شهية أخرى في العراق هي البورانية وتعدّ من الباقلاء الخضراء ولحم الضان بالثوم والتوابل وقليل من الرز.
لكن هناك عشرات الأكلات ظلت في العراق منذ العصر العباسي وإلى حد الآن. منها الهريسة، الكليجة، اللوزينة، المحلبية، ومن يتتبع كتب التراث يرى المئات منها، لكني أشير إلى ما صادفني في قراءاتي وهو قليل مقارنة بالمختصين. ولا يزال المواصلة يستعملون إلى الآن كلمة جلاب للماء البارد، الرز المفلل.
وكلا اللفظتين كانتا مستعملتان في العصر العباسي أيضاً.
فرقعة الإصبع.
ذكر أحد كتب التراث أن ثلة من القضاة الأصدقاء كانوا يسهرون في العهد العباسي المجيد على الكاس والطاس وأغاني الكواعب الملاس. وحينما يأخذ الطرب منهم مأخذه يخلعون العذار ويغمس كل منهم لحيته بالشراب ويرشه على الآخرين كماء الورد، وأنهم يتجاوبون مع الشادن الصداح فيرددون مقاطع الأغنية ويفرقعون الأصابع.
الخبر عادي جداً بحيث ترى مثيلاً له الآن في أي بار من بارات شيكاغو أو لندن أو القاهرة أو باريس أو بغداد. لكن ما يستلفت النظر هو فرقعة الأصابع.
فما هي فرقعة الأصابع الخالدة تلك؟
هي إخراج أصوات معينة بتحريك سبابة اليمنى إلى فراغ السبابة والخنصر من اليد اليسرى فيحدث صوتا يعبر به من يأخذه الطرب فينسى نفسه وينطلق مع اللحن.
الاستنتاج.
مما تقدم نرى أن العراقيين يتفردون عن سائر معاصريهم من الشعوب الشقيقة والمجاورة بتمسكهم بأشياء صغيرة من الماضي ليست بذي بال أشبه بالنمنم الملون. فما سبب هذا التمسك وهل هو ظاهرة صحية أم مرضية.
في رأيي يعود تمسكهم بهذه المنمنات لأن العراق كان مركز إمبراطورية حضارية أولى لمدة أكثر من خمسة آلاف سنة، والتمسك في الأصول مع تطويرها مبدأ أساس في كل حضارة.
ولا شك أن الازدهار الحضاري الذي بلغ أوجه في العهد العباسي يرجع إلى ثقة العراقيين آنئذ بأنفسهم وبلغتهم ففتحوا الأبواب لكل كلمة أجنبية تدل على معنى جديد، ولم يطردوها ويبحثوا عن لفظة عربية قديمة تعبر عن المعنى نفسه، فقد كان القرآن الكريم لهم مثلاً أعلى في استعمال ألفاظ أجنبية كثيرة تبناها كإستبرق وجهنم وطه وياسين ..الخ. وهذا ديدن اللغات الحية ونجده الآن بشكل واضح جليّ في اللغة الإنكليزية التي تتوسع يوماً بعد يوم، ذلك لأن الانفتاح على لغة أجنبية لا يشين لغة حية إطلاقاً.
---
1 – جلال الحنفي: هو أخر من رحل إلى الحياة الآخرة من مستواه الرفيع ولست أدري أبقي أمثاله في أي قطر عربي أم لا. ويلقب بذاكرة بغداد، فقد كان موسوعياً كالجاحظ، وهو أفضل الخبراء في عهده بالمقام العراقي، وعلم التجويد، والعروض، واللغة العربية، وقراءات القرآن والأمثال العربية الخ. وكان جريئاً في مواقفه بشكل عام فقد اتخذ موقفاً فريداً وهو في الثمانينات من عمره وكان خطيب الجمعة في أقدم جامع من جوامع بغداد "جامع الخلفاء" ومنع استعمال مكبرات الصوت في الجامع قائلاً: إن المكبرات تزعج غير المسلمين والأطفال والمرضى والعجز وليس لها داعٍ فكل الناس يمتلكون ساعات ويعرفون أوقات الصلاة من الراديو والتلفزيون. وأفتى أجرأ فتوى في التاريخ المعاصر فقد فضل التبرع بتكاليف الحج للفقراء أيام الحصار معللاً ذلك بأن ملأ أفواه الجياع أفضل أنواع العبادة. ولو لم أضطر للهرب من العراق لتفرغت في الكتابة عنه وملازمته. وعسى أن ترقد روح هذا العبقري الزاهد المتقشف في سلام دائم.
---
محمود سعيد روائي عراقي مقيم في الولايات المتحدة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: دياب جودات الهيموني
- الزيارات: 6
العزة والكرامة مقاوم ثقافة القهر
بقلم: دياب جودات الهيموني
مختص علاقات تربوية
ثقافة القهر ليست تنظيرا على الآخرين، وإنما هي وصف لما يجري بين الأفراد والجماعات، إذا ما أمكن توصيفها بكل علمية، من خلالها يمكن أن نضع أيدينا على قواعد ثقافة الايلاف، النقيض النوعي لثقافة القهر.
وحتى يكون القارئ حاضر الذهن في هذا التوصيف نبين أن القيم المستخدمة في التعامل اليومي على كل المستويات (العائلية، المؤسسية، الثنائية، الدولية) يغلب عليها الأدوات القهرية (التعالي، التحقير، السب والشتم، التذمر، اللوم، التقريع، الاستهزاء، السخرية، الاتهام، الوصم والإشاعة، التحقيق والتجسس، الأعذار، الأوامر، السيطرة، التحكم، التهديد والرشوة، الانتقام، الثأر، الإيذاء، العقاب، الإقصاء، الإلغاء، النفي) فإذا ما حللت أي حوار أو بيان أو مقال أو حتى برنامج تلفزيوني أو برنامج سياسي أو خطاب سياسي أو ديني، ستجد وللأسف الكثير من هذه القيم، والتي هي تعبر عن سلوك قهري مهما تجمل صاحبها بقيم أو إطار فكري إنساني أو غيره، لا يمكن أن نحقق القيم العليا (المفترضة نظريا) ونحن نمارس مع الآخر على أرض الواقع هذه الثقافة التي يبدو أنها هي الواجهة الحقيقية للثقافة السائدة على عكس ما يدعي الأشخاص بأن نواياهم حسنة أو قيمهم على غير ما يفهم منها من خلال خطاباتهم أو حواراتهم.
ما المشكلة إذن؟؟ هل هي زلات أو هفوات، هل كل خطاب يحمل قيم القهر يتطلب عدة خطابات توضيحية، للأسف هذا هو واقع الحال، مهما جمعنا من التبريرات والأعذار والتي هي جزء من ثقافة القهر شئنا أم أبينا.
ولنلاحظ معا أن ثقافة القهر تتسم بأربع سمات أساسية، فهي أولا خاضعة لظاهرة الغضب والحنق والغيظ، فصاحبها يحمل هذه المشاعر تجاه الأخر، وثانيا لا تحمل مشاعر الاحترام للآخر المستهدف في الحوار أو الخطاب على الإطلاق، فهي تهين الإنسان وتحتقره، وثالثا تعتبر أن الحل لأي مشكلة هو استسلام الآخر وخضوعه أو خارج على القانون يجب قمعه، ورابعا حامل هذه الثقافة يحتاج إلى القوة بمختلف أشكالها (الجسدية، واللفظية، السلاح، المال، الجاه والمنصب، المؤسسة والحزب، العشيرة والقبيلة، وحتى الحجج الفكرية والعلمية والدينية ...الخ.
ثقافة القهر معول هدم لصاحبها، لأن الله خلق في الإنسان خاصية لا يمكن تجاوزها، يمكن مرحليا، ولكن على المدى البعيد لا يمكن قهر الإنسان، نؤكد يمكن مرحليا، ولكن في اقرب وقت ومع تراجع القوة المستخدمة في القهر أو مع توازن القوى، تعمل الخاصية البشرية الفطرية التي خلقها الله في الإنسان وهي عزة النفس.
نعم العزة هي المقاوم الفطري للقهر، وإلا فما مشكلة الشعوب والأشخاص إذا ما استثنينا العزة والكرامة. فالكل سيكون طيعا للآخر. ونؤكد أن السجل التاريخي يثبت أن لا قوة استطاعت أن تنجح في قهر الأخر، مهما طال الزمن ومهما عتت القوة.
ثقافة القهر ثقافة سيئة مقيتة لأنها تورث الكراهية والحقد والغيظ وثقافة قهرية مقابلة لها، ليقع الجميع أسرى في دائرة الشيطان (قهر وقهر مضاد). وافحصوا معي أي خطاب لا يخلو من الشتائم والتهديد والسخرية ...الخ إلا من رحم ربي.
وحتى نؤسس لثقافة الايلاف التي هي موجودة من خلال المنهج الحقيقي للدين الإسلامي الحنيف، لنرى معا كيف يتصرف الناس ضمن ثقافة القهر، فهي تتبع خمسة خطوات (قواعد) يتم التعامل بها وللتوضيح أن هذه القواعد الخمسة قد بينها القرآن الكريم وبينها الرسول العظيم في نهجه النبوي المصطفوي.
الخطوات الخمسة هي (السلوك التفضيلي، السلوك الظني، السلوك الخصامي، السلوك الكيدي، السلوك العدواني)، سنتناول هذه الخطوات في مقال آخر، وما يهمنا في هذه المقال التوضيح أن المدخل لثقافة الايلاف هو في إلغاء قيم ومعاول ثقافة القهر ولنضع كلمة لا أمام كل قيمة من القيم السابقة ونبحث في تاريخنا الإنسان والإسلامي العظيم عن القيم البديلة.
وحتى نتبع هدفا في هذا المقال، لنرى ما يحدث على الساحة الفلسطينية، من استخدام لهذه الثقافة بين طرفي المعادلة الفلسطينية (فتح وحماس) ولست في موقع التنظير على أحد، ولكن تتبع لكل ما يقال في الإعلام بين الطرفين سنلاحظ بوضوح الأدوات المستخدمة والتي هي في الحقيقة أدوات قهرية مهما حاول أصحابها نفي ذلك.
هل الاتهام والاتهام المتبادل ثقافة إيلاف؟! هل التحقير والاستهزاء ثقافة إيلاف؟! هل محاولة إلغاء الأخر وشطبه ثقافة إيلاف؟! هل التهديد المتبادل هي ثقافة إيلاف؟! ...الخ.
الحل للمشكلة الفلسطينية الداخلية هي ثقافة الايلاف، والطرفان يستخدمان القواعد القهرية الخمسة (تفضيل وظن وخصومة وكيد وعدوان) لن يكتب لهما النجاح بل للأسف المزيد من تصعيد حدة الوضع ومزيد من الآلام ووكالة عن العدو في إنجاز ما عجز عنه لعقود طويلة، لأن الخطوة الأخيرة في ثقافة القهر هي العدوان وما تحمله من معاني على الأرض.
نعم لا داعي لأن نلعن الشيطان ونحن نستخدم أدواته، ولا داعي للبحث عن الأعذار، سنبقى في نفس الدائرة، ولا ينفع من هو الصائب والأكثر صوابا، أو المخطئ والأكثر خطأ. ليس هكذا يتم حل الأمور. وفق هذا المنهج.
ثقافة الايلاف هي الحل ليس لأنها من كاتب هذا المقال، بل لأنها منهج إلهي غفل عنه الكثيرون حتى حملة هذا الدين. سيكون للحديث عن هذا المنهج مقال آخر. ولكن نؤكد مرة بعد مرة، الكل خاسر في معركة الشيطان (قهر الآخر).
وفي ختام هذا المقال نذكر بقول الله تعالى:
(يا أيها اللذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم أحدا أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم) سورة النور (21) آية (24).
الإستقواء أهم ظواهر ثقافة القهر
الإستقواء ليس فقط امتلاك القوة وغالبا ما يكون هذا الإستقواء هشا وهامشيا لأنه لا يعتمد على رؤية صحيحة وإنما يعتمد على قانون الصراع المستمد من ثقافة القهر.
كيف ذلك؟
الاحتلال، العنصرية، القمع، فرض الأمر الواقع، ...الخ كلها أشكال لظاهرة الإستقواء والتي هي تعبير عن قواعد ثقافة القهر، قهر الأخر والسيطرة عليه وإتباعه إلى منظومته، من قال أن هذا يتحقق؟ أين النموذج على هذا النجاح؟ هل هو في النظام النازي، الفاشي، الإحتلال والسيطرة خلال القرن العشرين؟ هل هي في الأنظمة القهرية والجبرية والقمعية في العالم العربي والعالم الثالث (والثالث تسمية دونية نابعة من ثقافة القهر)؟ أين هي؟ هل هي في الدول الاجنبية والتي فيها السيطرة للمال، أين النموذج الناجح لظاهرة الإستقواء؟
الجواب في التاريخ القديم والحديث أن ثقافة القهر تحصل على نجاح آني ولكن سرعان ما يتراجع هذا النجاح تحت ردود فعل الأخر، وهذا الأخر قد يستخدم نفس الثقافة (أدوات قهرية) أو صد العدوان (ثقافة الايلاف)، ولكن نحتاج الى شرح أطول لبيان الفرق بين الثقافتين، مع أن ثقافة الايلاف لها امتدادات كبيرة في الثقافة الإنسانية والدينية.
ظاهرة الاستقواء قد تبدا من الرجل تجاه المرأة، أو الولد الأكبر تجاه الولد الأصغر، او الذكر تجاه البنت، أو المسؤول تجاه المرؤوسين، أو الدول تجاه الدول الأخرى.
سلوك الإستقواء هذا هو نفسه في الأفراد والدول والجماعات، في الممارسة اليومية وفي الخطابات وفي المحاضرات، وليس أجهزة الاستخبارات للدول سوى نموذج لثقافة القهر، تحت حجة البحث عن قوة الأخر وبيان نقاط ضعفه.
بوضوح وببساطة الاستقواء نابع من الاحساس بالأفضلية على الأخر، وهي الخطوة الأولى في خطوات ثقافة القهر، والاستقواء هو أعلى أنماط الاحساس بالأفضلية.
من قال أنك الأفضل؟ فقط أنت نفسك، أو اولئك المستضعفين المحيطين بحاشيتك، يزينون لك ويمدحونك ويستحسنون رأيك، ولكن مع أول إنكسار ستجد نفسك وحيدا ملاما مهانا، هذا هو القانون الذي لا يرحم، لأن صاحبه لم يرحم. يقول الله تعالى: (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) سورة الزخرف أية 76.
ولنعود إلى سبر علاقاتنا الشخصية والثنائية والتربوية والعائلية والحزبية والدولية، سنجد هذا النمط من الإستقواء أنا الأفضل، وما كان لفرعون أن يستعلي دون إفراطه في عبادة ذاته واستقوائه على الآخرين حتى إدعائه الألوهية، ليس من ثقافة الايلاف أن تدعي أنك تمثل الإله، حتى الأنبياء لم يستخدموا الإستقواء على المستضعفين في نشر الدعوة فهي لا تجوز لبشر دون الأنبياء.
ومن مظاهر الإستقواء والإحساس بالأفضلية أنك تضع النظريات، والأخر مخطئ، أنت فقط الصواب والأخر مخطئ، من قال لك ذلك؟ ومن هو الحكم في ذلك؟ ومن يخالفك الرأي يواجه بأبشع الردود من الإهانات والسخرية التحقير والأيذاء.
ماذا نسمي ضرب النساء؟ سوى استقواء، ماذا تسمي السرقة؟ سوى استقواء، ماذا نسمي تحقير الآخر؟ سوى استقواء، وماذا يمكننا تصنيف العنصرية؟ والتي تنفي الآخر وتتمنى عدم وجودة سوى نظرة قهرية استقوائية، هل يجوز أن أنفي الآخر في لحظة الإحساس أنني الأقوى.
هذا الكلام موجهة إلى كل من يتحكم للحظة في مسار دفة الأمور، الزوج، المدير، الحزب، فتح، حماس، اسرائيل،امريكا، ...الخ.
ماذا لو كان الآخر في مكانكم ويتحكم بكم، هل يحق له أن يفكر بنفس الطريقة التي تفكرون فيها، الاستقواء؟؟؟
الحكيم من حسب العواقب، هل حسبت امريكا عواقب استقوائها في افغانستان والعراق؟ هل حسبت اسرائيل عواقب استقوائها على الفلسطينيين واللبنانيين؟ هل تحسب فتح وحماس عواقب الإستقواء على شعب تعرض ويتعرض لكل أشكال الإستقواء؟؟؟؟
الحكمة تتطلب الندية، المثلية، المساواة، حسب المثل (كلنا أولاد تسعة) فليس بالمال والجاه والتكنولوجيا يتم بناء العلاقات الانسانية على قاعدة قهر الآخر، لن ينفع كل التقدم العلمي والتكنولوجي ولا ينفع كل المال والجاه في تحقيق العلاقات الحميمة حتى بين الزوج وزوجته ما دام يستخدم في قهر الآخر والسيطرة عليه والإستقواء عليه.
أيها المستضفون في الارض: لا يغرنكم قوة القوي، ولا استعلاء المستكبر، هم المفلسون، يقول الله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) سورة فاطر أية (5).
وخلاصة أولية في هذا المقال هو أن الأفضلية ومظهرها الإستقواء هي أولى قواعد ثقافة القهر، ونقيضها النوعي في ثقافة الايلاف هي قاعدة التعارف التي تبنى على التساوي الندية وعدم التمييز وعدم العنصرية ولا فضل لأحد على أخر، يقول الله تعالى: (يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) سورة الحجرات آية 13.
ليس من حق البشر التفاضل على الاخرين مهما امتلكوا من قوة والذي يفاضل بين الناس هو الله، فالأصل كما بينه الله كلكم من آدم وآدم من تراب، والأفضل عند الله هو الأتقى، والله أعلم بالتقوى.
ثقافة الايلاف (1)
ثقافة القهر ليست تنظيرا على الآخرين، وإنما هي وصف لما يجري بين الأفراد والجماعات، إذا ما أمكن توصيفها بكل علمية، من خلالها يمكن أن نضع أيدينا على قواعد ثقافة الايلاف، النقيض النوعي لثقافة القهر.
وحتى يكون القارئ حاضر الذهن في هذا التوصيف نبين أن القيم المستخدمة في التعامل اليومي على كل المستويات (العائلية، المؤسسية، الثنائية، الدولية) يغلب عليها الأدوات القهرية (التعالي، التحقير، السب والشتم، التذمر، اللوم، التقريع، الاستهزاء، السخرية، الاتهام، الوصم والإشاعة، التحقيق والتجسس، الأعذار، الأوامر، السيطرة، التحكم، التهديد والرشوة، الانتقام، الثأر، الايذاء، العقاب، الاقصاء، الالغاء، النفي) فإذا ما حللت أي حوار أو بيان أو مقال أو حتى برنامج تلفزيوني أو برنامج سياسي أو خطاب سياسي أو ديني، ستجد وللأسف الكثير من هذه القيم، والتي هي تعبر عن سلوك قهري مهما تجمل صاحبها بقيم أو إطار فكري إنساني أو غيره، لا يمكن أن نحقق القيم العليا (المفترضة نظريا) ونحن نمارس مع الآخر على أرض الواقع هذه الثقافة التي يبدو أنها هي الواجهة الحقيقية للثقافة السائدة على عكس ما يدعي الأشخاص بأن نواياهم حسنة أو قيمهم على غير ما يفهم منها من خلال خطاباتهم أو حواراتهم.
ما المشكلة إذن؟؟ هل هي زلات أو هفوات، هل كل خطاب يحمل قيم القهر يتطلب عدة خطابات توضيحية، للأسف هذا هو واقع الحال، مهما جمعنا من التبريرات والأعذار والتي هي جزء من ثقافة القهر شئنا أم أبينا.
ولنلاحظ معا أن ثقافة القهر تتسم بأربع سمات أساسية، فهي أولا خاضعة لظاهرة الغضب والحنق والغيظ، فصاحبها يحمل هذه المشاعر تجاه الأخر، وثانيا لا تحمل مشاعر الاحترام للآخر المستهدف في الحوار أو الخطاب على الإطلاق، فهي تهين الإنسان وتحتقره، وثالثا تعتبر أن الحل لأي مشكلة هو استسلام الآخر وخضوعه، ورابعا حامل هذه الثقافة يحتاج إلى القوة بمختلف أشكالها (الجسدية، واللفظية، السلاح، المال، الجاه والمنصب، المؤسسة والحزب، العشيرة والقبيلة، وحتى الحجج الفكرية والعلمية والدينية ...الخ.
ثقافة القهر معول هدم لصاحبها، لأن الله خلق في الإنسان خاصية لا يمكن تجاوزها، يمكن مرحليا، ولكن على المدى البعيد لا يمكن قهر الإنسان، نؤكد يمكن مرحليا، ولكن في اقرب وقت ومع تراجع القوة المستخدمة في القهر أو توازن القوى، تعمل الخاصية البشرية الفطرية التي خلقها الله في الإنسان وهي عزة النفس.
نعم العزة هي المقاوم الفطري للقهر، وإلا فما مشكلة الشعوب والأشخاص اذا ما استثنينا العزة والكرامة. فالكل سيكون طيعا للآخر. ونؤكد أن السجل التاريخي يثبت أن لا قوة استطاعت أن تنجح في قهر الأخر، مهما طال الزمن ومهما عتت القوة.
ثقافة القهر ثقافة سيئة مقيتة لأنها تورث الكراهية والحقد والغيظ وثقافة قهرية مقابلة لها، ليقع الجميع أسرى في دائرة الشيطان (قهر وقهر مضاد). وافحصوا معي أي خطاب لا يخلو من الشتائم والتهديد والسخرية ...الخ إلا من رحم ربي.
وحتى نؤسس لثقافة الايلاف التي هي موجودة من خلال المنهج الحقيقي للدين الإسلامي الحنيف، لنرى معا كيف يتصرف الناس ضمن ثقافة القهر، فهي تتبع خمسة خطوات (قواعد) يتم التعامل بها وللتوضيح أن هذه القواعد الخمسة قد بينها القرآن الكريم وبينها الرسول العظيم في نهجه النبوي المصطفوي.
الخطوات الخمسة هي (السلوك التفضيلي، السلوك الظني، السلوك الخصامي، السلوك الكيدي، السلوك العدواني)، وحتى يطمئن القارئ إلى هذا التوصيف لنلاحظ ما يلي:
1- ينطلق أي شخص باستخدام ثقافة القهر من الغضب والاحساس (عزة نفس) تدفعه إلى الاعتقاد بأنه أفضل أو رأيه أفضل أو الأخر مخطئ أو الأخر أقل شأنا أو يحق لي أو لا يحق له. وسمات التفضيل هذه تظهر في الأشخاص بشكل واضح في الرغبة بالتفوق والتميز والتباهي والفخر والخيلاء والاستعلاض