- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. تيسير الناشف
- الزيارات: 4
إعمال حقوق الإنسان وانطلاق النفس البشرية
والنهضة الحضارية
د. تيسير الناشف
شعوب كثيرة على وجه الأرض، وعلى وجه الخصوص الشعوب النامية، ضعيفة. وأحد الأسئلة المطروحة هو كيف تكتسب تلك الشعوب القوة التي تمكنها من حماية نفسها ومن السير على طريق التقدم الثقافي والحضاري المشرف واستيعاب المنجزات العلمية الحديثة ومن تأكيد ذاتها ومن تحقيق الرفاهة الاقتصادية؟ الطريق الذي من شأنه أن يسهم في تحقيق هذه الأهداف هو إعمال حقوق الإنسان.
للإنسان الحق الطبيعي في الابتكار والإنشاء والإبداع، بما في ذلك الإبداع الفني الذي يشير إليه وإلى فرديته وتفرده. وكما أن من حق الرجل أن يبدع فمن حق المرأة أن تبدع. وكما أن من حق الرجل أن يعمل فمن حق المرأة أن تعمل. وكما أن من حق الرجل أن يكون جسده ونفسه معافيين وسليمين فمن حقها أن يكون جسدها ونفسها معافيين وسليمين. حق المرء والمرأة في الإبداع جزء لا يتجزأ من حقهما في الحياة وفي تحقيق ذواتيهما.
وبما أن الفن من موسيقى وغناء وشعر ورسم ونحت تعبير عن الإبداع فإنه حق طبيعي من حقوق الإنسان وبما أن عدداً من الفنون لا يتجسد إلا بالكتابة فإن الكتابة حق من حقوق الإنسان. ومن حقوق الإنسان الحق في تطوير العلم الذي يكتشفه والحق في البحث عن النفس والذات والموضوع لمعرفة ما حوله من الأشياء والموجودات.
وبما أن الحياة معطاة من الله الخالق فمن الحقوق الطبيعية حق الإنسان في الحياة وفي موطن أو موئل أو أرض يقيم عليها ويلوذ بها وتتكشف ذاته فيها وتتجلى عبقريته عليها. والشعوب، بما في ذلك طبعاً الشعب الفلسطيني، ينبغي ألا تكون مستثناة من هذا الحق. وبما أن الحياة والمحافظة عليها حقان طبيعيان فإن حرية التعبير عن الذات والفكر النابعين من الحياة حق طبيعي، إذ بذلك التعبير يمكن للإنسان أن يحمي حقه الطبيعي في الحياة وفي المحافظة عليها. وبما أن امتلاك الأرض الموطن حق طبيعي فالمحافظة عليها واستقلالها من الحقوق الطبيعية أيضا.
والاعتقاد تجلٍّ لإنسان الحي، تجلٍّ لحياة الإنسان. فهو أيضاً حق طبيعي. وإعمال العقل وإطلاق الخيال أيضاً حقان من حقوق الإنسان الطبيعية. فالله لم يخلق العقل ليكون معطلاً عن العمل ولم يخلق الخيال ليقيده البشر.
وأي حق متفرع عن الحقوق الطبيعية حق طبيعي. وفي نظر الله الخالق العادل يتساوى البشر. وبالنظر إلى تساوي البشر فإقامة العدالة حق طبيعي من حقوق الإنسان.
وإذا أُخِذ بمقهوم من المفاهيم في مجال معين أمكن الأخذ بذلك المفهوم في مجالات أخرى. تحرير الوطن هو من المفاهيم المقبولة والشائعة في الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وذلك المفهوم صحيح. وقياساً عليه من الصحيح الدعوة إلى تحربر النفس من أدرانها ومن الخطيئة، وتحرير الإنسان من العبودية وتحرير المرأة من الجور وتحرير العقل من الأوهام والخزعبلات والترهات والأباطيل، وتحرير الشعب من الاستغلال وتحرير الحس من الغشاوة عليه، وتحرير العاطفة من الكبت والقمع، وتحرير الفقراء من الجوع، وتحرير المحتاجين من الحاجة، والخائفين من الخوف، وتحرير الإنسان من قيود نفسه، وتحرير حرية الرأي والنظرة، وحرية اكتشاف المجهول وحرية الغوص فيه.
ومن السليم أن يكف المستغِلّ عن استغلال المستغَلّ. هذه الفكرة مقبولة وشائعة عموماً. وبناءً وقياساً على ذلك يتوجب على القاهر أن يكف عن قهر المقهور وكف المقيِّد عن تقييد الفكر. ولا يمكن تحقيق التغيير الجوهري الحقيقي المنشود في حياتنا دون تحرير العقل والنفس. ومما من شأنه أن يسهم إسهاماً كبيراً في تحرير العقل والنفس التنشئة على ممارسة الحرية الفكرية والتفكير المستقل وغرس القيم العربية والإنسانية التي لا يختلف اثنان على رفعتها ونبلها وطيبتها.
هذه الطريقة في القياس تنطبق على كثير من المفاهيم. وصفة الانطباق هذه هي اللُّحمة التي توحد الفكر البشري وهي تجلٍّ للروح البشرية. فالأوطان والشعوب والنفس والبشر – كل هذه المخلوقات تنتظمها فكرة واحدة، هي فكرة تحررها وتحريرها. إنها تتحد في لزوم التحرير وفي أنها لا تحتمل التقييد. والظلم والاستغلال والقهر والتقييد تنتظمها فكرة واحدة، فكرة لزوم الكف عن ممارستها. والفكرتان كلتاهما، فكرة التحرير وفكرة الكف عن التقييد، تنتظمهما فكرة أعلى وأسمى وأشمل، فكرة انطلاق النفس البشرية بطبيعتها. والحياة والرأي والتعبير والاعتقاد وغيرها من المفاهيم التي تنتمي إلى حظيرتها تنتظمها فكرة واحدة، فكرة جدارتها بالتمتع بالحرية.
ومن هنا لا يصح تقييد هذه الحرية إلا بمقدار ما في تقييدها من أثر في منع نشوء الفوضى الاجتماعية وفي المحافظة على الصالح العام وفي مراعاة القيم العامة العليا التي يجمع أفراد المجتمع عليها (ومن الصعب في الواقع أن يحدد الصالح العام والقيم العامة والاجماع تحديدا دقيقا).
ومن هنا أيضاً تتنافى مصادرة الرأي واستبعاد الآخر ونفيه وقمعه وحرمان الآخرين من حياتهم ومن أسباب رزقهم والتسلط والإملاء مع الحرية ومع الطبيعة أيضاً.
وعن طريق ممارسة الحرية الفكرية يلج الإنسان في عوالم جديدة كانت مغلقة في وحهه قبل هذه الممارسة. عن طريق ممارسة هذه الحرية يتم اقتحام حصون كان الفكر المقيَّد يخاف من اقتحامها، بل يخاف من التفكير في اقتحامها. ومن شأن هذا الاقتحام أن يزيد معرفتنا بالعلة والمعلول في المجال الاجتماعي وبطبيعة العلاقات المتبادلة بين المصالح الثقافية والاقتصادية وبطبيعة الأدوار التي تؤديها الأطراف النشيطة في لعبة أو مسرحية الحياة والاعتبارات المكشوفة والخفية للأطراف المؤدية لأدوارها وبالأسباب الحقيقية الكامنة وراء تخلفنا النسبي في مجالات كثيرة.
باقتحام هذه الحصون التي قد تكون مرعبة نكون قد أسهمنا في اقتحام الحصون المرعبة الكائنة في نفوسنا، ونكون قد أسهمنا في التوغل في التعرف على خبايا نفوسنا، ونكون قد طرحنا الأسئلة التي لم نجرؤ على طرحها وحاولنا بشجاعة أن نجيب عن هذه الأسئلة، ونكون قد أسهمنا في إزاحة الستار عن مكنونات نفوسنا، تلك المكنونات التي خشينا من الإقرار بوجودها ومن الاعتراف بقصدنا نسيانها حتى لا نجهد أنفسنا بمعرفة طبيعتها.
بمواجهة الحقيقة باقتحام هذه الحصون نكون قد انتصرنا على الخوف من مواجهة ذواتنا ومن مواجهة حقيقة ذواتنا، ونكون قد اكتشفنا نفوسنا وعرفناها، ونكون قد أسعفنا نفوسنا من الحمل الثقيل المؤذي الذي تحمله وتنوء بحمله، حمل التهرب من مواجهة ومعرفة الحقيقة العارية، حمل التلفيق والتبرير والتسويغ والمراءاة والكذب، حمل تزاحم شخصيتين داخل نفس الإنسان، حمل التحسر على إضاعة الفرص السانحة في الحياة، حمل التبرم الخفي بالقيود المفروضة المناوئة للطبيعة البشرية.
باقتحام هذه الحصون نكون قد عرفنا مواطن الضعف فينا، ونكون قد عرفنا سبب أشياء كثيرة: لماذا يفشي قائد عسكري أسراراً عسكرية خطيرة وهو يرتمي في أحضان فتاة من بائعات الهوى؟ لماذا لا يؤبه بالرأي العربي في الأوساط الدولية؟ لماذا اصبحنا مستضعفين؟
لقد وضعت في العقود الأخيرة أعمال أدبية عربية ترقى، في اعتقادي، بمستواها البنيوي والمضموني والأسلوبي والجمالي إلى ذروة الأدب العالمي. ولا تتداول أو تذكر وسائل الاتصال العالمية قسماً كبيراً من هذه الأعمال. عدم التنويه بهذه الأعمال يعزى إلى أسباب منها تقصير هيئات الاتصال العربية في تعريف العالم بالأدب العربي وأيضا إلى ضعف المركز العربي على الساحة العالمية.
لقد فقدنا قدراً كبيراً من التوازن النفسي. تدفع قوى ثقافية واقتصادية وسياسية نفوسنا باتجاه واحد، ناسية أو مهملة اتجاهات اخرى، وبذلك فقد قدر كبير من التوازن في بنيتنا النفسية. تطغى في بنية نفوسنا مداميك التكيف مع القهر الاجتماعي والاقتصادي ومع الفاقة الاقتصادية ومداميك القبول والانقياد، ومداميك رد الفعل والتبرم ومداميك التعاسة والشقاء. وكادت تختفي أو ضعفت في نفوسنا مداميك تأكيد الذات والحس بضرورة التمتع بالحرية والتساؤل والمبادرة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. تيسير الناشف
- الزيارات: 7
مشروع حضاري لتحقيق النهضة العربية:
بعض الطرق لتسهيل تحقيقه
د. تيسير الناشف
الأمم المتحدة
عُقدت ندوات في الوطن العربي تناولت وضع مشروع حضاري لتحقيق نهضة عربية. والنهضة العربية في المجالات كلها - الاقتصادية والثقافية والحضارية والسياسية والعلمية - أمنية العرب منذ سنين كثيرة.
ووضع مشروع حضاري لتحقيق نهضة عربية موضوع هام جداً بالنسبة إلى الأمة العربية بسبب توقف حاضرنا ومستقبلنا ومصيرنا على تحقيق النهضة. ولأهمية الموضوع هذه يجب تناوله بالتروي والحرص البالغ والحذر الشديد. حتى تكون النتيجة - أية نتيجة - سليمة يجب أن تكون البداية صحيحة. توجد تعريفات مختلفة لمختلف المفاهيم. ومن هذا المنطلق يتعين علينا أن نحدد لأنفسنا مفاهيم "الحضارة" و"النهضة" و"العربية" و"الثقافة". ينبغي لنا أن نحدد ما نقصد بهذه المفاهيم وأن نحدد العلاقة بين الحضارة والثقافة وبين النهضة والإحياء والتقدم والتجديد. وينبغي أن نقوم بهذه التحديدات وفقاً لمصالحنا، وأن نحدد مصالحنا على المدى القريب والبعيد، وأن تجرى دراسات جادة عن معايير تحديد المصالح.
ومن شأن هذا التحديد أن يسهل وضع مشروع تحقيق هذه النهضة. وبالنظر إلى تعدد الشعوب والدول العربية وإلى وجوه اختلاف الثقافة العربية - فضلاً طبعاً عن وجوه تشابهها - واختلاف التطورات التاريخية - فضلاً عن حدوث تطورات تاريخية متشابهة - مما من شأنه أيضا أن يسهل وضع هذا المشروع هو أن يكون أساسه الفكري القيمي واسعاً حتى لا يضيق عن أن يتضمن التيارات الفكرية العربية المستلهمة للمصلحة العربية، وأن يكون شاملاً حتى يشمل تلك التيارات، وألا يكون منغلقاً، لكن أن يكون منفتحاً على تلك التيارات، وألا يكون الأساس اقتصارياً ولكن شاملاً ومستوعباً ومراعياً، وألا يكون مقيِّداً ولكن أن يكون منطلقاً، وأن تتسم أسس ذلك المشروع بالتبادل والتحاور على المستوى الفكري في كل المجالات.
ولتسهيل وضع ذلك المشروع من اللازم أن يتحلى أصحاب التيارات الفكرية الأيديولوجية القائمة على الساحة العربية بقدر كبير من المرونة الفكرية والواقعية الفكرية ليتسنى للمجموع العربي التوصل الى اتفاق على أساس فكري ومصلحي مشترك. ويمكن لهذه المرونة الفكرية أن تكون لها تجلياتها، ومن هذه التجليات ألا يعتقد أصحاب تيار فكري واحد أن تيارهم يتضمن كل الحقيقة والصواب وأن التيارات الأخرى تفتقر افتقاراً تاماً إلى الصواب. ومن هذه التجليات أيضاً أن يفترض أصحاب كل تيار احتمال خطأ بعض من تفكيرهم وأن يتركوا هامشاً لاحتمال صحة بعض من تفكير أصحاب تيارات أخرى.
ومما من شأنه أن يسهل وضع ذلك المشروع على أسس فكرية وعقائدية متينة هو الميل، في تناول وضع هذا المشروع، إلى قبول عبارات الشمول والمراعاة وإلى رفض عبارات الاقتصار. بهذا المعنى ينبغي جعل عبارات من قبيل الانفتاح والانطلاق والمراعاة والتضمين والإدخال والاشتراك والاتفاق وتوافق الآراء من أسس محاولة وضع ذلك المشروع، وينبغي عدم جعل عبارات من قبيل الاستبعاد والاقتصار والطرد والنبذ والضيق والانغلاق والانكفاء والقسر والإكراه والإملاء من أسس هذه المحاولة. المشروع الحضاري القائم على أساس مفاهيم العبارات الأخيرة مشروع مبتور ومآله الفشل.
ولتسهيل إنجاز وضع المشروع الحضاري من اللازم الإتيان بصيغ فكرية تبين عدم التعارض بين مفاهيم قد تبدو متعارضة، ومن اللازم أن يكون التوجه العملي أحد توجهاته. فبالإضافة إلى المناقشات المفيدة التي أجريت وينبغي أن تجرى حول وضع هذا المشروع من اللازم اتخاذ خطوات عملية في هذا الإتجاه. ومما ينبغي دراسته في إطار وضع هذا المشروع هو العلاقة بين العقل والفكر والعلم والدين والدولة والمجتمع، والعلاقة بين التراث والإحياء والنهضة. وينبغي تناول التعاريف المختلفة لهذه المفاهيم والإتيان بصيغة قبول لتعريف كل من هذه المفاهيم.
وللحضارة تعريفات، كما أن للنهضة تعاريف. من اللازم أن يكون أحد أهداف المناقشات التوصل إلى صيغة اتفاق تتعلق بالتعريف الذي نختاره للحضارة والنهضة اللتين ننشدهما.
وينبغي أيضا أن يكون تناول تحقيق المشروع الحضاري شاملاً متوازناً من الناحية الجغرافية. ينبغي أن يشمل التناول كل أنحاء الوطن العربي وألا يجري تناول هذا المشروع على نحو ينم عن إيلاء اهتمام أكبر لجزء من هذا الوطن وإيلاء اهتمام أقل لجزء آخر منه. ومن اللازم أن نعبأ بتجارب جميع أجزاء هذا الوطن في محاولات تحقيق النهضة والحداثة والتقدم وفي محاولات التصدي للعوامل المؤخرة أو المبطئة أو المانعة لتحقيق مزيد من التقدم من قبيل الفقر والأمية والمرض وضعف الطبقة الوسطى.
ولدى مناقشة العوامل المسهلة أو المعرقلة لوضع المشروع الحضاري من اللازم مراعاة تعدد العوامل في نشوء الظواهر المؤاتية لوضع هذا المشروع أو العوامل المعرقلة لهذا الوضع ومراعاة التشابك بين العوامل الداخلية والخارجية.
ولتحقيق وضع المشروع الحضاري ينبغي إقرار الحرية في ممارسة النقد الذاتي والإقرار بأهمية ممارسة هذا النقد في التعرف على العوامل الحقيقية في النهوض بهذا المشروع أو في عرقلته.
وينبغي للمتناولين لوضع هذا المشروع أن يعوا تاريخية الفكر وتاريخية الظروف الاقتصادية والثقافية والسياسية وأن ينطلقوا لدى محاولة وضع هذا المشروع من منطلق هذه التاريخية. فإذا فعلوا ذلك قد يتضح لهم أن طراز النهضة في الغرب لن يماثل تماماً طراز النهضة الذي قد ينشأ في أية منطقة أخرى من العالم. وبالتالي، لا يمكن لطراز النهضة الغربي أن يكون مناسباً تماماً لحالة الوطن العربي. طراز النهضة في الوطن العربي ليس من شأنه أن يكون نسخة طبق الأصل عن طراز النهضة الغربي. وحتى تكون محاولة النهضة ناجحة في بلد من البلدان لا يجوز ولا يمكن فرض طرازها عليه، والنهضة الاوروبية لا يمكن استنساخها او استنباتها في أي مكان آخر.
وبغية النجاح في محاولات وضع المشروع النهضوي من اللازم الابتعاد عن النزعة الرومانسية في تناول هذا المشروع. ومن الصفات المرافقة للرومانسية عدم إقامة الخطوات المتخذة على أساس علمي وواقعي مدروس والارتجال والاستخفاف بصعوبة المهمة التي يتعين إنجازها. فوضع هذا المشروع وتحقيق النهضة والتقدم يتطلبان اتخاذ نهج أشد جدية من الموقف الرومانسي أو الحالم الذي كلف اتخاذه العرب وما يزال يكلفهم غالياً من ناحية الوقت المنفق والأموال المنفقة وخيبة الأمل والحس بالمرارة.
ومن السليم أن ندرس، ونحن نناقش المشروع النهضوي العربي، المشاريع الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الموضوعة في العالم وأن ندرس الآثار المترتبة على هذه المشاريع في مشروعنا النهضوي.
وبالنظر الى أن من الأسهل التوصل إلى اتفاق على الطروح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأكثر تجرداً فمن الأكثر واقعية وإفادة عند مناقشة المشروع النهضوي البدء بمناقشة الجوانب النظرية والمجردة لذلك المشروع، مع إرجاء مناقشة الجوانب الأكثر واقعية وتحديداً إلى مراحل لاحقة. ومما له صلة بالطرح المجرد هو الطرح الشامل. وكلما كان الطرح أكثر تجرداً كان أكثر شمولاً. ومما من شأنه أن يسهل وضع المشروع الحضاري الاتفاق على المفهوم الشامل، إذ بالاتفاق على مثل هذا المفهوم يمكن التفرع عنه إلى أفكار أكثر تفصيلاً وتحديداً، ويكون هو بمثابة المفهوم المرشد الذي يفكر المفكرون على هديه.
ولا مناص من أن ينطوي تناول المشروع الحضاري على تحليل وتفكيك المفاهيم ذات الصلة بالمشروع الحضاري، ومن هذه المفاهيم دينامية الإبداع الفكري والتفكيك في المجال الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والديمقراطية.
ولتسهيل وضع المشروع الحضاري ينبغي أن يكون لدينا وعي بتراثنا العظيم الذي يتضمن العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية والفنون والفلسفة. فذلك الوعي من شأنه أن يمدنا بالثقة القوية بامتلاكنا القدرة على إنجاز ذلك المشروع وعلى إضافة مداميك حضارية إلى الصرح الحضاري الذي أسهمنا نحن العرب في تشييده إسهاماً كبيراً.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد الخميسي
- الزيارات: 7
أحداث باريس وكلمات ألبير كامي
أحمد الخميسي
" أحداث العنف " هو التعبير الذي يخفي بذكاء جوهر أي تمرد اجتماعي أو وطني أو سياسي ، وبعبارة أخرى فإنه التعبير الذي يستبعد من كل حادثة طرفي الصراع ، وقضيته ، بحيث تبدو أحداث العنف تلك كالأمطار التي تنهمر بلا تاريخ ولا مغزى . هكذا توصف أحداث فرنسا التي شمل غضب الفقراء فيها كل أنحاء العاصمة وثلاثمائة بلدة أخرى لمدة أسبوعين حتى الآن ، وشاركت فيها أكثر من عشرين جالية . وقد بدأ الأمر بمقتل شابين يوم 27 أكتوبر في ضاحية " كليشي سوبوا " على يد الشرطة الفرنسية ، أو بسبب مطاردة الشرطة لهما . أحدهما من أصل تونسي ، والآخر من مالي ، وينتميان لجيل ثالث من المهاجرين . وأججت تلك الحادثة الصغيرة غضب وثورة الآلاف في الضواحي البائسة التي حرم سكانها من الخدمات وفرص العمل والتأمينات الاجتماعية والتعليم ، وانتشرت بينهم المخدرات والجرائم والبطالة ، علاوة على شعورهم المتصل بالتمييز العنصري . ولهذا صرح " جون لوي بورلو " وزير التضامن الاجتماعي بأن على فرنسا أن تعترف بأنها : " أخفقت منذ عقود في التعامل مع الغضب المتزايد في الضواحي الفقيرة " . وتقول باربرا شولتز الصحفية الفرنسية إن : " البطالة الدائمة هي التي خلقت بين المهاجرين : " التطرف الديني والعنف وتشكيل العصابات والتشرد والإدمان على المخدرات ". ويشكل المهاجرون الذين فجروا الأحداث ثمانية بالمئة من تعداد السكان في فرنسا ، لكنهم لا يتمتعون لا بالمواطنة ، ولا بالحق في التصويت ، كما يعانون من أعلى معدلات للبطالة . ولا يمكن لفرنسا أن تدعي أن أولئك المهاجرين عبء عليها ، لأن فرنسا تعيش في واقع الأمر بفضل قيام أولئك المهاجرين بكل الأعمال القذرة مقابل أجور بخسة . وتأتي هذه الهبة لتعري حقيقة الأوضاع الاقتصادية في فرنسا – ثالث أكبر اقتصاديات أوروبا - حيث يعاني من البطالة نحو ثلاثة مليون شخص ، وحيث سحبت الدولة كل الموارد المخصصة لبرامج التأمينات الاجتماعية ، إلي أن زادت معدلات الفقر والتضخم ، وأصبح العجز المالي يعادل نحو 4 % من الناتج المحلي الإجمالي متجاوزا السقف الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي للعجز ، وتراجعت الصادرات ، دون نمو حقيقي في الإنتاج . ومن الطبيعي في ظل هذه الظروف أن تشير الإحصائيات الفرنسية إلي وجود 751 منطقة فقيرة يسكنها خمسة ملايين شخص في فرنسا . والمسألة إذن ليست " أحداث عنف " ، لكنها أقرب إلي انتفاضة ، يهدد وزير الداخلية الفرنسية خلالها بفرض حالة الطوارئ ، والاستعانة بقوات من الجيش ، وهي انتفاضة سقط فيها الضحايا والقتلى من الجانبين ، ولم تعرف فرنسا مثيلا لها منذ نصف قرن ، كما أن آثارها وعواقبها مستقبلا مازالت غير محسوبة . إلا أن ما تطرحه هذه الانتفاضة،
أو حسب التعبير المفضل " أحداث العنف " هو العلاقة بين الديمقراطية الغربية ، والقضية الاجتماعية . فقد عرفت فرنسا البرلمان عام 1789 ، أي منذ أكثر من مائتي عام ، وكان في البداية يسمى " مجلس الطبقات " ثم " الجمعية الوطنية " ، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن فرنسا بجلال قدرها تعاني من أزمة ديمقراطية ، ومع ذلك فإن أحداث العنف تبين أن عزل الديمقراطية عن القضية الاجتماعية لا ينتهي إلا بذلك الفشل الذريع الذي أوشك أن يحول باريس من عاصمة للنور إلي عاصمة للنار . لا البرلمان العريق ، ولا الأعداد الضخمة من الصحف ، ولا جمعيات حقوق الإنسان والحيوان ، ولا الأحزاب المتعددة ، ولا حرية التعبير ، استطاعت أن تنفي أن الأزمة هي أزمة العدالة ، وأن الديمقراطية إذا لم تكن سبيلا ووسيلة إلي العدالة تصبح مجرد ديكور تتزين به الجماعات السياسية ، ويتزين بها المجتمع لكي يخفي طرفي الصراع ، وقضيته .
ذات يوم كتب الأديب الفرنسي المعروف ألبير كامي يقول : " إذا فشل الإنسان في التوفيق بين العدالة والحرية فسوف يفشل في كل شيء ". وقد فشلت باريس مدينة النور ، والثقافة ، والموسيقى ، والديمقراطية ، والبرلمان ، والصحف ، في الجمع بين العدالة والحرية ، فلم تحصد سوى ذلك التمرد .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عماد رجب
- الزيارات: 4
حرب النهود والارداف
عماد رجب
فى احدى محاضراته يقول أحد دعاة العلمانية أن الخطر لا يتأتى من وعدد الآلاف من المنضمين إلى التيارات الدينية وإنما يتأتى من قدرة فكر هذا التيار وتأثيره على الشعوب التى بعد عنها حكامها نتيجة سوء تطبيق نماذجنا لأن هذا التيار ينجح فى التسلل إليه والتأثير عليه ففى مصلحته يعمل لذا يمكن أن يحسم الصراع بكل سهولة وهو خطر علينا ويجب علينا أن نقنع الدول باستخدام أسلوب جديد فى التعامل معه فيجب أن تكون المواجهة بخطوط دفاعية وتشويه إعلامى وقد تكون بالصمت الإعلامى وقد تكون بتطبيق قوانين أو تعديل أخرى إلى غير ذلك من الخيارات التى نراها صالحة كالتلاعب بالقوانين لتخدم مصلحتنا وإذا أردنا أن نحلل تلك المقوله يجب أن نتطرق لبعض كلماتها التى توحى لنا بمعان كثيرة من كلماتها.. أن الخطروالتسلل .. هاتان الكلمتان لهما مغزاهما فالفكر العلمانى لا يعترف بالتيارات الإسلامية حيث ينعتها بصفات اللصوصية والإجرام وهو بذلك يحرض الحكومات عليه ويرى أن ملاحقتها الأمنية والإعتقالات الغير مسببة قد تكون سبباً لتحقيق أهدافه القذرة ودعاة العلمانية يعترفون بقدرة هذا التيار على جذب الآلاف المؤيدون الجدد كما يستطيع أن يتفاعل مع الجمهور بفضل تنظيمة وأعتقد أن هذا العيب ليس فيهم بل فى معارضيهم حيث أنه وبرغم كل تلك الملاحفات الأمنية والإجراءات القمعية يستطيع أن يصل إلى الجمهور ويستطيع أن يجذب اليه آلاف المؤيدين وهو فى حد ذاته اعتراف ضمني بقوتهم وعقلانية فكرتهم وأكبر الأدلة على ذلك نجاحاتهم المتواصلة فى النقابات المهنية التى يفترض بهم أنهم صفوة مجتمعاتهم مثل نقابات المحامين والأطباء والمهندسين ولا أعلم كيف يدعو إلى الشرعية والديمقراطية فى الوقت الذى يشجع ويدعو إلى التلاعب بالقوانين وتشكيلها حسب هواه لا حسب احتياجات المجتمع وهو بذلك يقوم بدور المقوم للمجتمع وحده فلا عاقل إلا هو لذا هو يطلب دوماً بإلغاء مادة التربية الدينية ويعتبر أنها البذرة الرئيسية للفكر الإسلامى ويطالب أيضاً بتقليص الفترات المخصصة للبرامج الدينية فى الإعلام وإلغاء التعليم الدينى وتفريغ محتوى المناهج والبرامج من محتواها حتى تصبح هشة وفى نفس الوقت إتاحة الباب أمام فنون خاصة تعمل على تهييج الغرائز الجنسية لدى المواطنين من خلال فرض نماذج مبتذله من الفنون التى تعتمد على النهود والأرداف فيصبح المجتمع فى متابعة دائمة لحرب النهود والأرداف بين الساقطات من المطربين والمطربات والأدباء وكذا أيضاً الذهاب إلى أبعد من ذلك إلى خصخصة ملحقات المساجد من دور للمناسبات وعيادات ومراكز خدمات أقيمت فى الأساس من هبات وصدقات أهالى الحى كى تكون متنفساً لهم ودورها فى تأصيل مبدأ التكافل الإجتماعى بين أفراد المجتمع فالفقير يستطيع أن يعالج بربع ما يمكن أن يدفعه فى المستشفيات الخاصة ومن خلال خصخصة دور المناسبات يمكن أن نرى عن قريب راقصات بها ولا أحد يستطيع منعها فالمكان مباع وهو فى الأصل جزء لا يتجزأ من المسجد وبهذه الطريقة يعود المال إلى الحكومات وتصل الأيدى الخبيثة إلى أهدافها التى ترجوها وهم أيضاً يرون أن السماح لفكرة الإسلام الليبرالى أمريكى الصنع بالنمو هو أحد الدعائم التى تقوى شوكتهم وتشكل المجتمعات حسب هواهم واكبر دليل على ذلك وقوفهم ومساندتهم للسيدة أمينة داود ففكرتها بنيت أصلاً على الضرب على بعض القضايا التى فيها إثارة لنعرات طائفية أو مذهبية وهى بذلك تطبق كلمات تيودور هيرتزل بالنص والتى يقول فيها إلحاق بعض العناصر منا فى كل حزب أو جماعة لتخريبة من الداخل ومن خلال قطع الصلات بين المسلمين وقياداتهم الدينية عن طريق الإبعاد تارة والإعتقال تارة أخرى وتغييب العلماء الذين يستطيعون أن يصلوا إلى الناس ببعض الأفكار الغريبة عنهم ولعل الهالة الإعلامية التى صحبت السيدة أمينة أكبر دليل على صدق كلامى وانزواء بعض الكتاب العلمانيين للدفاع عنها أكبر الأثر فى تأكيد ه تأكيدهم أيضاً على أن الحجاب فى حد ذاته لا يعنيهم وإنما يعنيهم حجاب القلب وهم دوماً يروجون لكلمات براقة مثل حجب العقل والتنوير وهم أبعد الناس عن فهم أصول هذا اللباس الشرعى والتنوير الأخلاقى ويمكنهم الترويج لحجاب العقل من خلال إظهار فتيات محجبات يتمايلون أو يرقصون فى الإعلام ولا شك أنهم سيطروا على الإعلام فأصبحنا لا نرى إلا ما يفرض علينا
- التفاصيل
- كتب بواسطة: سيد يوسف
- الزيارات: 6
غمز ولمز(1)
سيد يوسف
هم قوم يغمزون مخالفيهم بصفات توحى بسذاجتهم وإنك لترى ( معظمهم ) سخيف العقل سيء النفس تنتفخ نفسه، وتسيطر عليه آراؤه هو فيصير صريعها ومن ثم لا يمكنه أن يقبل غيرها، وتراه يفرض آراءه على الغير. ويا ويل هذا الغير من لسان هؤلاء...
لا يشعرون أن أحدا فى الحياة إلا هم وهو وحدهم...
لا يضعون أهمية لقدر الآخرين ولا للمعانى النبيلة التى يتحدثون بها.
لا يعرفون من القيم إلا ما يخدم أغراضهم...
لا يعرفون قيمة تناقل الآراء على أنها آراء ولكنهم ينظرون
لآرائهم على أنها حقائق...
لا يقنعون إلا بأنهم على صواب....دوما على صواب ..
وكيف يخطئون وآراؤهم مبنية على دراسة وتمحيص ومجهود عقلى جبار؟!!!
إنهم يظنون وقد ملكوا وسيلة نشر آرائهم أنهم يملكون التأثير فى جموع الناس بمقالة ..أدق وصف لها انها تُنسى مع الزمن.
يروحون ويجيئون على معانى واحدة ...لديهم قدرة فائقة على إغاظة غيرهم والدفع بهم لفقد أعصابهم....يجدون أنفسهم فى الجدل ،والمراء فتلك بيئتهم الخصبة التى تنتفخ فيها أوداجهم بالباطل.
وقد جهلوا قول النبى محمد ص ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)
يحسبون أنهم وحدهم فى الميدان وأن الآخرين لا يمكن
أن يؤبه بهم ..كيف؟؟!!!وهم لا يرون غير أنفسهم!!
تراهم يحقدون على الكبير ويظنونه لا يستحق مكانته فهم أولى بمكانته منه!!
(فهم رجال ونحن رجال) هكذا يحسون تجاه العظماء والكبار والأعلام الإنسانية على مر التاريخ....ولا سيما المعاصرة فالمعاصرة حجاب كما يقال...
وقد تراه يتكلم عن المعاصرين بمثل: أنا استمعت إلى فلان والحق انه يُعجبنى لكن..
ثم ينطلق من لكن هذه إلى إفراغ ما فى نفسه من .........
ينطلقون فى هوس فى نقد وغمز ولمز الذين يخالفونهم....لديهم نفخة كاذبة بأنهم وحدهم على شىء.
يدفعهم ذلك الجهل إلى
*الاستهانة بأقدار الناس والسخرية منهم باللسان والتعريض والتلميح والغمز واللمز.
*الاستماتة فى فرض آرائهم وكأنها صواب وما عداها خطأ أو جهل أو غباء لسان حالهم ( إذا اختلفنا فأنا الذكى وأنت الغبى غير الفاهم...وإذا خالفنا احد غيرنا فهو مجنون)
*الظهور بصور تعافها نفوس ذوى الفطرة السليمة...فصورتهم تبعث على القرف.
ان هؤلاء بيئتهم الخصبة هى الجدال يتماوتون فى الحفاظ عليه والإبقاء عليه *يختلقون معارك من اجل ان تظهر نفوسهم المريضة والتى يحسبون أنهم يخدمون الحق بها ..
والحق أنهم ما يخدمون إلا أعداء هذه الأمة بظهور أمثال هؤلاء بيننا وبمنطقهم المعوج.
هل ترى غفل هؤلاء عن قول الله تعالى:
(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) البقرة 9-12
وقوله تعالى:
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الكهف 103/104
فكيف الطريق للتعامل مع هؤلاء؟؟
فى تجربتى معهم هى الإهمال والتجاهل وذلك عقابهم ..وإن ذلك ليرمى همتهم ببعض التثبيط .
سوف يهيجون مرة أو مرتين لذلك التجاهل ثم ما يلبثون أن يسكنوا بلا حراك على الأقل مع متجاهليهم....ذلك أن معظمهم جبناء وإن كان سليط اللسان....فسلاطة لسانهم إنما هى من جبن نفوسهم.
إن الحماقة حين تملك على المرء نفسه لا يداويها إلا الإعراض والإهمال.
حين تستحضر ذاكرتى بعضهم أجدنى أعاف استكمال الحديث....
سؤال:
كيف نسقط هذا الكلام لنترجمه من معانى مجردة إلى نماذج مشخصة؟
فى الجزء الثانى إن أذن الرحمن توضيح وتبيان بأمثلة.
فى النهاية
أسأل الله ان يهدى لنا نفوسنا.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- الزيارات: 7
إن تعريف الحداثة ببضع كلمات ليس بالأمر السهل، فحتى رواد هذا التيار يعترفون بهلامية هذا المصطلح، بل يصرون على أنها ليست مصطلحا أصلا، وأن تعدد تياراتها وتنوع مشاربها يجعل من تحديدها بتعريف واحد ضربا من المستحيل. إلا أنهم يجمعون مع ذلك على سمت واحد يعد القاسم المشترك لمختلف طرقهم، وهو الانقطاع عن الماضي، بأي شكل كان هذا الانقطاع.
يمكن القول بأن الحداثة قد بدأت كتيار فكري منذ بدء المنهج العقلاني عند ديكارت، ولكن دخوله عالم الأدب كان متأخرا. أما ما يهمنا في هذا المقام فهو التيار الحداثي عند الأدباء العرب، وتسليط الضوء على رائدهم أدونيس الذي بذل كل جهده للتربع على هذا العرش.
ولد أدونيس عام 1930 في قرية نصابين في سورية باسم علي أحمد سعيد إسبر، ولكنه اتخذ لنفسه اسم أدونيس (أحد أبطال الأساطير الفينيقية) خروجا على التقاليد العربية. تلقى دراسته الجامعية في قسم الفلسفة في جامعة دمشق ، وتوجه إلى بيروت عام 1956، وأسس مجلة مواقف عام 1968 التي أصبحت منبرا للكثير من المثقفين والأدباء من كافة أنحاء الوطن العربي، وفي عام 1985 غادر إلى باريس هروبا من الحرب. وفي رصيده عدد من الجوائز الأدبية الرفيعة، وأهمها: جائزة الشعر السوري اللبناني في منتدى الشعر الدولي في بيتسبرغ بالولايات المتحدة عام 1971، الجائزة الكبرى في بروكسل عام 1986، جائزة جان مارليو للآداب الأجنبية في فرنسا عام 1993، جائزة التاج الذهبي للشعر في مقدونيا عام 1997، جائزة ليريس بيا في إيطاليا عام 2000، وآخرها جائزة سلطان العويس في دولة الإمارات عام 2004، هذا بالإضافة إلى كونه أحد المرشحين البارزين لجائزة نوبل للآداب منذ سنوات، وما زال احتمال الفوز بها قائما حتى الآن.
تعد مجلة مواقف المنبر المهم الذي عبر من خلاله أدونيس عن منهجه الحداثي، ويمكن لكل من يريد فهم الحداثة العودة إلى أعداد هذه المجلة للوقوف على أفكارها، يقول أدونيس في افتتاحية العدد الأول: (هكذا تطمح مواقف إلى أن تكون استباقا. كل استباق إبداع. الإبداع هجوم : تدمير ما نرفضه وإقامة ما نريده) وكأن الحداثة في نظر الرجل تبدأ من الهدم قبل كل شيء.
أما موقف الحداثة من المقدسات، والمقصود بها رموز الإسلام بالطبع فيتضح من قوله: (إنها مناخ للمجابهة، إنها فعل المجابهة، تزول في هذا الفعل هالة القداسة. لن تكون هناك موضوعات مقدسة لا يجوز بحثها..) ففي منبر الحداثة كل شيء مباح، ليس من أجل الحقيقة، فقد تم الاتفاق منذ البداية على أن كل ما هو قديم مرفوض، من أجل الهدم.. الهدم فقط وليس البناء!
وقد تبلور هذا الاتجاه فيما بعد بشكل صارخ على صفحات هذه المجلة، وانبرى الكتاب الحداثيون لإعمال معاولهم في صرح الإسلام الذي تحول لديهم إلى تراث يجب نفض أيدينا منه، يقول في العدد السادس: (( ما نطمح إليه ونعمل له كثوريين عرب هو تأسيس عصر عربي جديد . نعرف أن تأسيس عصر جديد يفترض بادئ ذي بدء الانفصال كليا عن الماضي، نعرف كذلك أن نقطة البداية في هذا الانفصال- التأسيس هي النقد: نقد الموروث ونقد ما هو سائد شائع (...) إن ماضينا عالم من الضياع في مختلف الأشكال الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية، إنه مملكة من الوهم والغيب تتطاول وتستمر، وهي مملكة لا تمنع الإنسان العربي من أن يجد نفسه وحسب، وإنما تمنعه كذلك من أن يصنعها)).
هكذا تكون الحداثة إذن: هدم للدين ثم إزالة له.. لماذا ؟ لأنه ضياع ووهم وغيب مستمر!!
لقد كشف الرجل عن موقفه من الدين بكل صراحة، ولم يكن ذلك إلا للإسلام، فقد حظي الدين المسيحي باحترامه، بينما لم يتعرض لليهودية بأي نقد! فلماذا الإسلام فقط يا ترى؟!
في مقارنة بسيطة مع مقولة لماركس: (نقد الدين شرط لكل نقد) ، نجد أدونيس يقول في العدد السادس: (النقد الثوري للموروثات العربية شرط لكل عمل ثوري عربي)، علما بأن الموروثات العربية هي كناية للدين الإسلامي ولكن بطريقة التورية.
بقي أن نقول أن هذه المجلة قد تم افتتاحها بعد عام واحد فقط من نكسة 1967، وهي التي أراد من خلالها هذا الشاعر ضعضعة بناء الإسلام وتحميله مسئولية تخلف العرب، ليس لشيء أكثر من كونه ماضيا يجب التخلص منه. غير أن الرجل لم يتعرض آنذاك بكلمة واحدة للأساس الذي قامت عليه دولة الصهاينة قبل عام واحد، وهو الدعوى الملفقة للإرث الديني اليهودي في أرض المسلمين والمستند إلى ماض أكثر عمقا في التاريخ، فضلا عن اعتماده على تاريخ مكذوب، ولغة منقرضة، وتراث مندرس، وآثار مزعومة ما زال البحث عنها قائما تحت المسجد الأقصى دون جدوى؟ الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن جدوى حداثة رجل استعار اسمه من أساطير ما قبل الميلاد، ثم نادى جهارا بالتطبيع مع المثقفين الصهاينة مع تطبيق ذلك عمليا باجتماعه مع أحد مثقفيهم، مما تسبب في فصله من اتحاد الكتاب العرب في دمشق الذي لم يسلم أعضاؤه من تلقي شتائمه الجارحة.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أحمد دعدوش
- الزيارات: 7
لماذا لا نتعلم التسامح؟
أحمد دعدوش
التعصب صفة لصيقة بشعوبنا منذ القدم، فقد جعل ابن خلدون من العصبية عاملا رئيسا في تماسك الأمم ودوام دولتها. أما اليوم، فيتهمنا العالم أجمع بضيق الأفق وسرعة الغضب، حتى شاع بين الناس أن العربي من ذوي الدم "الحامي"، في الوقت الذي يتباهى فيه الإنجليز مثلا بأن دماءهم "باردة" في المقابل!
لسنا معنيين الآن بمناقشة هذه الآراء، ولكننا لا ننكر أيضا أن الطبع الغالب على الكثيرين منا هو سرعة الغضب وصعوبة الصفح. مع أن أجدادنا الذين حملوا راية الإسلام إلى أصقاع الأرض، كانوا أعظم الناس تسامحا ولين جانب. فما السبب يا ترى؟
لقد ترعرع معظمنا على الشعور بالذنب عند اقترافه في حق الآخرين، إذ يسعى الطفل عندما يعاني من مقاطعة والديه أو عقابهما له، إلى استجداء عطفهما والحصول على العفو الذي يخلصه من عقدة الذنب، ولكن تعنت الكثير من الأهل يجعل من الصفح أمرا بعيد المنال، ويولد لدى الطفل شعورا بضرورة طأطأة الرأس والتذلل لنيل هذا الصفح، والذي قد لا يتناسب مع حجم الذنب الذي اقترفه الطفل، مما ينمي عند الطفل الرغبة في الانتقام في المستقبل.
إن هذا الشعور السلبي قد يتضاعف عندما يصغر الذنب في عين الطفل أمام تعنت والديه غير المبرر، إذ لا بد وأن يُفسر بالنسبة له على أنه مجرد رغبة في التسلط وفرض الهيمنة على كيانه الصغير، ومن قبل أشخاص كبار لا يؤثر عليهم ذنبه بالكثير من الأضرار. فهناك فرق كبير بين من نطلب منه الصفح لمجرد طيب أخلاقه وهو قادر على الانتقام، وبين من نتذلل له مع علمنا بأننا نقدم له خدمة بذلك أكثر من خدمة الصفح التي يجود بها علينا، وذلك لأننا نشبع فيه رغبة التسلط والاستعلاء.
إن الصفح الذي نسعى لتعليمه لأطفالنا يجب أن يكون فرصة لتعليمه فضيلة الاعتراف بالخطأ، ومواجهة النفس عندما تذنب، وطلب الصفح من الذين أخطأ بحقهم. ولكن المؤسف في الأمر أن الطفل يتعلم بدلا من ذلك أن يصبح أكثر تعنتا، وأشد غلظة، إذ يتحول الذنب لديه إلى جريمة لا تغتفر، وتعتاد نفسه على الغلظة وعدم بذل الصفح إلا بعد إرضاء هوى النفس بإذلال الآخرين. وهنا تبدأ المشكلة.
المسامحة الحقيقية يا أحبتي هي تلك التي تجلب لكلا الطرفين مشاعر الامتنان دون ذل لأحد، وهي التي تساعد المذنب على التخلص من مشاعر الذنب وعقدة الخطأ دون أن ترسخ في نفسه مشاعر الحقد والحسد، وتدفعه للبحث عن خصال الخير في نفسه وتجاهل أخطائه القديمة بدلا من استجرارها والدوران حولها في حلقة مفرغة.
وأما الاستمرار على هذا النهج فلا بد وأن يولد لدى الطفل الرغبة في الانتقام، وذلك في حق والديه أولا، ثم في حق كل من يسيء إليه ثانيا، وحتى في حق المجتمع عامة عندما تجري الأمور على عكس ما يشتهي في الكبر.
ولهذا فإننا كثيرا ما نسمع اليوم عبارات من قبيل: "والله لن أسامحه حتى لو قبّل يدي"، أو مثل "سوف لن أنسى ما فعله بي ما حييت"، ولعل من السهل عليك أخي القارئ أن تفسر هذا الموقف على أنه يعود ببساطة إلى رغبة هذا الشخص في الانتقام من ذلك الذي أساء في حقه، وأنه يعتقد بأن مجرد تعنته وعدم صفحه عنه سيؤدي إلى استرداد حقه منه أو على الأقل سيُشعر الآخر بالضيق والألم اللذين يستحقهما. والمشلكة هنا أننا كثيرا ما نغفل عن حقيقة كوننا أول المتضررين من هذا التعنت، فالشخص المتسامح هو المستفيد الأول من تسامحه وصفحه، أما المصرّ على حقده وغيظه فلعله الوحيد الذي يعاني من ذكريات الذنب الذي يصر على الاحتفاظ بآلامه وجراحه.
إن التربية السيئة التي تلقاها معظمنا في الصغر، والتي زرعت في نفوسنا الربط بين الصفح وبين شعور المذنب بالارتياح، هي المسئول الأول عن هذا التعنت، ولعل تراكم الشعور بالظلم من قبل الآخرين يولد رغبة جامحة لدى الفرد في الرغبة بالانتقام ممن هم أقل منه شأنا وقدرة، وهذا في رأيي يفسر الكثير من مظاهر العنف المنزلي، إذ نجد الرجل غالبا ما يشبع رغبته في التسلط وإثبات الذات عبر قهره المستمر لزوجته وأولاده، وكأنه بذلك يحاول الانتقام من رئيسه في العمل، أو من شرطي المرور الذي ألزمه بدفع غرامة مالية جائرة دون أن يملك ردها.
إن الصفح طبع ليس بالسهل تعلمه وغرسه في النفوس، بل يجب علينا إذا أردنا لمجتمعاتنا أن تعيد بناء نفسها أن نعيد تقديمه لأطفالنا على الوجه الصحيح، وأن نعمل جهدنا لتعويدهم على أن فضيلة الصفح أعظم من رذيلة إذلال الآخرين، وأن إشباع رغبة النفس بالعزة والكرامة يكون بأخذ مبادرة التسامح والعفو، بدلا من التعنت والجمود عند أخطاء الآخرين. وهو أمر ليس بالسهل على أي حال، فقديما قالوا: العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم. وليكن رسول الله (ص) قدوتنا عندما رد على قريش التي ظلمته وأخرجته من وطنه وخذلته وألّبت عليه قبائل العرب في قولهم أخ كريم وابن أخ كريم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ولا ننسى تتمة القصة التي تقول أنهم قد دخلوا بذلك دين الإسلام أفواجا..فنزلت سورة النصر.. وأصبح عليه الصلاة والسلام سيد العرب، فما أحوجنا لهذه القيم.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رغداء زيدان
- الزيارات: 5
السعادة
رغداء زيدان
إلى ماذا تسعى أيها الإنسان؟
سؤال يسأله كل منا لنفسه دائماً وأبداً , ودائماً يكون الجواب مختلفاً على حسب هدف كل واحد منا في هذه الحياة. ولكن مهما اختلفت الإجابات فيمكننا أن نردها لكلمة واحدة هي السعادة .
كل واحد منا يسعى نحو السعادة, نريد تحقيق أحلامنا لنسعد, نريد الوصول لأهدافنا لنسعد. فالناس جميعاً ومهما اختلفت درجة ثقافتهم أو تباينت أوضاعهم المادية والإجتماعية فهم يطلبون السعادة.
لذلك فإن هدف كل إنسان في حياته يرسمه في مخيلته لأنه يعتقد أن في تحقيقه وصولاً للسعادة المنشودة, فمن ظن أن السعادة بالمال كان هدفه في حياته الغنى , ومن اعتقد أن السعادة بالعلم وضع هدفاً وهو أن يصل لأعلى درجات المعرفة, ومن ظن أن السعادة بغير ذلك من الوجوه وضع هدفاً مناسباً لاعتقاده من أجل تحقيق السعادة .
ما هي السعادة ؟
السعادة هي ذلك الشعور الغامر الذي يصيب الإنسان فيجعله يشعر بالرضى والطمأنينة. فلا قلق ولا خوف, ولا قهر ولا حرمان, ولا منغصات تكدّر على الإنسان. فالسعادة هي شعور داخلي نابع من نفس الإنسان, يظهر إثر شعوره بإشباع حاجاته , أو الوصول إلى أهدافه أو بعضها.
أركان السعادة :
في سورة "الضحى" في القرآن الكريم عرض لأركان السعادة, اقرأ الآيات وتمعن :
" وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى*مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى*وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى* وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى*أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى*وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى*وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى* فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"
تظهر أركان السعادة برأيي في هذه السورة في قوله تعالى : "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى*وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى*وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى" وهي كما نرى :
1 ـ الأسرة: التي تحقق للإنسان المأوى العاطفي والنفسي, الشعور أنه ينتمي لجماعة, وأن هناك من يسأل عنه ويعتني بأمره لا لمصلحة مادية أو غير مادية بل لشخصه هو.
فالأسرة هي ملجأ الإنسان, ومع أن الأسرة في معناها اللغوي ترجع إلى الأسر, والأَسْرُ هو القوة والحبس؛ فإن الأسرة هي حبس بمعنى التزام وانتماء لا ينفك عنه الإنسان, وكما جاء في لسان العرب فإن أُسْرَةُ الرجل هم عشيرته ورهطُه الأَدْنَوْنَ لأَنه يتقوى بهم. وبالتالي فالأسرة هي التي تحقق الأمان والطمأنينة للإنسان.
2 ـ الهدى: أو الإيمان واليقين, الإيمان بدين أو مبدأ, هذا الإيمان الذي يُشعر المرء بالهدوء النفسي, وينفي عنه الشعور بالضياع.
إن البحث عن سرّ الوجود وغايته, ومآل الإنسان بعد موته, والسؤال الدائم عن الخالق والخلق, كلها أمور لا يستطيع كائن تجاهلها, فإذا لم يصل لإجابة تقنعه وتريح نفسه فإن سيشعر بالضياع والخوف وعدم الطأنينة, بينما ايمانه بعقيدة تعطيه الإجابات التي يأنس إليها, وتريح نفسه المضطربة يحقق له السعادة المتمثلة بالهدوء النفسي, ويكون منطلقاً لسعيه الدائم في هذه الحياة.
وفي عقيدة الإسلام ما يحقق هذا الهدوء, فالمؤمن يعرف مَنْ ربّه, ولما خلقه, وأين مصيره, وماذا يطلب منه, وهذه المعرفة برأيي تريح النفس, وتحقق الطمأنينة التي يفتقدها من لم يؤمن.
3 ـ الإكتفاء الذاتي: والمقصود به هو الإكتفاء من الناحية المادية, بمعنى عدم الحاجة للناس, وعدم شعور المرء بعجزه عن تلبية متطلاباته ومتطلبات من يعيلهم, وذلك عن طريق وجود دخل مادي يأتي عن طريق العمل الذي يؤمّن متطلبات الإنسان وحاجاته .
هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى الإكتفاء المعنوي والعاطفي والذي يتحقق بوجود إشباع عاطفي يؤمّنه وجود من نأنس إليهم من أصدقاء ومعارف, وأيضاً ما يحققه الزواج من ألفة ومودة بين الزوجين, وتلبية لحاجة الرجل والمرأة لبعضهما.
هذه العناصر الثلاثة هي برأيي أركان السعادة ولكنها تبقى متعطلة وغير فاعلة ما لم تكتمل بالفاعلية. والمقصود بالفاعلية هو عمل الفرد, كونه فاعلاً عاملاً مساهماً في خدمة أسرته ومجتمعه وغيره من الأفراد, وهو ما جاء في قوله تعالى: "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"
فالذي يسعى للإستقرار الأسري لنفسه يجب عليه أن يساهم في تأمنيه لغيره من الناس, فيكون هو نفسه ملجأ ومأوى لمن يحتاجه, يقف إلى جانبه, يساعده, ويعطف عليه.
للأسف نحن في مجتمعاتنا نطلب حقوقاً دون أن نقوم بالواجبات, السعادة الحقيقية لا تتحقق إلا بتكامل العنصرين معاً: إشباع الحقوق, والفاعلية التي تكون عن طريق أداء الواجبات.
وقيمة الإنسان الحقيقة ليست بما حصل عليه من حقوق فقط بل هي لا تكتمل إلا بأدائه لواجباته, بفاعليته, وعمله وتأثيره.
انظر إلى قوله تعالى : " فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"
كم تحوي هذه العبارات المختصرة من معانٍ كبيرة:
فإذا نظرنا لكلمة اليتيم بمعناها اللغوي العام الذي لا يقتصر فقط على من فقد أباه, لوجدنا أن اليتم يعني الإنفراد, والإنفراد يعني الشعور بالوحدة والإنقطاع, وأمر الله للمؤمن بأن لا يقهر اليتيم أي لا يغلبه ولا يأخذه من فوق, أي لا يتكبر عليه فيجد لنفسه فضلاً ليس لغيره ـ إذا اعتمدنا المعنى اللغوي لكلمة قهر ـ وهذا برأيي يعني تماماً ما نسميه التكافل الإجتماعي أو الأخوّة الإسلامية, حيث يساهم أفراد المجتمع في مساعدة بعضهم وتكوين أسرة إسلامية متكاملة على امتداد المجتمع المسلم.
فالمسلم مطالب بالإحساس بمشاكل أخيه المسلم ومحاولة حلها أو التخفيف منها, ومطالب أيضاً بعدم الإعتداء على أخيه المسلم بأي شكل من أشكال الإعتداء, سواء كان الإعتداء مادياً أو معنوياً, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنها بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة".
والحديث كما نرى يبين أن المسلم لا يظلم مسلماً ولا يغدر به ولا يخونه ولكنه يكون عوناً له يقضي حاجته ويفرّج كربته ويستر عيبه.
والمسلم محاسب أمام الله إن هو قصّر عن مساعدة أخيه وعونه, قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس: "ليس بمؤمنٍ من بات شبعان ريان وجاره جائعٌ طاوٍ".
ولكننا للأسف نسينا هذه التوجيهات, وصار حبّ الذات, وكنز المال, والبخل حتى بالكلمة الطيبة, هي الأخلاق المنتشرة بين معظم الناس إلا من رحم الله.
ومن الفاعلية التي تحقق السعادة للفرد أن يدرب نفسه على تحمل الناس, أو التكيف مع الآخرين, بمعنى حسن الإندماج بالمجتمع, وحسن التعامل مع أفراده.
وهذا يحتم على الفرد المسلم التحلي بفضائل وأخلاق نجد كثيراً من الناس تبتعد عنها أو لا تجاهد نفسها لتستطيع الإلتزام بها.
ولعل أهم هذه الأخلاق هي خلق التسامح, تفهّم الآخر, تقبّل الرأي المخالف, التماس العذر للآخرين, معاملة الناس كما نحب أن يعاملونا, عدم الإصرار على الخطأ, وعدم الخجل من الإقرار به, والأهم من كل ما سبق هو الخضوع للحق بعد أن يتبين لنا.
إن هذه الأخلاق يكتسبها الإنسان من خلال ايمانه, ومن خلال تدريب نفسه عليها, ومن غير هذه الأخلاق سيجد نفسه في غربة عن مجتمعه, وسوف يجد صعوبة كبيرة في التكيف مع هذا المجتمع, وهو ما نراه بصورة واضحة للأسف في مجتمعاتنا, فسوء الظن هو السائد, والإنتقام للنفس والإنتصار لها هو البطولة, وعدم التسامح والإصرار على الخطأ وعدم التراجع عنه هو الكرامة, وعدم التجاوز عن سيئات الآخرين وأخطائهم هو الحرص والذكاء ـ لأن من يسامح ويغفر هو الطيب بمعنى الغبي والساذج ـ .
فالبخل ـ ولا أقصد به البخل المادي فقط ـ هو السائد بين الناس, مما يجعل المرء يشعر بالحزن والقلق, وهذا يبعد السعادة عن مناله, ويجعلها حلماً يصعب تحقيقه.
إن ما يبعث السعادة في النفس هو الرضى بما حصلنا عليه, هذا الرضى ليس له أساس واحد بل هو نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان والحالات, والإنسان الذي يشعر بالرضى هو الإنسان السعيد.
أما كيف نشعر بالرضى, فهذا أمر له علاقة بقناعتي بما حصلت عليه أو وصلت إليه, لذلك كان تذكر نعم الله علينا هو وسيلة هامة للشعور بالرضى. يقول تعالى: "فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طـه:130).
أنا كفرد في مجتمع فيه الغني والفقير, الضعيف والقوي, العالم والجاهل, صاحب العمل والعاطل عنه, ربّ الأسرة والوحيد, ......إلخ , على اختلاف ونسبية هذه الصفات, سأشعر بالرضى عندما أتذكر نعم الله علي, ولن يتحقق الرضى بمقارنة ما عندي بما عند غيري, لأن الإنسان غالباً ينظر إلى من يملك ما لا يملك وينسى أن الله أعطاه نعماً ربما لا توجد عند من ينظر إليه ويتمنى ما عنده, لذلك فإن التحدث بالنعم, تذكّرها دائماً سيبعث في نفس الإنسان الرضى الباعث للسعادة.
بقي هناك نقطة أساسية في موضوعنا, وهي أن الإسلام جاء لسعادة الدارين, فالمؤمن له سعادة الدنيا وسعادة الآخرة, بل إنه حقيقة يسعى لسعادة الآخرة عن طريق سعيه في الدنيا, ومن نعم الله عليه أن جعل سعيه الحق للآخرة ضامناً لسعادته في الدنيا.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد شاويش
- الزيارات: 6
مقال رحمة بنت مالك وقضايا المرأة من منظور شديد التأثر بمالك بن نبي
محمد شاويش
لعل مكمن الطرافة، عندي، في مقال السيدة رحمة هو أنها تطبق أفكار والدها بإخلاص كبير جداً، وبالحرف في معظم الحالات، على موضوع جديد هو موضوع المرأة.
ولا أعرف إن كان هذا أمراً جيداً، ولكني سأسوق لاحقاً الأدلة على ما أقول بمقتطفات من المقال بعد عرضه كاملاً لمن أراد الإطلاع:
المقال :
قضايا المرأة.. رؤية جديدة
ازداد الحديث في الآونة الأخيرة حول المرأة، وكثرت المؤلفات التي تناولتها وجعلتها ساحة لدراستها فتفننت في وصف المعاناة التي تواجهها المرأة اليوم.. ومع هذه الظاهرة وهذا الاهتمام ظهرت مصطلحات جديدة قُرنت بموضوع المرأة، منها: مشكلة المرأة، أزمة المرأة إشكالية المرأة قضية المرأة كل هذه تعبير وتعريف عن هذا العصر الذي عُرف أيضاً بعصر الجنس اللطيف.ومع هذا فإن المشكلة وواقعها يسير معاكساً لهذا الترويج وكأن واقع المرأة لا يزال هو الواقع نفسه التي تحاول هذه المؤلّفات التغيير فيه هذا إذا لم يكن قد ازداد تدهوراً.فالمرأة على الرغم مما نقرأ من نصوص الكتاب والسنة وعلى الرغم مما منحها الإسلام من مكانة لاتقل عن مكانة الرجل(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة:71) وعلى الرغم مما أوصى بها من خير لاتزال مهزومة من الداخل ومن الخارج ولا تزال تشعر بالضعف والانكسار وبعدم تحقيق الذات. وقد يضيق صدر البعض بهذا الذي أتقدم به، ولا بأس في ذلك فقد يرى بعض الرجال أن شريكته أو أمه أو أخته لا تعاني من هذه المشاعر وهذه الآلام، وهي تحظى داخل الأسرة وخارجها بطائل من الاحترام والكرامة.ويحسن هنا أن نذكر أن هناك عاملاً مشتركاً بين النساء جميعهن، يقرب بينهن ويربط بعضهن ببعض، وهو أن الله وهب المرأة من الأحاسيس والشفافية ما يؤهلها للقيام بوظيفتها كمربية وزوجة على أحسن وأكمل وجه. إنها تحنو على رضيعها؛ فتستوحي من بكائه وابتسامته ما يزعجه وما يسعده، وتتعامل مع زوج قد لا يعبر عن أحاسيسه على النمط الذي تعبر به هي.ومع هذا لا تعجز عن تلبيته والتعاون معه.. إذن فإن طبيعة تكوينها وتركيبها تجعلها عرضة للتأثر بما تشعر به غيرها من النساء، أو بما تروجه الثقافة من حولها، وذلك على الرغم مما يقدمه لها الزوج أو الأسرة من تقدير واحترام.بعد هذا يبدو أن الأسئلة التي لا بد أن تتبادر إلى الأذهان - حتى نلقي بعض الضوء على أسباب هذه المعاناة، وربما على بعض معالم الحل - هي: لماذا لم تؤتِ هذه الكتابات أُكلها؟ وما هي العوامل التي جعلت هذه الآيات الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة واقعاً انتفع به أسلافنا في صدر الإسلام؛ واقعاً انبثقت منه نساء تركن بصماتهن على وجه التاريخ؟ وما هي الجسور التي هُدّمت فحالت بيننا وبين هذا الواقع المشرق؟
عند المراجعة للكتابات التي اهتمت بموضوع المرأة نلمس منها صنفين الأول: اهتم بتجميع الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تدل وتوضح منزلة المرأة في الإسلام وما تحظى به من حقوق وامتيازات وينبغي لنا أن ندرك هذه الحقائق وأن نقدر هذه الأعمال خير تقديرحيث إنها تمثل قاعدة لابد منها للانطلاق لدراسة واقع المرأة ولفهم هذه النصوص وتخليصها من رواسب التقليدوالعادات
غير أن هذه الأعمال تبدو أحياناً وكأنها للتباهي والتفاخر، أو أنها مجرد سرد بهدف رفع معنويات هذا المخلوق الرقيق - المرأة - التي كثيراً ما تُظلم، عن فهم أو عن جهل، على الرغم من الخدمات العظيمة التي تقدمها لمن حولها.
إنها تمر خلال أطوار حياتها بأدوار عظيمة من ابنة بارة، إلى زوجة صالحة؛ ومن ثم إلى أم تتحلى بأجلّ خصال، تمنحها القدرة على العطاء لمن حولها وتخلصها من الأثَرة حتى تُشرف على إعداد إنسان متوازن فعّال وقد كان من الأجدى لو أن هذه المؤلفات اهتمت أيضاً برسم التطورات التي مر بها واقع المرأة منذ بداية رسالة الإسلام إلى يومنا هذا، الذي أصبحت المرأة فيه واحدة من اثنتين: إما جاحدة لمعنى مكانتها ورسالتها وإما امرأة رَجِلة أي صارت رجلاً مشوهاً كما أطلق عليها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وعلينا أن نلاحظ أن رسم هذه التطورات يستلزم توضيح أن الإنسان تكون قيمته الذاتية انطلاقاً بين قيمتين: أما القيمة الأولى: فثابتة لاتتغير لاعبر الزمان ولاعبر المكان قيمة كرمه الله بها منذ خلق آدم عليه السلام وتتمثل هذه القيمة في الامتيازات التي متَّعه الله بها من حرية عقيدة وكرامة نفس وعقل، وحفظ لأسرته إلى جانب ماله إضافة إلى الحدود التي رسمها حتى لا يعتدي على هذه الامتيازات.
وأما القيمة الثانية: فهي قيمة اجتماعية، تتغير بتغير الزمان والمكان، أي من عصر إلى عصر، ومن أمة إلى أخرى، فهذه القيمة يستلهمها الفرد من ظروف الحياة التي يعيشها، ومن مدى حماية مجتمعه للامتيازات التي منحه الله إياها.
وخلاصة هذه العلاقة ما بين القيمتين: أنه كلما ارتفعت القيمة الاجتماعية للفرد زادت الضمانات التي تدافع عن امتيازات الفرد لتقارب القيمة الثابتة كلما استشعر هذا الفرد، رجلاً كان أم امرأة، ارتفاعاً لقيمته الذاتية والنفسية والمادية، والعكس صحيح.
وللتوضيح نذكر أن الله تعالى ضمن الامتيازات التي كرم بها آدم أن حرّم دمه بغير الحق، فهو بذلك وضع قيمة ثابتة للنفس البشرية، غير أن القيمة الاجتماعية لهذه النفس قد تهبط في ظروف معينة من استبداد وغيره لدرجة أن يصبح القتل أداةَ لذة، أو أداة لتحقيق مصلحة مادية وهنا يبدو جلياً أن سبب شعور المرأة بالانهزام وعدم تحقيق الذات ليس راجعاً إلى قبول أورفض النصوص التي كرمتها فحسب بل أيضاً إلى طبيعة العلاقة بهذه النصوص وأن رصد هذه العلاقة هو الذي سييسر على الدارس تصحيح الواقع طبقاً للمبادئ القرآنية.وأما الصنف الآخر من الكتابات: فهي تلك التي تناولت المرأة وكأنها عنصر مستقل عن باقي المجتمع. ويبدو أن هذا الصنف الأخير يمثل قطبين في صفة صراع ظاهري:قطب أراد انفتاحاً كاملاً وتقليداً أعمى للغرب وقطب شدّد على المرأة حتى كاد أن يخنقها وبرهن على أن الغُلُوّ يولد الغلو، أي أنه دفعها في كثير من الأحيان إلى مثل ما أراد لها الطرف الأول، وجعلها بذلك تهرب من واقعها وتلهث وراء الغرب فإن دققنا النظر وأمعناَّ أدركنا أن معاناة المرأة إنما تنبع من معاناة مجتمع بأكمله، فما الرجل والمرأة إلا صورتان لموضع واحد وهو الإنسان. إن أمراضنا متعددة، ومن طور إلى طور قد تختلف الأعراض التي تبدو على الرجل والمرأة من فكر عقيم واضطرابات أسرية، وأزمات أخلاقية، غير أن الجرثومة واحدة. إذن يجب أن يكون الحل لمعاناة المرأة منسجماً مع الحلول للمشكلات الاجتماعية الأخرى، ضمن برنامج حضاري شامل.فما أفلست المرأة إلا عندما أفلس المجتمع بأكمله.
ولن يكون الحل حلاً إلا إذا بعثنا الأمة جمعاء وسرنا في الاتجاه الصحيح، ويقول والدي وأستاذي "مالك بن نبي" في هذا الإطار: "يجب أن لا تكون نظرتنا إلى هذا الموضوع بدافع رفع المستوى المرأة ذاتها، أي بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري".وقد فهم الغرب هذا الأمر، بعد أن ظل يتحاور عقوداً طويلة حول موضوع المرأة ويتساءل: هل المرأة كانت مثل الرجـل؟ هل لديها روح؟ هل يحق لها ما يحق للرجل؟ هل تحتاج إلى مثل ما يحتاج إلى الرجل؟ ووصل مؤخراً إلى قناعة بأن النظرة إلى المرأة على أساس أنها عنصر مستقل عن جوهر المجتمع لم تعد تخدم غاياته ومصالحه لذلك أراد بصفة متسرعة أن يمنحها مساواة صورية، بغض النظر عن مدى صلاحية أو بُطلان هذه النتيجة، وقد دفعته هذه المساواة الصورية إلى عرقلة أو منع الدراسات الدقيقة التي تبحث عن طبيعة الفروق بين المرأة والرجل واعتبرها فروقاً نوعية لا وزن لها في توزيع الأدوار. ويكفينا هنا أن نذكر مثالاً على أن الحل الذي يكون هدفه رفع مستوى المرأة فحسب دون النظر في البعد الاجتماعي لهذا الحل يصبح حلاً قاصراً عن خدمة ورعاية مصالح المجتمع. لقد عرض التلفاز لقطات لنساء استطعن أن ينتسبن إلى فرقة الإطفاء بعد أن أصبح الرأي العام بسبب ضغوط الحركات النسائية يشجع مثل هذه الأدوار للنساء أيضاً غير أن هؤلاء الفتيات على الرغم من الرغبة التي تغلي في دمائهن للمساواة مع الرجال وعلى الرغم مما يعتقدن ويقدرن قواهن فإنهن فشلن في إثبات جدارتهن وصلاحياتهن لمثل هذه المسؤولية، وقد كشفت هذه اللقطات عن بعض هذه المثالب، فتاة تسقط وهي تحمل سُلم الإنقاذ أو أنبوب الماء لتطفئ النيران.
إذن فإن قبول الفتيات في مثل هذه المدارس بهدف رفع مستوى المرأة في المجتمع كان لا بد أن يفرز نتيجة سالبة في حق المجتمع وقد اضطرت هذه المدارس إلى التخفيف من مستوى التدريب المطلوب والتغاضي عن ضعف الفتيات الوظيفي الفسيولوجي والنفسي من أجل منحهن حقاً موهوماً حق المساومة في أن تلج كل الميادين وفي هذه الظروف تنعكس النتائج على سلامة المجتمع بأكمله، بحيث يصبح مستوى رجال ونساء المطافئ دون المقتضيات التي تتطلبها مثل هذه المسؤولية فيتحول هذا الحل إلى تهديد ضد مصلحة المجتمع فالأجدى إذن رعاية لمصلحة المجتمع، الاعتراف بعدم صلاحية النساء لمثل هذه المسؤوليات من أجل المحافظة على مستوى الاستعدادات اللازمة لمجابهة النيران المشتعلة. ومن هنا فإن مشكلة المرأة ستبقى قائمة ما بقينا ننظر إليها على أساس أنها عنصر مستقل، ما لم نبحث عن حل ينسجم وباقي الحلول الاجتماعية، ولبيان هذا الأمر نقول: إن الكتب التي لم تتصور، ولم تصّور، المرأة على أساس أنها جزء من جوهر المجتمع تكون كمثل الذي يعالج اليد وكأنها ليست عضواً من أعضاء كيان واحد، إن سلامة اليد وإن كان لها بعض الحاجات الخاصة بها كتقليم الأظفار أو غير ذلك من الحاجات تعود إلى ممارسات أسباب سلامة الجسد كله فإن ضعف الجسد أوضعفت الصلة التي بينها وبين باقي الأعضاء فإنها بدورها تهن وتضعف لهذا فإن أردنا أن تنتصر المرأة في المعركة ضد الشعور المحبط بعدم تحقيقها لذاتها، فإن علينا أن نجابه الوضع على أساس نظرة شمولية، أي على أساس أنه أزمة مجتمع، وليس أزمة عنصر أو جنس دون الآخر، ومن ثم فإن علينا أن ندرك الجـانب الفكري والثقافي المتسلط على المجتمع عامة ومن ثم متسلطاً عليها، وأن نعي ما أوضحه الشيخ "الغزالي" رحمه الله عندما قال: "إن التخلف النفسي والذهني لا تُصاب به الأمم بغتة، وإنما يجيء بعد أمراض تطول ولا تجد من يُحسن مداواتها"ولعل من المهم أن نذكر هنا أن هذه العوامل المسيطرة على المجتمع ومن ثم على المرأة ليست منفصلة.ولكننا نفصلها لكي نبين أهميتها على حدة وقد يحتاج بيان هذه الأمور إلى تفصيل طويل ولكن حسبنا أن نذكر هنا بعض المعالم المهمة التي جعلت المرأة تفقد ثقتها بنفسها؛ الأمر الذي حال بينها وبين شعورها بتحقيق ذاتها. ونشير هنا إلى أن اهتمام هذه الدراسة بإبراز تدخل تلك العوامل التي جعلت المرأة تشعر بعدم تحقيق ذاتها لا يهدف إلى تحديد معاناة المرأة؛ فإن أوجه القلق والتخبط الذي تعيشه المرأة كثيرة ومتعددة، ولكننا تناولناه على سبيل المثال فقط. فما هي إذن هذه العوامل التي سيطرت على البناء الفكري والثقافي للمجتمع؟ علينا أن نستوعب أن الجهل ألوان، جهل بمعناه السهل، وجهل مركب.
فأما الأول: فإن مكافحته والتغلب عليه أقل صعوبة من النوع الثاني؛ لأن صاحبه يدرك هذا النقص الذي يحمله، أما الثاني: فإن صاحبه لا يدرك حقيقة وضعه؛ إما لأنه يحمل أوهاماً يظنها علماً، أو أنه مصاب بآفة "تكديس المعلومات" أو "غمر الدماغ"، أي أنه يحمل جرثومة تجعله عاجزاً عن تحويل معلوماته إلى برنامج تطبيقي، ومن ثم تؤدي به إلى مضاعفات أشد خطورة من عدم امتلاك المعلومات. إنه باكتسابه لهذه المعلومات التي أُفرغت من فاعليتها يصل إلى تناقض داخلي يفرز عدم ثقته بنفسه وبالعلم، فتسيطر عليه الأوهام التي تجعله أداة لخدمة أهوائه ومطية لغيره. إن مثل هذا الجاهل يغيب عنه الفرق بين الجهل وحقيقة العلم، فينسى أن العلم إنما هو من أجل الإذعان بالعبودية لله، وتسخير الكون لأداء رسالة، وليس من أجل تحصيل ورقة أو شهادة يطبع منها نسخاً كثيرة، بينما يربط صاحبها بالعلم خيط واهٍ ضعيف ينقطع يوم تنقطع صلته بالكلية ومن ثم يخرج منه العلم دون أن يهضمه فيتشبع به عقله، أو يتمثله سلوكه. وهذا النوع من الجهل المركب هو الذي تسرب إلى المرأة، فهي تطمح إلى تحصيل شهادة يقدرها مجتمع لم يعد يعي مسؤولياته. وكثيراً ما يشجع حركة لا تتقدم به إلى الأمام، بل وكثيراً ما تسير به إلى الوراء. فالفتاة اليوم كثيراً ما تجهل طبيعة أدوارها، ورسالتها في رعاية المجتمع، فتخطط إن خططت لحياتها، دون مراعاة إمكانياتها وغاياتها، ولكن طبيعة الحياة ترفض هذا التحدي، فيصدمها الواقع بخسائر حين لا تستطيع تحقيق أهداف كانت قد بنتها على أساس من الخيال والأوهام ومن ثم تصاب بخيبة أمل ترهقها بالشعور بعدم تحقيق ذاتها. لن نبحث هنا فيما إذا كانت هذه الأفكار تصدَّر إلينا من خلال غزو فكري شديد وبأساليب شتى من مسارب جلية أو خفية، أو أننا نحن بمحض إرادتنا المسيّرة في كثير من الأحيان نختار أن نستعير أفكاراً من خارج إطارنا الفكري والثقافي لنسد به فراغاً لا بد أن يملأه شيء ما. ومن المؤسف أن الكثير من هذه الأفكار المستعارة لايمكن أن تتعايش أوتتفاعل إيجابياً مع باقي الأفكار السائدة فينتج عن هذا خليط غير متجانس يحمل جاهليات وأمراض شعوب أخرى تزيد رؤية الأمة والمرأة التي هي محور دراستنا غبشاً وضعفاً ونشير هنا إلى أن فشل هذه الأفكار المستوردة قد يعود إلى أحد سببين إما أنها أفكار لم تلق نجاحاً في أرضها فتُوّج فشلها بإعلان موتها واستبدال أفكار جديدة بها غير أن غيابنا عن ساحة الأفكار حال بيننا وبين حضور موكب جنازتها فبقينا مفتونين بها. وإما أنها أفكار صالحة داخل أجوائها الأصلية حيث تحظى بعلاقات تغذيها وتحميها بينما تتحول إلى أفكار ميتة أو مُميتة في بنية جديدة تحرمها من تلك العلاقات الأساسية. إذن.فلكي تقوم الاستعارة على أساس سليم لابد أن تتم وفق منهج يحمي علاقات أساسية ثلاث أي أن تكون هذه الفكرة المستعارة ذات ترابط إيجابي:
أولاً: مع باقي الأفكار التي تشكل الإطار الفكري والثقافي في هذه البيئة الجديدة، بحيث لا يكون هناك تعارض يؤدي إلى انعدام فاعلية الفكرة أو تأثيرها تأثيراً مضاداً.
وثانياً: مع الأشياء التي تخدم هذه الفكرة، وتساعد على تحقيق نجاحها.
ثالثاً: مع الأشخاص، أي أنها تكون فكرة تخدم غايتهم، وتحترم قيمتهم.
وعلى سبيل المثال: نذكر أن المرأة المسلمة عندما استعارت من المرأة الغربية زيها الذي يُبدي العورة بدل أن يبدي إنسانيتها قامت باستعارة مشؤومة تتحدى هذه العلاقات الأساسية الثلاث.وهذا الزي إنما يخدم غايات العالم الغربي الذي يبحث عن المتعة الآنية، والذي يعاني من أنانية جعلت المرأة تطرق باب رزقها مستعينة على ذلك بمفاتنها، وفي المقابل فإن هذا الزي يشكل خطراً على الامتيازات التي تتمتع بها المرأة داخل الأسرة وفي المجتمع الإسلامي، الذي زاده هذا الزي تدهوراً وانحلالاً. ومن ثم فإن الاستعارات التلقائية التي لا تقوم على أساس من التخطيط والدراسة والبحث السابق تشكل خطراً يهدد الأفراد بالقلق، والأمة بالتقاعس، إن هذه الحقيقة، مهما كانت واضحة، فإنها لا تزال غائبة عن أذهان حبيسة التبعية، والمرأة وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكار المستوردة - التي لا تحتوي لا الغايات ولا الوسائل - لن تجني سوى خسائر مادية ومعنوية، حينما تحاول تطبيق هذه الأفكار؛ فيكون الفشل حليفها، فتشعر أنها لم تحقق ذاتها، بينما تجهل الواقع وهو أن الأفكار تحمل سبب فشلها. إن الحديث عن الواجبات والحقوق أصبح قاسماً مشتركاً بين المرأة والرجل، فكلاهما يحفظ مجموعة شعارات تستهويه بكلمات رنانة وتعده بأمنيات بعيدة عن الواقع. والحقوق في الحقيقة ليست إلا ثمرات تأتي نتيجة حتمية لأداء الواجبات وهذه العلاقة هي التي أوضحها الله عز وجل في كتابه الكريم (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا )(النور:55). و(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة:40).ومن هاتين الآيتين وغيرهما يبدو جلياً أن الله أمر الناس بتكاليف إن صدقوا فيها تكفل الله لهم بها حقهم. وهذا أيضاً ما يقوله "ابن عطاء الله السكندري" في العـلاقة التي تربط بين الواجب والحق: "اجتهادك فيما لك، وتقصيرك فيما طُلب منك دليل على انطماس البصيرة منك"، أي أن انشغال الإنسان بحقوقه عن واجباته لن يثمر أبداً، وتلك هي سنة الله في عباده. وهكذا كان مبدأ الأنبياء، وهكذا كان مبدأ سيدنا "محمد" - صلى الله وعلى آله وسلم - الذي بشّر أصحابه بالجنة إن أدوا واجباتهم وأخلصوا فيها. ومن المؤسف أن منطق العصر قلب هذا المفهوم، وأذاب مبدأ الواجبات، بينما أقر مبدأ السهولة؛ مبدأ المطالبة بالحقوق. ولعل من هذا القبيل منطق الانتخابات الذي يعتمد نجاح المرشحين فيها على وعود قلما تتحول إلى واقع، وفي ظل هذا المنطق أيضاً ظهرت في العالم وفي البلاد الإسلامية "الحركات النسائية" التي تزعم السعي لتحرير المرأة، والتي استهوت المرأة، وسلكت بها سبيل الأماني، فأغرتها بحقوق موهومة، وأنستها واجباً أساسياً ألا وهو ممارسة حرية الإرادة والقرار ممارسة سليمة، تراعي مصالحها ضمن مجتمع بأكمله، وتضمن لها الطمأنينة التي تخلصها من القلق. ومما يشهد على ما نقوله أن المرأة حين خاضت غمار هذا المنطق الأعوج وآمنت به خسرت أكثر مما ربحت، ووقعت في الاضطراب مثلها في ذلك كمثل قرينتها في الغرب التي تطالب بأن تعامل في ساحة العمل على أساس كفاءتها لا على أساس أنوثتها وأن تُمنح مقابل عملها ما يُمنح الرجل. ومن الثابت أنها لن تنال هذا الحق كاملاً إلا إذا انتقص منها في مجـال آخر، ما دامت تُبدي مفاتنها، وما دامت لم تقم بواجبها، فتصلح من حالها، وتخرج ضمن حدود زي يجعل العمل إلى جانبها يراها على ضوء ما تقدمه من خدمات، لا على أساس ما تعرضه من زينتها ومفاتنها.
إن الواجبات والحقوق سلسلة متواصلة، فمسؤولية الزوج هي حق الزوجة، ومسؤولية الزوجة هي حق الزوج، وهذه السلسلة هي التي تمكّن من بُنيان مجتمع راسخ، على أيدي أفراد يوازنون بين الواجبات والحقوق. وما دامت المرأة تسلك طريق المطالبة بالحقوق، فإن خسائرها ستتفاقم، حتى إنها ربما أضاعت ما تتمتع به من امتيازات؛ فزادها ذلك شعوراً بالقهر والانكسار وبعدم تحقيق ذاتها.
من المؤسف أن الثقافة في اتجاهها إلى العالمية - أو نحو ما أطلق عليه "القرية العالمية" - أصبحت ثقافة يطغى عليها طابع الغرب الغالب، فكما يقول "ابن خلدون": "المغلوب يتبع الغالب"، ولقد سيطر على واقع العالم اليوم المذهب المادي الذي يسعى لتحقيق المتعة الآنية، ولامتلاك الرفاهية. والغرب اليوم بانصراف المسلمين عن ساحة الأحداث التاريخية أصبح يدعم هذه الثقافة، ثقافة اللذة والرفاهية، بكل ما لديه من وسائل دعائية، من إعلام ومجلات وأفلام ومغنين ومغنيات..وغير ذلك، فقد غيرت هذه الثقافة المرجعية من مرجعية قيم أخلاقية إلى مرجعية استهلاكية حتى إن الفرد نفسه تحوّل ضمن هذه الثقافة إلى سلعة استهلاكية، فلم يعد الكون يسخَّر لخدمة الإنسان وإنما الإنسان يسخَّر لخدمة المادية التي تقوم على المنفعة والرغبات النفسية. لم يعد الفرد يقاس بما لديه من قيم، وما يتماثل من سلوك، أي أنه لا يقاس وفق مبدأ (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات:13)، بل أصبح يتصور واقعه وقيمته وفق ما يمتلك أو يستهلك من منتوجات. وقد أفرزت هذه الرؤية المادية القائمة على أساس المنفعة عواقب خطيرة أهمها بالنسبة لموضوعنا تغيير مفهوم العمل. إن كلمة "عمل" بمفهومها اليسير تعني أن يسلط الإنسان جهداً للقيام بنشاط ما، ولكي ندرك هذا التعريف وعلاقته بموضوعنا، علينا أن نحلل العناصر التي يجب أن تتوافر من أجل القيام بعمل ما، إيجابياً كان أم سلبياً:
أولاً: الإنسان الذي سيقوم بالجهد. ثانياً: الأداة التي يستخدمها من أجل تحقيق نشاطه. ثالثاً: الخبرات والمعارف التي ستساعد في تحقيق النشاط، أي الطريقة لتحقيق العمل رابعاً: المبرر والدافع للقيام بالعمل.
فإن اختفى واحد من العناصر الثلاثة الأولى أصبح العمل مستحيلاً، وإن انعدم المبرر، أو نقص، أصبح العمل عبثاً. والمرأة اليوم بسبب الغزو الثقافي تعاني من نقص العنصر الرابع، الذي هو المبرر؛ وذلك لأنها تعيش ثقافة مادية طغت على العقائد والأخلاق فأحالت العمل إلى مفهوم ضيق المساحة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائد المادي بعد أن كان مفهوماً واسعاً، أي كما ورد في القرآن الكريم: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ). (التوبة: 105).
فبعد أن كان الفرد يبحث عن عمل صالح يجمع بين بُعدين، البعد الأُخروي الذي يمنحه المبرر، ويرسي له دعائم التوازن، والبعد الاجتماعي، أصبح اليوم لا يبحث إلا عن عمل يضمن له بعداً فردياً مادياً، إن لم يحصل عليه وقع في الاضطراب، وأرهقه شعور الفشل وعدم تحقيق الذات. وهذا ما يلخص شعور المرأة، خاصة إذا لم تساهم في الدخل المادي للعائلة بسبب طبيعة مسؤولياتها الأخرى كأم وزوجة معطاء. وأخيراً فقد أردنا من خلال هذا البحث أن نرد موضوع المرأة إلى أبعاده الاجتماعية الصحيحة وربما كان هذا الجهد خطوة في اتجاه الحل السليم كما أردنا أن لا ينُظر إلى المرأة على أساس من التبرئة والاتهام؛ فالواقع يصرخ بأن كل فرد من أفراد المجتمع يحمل بعض المسؤولية فيما نعيشه اليوم. فلا شك أن الأفراد يؤثرون في الثقافة، كما أن الثقافة تؤثر في تكوين الأفراد. والمرأة لأهميتها وخطورتها الاجتماعية أصبحت تشغل مساحة كبيرة من اهتمام أولئك الذين يخططون لتوجيه أمة بأكملها، بقصد تسخيرها لخدمة مصالحهم وهذا لايعني أن ننغلق على أنفسنا، وأن نحرم أنفسنا من تجارب الآخرين"الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها"، بل أن ننظم العلاقات التي تربطنا بالتجارب الأخرى. وواضح أن هذا لن يتحقق إلا بإعادة تنظيم طاقة المسلم وتوجيهها، وذلك بإعادة قراءة القرآن، أي قراءة سنن الله في الكتاب، وقراءة ممارسة البشر لهذه السنن، ومن ثم بإعادة تحديد دور المسلم ورسالته، فإن أدركنا هذه الحقائق نكون قد أدركنا معنى قول الإمام مالك رحمه الله حين قال: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
التعليق :
محمد شاويش
لكن البداية ممتازة حقاً، وهي نقد نادراً ما أقرؤه للطريقة الشائعة في معالجة موضوع "الإسلام والمرأة":
بعد أن تذكر رأياً طريفاً، جديداً في حدود علمي، يقول إن المرأة بسبب حساسيتها الخاصة تتأثر بسوء أوضاع النساء في المجتمع حتى لو كانت هي شخصياً في أوضاع أفضل، تنتقد نوعين من النظرات لوضع المرأة:
النظرة الأولى تكتفي بتجميع النصوص من القرآن والسنة " وتوضح منزلة المرأة في الإسـلام، وما تحظى به من حقوق وامتـيازات. وينبغي لنا أن ندرك هذه الحقائق، وأن نقدر هذه الأعمال خير تقدير؛ حيث إنها تمثل قاعدة لا بد منها للانطـلاق لدراسة واقع المرأة، ولفهم هذه النصوص وتخليصها من رواسب التقليد والعادات.
غير أن هذه الأعمال تبدو أحياناً وكأنها للتباهي والتفاخر، أو أنها مجرد سرد بهدف رفع معنويات هذا المخلوق الرقيق - المرأة - التي كثيراً ما تُظلم، عن فهم أو عن جهل، على الرغم من الخدمات العظيمة التي تقدمها لمن حولهـا. ".
وفي الحقيقة فإن هذه النزعة للتباهي رغم أنها عريقة في التراث "الإسلاموي" المعاصر(أعني بهذا المصطلح"الإسلاموي" التراث التمجيدي المنطلق من مواقع دفاعية، الذي وجدناه في كتابات الإخوان بالذات ومن تبعهم عن المرأة، والذي يجمع النصوص التي يظنها ترد هجمات المستشرقين والمستغربين عندنا على الإسلام لادعاء اضطهاده للمرأة، وهو كما وصفت السيدة رحمة تراث تجميعي للتباهي أو لرفع معنويات المرأة).
والمشكلة مع هذا النوع من السرد والتجميع هي مشكلة عامة نتكلم عنها في كافة الميادين وليس في ميدان المرأة فقط:
حين يعد هذا التيار فضائل الإسلام فإنه لا يهتم البتة بالنقطة الحاسمة: فلم إذن لا يسير المسلمون وفقاً لهذه النصوص؟
وهذه الإشكالية هي الإشكالية التي سماها الفقير لله في مقال له: "إشكالية تفعيل فضائل الإسلام".
ترى السيدة رحمة أنه "كان من الأجدى لهذه الكتابات لو أن هذه المؤلفات اهتمت أيضاً برسم التطورات التي مر بها واقع المرأة منذ بداية رسالة الإسلام إلى يومنا هذا، الذي أصبحت المرأة فيه واحدة من اثنتين: إما جـاحدة لمعنى مكانتها ورسالتها، وإما امرأة "رَجِلة"، أي صارت رجلاً مشوهاً، كما أطلق عليها الشيخ "محمد الغزالي" رحمه الله. "
وبرأيي فإن المطلوب لم يكن مجرد "رسم التطورات" بل تفسير المسار الذي سارته المرأة للتأكد من أننا لو أصلحنا الأوضاع لن تعود لتسلك الطريق نفسه مرة أخرى.
وكما نرى نحن لا زلنا إزاء إشكالية لم ينتبه بعد في رأيي إليها مفكروا هذا التيار، فلا زالوا على تغافلهم عن هذه المسألة رغم التجارب الكثيرة.
ورسم هذه التطورات كما ترى الكاتبة يستلزم توضيح أن للإنسان قيمتين: قيمة " ثابتة لا تتغير، لا عبر الزمان ولا عبر المكان، قيمة كرمه الله بها منذ خلق آدم - عليه السلام - وتتمثل هذه القيمة في الامتيازات التي متَّعه الله بها من حرية عقيدة، وكرامة نفس وعقل، وحفظ لأسرته إلى جانب ماله، إضافة إلى الحدود التي رسمها حتى لا يعتدي على هذه الامتيازات."
وهي هنا كما يرى القارئ قيمة ثابت تشريعي لا يتغير كما ترى الكاتبة.
والقيمة الثانية هي " قيمة اجتماعية، تتغير بتغير الزمان والمكان، أي من عصر إلى عصر، ومن أمة إلى أخرى، فهذه القيمة يستلهمها الفرد من ظروف الحياة التي يعيشها، ومن مدى حماية مجتمعه للامتيازات التي منحه الله إياها.".
"كلما ارتفعت القيمة الاجتماعية للفرد زادت الضمانات التي تدافع عن امتيـازات الفرد، لتقـارب القيمة الثابتة كلما استشعر هذا الفرد، رجلاً كان أم امرأة، ارتفاعاً لقيمته الذاتية والنفسية والمادية، والعكس صحيح".الظروف التاريخية والاجتماعية تنزل القيمة الأولى أو ترفعها إذن.
هذه النظرة مشتقة بالأسلوب من نظرية مالك بن نبي عن المعاملين الذين يؤثران في قيمة الفرد المستعمر كما شرحها مالك في كتابه "شروط النهضة" "المعامل الاستعماري" ومعامل "القابلية للاستعمار" ولكنه سير مع أسلوب مالك وحسب وليس مع جوهر الفكرة التي هي من تطويرات الأستاذة رحمة فيما يبدو لي.
" وأما الصنف الآخر من الكتابات: فهي تلك التي تناولت المرأة وكأنها عنصر مستقل عن باقي المجتمع. ويبدو أن هذا الصنف الأخير يمثل قطبين في صفة صراع ظاهري: قطب أراد انفتاحاً كاملاً وتقليداً أعمى للغرب، وقطب شدّد على المرأة حتى كاد أن يخنقها، وبرهن على أن الغُلُوّ يولد الغلو، أي أنه دفعها في كثير من الأحيان إلى مثل ما أراد لها الطرف الأول، وجعلها بذلك تهرب من واقعها وتلهث وراء الغرب".
في وجه هذه الأشكال من النظرة للمرأة تحاول السيدة رحمة أن تأتينا بنظرة جديدة ، هذه النظرة مأخوذة مباشرة من مالك الذي تستشهد به الكاتبة:
" يجب أن لا تكون نظرتنا إلى هذا الموضوع بدافع رفع المستوى المرأة ذاتها، أي بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري".
فالغرب قد عزل المرأة عن وضعها في إطارها الصحيح كعنصر نوعي له وظائفه الخاصة ضمن الإطار الاجتماعي، وقرر أن يعمل لمصلحتها المنفصلة عن مصالح المجتمع في سبيل مساواة وهمية تجعلها تتطابق مع وضعية الرجل مما جعلها تأخذ أدواراً تضر بالمصلحة الاجتماعية العامة بدعوى أنها تحقق لها المساواة، والمثال التوضيحي الذي تضربه الكاتبة هو مثال دخول النساء مجال عمل الإطفاء مما أدى إلى انخفاض مستوى هذه الوظيفة، والتنازل عن متطلباتها بدعوى حماية حق المرأة في دخول كل الميادين التي دخل إليها الرجل.
والنتيجة التي تتوصل إليها الكاتبة في هذا السياق:
" ومن هنا فإن مشكلة المرأة ستبقى قائمة ما بقينا ننظر إليها على أساس أنها عنصـر مستقل، ما لم نبحث عن حـل ينسجم وباقي الحلول الاجتماعية".
وتتحدث الكاتبة عن فتاة اليوم التي " كثيراً ما تجهل طبيعة أدوارها، ورسالتها في رعاية المجتـمع، فتخطط - إن خططت - لحياتها، دون مراعاة إمكانياتها وغاياتها، ولكن طبيعة الحياة ترفض هذا التحدي، فيصدمها الواقع بخسـائر حين لا تستطيع تحقيق أهداف كانت قد بنتها على أساس من الخيال والأوهام، ومن ثم تصـاب بخيبة أمل ترهقها بالشعور بعدم تحقيق ذاتها."
الأفكار التي بني عليها هذا التوجه الخاطئ أفكار استوردت من إطار اجتماعي مختلف، وتستعير الكاتبة من والدها نظريته عن "الأفكار الميتة والأفكار المميتة" : " فشل هذه الأفكار المستوردة قد يعود إلى أحد سببين: إما أنها أفكار لم تلق نجاحاً في أرضها، فتُوّج فشلها بإعلان موتها، واستبدال أفكار جديدة بها، غير أن غيابنـا عن ساحة الأفكـار حال بيننـا وبين حضور موكب جنازتها، فبقينا مفتونين بها. وإما أنها أفكار صالحة داخل أجوائها الأصلية، حيث تحظى بعلاقات تغذيها وتحميها، بينما تتحول إلى أفكار ميتة أو مُميتة في بنية جديدة تحرمها من تلك العلاقات الأساسية."
ثم تحدد الشروط التي يمكن فيها لاستعارة الأفكار أن تنبني على أساس سليم وتتعلق هذه الشروط بثلاثية مالك بن نبي المعروفة: الأشياء والأشخاص والأفكار: " أولاً: مع باقي الأفكار التي تشكل الإطار الفكري والثقافي في هذه البيئة الجديدة، بحيث لا يكون هناك تعارض يؤدي إلى انعدام فاعلية الفكرة أو تأثيرها تأثيراً مضاداً.
وثانياً: مع الأشياء التي تخدم هذه الفكرة، وتساعد على تحقيق نجاحها.
ثالثاً: مع الأشخاص، أي أنها تكون فكرة تخدم غايتهم، وتحترم قيمتهم. "
وكل استعارة لا تراعي هذه الشروط تصبح "خطراً يهدد الأفكار بالقلق والأمة بالتقاعس".
"، والمرأة وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكـار المستوردة - التي لا تحتوي لا الغايات ولا الوسائل - لن تجني سوى خسائر مادية ومعنوية، حينما تحاول تطبيق هذه الأفكار؛ فيكون الفشل حليفها، فتشعر أنها لم تحقق ذاتها، بينما تجهل الواقع وهو أن الأفكار تحمل سبب فشلها.",
وتعود رحمة إلى أهم فكرة في اعتقادي تميز جوهر دعوة مالك بن نبي النهضوية: الفكرة القائلة إن الطريق السليم النهضوي الوحيد للحصول على الحقوق هو أداء الواجبات أما التركيز على الحقوق مع تجاهل الواجبات فهو سبيل الكسل والانحطاط، وهو دأب رجال "البوليتيكا" الذين يخدرون الجماهير بالوعود الانتخابية المعسولة التي لا تتحقق، وعود خطاب يعد الجماهير ب"حقوق" تنزل عليها من السماء، كما كان الناس أيام انحطاط الصوفية ينتظرون الخيرات من "الزردة".
وتطبق السيدة رحمة على أوضاع المرأة هذه الفكرة الأثيرة عند مالك بن نبي، التي يركز عليها الفقير لله في كتاباته في السنوات الأخيرة:
" وفي ظل هذا المنطق أيضـاً ظهرت في العـالم وفي البـلاد الإسلامية "الحركات النسائيـة" التي تزعم السـعي لتحرير المرأة، والتي استهوت المرأة، وسلكت بها سبيل الأماني، فأغرتها بحقوق موهومة، وأنستها واجباً أساسياً ألا وهو ممارسة حرية الإرادة والقرار ممارسة سليمة، تراعي مصالحها ضمن مجتمع بأكمله، وتضمن لها الطمأنينة التي تخلصها من القلق.".
" ومن الثابت أنها لن تنال هذا الحق كاملاً إلا إذا انتقص منها في مجـال آخر، ما دامت تُبدي مفاتنها، وما دامت لم تقم بواجبها، فتصلح من حالها، وتخرج ضمن حدود زي يجعل العمل إلى جانبها يراها على ضوء ما تقدمه من خدمات، لا على أساس ما تعرضه من زينتها ومفاتنها.".
الواجبات والحقوق متكاملة في المجتمع فواجبات جزء هي حقوق جزء آخر، وقيام الجميع بواجباتهم يعني حصول الجميع على حقوقهم!.
" وما دامت المرأة تسلك طريق المطالبة بالحقوق، فإن خسائرها ستتفاقم، حتى إنها ربما أضاعت ما تتمتع به من امتيازات؛ فزادها ذلك شعوراً بالقهر والانكسـار وبعدم تحقيق ذاتها.".
وتتكلم السيدة رحمة بعد ذلك كلاماً وجيهاً عن وضع العالم المعاصر، ووضع العالم الإسلامي فيه بخاصة:
غيرت هذه الحالة العالمية مفهوم "العمل":
" فلم يعد الكون يسخَّر لخدمة الإنسان، وإنما الإنسان يسخَّر لخدمة الماديـة التي تقوم على المنفعة والرغبـات النفسية. لم يعد الفرد يقاس بما لديه من قيم، وما يتماثل من سلوك، أي أنه لا يقاس وفق مبدأ (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات:13)، بل أصبح يتصور واقعه وقيمته وفق ما يمتلك أو يستهلك من منتوجات. ".
لقد فأحالت العمل إلى مفهوم ضيق المساحة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائد المادي، بعد أن كان مفهوماً واسعاً، أي كما ورد في القرآن الكريم: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ). (التوبة: 105).
فبعد أن كان الفرد يبحث عن عمل صالح يجمع بين بُعدين، البعد الأُخروي الذي يمنحه المبرر، ويرسي له دعائم التوازن، والبعد الاجتماعي، أصبح اليوم لا يبحث إلا عن عمل يضمن له بعـداً فردياً مادياً، إن لم يحصل عليه وقع في الاضطراب، وأرهقه شعور الفشل وعدم تحقيق الذات.
وهذا ما يلخص شعور المرأة، خاصة إذا لم تساهم في الدخل المادي للعائلة بسبب طبيعة مسؤولياتها الأخرى كأم وزوجة معطاء."
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رغداء زيدان
- الزيارات: 7
العزّة
رغداء زيدان / سوريا
العزّة في اللغة :
هي القوّة والشدّة والغلبة, والعزّ والعزّة هي الرفعة والإمتناع .
وفي التنزيل العزيز جاء قوله سبحانه تعالى:" وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " (المنافقون: من الآية8) .
ورجلٌ عزيزٌ: منيعٌ لا يُغلب ولا يُقهر.
والعزّة: الشدّة والقوّة. (1)
وقد عرّف القدماء العزّة بأنّها صفةٌ مانعةٌ للإنسان من أن يغلبه غيره.(2)
وفي الإسلام هي: خلقٌ أراده الله للإنسان أن ينغرس في نفس المسلم, وأن يتّصف به المؤمنون.
قال سبحانه تعالى: "وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " (آل عمران:139)
وقال أيضاً عزّ وجلّ واصفاً المسلمين: " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ " (المائدة: من الآية54) .
منهج الإسلام في غرس العزّة في نفس المسلم :
كان للإسلام منهجٌ واضحٌ في غرس العزّة عند المسلم, هذا المنهج يتمثّل بعدّة نقاطٍ, أهمّها :
1 ـ جاءت عقيدة التوحيد لتخلّص الإنسان من عبادة غير الله :
ولتسمو روح العزّة في نفسه, فلا خضوع إلاّ لله, ولا رجاء إلاّ بالله, ولااستعانة إلاّ بالله, فهوالخالق, والله الرازق, وهو الشافي, والمعافي وهو المنتّقم الجبّار: " الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ " (الشعراء:78 , 82)
فالله وحده, لا شيء غيره, يخضع له المسلم, فيتخلّص بذلك من ذلّ الإنقياد لأيّ إنسانٍ, أومخلوقٍ آخر, أو قوّة طبيعيّة أو صنعيّة, أو حجرٍ, أو شجرٍ, أو أيّ شيء آخر غيره سبحانه ويتخلّص من ضعة الإتبّاع, وضعف الطلب وذلّه, فاستقرار " العقيدة الربّانيّة في أعماق النفس الإنسانيّة, يجعلها تتحرر من الخوف والجبن, بل يجعلها عزيزةً كريمةً فلا تذلّ لأحد "(3) .
2 ـ والله استخلف الإنسان في الأرض :
و خلقه في أحسن تقويم, و سخّر له الكون كلّه, و ما فيه من مخلوقات. وقد أكد الله سبحانه هذا في القرآن الكريم, فقال تعالى : " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْب,رِّ وَالْبَحرِ وَرَزَقْنَاهمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً " (الاسراء:70) .
وجاء قوله تعالى:" أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً " (لقمان: من الآية20) .
" وهذا كلّه يثبت أنّ الإنسان نوعٌ متفرّدٌ ومتميّزٌ عن سائر الحيوانات, فإنّها, وإن شابهته في عناصر تكوينها الطيني , تخالفه ويخالفها في التكوين المعنوي, إذ لم يكرّمها الله بما كرّمه به من الروح والعقل "(4)
وهذه العقيدة تغرس في نفسه العزّة, فلا يتعامل مع باقي مخلوقات الله من منطلق التابع, بل من منطلق السيّد العزيز, الذي كرّمه الله سبحانه, وشرّفه, ونفخ فيه من روحه .
3 ـ ورد وصف الله سبحانه " بالعزيز" في تسعين آيةٍ في القرآن :
وما ذلك إلاّ ليعرف المسلم أنّ الله هوالغالب, وهو القويّ الذي لا يعجزه شيءٌ " فكأنّه أراد بذلك, وهو أعلم بمراده أن يملأ أسماع المؤمنين بحديث العزّة والقوّة, فإذا ما سيطر عليهم اليقين بعزّة ربّهم, استشعروا الق,,وّة في أنفسهم, واعتزّوا بمن له الكبرياء وحده في السماوات والأرض, وتأبّوا على الهوان حين يأتيهم من أيّ مخلوقٍ " (5) .
4 ـ أثر فريضة الجهاد في النفوس :
فقد فرض الله سبحانه وتعالى الجهاد على المسلمين ليحفظوا به عزّتهم, ولم يكن الجهاد , في يومٍ من الأيّام , وسيلةً للسيطرة والعدوان على الأخرين , بل هو" ثورةٌ دائمةٌ, لانمكّن بها عدوّاً من التحكّم في رقابنا" (6) . وهو الوسيلة التي أمرنا الله أن نتّخذها من أجل إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد . وقد حذّرنا الله سبحانه من التقاعس عن الجهاد , فقال تعالى: " إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَل,ى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (التوبة:39) . وأمرنا سبحانه أن نجاهد مهما كانت الظروف والأحوال فقال: " انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاه,,دُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " ( التوبة:41)
لذلك فقد كان المسلمون الأولون يسارعون في الجهاد, وفي تلبية داعيه لأنهم عرفوا أنّهم بالجهاد يحافظون على عزّتهم, وينشرون دين الله الذي يحفظ العزّة لجميع البشر .
5 ـ حرر الإسلام المسلم من الخوف بكافّة أشكاله :
سواء كان هذا الخوف على الحياة , أوكان بسبب الحصول على الرزق أو كان الخوف من أذى الغير . فالمسلم يعلم أنّ حياته بيد الله , لا يموت إلآ بأمره, ولا يحيى إلاّ بأمره, يقول تعالى: " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ "(النساء: من الآية78) .
ويقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ, لم ينفعوك إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله لك, وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلاّ بشيءٍ كتبه الله عليك, رُفعت الأقلام, وجفّت الصحف" (7) . فإذا آمن المسلم بهذه الحقيقة فإنّه لا يخشى أحداً إلاّ الله, ولا يخاف من شيءٍ, أو من مرضٍ, أو من أذى, فهو يؤمن بقوله تعالى: " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاًّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا " (التوبة:51) .
والمسلم يعلم أنّ الرزق بيد الله, وأنّ الله لا يمنع رزقه عن عباده الساعين للكسب الحلال, فهو يقول في محكم آياته: "وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " (العنكبوت:60) .
وبذلك فقد حرّر الإسلام الإنسان من الخوف بكافّة أشكاله, وصدق تعالى إذ يقول: " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " (آل عمران:175) .
6 ـ حرّر الإسلام الإنسان من أن يكون عبداً لشهواته :
وغرس في نفسه أنّ هذه الدنيا فانية, ومتعها زائلة, فرفع من نفس المسلم, وحرّره من الخضوع لشهواته, فمن يخضع لشهواته مستعدٌّ لأن يقبل الذلّ في سبيل الحصول على هذه الشهوات والمغريات . لذلك فقد حذّر الله الحريصين على متع الدنيا والمتهافتين عليها, من أنّ الخسران سوف يحيط بهم فقال: " قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (التوبة:24)
7 ـ حثّ الإسلام المسلم على العمل :
ونهاه عن الكسل والعجز, ففي الحديث الشريف عن أنسٍ رضي الله عنه, قال: كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: " اللهمّ إني أعوذ بك من العجز والكسل , والجبن والهرم , وأعوذ بك من عذاب القبر , وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات " (8) . فقد كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يعتبر الكسل شرّاً , يجب أن نلجأ إلى الله سبحانه متعوذّين منه , لأنّه يؤدي إلى التواكل , وإلى الذلّة التي يبغضها الإسلام . وقديماً قيل: " إنما الأمل رجاءٌ يتبعه عملٌ, ويصحبه حمل النفس على المكاره " (9) . وهذا يعني أنّ من يأمل في تحقيق أيّ شيءٍ في حياته, وجب عليه أن يعمل, والعمل لايتمّ, ولا يُؤتي ثماره إلاّ إذا صبر الإنسان على تحمّل مشاقّه, وروّض نفسه عليه, فالعمل يحفظ كرامة الإنسان, ويغنيه عن ذلّ السؤال. قال تعالى : "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " (التوبة:105)
8 ـ حرّر الإسلام المسلم من الضعف واليأس :
وأمره أن يحاول للوصول إلى هدفه مهما تعرّض للفشل, ونهاه عن اليأس, بل لقد عدّ اليأس كفراً, فقال تعالى : "وَلا تَيْأَسوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " (يوسف: من الآية87) .
وقد عاب الله تعالى على الإنسان ضعفه, ولم يقبله عذراً للإنسان ليقع في الخطأ, ويستمرّ فيه, ولن ينجو من عقاب الله تعالى يوم القيامة من يجعل الضعف عذراً لسوء أفعاله. قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً " (النساء:97) .
لذلك يجب على المسلم أن يحاول النهوض من كبواته, ولايجوز له الإستسلام للضعف واليأس, حتّى لا يذلّ ويخنع, وحتّى لايتسلّط عليه أعداؤه فيرغمونه على معصية ربّه جلّ وعلا.
وبذلك نرى أنّ الإسلام يريد من المسلم أن يكون عزيزاً كريماً, لا يخضع ولا يذلّ, بل يريده أن يتحدّى الظروف التي تجبره على الذلّة, فالإسلام ثورةٌ دائمةٌ على الذلّ والخنوع, وهو خصيم الهوان والإستكانة, ول ايرضى من المسلم إلاّ أن يكون مرفوع الرأس, لا يخضع لأحد, ولايذلّ لأحد, فالمسلمون " لايسمح لهم يقينهم بالله, وبما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام, أن يقنطوا من رحمة ربّهم في إعادة مجدهم مع كثرة عددهم . ولايسوّغ لهم إيمانهم أن يرضخوا للذلّ, ويرضوا للضيم, ويتقاعدوا عن إعلاء كلمتهم " (10) .
(1) ـ ابن منظور : لسان العرب, دار المعارف, القاهرة, الجزء الثالث, مادة عزز, 2925 .
(2) ـ أحمد الشرباصي: موسوعة أخلاق القرآن, دار الرائد العربي, بيروت, 1971م, الجزء الأوّل, 16 .
(3) ـ عبد الله علوان: محاضرة تكوين الشخصية الإنسانية في نظر الإسلام, دار السلام, بيروت, 1399 / 1979م 14 .
(4) ـ يوسف القرضاوي : الخصائص العامّة للإسلام, مؤسسة الرسالة, بيروت, ط8 , 1414/1993 م, 75 .
(5) ـ أحمد الشرباصي : موسوعة أخلاق القرآن, الجزء الأوّل, 17 .
(6) ـ محمود محمد عمارة : عزّة المؤمن, دار الخير, بيروت , 1413 / 1992م, 13 .
(7) ـ محمد ناصر الدين الألباني : صحيح سنن الترمذي, نشر مكتب التربية لدول الخليج العربي, 1408 / 1988 م, الجزء الثاني , ص 308 . والحديث مروي في باب صفة القيامة, رقم الحديث 2648 .
ـ مسند أحمد : تحقيق عبد الله محمد الدرويش, دار الفكر , دمشق , 1411/1991 م, الجزء الأول, 650 .
والحديث مروي في مسند ابن عباس , رقم الحديث 2763 .
(8) ـ البخاري : صحيح البخاري, تحقيق مصطفى البغا, دار العلوم الإنسانية, دمشق, 1413/ 1993م, ط 2, الجزء الرابع, 2209 . وقد روى الحديث في كتاب الدعوات, باب التعوذ من فتنة المحيا والممات, رقم الحديث 6006 .
ـ مسلم : صحيح مسلم, تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي, دار التراث العربي, بيروت, 1972م, ط2, الجزء الرابع , 2079 . وقد روى الحديث في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار , باب التعوذ من العجز والكسل .
(9) ـ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده : العروة الوثقى , ص 123 .
(10) ـ المصدر نفسه, 125 .
- التفاصيل
- كتب بواسطة: نهاد عبد الإله خنفر
- الزيارات: 5
كأنك تحمل الأشواك بعد أن حسبتها وردا، أو لكأنك تمشي في حقل طويل من الألغام بعدما حسبته بستانا اخضرا وارف الظلال، هذا إن كنت ممن انضموا إلى الفريق الكبير الذي أعطى بعضا أو مزيدا من فكره وفاعليته في محاولة لتمييز المقاومة عن الإرهاب. بالاستناد إلى القانون الدولي وقواعده التي تناولت هذا الموضوع، فقد اتضح للكاتب أن هناك فروقا أساسية تصلح كإسناد للتفريق بين المقاومة والإرهاب، حيث يرى الكاتب أن الحدود واضحة على الرغم من بعض التداخل المثار في بعض المناطق النقاشية، وان الفصل كامل بينهما برغم الإصرار على تعمد الانتقاص من كماله في أكثر من محور وعلى أكثر من جانب. إن لغة المصالح التي تتفق أحيانا وتتعارض في كثير من الأحيان بين مختلف الدول والأنظمة السياسية في العالم، وخصوصا تلك الدول التي أنشأت إمبراطورياتها الاستعمارية تغذية لمصالحها الخاصة التي اقتضت سحق كل الأصوات التي تناهض تحقيقها، سواء كانت أصواتا عرضية مصلحية تبتغي المقايضة والاكتساب المصلحي، أو كانت مظلومة تبتغي وراء الإنصاف سبيلا.
قد نتفق على أن المصالح الاستعمارية تتقدم في العادة على غيرها من المصالح، حتى لو كان عنوانها حقوق مهضومة، ودماء سائلة، ومظالم مرفوعة، وذلك لحتمية الاقتران الاعتيادي الدائم بين الاستعمار والقوة والجبروت، فان هضمت الحقوق وأنكرت، وان سالت الدماء وأهرقت، وان استشرى الظلم وتوطد، كان لا بد من لغة خاصة، ذات أحكام مخصوصة ترتقي في الحال إلى مستوى إعادة الأمور إلى نصابها، فان احتلت الأرض، فكان لا بد من زوال هذا الاحتلال، وان شجبت الحقوق كان لابد من قوة لإحيائها ومن ثم إعادتها. المقاومة الوطنية أو القومية كانت سبيلا حقيقيا ودائما لكل الشعوب التي تتعرض إلى النكران والحرمان، وأما الوحشية الاستعمارية فكانت أهم السبل وأكثرها لإسكات هذه المقاومة وقمعها، وليس للمحتل والمستعمر إلى ذلك غير هذا السبيل. في العادة، تقف الدول ذات الشهية الاستعمارية المحبة للتفرد والتوسع، والقاضي بسيطرة تلك الدول على ما تصل إليه يدها وسلطتها من مقدرات الشعوب الفقيرة والضعيفة، يجري كل ذلك بإيحاء من صلف القوة الذي يبتعد بكل التوجهات عن مناطق الفهم الأخلاقي والقانوني وحتى المنطقي في كثير من المرات، ولذا فليس من المستغرب أن نكون على موعد حقيقي ودائم يختلط فيه حابل الحقيقة بنابل الخيال المصطنع مستعيرا ما استطاع من قدرة فظة على الخلط والمزج، حتى ليصبح التداخل أشبه ما يكون بانقلاب مفاهيمي شامل في الرأي والرؤية، بل وفي الأفكار والقناعات، فليس من المستغرب حينئذ أن يتحول الظالم وبأبسط المعايير إلى مظلوم يستجدي عطفا ويستدر دموعا، وينتحب ليجبر الآخرين على العويل والنواح، وليس من المستبعد أيضا وكما يحصل في واقع الحال أن يكون الضعيف المسكين حاسدا، وان يكون الغني الجشع محسودا لكونه سببا مهما من أسباب الحياة والنجاة معا. مفاهيم مقلوبة، فمن الطبيعي الآن أن تتحول الأمة التي لملمتها أطياف المصلحة وأحلام الثراء الدامي من بقاع الأرض وأصقاعها ما نعرف منها وما لا نعرف، ومن العادي جدا أن يتحول الشعب الأصيل إلى دخيل مجرم خارج عن القانون، أو إلى شبه مجرم في أحسن الأحوال، يجب التخلص منه قبل أن يستشري الإجرام في تفاصيل جسده، والأكثر طبيعية من ذلك أن تسحق الشعوب باسم الحرية التي قلد الرب عقالها لشعوب مختارة دون غيرها. نعم ونعم ونعم، فأوهام التوسع باتت أكثر حقائق الديمقراطية سطوعا، فأن يقتل مالك البيت لصا فهذا خروج عن القانون وعن الشرعية وعن تواليف المنطق الحضاري وأركانه الممتدة من أزمان الفرس والرومان واليونان وكل الرقاع الحضرية ما عرف منها البشر وما لم يعرفوا، وأما أن يقوم اللص بسرقة أثمن وأغلى ما يملك أصحاب البيت دون حسيب أو رقيب، ودون عقاب أو عذاب، فتتحول المسروقات إلى أملاك شرعية للسارق، كل ذلك لان صاحب البيت ضعيف لا يملك في قاموسه قربا محمودا من قوي أو صاحب سلاح. هو الانقلاب الذي يعاكس انقلاب الربيع وبداية دفئه، وذلك لأنه انقلاب من نوع آخر ومتأخر، لأننا نرى فيه صيفا قائظا ونارا متلظية تمنعك بعضا من صقيع اعتيادي لا تستقيم الفصول إلا به، فيمنع علينا أن نقول أننا مدافعون، ويمنع علينا أن ننطق باسم الحرية التي ندافع عنها، ويمنع قبل ذلك أن نكتب الكلمات أو نصيغ الجمل، ليس على دفاتر تكتبها الأقلام فحسب، وإنما على صحائف ذهنية قد نستنشق بعضا من رائحة أحبارها، حتى قبل أن تتحرك أصابعنا في نية مترددة لامتشاق يراع مثلوم في يد مرتجفة تقصد فتح الدواة أمام عيوننا فقط.
قد يكون الكاتب متأثرا جدا بما طغى على مفاهيم العالم من انقلابات دامية، ذات أغصان حديدية، لا تزال تتساقط أوراقها حتى لحظة كتابة هذه السطور، وذلك لان طبيعة الإنسان تقتضي أن يكون كاتبا بحسه وانفعالاته وصدق نواياه التي قد تثبت بحديث علمي موثوق، أو بحقيقة علمية لا يخفى حالها وحراكها على من ارتضى لان يكون إنسانا يعتمر عقلا متقدا ونافذا، ولهذا لم استغرب كثيرا حينما علمني أساتذتي أن الملاحظة والاستقراء هما من أدوات ووسائل البحث العلمي النافذ، فالقوة الهائلة التي ترصدتها بكل إمكانياتي وملاحظاتي واستقراءاتي الذهنية والعقلية لذلك العملاق الأمريكي، ومساعده الإسرائيلي المخلص، أو حتى يكون الكاتب صانعا للدقة فتتحول الأمور إلى تعبير آخر يضع العملاق الأمريكي الخادم للسيد الإسرائيلي العظيم، فلا يغرن احد يوما قلة العدد أو كثرتها، ولا يغترن أيضا بكبر الحجم أو صغره، فها هو الأطلس الجغرافي الأمريكي الواسع، ووعائه الديمغرافي الكبير الذي يربو بعشرات المرات أو بمئاتها عن القن الإسرائيلي ودجاجاته، هذا القن الذي أحكمت الدجاجات سيطرتها الخالصة على كل ديك أمريكي إلا من اختصر على نفسه جهدا، فاستقال من التاريخ وصاح بعيدا خلف الحدود لكي لا يسمع فيها إلا نفسه. هذا كله جزء من انقلاب التاريخ، لان الأجزاء الأخرى بحاجة إلى مصنفات أبي الفرج الأصفهاني الذي قد يفلح أو لا يفلح في ضمها بين عديد أجزائه التي غنى بها عن غرائب العالم وطرائفه. لان العالم الحر كما يدعون أصبح أكثر غرابة وأكثر عجبا. الكاتب وقد رأى في السطور الماضية إمعانا حقيقيا، ليس فيه من الافتعال إلا ما أجبرته عليه حدود اللغة وبعض حروفها التي استعصت على إطاعة أقلام الذاكرة، هذا الإمعان جاء تبحرا إنسانيا متأدبا ومتأنقا في ظروف يعيشها الباحث مع الإعلام الممزق بين ما هو انتحاري وما هو استشهادي، وبين ما هو وطني وما هو خائن، وبين ما هو اعتباطي وما هو مبرمج مقصود، وبين ما هو تقويم مشروع لحيثيات مقاومة مشروعة، وما هو تبرير افاك لإرهاب أعمى أقال البشر والحجر والشجر، وأطاح بقيم الجمال والمحبة والشرعية تحت قدميه المتواريتين في وحل الخلط والدمج والتيه، إن القائد أو الزعيم أو لنجعل الأدوار موزعة بين الملك وبين ولي عهده الأمير، هما اللذان قادا ويقودان مرحلة الانغماس المستنقعي الموحل في رمال متحركة، تبتلع من يقف بجانبها بلا تزلف أو اتزان محسوب، إلا من أرقام الكرامة التي شطبها الديوان الملكي منذ حين. هذا الانغماس إنما هو معكوس كل الكلمات وكل الأوزان، ولكن هذه المرة دون مرآة أو صفحة عاكسة من الماء. الملك الإسرائيلي، وولي عهده الأمريكي وحواشيهما هم من بدؤوا يهدمون الأجراس حتى لا تقرع، إلا تلك الأجراس الصغيرة التي لا يسمع نقيرها إلا لماما، وليس لكل من أراد، هنا يستوقف الكاتب فيض الكلمات، ويحاول الانعطاف بعيدا عن ديوان الملك وولاية عهده، قاصدا عدم الانغماس إلا بما قد يطوله من رذاذ الأوحال التي لم يرد أن تكون على جوار منه، وذلك بالقول : بان المقاومة عنف، وبان الإرهاب قمة العنف، فأما المقاومة فهي مولودة شرعية لوطن جريح وشعب متألم، فلا تكون إلا ضد المحتل حصرا، ومن اجل إدخاله في قواميس الذلة والخزي والعار، وأما الإرهاب فلا شرعية لميلاده، ولا وطن لمنطلقاته أو منطقية لأهدافه، إلا من قتل محرم، أو فعل مجرم، غالبا ما يقوده محتل حاقد، أو مغتصب ظالم، لا يستطيع العيش إلا على صدقة الدماء. ولا يترعرع إلا في أحضان الزوايا المعتمة التي تهوى إلى النور أي سبيل.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: رغداء زيدان / سوريا
- الزيارات: 8
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
في وقتنا الحاضر أخذنا نسمع بمصطلحاتٍ جديدةٍ لم نسمع بها من قبل, منها مصطلح فقه الأقليَّات، هذا المصطلح الذي يقصد فيه مطلقوه الفقه الخاصَّ بالأقليَّات المسلمة الموجودة في البلاد الغربيَّةِ والَّتي يعرض لها في حياتها ما تشعر فيه بالحاجة إلى تشريعٍ يوافق ما بين الإسلامِ وحياة هذه الأقليَّاتِ في تلك البِلاد، ويجعلها أكثر انسجامًا مع قوانينِ ومتطلبَّاتِ الحياة الغربِيَّةِ, مثل "زواج الفرند" الَّذي أُطلُقِ مُؤخَّرًا, حيث سمعنا عن فتوى أطلقها الشَّيخُ الزَّنداني ويقول فيها أن هذا الزَّواجَ يُعتبُر حَلاًّ لمشكلةٍ يعاني منها الشَّبابُ المسلم الموجود في البلاد الغربِيَّةِ المتحلِّلَةِ حيث يتعرَّضُ لإغراءاتٍ كثيرة، وَرُبَّما لا يستطيع الزَّواج، فيمكن له أن يتزوَّجَ من امرَأَةٍ مسلِمَةٍ ويبقى كلُّ واحِدٍ منهما في بيت أهلِهِ ريثما تَستَقِرُّ الأحوالُ ويستطيعانِ في الوقت ذاته أن يلتقِيَا بِشَكلٍ شَرعِيٍّ بعيدًا عن الزِّنا ومعصيةِ اللهِ.
وفي الحقيقة فإنَّ هذا الأمر من جهة الحلال والحرام هو أمرٌ مباحٌ طالما أنَّ عقد الزَّواج مستوفٍ لشروطه من إِيجَابٍ وقبولٍ وَشهودٍ وَموافَقَةِ وَليِّ الأمر. ولكن هل يتوافق هذا الأمر مع روح التَّشريعِ الإِسلامِيِّ بالنِّسبَةِ لتكوين الأسرة المسلِمة؟...
لقد وصف الله تعالى العلاقة الزَّوجِيَّةَ على أنَّها مودَّةٌ ورحمة، وعلى أنَّ الزَّوجَ هو لباسٌ للمرأة وأنَّ المرأَةِ هي لباسٌ للزَّوج، أي أَنَّ العلاقة الزَّوجِيَّةَ لا تقتصر فقط على إِشباعِ الرَّغباتِ الجِنسِيَّةِ، بل هي أعمق وأسمى من ذلك.
وَبمجرَّدِ أن يتمَّ الزَّواج فإنَّ هناك واجباتٌ ومسؤوليَّاتٌ تترتَّبُ على الطَّرفينِ، الزَّوجُ وَالزَّوجَةُ، وأهمُّ هذه الواجبات هي تكوين الأسرة المسلمة وتربيَّةُ الأولادِ الصَّالحينَ الَّذينَ سيبنون الوطن. وَحديث النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ وَاضِحٌ في هذا الشَّأنِ حَيثُ قال: (( يا مَعشَرَ الشَّبابِ، من استطاع منكم الباءَةَ فليتزوَّج، فإِنَّهُ أَغضٌّ للبَصرِ وَأَحصَنُ للفَرجِ، وَمن لم يستطع فليصم فَإِنَّ الصَّوم له وجاء ))، وقد أخرج هذا الحديث كُلٌّ من البُخارِيِّ وَمسلم. وفي هذا الحديث يَحِثُّ النَّبُّي صلَّى الله عليه وسلَّمَ الشَّبابَ على الزَّواجِ، ولكن بشرط امتلاك القدرة على تَحَمُّلِ نفقاته ومسؤوليَّاتِهِ وتبعاته، ومن لا يملك هذه الاستطاعَةَ لم يأمره بقضاء شهوته عن طريقٍ آخر، إِنَّمَا أرشده إلى علاجٍ آخر هو الصَّومُ الَّذي يُسكِّنُ الشَّهوات، ولم يفرِّقُ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ بين بلدٍ وآخر في هذا الشَّأن.
وإذا قيل إنَّ الإِباحِيَّةَ الموجودة في البلاد الغَربِيَّةِ تجعل من مقاومة الشَّبابِ المسلم ضعيفةً فإنَّ هذا الأَمرَ مردودٌ، لأنَّ الإباحيَّةَ منتشرَّةً في كلِّ البلاد حتَّى الإسلاميَّة مِنهَا، ووسائل الإعلام وانتشارها واعتمادها بشكلٍ أساسِيٍّ على الإثارةِ والإِغرَاءِ لتسويق نفسها، أَكبرُ دليلٍ على انتشار هذه الإباحِيَّةِ في كلِّ مَكانٍ.
وليس معنى قولي أَنَّني ضِدّ التَّيسيرِ أوِ تسهيل الأمورِ، فالإسلام هو دين اليُسرِ، ولكن أخشى أن يكون في مثل هذه التَّبريرات مدخلٌ للشَّيطانِ لِتَحليلِ ما حرَّمَ اللهُ، وبحُجَّةِ الأقليَّاتِ أو غَيرِهَا نهدِمُ ديننا الَّذي فيه عزَّتُنا وَقوَّتُنا, وباعتقادي فَإِنَّ من أكثر الأمور التي أضعفت المسلمين وأوصلتهم إلى ما هم فيه من ذُلَّةٍ وَضعفٍ، هو محاولةُ المسلمينَ تطويعُ دينهم بما يناسب الغرب بِحُجَّةِ أَنَّ الإسلامَ هو دينٌ مَرِنٌ ويناسب كُلَّ الأزمانِ، وهذا القولُ صحيحٌ ولكن يجب أن ننتبه إلى أنَّ في الإسلام قواعدٌ وأساسيَّاتٌ لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها, وأَنَّ للإسلام نظامٌ وأهدافٌ وَغايَاتٌ سامِيَّةٌ هدفها تغيير المجتمع الفاسد وليس التَّغيُرُ بما يناسب هذا المجتمع الفاسد وذلك عن طريق النَّفاذِ إلى تحليلاتٍ وتفريعاتٍ لا تفيد المسلميَن في نَهضَتِهِم وَتَقَدُّمِهِم.
إِنَّ التَّطويرَ وَالتَّجديدَ مُهِمٌّ جِدًّا، وَمُراجَعَةُ الذَّاتِ مُهِمَّةٌ أَيضًا، ولكن يَجِبُ الانتِبَاهُ وَالتَّروِّي حَتَّى لا نقع في الخطأِ، ولنا في قصص غيرنا عبرَةٌ، فمن ذلك ما روي عن ناسِكٍ مُتَعَبِّدٍ جاءه رجُلٌ يريد السَّفَرَ وَطَلَبَ مِنهُ أَن يَقبَلَ زَوجَتَهُ أمانةً عِندَهُ لحين عودتِهِ، وأخبَرَهُ أَنَّهُ اختارَهُ هو من بين كُلِّ النَّاسِ لما يعرف من تقواه وورعه وخوفه من الله, وقبل النَّاسِكُ ذلك بعد توسُّلاتٍ كثيرَةٍ من الرَّجُلِ، وَأَسكَنَ النَّاسِكُ المرأة في غرفةٍ مقابِلَةٍ لِصَومَعَتِهِ وَصار يُقَدِّمُ لها الطَّعامَ فَيَضَعَهُ أمام باب الغُرفَةِ وَيطرق الباب ثُمَّ يَدخُلُ إلى صومَعَتِهِ، وبعد ذلك تخرج المرأة وتأخذ طعامها، واستمَرَّ على ذلك حتَّى حدَّثَتهُ نفسه بِأَنَّ هذه المرأة ليست بحاجَةٍ إلى الطَّعامِ فقط، بل هي بِحَاجَةٍ إلى المؤنِسِ الَّذي يُحدِّثُها وَيَطمَئِنُّ عليها. فَسَمَحَ لِنَفسِهِ برؤيتها والحديث معها ثُمَّ أخذ ينسى عبادته وصلاته وشغل بها حتَّى وقع في معصيَةِ اللهِ مَعَها.
وهكذا تَبدَأ المَعاصي بِالنِّيَةِ الحسنة، ثُمَّ تَتحوَّلُ إلى إطاعة النَّفسِ ثُمَّ بِعَدَمِ القُدرَةِ على مقاوَمَةِ شَهَواتِهَا وَرَغَبَاتِهَا، وَقانا اللهُ من ذلِكَ, وفي الخِتَامِ نَذكُرُ قول اللهِ تَعالَى: (( أَفَحُكمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبغونَ وَمَن أَحسن من اللهِ حُكمًا لِقَومٍ يُوقِنون ))، (المائدة 50 ).
وَالسَّلامُ عَلَيكُم