- التفاصيل
- كتب بواسطة: زياد ابوشاويش
- الزيارات: 5
الطائفية، التماهي ، التزوير .. جراحنا النازفة
بقلم : زياد أبوشاويش
لا يستطيع أي كاتب أن يبرر أياً من هذه الظواهر وينجو من النقد والإدانة، ذلك أن هذه الآفات الثلاث تؤدى إذا ما استفحلت في أي ثقافة أو طبائع أمة الى تدمير الأسس الأخلاقية وسبل التقدم لهذه الأمة .
ولان لكل عنوان من هذه العناوين( فرسانه) من الكتاب والمواقع والصحف فإننا لابد سنحتاج الى مزيد من الأوراق والمراجعات، لتوضيح كل ما يتعلق بها ورصد نماذجها العديدة وحجم الضرر الذي يلحقه كل من يمارسها ببنيتنا الثقافية والأخلاقية ، ولو بحسن نية ، أو حتى على خلفية الالتزام، أياً كانت مرجعيته .
لكل ذلك سأتناول في هذا المقال العناوين الواردة ارتباطاً بنماذج محددة يمكن القياس عليها لاحقاً لتعرية هذه الظواهر المرضية ومكافحتها ، للحفاظ على ثقافتنا العربية من التلوث الخطر الذي يودي بها ، وينحدر بأخلاقنا الى مهاوي تؤبد هزائمنا الكثيرة بدل أن تكون رافعة لاستعادة لياقتنا العقلية ووجداننا الجمعي بما يؤسس لمستقبل أفضل نتجاوز فيه ظلام الماضي والحاضر ونشعل له ألف شمعة .
إن الديمقراطية وحرية الرأي والتفكير هي العدو اللدود لهذه الآفات ، ولا يستطيع أي مزور أو داعية مذهبية أو متماهٍ في الآخر أن يدعى احترامه للديمقراطية ، ولا حتى للعقل في ابسط تجلياته ، والملفت أن هؤلاء هم أجرأ من تكلم عن الديمقراطية وأشاد بها وبقدرتها على تجاوز الأزمات العويصة التي تمر بها أمتنا العربية وأقطارنا الغارقة بمشكلات مزمنة وأزمات لا يعلم كيف يمكن علاجها الا الله .
أولاً :الطائفية والمذهبية /
لعب التنوع الطائفي والديني دوراً بارزاً في الارتقاء بنوعية الحياة وحرية الاعتقاد ، ذلك أن أصحاب الديانات التوحيدية كما غيرهم من أصحاب الديانات والملل المختلفة حريصون على إظهار أفضلية ما يعتقدوه على الآخرين ، وهذه مسألة منطقية بل وطبيعية ، فليس أشد جاذبية للتميز بين الأمم من تبيان رقى عقيدتها وانسجامها مع الفطرة الإنسانية وخدمتها لعملية التطور المستمرة منذ ظهرت الأديان على سطح الأرض ، بل إن هناك بعض المفكرين يرجعون جوهر الحضارة بمعناها الواسع الى الدين ،وأن الأنبياء والرسل بما هم يحملوه إنما يشكلون المصلحين الأكثر شهرة وشعبية من غيرهم سواء كانوا يحملون رسالات إلهية أو مجرد مبشرين . كما لعب التنوع داخل أتباع الدين أو الطائفة ومذاهبها المختلفة ذات الدور ، ويخبرنا التاريخ القديم والحديث بجملة من المصلحين الذين أضافوا على معتقدات قومهم وقناعاتهم الدينية اضاءات عظيمة ساهمت في ترشيد الفكر والمعتقد باتجاهات أكثر عمقاً وأكثر إنسانية .
ويمكن لاى دارس أن يجد نماذج هؤلاء في المسيحية بكل أقسامها ومللها المعروفة كما في الإسلام بكل مذاهبه المعروفة ، كما في باقي الأديان والمعتقدات .
إن هذه النتائج الايجابية للتنوع على هذا الصعيد كان دوماً يرتبط بحالة التعاون والتفهم والقبول بالآخر على أرضية عقلية مشتركة تؤكد أن لكل منهج حرية المرور كما حرية التعبير التي لا تلغى الآخر وأنها مهما كانت درجة الاختلاف فان قواسم مشتركة تجمع بينها جميعاً تتعلق بالسعي الجاد والصادق نحو سعادة الإنسان وتخليصه بالمعنى الدنيوي ويوم الحساب.
وفى المقابل فان التاريخ ، حديثه وقديمه، ينبئنا بأن فترات الانحطاط والظلامية في التاريخ البشرى منذ ظهرت الأديان على سطح المعمورة قد ارتبطت بالصراع بين هذه الأديان ومذاهبها المختلفة ، وأن أسوأ ما أصاب البشرية والمجتمعات هو ذلك التعصب الأعمى أو المبصر لهذه العقيدة أو تلك، بغض النظر عن نوايا قادة هؤلاء وأهدافهم .
ولو بدأنا الآن في تعداد النماذج الواضحة لتأكيد ما نقول فسنحتاج لعشرات المقالات ، لكن نكتفي بإيراد نموذج إسلامي هو الفتنة الكبرى وعقابيلها الدامية ونتائجها التي نرى بعضها أحياناً حتى يومنا هذا . ونموذج مسيحي يتعلق بالفتنة أيضاً والصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية وتجليها الأكثر دموية في محاكم التفتيش الشهيرة ونتائجها المدمرة .
وبعد هذا.. ما الذي دفعنا لتناول هذا العنوان ؟ هل هي المسألة التاريخية ونبش القبور ؟ بالطبع ليس هذا مقصدنا، بل وجدنا نماذج لإعادة نبش تاريخ طويل لاستخراج أسوأ ما فيه وإلقائه في وجوهنا ودفعنا جميعاً لإعادة تمثيل تلك الأدوار الهمجية والمتخلفة لخلاف مصالح تم تغليفه بأسوأ ما في النفس البشرية من الغلو والحقد وبثوب ديني ومذهبي، لا يبقى لإعمال العقل أي مكان، ويودي بكل حضارتنا العربية والإسلامية الى مجاهل التوتر والصدام الدموي . ولأننا لا نصادر حق المفكرين والعقائديين في التعبير عن آرائهم ولسنا معنيين أصلاً بكبح التنافس وحتى الصدام الفكري ، فإننا ندعو لحماية هذا الحق ضمن الأطر الصحيحة، وبذات المنهجية التي لا تنفى الآخر ولا تسخفه أو تستهين بمعتقده أو بمذهبه أياً يكن هذا المعتقد أو المذهب فما بالكم وما نتناوله تحت هذا العنوان يخص الأخوة المسلمين من الشيعة الكرام والذين يشكلون القسم الآخر للسنة الكرام، وبهما يتشكل المكون الأكبر في ديننا الاسلامى الحنيف.
لقد تعاظمت في الأيام الأخيرة الانقسامات الدموية والغير مبررة بين الشيعة والسنة في العراق المحتل ، ويجمع كل الحريصين والمقاومين الصادقين للاحتلال على تشخيص هذا الداء باعتباره الأخطر على وحدة العراق ومستقبله كوطن يجمع بين جوانحه كل الأطياف العراقية. إن هذا الانقسام الدموي الذي خلقه الاحتلال وعملاؤه يسحق عروبة العراق وإمكانية تحريره من العدو الامريكى الغاصب ، وبالتالي فان أفضل ما يقوم به كاتب أو مفكر أو قائد سياسي هو رأب الصدع بين السنة والشيعة ولجم كل الدعوات للمزيد من التمزق بين الطرفين بتوجيه البوصلة نحو الاحتلال باعتباره العدو الاساسى والفرعي لكلا الطرفين، والكابح لأي تقدم، كما المهين لكرامة كل عراقي وشرفه بغض النظر عن دينه أو طائفته أو مذهبه أو معتقده .
إن إدانتنا لكل ما كتب حول الشيعة على صفحات الجرائد أو في بعض المواقع الالكترونية ممن لا يهمهم مصلحة الشعب العراقي أو الأمة العربية ، والذين يتساوقون بقصد أو بغير قصد مع المخطط الامريكى الصهيوني يعود بالإضافة الى كل ما تقدم للآتي :
إن الشيعة في العراق وغيره فيهم الشقي وفيهم التقى ولا يجوز بأى حال أن أسقط لقب الخيانة أو العمالة على طائفة بعينها تحت أي مبرر حتى لو كان كل عملاء الاحتلال ومن عاونوه من هذه الطائفة فما بالكم والأمر بخلاف هذا ، ولا يلغى هذا الأمر كون أغلبية المتعاونين الآن مع المحتل هم من المحسوبين على الطائفة الشيعية .
إن وجود ميليشيات الغدر والحثالات العميلة يمكن فهمه بسهولة بواسطة التحليل السياسي العقلي وبمنهج علمي يرى المصالح كمرجعية لكل السلوك ويستخدم طرق التحليل والاستنتاج الذي يأخذ بالأسباب ويضع ما يناسب من الحلول ، وليس بإلقاء التهمة على المذهب والعقيدة وغير ذلك من الأسباب الوهمية . إن هذا لا يلغى فهمنا ولا قناعتنا بأن لكل مذهب أو عقيدة نصوصها وتفرعاتها التي يمكن أن تُسْتَغل في الصراع السياسي، يتساوى في ذلك المسلمون والمسيحيون، كما يتساوى فيه السنة والشيعة ، وهذا ما يلعب على أوتاره المحتل وزبانيته في العراق وغيرها من بلادنا العربية .
وحتى تتضح الصورة نورد جزئية ربما تساهم في بلورة رؤية صحيحة وصادقة تجاه ما يجرى الآن في عراقنا الجريح ، هذه التي تقول بأن أشد من هاجم السيستانى على سكوته عن الاحتلال وعدم إفتائه بلزوم مقاومته هم كتاب ومفكرون شيعة من العرب وغيرهم ، وأن هؤلاء وغيرهم ومن آيات الله قد حضوا على قتال المحتل وأوضحوا بجلاء روح الدين الاسلامى المقاوم والحافظ للكرامة والرافض للظلم وعدم جواز التعاون معه تحت أي ذريعة .
هل منا من لا يعرف المناضل العربي آية الله أحمد حسن البغدادي الذي يجهر صباح مساء بالدعوة لقتال الأمريكان وكنسهم من الوطن العراقي؟ وهو بالمناسبة عضو في المؤتمر القومي العربي كما المؤتمر الاسلامى القومي .
هل منا من لا يعرف آية الله محمد حسن المؤيد الذي ينادى بالجهاد ضد الأمريكيين وضد الأطماع الإيرانية بشكل أفضل من العديد من قادتنا السنة ، ويجتهد في الإسلام المقاوم وضرورة القتال ضد الاحتلال وعملائه بصورة أصدق وأنزه من الكثيرين من دعاة الفتنة الطائفية والمذهبية الحريصين ظاهراً على الطائفة السنية . وينطبق ذلك على الشيخ جواد الخالصي الذي ينادى بأعلى صوته وفى كل محفل بوحدة العراق وعروبته .
ما تقدم لا يمس طبعاً بأي صورة الجهاد العظيم والباسل لقيادات سنية ومقاتلين يصنعون في العراق ملحمة عربية بكل معاني الكلمة ويصدون بأرواحهم وبدمائهم هذا الهجوم الامبريالى الهمجي على بلدهم ويساهمون بشكل واضح في وقف الزحف المغولي الجديد على كل حواضر العرب ، ولكننا قصدنا الرد والتوضيح للأقلام والجهات والمواقع والصحف التي تفتح ذراعيها للفتنة الطائفية وخصوصاً ما يتعلق منها بالهجوم على الإخوة الشيعة بقضهم وقضيضهم .
وقبل أن أختم في هذا الجزء من المقال أود أن أتطرق لواقعة تاريخية وردت في كتاب " أربعة قرون من تاريخ العراق " : (كان الأتراك يغزون العراق من الشمال ويقوموا بقتل الشيعة ، ويقوم الفرس من الشرق بغزواتهم لقتل السنة ، وفى إحدى غزوات الفرس وصلوا الى كربلاء حيث مرقد الإمام الحسين(ع) فطلبوا من كليدار كربلاء تدوين أسماء كل العوائل الشيعية القاطنة في المدينة حتى يتسنى لهم ذبح السنة ( والكاليدار هو المسئول عن الروضة الحسينية) ، وبعد فترة قدم لهم الكاليدار أسماء كل العوائل في كربلاء ، وعندما شعر الفرس أنه كتب أسماء العوائل السنية كشيعية قاموا بقتله) . وهكذا قدم الرجل روحه للحفاظ على أبناء وطنه ، وهكذا يجب أن يفهم الجميع أن العراقيين عاشوا لسنوات طويلة جداً دون تمييز بين شيعتهم وسنتهم ، وحافظوا على الفسيفساء العراقي الذي يجمع كل الطوائف والمذاهب والقوميات عرباً وكرداً وتركمان وأشوريين وكلدانيين .
إذن دعونا نقاطع ونمنع بكل السبل أي دعوة للتحريض الطائفي والمذهبي بغض النظر عن مصدرها وتوقيتها، بشجاعة ووضوح وبدون أي تردد أو ميوعة فكرية .
ثانياً:التماهي /
والمقصود به ذلك التماثل والتطابق الناتج عن رؤية مصلحية وغير مبدأية تصل الى حد تغييب العقل كما الرأي الآخر ، وتصل في التوصيف الاخلاقى الى النفاق والكذب مجتمعين .
وكما هو معلوم فنحن هنا لا نستعيد وقائع التاريخ لتصديق ما نقول وتأكيده بل نتناول جرحاً لا يزال ينزف من جسد ثقافتنا وقيمنا ، ولا تدل وقائع التاريخ في هذا الباب على أي شيء ايجابي في هذا السلوك ، ولعل بلاط السلاطين وديوانيات الأثرياء تشهد على ذلك النوع المهين من التماهي وخلفيته الجشعة والتي لا تراعى ذمة ولا ضمير .
لقد كانت الثقافة الإسلامية شديدة الدلالة على نبذ هذا السلوك المشين والحث على نقيضه وقد قيل في ذلك حديث النبي محمد (صلعم) المعروف عندما سؤل عن أعظم الجهاد فقال : " كلمة حق أمام سلطان جائر " . صدق رسول الله صلوات الله عليه .
والتماهي يحرم المجتمع وثقافته من رؤية البدائل المطروحة للأمر موضع البحث والنقاش ويوصله الى الجمود الفكري والعقائدي ، ويؤدي في الأغلب الى حََوَل يدفع باتجاه الخروج عن السكة الصحيحة ، وهو في اضعف آثاره السلبية يعطل اتخاذ القرار الصائب ويؤخر التقدم ويحرم أي أمة من قسم هام من عقولها النيرة، وهو سلوك مدان بكل المعاني .
وحتى يتم إيصال ما نريد في هذا القسم نؤكد أن ما نقصده هنا يختلف عن التطابق والامتثال الواعي والشرعي المُجْمَع عليه تجاه قضايا الأمٌة والدفاع عن حقوقها كما الدفاع عن الحقيقة.
وهو الامتثال الذي يصل أحياناً حد استخدام نفس المفردات ، ويمكن هنا إيراد نماذج كثيرة للتوضيح لكن بحكم أننا نستهدف النوع الآخر سنورد الأمثلة عليه في السياق .
وكما أسلفنا في القسم الأول من أمراضنا فانه لابد من توضيح الدافع وراء هذا العنوان ولماذا يجب مقاومته ونبذه من بيننا ، أو في أقل تقدير مجابهته بالحجة والمنطق الذي يحرم أصحابه من أي تعاطف . والقضية المحددة التي شكلت الدافع لتناول الأمر هي قضية الموقف من السلوك الايرانى وعلاقاته العربية تجاه مجمل أزمات المنطقة عموماً ، والقضية الفلسطينية والعراقية على وجه الخصوص .
لقد لاحظنا أيضاً في الأيام السابقة ومنذ احتدم الصراع الطائفي بل قبل دخول القوات الأمريكية الأراضي العراقية وتشكيل حكومات تابعة وذات صبغة طائفية ، لاحظنا اختلاف وجهات النظر تجاه إيران من قبل العديد من كتابنا وصناع الرأي فينا على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم الفكرية والسياسية . منهم من يعتبر إيران حليفاً صادقاً ومأموناً ومن الأهمية بمكان التشبث به كحليف لا غنى عنه لمواجهة أخطار تحدق بنا كعرب ومسلمين ، ويسوق في تأكيد وجهة نظره كل الحقائق والسلوك الذي يعززها ويصل به الأمر حد المقارنة مع الأنظمة العربية باعتبارها المقياس في سلوكها السياسي غير الحريص على مصالح الأمة وكرامتها وفى هذا يجد كل ما يلزم لوضع إيران فوق الشبهات. كالمقارنة التي تتكرر لسلوك السادات المنفرد تجاه صلحه المشئوم مع العدو الصهيوني وتبرير كل الهبوط اللاحق والخياني بما أنجزه الرجل بهذا الهبوط وبخروجه الأرعن على كل ما ناضل في سبيله شعبنا العربي المصري المكافح والأبي ، والذي كبل يدي مصر عن المشاركة في أي مواجهة حقيقية للعدوان على الأمة ، كما رهنها للمساعدات الأمريكية المهينة. ويؤكد على الانحياز الكامل للتحالف مع إيران باعتبارها السند الأكبر وشبه الوحيد لكل قوى المقاومة والممانعة في المنطقة للمشروع الامريكى المتصهين ، في ذات الوقت الذي تعلن فيه إيران موقفاً معادياً لإسرائيل ومجاهرة برفضها لكل الوجود الاسرائيلى على أرض فلسطين، ومنكرة حق الكيان في الوجود، ومعه أساطيره بما فيها الهولوكوست الشهير .
وفى مقابل الرأي المتماهي مع الموقف الايرانى ويراه صائباً بشكل كلي نجد النقيض في كتابات بعض الكتاب وبشكل تحريضي يصل الى حد اعتبار إيران عميل سرى للإدارة الأمريكية ومتآمرة على مصالح امتنا العربية وقضيتها المركزية فلسطين ناهيك عن تآمرها على احتلال العراق وتعاونها المؤكد من هذه الوجهة في تدمير العراق واحتلاله .
ويسوق هذا الطرف، كالآخر النقيض، كل الحقائق والأضاليل المساندة لوجهة نظره ، وهو في هذا يتماهى مع موقف الإدارة الأمريكية على هذا الصعيد شاء أم أبى، ومع الجهات المعادية لإيران وبالتالي ومنطقياً معادية لكل أصدقاء إيران وحلفائها في المنطقة ، وهذا يؤدى الى ذات النتيجة المتوقعة للموقف النقيض ، فكلاهما متماهيان بشكل غير مبدأي ويضر بمصالح الأمة العربية ومستقبلها ويضعنا أمام استحقاقات داخلية شديدة الوعورة ، ولا تقدم لنا سوى الانقسام والاحتراب وانعدام الثقة ، وضياع الفواصل بين ما هو حق وبين ما هو باطل . بين ما هو لصالح امتنا وبين ما هو مجحف بحقها وبمصالحها ، وينطبق هذا على المسألتين الفلسطينية والعراقية واللتان تمثلان الآن مركز الاستقطاب الأكبر لجهود الأمة ونضال أبنائها.
وللتخلص من هذا لابد أن نضع الحقيقة وما نراه الحق من خلالها كمرجع لسياستنا العربية تجاه الجمهورية الإسلامية الايرانيه . فبالإضافة لكل ايجابيات العلاقة معها وإقرارنا بما تقدمه وقدمته من دعم تجلى في بداية انتصار الثورة بإغلاق السفارة الصهيونية ومنح المقر ذاته لسفارة فلسطينية بطهران نود أن نؤكد على ما يلي ونحاور فيه الأخوة في قيادة الجمهورية الإسلامية /1- هناك تيار فارسي صفوي لا شك فيه داخل إيران ولا يمكن إنكاره ويظهر جلياً في سلوك الدولة تجاه الأقلية العربية، وتجاه السنة الذين يشكلون 40% من سكان إيران .
2-وفى مسألة الغزو الامريكى وتدمير العراق فقد كانت إيران تستطيع عرقلة المشروع لو منعت حلفاءها من التعاون مع الأمريكيين، كما لا يمكن انكارالاعتماد الامريكى على فيلق بدر وحزب الدعوة في تثبيت الاحتلال وتنفيذ مشروعهم بالعراق ،وهذان الفصيلان مع جيش المهدي أو ما يسمى بالتيار الصدري من يشكلون الحكومة العميلة للاحتلال وبدونها لا يستطيع الأمريكيون البقاء لشهر واحد في بغداد ، وهذا أمر لايمكن التغاضي عنه في تحديد موقف إيران من قضايانا الكبرى ويؤشر لخلل واضح في رؤية الإخوة الإيرانيين تجاه المسألة العراقية .
3-وإذا كنا نفهم الرضي الايرانى تجاه إسقاط العدو اللدود لهم والذي حاربهم لثماني سنوات ووقف سداً منيعاً في وجه الثورة وامتدادها ، فإننا لا يمكن أن نتفهم عدم إصدار آية الله السيستانى وكل الآيات المرتبطة بإيران وبولاية الفقيه لفتوى تلزم العراقيين كافة والشيعة على وجه الخصوص بمقاومة الاحتلال ووجوب كنسه من العراق بعد سقوط النظام السابق بقضه وقضيضه ، إذن الحجة هنا ليست مقبولة ولا مفهومة الا في سياق تعاون، ترى فيه إيران مصلحتها في عراق مستأنس لها ولغيرها ومضمون الولاء . وفى أحسن الظن تخليصه من الأمريكيين ليصفى لها الجو لاحقاً ويكون العراق احد محمياتها، مكررة في هذا سلوك الشاه المقبور. وبمعنى أوضح فانه إذا كان الحقد قد وصل ضد صدام الى حد القبول بالتعاون مع أمريكا لإسقاطه فان التعاون لاحتلال العراق وتدميره وذبح شعبه يكشف هذه الحجة ويجعلها بلا قيمة، فالذي يٌدمَر هو العراق السد التاريخي للأطماع الفارسية .
4-من جهة أخرى فالفلسطينيون العرب يذبحون في العراق على أيدي ميليشيات لا شك في ارتباطها بإيران ، ورغم كل المناشدات يستمر القتل لأهلنا فماذا نسمى ذلك؟ وهل يجب التغاضي عنه باى شكل من الأشكال رغم كل الدعم الذي تقدمه إيران لحركتي حماس والجهاد الاسلامى في فلسطين وتقديرنا العالي لهذا الدعم؟
5-نعم إيران ليست عميلة لأمريكا وهى حليف جدي للقضية الفلسطينية والمقاومة ونحن نقدر لها ذلك ونقول لها مرحى ونصفق لموقفهم منها، لكن ذلك لا يبرر ازدواجية المعايير التي تنظر بها إيران لقضايانا فما يضر العراق والشعب العربي في العراق يضرنا ويدمينا .
6-وفى ختام الملاحظات حول الموقف الايرانى لابد أن نأتي على قضية إعدام الرئيس الأسير صدام حسين ، فربما نكون في السابق ضد حربه على إيران قبل أن تدخل إيران الأرض العراقية ، وضد مطاردته القاسية للمعارضة ، وضد علاقته الملتبسة بدول الخليج وأمريكا ولكن من يستطيع إنكار وقفة القائد الشهيد أمام جلاديه الملثمين وذوى اللكنة الفارسية وتحت الاحتلال الامريكى وبرعايته الواضحة ليهتف قبل أن ينفذ فيه الاغتيال السياسي لفلسطين وللعروبة وينطق بالشهادتين بنبرة واضحة ثابتة، حتى مسٌ منا شغاف القلب .
إن كل مواطن عربي رأى ذلك العرض الهمجي تعاطف مع صدام حسين والأغلبية بكته بصدق .
إن إعدام الشهيد واغتياله يوم العيد قد جرح كرامة كل عربي مثلما أدمى فؤاده، وكان على الإخوة في إيران مراعاة مشاعر حلفائهم في هذا، وكانوا يستطيعون تأجيل التنفيذ على الأقل.
إن التماهي مع الموقف الايرانى أو ضده كلياً لا يفيد العلاقة ولا يقدم أي فائدة لنا أو لإيران.
وقبل أن نختم هذا العنوان لابد أن نشير الى أن هناك آلاف النماذج الجارحة والمضرة للتماهي في بلداننا العربية وفى فلسطيننا الجريحة لابد أن نطيح به ونكشفه إنْ أردنا الخير لمستقبلنا .
ثالثاً :التزوير/
للتزوير أشكال متعددة بدءً بتزوير النقود وانتهاءً بتزوير البشر وانتحال شخصية الغير وما نريد الحديث عنه هنا هو تزوير مواقف الناس أو أقلامهم ليخط بها الآخرون ما يحلو لهم وهذه آفة شديدة الخطورة بكل المقاييس وهى تصل الى حد الجريمة الكبرى التي يعاقب عليها بالسجن المؤبد أحياناً كونها قد تسبب فقدان الحياة وغير ذلك من النتائج الكارثية على الأفراد والأمة ، ولا ينكر أي متابع لأحداث التاريخ الكبرى الا أن يقر بأن جزءً من الحروب والعداوات الطويلة والمؤلمة تسبب بها هذا النمط من السلوك الإجرامي والغير مقبول .
وليتصور أي كاتب أو أي مواطن أن يقوم أحدُ ما بتقمص شخصيته أو الحديث باسمه فيرتكب به أبشع الجرائم ثم يأتي العقاب فيطاله وأسرته ، أو يوقع به مع جهة رسمية أو يدمر حياته الاقتصادية الى آخر ما هنالك من شئون الحياة المختلفة .
إن الحكومات والدول تكافح بأشد الإجراءات صرامة قضايا التزوير والانتحال وهى تدرك بحكم التجربة والخبرة أن هذا طريق مدمر لكل القيم الطيبة في أي مجتمع ويؤدى شيوعه الى الخراب، وكم من حرب اندلعت بسبب تزوير رسالة أو تصريح ، وفى هذا يتساوى من يذكر على لسان الآخرين ما لم يقولوه مع من يوقع على أوراق رسمية باسم غير اسمه، أو يزور النقود .والأكثر خطورة والمدان أخلاقياً وقانونياً من يسوق التزوير وهو يعلم به .
وقد قادني لهذا العنوان أيضاً ما روجه موقع الكتروني وجريدة الكترونية تبعها البعض الآخر لرسالة مزورة نسبت للأخ أبوخالد العملة رغم معرفة من يشرف على هذه المواقع بأنها مزورة إن لم يكونوا هم بأنفسهم قد زوروها بقرار من جهات لا داعي لذكرها في هذا المقال وربما تتاح لنا فرصة أخرى للحديث بشكل موسع عن هذا الموضوع وهذه الجهات .
المدهش في الأمر أنه برغم كل الدلائل التي ظهرت لتكذيب الرسالة ومرسليها الا أن بعض المواقع أبقت عليها في صدر صفحتها الأولى ورفضت نشر التكذيب الوارد من المعنى وضحية هذا التزوير وأقصد به أبو خالد العملة . كما رفضت نشر تعقيباتي التوضيحية ورسائلي بالخصوص ،في سلوك دلالي يشير بوضوح لتعمد نشر التزوير إن لم يكن صناعته .
والى هنا ربما نطوى الصفحة ونسامح ، لكن أن تستمر هذه المواقع في خداع الكتاب والقراء بإلقاء الشبهة على الرسالة الحقيقية وهى تعلم في الحد الأدنى مصدرها ومن كتبها وكيف وصلت لهذه المواقع ، في الوقت الذي تخفى فيه مصدر المزورة ومن أين أتت في تحدى واضح لكل القيم الأخلاقية وأصول النشر تحت زعم حرية النشر وحرية الرد فهذا ما لا يجب السكوت عنه . وحتى تكتمل الصورة الهزلية لهذا الموضوع يتنطح بعض الكتاب، ممن يفترض أنهم الأحرص على عدم نشر ثقافة التزوير، لنقاش وتحليل الرسالة المزورة، وكأن قضية التزوير لا وجود لها ، وتصبح المسألة الأهم مضمون المزوٌِِر ومدى مطابقته لرغبة هذا الكاتب أو ذاك، ليس هذا فحسب، بل ذهب البعض الى حد القول بضرورة تحويل الرسالة الى القاضي المحقق في اغتيال الحريري وبعض الاغتيالات السابقة والواردة نصاً في الرسالة المزورة .
وذهب آخر بشكل مشبوه ومغرض الى حد محاكمة الأخ أبو خالد بناءً على هذه الرسالة والقول بأنه يستحق الإعدام ولا وجوب لاى رأفة معه رغم اعترافاته وطلبه السماح والعفو على حد زعم كاتب الرسالة المزورة ومنطوقها، والموقع الذي نشرها، والآخر الذي أصر عليها رغم اتضاح الحقيقة. وعلى الرغم من فهم الكثيرين لخلفية هؤلاء في اقتناص الفرصة للنيل من شخص أبو خالد وإدانة سلوكه السياسي وانتفاضة فتح استطراداً ، فان العديد من القراء وخصوصاً الشباب وصغار السن لا يعرفون الوقائع التي رويت سواء في الرسالة المزورة أو المقالات المبنية عليها ، وبالتالي فان هذا يقود حتماً الى تزوير في الوعي وفى التاريخ ، وكان يمكن لهؤلاء ولهذه المواقع أن تتناول الرجل مباشرة وتقوم بقول كل ما تريد حوله وعليه وتثير كل غبار الدنيا فوق رأسه ، لكن ليس بهذه الطريقة الجبانة والمفضوحة وبهذا التزوير المتعمد . وفى هذا يقع اللوم بهذا القدر أو ذاك على كل من عقب على الرسالة وهو يعرف أنها مزورة ، ولا تبرير له حتى لو ادعى أن ما ورد فيها شأن عام ويتناول تاريخ ثورة وانشقاق .
إن قضية الانتفاضة داخل فتح مجال واسع للنقاش وسواء كان المرء من رافضيها أو مؤيديها فان النقاش الصريح والشجاع للمسألة وعدم شخصنتها هو الذي يقود للصواب ولرؤية المستقبل المأمول لحركة فتح وللمقاومة الفلسطينية بشكل عام .
إن إدانة أبو خالد أمر قد نتفق عليه وقد نختلف ، لكن ما لا يجب أن نختلف عليه هو تزوير رأي أبو خالد أو مصادرة حقه وشخصه في ترهات مغرضة وسواء كان المرء يعرف الرجل أو يجهله فان دواعي الأخلاق وأصول المهنة تمنعه من تقويل الرجل ما لم يقله .
إن حساسية الأمر وتلفيقه قد التقطه البعض وبنى عليه موقف باعتبار الرسالة حقيقية وبعض هؤلاء من حسنى النية ، بينما نجد آخرين يلتقطون الأمر ويبنون عليه وهم يعرفون بأنه مزور وهؤلاء من يجب أن يوجه لهم اللوم ، وبغض النظر عمن جرى التزوير باسمه .
إننا ندين هذا المرض الخطير وندعو كل الكتاب والمواقع والصحف للتثبت من الحقيقة قبل نشرها ، ومن مصدر المعلومة قبل إلقائها بين يدي القارىء وعلى وجه الخصوص التيقن من صاحب أي رسالة أو رأى قبل نشره أو إشاعته لأن الخطأ هنا ربما يكون مميتاً وكلنا نعرف وقائع جرت كان الثمن لهذا النوع من الأخطاء بل الخطيئة أرواح بشر وتدمير دول وحضارات.
إن رسالة أبو خالد العملة المزورة والردود عليها تمثل نموذج لما يمكن أن نواجهه في المستقبل بل نحن نواجهه الآن ويستخدم ضدنا في حرب غير أخلاقية تديرها أمريكا وحليفتها في المنطقة وعملاؤهما ضد كل الشرفاء والمقاومين في هذه الأمة .
إن تزوير الوقائع والقوانين والأقوال .... الى آخر ما تخترعه آلة الدعاية الإمبريالية ضدنا يشكل سلاحاً فتاكاً يتوجب على الجميع مقاومته بتحصين أنفسنا وأجيالنا ضده وعدم السماح بنشره أو استسهال التعاطي معه بهذه الخفة التي عالجنا بها رسالة أبو خالد ، وهذا ما يجب أن يدركه كل الكتاب الذين أدلوا بآراء بنيت على تزوير رسالة ، برغم كل ما يمكن أن تتضمنه هذه الرسالة من وقائع حقيقية .
إن تزوير الأدلة على وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق تظهر الى أي مدى يمكن أن تصل إليه عواقب مثل هذا السلوك المشين ، وبرغم تبرؤ السيد كولن باول من ذلك وحديثه عن سلوك مشين لإدارته، واعتذاره عن ذلك، الا أن الذريعة المزورة كانت قد نشرت وصدقها أغلبية الناس ، أما الزعماء وأمريكا ذاتها فقد كانوا يعرفون زيف هذه الأدلة لكنهم يريدون ضرب العراق وإسقاط نظامه البعثي العربي كما يريدون إرضاء أمريكا خصوصاً قادتنا الأشاوس زعماء الدول العربية ، وهم بهذا قد مارسوا ما مارسه بعض كتابنا الذين كانوا يعرفون حقيقة الرسالة المزورة لكنهم كانوا يريدون إدانة الانتفاضة وربطاً السيد أبو خالد العملة . إن التزوير مرفوض من حيث المبدأ ولا يمكن تبريره تحت أي عنوان اللهم الا إذا اضطررنا له في مواجهة العدو الصهيوني أو الاحتلال الامريكى للعراق .
إن حرصنا على توضيح الخطر الكامن في الآفات الثلاث انطلاقاً من نماذج تابعناها أو صادف أن عايشناها على مواقع النت وصحفه لا يلغى عشرات النماذج التي يمكن أن تكون موجودة أمام الإخوة الكتاب والقراء كما الوقائع والنماذج التي يمكن أن ترد مستقبلاً ، ومن أجل هذا المستقبل لنا ولامتنا ولفلسطيننا على وجه الخصوص تأتى دعوتنا لمقاومتها وعدم التهاون معها ، وكل موقف متهاون أو متردد في مواجهتها مدان ، خصوصاً اؤلئك الذين يجاملون المشرفين على المواقع والتجاوز عن خطاياهم رغم وضوحها ووقاحتها تحت ذريعة عدم إغضابهم خوفاً من طردهم من هذه المواقع، أو عدم نشر مقالاتهم ، ولهذا الموضوع مقال من نوع آخر . المهم أن نقوم بما تفرضه علينا أخلاق الكتابة النزيهة والمنصفة ... والشجاعة.
زياد ابوشاويش
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. محمد عبد الرحمن الجاغوب
- الزيارات: 5
السادة المحترمون مجلس التربية والتعليم:
إن المعلم أمة في رجل، ومهنة التعليم تحوطها هالة من القداسة منذ القدم، فهي مهنة الأنبياء والرسل، وحيثما كان يذكر المصلحون الاجتماعيون كان المعلمون يأتون في رأس القائمة، والموروث الأدبي والشعبي في ذاكرة الأمة مليء بالشواهد والأدلة على ذلك، ومما يزيد من أهمية دور المعلم في وقتنا الحاضر أن وظيفته لم تعد تقتصر على نقل المعلومات إلى المتعلمين، بل إنها أصبحت تتطلب منه ممارسة دور القيادة والتخطيط للتدريس وتصميمه والإشراف عليه والبحث العلمي، والتشكيل الأخلاقي والثقافي لشخصيات المتعلمين.
وهذا هو الوضع الصحيح والسوي، لكن المتأمل لأوضاع المعلم العربي في الوقت الراهن لا يعجزه أن يرى بوضوح مكانة المعلم وهي تتصدع ويعتريها الذبول، فمن يأخذ على عاتقه مسؤولية تحليل هذه الأوضاع يستطيع أن يلمح بجلاء مظاهر تدني تلك المكانة، ومنها:
تدني رضا المعلم عن واقعه المهني ينعكس سلبا على نفسيته، فيسيطر عليه دائما شعور بالإحباط وخيبة الأمل، ويحس بأن آماله ومشروعاته في مهب الريح ، وأنها غير قابلة للتحقيق، نراه يتردد على مدرسته كل صباح ولسان حاله يقول:
لو جرب التعليم شوقي مرة لقضى الحياة شقاوة وخمولا
يا من تريد الانتحار وجدتـــــــــه إن المعلـــــــــم لا يعـــــــــيش طويلا
تردي الأوضاع المادية للمعلمين تجبر كثيرا منهم على الانجرار وراء هوس البحث الدائم عن الثروة على حساب القيم الإنسانية التي يفترض بهم أن يناضلوا من أجلها، فنراهم يمارسون أعمالا إضافية لا تليق بمركزهم العلمي والاجتماعي، وبذلك ينطبق عليهم قول القاضي الجرجاني:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس تعظما
ولكن أهانوه فهانوا، ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
وإلا ما معنى أن يعمل بعض المعلمين خارج أوقات عمله بائعا أو سائقا أو سمسارا في السوق،أو مدرسا خصوصيا يطرق أبواب بيوت الطلبة عارضا بضاعته عليهم، وملتمسا فتات رزقه من بقايا موائدهم.
ارتباط مسألة الاحترام والتقدير الإجتماعي للمهنة بمقدار ما يكسبه صاحبها من مال وثروة، فالناس في مجتمعاتنا العربية باتوا لا يحترمون غير الآغنياء وأصحاب الثروات، ولما كان المعلمون من أقل الناس إيرادا ماليا فإنهم ولاشك سيكونون الأقل احتراما وتقديرا من قبل أفراد المجتمع، وهذا وضع مغاير لمنطق الأشياء.
إن توقف بعض المعلمين عن التنمية الذاتية لأنفسهم بالقراءة والاطلاع ومتابعة التحصيل الجامعي، لدرجة أن الواحد منهم لم يعد يقرأكتابا واحدا في السنة ولا حتى صحيفة في اليوم، هذا التوقف عن التنمية الذاتية يؤثر سلبا على مكانتهم العلمية، ويفقدهم تقدير المجتمع إلى حد كبير.
بروز مهن أخرى في المجتمع تكسب أصحابها مالا وجاها وحصانة واحتراما كالطب والهندسة والمحاماة، مثل هذه المهن خطف بريقها احترام المعلمين وتقديرهم، وجعلهم إلى حد ما دون غيرهم في النظرة، وباتوا لا يعبأ بهم أحد، لا في الاستقبال ولا في التوديع أو التشييع، ولا حتى في التزويج والمصاهرة.
تطاول وسائل الإعلام المختلفة وعلى رأسها القنوات التلفزيونية على المعلمين، وسخريتها منهم في أفلامها ومسلسلاتها ومسرحياتها، وتصويرهم في أسوأ حال، هذا التطاول وهذه السخرية تضعف من هيبة المعلمين أمام طلبتهم وأمام أفراد المجتمع.
تخلي المؤسسات التربوية والحكومات عن دعم المعلم وحمايته ومؤازرته، ثم حرمانه من بعض الامتيازات المادية والمعنوية التي تشد أزره، كالمشاركة في اتخاذ القرارات التربوية أو المشاركة في تصميم المناهج وبنائها وفي قرارات النجاح والرسوب، وحرمانه من البعثات والدورات التدريبية التي تشحنه بالمعرفة والخبرة، كل هذا يضعف ثقة المعلم بنفسه، ويزلزل مكانته ويقوضها ويهمشها، ويجعل المعلم عرضة للاعتداء والتجريح من قبل الجهلة وضعاف النفوس من الناس.
البترول العربي وما تسبب به من طغيان للحياة المادية، وشيوع لحياة البذخ والتركيز على العمران والاتصال والسياحة والسفر وانتشار ثقافة التبذير والإسراف والتسوق، كل هذا يتناقض مع رسالة المعلم التربوية والخلقية ويجعله يغرد بعيدا خارج السرب فلا يأبه لغنائه ولا لنواحه أحد من عشاق هذه الثقافة الجديدة.
هذا هو الواقع المرير والمتأزم الذي تعيشه طبقة المعلمين في وطننا العربي الكبير، وهذه هي الأسباب والمظاهر فأين هي الحلول؟ إن الحلول غالبا ما تكون تنظيرا وأحلام يقظة بعيدة عن الواقع ما لم تكن مدعومة بتوجهات جادة من أصحاب القرار وصانعيه في وطننا لإنقاذ مكانة المعلم، وما لم يتولد لدى المعلمين أنفسهم شعور من الثقة بالنفس، وإحساس بالإباء والكبرياء.
ومن أجل تحسين النظرة الاجتماعية للمعلم واستقطاب الكفاءات وجذب ذوي القدرات العالية إلى مهنة التعليم لا بد من بعض المقترحات التي قد تعيد للمعلمين شيئا من حقوقهم المستلبة، ومكانتهم الغابرة، ومنها على سبيل المثال:
إقصاء من لا يصلح للمهنة من المعلمين الذين هرمت هممهم وطموحاتهم وشاخ تفكيرهم قبل أن تشيخ أجسامهم، وسيطرت عليهم روح الانهزام، فتقوقعوا على أنفسهم وراحوا يقاومون التغيير والتجديد، وينبغي إحلال عناصر جديدة شابة تؤمن بالتطوير والانفتاح وتستطيع استيعاب مستجدات العصر من اللغات الحديثة والتكنولوجيا، وتتقبل آراء الآخرين، هؤلاء هم المعلمون القادرون على تعليم الجيل القادم وإعداده للتكيف مع طبيعة العصر.
وضع شروط صارمة ومعايير دقيقة على تسجيل وقبول الجامعات للطلبة في تخصصات المهن التعليمية، بحيث لا يلتحق بهذه الكليات إلا أصحاب المعدلات والمجاميع العالية من الطلبة، كي لا يتسرب إلى مهنة التعليم معلمون ضعاف ممن يتخذونها مصدرا لكسب الرزق لا أكثر.
تحسين الوضع المادي للمعلمين ومنحهم امتيازات المسكن اللائق والتنقل المريح والرعاية الصحية والرفاه الاجتماعي وتوفير فرص التعليم لأبنائهم، وإغنائهم عن ممارسة أدوار سلبية كالتكسب في الرزق أو التنفيس عن واقعهم بمعاقبة الطلبة.
تشديد الرقابة الوظيفية والإدارية على ممارسة المعلمين لأدوارهم، للتحقق من مدى التزامهم بأخلاقيات المهنة، ومن مدى اعتنائهم بالمظهر والهندام اللائق ونظافة الجسد والثوب واللسان، والترفع عن تقريع الطلبة وأهليهم بالألفاظ السوقية والنابية، التي تتنافي ونزاهة المهنة وشرفها.
تجنيد الطاقات الإعلامية لامتداح المعلمين وإعلاء شأنهم وإجراء المقابلات معهم، وإشراكهم في الندوات والحلقات المتلفزة والحوارات التي تهم المجتمع وتزيد من التوعية بأهمية دور المعلمين، والكف عن السخرية منهم والانتقاص من دورهم.
توفير الإعداد والتدريب المهني الذي يشحذ أسلحة المعلمين العلمية والمهنية، ويعزز صمودهم في مواقعهم ويعينهم على أداء أدوارهم، ويحسن من أساليبهم ويزيد من ثقتهم بأنفسهم.
إشراك المعلمين في عمليات تصميم المناهج وبنائها، والتخطيط الاستراتيجي للتدريس والامتحانات والبحث العلمي، وإفساح المجال لهم للمشاركة في حل بعض المشكلات التي تواجه المجتمع.
بناء اتجاهات إيجابية لدى المعلمين نحو دورهم كقادة تربويين صانعين للتغيير، وساعين إلى تجويد التعليم بالابتعاد عن ممارسة التعليم بأساليب تقليدية، وعن ممارسة العقاب البدني والنفسي للطلبة وبأسايب غير إنسانية، ومن ثم الأخذ بأيديهم إلى أعلى درجات التحصيل والتفوق والإبداع العلمي والأدبي.
دعم المجتهدين والمبدعين من المعلمين وذلك بتبني إبداعاتهم وكتاباتهم ونشر مؤلفاتهم، و إجراء مسابقات سنوية تبرز إنتاجهم العلمي والأدبي والتربوي،وتكريم الفائزين منهم بشتى الوسائل الممكنة، وفي ذلك تعزيز لمكانتهم بين أبناء مجتمعهم، وبث لروح الثقة بأنفسهم.
وبعد، فهذا غيض من فيض، مما يصف واقع المعلمين العرب ومعاناتهم، وما يمكن أن يقدم لهم لرد بعض جميلهم على أبنائنا وفلذات أكبادنا، ومن أجل أن يكونوا قادرين على أداء دورهم على مسرح الحياة بشكل صحيح، وعلى أداء واجبهم في بناء مجد الأمة ورفعتها، والله من وراء القصد.
بقلم: د. محمد عبدالرحمن الجاغوب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زياد ابوشاويش
- الزيارات: 5
نظرة على احتمالات المستقبل
الوطن العربي بعد خمسة أعوام
بقلم : زياد أبوشاويش
في تمعن أفق التغييرات المحتملة لواقع مهزوم ومأزوم في الوطن العربي ارتباطاً بوقائع السنوات الخمس الأخيرة ، يمكننا أن نرى بكثير من الوضوح علامات فارقة تشير الى خريطة طريق شاحبة ومرتبكة تؤدى في النهاية الى استنتاجات كئيبة وخطيرة تنبئنا بها هذه الطريق .
وربما نحتاج لمجموعة من الدراسات والأبحاث التي تعتمد نتائجها عادة كدليل ومؤشر على مصداقية النتائج والاستنتاجات لكننا هنا سنكتفي بما يظهر في أفق المستقبل من علائم تحددها ظواهر راهنة مع قليل من تطبيق معادلات الأستراتيجيا المعروفة من اجل حلول أو بالحد الأدنى ضوابط لمنع الانتقال لمرحلة أسوأ مما نراه ويحتمل أن نراه بعد هذه الأعوام الخمسة .
وفى منهجية المقاربة لابد سنعتمد خطين رئيسيين وفى كل منهما مجموعة من العناوين المتشابهة لصناعة مربع منطقي يمكننا من تتبع خارطة الطريق المنوه عنها للوصول لاحتمال أقرب ما يكون للحقيقة وان كانت هذه بعد خمسة أعوام .
إن الأمر كان ليختلف نوعياً لو كانت المدة موضع التنبؤ تساوى ضعف هذه المدة ، وذلك لان العامل المقرر في مستقبل المنطقة وتحولاتها ما زال فتياً ويحتاج لوقت أطول لإنهاك قواه ومن ثم تحوله لعامل ثانوي غير حاسم في معادلة الشرق الأوسط ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص إن الخطين المذكورين يقعان بين العامل الموضوعي الخارجي الحاسم للأسف والمقرر بخلاف منطق ماركس الديالكتيكى والذي يميل عادة لتغليب العامل الذاتي ، وربما نجد هنا هذا التناقض المميز لمنطقة تختزن كل عوامل التغيير كما اختزنت على مدى قرون كل ثقافة العالم بخيره وشره واحتضنت كافة الأديان وأنبيائها ورسلها وقامت بتشكيل الوجدان الانسانى وشكلت على مدى التاريخ محطة المتعبين كما المغامرين ممن صنعوا أمجادهم على خلق ذلك التماثل مع رموز المنطقة وإشعاعهم الحضاري ، وحاجتهم الدائمة لمصباح يضيء بزيت لا ينضب .
وفى الشق الآخر من المعادلة تأتى العوامل الداخلية التي ربما لو تم استنهاضها بشكل علمي ومدروس فربما تقدم سلاحاً أكثر مضاءً مما نرى من اجل اجتثاث الكثير من الزوائد السرطانية وبؤر التخلف والانشقاق المؤدية حتماً لنهايات كئيبة وغير منصفة لمنطقة طالما قدمت للعالم وللمدنية أفضل أسسها .
اننى أفض البدء في مفردات المكون الأساسي لوجود المنطقة بشعوبها كأمة قابلة للتكون والنمو ومن ثم تطبيقها على واقع موجود بعوامله الخارجية المقررة والداخلية المساعدة والمميزة له .
1- الواقع الجغرافي السياسي ( الجيوسياسى ) : كلنا يدرك أهمية المنطقة على هذا الصعيد ولا نخرج عن العلم إذا قلنا أن عبقرية المكان لعبت الدور الأبرز في فهم مؤسسي الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ البشرى والتي ما ابتعدت أبداً عن القلق تجاه الاستحواذ الفكري الناجم عن ميل غير مجهول لاحتلال المنطقة والسيطرة عليها ، وفى عمق المسالة ليس فقط طرق المواصلات الرئيسية القديمة بل أيضاً محورية منابعها الثقافية والدينية والقيمية .
وباستحضار ما تحدثنا به حول العامل المقرر في المنطقة والعالم فان وجود الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة سيبقى السيف المسلط على رقبتها لوضع عينيها في موضع القدم الأمريكية ، وستعمل هذه الإمبراطورية كل ما من شانه لبقاء هذه الحال لأطول فترة زمنية ممكنة . ولان المطلوب هو حديث مقتضب حول الخمس سنوات القادمة فاننى اكتفى بهذا الملمح الهام لتأكيد رؤية متشائمة احملها وفى ظني أنها نظرة واقعية تستدعى أصحاب الفكر والهمم العالية للتصرف على هذا الأساس .
وفى هذا العامل فان عملاً عقلانياً يمكن أن يغير الخصم الى مجرد هامشي غير قادر على توطيد أركان التبعية التي تستهدفها إدارة محافظة وحشية أو وريث ديمقراطي يرى مصلحة أمريكا في دوام النهب الإمبريالي ولكن بطرق أكثر ملاءمة .
وفى المقابل فان من العبث تغيير هذا الاهتمام أو إضعاف شأنه لان ذلك يستدعى نضوباً مبكرا للنفط واحتياطياته بالإضافة الى اكتشافات مبهرة تحول أنظار العالم باتجاه آخر وهو الأمر الغير قابل للوقوع في المستقبل القريب ، وربما نبقى محكومين باطار الخمس سنوات موضع البحث والاستقراء .
2- الوضع الاقتصادي : ربما اشرنا بقصد لموضوع النفط في النقطة الأولى لارتباطها الحديث بمصائر التحولات المنتظرة للمنطقة وبشكل عابر لكن هنا لابد أن نرى حجم المشكلة الناتجة عن تهديد جدي لمنابع النفط وقبل أن يصل العالم لطاقة بديلة آمنة وغير مكلفة كالنفط ، وفى المقابل فان تحويل الاحتياطيات في بعض الدول بالمنطقة والتحريض المستمر على لعب هذه الورقة يجعل من قضية التحول الى اليورو في التعاملات والأسس البنكية المرصدة أمراً خطراً في سياقات اللعبة الدولية الجارية في المنطقة ولا تقل باى حال من الأحوال عن قضية تأميم النفط وتحكم حكومات المنطقة به إنتاجا وتوزيعاً الأمر الذي لم يتم حتى الآن منذ اكتشف النفط في منطقتنا ، وهذا ما يجعل من هذا العامل أمراً مقرراً بشكل اكبر من العامل الأول ، ناهيكم عن قضايا الميزان التجاري والاستثمارات والتحويلات والتبادلات ... الخ من قضايا الاقتصاد المعولم لمصلحة أمريكا والغرب عموماً .
3- العامل الديمغرافى : إن 300 مليون عربي ومع نسبة زيادة تصل الى 3% سنوياً هو عامل لاشك يستولى على ذهن المفكر الاستراتيجي أياً تكن مكونات عقيدته السياسية وربما يعتبر البعض إن الموضوع يتعلق بقوة شرائية يجب الاحتفاظ بها من جانب صاحبة الأمر والنهى في المنطقة لكن الأخطر هو هذا التهديد الوهمي أو الحقيقي تجاه دولة التماثل والحراسة المتقدمة للمصالح الإمبريالية بالمنطقة .
إن إسرائيل هي احد مقتنيات الأمريكيين الاثمن في المنطقة بل تعادل كل ما تملكه حسب ما نلحظ من أفكار تطرح مع ممارسة توضيحية لاى متابع من الدرجة العاشرة .
وقد لا يكون الأمر واضحاً لدى البعض لكن من يعرف مشاكل المياه والتصحر وأهمية الاقتراب من الشواطىء الى غير هذا في ظل عدم وجود أفق لحل المشكلة الفلسطينية يعرف كم هو خطير هذا العامل من وجهة النظر الأمريكية صاحبة الشأن في مستقبل الخمسة أعوام المقبلة .
إن مخططاًً أمريكياً مدروساً يعمل منذ الإطاحة بنظام البعث العربي في بغداد ولعل العدد الهائل من ضحايا الحصار والاحتلال يمثل العلامة الأبرز على ذلك وهو ما ينطبق على معظم حالات وبؤر النار الموجودة بالمنطقة من جيبوتي والصومال مروراً بالسودان وانتهاءً بفلسطين ولبنان ، وما لا تعصف به الحرب الداخلية تتناوله جحافل التتار الجدد .
وفى هذا العنصر بتطبيقه على الواقع الداخلي وتصور القوى الحية حتى الآن لمعالجة هذه الأزمة وانعكاساتها المستقبلية المديدة نلاحظ محاولات ضعيفة وغير مدروسة لكنها تنم عن وعى أصحابها بخطورة الأمر وعقابيله الوبيلة على الأمة وأقطارها المبعثرة ، لكن التحول باتجاه ايجابي لن يكون خلال الخمسة أعوام المقبلة . وارتباطاً بذلك فان تطفيش العلماء وإغرائهم بالهجرة وقتلهم إن اقتضى الأمر وضعف الامكانات المرصودة للبحث العلمي والتقني يساهم الى حد كبير في ضمان نجاح الخطة الأمريكية لإبقاء المنطقة تحت رحمتها .
4- مشاكل التنمية والتحول : وفى هذه فان السيطرة الإمبريالية هي أوضح ما يكون ولعل من يطل على حجم الودائع العربية في البنوك الأمريكية ومقارنتها بحجم الاستثمارات في المنطقة يعلم ويدرك الى حد الغضب أن ولية امرنا لا ترغب في تطور يجعلنا نتمكن من امتلاك قرارنا السياسي كباقي الأمم والشعوب ، وفى هذا فان عوامل الضغط الاجتماعي وحامله الطبيعي ما زال يحبو برغم الضجيج الذي يحدثه مثل هذا الزحف وتعمد آلة الإعلام الامريكى المعولم في إحداث خلفية موسيقية صاخبة لذلك موهمة أصحاب الأحلام الوردية بالبقاء في سباتهم الجميل كتكرار مشوه لنومة أهل الكهف ، ولعل تسليط الضجيج على تجارب مضحكة كقطر ودبي ولبنان والعراق جزئياً تدل على ما نشير إليه .
5- المواجهة مع إسرائيل : ربما يمثل هذا العامل أهم ما تحمله الرؤية المستقبلية من عوامل للتغيير وباى اتجاه وفى هذا فان ما جرى ويجرى على الساحة الفلسطينية والإسرائيلية من تبدلات حزبية وفى أدوات الصراع ووسائله وانتقال مركز القرار بشكل متكرر لأيدي مختلفة يجعل الإمساك بهذا العامل ضرباً من التنجيم باعتبار الأمر قد حسم باتجاه صنع سلام يقوم على أساس وجود دولتين وينهى حالة العداء السرمدية بين الكيان الجديد والشعب المظلوم . ولعل مراهنة أمريكا على بناء سلام على هذا الأساس هو الرهان الأكثر وضوحاً لإبقاء السيطرة الأمريكية بأقل الأثمان والخسائر في منطقة ما زالت تتمتع بموقع مقرر في كل الاستراتيجيات العالمية . وفى هذا فاننى أتوقع تحولاً طفيفاً بهذا الاتجاه يؤسس لبروز العقبات الأكبر من نوع اللاجئين والقدس ، وهو ما سيبقى الباب مفتوح على آلام هائلة وصراع دموي ربما يفوق كل ما رأيناه في السنوات الماضية .
6- الديمقراطية وآفاق الوحدة العربية ( البناء الفوقي وقدرته على التماثل مع رغبات الجمهور وشعارات الحرية ) : بكل بساطة يمكن فهم هذا الميل الغريزي لحماية الموجود على عفونته في مواجهة عوامل غريبة عن تربة الحاضنة الرئيسية لهذه التغيرات .
ولذلك فان سلوك الولايات المتحدة كدولة احتلال في العراق وتسليمها الرئيس صدام حسين لجلاديه هي محاولة لصناعة تربة مناسبة لتغييرات محسوبة ومقولبة كما تريدها سيدة المكان وبرغم أن النتائج أتت عكسية ولم تتقبل هذه التربة بذرة الديمقراطية الأمريكية ولا نسختها العربية أو بالأحرى الفارسية ، فقد تم اللجوء لخلطها بالدم على اعتباره يحتوى على كل مكونات تربة جيدة لاحتضان كل المشاريع والمخططات المنوي تجريبها علينا . وفى المقابل بما يحتويه العامل الداخلي على هذا الصعيد فقد أتت نتائج الزراعة بثمرات طيبة في الاتجاه المعاكس تماماً لهدف هذه التجربة الدموية ، ولعل أفضل ما يمكن التنبؤ به في ظل ما يخيم على المنطقة من ظلام دامس ، هو هذا البصيص الذي يحمل في طياته عوامل هزيمة العامل الخارجي بكل أبعاده وممثليه ، سواء خلال السنوات العشر القادمة أو ما يليها من عشرة أخرى ، والمهم على هذا الصعيد أن يتم وضع البرنامج واحتياجاته واستطراداً توفير حامله الاجتماعي مع نفس طويل وجلد يبقى البوصلة باتجاه هذا الضوء رغم وهنه وخفوته الذي قد يصبح وهجاً إذا هبت عليه رياح أو عاصفة من موقع ما أو مكان مناسب وبزاوية مناسبة .
وفى ظل ما تقدم وهو لا يفي بوضع أساس متين لرؤية مستقبلية تستشرف الأعوام المشار إليها لكنها على الأقل تنير ولو جزئياً مساحة كافية لخارطة طريق بالأبيض والأسود .
فلسطين / لا تغيير هام في الموجود الآن باستثناء عودة فتح للسلطة بمشاركة منظمة التحرير وفصائلها وبنسبة ليست حاسمة للقوى الدينية كحماس والجهاد . كما ستبقى موضوعة اللاجئين والقدس محور الخلاف بل والذريعة الجاهزة من طرفي الصراع لوقف اى عملية بالاتجاهين .
السودان / سيتم تغيير النظام باتجاه يتساوق مع تغييرات داخلية مدعومة من الخارج وسيتم وضع السودان على طريق التقسيم ولفترة زمنية طويلة ، وستنتهي الاتفاقات المبرمة مع الجنوب الى الفشل والعودة الى المربع الأول وهذه سياسة أمريكية بامتياز .
الخليج العربي / لا تغيير يذكر مع ابتعاد أكثر عن هموم المنطقة ومشاكلها والبحث عن قواسم مع النظام الايرانى باتجاه الحفاظ على مصالح الطرفين في ظل وتيرة معقولة من التنابذ على الجزر لا يقدم ولا يؤخر ، ومع إقرار خليجي بالمصالح الإيرانية المشروعة كقوة إقليمية مقررة باستثناء أن تقوم أمريكا بتوجيه ضربة نويية تكتيكية لإيران وفى هذه الحالة ستلقى دول الخليج بنفسها في الحضن الحالي لكن بوله أعلى .
سوريا / إن أهم ما يميز السياسة السورية هو مرونتها الفائقة واستفادتها من كل عوامل البقاء والتخلص من الأزمات ومراوغتها وسوف يتم خلال هذه السنوات إجراء تغييرات نوعية تطال أسلوب الحكم وقانون الطوارىء ، وفى ظل حالة وفاق مع الجارة لبنان ، مع هدوء حذر على جبهة المواجهة العراقية مع الولايات المتحدة الأمريكية وباختصار فان التغيير سيطال الداخل وليس سياسة سوريا الخارجية ، ولا يوجد احتمال قوى لنجاح استمالة سوريا بعيداً عن إيران ، وهو ما سيخلق بعض الصعوبات الجدية أمام سوريا في سياستها العربية .
العراق / لعل أهم العوامل المقررة للمنطقة وفيها للسنوات الخمس المقبلة هي معضلة العراق والتي تلقى بظلالها القاتمة على مستقبل المنطقة على كافة الصعد ، وهى تأتى في طليعة عوامل النظرة الكئيبة التي أشرت إليها في مطلع هذا البحث .
إن وجودًا مديداً للقوات الأمريكية سيطيل زمن القتل عدداً ونوعاً وقد تم صب الزيت على نار الفتنة فابتعد حلم المصالحة وتقدم شيطان الطائفية والمذهبية بشكل مرعب وأصبحنا على وشك الانغماس جميعاً في لعبة إدارتها الولايات المتحدة ببراعة تحسد عليها وفى وجود كهنة لمعبدها الشيطاني ، وربما نحتاج لخمس أخرى لنتمكن من إطفاء الحرائق المشتعلة هناك ، ولعل أهل الرأي يتمكنون من اختراع مطفىء من نوع جديد ، أو هبة شعبية من نوع ما تدفع دول الجوار وكهنة المعبد على الولوج في وسط هذه النار لإطفائها أو إبقائها في حدود العراق وهذه تتطلب ليس فقط الشجاعة بل امتلاك أدوات التخلص من طقوس ومراسيم البطرك الأكبر .
وان أسوأ ما سيرافق انتصار المقاومة هو انفلات خطير في روابط المجتمع العراقي تريده أمريكا كتعويض عن هزيمة أصبحت وشيكة وهذا يساوى في الحقيقة هزيمة ليس للمشروع الوطني العراقي فحسب بل تدمير لكل أسس البناء الوحدوي العربي بأوهى عوامله وإلقاء ظلال كثيفة على المكون الأبرز لتشكيل امة تطمح لبقعة مرئية تحت الشمس .
لبنان / لعل نهايات ما يجرى اليوم هي لا غالب ولا مغلوب وليس أمام اللبنانيين سوى الاتفاق أو الحرب الأهلية مجدداً والكل يعرف ذلك .
ولان هذه الحرب ستكون نهاية لمرحلة طويلة جداً من التجاذب بل والتكاذب اللبناني الطائفي الظلامى فان كل أطراف النزاع الداخلي وحلفائها الخارجيين يعلمون هذا ويجتهدوا أن لا يصلوا إليه ، ويتجنب كلا الطرفين البدء بالمواجهة النوعية التي تمثل صاعق تفجير شديد الخطورة كما هو شديد الاشتعال ، وبالنتيجة المعروفة لانعكاس ذلك على مجمل المنطقة ودول الجوار خصوصاً وهى سوريا والأردن وفلسطين وحكماً إسرائيل فان العامل الخارجي في هذه الحالة هو عامل تهدئة وليس العكس لأنه وفى النتيجة تبحث كل الأطراف عن مصالحها وحتى اللحظة فان التفجير ولسنوات خمسة لا يخدم اى طرف من طرفي الصراع .
المنطقة العربية إجمالا / ولتلخيص ما بدأناه حول المنهج وكيف نصل للاستنتاج الرئيسي والذي حددناه بنظرة غير متفائلة بالخمسة أعوام المقبلة فان واقعاً صعباً ومعقداً قد بدأت ملامحه بالتشكل ولا ينفع تجاهل هذه النذر أو تركها للتواكل أو التمويه عليها بحديث عاطفي أو انشائى . إن حركة التحرر الوطني العربية هي في وضع صعب للغاية فلا نفوذ في الجيوش العربية ولا نفوذ في هيئات المجتمع المدني إن وجدت ولا في المجالس الوطنية أو النواب ومؤسسات الحكم ، وهى تحتاج الى ورشة عمل لتجليس كل شيء تقريباً .
وفى المقابل فان نصيب هذه المنطقة من أدوات الحكم ورموزه هو نصيب أيتام على مائدة لئام .
اقانيم الحل المفترض على ضوء ما تقدم /
أولاً : مصر وتخصيصها للعب الدور التاريخي الذي حملته على مدار الألف سنة الأخيرة وعودتها للصف العربي بما يعنيه نسبة اكبر في المساهمة بقضايا المنطقة وباتجاهات قومية عربية واعية متدرجة ترفع عن كاهلها تبعات وأحمال كمب ديفيد ومخلفاته السيئة وهذا لا يعنى أن تستنفر مصر قوتها العسكرية بل استنفار قوتها الديمغرافية والمعنوية الحضارية ، وعبقرية موقعها المتميز ، لخدمة الشعب المصري ارتباطاً بمصالح محيطها الطبيعي ، وان اقتضى الأمر التلويح بالقوة العسكرية . والعمل الجدي على إنهاء العلاقة الحرام مع الكيان الصهيوني .
ثانياً : المملكة العربية السعودية والنفط وهو ما يمكن من خلاله وبإدارة سعودية قريبة من مصالح الأمة ومنابعها الفكرية وبالتزام عقيدي متنور أن تكون رافعة هامة جداً لتقدم مضمون ومأمول لكل المنطقة وفى ظل دعوة سلام مفهومة ومدعومة باقتصاد متين ووفرة مالية تسخر لمشاريع التنمية العربية ، الأمر الذي يغير عناصر المعادلة ويوضح بشكل أفضل معالم خريطة الطريق ويزينها بعلامات الوقت اللازمة لحل أزمات منطقة ملتهبة . وبجدول يفضى للحلول الممكنة .ويترافق ذلك مع استخدام ذكى لموقعها الديني كقيادة للعالم الاسلامى .
ثالثا : العامل الديني وتجلياته المادية الهائلة ، وفى ظل ترشيد حضاري يحول الأفكار والمفاهيم كما العواطف والأحلام ، والدفق الروحي الى عنصر بناء مقرر في معادلة الصراع المحتدم الآن والمغطى باتهامات الظلامية والوحشية المزعومة للإسلام كدين . هذا العامل العظيم الذى يجب أن نخلصه من أحزمته الناسفة ومن مخلفات السلفية الخارجة عن سياقات التاريخ ، باتجاه التنوير والتطور الخلاق والمبدع لكل أسباب التقدم الحضاري والتنافس المشروع على النفوذ الثقافي والروحي بين الأمم والشعوب وليس الكابح لكل تقدم .
إن عامل العقيدة الإسلامية والدين عموماً يجب أن يلبس ثوباً قشيباً يجذب إليه القلوب كما العقول ، إيماناً يجعل من إعلاء قيم الحق والخير والجمال هدفاً ثابتاً ويدفع للوحدة والنصر وليس العكس . وحبذا لو تم مقاربة هذه العوامل أو ما أسميناه بالاقانيم الثلاثة بشكل أكثر تزامناً وتراصاً ، الأمر الذي يجعل إمكانية تغيير نتائج السنوات الخمس المقبلة من نتائج تدفع للاكتئاب ، أو بالأحرى نتائج سلبية على المنطقة والمواطن ، الى نتائج مختلفة نوعياً وباتجاه ايجابي يفتح على مستقبل مشرق وخارطة طريق ملونة .
زياد ابوشاويش
- التفاصيل
- كتب بواسطة: معصوم محمد خلف
- الزيارات: 3
حوار الحضارات ...
بين المعايير المختلفة والتغمط الأعمى
بقلم : معصوم محمد خلف
تمر منطقتنا اليوم بمرحلة شديدة الدقة والحساسية لجهة التهديدات الخارجية التي تتعرض لها دول وشعوب المنطقة، مستهدفة النيل من سيادتها وكرامتها ، وتطويع إرادتها، ساعية لتغيير قيادة من هنا، ونظام من هناك، لا لتطبيق قرارات دولية منسية، وإنما لإطلاق يد الكيان الصهيوني الذي يرتكب أبشع الجرائم الإنسانية بحق أبناء الشعب الفلسطيني البطل، وليحاول النيل من الأمة جمعاء في مصالحها ومقدراتها ومقدساتها، والقضاء على بنيتها التحتية .
وتحت شعارات مزيفة لم تعد تنطلي على أحد، يتم تقسيم العالم، فمن ليس معنا فهو ضدنا، فلا حياد في المعركة ضد الإرهاب. بلى! ولكن أي إرهاب هو؟ بعد أن قلّبت سياسة الكيل بمكاييل المقاييس الدولية، فأصبح الضحية هو الإرهابي، والجلاد هو المكافح للإرهاب، وبات السعي لتحديث البلاد ومواكبة التطوّر والتكنولوجيا الحديثة والخاضعة لمراقبة الهيئات الدولية المعنية في سبيل تطوير المجتمع المدني وخدمة السلام العالمي إرهاباً وسعياً وراء أسلحة الدمار الشامل، بينما يمتلئ الكيان الصهيوني بمئات من هذه الأسلحة في سبيل حماية جرائمه وسياسته العدوانية والتوسعية في المنطقة.
ويبدو أن هذا العصر يستلزم الحوار أكثر من أي زمن مضى ، ذلك أنه على الرّغم من التقدم التكنولوجي وسائر الفتوحات المعرفيّة إلا أنه لا تزال تخيّمُ أجواء كالحة جرّاء الإقصاء والنفي الملحوظ والعُجب بالرأي .
فنحن لم نستطع حتى اللحظة إشاعة مفاهيم الحوار والقبول بالآخر سواء أكانوا ممن ينتمون إلى منظومة فكرية واحدة ويختلفون في قراءة مرجعياتهم ، أو كانوا يتباينون في التوجهات الثقافية ، وحتى الدين لم يسلم من تفرق لتغييب أتباعه لغة الحوار والقواسم المشتركة على الرغم من النداء الإلهي والوصية الربانية المقدسة ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) .سورة الشورى الآية (13)
أما سياسيونا ومثقفونا ففي حالة تنابز وتنافر وشقاق ، فبعض الأولين سجونهم لا صدورهم مفتوحة لمن حاورهم ، وبعض المثقفين حولوا آراءهم إلى منصة تشهيرية وشتائمية وتحول البلد الكبير إلى حلبة صغيرة للصراع وكثيراً ما تنتهي جولاته بمآس دموية .
كما أن الغرب من أبناء أسرتنا الإنسانيّة لم يكن أسعد حالاً من المشرق إذ طالما بشّر بانتهاء التاريخ وصدام الحضارات ووصف نفسه بأنه محور الخير والنسر النبيل وكثيراً ما يستبدل بالكلمة اللكمة لحل مشاكله الخارجيّة .
ولئن أسقط متطرفونا برجين لهم فإنه أي الغرب سينسف كل معالم حضارته إذا لم يفتح نافذته للحوار وتفهُّم الشعوب الذين يتنفسون الهواء معه .
والسؤال المطروح في هذا السياق ، هل يريد الغرب لحضارته أن تكون حضارة الآلات لا القيم؟
إن الجهالات هي التي تتصادم كما يقول المفكر البروفسور إدوارد سعيد أما العقول الكبيرة والعواطف الرقيقة فلا بد من تلاقيها وحوارها .
هذا العالم الكبير هل تحول إلى حاجز للتواصل الإنساني بتسارعه وقفزاته العلميّة ؟ .
ترى هل التقدم التكنولوجي يحرم الإنسان من أنسه بأخيه الإنسان وتلهفه للحوار معه ؟ .
هل هدير المصانع وضجيج الماكينات وصخب السيارات وأزيز الطائرات وجاذبية
الكمبيوتر واختراقات الأنترنت وطبول صرعات القنوات الفضائية حرمت التعايش السلمي مع أخيه الإنسان ؟ .
يجب أن نعترف أنه بغير الحوار ليس ثمة مجال للتعايش السلمي فوق الكرة الأرضية .
إن شأن القوة الاعتداء وشأن المنفعة هو التزاحم وشأن العنصرية التجاوز على الآخرين كما يقول الأستاد سعيد النورسي .
إنه في ظل غياب لغة الحوار تطفو التصرفات غير العاقلة وتدفع البشرية ثمناً باهظاً لذلك .
ولكن أي الحوار ندعو إليه ؟ إنه ذاك الذي يحترم الاختلاف ويوظفه في سبيل الائتلاف ويدعو إلى التسابق في إعمار الحياة للعيش المشترك . فمن الحقائق الكبرى التي كشفت عنها نهايات القرن الميلادي المنصرم ومن خلال
تجارب الشعوب ومآسي الحروب ، وصراع الحضارات ، أن الحوار ـ وحده ـ هو القادر على رأب الشروخ في علاقات الدول ، ومد الجسور عبر المسافات التي تفصل فيما بين الحضارات ، وهو العنصر الحاسم في نجاح الخطط التنموية لمجتمع من المجتمعات .
ولقد أدرك المجتمع الدولي تلك الحقائق وأدرك معها أن طوق النجاة يكمن في تغليب الحوار بين الثقافات ، والتعايش بين الحضارات لضمان التوهج والازدهار الفكري الذي لا يحصل إلا بفعل احتكاك الأفكار وتبادل المعارف . وهذا في مضمونه العميق هو اعتراف بأن العقل ـ وليس القوة الغاشمة ـ هو سفينة النجاة لشعوب هذا الكوكب ، لتسير بهم إلى شاطئ السلام والأمن والاستقرار والرخاء .
إنها إذن فرصتنا التاريخية ـ نحن العرب والمسلمين ـ لاستعادة دورنا الريادي بين الأمم والشعوب ، من خلال عطاء ثقافي متميز ، ذلك أن ثقافتنا وحدها تنفرد وتتميز على سائر الثقافات بأنها تقوم على الموازنة بين القيم المادية وبين القيم الروحية المستمدة من تعاليم عقيدتنا الإسلاميّة السمحاء وأنها ـ وحدها ـ التي تنشد خير الإنسانية جمعاء . فيما تنـزع الثقافات الأخرى نحو السيطرة والهيمنة والإنفراد بالبقاء على حساب الثقافات الأخرى و لا تستهدف سوى خير قومها ، كما إن العودة بالشخصية الإسلاميّة إلى سماتها الجوهرية كي تؤدي دورها في عالم اليوم بنجاح هو الهدف الأساسي من الاهتمام بالثقافة الإسلاميّة باعتبارها عاملاً من العوامل الهامة في التغيير المنتظر.
ومن قيم الإسلام الأساسية ومبادئه الأخلاقية البحث عن الحقيقة والانتصار لها ودعمها بالحجج والبراهين التي تؤدي إلى التفاف الناس حولها بإرادتهم وحريتهم دون خوف أو إكراه ، وهذا بالطبع لا يتم إلا بالحوار الإيجابي الذي رسم القرآن الكريم طريقه ، وعبّد مسلكه ومنهجه ، ولقد كان القرآن الكريم خاتمة الكتب السماوية التي جاءت لتعلم الإنسان كيف يكون الحوار طريقاً للفكر ومنهجاً للعقيدة والعمل ، وجاء الإسلام ليكون دين الحوار الذي يطلق للفكر عنانه على أساس من الحجة والبرهان والدليل .
الحوار في القرآن الكريم :
كان الملائكة يسبحون ويقدسون الله في ابتهال وخشوع ، ويشاء الله أن يخلق أبانا آدم ـ عليه السلام ـ وهكذا كانت المشيئة الإلهية ، ويبدأ الحوار في سؤال عن طبيعته وعن دوره وعن سلبياته وإيجابياته ، يقول تعالى : \" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون \" .
يقول المفسرون : إن خطاب الله تعالى للملائكة بأنه سيجعل في الأرض خليفة، ليس المقصود به المشورة ، وإنما التعريف بوجه الحكمة من هذه الإرادة أو المقصود تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها ، وعرضها على عقلائهم وحكمائهم ، وتساءل الملائكة : أتجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن ننـزهك عما لايليق بعظمتك ولا نعصي لك أمراً؟، وقولهم هذا إنما صدر منهم على وجه استطلاع الحكمة في خلق نوع من الكائنات يصدر عنه الإفساد في الأرض ، مع تسليمهم بجلال علم الله وحكمته في كل ما يفعل ، ولا يتنافى تعجبهم واستفسارهم ـ كما يقول الدكتور عبد الرشيد عبد العزيز ـ مع هذا التسليم ، لأن التعجب يصدر عن
خفاء سبب الفعل ، والملائكة لا يعلمون الغيب ، لذلك فهم بسؤالهم يستكشفون الحكمة من ذلك الخلق .
وقد أجابهم الباري ـ جل وعلا ـ بما يليق بمقامه عز وجل : \" إني أعلم ما لا تعلمون \" .
ثم أوضح لهم بعض جوانب الحكمة من خلق آدم وجعله خليفة في الأرض لأنه علمه ما لا عِلم لهم به ، وسخر له ما في الأرض جميعاً ، وجعله مسيطراً عليه ، وحمّله الأمانة التي لم تستطع السماوات والأرض والجبال ، وعندئذ سجد الملائكة لآدم سجود طاعة وامتثال لأمر الله جل وعلا .
ثم يأتي الحوار في كثير من المواضع في القرآن الكريم ، مثل ذلك الذي حدث مع إبليس ، ويأتي في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم . ومنها على سبيل المثال سورة الحجر ، حيث يقول الله تبارك وتعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ) . فالملائكة أطاعوا وسجدوا ، وأقام الله لهم الحجة ، أما إبليس فإنه استكبر وعاند ورفض السجود ، وازداد غيّاً بمحاججة الباري ـ سبحانه ـ وادعاء ما لا يملكه ، ويحكي القرآن الكريم ما دار بين الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وبين إبليس من محاورات ، فيقول في آياته : \" قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين \"سورة الأعراف (12)
فأجابه إبليس : \" لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون \"سورة الحِجر (33)
وهنا حوار آخر يوضح عدم سجود إبليس حين يقول الله تعالى : \" قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين ، ، فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين \" .سورة الأعراف (13)
وهناك أيضا حوارات بين ولدي آدم قابيل وهابيل في سورة المائدة آية (27 ـ 31)
وكذلك بين نبي الله إبراهيم عليه السلام وعبدة الكواكب ، سورة الأنعام آية (74 ـ 79) وسورة مريم آية ( 41 ـ 48 ) وكذلك حوار موسى عليه السلام مع قومه ، سورة البقرة ، آية : ( 67ـ 71 ) وحوارات أُخرى كثيرة ومتعددة في القرآن الكريم .
وقد وردت كلمة ( حوار ) في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع ، اثنان منها في سورة الكهف في معرض الحديث عن قصة صاحب الجنتين ، وحواره مع صاحبه الذي لا يملك
الكثير من المال وغيره . فقد استعمل القرآن الكريم كلمة (حوار ) في موضعين منها : \" ... فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفرا \" .. و\" ... قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً \" أما الآية الثالثة التي وردت فيها الكلمة فقد جاءت في سورة المجادلة في قصة المرأة التي أتت إلى النبي شاكية زوجها إلى الله : \" قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير \" .
حتمية الحوار:
إن الحوار بين الناس يجب أن يكون أمراً ضرورياً وحتمياً كي يساعد على تقدم
وازدهار الحياة الفكرية والثقافية ، خاصة حين يلتزم بآداب الحوار ، فهو يتيح ـ إذا صدقت النوايا ـ التعرف على جميع الحالات التي يمكن أن يكون الدليل رمى إليها من وجوه الأدلة .
وفي الحوار رياضة الفكر والذهن ، وتلاقح الآراء وتنوع النظر بما يثري التجربة الإنسانية .
أما الخلاف الذي نهى عنه القرآن الكريم والسنة النبوية ، فهو الخلاف الذي يخرج الإنسان عن الحقيقة الموضوعية ويسقطه في هوة الذاتية والانفعالية ، ولا يترتب عليه سوى اختفاء الرؤية العقلية الصحيحة للحقائق والمعارف والمبادئ .
ورغم أن الإنسان عرف التحضر منذ أحقاب عديدة إلا أن تاريخه الطويل لم يخل من الصراع والصدام، ولعل ذلك هو ما أعطي للتاريخ معنى حسب الفلاسفة وقرّاء التاريخ. وهكذا فبمجرد انتهاء الحرب الباردة أو ما يعرف بالصراع بين المعسكر الشرقي الاشتراكي والمعسكر الغربي الليبرالي، فان طعم التاريخ أصبح ممجوجاً في نظر الليبراليين مما دفع إلى الحديث عن نهاية للتاريخ والتبشير بطغيان حتمي لمشرب حضاري أوحد، وجرى تكريس هذا الاتجاه من خلال واقع العولمة التي عصفت في البنيان .
غير انه في خضم هذه الايدولوجيا الجديدة ومن أجل البحث عن عدو وهمي لأصحاب الآراء المذكورة آنفا فقد أبى البعض الآخر منهم إلا أن يصطنع عدواً جديداً على ذلك يعطي للتاريخ طعماً وانطلاقة جديدة، فأنشأ ما عرف بنظرية صدام الحضارات تلك النظرية التي تتمخض عن عدو جديد فوقع الاختيار على الإسلام وحضارته كعدو حضاري وتاريخي للغرب وحضارته وقيمه وأدى هذا الاختيار إلى استبعاد ما كان يحتمل من اعتبار الصين الشيوعية العدو المنتظر، وقد زاد من وقع نظرية الصدام الحضاري بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية ما استشرى من العقدين الأخيرين على طول وعرض الخارطة الإسلامية من آراء أصولية متطرفة تتبناها جماعات اتخذ أصحابها من العنف وسيلة لهذه الآراء ، و لكن المفارقة الغربية تكمن في أن الغرب الذي يرى
في هذه الجماعات مصداقاً لرأيه في عدوانية المسلمين تجاه الغرب وحضارته وقيمه، هو من احتضن أكثر هذه الجماعات تطرفاً ووفّر لها الأرضية الخصبة لتناميها. وهو ما فعل ذلك كأداة ضغط على الدول التي تنتمي إليها هذه الجماعات ولم يدر في خلده أبدا أن السحر ينقلب عليه وانه سيكون المتضرر الأول من أعمال العنف حتى كان يوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2002م عندما تمت إصابة الولايات المتحدة في رمزين من رموز تفوقها الحضاري وهما البنتاغون رمز القوة العسكرية الأمريكية وبرجي التجارة العالمية اللذين يرمزان للقوة الاقتصادية الفريدة للولايات المتحدة الأمريكية، عند ذلك بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تعيد حساباتها
شأنه شأن حلفائها في الغرب ولسان حال الجميع يقول: أُعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني ، ونظّمت الولايات المتحدة تحالفاً لمحاربة الإرهاب وبدأت بالتوازي مع ذلك بعض الأوساط في تنفيذ حملة إعلامية ضخمة أعاد أصحابها إحياء نظرية صدام الحضارات وصور الإسلام والعروبة بمثابة العدو الحضاري والصدامي مع الغرب وحضارية الحداثية وطبخت الأمة العربية والإسلامية وحضارتها في مرق أعمال إرهابية لجماعات متطرفة لا تعبر إلا عن نزاعات أصحابها وصور العرب والمسلمين كأناس يتلذذون بالقتل ويسعون بكل الطرق لمحاربة التطور من خلال أيديولوجيات يجذب إلى الخلف.
ولما تفاقم الوضع الصدامي للمشارب المتشكلة حول هذه المفاهيم وتوّج كل ذلك بحملاتٍ إعلامية مختلفة أبتْ إلا أن تصب كلّها في مجال واحد وهو محاولة الإقناع بوجود صدام حضاري بين الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية، فقد بادرت الأوساط الفكرية والطبقة الواعية المثقفة ، إلى تنظيم ندوة حول حوار الحضارات، وقد جاءت كلمات المفكرين حول ندوة حوار الحضارات مليئة بالأفكار والمقاربات الشاملة لكل المفاهيم الأكثر إلحاحًا في أيامنا هذه كمفهوم صدام الحضارات أو حوار الحضارات أو مفهوم إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن تبنّي مبدأ حوار الحضارات سيعود على الإنسانية بخير أعم بدل الانسياق وراء مبدأ الصدام بين الحضارات باعتبار انه واقع العولمة يستدعي الحد من مظاهر الصدام والنـزاع مع ضرورة إرساء صيغ ملائمة من الحوار والتعاون وهو ما سيوفر الأمن والسلام والتقدم
للجميع ويبقى لذلك حوار الحضارات أجدى الدعامات الجوهرية لمعالجة الانعكاسات السلبية للعولمة .
ولن يتم ذلك إلا من خلال تدعيم التضامن بين الشعوب مما سيجد من مظاهر التفاوت بين الشعوب الغنية والشعوب الفقيرة ولعل فكرة إنشاء صندوق عالمي للتضامن التي هي فكرة عربية تعبر عن مدى استشرافية الرؤية التي يتمتع بها المفكرون العرب شأنها شأن دعوتهم إلى إرساء قيم حضارية كونية نبيلة تقوم على أساس من الخيرية البعيدة عن أي شكل من أشكال المفاضلة أو الازدواجية أو العمل انطلاقا من الثنائيات الضدية كثنائية القديم والحديث، والأصالة والمعاصرة، والدين والعلمانية والغرب المسيحي والشرق الإسلامي ، والحليف والعدو.
ذلك إن نفي مثل هذه الثنائيات الضدية تؤدي حسب المفكرين إلى الوقوع بسهولة في فخ صدام الحضارات، في الوقت الذي ينبغي على الجميع الاتجاه بصدق إلى تغليب قيم الحوار والعدالة والإنصاف مع محاولة القيام بالقراءة النقدية والموضوعية للتاريخ مما سيسمح بكبح الأهواء المريضة والمساهمة في بناء عالم جديد خالٍ من الضغائن والكراهية والإلغاء المتبادل والواقع إن ما قدمه المفكرون من أفكار هي غاية في العمق والموضوعية والاستشراف يجعلنا ما دأبنا على قوله من انه يشكل بفكره المستنير صورة مشرقة للعقلانية في العقل السياسي العربي.
تهميش الحوار والفعل المعاكس :
إن نظرة واحدة نلقيها على نتائج الحروب والصراعات بين الدول يتبين لنا فداحة ما لحق بالبشرية جرّاء تلك الممارسات الخاطئة والنـزاعات التي حيكت من أجلها الحروب ، إذ تقول الإحصائيات، في الحرب العالمية الأولى بلغ عدد الشعوب التي أعلنت الحرب على بعضها بعضاً ( 1,5 ) مليار من البشر ينتمون إلى ثلاث وثلاثين دولة قامت بتعبئة سبعة ملايين مقاتل وبلغت خسائرها البشرية عشرة ملايين قتيل وعشرين مليون جريح ، كما بلغ حجم
الخسائر المادية مئتين وثمانية مليارات من الدولارات .
وفي الحرب العالمية الثانية بلغت الخسائر سبعة عشر مليون قتيل من الجنود
وثمانية عشر مليوناً من المدنيين ، إضافة إلى أضعاف هذه الأرقام من الجرحى والمشوهين ، اليتامى والمشردين ...الخ
فيما بلغت النفقات العسكرية للحرب ألفاً ومئة مليار دولار ، وإجمالي خسائر الحرب في العمران والصناعة وبين المدنيين ألفين ومئة مليار دولار ، علاوة على المواشي التي قتلت ، المناجم التي دمرت ، والمصانع التي احترقت ، المدن التي هدمت .
فالطيار الأمريكي بول جيردوم بعد أن ضرب هيروشيما بقنبلته الذرية ، أرسل
البرقية التالية : \" رأيت المدينة وهدمتها \" فأية وحشية أشد من وحشية الإنسان هذه ، بقنبلة واحدة يدمر مدينة بكل ما فيها من بشر وحيوان ونبات وعمران ... وتكون نتائج الحربين العالميتين الأشد وحشية في تاريخ البشرية ، أكثر من مئة مليون من البشر بين قتيل وجريح ، والخسائر المادية أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة مليار دولار !!
إنه لشيء أشبه بالجنون ، الأمر الذي دفع بالكثيرين لأن يبحثوا عن مخرج لإنهاء التنافس والنـزاعات التي عصفت في بنيان تلك الدول .
سيكولوجية الحوار :
لقد دعت محافل ومنظمات كثيرة إلى حوار الحضارات منذ الستينيات من القرن المنصرم ثم انتهى الحوار إلى أوراق نشرت في كتب وأذيعت في صحف لكنها لم تـثمر نتائج ملموسة حتى الآن، وعندما ترددت في أرجاء العالم السياسية والفكرية نظرية (هانتغتون) عن (صدام الحضارات) كان البديل المنطقي الذي تمت المسارعة إلى استدعائه هو (حوار الحضارات) الذي تمت الدعوة إليه بقوة في جميع المحافل والملتقيات وعُملَ على إنجاحه قصد تجنيب العالم ويلات الصراع، وكوارث الصدام الحضاري، وإذا كانت جهات غربية كثيرة قد دأبت على الدعوة إلى حوار الحضارات وفق شروط وضوابط معينة أملتها ظروف التفوق والاستعلاء الغربي، فإن الطرف الإسلامي لم يكن بعيداً عن فكرة تنظيم مؤتمرات وملتقيات دولية لترسيخ آليات الحوار الحضاري من طرف مؤسسات ومنظمات ثقافية إيماناً منها بأن (حوار الحضارات) يعتبر مطلباً إسلامياً مُلحاً يدعو إليه القرآن الكريم وتبشر به السنة النبوية الشريفة.
وبقدر ما تعظم الحاجة إلى حوار جدي بين الثقافات والحضارات لإقامة جسور التفاهم بين الأمم والشعوب ولبلوغ مستوى لائق من التعايش الثقافي والحضاري تقوم الضرورة القصوى لتهيئ الأجواء الملائمة لإجراء هذا الحوار ولإيجاد الشروط الكفيلة بتوجيهه الوجهة الصحيحة، إن نقطة الانطلاقة الأولى لأي استجابة فعالة تبدأ من خلال فهم الذات وفهم الآخر، فالبداية يجب أن نتعرف إلى واقعنا كما هو بالفعل من دون رهبة أو خجل ومن دون تهوين أو تهويل، ثم التعرف إلى الآخر وفهمه وهو هنا الغرب وحضارته.
إن الانعزال والتقوقع والانغلاق على الذات في عالم اليوم الذي تحول إلى قرية صغيرة بحكم التطور التقني الهائل في تكنولوجيا الاتصال أمر مستحيل، كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة هو بحد ذاته عملية تكريس لانتصار الحضارة الغربية الكاسحة وهو طريق التبعية الحضارية الذي يفقدنا خصوصيتنا الحضارية ويحولنا إلى مجرد هامش لحضارة الغرب.
إن التقاء الحضارات معْلَمٌ من معالم التاريخ الحضاري للإنسانية، وهو قدر لا سبيل إلى مغالبته أو تجنبه، وقد تمّ دائماً وأبداً وفق هذا القانون الحاكم (التمييز بين ما هو مشترك إنساني عام وبين ما هو خصوصية حضارية).
ولا شك أن الخيار البديل لصدام الحضارات هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية مع بعضها بعضاً بما يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة، فالتفاعل عملية صراعية ولكنها متجهة نحو البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الراهن، عكس نظرية (صدام الحضارات) التي هي مقولة صراعية تدفع الغرب بإمكاناته العلمية والمادية لممارسة الهيمنة ونفي الآخر والسيطرة على مقدراته وثرواته تحت دعوى وتبرير أن نزاعات العالم المقبلة سيتحكم فيها العامل الحضاري.
والإسلام كدين وحضارة عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات ينكر (المركزية الحضارية) التي تريد العالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى، فالإسلام يريد العالم (منتدى حضارات) متعدد الأطراف، ولكنه مع ذلك لا يريد للحضارات المتعددة أن تستبدل التعصب بالمركزية الحضارية القسرية، إنما يريد الإسلام لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك إنساني عام.
وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً وخاتم الأديان، فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته لا يرمي إلى تسلم (المركزية الدينية) التي تجبر العالم على التمسك بدين واحد، إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون، قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدةً ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات) المائدة: 84، وقال أيضاً:
(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا مَن رحم ربك ولذلك خلقهم ) هود: 118 ـ 119.
إن دعوة الإسلام إلى التفاعل مع باقي الديانات والحضارات تتبع من رؤيته إلى التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالاتهم السماوية، فعقيدة المسلم لا تكتمل إلا إذا آمن بالرسل جميعاً: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) البقرة: 285. بيد أنه لا يجوز أن يفهم هذا التسامح الإنساني الذي جعله الإسلام أساساً راسخاً لعلاقة المسلم مع غير المسلم على أنه انفلات أو استعداد للذوبان في أي كيان من الكيانات التي لا تتفق مع جوهر هذا الدين. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولكنه يؤسس للعلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصوصيات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى إلغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصوصيات أن تمنع التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها.
وفي سياق التفاعل الحضاري المنشود يمكن القول: إن احتمال أن تتقدم حضارة على أخرى بهذا الجانب أو ذاك كما هو الشأن بالنسبة للحضارة الغربية في عالم اليوم، ولكن القول بأفضلية حضارة على أخرى هو قول متهالك، فمن يستطيع إثبات أن هذه الحضارة أفضل من تلك أو أغرز ثقافة أو حكمة وإنسانية وتسامحاً، ولا يوجد في الواقع أي مقياس أو معيار نقيس به هذه الأفضلية في كل الجوانب ؟ .
إن شرط ازدهار هذه القيم في أي حضارة يرتبط أساساً بمدى قدرتها على التفاعل مع معطيات الحضارات الأخرى ومكوناتها وبالتالي الاعتراف بهذه الحضارات ومحاورتها وقبول تعددية الثقافات وتفهم مفاهيم وتقاليد الآخرين، واعتبار الحضارة الإنسانية نتاجاً لتلاقح وتفاعل هذه الحضارات لا صراعها فيما بينها أو استعلاء بعضها على البعض الآخر. والحضارة الإسلامية منذ نشوئها وتكونها لم تخرج عن هذا الإطار التوّاق إلى التفاعل مع الحضارات الأخرى أخذاً وعطاءً، تأثراً وتأثيراً.
لقد حمل العرب قيم الإسلام العليا ومثله السامية وأخذوا في نشرها وتعميمها في كل أرجاء الدنيا، وبدأت عملية التفاعل بينها وبين الحضارات الفارسية والهندية والمصرية والحضارة الأوروبية الغربية فيما بعد، ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلامية جديدة أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فأغنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التلاقح والتفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعد عندما استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنهوض مكوناً حضارياً ذا بال أمدّ الحضارة الأوروبية الغربية بما تزخر به من علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع.
الشيء عينه يمكن قوله عن الحضارة الغربية التي لم تظهر فجأة، بل تكونت خلال قرون كثيرة حتى بلغت أوجها في عصرنا الحاضر وذلك نتيجة التفاعل الحضاري مع حضارات أخرى هيلينية ورومانية وغيرها، وبفعل التراكم التاريخي وعمليات متفاعلة من التأثر والتأثير خلال التاريخ الإنساني الحديث. إن أكبر دليل على أن الحضارة الإسلامية لم تسع في أي وقت من الأوقات إلى التصادم مع الحضارة الغربية كما ينذر بذلك أصحاب نظرية الصدام الحضاري هو أن العرب والمسلمين لم يضعوا في أي زمن من الأزمان صوب أهدافهم القضاء على خصوصيات الحضارة الغربية وهويتها الحضارية، كما نجد الفكر العربي والإسلامي قد اتجه بانفتاح وقوة صوب التراث الغربي للاستفادة منه وتطويره، لقد كان هنالك فعلاً استجابة سريعة للحضارة العربية الإسلامية في تفاعلها مع الحضارة الغربية، وهذا ما لا نلمسه في الحضارة الغربية التي لا تسعى إلى الاستفادة من تراث ومعطيات الحضارات الأخرى .
الخاتـمة :
في مسيرة التاريخ المتسارعة منذ بداية التعامل مع متغيرات الحياة الاجتماعية والسياسية لدى الإنسان وتطوره التاريخي والاجتماعي وجد الإنسان الواعي نفسه في جدل طويل مع الحضارة الإنسانية وصراع جدلي حول ثنائيات متقابلة ومتداخلة بين الأنا والآخر، والثابت، والمتحرك ، والأصالة والحداثة ، والتوحدية والتعددية ، الخاصة والعامة ، والإنسان المعاصر عامة، والمسلم خاصة ، ليس كائناً منعزلاً عن تطور التاريخ البشري ، حيث الثنائيات الجدلية بتداخلاته المتقابلة ، ثم طريقة التفاعل الإيجابي ـ أو السلبي ـ مع هذه الثنائيات .
الحضارة الإنسانية حضارة واحدة، مع تعددية ثقافية تشكل كل مجتمع ذي هوية خاصة، فالحضارات الإنسانية تداخلت بين بعضها البعض ، أو أفرزت كل حضارة سابقة حضارة أخرى تابعة ومستفيدة من سابقتها ومولدة حضارة تالية ، مع بعض الإضافات أو الحذف ـ كالحضارة الفارسية ، واستفادة الحضارة الإسلامية منها أو الحضارة اليونانية واستفادة الحضارة الإسلامية منها وكحضارة الإسلام واستفادة الحضارة الغربية منها استفادة فعلية .
فالحضارة إذاً واحدة لكن التعددية الثقافية هي إحدى سمات الحضارة الإنسانية .
حيث الأسلوب الخاص والتعامل الحضاري والشكل المتميز مع أن الثقافة هي إحدى مكونات الحضارة ـ مما يوحي باختلاف الحضارات وتوتر الصراع الفكري والبدني والتوتر الطويل بين الحضارتين.
والإسلام والغرب ليس بدعاً عما قبل إلا أن لجدية الثنائيات السابقة أثر في طريقة تعامل الحضارتين فيما بينهما ونظرة كل حضارة إلى الأخرى النظرة أو العلاقة المشوهة للآخر ، وخاصة الفعل السياسي بين الطرفين ، حيث التقابل العنيف والصراع الفكري والمسلح في حركة التاريخ الأخيرة ، وتولدت نزاعات شديدة التوتر ،بسب مصالح متعددة الاتجاهات .
والحوار الحضاري بين الطرفين هو الفعل الأقدر على تولد حضارة أقوى وأفضل أو على الأقل فك الصراعات الدموية . ولكن ذلك يحتاج إلى تنازلات عديدة ليس من الطرف الإسلامي فحسب بل والغربي كذلك إزالة بعض السُتُر التي تحجب النظرة المتعلقة ، ومحاولة التفهم الأعمق لبناءٍ حضاريٍ عام وإن علينا أن نلج في هذا العالم بقوة وصراحة ، وأن نتوجه إلى الخطاب العالمي بمشروعنا الإنساني الحضاري ونشارك في هذا الخطاب ثم نؤثر فيه : بعرض الحقيقة ناصعة ، وباستعمال لغة العقل ، وبالأسلوب الموضوعي ، وعلى مستوى من الثقة بالنفس وبالأمة وبدينها وحضارتها ، ومن منطلق التكافؤ والندِّيـَّة دون الانزلاق إلى الشعور بالنقص والضعة ولا إلى الشعور بالتبجح والاستعلاء ، ودون الوقوع في متاهات التسويف أو الوقوف موقف الدفاع ، وإنما بحسبنا أن نبسط الحقيقة بكل ما تحمله كلمة ( بسط ) من معاني الشرح والتوضيح والتبسيط أو التيسير ، حتى تصل إلى غيرنا بعيدة عن تعقيدات المصطلحات وتفريعات المذاهب والآراء الفقهية . وحتى تصل أيضاً إلى جمهرة الناشئة والمثقفين منا من غير المتخصصين ، فنخاطب بذلك مراكز الفهم ومراكز الإقناع والاقتناع عند من نريد مخاطبتهم ومحاورتهم , هدفنا هو هذا الذي نحن فيه الآن ، وذاك الذي هو مقبل علينا في المستقبل القريب ...
مراجع البحث :
ـ القرآن الكريم .
ـ قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، دار ابن كثير ، دمشق .
ـ نحن والآخر ، د : ناصر الدين الأسد . المؤسسة العربية للدراسات والنشر
.الطبعة العربية الأولى 1998م بيروت ، لبنان .
ـ نحن والعصر ، د : ناصر الدين الأسد . نفس المصدر .
ـ حوار الثقافات ، د : ليلى الأحدب . مركز الراية للتنمية الفكرية . الطبعة الأولى . شباط 2003 م جدة ، المملكة العربية السعودية .
ـ مبدأ الحوار في الإسلام ، د / عبد الرشيد عبد العزيز سالم ، من كتاب صور حضارية للمجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة .العدد 97 عام 2003م .
ـ الحوار في القرآن ، ج1 محمد حسين فضل الله ، دار المنصوري للنشر ، الجزائر .بدون تاريخ .
ـ مجلة المعرفة ، العدد 491 شباط 2002 م بالسلم وحده يحيا الإنسان ، عبد
الكريم ناصيفوزارة الثقافة ، الجمهورية العربية السورية .
ـ محمد علي سبحاني ، جريدة السفير ، 10 آب 2002 بيروت ، لبنان .
ـ منهج الجدل وآداب الحوار في الفكر الإسلامي ، د / بركات محمد مراد كُتيب المجلة العربية
( العدد 97 ) محرم 1426 هـ فبراير 2005 م .
ـ الإسلام والغرب ، صراع حضارات أم حوار حضارات . شتيوي عزام الغيثي ، النادي الأدبي بمنطقة حائل . المملكة العربية السعودية 1426هـ 2005م .
ـ أدب الاختلاف في الإسلام ( كتاب الأمة ) العدد / 9 / قطر ، 1406 هـ .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. نهى عفونة العايدي
- الزيارات: 4
" صدام الحضارات وحوارها ومدى الاهتمام بها في المنهاج الفلسطيني".
د. نهى عفونة العايدي
مصممة برامج وأستاذة التربية واللغة العربية/جامعة القدس المفتوحة
تمهيد:
تنطلق أطروحة صدام الحضارات من تكريس الهيمنة الغربية على جميع العالم، ولكن البديل المنطقي التي تثبته الأيام يوما تلو الآخر هو التأسيس لتربية وثقافة تؤمن بالحوار خلافا للطروحات الصدامية.
فالمناهج التعليمية هي الخطوة الأولى في التأسيس لثقافة تؤمن بالحوار واحترام الخصوصية الثقافية لكل مجتمع مهما كان، وتعميق الديموقراطية للوصول إلى المواطن الكوني.
والبعد الإنساني في مناهجنا هو الذي يفرض علينا العمل على تعزيز الحوار بين الثقافات، حوار يكون مفتوحاً أمام كل الأوساط الثقافية وأمام المجتمع المدني والشباب والجامعات، ووسائل الإعلام.
وهذا الوعي بحوار الحضارات لا صدامها يدحض ما يريد منظرو الصدام تسويقه من مقولات إعادة تشكيل السياسة الدولية على أساس أن الهوية الثقافية للدولة تحدد دورها في السياسة العالمية.
وهذه المقولات العنصرية تدعونا لإطلاق حوار ثقافي متعدد أو ثنائي الأطراف بين سائر ثقافات وحضارات العالم.
ومصطلح الآخر يعني غير العربي و الأسلامي، وصحيح أن الخصوصية الحالية للحضارة الغربية تجعل الحاجة للحوار معها أكثر إلحاحا بيد أن هذه الخصوصية ( أقصد هيمنتها على المنظمات الدولية ) لا تستلزم أن نخص الحضارة الغربية وحدها بالحوار، ولا تستوجب أن يشغلنا الحوار معها عن الحوار مع غيرها من الثقافات والحضارات، فما يدرينا لعل هذه الثقافات الأخرى أقرب لأن تزكى وتنفعها الذكرى وتصبح عونا لنا في الحوار مع الحضارة الغربية وتزكيتها إذا ما استغنت وتمانعت هذه الأخيرة خاصة وأن بعض المعنيين يشيرون إلى أن الدول الأساسية في الحضارة الغربية غير مهتمة كثيرا بفكرة الحوار الحضاري كما تعكس ذلك مواقفها من مشروع الأمم المتحدة للحوار الحضاري.
وكذلك يدعم حوارنا مع الحضارات الأخرى غير الغربية، أن الباحثين ممن يؤيدون بصورة صريحة حتمية الصراع أمثال الأمريكي ( صموئيل هنتنجتون) يضعنا في خندق المواجهة معاً، أقصد الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الكونفوشيوسية أو الصينية وينظر للصراع المقبل بين الحضارتين السابقتين من جهة والحضارة الغربية من جهة أخرى.
ونسمع كثيرا من التنظير حول ماهية الصراع المقبل، وحتمية الصدام القادم ليس الاقتصاد أو الإيدلوجيا بل الثقافة والخصوصية الثقافية لكل حضارة مستهدفة للخلاف معها.
ونظم صوتنا لدعاة الحوار أمثال (محمد خاتمي ) و( آناليندا)، بل ونرتد إلى ثقافتنا وديننا المتأصل فيها والمتجذر في عروقها مبدأ الحوار منطلقين من قوله تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" ( النحل/125)
قضية البحث:
والسؤال الذي تتمحور حوله هذه الورقة هو:
هل اهتمت المقررات التعليمية ( المناهج في المؤسسات العامة والخاصة أو المستقلة ) بتنقية المضامين السلبية وتنمية التوجه أو الإلتزام الحواري لدى مخرجات تلك المؤسسات؟
وإلى أي حد استطاع المنهاج الفلسطيني الجديد إدراج مواد تعليمية تعنى بمعرفة الآخر، والإطلاع على ثقافته وحضارته؟
ونطرح سؤالا استباقيا لنتائج البحث:
إلى أي حد نستطيع إضافة مواد تعليمية تعنى بحوار الثقافات والحضارات في الجامعات؟
وأود التنويه إلى أنّ التطبيق سيكون على كتب مبحث اللغة العربية وفي جميع المراحل الدراسية الأساسية والثانوية, مع تحليل لمحتواها، على اعتبار أن العنصر الأساسي لأي ثقافة أو حضارة هي اللغة, ولغتنا الجميلة فيها من السعة والرحابة لأن تنفتح على الحضارات الأخرى كما نؤمن بأن الحوار بين أي ثقافة وأخرى إذا أريد له النجاج والانتشار، لابدّ أن يبدأ من المدارس، لأن المدرسة يتم فيها تشكيل الصورة النمطية لكل طرف عن الآخر, والمناهج الدراسية تمثل حجر الأساس في هذه العملية فهي إما أن تساعد على توضيح صورة الآخر أو تحريفها وترسيخ الصورة الخاطئة.
فالمناهج في أي بلد ما هي التي تساعد على إتاحة التقارب الثقافي وأهم طرق التقارب هذا ، إقامة شبكات الحوار بين الجامعات والمؤسسسات الإعلامية وإعداد دراسات مقارنة للكتب الدراسية، وترجمة الكتب العربية إلى اللغات الأخرى لتعميق الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان.
فيجب العمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة فيما يدررس من مناهج عند الآخر وعندنا، حتى تكون أكثر مواءمة وموضوعية وتعبيرا عن الآخر.
وانطلق من إيماني بأن المدارس هي أفضل مكان للبدء بحوار بين الثقافات باعتبارها مكانا تربية النشئ الذي يمثل رجال المستقبل.
ويبدأ الحوار الحقيقي بتصحيح المفاهيم الخاطئة فيما يدرس من مناهج بحيث تكون أكثر مواءمة وموضوعية وتعبيرا عن الآخر.
ومن الملاحظ أن إطلاق العناوين البراقة واستهلالات الصحف التي تتحدث عن ضرورة الحوار بين الحضارات والثقافات أصبحت كثيرة في الأونة الأخيرة، إلا أننا بحاجة لخطوات عملية صغيرة تبدأ بالمناهج لنشر ثقافة الحوار بديلا عن التنظير والأقوال فقط.
والحوار يعني طرفين، فلا بدّ من تناول القضايا الحضارية والثقافية والمفاهيم الإسلامية، والتي تثير الإشكاليات لدى الغرب، وتقديم هذه الثقافات بصورة موضوعية، للحيلولة دون إصدار أحكام خاطئة، ومن ثمّ التخفيف من حدة ظاهرة تقديمها بصورة سلبية ومشوهة في الكتب المدرسية.
وفي الجانب الآخر إدخال نصوص من الأدب العالمي والتي تتضمن قيما إيجابية في مناهجنا لنبرز صورة الغرب أيضا بالموضوعية نفسها التي أردنا لمناهجها أن تبرز فيها ثقافتنا وحضارتنا وإسلامنا.
فإلى أي حدّ استطاع المنهاج الفلسطيني في مبحث اللغة العربية أن يضم بين ثناياه نصوصا عالمية فيها من القيم والإبداع ما يفتح الأفق أمام طلابنا لمعرفة الآخر، بفهم واعٍ وإطلاع على ثقافة حضارة أخرى بعيدا عن التقوقع حول الذات، ولنحاكم المقولات التي تطرح مفاهيم منها أن المحلية وإبراز الخصوصية المحلية فقط هي التي تعني الإنتماء والبعد عن التغريب، ودحض الفرضيات التي تؤمن بوجود مؤامرات لتسلل الثقافة الغربية عبر مناهجنا، ويغرق آخرون بقولهم أن القائمين على تأليف المنهاج يضعون لطلبتنا السم في غذائهم اليومي وهو كتابهم المدرسي؟
فمن خلال عرض النصوص الواردة في كتب اللغة العربية لجميع المراحل يمكننا محاكمة الأقوال السابقة, وخصوصا أن منهاج اللغة العربية بني على محاور ثلاثة:-
1- محور الأدب المحلي.
2- محور الأدب العربي.
3- محور الأدب العالمي.
تحليل المحتوى :-
من المؤكد أن طبيعة المرحلة الأولى الصفوف (1-3) ينصب التركيز على تعليم الطالب القراءة والكتابة من خلال نصوص مصنوعة من بيئته المحلية.
* ملاحظة: استعملت الباحثة الطبعة الثانية التجريبية.
في الصف الرابع الأساسي لانجد نصوصا بعينها ولكن نجد إشارتان في الجزء الأول من كتاب لغتنا الجميلة في درس ( القمر) ص 66-67 إشارة إلى التنافس القوي بين روسيا وأفريقيا على الوصول للقمر وأسماء الرواد الأوائل على سطحه ( اعتبر هذه الإشارة الأولى للإطلاع على شيء خارج محيطه وإن كانت المعلومة علمية صرفة, إلا أن الطالب في الصف الرابع والذي أصبح عمره عشر سنوات يحلق في خياله إلى المجهول - فهذه إيجابية تحسب للمنهاج.
في الجزء الثاني من كتاب لغتنا الجميلة للصف الرابع أيضاً:
إشارة سريعة في درس ( من غرائب الحيوان والطبيعة) إلى الطبيب اليوناني ( جالينوس) وكيفية علاجه لمرض الصداع.
إضافة إلى أن هذه الإشارة العلمية السريعة لا يمكن أن نعدّها انفتاح على الحضارة اليونانية إلى أنها لا يمكن الاستهانة بها لمعرفة عالم مثابر على اكتشاف العلاج.
ويشير كذلك الدرس نفسه إلى طريقة الهنود والأفارقة في التعامل مع الثعابين والنمل، فهذه المعلومات بلا شك تحقق عنصر التشويق عند الطالب لمعرفة عوالم أخرى غير عالمه الذي يعيش.
أما في كتاب الصف الخامس الأساسي الجزء الأول :
تبدأ الإشارة الأولى للحروب الصليبية من خلال درس ( القاضي الفاضل) ص 59+60+61 , ولكن من الواضح أن مؤلفي المنهاج كانوا على درجة من الوعي في الإشارة إلى أعداء المسلمين آنذاك بقولهم ( الفرنجة). وهذا إن دلّ على شئ إنما يدل على أن صفة ( الصليبيين) لم تكن من ابتكار أسلافنا المسلمين العرب في العصور الوسطى، وإنما كانت من ابتكار دعاة الحرب- من رجال الدين ورجال السياسة على السواء - في أوروبا ( وهو ما يتكرر الآن من جانب دعاة الصراع الغربيين الساسة والمفكرين الموظفين لديهم) بينما لم يصفها أسلافنا الذين واجهوا حملات الغرب العدوانية بالفعل إلا بأنها حروب الفرنجة " وأحيانا أخرى نسبوها إلى الأقوام أو الفرق العسكرية التي شاركت فيها " الفرانك والإنجلاطرة واسلابتارية...
وكذلك في الجزء الأول نفسه نجد الدرس الثاني عشر ص 107+108+109 عن توماس أديسون وكيفية اختراعه للكهرباء وسلط الدرس الضوء على طفولته وشبابه واختراعاته وفيه قيمة تربوية بقوله:
" أنا مدين للفطرة بنسبة 1% ومدين للدأب والعمل المتواصل بنسبة 99%" وأن إبداعه تجلى على الرغم من تركه للمدرسة في سن مبكرة، فهذا فيه شيء من احترام القدرات البشرية . وكذلك الدعم المالي الذي يقدمه القطاع الخاص للاختراعات.
في الجزء الثاني من كتاب لغتنا الجميلة للصف الخامس الأساسي :
في الدرس التاسع ص 80+81 بعنوان العالم قرية صغيرة يبين هذا الموضوع كيفية انفتاح الشعوب على بعضها البعض من خلال الوسائط المرئية والمسموعة والانترنت والكمبيوتر وكيف أصبح العامل بفضل التقدم التكنولوجي أشبه بقرية صغيرة.
أما في الدرس الذي يليه ( الدرس العاشر ص91+100 ) بعنوان رحلة إلى قصر الحمراء، انفتح ذهن الطالب على اسبانيا اليوم التي هي أندلس الأمس وفيه من الحنين إلى الماضي الشيء الكثير دون الإشارة إلى أو الدعوة بشكل أو بآخر إلى أي عداء لمن هم فيه الآن، واقتصر تقديم الدرس في زاوية الرحلة وتتبع الأثر المعماري والنقوش الموجودة في قصر الحمراء ، فبرز بشكل تقديم المعلومة التاريخية في إطار مبسط .
أما في كتاب الصف السادس الجزء الأول:
لم يرد أي نص أو إشارة إلى الآخر ولكن نجد في الوحدة الثالثة عرض لقصة مريم ابنة عمران وتقديم للدين المسيحي الذي جاء به عيسى بن مريم بطريقة فيها كل الاحترام والتبجيل لنبي كريم، ومشهد عام تظهر فيه كنيسة القيامة في القدس.
فهذه إشارة إيجابية لاحترام الأديان وعرضها في كتب اللغة العربية.
أما الجزء الثاني من كتاب الصف السادس ( لغتنا الجميلة )
فقد خصصت وحدتان من تسعة للإطلاع على أدب الآخر فنجد الوحدة الرابعة عشرة فعرضت بتصرف قصة الشيخ والبحر عن رواية الشيخ والبحر / للكاتب الأمريكي آرنست همنغواي، وأشار المؤلفون إلى رواياته المشهورة" وداعا للسلاح" و" تشرق الشمس أيضاً" التي حصل عليهما الكاتب على جائزة نوبل. وأجمل ما في هذا النص العالمي عندما قال:" الإنسان لم يخلق للهزيمة, قد يدمّر ولكنه لا يُهزم". فأمّا أشد حاجة طلابنا لمثل هذه العبارات في زمن الهزيمة والإنكسار والدمار.
أما الوحدة الثامنة عشرة من الكتاب نفسه فخصصت للتعريف بكفاح غاندي وبصماته التي تركها في القارة الهندية، وأوضحت للطلاب فلسفة غاندي النضالية وأسلوب المقاومة السلمية.
وفي كتاب الصف السابع الأساسي الجزء الأول:
نجد الوحدة السابعة بعنوان" فضل العرب على العالم" وتوضح بشكل جلّي أن التقدم العلمي ، الذي نعيشه الآن هو نتاج للبشرية جمعاء، وهذا بالتأكيد مدعاة للتعاون بين الحضارات جميعا لأن ما توصل إليه الغرب في مرحلة ما كان قد بدأه العرب في مراحل سابقة وهكذا تبقى الأمم تزود بعضها بعض في العلم والمعرفة.
أما الدور التربوي الذي يترتب على مثل هذه الدروس فهو تعميق الإنتماء لهذه الأمة والتمسك بالهوية العربية التي يعتقد هذا النشئ بأن دورها مضمحل في الحضارة الإنسانية، ولكن ليس الهدف التغني بالأمجاد التي صنعها الأجداد، ولكن الهدف هو إزالة الصورة الخاطئة التي هي آخذه في التجذر في أذهان طلابنا بسلبية دورهم في العالم، وكذلك تحفيزهم للمحاولة لأخذ الصدارة مرة أخرى أو لنقل التفاعل مع الحضارات الأخرى بما ينفع البشرية جمعاء.
والجزء الثاني من كتاب الصف السابع الأساسي:
نجد الوحدة السابعة عشرة خصصت لقصص مترجمة من الأدب العالمي ( قصة دون كيشوت/ميكال دي سرفنتيس) فهي قصة جميلة عن طواحين الهواء، يحلق الطالب بخياله بأمور لم يعتدها في محيطه المحلي.
والقصة الثانية ( بائعة الكبريت/تأليف جان كريستيان أندرسون) تتحدث عن معاناة طفلة في البرد القارس والظلام الشديد، فهذه تثير في نفوس التلاميذ عمالة الأطفال في العالم وليس فقط في دول العالم الثالث. وهذا يجعل طلابنا ينظرون إلى الآخر على حقيقته وليس بما يعتقدون أنهم متميزون في حياتهم وحقوقهم والرفاهية في مجتمعاتهم، بل هناك البائسون مثل ما عندنا من هذه الفئات.
في الصف الثامن أصبح منهاج اللغة العربية تحت مسمى " المطالعة والنصوص" وكأن لغتنا الجميلة عند الصف السابع ولكن بين طيات هذا الكتاب ( الجزء الأول ) ما يمثل حوارا واحتراما للأديان وهو " العهدة العمرية" ص94، ويليها الدرس الرابع عشر بعنوان( محاكمة سقراط) نص جميل يدور حول محاكمة الفيلسوف اليوناني الشهير سقراط ,بعد اتهامه بتأليب الشباب في عصره ضد الشيوخ ، وتسفيه آلهة قومه، وتشجيعه للتفكير الشخصي، الأمر الذي انتهى بمحاكمته وإصدار حكم الإعدام عليه ، كما يصور المؤلف جرأة سقراط وشجاعته أمام الموت.
فما أحوج طلابنا لمثل هذه النصوص التي تبعث في نفوسهم التفكير وتبني قيما إيجابية وردت في هذا الدرس مثل ( الشجاعة والفضيلة والأمانة والعدل والحق).
أما الدرس العاشر في الكتاب نفسه فتناول ثورة المعلومات وهذا يمكن أن نعده من سبل التواصل بين الأمم والحضارات في أقطاب العالم، وإن لم يكن نصاً عالمياً إلا أن كاتبته (د. سهير القلماوي) درست في جامعات أوروبية مختلفة وفي هذا المقال تصب عصارة معرفتها وعلمها بوسائل نقل المعلومات وتداولها في العالم، مما يسهم بتفتح أفق طلابنا حول الثورة الحديثة في المعلوماتية ومحاولة استخدامها .
أما في الجزء الثاني من كتاب المطالعة والنصوص للصف الثامن :
فنجد نصاً بعنوان ( أسرة فقيرة ) وهو الدرس الثالث عشر للقاص الإيطالي /( جوزيف سيزار أبّا)، وهي تحكي قصة أسرة فقيرة جدا لا تكاد تحصل على قوت يومها إلا بصعوبة بالغة، لكنها أسرة متعاونة مساندة، إذ احتفظت بطفلين يتيميين بعد موت والدتهما، وكفلت حياتهما أسوة بأطفالها الثلاثة. هذه القصة فيها من العبرة للتكافل الاجتماعي الشيء الكثير.
أما الدرس الخامس عشر فجاء بعنوان ( المستقبل وتحديات التكنولوجيا ) عرض فيه المؤلف موقفين: الأول لعالم الرياضيات والفيلسوف الانجليزي برتتراند راسل، والثاني للأستاذ الجامعي الأمريكي روبرت ريتش، وكلاهما يركز على أهمية التطور العلمي والفكري والتكنولوجي في الانتاج الصناعي، الذي يحقق ازدهارا اقتصاديا.
فهذا بلا شك انفتاح على فكر الآخر والإيمان بضرورة المثابرة والمعرفة أسوة بالآخر، والمشاركة والاستفادة من التقدم الذي يقوم عليه المجتمع الإنساني في العصر الحاضر وتقدير قوة العقل البشري، والذكاء الصناعي والتقدم التكنولوجي في المجال الإلكتروني, وما زالت هذه الأمور تحظى باهتمام علماء الإقتصاد وعلماء الإجتماع.
وفي كتاب الصف التاسع الجزء الأول ( المطالعة والنصوص)
نجد الدرس الرابع عشر يخصص للتعريف بجائزة نوبل العالمية بفروعها: العلمي والأدبي والسلام والإقتصاد, فيعرض الدرس نبذة عن العالم السويدي ( ألفرد نوبل ) وجائزته التي بلغت من الشهرة ما بلغت، فيعرض نبذة عن حياته، وحيثيات إعلانه عن هذه الجائزة، والمجلات التي تمنح فيها، وآلية منحها للفائزين بها.
ويطالعنا هذا الكتاب بأول عهد طلابنا مع الأدب الروسي حيث أن الدرس التاسع عشر قصة بعنوان ( الدرس القاسي) ( لأنطو ن بافلوفتش تشيخوف)، وقصته هذه نموذج من قصصه التي يشرح فيها قضايا الفقراء ومعاناتهم داخل المجتمع الروسي آنذاك.
وتشيخوف له عدة مسرحيات منها (طائر النورس) و ( الأخوات الثلاثة) وبستان الكرز، وهذا الدرس يقدم معرفة جديدة لطلابنا عن الأدب الروسي، وهذا إثراء معرفي لا غنى عنه.
أما في الجزء الثاني من الصف التاسع:
فإننا نجد في هذا الكتاب الجزء الكبير من الانفتاح على الآخر سواء بالموضوعات أو بالنصوص المترجمة أو حتى بالإشارات المختلفة.
نبدأ من الدرس الثاني وهو بعنوان ( سفارة الإسلام لدى قيصر) فهو مسرحية قصيرة للكاتب المصري مختار الوكيل يعالج في هذه المسرحية حدثا يتعلق بدعوة الإسلام وطبيعته العالمية، وذلك من خلال حوار دار بين سفير الرسول - صلى الله عليه وسلم- وقيصر الروم وهذا الحوار البناء هو ما نصبو إليه بين الأديان في أيامنا هذه فإذا زودنا طالبنا وقد أصبح شاباً في الصف التاسع بهذا الزاد المعرفي عن حوار الأديان فنحن أنجزنا الشيء الكثير للجم دعوات الصدام والصراع بين الأديان، وهذا يحسب لمنهاج اللغة العربية في ميزان إيجابياته تنبهه لمثل هذه القضايا، ليس بطريقة التنظير بل عن طريق فن أدبي وهو فن المسرحية، فيقدم أطروحة حوار الأديان بطريقة أدبية غير ممجوجة بل مشوقة وهادفة.
أما الدرس الرابع فنجده بعنوان ( أرض الأرجوان) مع أن النص يعرض لأول حضارة نشأت في أرض الأرجوان التي سميت فلسطين لاحقا، ,هي حضارة أجدادنا الكنعانيين الذين وطنوا فلسطين منذ فجر التاريخ، ومنحوها هويتها العربية إلا أن الإشارة المهمة في هذا الدرس تنصب حول اللمحات والصور المقتضبة عن نشاط الكنعانيين وإنجازاتهم الحضارية في مجالات الزراعة والتجارة والعمارة والفنون، والتي كان لهم فيها إسهام مميز في مسيرة الحضارة الإنسانية جمعاء، وهذه إشارة لا يمكن الإٍستهانة بها بل وتعزيز إنتماء طلابنا لأرض الأرجوان.
أما الدرس العاشر فهو بعنوان ( الفنون الجميلة) ومؤلفه( أروين أدمان) وأخذه المؤلفون بتصرف عن كتابه ( الفنون والإنسان) والذي تحدث فيه عن الفن والحضارة، والفن والفلسفة، وعن أنوع الفنون المعروفة من غناء ورسم ونحت وموسيقا وشعر وقصة، وعلاقة هذه الفنون بالإنسان، وارتباطها بمشاعره وإحساساته، وترجم هذا الكتاب مصطفى حبيب، وتبرز أهمية هذا النص من خلال تركيزه على القضايا الأساسية التي تربط الإنسان بالفن كظاهرة إبداعية فردية وجماعية في آن معا. وتعزز في طلابنا إنسانية الفن وعالميته وتخطيه للحواجز الإقليمية والإثنية، وهذا مدخل مهم في حوار الثقافات ومعرفة كل بالآخر من خلال إبداعات أفراده وجماعاته.
ونجد الدرس التاسع عشر وهو بعنوان (حوت العنبر) لعالم البحار ( روي أندروز) وترجمه د. محمد صابر سليم إلى العربية، فيه معلومات علمية مهمة، ولكن الفائدة تكتمل لطلابنا بشقيها العلمي والأدبي فهذا التناول لعالم المخلوقات الضخمة، والتعرف بحوت العنبر وعالم الحيتان شيء فيه فائدة بلا شك.
من الملاحظ أن كتاب الصف التاسع بجزأيه: الأول والثاني اشتمل على خمس موضوعات إما عالمية أو فيها إشارات لقضايا إنسانية وتخدم موضوع حوار الحضارات فهذه الدروس بنسبة 5 دروس من 39 أي (13% ) فهذه نسبة جيدة ومحتواها أيضا جيد وتحسب في إيجابيات المنهاج الفلسطيني لمبحث اللغة العربية في كتاب المطالعة والنصوص لفتيان الصف التاسع الذي نعدهم شبابا للمستقبل بعقلية ناضجة متفتحة على العالم.
أما كتاب الصف العاشر المطالعة والنصوص( الجزء الأول):
الدرس الثامن من كتاب الصف العاشر قصة قصيرة بعنوان ( الحيلة) ومؤلفها هو الأديب الفرنسي ( جي دي موباسانٍ) ومترجمها أحمد حسن الزيات وهي بلا شك قصة جميلة تكتمل فيها عناصر القصة القصيرة من تشويق وتدرج في عرض شخوصها وزمانها ومكانها والمسوغات المنطقية لأحداثها، فهي تمرن عقلية الطالب وتشحذ همته لمحاولات قصصية مماثلة.
وفي الدرس الثالث عشر من هذا الكتاب نجد إشارة لطيفة إلى جهود الطبيب الألماني ( ألبرت دولف ) في استخدمه للأوزون في العلاج حيث أن عنوان الدرس ( الأوزون دواء الفقراء العجيب) وفي الدرس نفسه معلومات جديدة حول هذه القضية وبالتأكيد فإن أي بحوث تجري على صعيد ممارسة الطب، تفتح صفحة جديدة في فن المداواة للإنسانية جمعاء. وهذا مدعاة لتعاون علمي طبي بين جميع الحضارات.
أما في الجزء الثاني من كتاب المطالعة والنصوص للصف العاشر، فنجد رسالة أخوية من علي الطنطاوي إِلى أخيه الذي يطلب العلم في الخارج وهذه الرسالة بمثابة تلخيص لحياة الطالب في الغرب وفيها إشارات إلى العالم العربي وطبيعته والغرب وعاداته والدين والمستشرقون وٍإلى غير ذلك من القضايا المهمة التي تشكل الوعي بالآخر، والرسالة التي يجب أن تحملها لهذا المجتمع الجديد، والفائدة التي يجب أن تعود بها إلى مشرقك، فهذه رسالة تعبوية توجيهية يحتاج لها أبناؤنا في غربتهم الدراسية، وهذه تشكل حجر الأساس لإنشاء قاعدة من الحوار مع الحضارة الأخرى، وتعريف المجتمع الجديد بالحضارة التي قدم منها هذا الطالب، فالتعليم في الغرب جسر للتواصل على مر العصور.
بعد أن انتهيت من عرض الموضوعات التي فيها أشارات إلى الآخر أو هي بالأصل قصص مترجمة تطلعنا على الثقافات الأخرى فإن المرحلة الأساسية من الصف الرابع وحتى العاشر أكاد أجمل أنها أحاطت بجوانب علمية وأدبية وثقافية جيدة ومتنوعة وبنسبة درسين إلى ثلاثة في كل صف إلى جانب الإشارة من هنا وهناك إلى بعض القضايا التي لها علاقة ببحثنا فهذا يدل عل وعي المؤلفين بضرورة الانفتاح على الحضارات والثقافات الإنسانية، ونقل جزء يسير منها ذو أهداف تربوية إلى طلابنا في هذه المراحل.
أما كتابا المطالعة والنصوص للصفين الحادي عشر والثاني عشر أي في المرحلة الثانوية فأخذا طابعاً آخر، حيث أن الخطوط العريضة لمنهاج اللغة العربية لهذين الصفين ارتأت أن تتدرج في موضوع تاريخ الأدب العربي من العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث في حلقات متسلسلة بحيث ابتدأت في الصف الحادي عشر الحلقة الأولى بالأدب الجاهلي واستشهاد بنصوص تمثل على هذه الحقبة التاريخية والأدبية ومن مرحلة سينتهى فيها السنوات المدرسية وينتقل لعالم أرحب وأوسع في الجامعة أو سوق العمل، فإن تزويد بمعرفة تراثه الأدبي والشعري والنقدي له ما يبرره.
وينتهى هنا دور المنهاج المدرسي ويبدأ دور الجامعات بأن تأخذ على عاتقها تدريس مقررات تعنى بحوار الحضارات بجوانبه المختلفة.
والمبحث الذي تناولته وهو منهاج اللغة العربية بلا شك مجاله رحب ولكن موضوع صدام الحضارات أو كما أردنا أن نستبدلها بحوار الحضارات مجاله أرحب في مباحث التاريخ والحضارة العربية الإسلامية وغيرها من كتب مثل التربية المدنية، فيحسب لمنهاج اللغة العربية أنه لم يغفل الجانب الإنساني والعالمي سواء في مقالاته العلمية أو فنون الأدب التي أخذها بتنوع من مشاهير العالم، ويحسب له أيضاً انتقاءه الموفق للنصوص المترجمة حيث تحمل من القيم التربوية الشيء الكثير، وكذلك تناول قضايا التراث بشيء من تحفيز عقلية الطالب على متابعة جهود الأجداد، دون النظر بعنصرية وازدراء للتقدم التكنولوجي في الغرب، فطريقة التناول والمعالجة كان فيه شيء من المنهجية والمنطقية، بتثبيت جذور طلابنا ثمّ انتقلنا إلى عصر صدر الإسلام ونصوص تمثل على تلك الفترة، وتلتها زمنيا فترة الخلافة الأموية ومن ثمّ الفترة العباسية وبشيء من الإحاطة بتلك الفترات من النواحي الأدبية والقضايا النقدية وغير ذلك.
واستكمل كتاب المطالعة والنصوص للصف الثاني عشر ( التوجيهي) من العصر العثماني وعرض لفني الشعر والنثر فيه، ومن ثمّ انتقل لعرض للمدارس الأدبية في الشعر الحديث من مدرسة الإحياء والمحافظين ومدرسة المهجر ومدرسة التفعيلة وفي هذين البابين نجد إشارات لتأثر شعراء المهجر وشعراء التفعيلة بأشهر الشعراء الغربيين أمثال ( راسين)و(لامارتين) وغيرهم، ولكن ركز الكتاب بمجمله على المحور الوطني في النصوص الأدبية وعلى المحور العربي حيث كانت اختيارات الفنون الأدبية لكتاب عرب وفلسطينيين فالمسرحية لكاتب عراقي والقصة لكاتبة فلسطينية والشعر ما بين العربي والفلسطيني.. وهكذا, وأبرر لهذا الاختيار بأن المرحلة الثانوية تعدّ في مناهجنا وبلادنا مرحلة تحصيل لا مرحلة تثقيف وهذا ما يبرر منهجية تناول القضايا الأدبية بهذا الشكل، وأيضا تشكيل الوعي الثقافي عند الشاب الفلسطيني بجذوره وامتداداته القومية بأرضية التراث الصلبة، وحفزهم إلى محاولة الإنجاز والجهد للرجوع إلى الصدارة أو مجاراة الركب والاستفادة من منجزات الحضارة العالمية التي بنيت في العصور الوسطى على منجزات الحضارة العربية الإسلامية، وتنمية وعيهم بالآخر عن طريق المشاركة والمساهمة بما يخدم الإنسانية دون تقزيم لدورهم أو إبقائهم على قارعة الطريق يتغنون بأجدادهم المبدعين.
خاتمة:
يمكننا أن نعد هذا المنهاج عاملا مؤسسا لوعي طلابنا بالعالم، ويحسب له التنوع في اختياراته من الآداب العالمية, وتناوله المرن لقضايا إنسانية تهم قطاعات كبيرة من المجتمعات كافة والمجتمع الفلسطيني بصورة خاصة.
وبشهادة موضوعية بعيدة عن النرجسية والتحيز يمكننا أن نعدّ منهاج اللغة العربية بمراحله المختلفة عملا يشرف كل فلسطيني فهو بتنوعه ومنهجيته في عرض القضايا المختلفة يتصدر المناهج التعليمية الأخرى ويشكل نواة لتبادل ثقافي حضاري مع الأمم الأخرى.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: زهير الخويلدي
- الزيارات: 4
في التنوير الأصيل:
التقدم الاجتهادي بدل التقليد المذهبي
زهير الخويلدي
" لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر" المدثر 37
" الحب هو المبدأ والنظام هو القاعدة والتقدم هو الهدف" أوغست كونت
استهلال:
نتكلم هاهنا في التراث والإسلام والعروبة والعصر والتقدم والاجتهاد والتقليد والمذاهب فإنها عبارات وردت في التجربة التاريخية للملة ولم تملك واحدة منها معنى يخصها وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا. وذلك يرجع الى التباس هذه الألفاظ وتشعب المجالات التي تتنزل فيها من جهة والى اختلاف طرق استعمالها وتناقض أساليب تداولها من جهة أخرى. وبدل الغوص في بحر فن التحديد والذهاب نحو ساحة أصول التعريف وما يرافق ذلك من تجريد صوري وتأمل نظري حري بنا أن نعالج الأسئلة التي يطرحها تواجد مثل هذه العبارات جنبا الى جنب وأن نتحسس الاحراجات التي تسببها مواجهة العصر بالتراث والمذاهب بالاجتهاد والإسلام بالتقدم والتقليد بالتجديد, فما المطلوب اليوم في زمن العولمة من حضارة اقرأ؟ الإصلاح أم التحديث؟ التفسير أم التغيير؟ التنمية أم الترقي؟ التطور أم التقدم؟ الاجتهاد أم التأويل؟
ماهو بديهي أن التطور سنة الحياة وأن العقل في تكوثر دائم وأن حركة التاريخ هي دائما في صيرورة مستمرة وتحمل لنا الجديد والأحداث الطارئة والمباغتة على الدوام وما هو مسلم به أن العرب والمسلمين امتلكوا ولا يزالوا رصيدا كبيرا من تجارب النهوض والتمدن والتحضر وقد أفادوا في ذلك شعوب وأمم بما حملوا إليهم من قيم وشرائع ومناهج,أما الأمر الذي لا يحتاج فيه الى حجة وبرهان فهو قابلية الإسلام نفسه في أصوله وفروعه للتطور والتجديد وجاهزية الملة العربية الى المواكبة والترشد لامتلاكها خزان من الحقائق والمعاني لم تقدر كل التجارب وكل ألوان الترحال الوجودي على استنفاذها واستخدامها.
أمام هذه البديهيات والمسلمات تبرز بعض الشبهات والمؤاخذات إذا ما تدبرنا عن قرب حال الفكر العربي الإسلامي اذ تتراءى لنا مجموعة من المعطيات المحيرة والوقائع المربكة:
- حدوث أزمة حضارية شاملة تجلت بشكل واضح في الانغلاق والتعصب والتشدد وغياب الحوار بين الداخل ورفض الحوار مع الآخر واحتدام التوتر العرقي والفرقة المذهبية.
- توظيف الإسلام والعروبة توظيفا رجعيا رأسماليا معولما لخدمة أجندة غربية من قبل فئة طفيلية تابعة من الداخل تحافظ على مصالحها الآنية وتحتكر السلطة لنفسها وتعيد توزيعها بشكل رمزي.
- تفشي الأمية وانحسار عملية الإبداع وتوقف باب الاجتهاد وشيوع المد السلفي والاكتفاء بالتقليد وانحراف دعاة التنوير نحو التغريب والمجون والميوعة الفكرية.
هذه اللوحة الرمادية ليس المراد منها أن تحجب عنا الحقيقة المأساوية التي يتكون منها الواقع ولا تجميل المشهد وتبرير المايحدث وتخفيف الأوجاع وتسكين الآلام بل المقصود منها هو الشروع الجدي في بناء عملية حضارية شاملة وتحسس الانبعاث من جديد الذي يبدأ بتحطيم الأوثان وإزالة المعوقات وتفكيك العراقيل من أجل تغيير القبلة وتحييث المقدس والتوجه بالفكر من المدن الغربية الغارقة في ظلام العولمة والعقلانيات اللامعقولة والتنوير المتسلط نحو كهوف الشرق وأم القرى وما تحمله من حكمة وتدبير وإنصاف ومحبة وصداقة.
- قد يتبادر الى الأذهان أن هذا المبحث يتنزل في سياق المعركة بين أنصار التقليد وأنصار التجديد وبين من يدافع عن الهوية ومن يدافع عن الحداثة غير أن طرح المشكل بهذه الصيغة وضمن هذه الزاوية وداخل هذا السياق هو انزياح عنه وتحويل خارجي له وتفويت أية فرصة جدية لطرحه بدقة والتعمق في تناوله وتحليله ولذلك فضلنا الطريق الثالث الذي يقاوم الجبهتين في نفس الوقت ويقوم بتجديل العلاقة بينهما ويحاول أن ينحت الإسلام التقدمي والتراث العصري.
فإذا كان مطمحنا هنا هو بناء فهم متكامل عن الإسلام يواكب روح العصر وينصهر مع العروبة بعيون جديدة ويرد على كل التحديات ويحل كل العقد الدفينة والأزمات المستديمة فإن هذا المقصد لن يتحقق إلا بنحت مفهوم التقدم من خلال تراث الإسلام وبدفع الإسلام نفسه نحو تحقيق هذا التقدم نظريا وعمليا.
من أجل تحقيق هذا الغرض لابد أن نبين خطورة الدعوة الى التقليد وندحض مزاعمهم ونكشف بطلان دعواهم في مقام أول.
ثم في مقام ثان يلزم علينا أن نبين خطورة الدعوة الى التغريب وندحض مزاعمهم ونكشف المآسي التي سببتها حضارة المصنع وثقافة البضاعة وكوجيطو الاستهلاك المجنون على الساكن الأصلي.
أما في مقام ثالث فإننا سنوضح ملامح التقدم الحضاري الأصيل الذي يجع بين الشكل والمضمون وبين النظر والعمل وبين العلم والأخلاق والإسلام والتقدم,فكيف سيكون ذلك كذلك؟
I/ آفة التقليد المطلق:
"وإذا توالوا في الأزمان واحدا بعد آخر فإن نفوسهم تكون كنفس واحدة ويكون الثاني على سيرة الأول والغابر على سيرة الماضي..."[1]
التقليد هو قبول رأي الآخر بلا حجة ولا دليل,وبعبارة أخرى هو إتباع الانسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقدا للحقيقة فيه من غير نظر وتأمل في الدليل كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه. وعلى هذا معظم الناس فلذلك يحتاجون الى معلم ومرشد ومن يعرفهم أمور دنياهم ودينهم وجميع شرائعه وفروضه ومن ينهض نحو فعلها. ويتميز المقلد بالإتباع والمسايرة والعجز والقصور والتعويل على الغير وعدم استعمال ملكاته الطبيعية في التفكير والفعل والوجود والارتماء بين أحضان الخيال والخرافة والسحر والتصور الغيبي للزمن.
"ومن لم يكن له قدرة على أن ينهض غيره نحو شيء من الأشياء أصلا ولا أن يستعمله فيه وكان إنما له القدرة على أن يفعل أبدا ما يرشد إليه لم يكن هذا رئيسا أصلا ولا في شيء بل يكون مرؤوسا أبدا وفي كل شيء"[2]
يمكن تسمية هذا الموقف بالمحافظ لاعتقاده في كمال الدين وقداسته وثبات شرائعه وعلوية أحكامه ووجوب فرائضه مهما تغيرت الظروف وصلاحية أحكامه في كل زمان ومكان وحجتهم في ذلك أن شريعة الإسلام جاءت محكمة تامة اكتمل بها البناء وختمت بها الدعوة. ويرى أصحاب هذا الموقف ضرورة الاكتفاء الذاتي للتراث ويؤمنون بأنهم الفرقة الناجية وأن المواقف الأخرى مواقف ضالة يجب إما تبديعها أو تكفيرها. "وذلك يعني أن تراثنا القديم حوي كل شيء مما مضى أو مما هو آت وهو فخرنا وعزنا وتراث الآباء والأجداد علينا الرجوع إليه ففيه حل لجميع مشاكلنا الحاضرة".
ويستند هذا الموقف الماضوي على حديثين للرسول صلعم هما:"خير القرون قرني ثم الذي تلاني"
و"لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها". ومعنى هذا أن حاضر هذه الأمة لا يتقدم إلا بالرجوع الى الماضي وأن التاريخ يسير في تدهور مستمر وأن قمة التطور كانت في عصر ذهبي في الماضي وأنه لا يمكن استعادة هذه التجربة المتطورة مهما حاولنا فذاك عصر الطهارة قد انقضى وولى.
و يتبع أصحاب التقليد مناهج قاصرة وتغلب عليهم النزعة الخطابية التي تعطي الأولوية المطلقة للوحي على التاريخ والشرع على العقل ولله على الانسان وللسماء على الأرض ولعالم الغيب على عالم الشهادة فيغيب الوضوح والعمق النظري والنضج الفكري وتسود العاطفة والانفعال والاندفاع والمراهقة والتكرار وتحصيل الحاصل والتقريظ أو الدفاع الذي يتحول إلى تبرير والجدل والمهاترات اللفظية التي لا تمتلك سوى حدس قصير المدى وبالتالي فإنهم يعانون من ضعف في التنظير ويحتكمون إلى آراء جاهزة وأحكام مسبقة ويفضلون الظن على اليقين والإجماع الضعيف على الحجة الدامغة وحتى إن تحدثوا على التغيير فإنهم يرونه بواسطة القديم عبر استعادة حرفية للماضي والعودة الكلية للسلف الصالح من خلال توظيف ملكات الذاكرة والخيال والوجدان والنص دون إعطاء أي اعتبار للعقل والعصر والتجربة والتاريخ والتغير والتقدم .
إن السلفية بقطع النظر عن مضامينها المختلفة قد تحولت إلى فكرة إسلامية مهيمنة على المجال الإيديولوجي الحركي الإسلامي ويغدو السجال حول دلالتها المحددة رأسمالا رمزيا يحاول الفاعلون الإسلاميون استثماره سواء على مستوى إنتاج السلطة المعنوية أو على المستوى الحركي العملي.
فإذا كان البوطي يعتبر السلفية مرحلة زمنية مباركة وليس مجرد مذهب ديني يضاف الى بقية المذاهب فان محمد عمارة يربطها بالتاريخ العربي الإسلامي ويحاول أن يبحث لها عن جذور حضارية تراثية فهي حسب رأيه ظاهرة عباسية ترتبط بالتيار الفكري الذي قاده أحمد ابن حنبل ضد المعتزلة وما عرف بمحنة خلق القرآن والتي انتهت الى انتصار أصحاب الحديث والنص على أصحاب الرأي والعقل. وإذا كان محمد الغزالي يعتبرها نزعة عقلية عاطفية ترتبط بخير القرون وتعمق ولاءها لكتاب الله وسنة رسوله فان محمد عابد الجابري يتحدث عن السلفية الوطنية وينوه بالنموذج المغربي خاصة عند علال الفاسي الذي هو أقرب ما يكون منهجا من أن يكون مذهبا ويميز بينها وبين الماضوية التي ترجع الى الماضي وتتمسك به لذاته دون نقد أو تمحيص وتعتبر سلوك السلف نموذجا صالحا لكل وقت ولكل مكان بينما السلفية الوطنية ترجع "الى نقطة مضيئة في الماضي ليس من أجل الماضي نفسه بل من أجل التحرر مما تراكم من انحرافات وظلمات في المسار الذي يفصل الحاضر عن تلك النقطة المضيئة"[3].
عموما تمثل السلفية إطارا معرفيا شاملا يحكم طريقة إنتاج الفكر الإسلامي للمنهج المطابق لمنهج السلف الصالح في القرون الهجرية الثلاثة الأولى والذي بموجبه تكون السلفية هي الدين نفسه كما فهمه الرسول والخلفاء والقراء ومجمل الصحابة والتابعين,على هذا النحو"يشكل الانتماء الى السلفية قاسما مشتركا بين مختلف الحركات الإسلامية في الفضاء السني في القرن العشرين أمعتدلة إصلاحية كانت أم راديكالية متطرفة...إن أهم السلفيات هي السلفية التاريخية والسلفية المدرسية والسلفية النهضوية والسلفية الوطنية والسلفية الحركية والسلفية الجهادية والسلفية التحررية والسلفية المحدثة.
إن السلفية بقطع النظر عن مضامينها المختلفة قد تحولت الى فكرة إسلامية مهيمنة على المجال الإيديولوجي الحركي الإسلامي ويغدو السجال حول دلالتها المحددة رأسمالا رمزيا يحاول الفاعلون الإسلاميون استثماره سواء على مستوى إنتاج السلطة المعنوية أو على المستوى الحركي العملي".[4]
يستند الموقف السلفي على جملة من الفرضيات القبلية أهمها التمييز بين الإسلام والإيمان والإحسان والإخلاص وبين الاستحسان والاستصحاب,فالإسلام هو الخضوع والانقياد لما أخبر الرسول صلعم,أي كل ما يكون إقرارا باللسان من غير مواطأة بالقلب,والإيمان هو التصديق بالقلب والاعتقاد بالوجدان والإقرار باللسان,أما الإحسان فهو فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير أي أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فأنه يراك,في حين أن الإخلاص يفيد ترك الرياء في الطاعات بأن لا يطلب المؤمن لعلمه شاهدا غير الله, ويختلف الاستحسان عن الاستصحاب فالأول هو عد الشيء واعتقاده حسنا بترك القياس والأخذ بماهو أرفق للناس أما الثاني فهو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان الأول وهو عبارة عن إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغير.
والحق أن السلفية متغلغلة في عقولنا وقلوبنا ولا نستطيع التحرر منها مهما حاولنا وتؤثر في نظرتنا الى أنفسنا وفي علاقتنا بالآخر وإقامتنا في العالم فهي تسقطنا في النظرة الضيقة والموقف الدغمائي وتجعلنا نتصور مفهوم الانسان تصورا أحادي الجانب,كما أن تبني الموقف السلفي يسقطنا في التقليد والمحاكاة وينتج عنه عدة آفات وأخطاء مثل التمركز حول الذات واعتقاد امتلاك الحقيقة المطلقة والانتماء الى الفرقة الناجية ثم العجز عن الفعل والقصور والالتجاء الى التعويض والانتظار والإرجاء.
علاوة على ذلك يترتب عن التقليد المطلق للماضي عدة أخطاء ومساوئ ينبغي تفاديها نذكر منها ما يلي:
- إيثار الدولة الدينية على الدولية المدنية الحاكمية الإلهية على الشورى الانسانية وتقسيم المجتمع الى مؤمن /كافر والعالم الى دارين: دار طاعة/دار حرب.
- إعطاء صورة سلبية عن الإسلام تبدأ بالحدود والعقوبات وتوصي بالتشدد في الالتزام بالواجبات وتهمل الحقوق والحريات وما هو جائز ومباح بالنسبة للناس.
- التوقف عن التطوير والإصلاح والتركيز على عصر ذهبي واعتباره النموذج الذي ينبغي إعادة استنساخه في كل مرحلة وهو ما يعني معاداة التجديد والثورة وعدم الأخذ بعين الاعتبار للمستجدات والتحولات التي تطرأ على العالم في كل يوم.
- جدل الكل أو لا شيء عند الممارسة والميل الى التعصب بدل الوعي الفكري المتبصر وسيطرة النعرات الطائفية والحميات القبلية على الموقف التاريخي.
- تنظيم الجماهير في جماعات مغلقة ينقصها الحوار والمشاركة الحقيقية ومطالبتهم بالطاعة المطلقة وتعويدهم على الاعتقاد بأنهم على حق والآخر على باطل.
- محاولة تغيير الواقع بالقوة واستعمال العنف للاستيلاء على السلطة دون المرور بمراحل الدعوة والتربية ودون تنوير للناس وإعدادهم لهذا التغيير بالكلمة الحسنة والمبادئ القويمة.
- فهم الإسلام فهما يمينيا رأسماليا والنظر إليه على أنه يبيح الملكية الخاصة ويقر بالتفاوت بالدرجات بين الناس وإهمال قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية التي تجسيد للعدالة الإلهية.
والجلي أن الموقف التقليدي هو موقف محكم البناء متناغم الأجزاء بحيث يصعب اختراقه من أجل تقويضه من الداخل لمتانة البناء وكثافة الطبقات التي يرتكز عليها النسق مما جعل البعض يخيرون ضرب هذا النسيج على عرض الحائط وإلقائه برمته في سلة الماضي الخاطئ وتفضيل تقليد الغرب تقليدا أعمى وتبنى نهج الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة وهو ما يعني ارتكاب خطأ أفدح في محاولة لتفادي خطأ تقليد الماضي التراثي فماهي الآفات المنجرة عن تقليد الغرب؟
II/ في التقدم المطلق :
"إننا نقدر الأقدمين والأسلاف أكثر مما يستحقون,فالزمان الحاضر أسمى من الزمان السالف لأن الأول يعتمد على تبرير من التجربة وفي الوقت نفسه يستند الى الزمان السالف والناس يستفيدون دائما من المزيد من التجارب التي تتم مع مضي الزمان" (فونتنل/محاورات الموتى)
التقدم هو الحركة الى جهة معلومة سلفا أي هو السير الى الأمام لكون الشيء موجودا قبل الآخر بحيث لا يوجد الثاني إلا إذا وجد الأول,وهو بذلك ضد التراجع والتأخر والانحطاط والتخلف. والتقدم في الفيزياء يقاس كميته بأنها حاصل ضرب كتلة الجسم في قوة سرعته ونستنتج ارتباط التقدم بالمادة وبالحركة السريعة. ويقع التمييز بين التقدم الإضافي الذي هو من الحسن الى الأحسن والتقدم المطلق الذي هو من التخلف الى النمو وهو ناشئ عن الحتمية التاريخية والضرورة الكونية.
على هذا النحو يكون التقدم انتقالا تدريجيا في نظام متصل من الأدنى الى الأعلى ومن النقص الى الكمال ويكون إما في شكل خط مستقيم أو في شكل خط لولبي أو في شكل الخط المنحني الصاعد.
إذا كان تقم الفكر هو تقدم تدريجي فإن التقدم الحقيقي الجدير بالإعجاب هو ذلك الذي يتحقق بعد تحرر البشرية من طغيان الملوك. وإذا كان أفلاطون في محاورة الثياتات يرى أن"الشباب يتقدم نحو كل شيء" وأكد في محاورة النواميس على أن الأوائل قد وضعوا الفنون والصناعات لبني الانسان لكن بعد الطوفان بقي الكثير منها مجهولا ولم يعرف الكثير منها إلا حديثا فإن أرسطو يرى أنه من العبث التوقف عند ما فعله الأقدمون أو استرجاعه لأن التقدم هو المبدأ الذي ينبغي أن يتبعه الناس فالتحرك هو الأفضل كما أن العادات والقيم الأولى هي متوحشة ومبتذلة, ويكون التقدم في الفنون والصناعات لكي يتم كل إنسان ما ينقصه عبر الزمان وقد قال من أجل ذلك في الأخلاق الى نيقوماخوس أس 24 :"إن الزمان هو المخترع أو المساعد الجيد للاختراع".
اللافت للنظر أن القائلين بالتقدم يرون أن التطور ليس مقصورا على ازدياد التقوى ونماء الحياة الروحية بل يؤمنون بالتقدم المادي والتقني ويعتبرون العصر القديم ليس كعصر ذهبي بل كانت فيه الحياة شبيهة بحياة الحيوان ولذلك دعوا الناس نحو طلب العلم والثقافة والالتزام بالأخلاق بالتمسك بالتجربة ونبذ الخرافات وبالكشف عن أسرار الطبيعة وإنقاذ الظواهر وتطوير الحرف والمهن.
من هذا المنطلق يرى بايكن في كتابه الأرغانون الجديد أن احترام الأقدمين ينافي تقدم العلم لأن الحقيقة بنت الزمان وليست خاضعة للسلطة بل إن غواية السلطة يشل مواهب الانسان ويعوق التقدم ولا ريب في أن الانسان سيعرف الكثير في المستقبل أكثر مما لا يزال مجهولا عندنا وربما يأتي اليوم الذي نتعجب فيه أولادنا من جهلنا,ومن المعلوم في كتابه مقال عن المنهج شبه المقلدين من الذين يتبعون آراء أرسطو ويخضعون لسلطته العلمية بنبات العليق الذي يحاول أن يصعد الى أعلى من الشجرة التي تحمله فوقها وسيكون هؤلاء المقلدون في نهاية الأمر أكثر جهلا مما كانوا عليه.
هكذا فإن التقدم الإنساني غير محدود اذ يزداد كمالا باستمرار وان خطة الطبيعة تقوم على أساس أن الاستعدادات الانسانية قدر لها أن تنمو وتتطور تماما وفق لغاية محددة,في هذا السياق يقوم فيلسوف التنوير كانط:"إن الانسان يكمل نفسه بنفسه وفقا لغايات اتخذها بنفسه من حيث هو حيوان عاقل".
ولهذا فإن تاريخ الانسان هو تاريخ التقدم حتى وان كان مرتبطا بحيلة العقل ومكره وعن طريق الحروب والصراع بين الأضداد وقانون الجدل ألم يقل ماوتسي تونغ في كتاب الأحرار:"إن العالم يسير قدما والمستقبل وضاء ولا يستطيع أحد أن يغير مجرى التاريخ هذا ولذا علينا أن ننشر التقدم في العالم بين الشعب باستمرار ابتغاء أن يكسب الثقة بالانتصار". لكن ماذا تخفي هذه الثقة بالتقدم المطلق؟ ألا يمكن أن يتحول الهيام بالتقدم الى اليوطوبيا خاصة في ظل واقع التخلف الذي نعيشه في حضارة اقرأ؟
يتوزع الموقف التقدمي في الخارطة السياسية على مختلف الاتجاهات من:
- الليبرالي الوطني وريث الدولة القطرية ما بعد الاستعمار المباشر.
- الاتجاه القومي العلماني المتأثر بفكرة القومية كما بشرت بها البرجوازية الغربية.
- الاتجاه الاشتراكي والماركسي الملتزم بالتجارب الشمولية كما مورست في المعسكر الشرقي.
وتتميز التجارب التي تنادي بالتقدمية بمجموعة من الخصائص:
- الإيمان بالعلم والتقنية والفكر الوضعي ومعاداة الفكر الرمزي والتجارب المعرفية الوجدانية الأخرى.
- فهم العلمانية على أنها فصل ماهو روحي عن ماهو حياتي وتفضيل ماهو دنيوي مادي على ماهو معنوي غيبي.
- الدعوة الى إحداث قطيعة ابستيمولوجية مع التراث واعتبار الماضي كله مجموعة من الأخطاء ينبغي محوها الى الأبد .
- الوقوع في تقليد الحاضر واستنساخ التجارب الجاهزة والانشداد الى المستقبل دون امتلاك رؤية إستراتيجية متكاملة.
- الميل الى نهج الإقصاء ورفض المختلف والعمل على الاستئصال وتفضيل الحلول الأمنية في التعامل مع المواقف المباينة.
- بروز الازدواجية وإتباع سياسة ميكيافلية هوبزية تفضل العقل الحسابي الأداتي على العقل التواصلي الاتيقي والايكولوجي.
- التعامل البراغماتي مع الأشخاص والنظر الى الكائن البشري على أنه موجود من أجل ذاته وإهمال كونه موجود كذلك من أجل الآخر.
هذا الفهم الضيق للتقدم أدى الى إنتاج عدة أخطاء في النظرية والممارسة على السواء:
إن التقدم عوض أن يكون الى الأمام تحول الى حركة الى الخلف فصار يعني السير من السيئ الى الأسوأ والتفويت في الكامل من أجل الرضا بالناقص,وبالتالي أصبح التقدم يعني الشدة والتكاثر والازدياد في البؤس والمأساة والفقر والأمية كقولنا تقدم القمار والإجرام والفساد والمقصود هو تضخم هذه الظواهر وتفاقم أمرها. وقد تنبه أفلاطون منذ الإغريق الى هذا الأمر في كتابه النواميس 676 أ عندما قال:"انه في المدينة الدولة قد يحدث مع التقدم في الفضيلة الانحطاط نحو الأسوأ".
من هذا المنطلق شبه سيناك المتقدمين بالحمقى وعلل ذلك بأنهم يعتقدون أنهم تقدموا بينما في الحقيقة هم في الواقع لم يقوما بأية خطوة الى الأمام بل ظلوا على حالهم أو تراجعوا الى الوراء وليس فقد على الصعيد الأخلاقي والروحي بل وكذلك على الصعيد المادي والصناعي وقد بلغ الأمر بجون جاك روسو أن أنكر التقدم جملة وتفصيلا وآمن بالترقي أو قابلية الاكتمال اذ يقول في هذا الصدد:"لا يوجد تقدم حقيقي للعقل في النوع البشري لأن ما يكسبه من ناحية يفقده من ناحية أخرى" ويستدل على ذلك بقوله في مقالة في العلوم والفنون 1750:"بقدر ما تتقدم علومنا وفنونا نحو الكمال بقدر ما تزداد أرواحنا فسادا" وبعبارة أخرى:"كلما ازددنا تقدما كلما ازددنا توحشا".
فما العمل لبناء تقدم حضاري حقيقي يتفادى آفة التقليد المطلق والتقدم البهرج؟
III/ بينات من التقدم الأصيل:
"إن الآلهة لم تكشف للناس الفانين كل شيء مقدما ولهذا ينبغي عليهم أن يكتشفوا ما أبقته مستورا تدريجيا..." اكزينوفان
ما يميز واقع الانسان اليوم هو التأخر المعرفي والتأخر العملي,التأخر المعرفي يظهر في استعباد الانسان من الحياة العامة والقضاء عليه كفرد له مجموعة من الحقوق وكشخص معنوي وذات عارفة وتهميش دوره والنظر إليه كشيء وأداة طيعة في خدمة السلطة وكموضوع قبل للملاحظة والاستهلاك,التأخر العملي معناه ظهور أشكال جديدة من الرقابة والتأديب تكرس الهيمنة وتؤدي الى الاغتراب ناتجة عن تسيد قيم النجاعة والمردودية على قيم الحرية والمسؤولية والحياة زيادة على تزايد مجموعة من الحاجات غير قابلة للإشباع مما يولد الشعور بالضيق والحرمان والحصر وكلها أمور تولد سوء النية والنفاق.زيادة على ذلك هناك تعارض بين سهولة إدانة الواقع الراهن وتكاثر المتذمرين منه والساخطين عليه وقلة الممانعين وندرة المساهمين في عملية التصدي والصمود واعتراف الأغلبية بعجزهم وبصعوبة تجاوز الأزمات المستفحلة.بيد أن الأمر الجلل وأصل البلاء هو تعايش التقليد والتقدم واختلاط المعقول باللامعقول والتداخل بين القديم الموروث والجديد الوافد دون الوصول الى حالة من الانصهار والاندماج وإعادة التشكل على أسس صلبة تبيح إمكانية العود على بدء والانطلاق الى ماهو أفضل.كل هذه المفارقات هي بمثابة تحديات على الانسان العربي أن يتخير السبل الكفيلة بمواجهتها و العمل على تفكيكها.
ليس لنا من بد إذا أردنا الخروج من هذا المطب سوى تغيير نظرتنا الى التقدم والإسلام وذلك بجعل هذا الدين يتقدم وتقديم بينات من التقدم الأصيل من المخزون الثقافي لحضارة اقرأ,فإذا كان الإسلام هو الحرية والتوحيد والعدل والفطرة فإن دلالات التقدم في التراث مشرقة ويمكن الاستضاءة بها لتجاوز هذه الفوضى في تحديد المفاهيم.
لقد جاء في تعريفات الجرجاني ثلاث أجناس من التقدم:
- "التقدم بالطبع: هو كون الشيء الذي لا يمكن أن يوجد آخر إلا وهو موجود وقد يمكن أن يوجد هو ولا يكون الشيء الآخر موجودا.بعبارة أخرى ما لا يتم وجود غيره إلا مع وجوده ووجوده يتم دون ذلك الغير,كالواحد بالنسبة الى الاثنين فإن الاثنين يتوقف على الواحد ولا يكون الواحد مؤثرا فيه.
- التقدم بالعلة: عبارة عن ما وجود غيره مستفاد من وجوده ووجوده غير مستفاد من ذلك الغير لكنه لا يكون إلا معه في الوجود أي أن يكون المتقدم على المتأخر,فالمحتاج إليه إن استقل بتحصيل المحتاج كان متقدما عليه تقدما بالعلة كتقدم حركة اليد على حركة المفتاح أو الخاتم,فالتقدم بالعلية هو العلة الفاعلية الموجبة للنسبة الى معلولها.
- التقدم بالشرف: هو ما له تقدم بالزمان وهو ما كان أقرب من غيره الى مبدأ محدودة له وتقدمه تلك الأقربية.فما بينه وبين غيره في الوجود إمكان قطع مسافة وهو قبلي كتقدم موسى على عيسى في النبوة."[5]
ويمكن أن نضيف الى هذا الجهد ما قام به الآمدي في كتابه المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين:
- "التقدم بالشرف:فهو اختصاص أحد الشيئين عن الأخر بكمال لا وجود له فيه كتقدم النبي محمد صلعم على العالم وسائر الأنبياء.
- التقدم بالمرتبة:فعبارة عن ما كان أقرب الى مبدأ محدود عن غيره كتقدم الإمام على المأمومين بالنسبة الى المحراب.على النحو فأن المقدم هو عبارة عن ما حكم بملازمة غيره له واتصاله به كقولنا:إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود."[6]
على هذا النحو تحدد دلالة التقدم على أنها امتلاك جملة من القدرات المعرفية والأخلاقية كفيلة بأن تؤهل المجموعة البشرية الى ارتقاء نحو وضع مدني أفضل من وضعها السابق,وينقسم التقدم الى تقدم معرفي وتقدم عملي.
التقدم المعرفي هو الحصول على معرفة علمية ناجعة تقطع مع المعارف الأخرى باعتبارها أقوالا خرافية وتؤكد البعد الايجابي للعلوم لما حققته من فتح وانتصار عندما فتحت العديد من القارات وحققت عدة اكتشافات مكنت من السيطرة على الطبيعة والتحكم في الظواهر.
التقدم العملي وهو إبداع قيم جديدة ترتبط بحاجيات العصر وتنظم العلاقات بين الأفراد تكرس مبدأ وحدة الأديان وضرورة حوار الحضارات وتنفتح على الايتيقا والايكولوجيا بماهي طرق فلسفية راهنة لتدبير إقامة الناس في هذا الكون الأصم.
ينبني التقدم الاجتهادي على الإيمان بالاستراتيجيات التالية:
- فهم القرآن بالاعتماد على فلسفة تأويل تعيد تأصيل الأصول وتقطع مع السياج الدغمائي القديم الذي أغلق باب الاجتهاد ومنع العقل من الخلق والإبداع.
- الربط بين العروبة والإسلام من خلال مفهوم الهوية السردية وتحويل لغة الضاد من لغة هوية متكتمة على ذاتها الى لغة فكر منفتح على التاريخ والأغيار.
- إتباع الطريق الثالث بين العلمانية والسلفية وبين التراث والحداثة والأصالة والمعاصرة وبذل الجهد من أجل إحياء التراث الاعتزالي الرشدي الخلدوني باعتبار احتكامه الى العقل ونبذه روح التعصب والتكفير ومحاولته العودة الى الطبيعة والواقع وبناء وعي تاريخي.
خاتمة:
" لم تخمد النار بعد في الهشيم ومازالت العنقاء قادرة على البعث من خلال الرماد.فمصر والشام شعوب مازالت تنبض بالحياة في مقاومة التطبيع,تحن الى القومية والناصرية والى حياة العزة والكرامة ومازالت الحركة الإسلامية قادرة على الجهاد وعدم الاستسلام واليمين الأمريكي والصهيوني ليس باقيا الى الأبد بعد سقوط القتلى من الأمريكيين والاسرائليين في العراق وفلسطين,ولم تنفع معاداة الناصرية ولا التنكر للقومية ولم يشفع الانبهار بالغرب والتبعية له,ولم تنجح محاولات الخلط بين الإرهاب والمقاومة.فمازال بصيص من ضوء في نهاية النفق."[7]
إن طبيعة التقدم مزدوجة لكونها حركة الى الماضي من أجل العودة الى الذات باستيعاب التراث وإلمام بنقاطه المستنيرة ولكونها حركة الى الأمام من أجل إمساك الحاضر وتحقيق الزمنية المفقودة واستشراف المستقبل بتجاوز كل تجارب الإخفاق والتعثر وبناء إستراتيجية النجاح والتفوق. إن جوهر التراث حي دائم لا يموت ومخزون نفسي في قلوب الناس لا يمكن استئصاله أو القضاء علية فنحن نعلم جيدا الدور الذي يضطلع به السرد في توجيه التاريخ وسلطة الذاكرة والمخيال على الحاضر.
إن التراث كوني ويقبل التجدد وإعادة التأصيل ونصوصه تتميز باللانفاذية وزاخرة بالمعاني والدلالات التي لا تختزل ولا تدجن.إن مواجهة التراث بروح العصر تقضي أن يواجه تراث الإسلام نفسه وأن يتجاوز عقده ويفكك مكبوتاته الدفينة ويستأنف عملية النقد الحرة والواعية لمسلماته وفرضياته القبلية ويتغلب على العراقيل والصعوبات الذاتية التي منعته من التقدم والتجديد.إن تبني عقلانية نقدية معاصرة تلتقي مع روح الاعتزال والفلسفة الرشدية والفكر التاريخي الاجتماعي الخلدوني هو خير وسيلة لتحقيق النهوض والرد على موجة التقليد العارمة وانفلات المكبوت اللامعقول من كهوفه المظلمة. إن ما ينقصنا حقيقة هو فهم الواقع الإنساني في مختلف مجالاته من خلال قراءة تأويلية شاملة تعمل على فضح أشكال الاغتراب الثقافي والسياسي والديني وفك عرى الارتباط بين المعرفة والسلطة وبين الأنوار والاستبداد وبين التمركز الاثني والعنصرية مع الانفتاح على أشكال مغايرة من المقاومة مثل الفن والدين المستنير والتصوف الاثباتي تصوف البقاء وليس تصوف الفناء.
هذا الأمر الجلل لا يتحقق بمجرد التوفيق بين التراث والتجديد ولا من خلال التقليد الأعمى للغرب ولا بتقليد الماضي المجيد ولا بالارتماء بين الأحضان الحداثة بل من خلال التخلي عن التقليد النصي السلفي والإقلاع عن استنساخ تجارب الغرب والشروع الجدي في بناء حركة تقدم اجتهادي شاملة تتعالى على التوتر الحاصل الآن بين المذاهب وتنبذ منطق الملل والنحل وتجعل وحدة الفكر عنوانا لتوحد الأمة وحق الاختلاف وسيلة من أجل التعدد الثري وليس المشتت والمفرق,فنحن قوم أشداء على أعدائنا رحماء بيننا. فلنكن معا في الطريق المؤدي الى الاستئناف الحضاري,جميعنا دون استثناء.
المراجع:
الجرجاني التعريفات دار الكتب العلمية ص 68 بيروت 2000
الفارابي السياسة المدنية سيراس للنشر 1994
محمد عابد الجابري في نقد الحاجة الى الإصلاح مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2005
محمد جمال باروت مؤثرات السلفية في الحركات الإسلامية المعاصرة مجلة الآداب عدد 52 2004
عبد الأمير الأعسم المصطلح الفلسفي عند العرب الدار التونسية للنشر 1991
حسن حنفي جذور التسلط وآفاق الحرية مكتبة الشروق الدولية القاهرة الطبعة الأولى 2005
*كاتب فلسفي
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الفارابي السياسة المدنية سيراس للنشر 1994 ص 69
[2] الفارابي السياسة المدنية سيراس للنشر 1994 ص 68
[3] محمد عابد الجابري في نقد الحاجة الى الإصلاح مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2005 ص 53/54
[4] محمد جمال باروت مقال مؤثرات السلفية في الحركات الإسلامية المعاصرة مجلة الآداب عدد 52 2004 ص 39
[5] الجرجاني التعريفات دار الكتب العلمية بيروت 2000 ط 1 ص 68
[6] عبد الأمير الأعسم المصطلح الفلسفي عند العرب الدار التونسية للنشر 1991 ص 418/419
[7] حسن حنفي جذور التسلط وآفاق الحرية مكتبة الشروق الدولية القاهرة الطبعة الأولى 2005 ص 321
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نبيل عودة
- الزيارات: 4
هموم ثقافية
مجتمع بلا أجندة ثقافية .. ما هو مصيره ؟!
بقلم : نبيل عودة
يشكل مسرح الميدان في انطلاقته الجديدة علامة فاصلة في نهضتنا المسرحية ، ويمكن القول بدون تردد .. انه بدأ يأخد ابعاده الثقافية المؤثرة على مجتمعنا وانساننا . والى جانبه تنشط بشكل يبعث على الأطمئنان .. العديد من الفرق المسرحية والفنية المتعددة الاهتمامات .
تابعت الحركة المسرحية والفنية في البلاد منذ اوائل الستينات .. وأقول بأسف شديد ، ان عدم وجود مؤسسات عربية محلية قادرة على استيعاب الدور الحضاري المؤثر للمسرح وسائر الفنون الثقافية والفنية ، أسفر عن ضياع جهود الطلائعيين الذين قدموا جهودا بطولية في ارساء القاعدة للتطور المسرحي .. وللأسف بعض الموهوبين الطلائعيين اصيبوا بحالة يأس واعتزلوا النشاط المسرحي الخلاق الذي بدأوا مسيرة حياتهم به .. وكرسوا احلامهم لرؤية تطور مسرح محترف وجماهيري . ولكنهم بدل ان يجدوا الدعم .. وجدوا الصد ومحاولات تقزيمهم . حدث هذا في مرحلة كان من المفروض ان تشهد مأسسة النشاط الطلائعي .. مرحلة الانتصارات السياسية للعرب في اسرائيل ، عبر السيطرة الوطنية على سلطاتنا المحلية ، واحداث تحول سياسي عميق في مجتمعنا .. ولكنها كانت ايضا بدء مرحلة الشخصانية ، مزقت المضامين التي قادتنا للانجازات الهامة .. وما تواصل منها كان بحكم قوة الاستمرار .. والأمل بصحوة جديدة قبل ان يصبح كل شيء متأخرا ..
الحياة لن تتوقف .. والانطلاق الدائم من جديد هو مميز بشري هام ، بدونه لا تطور ولا تقدم ولا حضارة ولا ثقافة ولا انتاج مادي وتطور علمي وعقلي .
الأمر الذي يقلقني حقا هو غياب التخطيط الثقافي من أجندة أحزابنا ومؤسساتنا وسائر هيئاتنا الشعبية ، والفهم العميق لأهمية هذا التخطيط ، ليس الثقافية الحضارية فقط ، انما الاجتماعية والسياسية ايضا ، في كينونة الجماهير العربية داخل اسرائيل . وهي معادلة صحيحة ايضا لتطور اي مجتمع بشري آخر .. ولكني ، كأبن للمجتمع العربي داخل اسرائيل ، وعلى اطلاع واحساس بما يحدث داخل مجتمعي ، وصاحب رؤية ثقافية وفكرية ، وسياسية في الوقت نفسه ، يهمني ويقلقني في المقام الأول تطور مجتمعي وارتقائه وتنامي وعية . وغني عن القول ، ان المسرح يعتبر من أهم الأدوات ، وأكثرها فاعلية ، في اثراء الحياة الثقافية الاجتماعية ، والتأثير عليها .
في الشهر الأخير شاهدت مجموعة كبيرة ، وأقول هذا بفخر وتأثر .. من الأعمال المسرحية ، ومن المعارض الفنية ، ومن الكونسرتات الموسيقية الغربية ، ومن العروض الموسيقية والغنائية الشرقية ..
هذا اثراء غير مسبوق لحياتنا الثقافية والفنية . بالمقابل لا ارى تنامي الوعي ، لدى مؤسسات الجماهير العربية - داخل اسرائيل ، حول الأهمية الاستراتيجية ، بكل معنى الكلمة .. لدور الثقافة والفن الاجتماعي والسياسي , واضيف لدور الفن التربوي في تنشئة الأجيال الجديدة ، التي نريدها ان تنشأ مرتفعة القامة ، صلبة العود ، فخورة بانتمائها الوطني والحضاري ، وأن ترى بالثقافة والفنون والعلوم مقياسا لحضارة مجتمعنا .
اني ارى الترابط العضوي بين الكامل بين الحديث عن الابداع الثقافي ، وطرح قضايا واشكاليات هذا الابداع . والقصور الذاتي في توفير وسائل الدعم .
قرأت قبل ايام ، ما يسمى وثيقة الجماهير العربية ، أو كما سميت " التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في اسرائيل " التي صدرت عن "لجنة المتابعة العربية العليا " .. وأقول جملة واحدة فقط لأصحاب هذه الوثيقة : انتم لا تستحقون مجتمعكم .
ان غياب اي برناج ملموس في الوثيقة ، للموضوع الثقافي ، وطرحة كالعادة في اطار شعارات لا معنى لها ، نعرفها عن ظهر غيب ، يسقط شرعية هذه الوثيقة ، ويجعلها حبرا اسود على ورق .. لا قيمة لها ، ولا تخص مجتمعنا .. الذي تجاوز ، بوعية وتطوره الثقافي والفكري اصحاب هذه الوثائق .بالطبع بعض ما تطرحة الوثيقة من فكر (استعمل هذا التعبير مجازا ) سياسي ، هو نكوص غبي وسلبي للمتطلبات السياسية الواقعية لمجتمعنا . هذه الوثيقة تزيدنا انعزالا عن الواقع السياسي في اسرائيل ، وتخدم بكفاءة الليبرمانية ( القصد الفكر الفاشي للوزير افيغدور ليبرمان ).
استطعنا ان نطور ثقافة ابداعية بهرت العالم العربي .. ووصلت الى العالمية .. والفضل في ذلك يعود بالتأكيد لوجود قيادات اجتماعية وسياسية مثقفة وذات رؤية نهضوية شاملة ،قادت مجتمعنا في اكثر اوقاته مأساوية وتفككا( بعد نكبة شعبنا – 1948 ) ، ونجحت ، عبر رؤيتها النهضوية لأهمية الدور الثقافي ، في اعادة اللحمة الاجتماعية ، والأنتماء الوطني الواعي ، ونشر الوعي السياسي ، الى احداث نقلة نوعية أفشلت بشكل مباشر او غير مباشر ، سياسة نشر العدمية القومية ، والأمية الثقافية ، وفقدان الوعي السياسي . ورأت بالنشاط الثقافي سلاحا أبعد أثرا من مجرد الفعل السياسي المباشر ، فعلا يمتد الى البناء الاجتماعي لبقايا العرب الفلسطينيين الباقين في وطنهم رغم رياح التهجير والعنف الدموي ، المتعدد الأشكال الذي مورس ضدهم . فعلا يعيد الثقة بالانتماء الوطني بكل مفاهيمه ، وعلى رأسها المفهوم الثقافي . مجتمع لا ثقافي هو مجتمع من السهل هزيمته وتفسيخه .. وعزله عن محيطه الطبيعي .. وجعلة مجتمعا يعيش في محميات طبيعية ، أشبه بمحميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية . وهل نستطيع ان ننسى ما تفوه به لوبراني مستشار رئيس حكومة اسرائيل الأول ، دافيد بن غوريون للشؤون العربية ، عن رؤيته ، وعمليا رؤية السلطة الاسرائيلية .. بان المخطط تحويل الأقلية العربية الباقية في وطنها الى " حطابين وسقاة ماء "؟!
فقط عبر الرؤية النهضوية الفكرية والثقافية المبكرة ، التي ميزت القيادات التاريخية للأقلية العربية ، استطعنا ان نهزم هذه السياسة ، وأن ننطلق في اجواء المعرفة والثقافة والعلوم ، لنتحول الى أقلية عربية متماسكة ..
ومع ذلك الظن ان معركتنا انتهت .. هو خداع للنفس . نحن في صراع دائم ومتواصل .. غير ان واقعنا ايضا يتغير للأسوأ .. غابت القيادات النهضويه ، وحلت مكانها قيادات شخصانية ، معزولة عن هموم الجماهير العربية ، ونموذج لآخر "ابداعاتها " هو " تصورها المستقبلي ".. الذي لا شيء من المستقبل فيه . هذه قيادات بلا رؤية ثقافية نهضوية . بلا مفهوم متقدم لأهمية الفعل الثقافي ، بلا فهم للربط بين الثقافي والسياسي في معركتنا الصعبة ، وغير المسموح لنا فيها ان نطمأن لما انجزناه . استراحة المحارب ممنوعة في حالتنا. ولكن كل " محاربينا الأشاوس " يغطون بنوم أهل الكهف !!
الذين يصعب عليهم قبولنا في وطننا ، لم يتنازلوا ، انما غيروا اساليبهم .. للأسف أقول ان بعضها يحقق نجاحات نحن غافلون عنها . أهم هذه النجاحات الفصل بين المشروع الثقافي والمشروع السياسي . وضرب انتمائنا الاجتماعي وجعله انتماءات طائفية ضيقة الأفق . واستطيع ان أقول اني اليوم غير متفائل بمصيرنا مع هذا التفسخ المعيب . نحن لم نعد مجتمعا واحدا .. قد يثير كلامي حنق البعض ، وارى ان اثير حنق البعض ( أو الكثيرين ) اهم من الشخير المطمأن لقيادات مجتمعنا ،بما فيهم اصحاب " الرؤية المستقبلية .. " الغائبة عن الوعي لمتطلباتنا الثقافية والأجتماعية ،والخاطئة سياسيا ، تكتيكيا واستراتيجيا . وعمليا لم تتجاوز طروحات القيادات المشغولة ، بوقت كامل ، بمشاريعها الشخصانية ، والحزبية الانتخابية .. وهذا ينعكس بقوة في صياغات " الرؤية.. " ويثبت أن هموم " أحزابنا " اختصرت نفسها للبرلمان ( الصهيوني ) .. ويشكون من ابتعاد الجماهير من ساحة النضال؟
أي نضال يا سادة ؟
هل التظاهر من أجل التصفيق للزعيم على كلماته النارية هو نضال ؟
هل المشاركة بمهرجان للدفاع عن قيادة البعث في سوريا ، وتجاهل آلاف السجناء من المثقفين السوريين ، هو نضال وطني ؟
هل المشاركة بالنزاع بين أطراف متصارعة داخل تنظيماتكم الحزبية هو نضال ؟
هل التهريج وتغطية الحقائق المؤلمة والتضليل الممارس ، والمفضوح .. هو نضال ؟
هل عبادة الزعيم ، ورفعة (حيا او ميتا ) فوق الأكتاف .. هو نضال ؟
هل طرحتم ، في برامج احزابكم ، ما يجعلنا نتقدم الصفوف ، متراصين من أجل انجاز برامج ملحة لمجتمعنا ؟
حسنا .. طرحتم شعارات .. ما قيمتها بغياب الأداة الحزبية ، التي تحولت الى اداة للشخص ، أو لمجموعة اشخاص متصارعين ؟
الشارع تجاوزكم بوعيه ، ليس الثقافي فقط ، انما بوعيه السياسي ايضا . هل بالصدفة ان الجماهير العربية في اسرائيل ، اكثر اعتدالا سياسيا من قياداتها ؟ وهل بالصدفة أزمة القيادة التي تعصف بمجتمعنا ؟
ابدا ليست أزمة جماهير .. انما ازمة انتهازيتكم الفردية !!
لا اعني بان الجماهير العربية داخل اسرائيل أكثر اعتدالا ، انهم اكثر استسلاما ،العكس هو الصحيح .. انهم أكثر وعيا لواقعهم ولمتطلبات تطورهم الاجتماعي ، والحصول على الحقوق . أكثر فهما للأحتياجات الثقافية ، الغائبة عن رؤاكم .
في سنوات الستين المبكرة بدأ يتطور المسرح الغنائي ، وقدمت مجموعة مسرحيات غنائية فولكلورية على نسق المسرح الرحباني .. ربما كانت تقليدا في بعض ما قدمته .. ولكنه ابداع باهر في ابعاده ومستواه .. كان من الممكن ان يرسي تطور المسرح والموسيقى .. وكان على رأس هذا العمل المرحوم مارون أشقر، الذي كتب ولحن وأخرج .. ولكنه لم يستطع ان يواصل نشاطه لغياب الدعم المطلوب .. وما زالت في ارشيف اعماله المحفوظة مسرحيات غنائية وألحان لأغنيات لم تقدم ..
كتبت عن الموضوع قبل سنوات ، مع وفاة الموسيقار مارون أشقر ، محاولا لفت النظر الى أهمية اعادة احياء مشروعه الموسيقي والغنائي .. بتقديم اعماله من جديد ، والعمل على اعماله التي لم يستطع تقديمها . ولعل الأخوة في مسرح الميدان ، او المسارح الأخرى ، وبالتعاون مع الموسيقيين ، يقوموا بهذه المهمة الثقافية الفنية الهامة .. وما زلت اعتقد ان اعماله التي قدمت قادرة على التوهج من جديد .
ومرة أخرى لا بد من التنويه الذي كررته سابقا .. ان المسؤولية في احداث نهضة ثقافية فنية هي من واجب مؤساستنا الرسمية والشعبية .. بتوفير الدعم المطلوب ، ووضع الموضوع بمكانة متقدمة في مشاريعها .. والا ، لا ارى آفاقا مطمئنة ...
نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رابح فيلالي
- الزيارات: 5
ايران في نيويورك ...لعبة الزمن
رابح فيلالي
عندما أقر مجلس الأمن الدولي قرارا بالاجماع يقضي بفرض عقوبات ضد الجمهورية الاسلامية في إيران لم تكن الصورة النهائية للمحصلة الايرانية سلبية في التعاطي مع التوازنات الدولية تجاه ملفها النووي .
لقد كان واضحا ومنذ بداية الأزمة النووية الايرانية أن حكومة طهران تتعامل مع الحدث من خلال استراتيجية متمركزة حول طبيعة الأهداف التي تريد التمكين لها في المرحلة القادمة بتوصيفها المتوسط المدى والبعيد المدي في نفس الوقت.
عندما أطلقت ايران مشروعها كان الاعتقادالأساسي لدى سادتها هو الرهان على أمرين أولهما توسيع مساحة الزمن قدر المستطاع عن طريق تدوير المفاوضات في نقاط زمنية محددة ولابد من اتقان وبالامتياز المطلوب هنا لعبة التصريحات والتصريحات المضادة للديبلوماسيين الايرانيين في مواجهة الديبلوماسية الغربية المتعددة الأدوات والأوجه والأساليب وأما الأمر الاخر الذي راهن عليه الايرانيون هو استغلال جميع حالات التفكك التي يمكن أن تحدث في الموقف الغربي من المسألة الايرانية خاصة بين عواصم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وهو الأمر الذي نجح الملالي في طهران في الاستفادة منه عبر كافة مراحل التفاوض المختلفة التي شهدها الملف الايراني .
لقد ظل الأوروبيون يراهنون على قناعة القدرة في التوصل إلى اتفاق ملموس مع الايرانيين طالما استمر الاستعداد للتفاوض من الجانبين مع تركيزهم على مسألتي التفاوض بالنيابة عن الولايات المتحدة الأميركية وثانيا التحدث إلى ايران كمجموعة أوروبية متداخلة المصالح وموحدة الرؤية تجاه هذه القضية التي يمكن اءعتبارها انها قضية السنة الديبلوماسية بامتياز.
نجاح الطرف الأوروبي في تحييد المواجهة الايرانية والأميركية المباشرة لم يعمر اكثر مما أتيح له من الناحية الزمنية عندما ابتعدت ايران عن القبول بكافة الصيغ التوفيقية الأوروبية والتمسك بخندقها من خلال التعامل الى معطيات مفادها أن الطرف الأوروبي في المحصلة طرف من الدرجة الثانية إضافة الى الاعتقاد الايراني أن المواجهة الحقيقية سوف لن تكون مع الوكلاء بل يجب أن تكون مع الطرف المعني مباشرة .
لكن الرؤية الايرانية لا تقتصر فقط على شكل المواجهة واجبار الخصم الأميركي على الانخراط المباشر في الأزمة بل العمل في الوقت ذاته على إحاطة الرؤية الأميركية بالكثير من العناصر الضاغطة التي من شأنها أن تجعل مسألة التفاوض النووية تضع الأطراف المعنية على خط واحد على الأقل من حيث الحاجة إلى تحقيق المكاسب وتفا دي الخسائر.
الايرانيون عمدوا الى ذلك عن طرق توسيع الحركة الديبلوماسية النشطة في بقية العالم من خلال البحث عن أصدقاء جدد في بقية العالم وهؤلاء الأصدقاء هم أولئك الذين يختلفون في الرؤية والتصور والمصالح عن الولايات المتحدة ولذلك وجد الايرانيون ضالتهم مثلا في الرئيس الفنزويلي "هيجو شافيز" الذي زار ايران مكررا انتقاداته القاسية للجيران الأميركيين من على منابر العاصمة طهران .
الأمر الاخر الذي اتبعه الايرانيون تمثل أيضا في إرسال المزيد من التطمينات إلى الأصدقاء في القارة الأسيوية عن طريق تنويع وتكثيف الزيارات الى العاصمة الروسية موسكو والرهان على مسالة قدرة الطرف الروسي على إبداء المزيد من الفهم للطموحات الايرانية مع محاوالاستفادة دائما من اية نية روسية في سبيل اتخاد أية خطوة إلى الوراء في الموقف الروسي للتمايز عن الموقف الأميركي إلى الدرجة التي بدا معها في أكثر من مناسبة أن الطرف الروسي أقرب إلى الحديث باللسان الايراني المتزن في غياب الاتزان بالجملة في الموقف الرسمي الايراني .
أما الأمر الثالث الذي راهن عليه الايرانيون هو إبداء المزيد من التفتح تجاه الجوار الخليجي ومحاولة إسقاط كافة المخاوف التي تحيط بالمسألة من خلال الزيارات العالية المستوى إلى كل من الكويت وقطر والتواصل مع القيادات السعودية.
الايرانيون فضلوا هذه المناورة الديبلوماسية على اعتبار أن منطقة الخليج العربي بالنسبة للاستتراتيجية الاميركية مسالة في غاية الحساسية بالنظر الى الطبيعة النفطية الممتازة للمنطقة وبالنظر أيضا الى أنها منطقة مصالح ونفود تقليدي لايقبل النقاش بالنسبة للسياسة الاميركية .
ولكن هذه المحاولة الايرانية الجادة لم تلغ الكثير من المخاوف الخليجية القوية من المساعي الايرانية ولذلك ظلت دول الخليج في حالة ترقب دائم وقريب من جميع تفاصيل الأزمة النووية الايرانية خاصة في العاصمة واشنطن .
في اثناء ذلك أيضا لم يغفل الايرانيون ممارسة المزيد من عناصر التشويش على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية من خلال مواصلة العمل في بغداد بالطريقة التي تجعل الطرف الأميركي سيحتاج حتما في حالة البحث عن تسوية هناك اءلى مساعدة الطرف الايراني وبالمناسبة هو نفس الاعتقاد الذي يحرك دمشق وهذه خلفية محورية في التقارب السوري الايراني هذا بالاضافة الى التشويش المتواصل عل الاميركيين في لبنان وبدرجة اقل في الأراضي الفلسطينية .
من الناحية العملية يعتمد الايرانيون على ترسيخ الاعتقاد بأن حسم المسائل في الشرق الاوسط يستحيل أن يكون في غيابهم بل ويعتقدون أكثر من ذلك أن الظرف الحالي تاريخي بامتياز في سبيل إعادة تكريس دورهم كلاعب إقليمي لايمكن إسقاطه من حسابات الخاضر والمستقبل .
أما في الطرف الاخر فالمسألة على الأقل من الناحية الاستراتيجية منتهية من حيث أن الولايات المتحدة الاميركية تنظر إلى المسالة على أنها تهديد مباشر لمنطقة الخليج العربي خزانها النفطي الخلفي وهي مسألة لايمكن أن تقبل القسمة على اثنين من وجهة النظر الأميركية إضافة إلى أن المسألة على صلة مباشرة بأمن اسرائيل والتوازن العسكري الاقليمي والموقف في غاية الوضوخ عندما يقول الاميركيون أن الأمن الاستراتيجي لاسرائيل مسألة فوق النقاش وهذه مسألة تتجاوز كل الانقسامات السياسية الداخلية أمريكيا .
إضافة إلى أن الأميركيين سعوا إلى تقديم المسألة الايرانية من زاوية أن تحول إيران الى قوة نووية هي مسألة فيها تهديد مباشر للأمن العالمي من حيث التوازن وانتقال موازين القوة إلى ضفة خارج المراقية والرضا الغربي بصورة عامة .
هذه الحقائق المتصلة بالملف لا تلغي حقيقة أن الايرانيين ساعون وماضون في مشروعهم النووي وهو الأمر الذي أعلنوه رغم إعلان المجموعة الدولية فرض عقوبات على طهران ولكنه اعلان قوبل بإعلان اخر من الايرانيين هؤلاء لايريدون فيما يبدو إعطاء فرصة الاحساس بالانتصار الديبلوماسي للطرف الاميركي في المعادلة الدولية في عناصرها المعلنة على الأقل ولكن في كل الحالات الايرانيون راهنوا على الزمن وهو الرهان الذي حقق الكثير من الأهداف حتى الساعة على الأقل أما بشأن المرحلة المقبلة فالأكيد أن كلا الطرفين سيبحث في أدوات المرحلة بالتفاصيل والعناوين التي ستكون هي أيضا مختلفة بكل تأكيد حينها فقط سيكون لنا حديث اخر .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود سعيد
- الزيارات: 6
طفلة عراقية في جريدة شيكاغو تربيون
محمود سعيد/ روائي عراقي
فرضت شيكاغو حبها عليّ وربما على الكثير ممن يعيش فيها، كما تفعل أي غادة حسناء رائعة، ولعلها تملك الكثير من صفات الغادة، فهي لعوب متناقضة متقلبة محيرة ساحرة كأي أنثى فخورة بجمالها، فمن طقس مثلج ودرجة برودة عشرين تحت الصفر فهرنهايت، إلى حرارة تتجاوز مئة وعشرة. ومن رياح عاصفة هوجاء تقتلع الأشجار إلى نسيم عليل يبهج الروح. إنها مدينة النقائض والبحيرة الخلابة وناطحات السحاب وغابات لا تنتهي، وأثرياء يجلسون على كنوز هائلة من ثروة لا تنفذ ومتشردون مدقعون يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.
اليوم الأحد، أعيش قرب البحيرة على بلمنت، وكلارك، في بضعة دقائق أصل إلى أجمل بقعتين في شيكاغو: شاطئ البحيرة، ومركز المدينة، لن أترك الأحد يفلت مني، في مثل هذا اليوم تكشف شيكاغو عريها، راقصة ستربتز تمتع أهلها بمفاتن جسدها. مهرجانات مستمرة، مسيرات، مظاهرات، أسواق خاصة وعامة، مسابقات جمال، حيوانات، معارض طيران، سيارات، أطعمة، صناعة، سياحة. إنها عاشقة من طراز لحوح لا تترك
عاشقها يرتاح يوماً واحداً.
الجو رائع، لأسرع قبل أن يتغير، شيكاغو تغير جوها كما تبدل الراقصة ملابسها في وصلات رقصها. استعددت للخروج، أمسكت الصحيفة وقعت عيناي على صورة مجزرة في شيكاغو تريبيون.
أرجعتني الصورة إلى بغداد، حبة القلب. طفلة بدت كأنها لم تبلغ الثانية من عمرها فقط، تصرخ ودماء والديها تطرزها وجهها الجميل وملابسها التقليدية، لم أستطع التحديق فيها، تركتها، نزلت من شقتي إلى شارع كلارك، لست أدري لماذا أحب هذا الشارع؟ إنه البلسم. عندما يضيق صدري أترك الشقة، أتمشى في الشارع قليلاً فينزاح الضيق، ينقلب إلى بهجة. أمامي مراهقة في بداية البلوغ تواجهني على بعد، تقتلع عيني بحداثة وتنافر زيها، جاكتة من الجلد الأسود مليئة بمداليات فضية وأزرار، وشراريب، وتنورة قصيرة جداً، وجوربان أبيضان طويلان، فوقهما جوربان آخران أحمران إلى ما تحت الركبة، وقميص أحمر ياقته بنفسجية صارخة، أما الشعر فعدة ألوان، تبدأ بالأسود، البنفسجي، الأحمر الناري، الأزرق، البرتقالي الفاقع.
كل تلك الألوان تجلل وجهاً فائق الجمال، بشرة بيضاء حليبية ناصعة، وعينان أبنوسيتان كبيرتان. أما صديقها فيرتدي زي رواد الفضاء في \"ستار ترك\" لكنه يصفف شعره بطريقة الخوذة الرومانية المشهورة. كان يمسك كفها حباً وخوفاً من أن تصبح كائناً فضائياً فتنفلت من بين يديه وتتلاشى في السماء.
عندما أتمشى في كلارك، يبرز أمامي شارع الرشيد دائماً، تمتلكني أحلام اليقظة لترجعني إلى ذلك الشارع الأسطوري الفريد.كلا الشارعين متميزين، هنا في كلارك تجد أزياء الدنيا كلها، سواء أكانت مصنوعة في فرنسا، إيطاليا، بريطانيا، أو الهند والصين وتايوان، سواء أكانت من دول الجوار ككندا والمكسيك أو من أقاصي آسيا كالفيليبين وهونك كونك وكوريا، وهناك في شارع الرشيد تباع كل الأزياء أيضاً، لكن ما لم تجده هناك تنوع المطاعم، ربما لا يوجد مثل شارع كلارك في كل العالم في تنوع مطاعمه وكثرتها. إنه ساحر لطيف وبهيج. يخرج عفاريته لتتسلل بخفة جني إلى بطون جميع الخلائق، تدفعهم إلى ملء مطاعمه الأنيقة. فبالإضافة إلى الأكلات الأمريكي الشهيرة كالستيك والهمبركر والهوت دوك هناك البيتزا الإيطالية بأنواعها المتعددة إلى جانب السوتشي اليابانير، الدجاج المحمر على الطريقة الهندية، البرياني الباكستاني، الكباب العربي والإيراني الكسكس المغربي، سمبوسة كلكتا المشهورة، البط الصيني المشوي بتلك الطريقة الساحرة، التبولة اللبنانية السلاطات التايلاندية ووو إلى ما لا يستطيع حصره المرء بيوم أو أسبوع، لكن تلك المطاعم بالرغم من تعددها لا تستطيع أن تقدم وجبات اشتهرت في العراق منذ آلاف السنين، ككبة الموصل، والقوزي، وعروق التنور وكبة الحامض والقليا ولحم بعجين الموصلي المشهور والباجة على الطريقة العراقية وو. تلك الأطباق تجدها في شارع الرشيد فقط. إذن فلكل شارع امتيازاته.
أسرق من وقتي بعض الساعات أقضيها في كلية ترومان كل شهر. تعرفت إلى بعض المدرسين الرائعين الطيبين إلى أقصى حد. لم أسأل أي أميركي عن تاريخ الكلية، ولماذا قرنت باسم ترومان! أنوي أن أفعل لكني أنسى. أهو صاحب فكرة إنشائها أم لا؟ أساهم مما يملك في إنشائها؟ هل اشترك بفعالياتها؟ ما تقدمه الكلية من خدمات إلى الوافدين مهم وعظيم الشأن. ولست أدري أ يوجد مثيل لكلية ترومان في باقي المدن والولايات؟ لا أدري. سأسأل عن ذلك أيضا، ولست ادري متى ساًتذكر!
اقترن اسم ترومان بقرحة في القلب نشبت من هوريشما ونكازاكي، كيف اتخذ ذلك القرار؟ لاشك أنه ظل يعذبه حتى مات. لكن مع ذلك فأنا أحب كلية ترومان، ومن يحب يتجاوز عن أشياء كثيرة. وأحب كذلك بعض المدرسين الذين اعتبرهم اخوة.
دعوت جان الطيب إلى وجبة عراقية لا تتوافر في المطاعم. كبة موصل. أعجبته إلى حد الجنون، احتفظ جان بالاسم، ربما كتبه، لكني لم أره. اشترى منها، أخذ يعدها في داره. اتصل بي يشكرني على هذا الطبق اللذيذ الذي لم يجده في شارع كلارك.
دخلت ستاربك، تجذبني رائحة القهوة الطرية، وأنا واقف في الدور كان عبق القهوة يجتاحني. يعدون القهوة في بيئاتنا البعيدة بطريقة أخرى فيها الكثير من العناية. هنا تقوم الآلة بإعدادها، ما على النادل سوى تقديمها، أما هناك فعلى من يعدها أن يبقى يراقبها لكي يبعدها عن النار وقتما تغلي. هناك لا يخلطونها بالحليب أو \"الكريم\" تقدم بسكر أو بدونه، وحينما تذوقها تجدها مركزة ذات طعم حريف لذيذ رائع آسر. كان العرب ذواقون للخمر قبل الإسلام. يحبونه إلى حد كبير ويتغزلون به، ويطلقون عليه أجمل الأسماء، ومن أهم أسمائه عندهم القهوة. وعندما اكتشفوها أطلقوا عليها أجمل أسماء الخمر \"القهوة\" لأنهم وجدوا فيها بديلاً حلالاً للخمر. لكنهم يسمونها الآن بالقهوة التركية.
قبل أكثر من عشرين سنة تعرفت إلى مهندس سويسري في البصرة، اشترى سيارة يابانية عندما كان في الصين وقرر الرجوع بها إلى موطنه في سويسرا. نزوة شاب تلهب المغامرة دماءه. توقف في البصرة، سأل عن الطريق إلى بغداد. دعوته إلى قهوة تركية في مقهى البدر المطل على شط العرب. كان الوقت عصراً، وكان النهر العريض يتهادى ببطء ومئات السفن الصغيرة الخشبية \"اللنجات\" راسية قرب المقهى. تجلب تلك السفن التوابل بأنواعها وترجع إلى الهند والباكستان وسيرلانكا وبنكلادش وأندنوسيا، وماليزيا، وسنغافورة بآلاف الأطنان من التمور. ترسو تلك السفن واحدة وراء الأخرى في عدة صفوف قرب الشاطئ على طول الرصيف الطويل. قال: إن المنظر هنا على حافة النهر جميل جداً، لكن طعم القهوة أجمل وألذ ولم يذق مثلها طيلة حياته. قلت له إنه سيمر في طريقه إلى تركيا. وسيرى الكثير من المقاهي تقدمها له على هذه الطريقة. ولم يتوفر لي وقت كافٍ لأذهب معه إلى مقهىً آخر يعدها بطريقة أخرى أفضل وألذّ وهي الطريقة العربية التي يتذوق فيها روح القهوة الأشد تركيزاً. كان ذلك السويسري يظن أن القهوة المعدة على الطريقة النمساوية هي الأفضل. وهي طريقة أشبه بالطريقة الأمريكية.
جلست في ستاربك، ووجهي إلى تقاطع بلمنت وكلارك. لماذا يجتذب هذا الشارع براعم الشباب النضرة، الجميلة، البهية؟ حدقت بوجوه الفتيات. كلهن جميلات. ربما لسن كذلك. قال لي صديق مختص بعلم النفس: إنك تحب الناس في أمريكا. لذا تجد كل الفتيات جميلات. ضحكت. أظنه يمزح معي. نعم إنني أحب الشعب الأمريكي، فوجئت بالكثير من التصرفات الودودة التي ألقاها في الشارع. هنا يلقي عليك التحية الكثير من الناس. حتى لو لم تعرفه. في بلدي في الخمسينات كان الناس يحيون كل من يلقونه أيضاً، ثم اختفت عندنا تلك العادة الجميلة. سافرت إلى عشرات البلدان. لكني لم أرّ مثل تلك اللفتة الكريمة إلا في الإمارات العربية المتحدة والمغرب وهنا في أمريكا. لكن ما لم تجد في أي شارع خارج أمريكا هو ابتسامة الفتيات المؤدبة وهن يقابلنك بها عندما تقابل أياً منهن في الشارع. أنا ضعيف أمام النساء. أرى ابتسامة الأنثى أكبر نعمة وهبتها الطبيعة للجنس البشري. إنها بوابة الفردوس الذي يقيم فيه كل آلهة الكون الحنونة. رشفت القهوة اللذيذة لكني التفت، لا أدري لماذا، رأيت على المنضدة القريبة الصورة نفسها.
كانت الطفلة المبقعة بالدماء تصرخ أمامي على وجه شيكاغو تريبيون، تصرخ لتسمع العالم كله صرخاتها، ترى هل تنفذ الصرخة إلى أعماقهم أم سيطغى عليها هدير القصف والمدافع والرشاشات. كانت الشابة الحسناء الأنيقة تقرأ الموضوع وعيناها مبللتان بالدموع. احتقنت عيناي، ضاق صدري من جديد، تركت القهوة في مكانها والأبخرة اللذيذة تتصاعد منها. خرجت. لم يعد شارع كلارك يبهجني، توجهت نحو البحيرة حيث الحديقة التي اعتدت الذهاب إليها عصراً. أجمل ما في شيكاغو حدائقها. في نفس الحديقة المطلة على البحيرة أبكر صيفاً في فجر يوم أحد مماثل في مناسبة عروض الطيران. أختار مقعداً فيها يطل على المياه الشاسعة، حيث تلتهم أعماق السماء بصخبها وضجيجها طائرات حربية تفوق سرعتها سرعة الصوت، تأتي من جميع البلدان الصناعية لتعرض فنونها. أنظر إليها وقلبي يخفق كي لا تصطدم ببعضها، كي لا تسقط على البحيرة فتلهب النيران فيها. إنه أجمل أيام السنة في شيكاغو. لا يمكن أن يمحى من الذاكرة. في ذلك اليوم يستحيل أن تجد مقعداً في طائرة، باص، قطار متوجه إلى شيكاغو من عشرات الولايات في أميركا، عليك أن تحجز قبل شهر في الأقل. تذكرت صورة الطفلة، أهذه الطائرات التي نتمتع بمشاهدتها هي نفسها التي تقصف بلدي؟ أهي نفسها تحدث ما فيه من دمار؟ إنها الحضارة الحديثة.
قبل أن أصل الحديقة اقتحم عيني لون أوراق تلك الشجرة: أحمر ناري. ابتسمت، تذكرت أننا الآن في منتصف الخريف. لا أدري إن بقي من العمر متسع لي لكي أرى مدينة في أي بقعة من العالم أجمل من شيكاغو في الخريف. ذكرت ذلك في عدة روايات كتبتها. يسحرني تعدد ألوان الأشجار، إنه مهرجان السحر معبقاً بالألوان والبهجة. في شارع واحد عشرات الألوان من أخضر زاهٍ، أخضر مكمود، أصفر فاقع، برتقالي، أحمر، بنفسجي، رماني، حتى الأزرق النادر. عندنا تستعد الطبيعة لعرسها في الربيع، تخضر الوديان والسهول، تورق الأشجار، تتلون الأرض بزهور شتى، فيهب الناس في العطل إلى الضواحي للتمتع بالجمال. أما الخريف فكئيب وحزين، يرتدي الوجود كله حلة رمادية قاتمة، سماء ملبدة بالغيوم، وزهور تحتضر، حتى الطيور تختفي من الفضاء. لذا كان اكتشافي جمال شيكاغو في الخريف معجزة. أذهب مرة في الأسبوع إلى إحدى الغابات في الخريف، أنظر إلى الأشجار تتحدى الكون بألوانها الزاهية، وهي تتمايل بهبوب الرياح التي تشتد في تلك الفترة فتسقط الأوراق الملونة الزاهية على أرض الشارع بكثافة تحجب لونه الأصلي.
في مركز شيكاغو ، أمام البحيرة الكبيرة تندلع حرب أزلية بين مياه النافورة والسماء، هناك تنتشر أبسطة مطرزة بورود متنوعة مجلوبة من كل أنحاء العالم، الجوري بأنواعه، القرنفل، النرجس، التوليب، الزنابق بأنوعها.. أي تنظيم مدهش؟ هناك تنمو أعداد لا حصر لها من السناجب الرائعة. تتقافز، تلهو، تلعب، تندفع بسرعة البرق لتلتهم ما يلقيه المتسكع من فتاة خبز قبل تحط عليه بسرعتها الصاروخية أسراب الحمام الجميل. ذلك أيضاً أحد المناظر الخلابة التي تميز شيكاغو. هناك أسجن نفسي لبضع دقائق أرقب منافسة حقيقية بين السناجب والحمام، حيوانات بريئة لا تبغي سوى ديمومة الحياة، كان أمامي شاب يقرأ شيكاغو تريبيون ما تحت صورة الطفلة في تل عفر، تلك البريئة المفجوعة بوالديها. ترى كيف ستحيا تلك الطفلة في تل عفر أن أصبحت وحيدة في بلد غارق في الحروب؟ إنها الشاهد الوحيد على ما حدث لأهلها، لكن هل ستتذكر ذلك عندما تشب!
أحياناً أركب الباص إلى مركز المدينة. من السيئ أن يضيع الإنسان في أي مكان في العالم. لكني أترك لنفسي أن تضيع هناك. أكاد أصرخ بكل صوتي: دعوني أضيع. ضياعي هناك حياة. لا أحس بالوقت! متحف الفن المعاصر، المتحف العلمي، الشاطئ، مدينة الألعاب، لكن كل هذه المعالم لا تستهويني غير مرة واحدة، لا يمكن أن تقيم علاقة دائمة مع بغي! كذلك لا يمكن أن تأتي يومياً إلى نفس المتحف. لكن مركز المدينة يغرقني. يطغى اتساعه على وقتي ووجودي، أشعر بالمتعة في كل خطوة في شوارعه. تذهلني نظافته، كأن شوارعه ممرات في قصر ملكي، يحرص العاملون فيه على تنظيفه كل لحظة. أيوجد في كل العالم بقعة أنظف من مركز شيكاغو؟ لا أدري. رأيت برلين أعجبتني جداً، إنها نظيفة، وكذلك صوفيا في السبعينات. لكنهما ليس كشيكاغو. رأيت الكثير من عواصم الدنيا ومدنها، استطنبول، أثينا، بلغراد، أمستردام، مدريد، لشبونة، باريس، مارسيليا، برشلونة، الجزائر، الدار البيضاء، دبي، قرطبة، القاهرة، دلهي، دمشق، بانكوك، بيروت، أنقرة، مئات المدن الأخرى، رأيت الكثير حتى أنني وفي هذا السن لم أعد أستطيع إحصاءها، لكني عندما أرى صورة مدينة ما أتذكر أنني قضيت فيها بعض الوقت. المدن كالنساء، وكما في كل امرأة نكهة مثيرة تختلف عن الأخرى كذلك المدن. هناك مدن تفتح لك ذراعيها ما إن تدخلها كصبية عاشقة لا تتركك حتى تسعدك وتنال منك ما تريد، وهناك مدن منغلقة تصفعك وتردك محسوراً مقهورا.
وفي كل ذلك العدد الهائل من المدن لم أجد أنظف من مركز مدينة شيكاغو، ولا أجمل من ضواحيها. دفعة من الخلف. كدت أقع. عفواً. ضحكة أنثوية. التفت إلى اليمين. شابة مسرعة أطول مني كثيراً، ربما ستة أقدام ونصف، نحيفة، جميلة، واسعة العينين. لماذا الكعب العالي وهي بهذا الطول؟ عندما كنت طفلاً وأرى شخصاً طويلاً يخيل لي إنه إن قفز بقوة إلى الأعلى فسيصطدم بالقمر. ابتسمتْ الشابة، ابتسمتُ أنا، تجاوزتني بخطواتها السريعة. هنا لا يدور في ذهن أي كان أن يتساءل عن سبب السرعة في الحركة، كلهم يسرعون، لا أحد يدري لماذا يندفع الناس بمثل هذه السرعة. كانت الجريدة في يدها تشدّ أصابعها عليها لئلا تضيع. رأيت وجه الطفلة مرة أخرى تبدو ربما لم تبلغ الثانية من عمرها، أكاد أسمع صراخها، كفاها مصبوغان بالدم، كأنها كانت تغسل يديها بالدم. كيف حدث ذلك؟ دماء في خديها، دماء في ثوبها، دماء على رأسها، أ هو مهرجان الدم؟ يبدو أنها كانت في حجر أمها عندما أصابت الرصاصات رأس أو رقبة أو صدر الأم. فتدفق الدم بتلك الغزارة لكي تسبح فيه طفلة لم تعرف ما هو. كيف نجت إذاً.
أنها المصادفات المعجزة من دون شك، لم تعرف شيئاً غير الرعب. التفت إلى اليمين حيث غابة ناطحات السماء ملتمة على بعضها في فوضى بدت متناسقة بالرغم من اختلافاتها. هناك في قلب العمارات الشاهقة، وبين شوارعها النظيفة تفاجأ بنصب وتماثيل في غاية الإبداع. فوجئت ببيكاسو من خلال نصبه التدريجي الهائل أمام مبنى البلدية، كان لون النصب البني القاتم موفقاً في موقعه، في حجمه، في الزاوية التي احتلها، وكان أكثر توفيقاً في لونه الذي كان لون بناية البلدية نفسها بالضبط. الأمر الذي خلق إيقاعاً شعرياً تناغمياً هامساً بينهما، ذلك الإيقاع يسري إلى قلب كل من ينظر إليهما فيحس بنشوة فنية عارمة تدقه في مكانه كمسار جامد لا يتحرك. كيف تأتى لهذا الفنان الشيوعي الكاره لأمريكا إلى حد الموت أن يزين شيكاغو بمثل هذا النصب السامي والجميل والرائع؟ بدا وكأن عبقريته ابتدعت النصب الحداثي خصيصاً ليهديه إلى شيكاغو رافضاً أن يتسلم أي فلس. أ أراد برفضه للشك الذي أرسلته إليه بلدية شيكاغو أن يصفع الرأسماليين الأمريكان ليفهمهم أن ليس بالفلوس وحدها يحيا الإنسان؟ أم أراد أن يخلد في أمريكا لا فنه حسب بل كرمه وسمو أخلاقه اللذان يفتقدهما أثرياء أميركا أيضاً.
مركز شيكاغو مليء بتحف فنية مهداة من فنانين عاشوا وماتوا في أوطان بعيدة عن أمريكا. مقابل راندولف سنتر هناك نصب حداثي آخر لا يقل روعة عن نصب بيكاسو، لكنه بالأبيض والأسود. حاولت عبثاً أن أعرف من أبدعه. رأيت لوحتين برونزيتين فيهما قائمة أسماء بلدية شيكاغو لكني لم أجد اسم الفنان، ترى لماذا فضلوا أن يكتبوا أسماء بضعة عشر غبياً لا أهمية لهم إطلاقاً، ولا علاقة لهم بالإبداع وأهملوا اسم النبي المبدع؟
من مئات النصب التي تستفز النظر بوجودها نصب الهنديين الأحمرين على جوادين يقابلان أحدهما الآخر. أبدع الفنان في إبراز ملامح الهنود الحمر، قوتهم، سموهم إلى المعالي، لم أستطع العثور على اسم المبدع أيضاً، كان مكان هذين التمثالين موفقاً أيضاً، فمن هناك تمر مئات آلاف السيارات يومياً، لكن الشيء غير الموفق في المكان هو عدم وجود موقف ملائم رخيص للسيارات، يترجل فيه المرء ليطلع عليهما من قرب. وجود التمثالين هناك يفرض على المشاهد سؤالاً ملحاً: ترى لماذا أبيد هذا الشعب المضياف النبيل القوي المسالم الطيب؟ وهل إقامة مثل هذه التماثيل نوع من الاعتذار والندم على إبادة لم يكن لها ما يبررها إطلاقاً؟
في شيكاغو نصب كثيرة هائلة رائعة، تستوقف النظر، تدفع متسكعاً مثلي على الاقتراب منها، لكنه تصد الآخرين. لا يستطيعون أن يتوقفوا لحظة واحدة أمامها، ازدحام السيارات شديد، التوقف ممنوع، عليك أن كنت تريد النظر إلى أي نصب أو تمثال أن تضيع يوماً كاملاً. وتلك تضحية كبرى في بلد مادي. عليك أن تأتي في حافلة أو تستقل أحد خطوط المترو، وأن تسير على قدميك في الأقل ربع ساعة، إنها عملية معقدة مكلفة مزعجة، لذا فإنك تجد الكثير من سكان شيكاغو لم يروا هذه التماثيل إلا مصادفة، و الأكثر منهم لا يعرفون أن بيكاسو وغيره على سبيل المثال موجود في مدينتهم.
لا قيمة للفن إن لم يحترم، ولا يمكن أن يحترم بمعزل عن الشعب. تعلم الأمريكان من أوربا الفن، لكنهم لم يتعلموا كيف يحترمون الفن ولذا ظل بعيداً عن الجمهور. في إيطاليا تجد التماثيل قريبة إلى الناس، في مراكز المدن، تستطيع أن ترى غير واحد في نصف ساعة، تستطيع أن تقرأ شيئاً عن المبدع، عن الظروف التي رافقت الإبداع. في إحدى ساحات مدريد يجلس سرفانتس في قمة عالية كإله ينظر إلى مخلوقاته الرائعة: دون كيخوتي وحصانه الهزيل، سانشا بانزا وحماره، الأميرة بزيها الرائع، صاحب الخان، بقية الشخصيات.. الخ. في بغداد أيضاً تستطيع أن تقرأ شيئاً ما عن التماثيل، فيها نصب أكثر وأحدث من كثير من عواصم الدنيا، هناك نصب الحرية الذي لا يقل بهاءً عن نصب بيكاسو، وهناك أبو نؤاس، ودليلة وقربها الأربعين، ونصب الجندي المجهول وووو.
ليس مركز شيكاغو جميل وحده، ضواحيها كذلك. إنها مسروقة من جنة عدن، أي ساحر استطاع سرقتها، أهم آل كابوني وبقية عصاباتها الأسطورية! أم هم العباقرة والمهندسون ورجال الأعمال المنفتحون على المال والجمال في نفس الوقت؟ عندما أذهب إلى الضواحي أتذكر ضواحي بغداد، وبساتين الفاكهة التي لا تنتهي، إن قدر للمرء أن يذهب إلى ضواحي بغداد في الربيع فسيغرق في زهور الكمثرى والتفاح والمشمش وسيشم عبير غبار طلح النخيل من بعد مئات الأمتار، وسيتمتع بروية أجمل صباح في العالم.
أجمل صباحات العالم لن تجده في شيكاغو؟ أو باريس أو مدريد، تجده في بغداد، بغداد واحة أبنية عريقة منسجمة مع نفسها محاطة ببساتين شاسعة وبغابات نخيل لا تنتهي حتى تبدأ من جديد. تشرق الشمس في بغداد فتلفعها بأشعة ذهبية تجعلها تتوهج كقطعة من الماس الأصفر. فيغمرك ضؤء فريد كمن يغرق في شلال ضوء لا أول له ولا نهاية. أتذكر صباح بغداد كلما أمر في كورنيش البحيرة، لا يوجد رابط بين الاثنين؟ لماذا إذن أتذكر بغداد وصباحها؟ ربما لانعكاس الضوء على سطح الماء، فلطالما ارتبط الضوء بسطح دجلة الساحر هناك. اخترع العراقيون القدماء أكثر من عشرة آلاف سنة مقولة \"إن كل شيء خلق من الماء\" وعندما كتبت التوراة أخذت المقولة كما هي، ثم ترددت في المسيحية والإسلام. يحب العراقيون الماء إلى درجة العبادة، وهناك فئة عراقية يكون الماء جزءاً كبيراً من طقوسها. ولحب العراقيين للماء منعوا الاستئثار بمناظره، تركوا دجلة والفرات للجميع.
يقسم دجلة بغداد قسمين، يخترقها كما يخترق الذكر الأنثى، يتلوى في داخلها كالأفعى. يتمطى، ينتشر، يلتم، يأخذ حريته كاملة في التحرك حد النشوى. في بعض الأمكنة يتسع حتى يتفرع إلى بضع نهيرات صغار تحيط جزراً صناعية مختلفة الأحجام، لكنه يعود ليتحد لينهي اللعبة، فيصبح نهراً جباراً هائلا.
ما إن أصل إلى أي مدينة حتى أستعلم عن أنهارها. في شيكاغو نهران كبيران. تراهما في علم الولاية. لكنك لا تستطيع أن ترى أي نهر منهما على الأرض، إنهما نهران صناعيان، أرستقراطيان، خاصان. أسوأ ما صنعه المعماريون في شيكاغو أنهم قتلوا هذين النهرين. سواء أ كنت مقيماً أم زائراً لهذه المدينة الجبارة فإنك لا تستطيع أن ترى النهر إلا مصادفة. ربما تعيش بضع سنوات في ضواحي شيكاغو وأنت لا تدري أن هناك نهراً على بعد بضعة أمتار، أو مئة متر.
الغابات الكثيفة تحجبه، كيف ستراه من وراء تلك الستائر الخضر المتكاثفة؟ لكني لحسن الحظ رأيت شريطاً سينمائياً عن نهر شيكاغو، إنه نهر متواضع، ليس كدجلة، ضيق، مغتال، يصرخ طالباً النجدة، لكن 911 لا يستطيع أن ينجده. فمن قتله قوي يخشى بأسه. من ارتكب تلك الجريمة؟ إ،ها أرصفة شحن هائلة تزود السفن النهرية ببضائع ومواد أولية تنـقل إلى مدن ومصانع ومراسي أميركا والبلدان الأخرى، بعد أن التهمت تلك الأرصفة معظم شواطئه تركت قسماً ضئيلاً منه لبنايات عملاقة، ناطحات سحاب، فنادق هائلة. هذا يعني أن ساكن شيكاغو لن يستطيع أن يراه. ربما يراه من يقطن غرفة في إحدى الفنادق المطلة عليه، لكن الشخص العادي محروم من متعة النظر إليه.
عكس ذلك في بغداد تماماً، النهر هناك كائن شعبي، بسيط، متواضع، لكل الناس بالرغم من أنه سيد المدينة العتيد من غير منازع. تراه عندما تعبر أحد الجسور المتعددة، وتراه قربك على بعد خطوات عندما تجلس في مقهى مبنية عل ضفته، وتراه في مئات المطاعم على الجانبين، وتراه عندما تتمتع باحتساء الجعة في بار أو عندما ترشف العصير، القهوة، الخ.
في بغداد منظر فريد لن تراه في أي مدينة أخرى في العالم، كورنيش دجلة المسمى \"شارع النهر\" . يمتد نحو ميل كامل تنتشر عليه مطاعم وبارات وملاهي. تجلس في مكان ما هناك، تصافح الماء، تأكل من الماء، تمتع بالماء. في كل مطعم حوض ماء فيه عشرات الأسماك الحية. تختار منها ما تريد، ثم تمتع بالسمكة تشوى أمامك. تشوى بطريقة فريدة، \"المسقوف\" ورثها العراقيون عن أجداد عاشوا قبل أكثر من عشرة آلاف سنة. تشك السمكة بعصا تغرز أمام نيران يتصاعد لهيبها، وبعد بضعة دقائق تقدم إليك وجبة شهية.
منذ عشرات آلاف السنين كانت بغداد نقطة التقاء خطوط التجارة العالمية، هناك كانت ترتاح القوافل من عناء سفر طويل. فهي تقع على خط الحرير القادم من الصين، وعلى خط التوابل القادمة من الهند وبلدان آسيا كلها، وعلى خطي أوربا وأفريقيا، فيحدث تبادل هائل للبضائع ليغذي القارات الثلاث. ولو لم تكن تلك البقعة وافرة في إنتاجها الزراعي والحيواني لما تمكنت من تزويد قوافل الدنيا بالطعام والراحة والمنام.
ولذا اختارها أحد أعظم عباقرة التاريخ العربي \"المنصور\" وبناها على شكل دائري جعل منها معجزة الفن والعمارة كما هي الآن نيويورك، فاستقطبت الكتاب والفلاسفة والعلماء والتجار والمهندسين وأصبحت مركز الثقافة العالمي لنحو ستمئة سنة. ثم تلتها سبعة قرون عجفاء. لكنها عادت الآن بؤرة يتجمع فيها بشر وافدون من جميع أنحاء الأرض أيضاً. هؤلاء البشر مختلفون عن أولئك. ليسوا بتجار، إنهم جنود. جاؤوا من جميع أنحاء العالم.
ومن أطلق النار على والدي التي تلك الطفلة التي خلخلت توازني، تلك الطفلة التي لا أعرف اسمها، لا أعرف شيئاً عن ذويها المغتالين. لا أعرف غير ما ذكرت شيكاغو تريبيون، إنها من تل عفر. تكرر الجريدة التبرير المألوف المرة الواحدة بعد المليون: إن السيارة التي كان والدا الطفلة يستقلانها رفضت الوقوف، فأطلق الجنود الشجعان وابلاً من نيران رشاشة قتلت الوالدين في الحال. سبحت الطفلة بدماء والديها، لكنها بقية حية، إنها تصرخ، لقد خلدت الجريدة صراخها إلى الأبد. بدأت أسمع صراخها ما إن رأيتها أنا، وسيسمع صراخها كل من يعيش في هذا العالم الوحشي.
حدقت بناطحات السحاب. لا أملّ من النظر إليها، إن كان صباح بغداد أجمل ما في الوجود، فالغروب في شيكاغو أجمل غروب في العالم. يعادله في الجمال والتأثير.
قبل أن أجيء إلى شيكاغو، كنت أقول مع نفسي ماذا في ناطحات السحاب من جمال؟ اسمنت، حديد، زجاج كلها تصد النظر، ثم اكتشفت خطأ تصوراتي. لقد جعلت مهارة المعماري وعبقريته من تلك البنايات حيوات بهيجة في غاية التناسق والجمال. ومن بعيد وحينما انظر إلى تلك البنايات المتفاوتة في ارتفاعها وزينتها وجمالها الفريد يسحرني الموقف مرة أخرى فأقضي وقتاً لا أستطيع حصره.
أتعمد في وقت الغروب أن أصعد إلى الطابق السابع عشر في البناية التي أسكن فيها، تسكب الشمس دماءها على الكون فينعكس ذلك اللون البهيج على زجاج ناطحات السحاب فتشع هذه بأضواء شتى تتشعب لتصبح كل بناية ماسة تختلف عن الأخرى، ولتكون مجموعة ناطحات السحاب كرة مشعة يخترق توهجها السموات السبع، أبقى حتى يهبط الظلام عندئذ تختفي ناطحات السحاب، يحل مكانها لوحات منمنمة فاتنة تشع بكل الألوان.
وصلت الحديقة، ما أجمل لعب الأطفال، يلعبون، يصرخون، يركضون، يتسلقون الدرج الصناعي، يتأرجحون. أيوجد في الحياة أبهج من منظر طفل سعيد؟ لا. هناك في الحديقة أقضي وقتاً غير محدود. أراقب الأطفال يعيشون عصرهم الذهبي قبل أن يكبروا ويطحنهم الصراع على مكاسب الحياة. لا أدري كيف ينقضي الوقت؟ الأطفال آلهة، وكما تدعي الآلهة أنها خلقتنا، وأن بمقدورها خلق الجديد كل وقت. كذلك الطفل، إنه يستطيع أن يخلق لعبه وسعادته في كل وقت. أطفال يركضون وراء بعضهم، ينزلقون على صفائح صقيلة، يتأرجحون بكل قوتهم، يتعلقون على قضبان متفاوتة الارتفاع، يضجون، يتكلمون، يصرخون، وهناك غير بعيد على النجيل الأخضر طفلتان.
إحداهما تستلقي على ظهرها والأخرى تداعبها، كلاهما تقهقهان بكل قوتهما. للأطفال مقدرة خلاقة غير محدودة. وهي أعظم معجزات الطبيعة تحدث كل يوم أمام أنظارنا. هنا يلعب الأطفال بحدائق مجهزة بأحدث وأمتع المرافق، لكني رأيت مناطق فقيرة يلعب أطفالها بالحجارة، بأغصان مكسورة، بعظام الحيوانات، بالرمال، بصغار الحيوانات، لم يسعدهم الحظ بمثل هذه المتع الرائعة. قطعت ضحكة طفل بعمر تلك الطفلة المكلومة أحلام يقظتي. كان يلاحق خنفسة ويهم بإمساكها لكنه يتردد فيترك لها فرصة للهروب. وأمه الشابة الجميلة تنظر إليه وتبتسم.
توجهت نحو مسطبة تجلس عليها عجوز تراقب من بعد طفلتين تلعبان، وقبل أن أجلس قربها، رأيتها تسحب الجريدة لكي تفسح لي مكاناً قربها. وقعت عيناي بالرغم مني على الطفلة ملوثة بدماء والديها، سمعت صراخها مرة أخرى. ابتعدت، توجهت نحو مسطبة أخرى. هل ستقدر تلك الطفلة أن تمارس اللعب في المستقبل وهي يتيمة وقد صرع والداها في لحظة جنون طائش؟ ذلك ما أشك فيه.
كلب صغير جداً، لا يتجاوز طوله ثلاثة أرباع القدم، بألوان تتفاوت بين الأصفر والرمادي والبني العميق والأبيض، عيناه واسعتان جاحظتان، لديه شاربان أبيضان طويلان ينحدران إلى ما تحت ذقنه، ينظر بعمق إلى كل من يقترب منه، أسنانه بيضاء متراصة كأنها أسنان طفل في الخامسة، سلسلته جميلة بلون الذهب، لم يترجل من دفء صدر عجوز تحتضنه كابن لها. لست أدري كيف اكتشفته طفلة في عمر السنة، تقدمت نحوه وهي تتأرجح في مشيتها ووالدتها الشابة تنحني وراءها، وتمد ذراعيها كي لا تسقط، الطفلة تغرد بسعادة كالبلبل محيية الكلب، والكلب ينظر إليها بنظرات ودودة، لقد وجد أخيراً من يفهمه حق الفهم. والعجوز ترحب بالطفلة وتشارك أمها الشابة الضحك، وحينما اقتربت الطفلة من الكلب مدّت يدها الصغيرة لكن أمها بادرت إلى حملها، مبعدة إياها عن الكلب: لا، لا تمسيه.
والعجوز تردد: دعيها، لن يؤذيها، دعيها، جلست إلى جانب العجوز، أخذت تربت على شعر الكلب، بينما نظر الكلب إليها بفخر وامتنان، ثم عاد ينظر إلى الطفلة، ربما رآها أقرب أليه من الجميع، والطفلة ما تزال تحاول احتواء الكلب. أصدر الكلب همهمة ناعمة أقرب إلى الغناء، نظر إلى أم الطفلة عندئذ سمحت الأم للطفلة أن تمسد ظهر الكلب وهي تقهقه. لماذا لا يسترسل الناس هنا في الإنجاب؟ عناية طبية ممتازة، دراسة متوافرة، مستقبل مضمون. لماذا إذاً؟ هل سيصبح لأطفال العراق مثل هذا المستقبل وهو في مثل تلك الدوامة من العنف، الانقلابات، تدخل الدول العظمى، لعنة النفط. ما إن يصل الطفل عندنا الثامنة عشرة أو ما إن يتخرج في الجامعة حتى يجد نفسه جندياً في جيش ذي خدمة طويلة تمتد عشرات السنين. حياة كلها ألغام، قتل، سجن، أسر، تشريد، تجويع.. قائمة لا تنتهي، حتى هذه الألعاب البريئة محرومون منها.
هناك يلعبون في ساحات متربة يغرقون في بحر من الغبار والأتربة والوحول، وتتمزق ملابسهم بعد بضع دقائق، أما الحيوانات فهي غريبة ومميتة في بعض الأحيان. ربما يجد الأطفال جرواً صغيراً، يسرقونه حينما تختفي أمه،لكنهم يذيقونه مر العذاب، رأيت يوماً طفلاً يشد جرواً صغيراً وهو يركض، والجرو لا يستطيع أن يتابع الركض، فهو يتقلب على الأرض مسحولاً، فقد كان الحبل مشدوداً بقوة حول رقبته، وقدرت أن الجرو لا بد أن يموت بعد قليل. من المستحيل أن يتوقف الطفل عن اللعب، وإن لم يجد لعبة مناسبة فقد يختار لعبة مميتة لغيره، وهو غير دارٍ.
هنا يعتنون بالحيوانات، غير بعيد من شقتي حديقة خاصة بالكلاب وحدهم، يتجمع كل يوم عشرات النساء والرجال، كل مع كلبه، يأتون بهم للتنزه إلى الحديقة يومياً، الحديقة معرض مميز للكلاب، كبيرة، صغيرة، متوسطة، غريبة الشكل. قرب شقتي مستشفى للكلاب، وفي الجهة الأخرى من الشارع حلاق لهم، يبتدع قصات شعر مميزة، ويتقاضى عن عمله أضعاف ما يتناوله من قصة شعر الإنسان. لا أحد هنا يؤذي الحيوانات. يضمنون مستقبلهم. قالت لي صاحبة قط يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، وهي تشير إليه، وكان بالفعل قطاً جميلاً جداً بشعر كثيف مرقط بين الأصفر الذهبي، الأبيض والأسود: مع الأسف إنه لن يعيش غير سنة واحدة أخرى في الأكثر، إنه مصاب بالكلى، لكنه سيموت سعيداً لأنني أرعاه بشكل جيد، أجلبه إلى الطبيب لفحصه كل شهر.
في شيكاغو كل شيء له قيمة النبات، الحيوان، الإنسان، هناك من يهتم فيه ويعتني بصحته ويرعاه، وفي بغداد يقتل النبات والحيوان والإنسان. لا يوجد من يهتم بالآخر، وأكبر الظن أن لا تجد تلك الطفلة أحداً يهتم بها بعد قتل والديها؟ سيكون مصيرها معتماً، شديد الإظلام. أكاد أتخيل مصيرها، أراها في شريط سينمائي أمامي.
لو استطاع من يجدها أن يعثر على دار للأيتام يضعها فيه، فستعيش في جوع دائم وسوء تغذية إلى ما لا نهاية! لكنها ستكون نوعاً ما سعيدة، لكن العثور على دار للأيتام معجزة في بغداد هذه الأيام، فمثل تلك المؤسسات قليلة جداً، وهي مكدسة كعلب السردين بأضعاف ما تستوعب، وقد يحضر بعض الأطفال يومياُ إلى الدار، لكن الدار غير مسؤولة عنهم في أخطر فترات اليوم. عليهم أن يغادروه حينما يحل الظلام. فمسؤولية إيجاد مكان يقضون فيه الليل مسؤوليتهم هم لا مسؤولية الدار. عليهم أن يحلوا المعادلة الصعبة. أين ينامون إذاً؟ في الشوارع، تحت الجسور. في المقابر. في كل مكان ولا مكان.
ستتبع تلك الطفلة مثيلاتها من ضحايا الحرب. فمن يشعل الحرب لا يفكر بالأطفال وإلا لم يتلوث بآثامها. ستنسى ذاكرتها الهشة أبويها بعد أيام، أو شهور في الأكثر، ستنسى الحادثة لكن أصوات الرصاص المرعب سيستقر في العقل الباطن، يدمر نفسيتها، ويقلق راحتها ما حييت. أما أهم مشكلة ستعانيها، فستكون كأي حيوان على سطح أرض معادية، عليها أن تشبع معدتها، ستلتقط ما يرميه المارة في الشارع من خضار فاسدة، وبقايا طعام متعفن.
أو ربما حبوب تخرج مع روث الحيوانات، فإن قاومت المرض فمن المستحيل أن تقاوم الطفيليات كالقمل والديدان المعوية، ولأنها لن تنشأ في رعاية أم تنظفها وتعتني بها فستصاب ربما بالأكزيما، الجرب، الرمد، ربما بالعمى، لكنها ربما تعيش بضع سنوات أخرى، حينئذ سينمو جسدها في ظل سوء التغذية نمواً بطيئاً ومشوهاً، لكنها بالتأكيد وفي كل الحالات ستضطر للعمل طيلة النهار، ستتعرض للاغتصاب وهي في الخامسة من عمرها، وستعاني من آلام وأمراض لا تحصى، سيُقضى عليها قبل أن تراهق، فإن ساعدها الحظ على البقاء فستنتهي إلى تناول المخدرات، أكواخ البغاء ثم السجن.
وربما سيكون ذلك المكان الوحيد الذي تضمن فيه لقمة بسيطة ثلاث مرات في اليوم ورداء رمادياً كالحاً يسد عريها، وسيكون صفحة مظلمة في ليل عمرها الطويل، وربما سيقام لها تمثال بعد موتها في شيكاغو أو بغداد يدل على مآسي أجيال أبيدت في الحروب لكن أحداً ما لم يستطع أن يخترق مشاعرها ليكشف كيف استقبلت ذلك العالم المعادي المميت وهي طفلة بريئة لا يد لها بما حدث، كبراءة الهنود الحمر المسالمين الطيبين.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نبيل عودة
- الزيارات: 6
عن التطبيع الثقافي ومضامينه غير الثقافية
اشكالية لقاء وتفاعل الثقافات بين مجتمعات في عداء سياسي وقومي
·
ثقافة الدولة المتفوقة اقتصاديا وعسكريا تتصرف كثقافة متفوقة ومستعلية وقادرة على السيطرة ، وهذا في صميم رفض الثقافة العربية التطبيع مع
الثقافة الاسرائيلية *
بقلم : نبيل عودة
طرح ويطرح بتواصل ، موضوع الحضارات والثقافات وقضايا التطبيع الثقافي بين الشعوب ، وتحديدا بين العرب واليهود ، بين الثقافة العربية
والثقافة الاسرائيلية .
هذه النقاشات وصلت أحيانا لمستوى من الحدة تجاوزت حدود الحوار الى مستوى القاء الاتهامات بين المتحاورين ، ولا ارى في ذلك أمرا غريبا ، فالنقاش يتجاوز المفهوم الفكري المجرد الى قضايا أكثر عمقا وخطورة بالنسبة للمجتمعات العربية وآفاقها المستقبلية .
ضمن الرؤى السائدة ، كانت رؤية ان اللقاء بين الحضارات او الثقافات ، هو لقاء ممكن ، بينما اللقاء بين المصالح السياسية هو الصعب والمعقد .
وحدثت لقاءات سياسية واتفاقات سياسية ، لبعضها كان أثرا سلبيا على الموقف السياسي العربي ـ مثل اللقاء والأتفاق الاسرائيلي المصري ، الذي أخرج مصر من المواجهة وحولها الى وسيط ، أحيانا لا قيمة ولا وزن لوساطتها ولمواقفها السياسية ... بل وأكثر من ذلك ،لم يعد لمصر دورا عربيا في أخطر قضية عربية . وقد يكون تحييد مصر سبب مباشر وحاسم في اعاقة بناء استراتيجيات العالم العربي الاقتصادية والعلمية والثقافية والسياسية ، حول قضايا عربية بالغة الأهمية والتأثير على تطور العالم العربي .. ودولية تمتد الى قلب العالم العربي ، وقد تكون مأساة العراق وواقع لبنان وما يحيط به من مخاطر ، واستمرار المأساة الفلسطينية ، وظهور الاسلام الجهادي ، هو نتيجة غياب فعل سياسي عربي مؤثر وقادر على التعامل مع الواقع الدولي والعربي .
اللقاءات والاتفاقات السياسية لم تنجح في التأثير، كما يظهر حتى اليوم ...على أخطر قوة عربية في المواجهة – الثقافة العربية .الثقافة وقفت بمعارضة كل الاتفاقات ، ومثقفو النظام لم يفلحوا في تحقيق تحول ثقافي الى جانب سياسة التطبيع السياسية للنظام المصري ، وفيما بعد الاردني وأنظمة أخرى مارست التطبيع السياسي بالخفاء او بالعراء.
البعض رأى ان خوف العالم العربي / الشعوب العربية ، والأصح القول ممثلي الثقافة العربية ... من التطبيع الثقافي مع اسرائيل ، هو خوف مبالغ فيه ، ولا قاعدة منطقية له ، وأن الثقافة العربية تملك أدوات متينة ، وتشكل قاعدة مثالية للتفاهم وحل الاشكالات الباقية والصعبة ، خا?µة وأن الثقافة العربية ذات جذور عميقة في الأرض ووراءها تاريخ عظيم وواسع وممتد من الانجازات التي لا يمكن هزيمتها بالمواجهة مع ثقافات اخرى ، وبالأساس مع الثقافة الاسرائيلية التي لا تزال ناشئة وبلا جذور عميقة . واستنتج البعض ان التطبيع الثقافي يجب ان يخيف الاسرائيليين الذين يضغطون ويتحمسون للتطبيع ، ويرون فيه قاعدة من القواعد الأساسية وألأكثر
أهمية للتطبيع الشامل في الشرق الاوسط ، ولجعل التطبيع السياسي حقيقة قابلة للتعايش في الشرق العربي ، تتسابق اليها سائر الدول العربية، وألأهم ان قبول اسرائيل ثقافيا سيعزز حقيقتها الشرق اوسطية .
هذا الموضوع اثار اهتمام أوساط واسعة من الأدباء وأصحاب الفكر والرأي ... ولكن الكثيرين مع الأسف تحدثوا من منطلق سياسي عام أو عاطفي أو
ديني .. وما زال الموضوع يحتل حيزا من الكتابات والحوار في العالم العربي ... ومراجعة لما ينشر تشير الى ان اكثرية المواقف انطلقت من قناعات سياسية ودينية وعاطفية، وتفتقد للرؤية المتكاملة الموضوعية، ولأي منطق فكري يمكن اعتماده كقاعدة للتعامل مع طروحات التطبيع التي تروجها بعض الاوساط السياسية والثقافية المرتبطة بانظمة عربية متحمسة
للتطبيع .
رؤيتي ان الموقف من التطبيع في اطار الاتفاقات المذلة ، والظروف السائدة في الشرق الاوسط ، لا يترك مجالا آخر غير الرفض . . خوفا من ان تتحول ثقافة الأقوى اقتصاديا وعسكريا وعلميا الى الثقافة السائدة والمسيطرة والمقررة .
هذه وجهة نظر .. يمكن تطويرها أوالأضافة اليها ، او رفضها ومعارضتها . الموضوغ بالغ الأهمية والتركيب ، ومليء بالتداخلات المتناقضة والمتماثلة ، مما برز حتى اليوم في كتابات الرافضين للتطبيع . وما استغربه هو غياب اصحاب الشأن من سائر ذوي الاختصاصات الأكاديمية والفكرية من الخوض في هذا النقاش ،من منطلقات رؤية علمية للمخاطر أو الايجابيات ، اذا وجدت ايجابيات ...
الثقافة ليست وقفا على الابداع الروحي فقط ..الثقافة تشمل كل الابداع المادي للمجتمع ، وقد يكون خطر التطبيع اعظم شأنا على الجانب المادي في الثقافة – أي الانتاج الأقتصادي والتطور العلمي والاجتماعي للمجتمعات العربية ... بتحويل العالم العربي الى سوق للانتاج الاسرائيلي المادي ، واضيف اني أرى ملامح سلبية في الاقتصاد والتطور الاجتماعي والعلمي في العالم العربي كلة وفي مصر على وجه الخصوص ، بدأت تفرض نفسها ، ربما نتيجة للتطبيع السياسي بين مصر واسرائيل ، او بتأثير لا يجوز الاستخفاف به للتطبيع ، واضيف ان تأثير هذا التطور السلبي سيطول ، أو طال بنسب معينة ?? الفكر والابداع الثقافي المادي والروحي .
ان موضوع الحضارة بحد ذاته هو مادة واسعة للغاية ، وهناك تضارب في مفاهيمنا الحديثة عن الحضارة ، ولكني اطرح وجهة نظري بتعميم ، وانا على
قناعة ان الحضارة في جذورها هي " المدنية " وتشمل كما اوضحت وأكرر مجموعة الانجازات المادية والروحية ، وهناك دمج دائم بين مفهوم الحضارة والثقافة . ومع ذلك نجد أن المعنى السائد في المجتمعات الدمقراطية الغربية عن الحضارة هو كونها انجازات المجتمع المادية والتكنلوجية ولا يشملون الثقافة بتعريفهم ، ويستعملون اصطلاح الثقافة للدلالة على القيم الروحية فقط – أي الابداع الادبي والفني والأخلاق والدين .. لذلك من المهم ان نفهم ان صيغة صراع الحضارات تعني في المفاهيم الغربية الصراع بين التقدم الاجتماعي ، العلمي ، الاقتصادي والتكنلوجي العاصف ، وبين
مجتمعات متخلفة بمراحل تاريخية مخيفة عن ركب التطور، وتعيش على هامش نظام العولمة
– على هامش الحضارة ، وبدل المساهمة الحضارية ، تنشأ ثقافة روحية تبريرية متمسكة بالماضوية كطريق آخر في مواجهة المجتمعات الغربية المتطورة – هي ثقافة العجز ، تقود الى العدائية والخوف وكل الظواهر المقلقة التي نشهدها في العالم العربي اساسا ودول اخرى تسودها نفس الثقافة .، وتنعكس عالميا في صور بشعة من الدموية المنفلتة .البروفسور ادوارد سعيد ، في كتابه العظيم " الثقافة والامبريالية "ربط بين التطور المادي والتكنلوجي للنظام الرأسمالي – الامبريالي وبين تطور الثقافة .. ورؤيته الهامة كانت ان الثقافة كلها هجينة ، وبمقدار هجينتها يكون ثراؤها . أي من الصعب الحديث عن ثقافة مجردة مستقلة نشأت خارج الحضارات .اذا كان هذا صحيحا تجاه الثقافة ، فهو أكثر صحة تجاه الحضارة .. التي هي نتاج اؤلئك الذين اوجدوا الثقافة لتشكل مرآتهم الحضارية، لذا ليس بالصدفة ، كما يستنتج ... ان تطور الرواية ( الثقافة ) الانجليزية والفرنسية بهذا الشكل الواسع ارتبط مع نشؤ الامبراطوريتين القديمتين ، انكلترا وفرنسا ، بينما في امريكا بدأ التطور الروائي (الثقافي ) مع بداية تطور الامبريالية الامريكية في القرن العشرين ( ونفس الملامح يمكن ان نشاهدها في تطور الثقافة السوفياتية بعد ثورة اكتوبر ) .. هذا يعني امرا هاما، بأن للثقافة دورها الاعلامي الشامل الداعم لدولها .. نفس الدور تلعبه ايضا الثقافة الاسرائيلية .. وفي جذر هذا الدور اظهار بدائية الاعداء وتخلفهم واظهار انسانية الاحتلال – الاستعمار ، والحضارة التي يبشرون بها الشعوب المستعمرة والمتخلفة ... بالطبع ليس بلا ثمن ، والنموذج الاسرائيلي قد يكون اقرب وابرز في اظهار " انسانيتة " !! وليس
مستهجنا ان الخطاب السياسي الاسرائيلي له تغطية "حضارية " في الغرب .. والبكاء العربي على التاريخ والأطلال غير مفهوم وممل !!
رفض العرب للتطبيع الثقافي مع اسرائيل يجب ان يكون في جذوره تشخيص صحيح لحالة الضعف والوهن السياسي والاقتصادي والمدني / الحضاري والثقافي الذي يميز الحالة العربية غير القابلة للتغيير في ظل انظمة قبلية وطائفية. الظن ان الحضارة العربية ، الضاربة جذورها بالارض والتاريخ هي قوة للثقافة العربية ، هو مجرد وهم ، ليس فقط لحالة الغربة بين الانسان العربي وثقافته ، انما لاستفحال الجهل والبؤس الاقتصادي والعلمي والتكنلوجي والتخلف في التعليم . ان الفجوة الثقافية بين اسرائيل الصغيرة والعالم العربي آخذة بالاتساع .. يكفي ان اعطي نموذج صغير ..بعض الكتب في اسرائيل يباع منها اكثر من مائة وعشرين الف نسخة . هل يستطيع احد ان يشير الى كتاب عربي يوزع اكثر من ربع هذا الرقم ؟! واكرر ما سجلته سابقا في احد مقالاتي ، ميزانية ابحاث معهد واحد في اسرائيل (معهد وايزمان ) تصل الى ملياري دولار سنويا .. ولا اتحدث عن التخنيون والجامعات الأخرى .. بينما كل الجامعات العربية لا تتعدى ميزانياتها ، من المحيط الى الخليج .. ثمانمائة مليون دولار. قبل أشهر قليلة قرأت في الأهرام المصرية خبرا مزعجا .. بأن ميزانية فريق للبحث العلمي في جامعة القاهرة يصل الى 365 جنية مصري في العام الواحد ، اي جنيه واحد كل يوم ...فهل سنلحق بالركب الحضاري لاسرائيل حتى يستطيع العالم العربي ان يطبع ثقافته معها ، أو بمفهوم آخر .. حتى يستطيع مواجهة الاستعمار الثقافي الاسرائيلي .. ليس بالأدب فقط ، انما بانتاج الخيرات المادية والنهضة العلمية والفكرية ، وبناء مجتمع الرفاه ، حتى يستطيع ايجاد تغطية حضارية لخطابه السياسي في المحافل الدولية ؟!
قديما رأى العلامة العربي ابن خلدون ما هو صحيح حتى اليوم ، قال : " لغة الأمة الغالبة – غالبة ، ولغة الأمة المغلوبة - مغلوبة " . وأكثر من ذلك : اللغة العبرية اليوم أكثر طواعية من اللغة العربية ومليئة بالاصطلاحات
المعاصرة التي اصبحت شائعة الاستعمال في العبرية ، بينما في لغتنا العربية نستصعب ايجاد البديل العربي للاصطلاح، كما جاء في دراسة للدكتور سليمان جبران المحاضر في قسم اللغة العربية في جامعة تل – ابيب عن التجديد في اللغة العربية ، وان الترجمة من الانكليزية الى العبرية اسهل بكثير من الترجمة من الانكليزية الى العربية ، الى جانب ان تطور اللغة العبرية في المائة سنة الاخيرة تجاوز تطور اللغة العربية . وآمل ان استعرض هذه الدراسة الهامة في مقال آخر .. لما تتسم به الدراسة من أهمية حول التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة. ولكنتي اضيف اني كمواطن في اسرائيل ومدير انتاج في الصناعات المعدنية ،اجد سهولة اكبر في استعمال اللغة العبرية في كل ما يتعلق بالعلوم والتقنية واصطلاحات العمل .. وحتى العمال البسطاء يجدون سهولة في فهم اصطلاحات العمل العبرية، ولو حاولت تعريبها ، وقد حاولت فعلا ذلك ، لما فهموا ما اريد منهم . واريد ان اذكر امرا هاما ومعبرا .. حاولت قراءة كتاب "الاستشراق " لادوارد سعيد بالعربية ، وترجمه كما أذكر البروفسور كمال ابوديب .. فعجزت عن فهم لغة المترجم ، ولحسن حظي وجدت ترجمة عبرية رائعة للكتاب ، واضحة ودقيقة . نفس المشكلة واجهتني مع " الثقافة والامبريالية " لنفس المترجم .. فهل يتوقع أحد ان يجد قراء عرب لهذه اللغة غير الميسرة ؟! هل يتوقع احد ان يؤثر الفكر المتنور لادوارد سعيد على المجتمعات العربية بلغة من الصعب ان يفهمها حتى المثقفين العرب ؟؟
وأضيف ان المثقفين العرب في اسرائيل قرأوا ادوارد سعيد اما باللغة الانكليزية او العبرية ، واعرف عددا منهم فشلوا في قراءةالاستشراق بترجمته العربية ، ويهمني ان اعرف ردود فعل قراء الكتاب بالعربية .
كيف نطبع مع من سبقونا في تطوير لغتهم ايضا؟
ما أخافه ان يفرض التطبيع نفسه قبل نجاح العرب في خلق توازن مدني / حضاري . ولن استهجن ، في هذا الواقع المتردي والعاجز ان تواجه الحضارة العربية ما هو اسوأ من كارثة فلسطين ثقافيا وحضاريا .
كاتب واعلامي فلسطيني –
الناصرة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمود الزهيري
- الزيارات: 4
عقيدة الولاء والبراء ورفض الآخر : بين مفهوم الدين ومفهوم الوطن
لا أدري ماالذي يستفيده المتطرفون والمتعصبون للأديان من رفض الآخر المخالف لهم في الدين والذي يستظل معهم تحت كنف وطن واحد , لكل مواطن من المواطنين الحق في العيش في هذا الوطن في أمن وأمان من خلال منظومة الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطنين دون تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو النوع .
وبالرغم من وجود تلك المنظومة إلا أن التفرقة بين المواطنين يحبذها ويؤيدها نفر من المرضي النفسيين المصابين بالهوس الديني والذين يزعمون أنهم أوصياء علي الدين والمحافظين عليه من هجمات الأعداء والمتقولين عليه بالباطل من أصحاب الديانات الأخري الذين يتم النظر إليهم علي أنهم من أهل الكفر والشرك والضلال وإنه يجب علي مرضي الهوس الديني أن لايبدأوهم بسلام أو كلام بل ومن واجبهم الديني المزعوم أن يضيقوا عليهم في الطرقات أثناء سيرهم وأن يلبسوهم زياً يخالف زيهم وأن يقوموا لهم حين يمروا عليهم وأن لايعلوا بناؤهم علي أبنيتهم ودورهم , بل وتكون النظرة لهم نظرة الإحتقار والإذدراء لا لشئ سوي مخالفتهم في الدين والعقيدة الدينية التي ينتمي إليها الآخر في الدين .
وكأن الولاء لدين من الأديان مدعاة للتفرقة بين الناس والتنابذ والعداء لمجرد الإختلاف في الدين والعقيدة , مع أن المنتسبين للأديان يؤمنوا بوجود إله حاكم وخالق ومهيمن ومسيطر علي الكون وأنه هو الرازق والمتكفل بالبشر ولايرغب هذا الإله سوي في الخضوع لأوامره ونواهيه المقررة لإرساء قيم الحب والعدل والتسامح والمؤاخاة بين البشر, ونبذ رذيلة الظلم والعداء والكراهية , ومحاربة الطمع والجشع , والحفاظ علي أمن الناس في حياتهم الدنيا .
مع العلم بأن الإيمان أو الكفر بالأديان لن يزيد أو ينقص من ملك الله أو قدرة الله أو لن يضره أو ينفعه بشئ !!
فلماذا يكون العداء , ولماذا يتم تكريس الكراهية والبغض للأخر في الدين ؟
أعتقد أن الأمر كامن في أزمة الفهم الخاصة بالنصوص الدينية المقدسة التي تم إضفاء نوع معين من القداسة ليس علي النصوص الدينية بل علي التفسيرات والتأويلات الخاصة بالنصوص الدينية لدرجة أن تم تقديس التأويل وتقديس التفسير شأنهما في ذلك شأن تقديس النصوص الدينية علي السواء وعلي قدم المساواة حتي تحول الأمر إلي تقديس الموؤل أو المفسر وانتقل الأمر إلي صاحب التفسير والتأويل ليكون هو صاحب التقديس والإحترام والتبجيل ومن هنا كانت الكارثة في الفهم والوعي والإدراك لمرمي النصوص الدينية التي تجاذب أطرافها العديد من المفسرين والمأولين من أصحاب التعصب والتشنج في الدين والذين يقيسون إيمان الناس علي مسطرة التعصب والتزمت والتشدد في تطبيقات النصوص الدينية لدرجة أن يصح أن يطلق عليهم أنهم عُباد النص , وليس المتعبدون به .
وإذا كان التاريخ القديم قد حمل بعض الحروب والصراعات الدينية علي خلفيات عنصرية أساسها المصلحة في الأساس والمقام الأول وليس الدين هو الأساس , وإنما كان الدين هو المغذي لهذه الصراعات الدموية تحت ستار الحرب الدينية المقدسة ليكون لأصحاب المصالح السيادة والزعامة وإستلاب خيرات الشعوب والأمم تحت مسمي الحرب الدينية المقدسة .
وفي الحاضر المعاش مازالت بعض الدول في المجتمع الدولي تحمل لواء العنصرية الدينية عالياً , بجانب العديد من الفرق والجماعات الدينية التي تناصب العداء كل من يخالفها في الدين والعقيدة وتغذي هذه الإتجاهات ليكون لها أيضاً السيطرة والسطوة والزعامة ولكن علي خلفية دينية مدعية القداسة الدينية !!
والإنتماء يكون للدين والولاء يكون للدين , أما الأوطان التي يستظل بها الجميع فلتذهب إلي الجحيم مادام حملة لواء العنصرية الدينية يعتقدوا ويربوا من ينتمي إليهم علي عقيدة الولاء للدين والبراء ممن يخالفهم فيه .
لماذا نُصر علي أن نجعل الله جباراً فقط , ولماذا نتناسي أنه الرحمان الرحيم ؟!!
ولماذ نُصر علي أن يكون الله منتقمناً , ولماذا نتناسي عن عمد أنه هو الرؤف الرحيم , وأنه هو الحنان المنان ؟!!
لماذا نتذكر دائماً لغة القتال والحروب ومنظر الدماء , ولانبحث عن ُسبل وطرائق السلام ؟
لماذا نبحث عن روح الوَحشْ داخلنا ونتجاهل روح الإنسان ؟!
لماذا الإصرار علي قهر الآخر ونبذه ورفضه وتكفيره ولعنه وإحتقاره وإذدراؤه وإباحة دمه وماله ونساؤه ؟!!
أ لمجرد أنه يخالفني في الدين والعقيدة ؟
وهل إنتصرنا علي الآخر الداخلي الذي يعيش ويسكن داخل كل منا ويرافقه ويلازمه في سكنه وترحاله في صحوه ونومه وجلوسه وقيامه , حتي في طاعته للرب , وحتي في عصيانه ؟!
من منا إنتصر علي الآخر الداخلي الذي يعيش بداخلنا ويسكن في قلوبنا وعقولنا ؟!!
إذا كان الله الرحمن الرحيم قد أجري حوارات مطولة مع الشيطان الرجيم , وحاوره وقبل حواره وقبل التحدي الذي أعلنه لله سبحانه وتعالي في رغبته وقدرته علي غواية البشر وأن الله قبل به في الحوار وأمهله المهلة حتي يوم القيامة , أليس جديراً بنا أن نقبل من هو إنسان يحمل روح الإنسان ويشعر ويحس ويسعد ويتألم مثلنا كمثله في المشاعر والأحاسيس الإنسانية المشتركة ؟!!
أم أن الدين هو المحرض علي العداء والكراهية ونبذ الآخر في العقيدة والدين ؟!!
وهل الأديان قالت بهذا وأمرت بهذه العنصرية الدينية البغيضة الحمقاء ؟ !!
أعتقد أن الأديان لم تأمر بهذا ولم تحرض علي هذا علي الإطلاق حتي الأديان الأرضية كالبوذية والذرادشتية علي سبيل المثال ترفض هذه العنصرية الدينية البغيضة الحمقاء فمابالنا بالأديان السماوية ؟!!
مازالت الأزمة كامنة في المفهوم من النصوص الدينية التي تركز من خلال وضعية مقصودة ومبيتة للنية السؤ للفهم وماأرادها الله سبحانه وتعالي وما أنزل الله بها من سلطان مفرقين بين الناس علي أساس الدين , فجعلوا الحب والكراهية في الله والتفريق بين البشر علي أساس الدين والإيمان بالإله الذي يؤمنوا به !!
وعرفوا الولاء علي أنه :
هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم
والبراء علي أنه :
هو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق . وهكذا قالوا:
فكل مؤمن موحد ملتزم للأوامر والنواهي الشرعية ، تجب محبته وموالاته ونصرته . وكل من كان خلاف ذلك وجب التقرب إلى الله تعالى ببغضه ومعاداته وجهاده بالقلب واللسان بحسب القدرة والإمكان .
بل وتعدي الأمر إلي أبعد من ذلك في المفهوم من عقيدة الولاء والبراء إلي أن يقول أحد الشيوخ :
يقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب - رحمهم الله - : ( فهل يتم الدين أو يُقام عَلَم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله ، والمعاداة في الله ، والموالاة في الله ، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء ، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمنين والكفار ، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) .
وهذا هو نمط من أنماط المفهوم من النصوص الدينية التي ترجمها العديد من الشيوخ إلي ماسموه بعقيدة الولاء والبراء التي تتنافي مع مفهوم المواطنة بما تحمله من قيم الديمقراطية والعدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للثروة , بل ومفهوم حرية العقيدة , وحرية الرأي والتعبير , وحرية ممارسة الشعائر الدينية , والمساواة في تقلد المناصب السياسية والسيادية داخل الوطن الواحد حسب مفهوم المواطنة الذي يغاير ويخالف مفهوم عقيدة الولاء والبراء التي تخالف هذه المفاهيم الحديثة في المجتمع الحديث المبني علي قيم المواطنة والديمقراطية والحريات الفردية والجماعية .
والغريب في الأمر أن هؤلاء الشيوخ جعلوا الناس قسمين مؤمنين وكفار بل وتعدي الأمر إلي جعلهم من ضمن صور التشبه بالكفار والمشركين حسب مفهومهم الديني فقالوا :
ومن صور موالاة الكفار أمور شتى ، منها :
_1التشبه بهم في اللباس والكلام .
2_الإقامة في بلادهم ، وعدم الانتقال منها إلا بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين .
3_السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس.
_4اتخاذهم بطانة ومستشارين .
_5التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلا دي .
_6التسمي بأسمائهم .
_7مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها .
8_مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة ، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد .
_9الاستغفار لهم والترحم عليهم.
هذا هو الواقع المر الذي يعيش فيه العديد من أصحاب هذه العقليات ذات المفاهيم المغلوطة التي لايمكن بأي حال من الأحوال النظر إليها علي وجه الإعتبار نظراً لتغير الظروف الدولية والقيم الحضارية والتغيرات العلمية والتكنولوجية الحديثة في جميع مجالات التحضر والتعلم والتي جعلت العالم كله عبارة عن قرية إليكترونية صغيرة منقوصة الأطراف واصبحت السرعة تختزل المسافة في الزمن بالقوة فكيف يتم تفعيل هذه المفاهيم المغلوطة في عالم اليوم ؟!!
وإنني أعجب حينما أعجب لما قرأته من نص للوثيقة العمرية التي صالح عليها مسيحيو الشام والتي جاءت ببنود لايمكن بأي حال أن تنطبق اليوم لا علي مسلمين في بلاد الكفار كما يحب ويحلو للبعض أن يتشدق بها , ولاعلي مسيحيين في بلاد الإسلام كما يعتز بعض المتعصبين لذلك لقد جاءت هذه الوثيقة بما يلي :
نص الوثيقة العمرية
عن عبد الرحمن بن غنم : كتبتُ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرَط عليهم فيه
1. الا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب
2. ولا يجدِّدوا ما خُرِّب
3. ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحدٌ من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم
4. ولا يؤووا جاسوساً
5. ولا يكتموا غشاً للمسلمين
6. ولا يعلّموا أولادهم القرآن
7. ولا يُظهِروا شِركاً
8. ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوا
9. وأن يوقّروا المسلمين
10. وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس
11. ولا يتشبّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم
12. ولا يتكنّوا بكناهم
13. ولا يركبوا سرجاً
14. ولا يتقلّدوا سيفاً
15. ولا يبيعوا الخمور
16. وأن يجُزُّوا مقادم رؤوسهم
17. وأن يلزموا زيَّهم حيثما كانوا
18. وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم
19. ولا يُظهِروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيءٍ من طرق المسلمين
20. ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم
21. ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً
22. ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين
23. ولا يخرجوا شعانين
24. ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم
25. ولا يَظهِروا النيران معهم
26. ولا يشتروا من الرقيق ما جَرَتْ عليه سهام المسلمين.
27. فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمّة لهم
28. وقد حلّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق
وأجاب المسيحيين المذلين ، الذين أحتلت أراضيهم بقوة سيف المستعمر العربي المسلم الغاصب ...
بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا كتاب بعثنا به نحن مسيحيوا الشام إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما أتيتم بلدنا استأمنا منكم لأنفسنا ولذوينا ولأموالنا ولإخواننا في الدين
وتعهدنا بألا نبني كنائس ولا صوامع ولا بيعاً
ولن نعمر ما أشرف على الانهدام منها
ولن نصلح ما يقع منها في أحياء المسلمين. نؤوي المارة والمسافرين من المسلمين في بيوتنا
ونضيف المسلمين أجمعين ثلاثة أيام
ولن نقبل جاسوساً ولا عيناً في كنائسنا ولا في دورنا
ولن نخفي على المسلمين ما من شأنه الإضرار بمصالحهم.
لن نعلّم أولادنا القرآن
ولن نحتفل بقداديسنا على مرأى الناس
ولن ننصح بذلك في عظاتنا
ولن نمنع أحداً من أهل ديننا من اعتناق الإسلام إن أراد.
نعامل المسلمين بالبر والإحسان
ونقوم إذا جلسوا
ولن نتشبه بهم في الملبس
ولن نأخذ بلسانهم
ولن نكني أنفسنا ولا أولادنا
ولن نسرج ولا نحمل سلاحاً
ولن نضرب في خواتيمنا حروفاً عربية
ولن نتاجر بالمسكرات
ونحلق مقادم رؤوسنا ولن نعرض كتبنا ولا صلباننا في أماكن المسلمين .
وإذا طبقنا المعاملة بالمثل في عالم اليوم علي المسلمين الذين جعلوا من أمريكا والبلاد الأوروبية الذين يدينون بالمسيحية في غالبيتهم كيف يكون حال هؤلاء المسلمين ؟ وهم في حقيقة الأمر واليقين المؤكد أنهم يمثلون الأقلية الضعيفة ؟ هل يكون المسلمين سعداء بالتفرقة العنصرية حينما تقام علي أساس الدين ولمجرد أنهم لايدينون بالمسيحية ؟ بل وفي اليقين أيضاً أن أمريكا والبلدان الأوروبية هي التي تسمح للمسلمين ببناء دور العبادة والمساجد الكبيرة وتسمح لهم بحريتهم في أداء العبادة التي يأمرهم بها دينهم دون ممانعة أو رفض أو عنصرية دينية ؟ بل وإن بلدان أوروبا وأمريكا هي التي آوت المضطهدين دينياً وسياسياً وأعطتهم حق اللجؤ السياسي وفرضت لهم الرواتب وأعطتهم الجنسية حينما رفضهم أبناء دينهم الإسلامي في بلدانهم وحاربوهم واضطهدوهم بل وعذبوهم ونكلوا بهم وطاردوهم حتي خارج البلاد التي تسمي يالكذب والعار بلدان إسلامية ؟ فهل يقبل المسلمون تطبيق عقيدة الولاء والبراء المسيحية بالمفهوم الديني علي المسلمين المقيمين في البلاد المسيحية وأن تطبق عليهم الوثيقة العمرية بمفهوم المخالفة وعلي نهج محاكم التفتيش الأوروبية ذات العنصرية الدينية ؟ وهل يقبلوا أن يطبق عليهم حد الجزية وأن يعطوها لمسيحيي أوروبا وأمريكا عن يدٍ والمسلمين صاغرين أذلاء ؟
أعتقد أن مفاهيم العصر الحديث والعالم الجديد تخالف هذه القيم والعادات والتقاليد والأعراف الدينية التي يتوجب علي المسلمين أن يطوروا مفاهيمهم حسب مستجدات العصر الحديث والقيم الحضارية والإنسانية الحديثة وأن يتفهموا الفرق بين الإسلام ومفهوم الإسلام الذي فسره وأوله الأمراء والفقهاء حسب مفهومهم وحدهم هم , وعليهم أن يفسروا ويؤولوا حسب مفاهيمهم التي تتناسب مع العصر الحديث المبني علي أسس العلم والقوة والتحضر , والقائم علي دعائم الديمقراطية والمواطنة !!
ولكن لس سؤال : أين يوجد مقر الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين ؟ في دولة عربية / إسلامية أم دولة أوروبية مسيحية ؟
ولماذا رفضت الدول العربية والإسلامية أن يكون لهذا الإتحاد مقراً في أي بلد عربي أو إسلامي ؟ ولماذا قبلت أوروبا المسيحية أن يكون مقرهذا الإتحاد بها وفي دولة من ضمن دولها المسيحية ؟
هل سنتفهم ذلك ؟
أعتقد أن الإجابة ستكون بالرفض لكل ماسطر , وأن لعنات التكفير والتجهيل سوف تصب جام غضبها ولعناتها علي كاتب هذه السطور , حيث لا إجابات مقنعة أو حلول بديلة متاحة أو ممكنة لمن تربي علي فقه الطاعة , وعقيدة التلقين , وطرائق الإتباع , وألغي عقله وسلم قياده إلي من هو أعلي منه حسب المفهوم إيمانا ً , وأدني منه في العلم والتحضر والتقدم !!
فمن لديه البديل ؟!!
محمود الزهيري
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. محمد مسلم الحسيني
- الزيارات: 5
وأد العقول العراقية .......مسؤولية من !!!؟.
الدكتور محمد مسلم الحسيني
بروكسل
أن العقول والكفاءات الفكرية والعلمية هي سر نشوء وتطور حضارات الشعوب والأمم . والأمم الخالية من عقول مفكريها تكون متخلفة عن مسيرة الحضارة وعن حركة الزمن . أن علماء الأمة ومفكريها هم القادة الفنيين لتلك الأمة , وبهم تسير عجلة التقدم والتطور والمدنية والنهوض . هذه بديهيّة لا ينكرها أحد ومن ينكرها فهو أما جاهل متخلف أو حاقد لئيم أو أناني شرس . لقد صاحبت عملية التغيير الديمقراطي في العراق- ومع الأسف- ظاهرة غريبة وخطيرة وضحت للعيان ويتكلم فيها القاصي قبل الداني , ألا وهي ظاهرة تصفية أهل الفكر والكفاءة في هذا البلد . وتوضحت هذه التصفية بوجهتين مترابطتين , الوجهة الأولى هي التصفية الجسدية الحاسمة وأنهاء الكفاءة من الوجود جملة وتفصيلا , والثانية هي التصفية النفسية للكفاءة أو الوأد البطيىء . دون شك أن الأرهابيين الذين لا يريدون للعراق أن ينهض ويتقدم هم وراء التصفية الجسدية للكادر العلمي في هذا البلد , وهذا أمر مفهومة جوانبه ومقاصده ولا يحتاج الى بحوث وأستنتاجات أو الغور في أعماق الأسباب والمسببات . فهم يريدون تدمير كلّ شيء أن لم يبقى كلّ شيء بيدهم وعلى قاعدة- الكلّ وألاّ فلا- , أو- أذا متّ ضمآنا فلا نزل القطر-! . ولكن الأمر الذي يستحق التوقف والتمعن والتمحص عنده , هو من الذي يقف وراء وأد العقل العراقي معنويا !؟ , وأعني وأد نفس وروح الكفاءة وذلك من خلال تهميشها وأبعادها أوعزلها وأهمالها وأسدال ستار النسيان عليها . حينما بدأت عملية التغيير الديمقراطي في العراق , توسمنا خيرا للفكر العراقي أن ينهض ,والذي كان مضطهدا ومحاصرا ومنبوذا من قبل النظام الصدامي البائد , وقلنا مع أنفسنا سيمنح العهد الجديد المكانة والقيمة المسلوبة لهذه الشريحة المظلومة والمهمشة في مجتمعها . وهكذا فقد توقعنا بأن البلد سوف يتجه لأحتضان أبنائه وعقوله وأن أول عمل سنراه وكخطوة أولى في بناء العراق هو الأتصال بهذا الكادر المهم من كوادر المجتمع والأطلاع على تفاصيل ما في جعبتهم من مشاريع وأفكار بنّاءة لبناء وطنهم وتفعيله وتوجيهه نحو سلم التطور والحضارة . حيث سمعنا كثيرا عن كلمة الأعمار حتى أهتزت طبلات آذاننا مئات المرات من سماع هذه الكلمة....! , ولاأدري من هو الكادر الذي سيعمر أن كان أكثر من نصف العقول العراقية مشتتة في بقاع العالم ولم يستدعها ويسأل عنها أحد !؟ . وهكذا تمضي السنون ولم أسمع من المحيط الذي أنا فيه بأن الدولة قد أستدعت أحدا من حملة الشهادات العليا أو ذوي الكفاءات والخبرات الفنية أو سألت عن أحد أو أستأنست برأي أحد , أو عملت جردا أو دراسة أو بحثا عن هؤلاء المنسيين في غياهب الزمن ! . وكأنما الكفاءة في واد ومصلحة البلد في واد آخر! . وهذا أمر أثار عندي التساؤل والأستغراب!, ولم أقدر أن أعثر على تبرير لذلك !. نعم لقد سمعنا بأن بعض الأفراد المتواجدين في جاليتنا من العراقيين قد أستدعوا الى الوطن وهبوا مسرعين اليه وذلك في الأيام الأولى من التغيير, ولكن لم يكن هؤلاء من ذوي الكفاءات العلمية !. أنما كانوا كوادر حزبية!.... , أي أفرادا ينتمون الى الأحزاب.... . وكأن الأعمار الذي نتحدث عنه ونسمع به في كل زمان ومكان , هو أعمار مؤسسات الأحزاب ودوائرها !, وليس أعمار البلد ومؤسساته المدنية وقواعد نشوئه وصيرورته ! . أنا لا أستخف بالأحزاب ومنتسبيها أو أقلل من شأنهم وأهميتهم- معاذالله- , فهم أناس ناضلوا وجاهدوا , ربما كما ناضل وجاهد ذوو الكفاءات . ولكنني أستخف بالذي تسوّل له نفسه أن يستحوذ على الأماكن الفنيّة بصفة الحزبية . أي يجعل الحزب فوق الكفاءة , معللا ذلك بأن هؤلاء الحزبيين قد ناضلوا بحياتهم ويستحقون المركز والرتبة وأن كانوا غير أختصاصيين في عملهم . أن ردّي على المتقولين بهذا المنطق هو أن أسأل : هل المناضل حينما ناضل كان يناضل من أجل المركز أم من أجل مصلحة الوطن ؟ . فأن كان الجواب هو من أجل مصلحة الوطن , فأنا أقول بأن مصلحة الوطن تقتضي ترك المكان المناسب للرجل المناسب . وأن من يريد مصلحة الوطن وأعلاء شأنه ومقامه وتطوره وتقدمه وقد ناضل من أجل ذلك , فعليه أن يستمر في نضاله ويكمل المشوار الذي بدأه ويترك مصالحه الشخصية وينكر ذاته ويسلم المكان لأصحابه الفنيين ,الذين سوف يجيدون فيه ويجتهدون في أدارته على أحسن حال . وهذا أمر منطقي لا يتحمل الشك أوالتشكيك . وأما أذا كان الجواب , هو أن نضال المناضلين كان من أجل المركز والمكانة والأمارة حتى ولو على حجارة ! , فأن جوابي لهم أن لا خير فيكم ولا في نضالكم خذوا نضالكم معكم وعودوا من حيث كنتم قادمين... فبلدنا ليس بحاجة الى هكذا مناضلين...! .
أن من يشاهد المنظر التزاحمي على الأماكن والمراكز والرتب في هذا البلد الجريح , يبدو له وكأنما يرى لعبة سباق الخيل . فكل واحد يطمح أن يكون هو الأول وحسب سرعة وقوة الحصان الذي يمتطيه!. أن هذا التسابق الجسدي وليس الفكري سوف لاينفع مستقبل العراق ومصالحه الستراتيجية . وأن نجاح المشاريع البنائية بكل أصنافها رهن بقوة وكفاءة وخبرة قادة تلك المشاريع الفنيين وليس الحزبيين . وأن تمادينا وتماهلنا وغضضنا البصر عن هذه الحقيقة الدامغة , فأن هذا سيؤدي الى نتائج مأساوية خطيرة على مستقبل هذا البلد وأسس حضارته وتطوره . أن نتائج سياسة الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب قد تبينت على الساحة . فالتدهور المضطرد في شؤون البلد والدولة ومن كافة الأوجه والأصعدة , ما هو ألاّ نتيجة من نتائج الخلل السياسي العراقي والذي حوى في أجندته ,وبشكل مباشر أو غير مباشر,أبعاد القادة الفنيين عن أماكنهم ومراكزهم التي يجب أن يتسنموها . أن المتابع للأحداث على الساحة السياسية العراقية , قد رأى ومنذ بداية التغيير أعتلاء بعض الأشخاص والشخصيات, الذين يقولون عنها سياسية والتي لم نسمع بها من قبل, مراكز هامة وخطيرة في سلم الدولة . حيث لم يكن لهؤلاء معرفة أو أختصاص أو حتى المام بسيط في الحقائب الرسمية التي أستلموها والتي وصلت الى درجة الوزارات ! . ولكن مالذي حصل نتيجة لهذه التصرفات وتقاسم المراكز والمحاصصات التي لم تكن على أساس الكفاءة والقدرة !؟ . الذي حصل , وكما يعلم الجميع, هو أخلال وأختلال في شؤون البلد ومصالحه العامة وأختلاس في أموال الدولة وضياعها وبعثرة المشاريع التي خصصت من أجلها تلك الأموال , وأنقلب هؤلاء الحزبيين المناضلين النشامى الى لصوص ومختلسين تستدعيهم المحاكم العراقية وتبحث عنهم وتلاحقهم !!. وهكذا تتعطل عجلة التقدم في البلد وتتوقف عن الحركة , لا بل وقد ترجع الى الوراء أن أعتمدنا عناوين غير عناوين مصلحة الوطن وأعتبارات غير أعتبارات الكفاءة والخبرة ومبدأ غير مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب .
أن دفاعي عن القادة الفنيين ليس تمجيدا لهم أو تزلفا اليهم ولا إستجداءا لكراسي السلطة والحكم لهم . أن سعادة الأكاديمي في كل بقاع العالم , تتركز في كتبه وأبحاثه وجامعته وطلابه . فهو لا يبحث ولا يلهث ولا يركض وراء السلطة أو المادة أوالمركز بشكل عام . أن هذه السيرة ليست سيرته وهذا اللباس ليس لباسه . وأن أسندت اليه أدارة مركز أو تسنم مسؤولية إدارية , فإنه سيتفاعل معها من منطلق الواجب المفروض والمصلحة العامة وليس من منطلق الرغبة الشخصية أو الطموح الذاتي . وسيكون ذلك تكليفا له وليس تفضلا عليه وأخذا منه وليس عطاءا له ! .
عسى أن يكون ندائي هذا مسموعا من قبل ذوي الشأن ومالكي القرار , خصوصا وهم في الطريق لتشكيل حكومة جديدة وفعّالة.... ! , وما على الرسول الاّ البلاغ والله من وراء القصد ومن الله التوفيق .