رأی جديد فی تسمية المعلقات
حميد أكبري
اختلف العلماء قديما و حديثا فی سبب تسمية المعلقات، و هی التی جمعها حماد الراوية فی أواخر عصر بنی أمية و أوائل عصر بنی عباس. و ذلك أنه لما رأی زهد الناس فی الشعر، جمع لهم هذه القصائد السبع، و قال هذه هی المشهورات، فسميت القصائد المشهورة.
و يراد بالشعر الذی زهد الناس فيه علی عهد حماد الشعر الجاهلی القديم، و إلاّ فإن سوق الشعر ?انت رائجة فی عهد حماد، و ?ان الشعراء المحدثون فی ذلك العهد لا يحصون من ?ثرة. و قد أخذوا يخرجون علی الشعر القديم و يزهدون فيه و يهجرون مذاهبه و أساليبه. و ?ان أول من فعل ذلك بشار بن برد الذی يعد رأس شعراء المحدثين، و ?ان من أصدقاء حماد المقربين. فدعا هذا الأمر حماد إلی محاولة إحياء ذلك الشعر المهجور و ترغيب الناس فی حفظه و روايته، فجمع هذه القصائد لهم، و لعلها ?انت أول ما جمع من الشعر العربی.
و يؤخذ من نص الرواية السابقة فی جمع حماد لها، أنها لم تكن قبل جمعه لها تعرف بهذا الإسم «المعلقات»، و أنها ?انت تسمی عقب جمعه لها القصائد المشهورة أخذاً من قوله بعد انتهائه من جمعها«هذه هی المشهورات». و لو ?انت تسمی قبل جمعه لها باسم المعلقات، لقال بدل هذا بعد انتهائه من جمعها«هذه هی المعلقات»، و سماها باسمها المعروف، و لم يعدل عنه إلی ما ذ?ره فی تمييزها؛ فعدوله عنه إلی ذلك دليل علی أنها لم تكن تعرف بهذا الإسم، لأنها لو ?انت تعرف به قبل حماد لكان لها اسم يجمعها، و ?انت مجموعة بالفعل فيه، و لم يكن هناك من حاجة إلی جمع حماد لها.
و إذا أردنا أن نعرف كيف حدث هذا الإسم «المعلقات» لها بعد جمعها، فلننظر إلی ما جری للناس معها بعد أن جمعها حماد، فلقد أخذوا يعنون بحفظها و شرحها، ثم شغفوا بذلك الحفظ و الشرح و اتخذوها متنا شعريا مثل المتون التی دوّنت فی العلوم بعد جمعها، ?ما شغفوا بحفظها و تعليق الشروح عليها؛ و لكن هذه القصائد ?انت أسبق جمعا من هذه المتون، حتی أتی عليها زمن و هی منفردة بعناية الناس بتعليقها حفظا و شرحا، فشاع لها بين الناس هذا الإسم الجديد «المعلقات»، و نسوا به اسمها القديم «القصائد المشهورة»، ثم مضوا علی ذلك إلی أن جاء من العلماء من عُنِیَ بفهم هذا الإسم الجديد لها و معرفة سرّ إطلاقه عليها، ففرض لها تلك الفروض الخاطئة التی سنبيّن فيما بعد خطأها.
و لا شك أن اللغة تسوّغ اشتقاق هذا الإسم «المعلقات» لتلك القصائد التی عنی بها الناس بعد جمعها من حفظها و شرحها، فإن الحفظ تعليق لما يحفظ بمحل حفظه، و الشرح تعليق علی ما يكون هو شرح له؛ و لا تزال الشروح التی توضع علی المتون و نحوها تسمی شروحا و تعليقات. و قد جاء فی القاموس أنه يقال: «فلان علق علم» أی : يحبه و يتبعه، و « علق شر» ?ذلك؛ فهذه المعلقات معلقات مما حدث للناس بعد جمعها من حبهم لها و تتبعهم إياها بما ?ان يتبعونها به من حفظها و شرحها، و هی معلقات بمعنی محفوظات أو مشروحات؛ و قد خصّت بهذا الإسم لأنها ?انت أول ما عنی بجمعه و تدوينه و حفظه و شرحه من الشعر.
فهذا إن لم يكن هو الذی وقع فی حدوث هذا الإسم «المعلقات» لتلك القصائد بعد جمعها، فهو فرض قريب يرتاح إليه العقل فی بيان وجه تسميتها بذلك، و هذا شأن ?ل الفروض العلمية التی يراد منها تقريب فهم بعض المسائل العلمية من المعقول، إذ تستعصی عليها، و لا يمكن بيقين معرفة سرّها، و هو خير من تلك الأمور الخاطئة التی يذ?رها من يذهب إلی أن تلك القصائد ?انت تسمی قبل جمعها باسم المعلقات، و لا يذ?رها علی أنها فروض رددّها الخاطئون؛ بل علی أنها أمور وقعت و ?انت سببا فی تلك التسمية.
قالوا إن الشعراء فی الجاهلية ?انوا يقصدون أسواق العرب التی ?انوا يقيمونها ?ل سنة بجوار م?ة، فيتناشدون الأشعار، و ?ان ينصب للشاعر فيها ربوة، فيصعد إليها، و تحدق به العيون، و تشرئبّ إليه الأعناق، فينشد قريضه عليهم حتی يأتی علی آخره، فلا يقاطعه أحد و لا يستوقفه. فإذا ما أحكم القول، و بلغ من الفصاحة ما وقع اتفاقهم علی حسنه و إجادته، ?تبوه بحروف الذهب علی نفيس الديباج، و علّقوه علی الكعبة تنويها بشأن صاحبه و تخليدا لذ?ره.
و ممن قال بهذا أو نحوه فی سبب تسمية تلك القصائد بالمعلقات أحمد بن عبد ربه القرطبی صاحب العقد الفريد، و ابن خلدون، و ابن رشيق. قال ابن عبد ربه : «و قد بلغ من ?لف العرب بالشعر و تفضيلها له أن عمدت إلی سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب فی القباطی المدرجة، و علّقتها بأستار ال?عبة، فمنه يقال مذهبة امرئ القيس، و مذهبة زهير، و ...؛ و المذهبات السبع يقال لها المعلقات».
و قال ابن خلدون بعد ?لام له فی ذلك : «حتی انتهوا إلی المباهاة فی تعليق أشعارهم بأر?ان البيت الحرام، موضع حجّحم و بيت أبيهم ابراهيم، ?ما فعل امرئ القيس، و طرفة بن العبد، و الأعشی، و غيرهم من أصحاب المعلقات السبع».
و قال ابن رشيق «و ?انت المعلقات تسمی المذهبات، و ذلك أنها اختيرت من سائر الشعر القديم، فكتبت فی القباطی بماء الذهب، و علّقت علی الكعبة، فلذلك يقال مذهبة فلان إذا ?انت أجود شعره». و شبيه لهذا الرأی ما ذهب إليه البغدادی صاحب خزانة الأدب، فقد ذ?ر بأنها سميت معلقات لتعليقها علی الكعبة... يقول :«?ان العرب فی جاهليتهم، يقول الرجل منهم الشعر، فلا يعبأ به و لا ينشده أحد حتی يأتی مكة فی موسم الحج، فيعرضه علی أندية قريش، فإن استحسنوه رُوِیَ، و ?ان فخرا لقائله، و علّق علی ر?ن من أر?ان الكعبة حتی ينظر إليه، و إن لم يستحسنوه طُرِحَ و ذهب فيما ذهب».
و قد أنكر بعض الأدباء و العلماء تعليقها علی الكعبة، و حجتهم فی ذلك:
1- أن خبر التعليق وصل إلينا مبهما لم يبيّن ?يفية التعليق و لا زمانه، و لم يكشف عن الذين ?تبوها أو الملوك الذين أمروا بتعليقها أو الحكام الذين حكموا لها بالتفوق و التقدم.
2- أن الكعبة قد هدمت و جدد بناؤها علی عهد رسول الله (ص)، و لم يذ?ر شیء عن هذه المعلقات و لا عما أصابها.
3- أن العرب ما ?ان لهم أن يدنسوا الكعبة بما ?ان يشيع فی هذه القصائد من فسوق و هجر و فحش، و هم الذين ?انوا يعظمونها و يحجّون إليها.
4- أن الأشعار الجيدة التی أثرت عن العرب ?ثيرة، فلماذا لم يؤثر خبر التعليق إلا لهذه القصائد؟
و زعيم هؤلاء أبوجعفر النحاس المتوفی سنة 338ه.ق، و هو أحد شرّاح المعلقات، يقول فی شرحه علی تلك المعلقات : «و اختلفوا فی جمع القصائد السبع، و قيل إن العرب ?انوا يجتمعون بعكاظ فيتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة، قال : علّقوا لنا هذه و أثبتوها فی خزانتی، و أما قول من قال إنها علّقت بالكعبة فلا يعرفه أحد من الرواة».
و لم يذ?ر أبوجعفر هذا من هو هذا الملك الذی ?ان يأمر بتعليق هذه القصائد فی خزانته، و قد رجح بعضهم أنه ?ان النعمان بن المنذر، لأنه هو الذی ?ان يعنی من ملوك المناذرة بجمع أشعار العرب، و ?ان عنده ديوان مكتوب جمع فيه أشعار الفحول، و قد وصل ذلك الديوان أو ما بقی منه إلی بنی مروان علی حسب ما رواه محمد بن سلّام الجمحی فی ?تابه طبقات الشعراء الجاهليين و الإسلاميين.
و يستند أبوجعفر فی رأيه هذا علی ما قيل فی أن حمادا الراوية لمّا رأی صدوف الناس عن الشعر و زهدهم فيه، جمع لهم هذه القصائد السبع، و قال هذه «هذه هی المشهورات»، فسميت القصائد المشهورة.
و يؤخذ من ذلك كله أن تسميتها بالمعلقات عند أبی جعفر يرجع إلی قول الملك :«علّقوا لنا هذه» لا إلی أنها علّقت فی الكعبة، و لا يعرف علی أیّ شیء يستند أبوجعفر فيما ذ?ر عن حماد فی جمع هذه القصائد، و هو ?ما قلنا ينقض تسميتها بالمعلقات قبل جمعه لها، سواء أ?ان ذلك للوجه الذی ذ?ره أم ?ان للوجه الذی ذ?ره غيره.
و لا شك أن عصر النعمان بن المنذر أحدث من عصر ?ثير من أصحاب المعلقات، مثل امرئ القيس، و طرفة، و عمر بن ?لثوم، و الحارث بن حلّزه، و ... فلا يصح أن يكون هو الذی ?ان يعلق القصائد بخزانته بعد إنشادهم لها و استحسانه إياها، ?ما لا يصح أن يكون ينشدها أصحابها بسوق ع?اظ ، لأن سوق ع?اظ أحدث ب?ثير من عهد هؤلاء الذين ذ?رناهم من أصحاب المعلقات. فقد أقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، و هو العام الذی ولد فيه النبی (r)، ثم بقيت إلی ما بعد الإسلام حتی سنة 129ه.ق. و فی عهد إنشائها ?ان جيل امرئ القيس و طرفة و عمربن ?لثوم و ... قد انقرض أو ?اد ينقرض، و إننا نستطيع أن نجزم بأن هذه القصائد لم تنشد فی سوق ع?اظ ، و لا فی غيره من الأسواق العربية التی ?انت معاصرة له. و قد ذ?ر العلماء فی العصر الحديث أسبابا أخری فی تسميتها، و أمكنة غير سوق ع?اظ أنشدت فيها، ?ما ذ?روا لبعضها ملو?ا غير النعمان التی قيلت تلك الأشعار أمامه. و لسنا فی حاجة إلی تفصيل هذه ?له لشهرته.
مراجع البحث
1- أسس النقد الأدبی عند العرب – أحمد أحمد بدوی – مطبعة لجنة البيان العربی – الطبعة الثالثة – دون تاريخ.
2- الجامع فی تاريخ الأدب العربی ( الأدب القديم ) – حنا الفاخوری – دار الجيل – بيروت – دون تاريخ.
3- خزانة الأدب – عبد القادر البغدادي – تحقيق : عبد السلام هارون – دار ال?اتب العربی – القاهرة – 1967.
4- دراسات فی الأدب الجاهلي و الإسلامي – عبد المنعم الخفاجي – دار الجيل – بيروت – الطبعة الأولی – 1992.
5- طبقات فحول الشعراء – ابن سلام الجمحی – دار المعارف – القاهرة – دون تاريخ.
6- العقد الفريد - أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسی – تحقيق : أحمد أمين و الآخرون – مطبعة لجنة التأليف و الترجمة و النشر – القاهرة – دون تاريخ.
7- العمدة فی محاسن الشعر و آدابه – ابن رشيق القيروانی – تحقيق : محمد قرقزان – دار المعرفة – بيروت – الطبعة الأولی – 1988.
8- لسان العرب – ابن منظور المصری –
9- المفصل فی تاريخ العرب قبل الإسلام – جواد علی – دار العلم للملايين – بيروت – دون تاريخ.
10- المقدمة – ابن خلدون – منشورات استقلال – طهران – الطبعة الرابعة – 1410ه .ق.