مجلة أقلام الثقافية
  • الرئيسية
  • هذه المجلة
  • المنتديات
  • الشاعر سامر سكيك
  • انضم إلينا

واحة الإبداع

  • الشعر الفصيح
  • القصة والرواية
  • الخاطرة والنثر
  • مقالات متنوعة
  • الفن التشكيلي
  • بحوث ودراسات
  • أدب عالمي

أقلام متخصصة

  • حديث أقلام
  • القلم الديني
  • القلم السياسي
  • القلم الفكري
  • القلم العلمي
  • القلم النقدي
  • القلم الاقتصادي
  • تحقيقات صحفية

اخترنا لك

  • أعلام ومشاهير
    • أرشيف
  • قراءة في كتاب
    • أرشيف
  • مختارات شعرية

زوايا متنوعة

  • إدارة وأعمال
  • مسرح ومسرحيون
  • شؤون فلسطينية
  • للنساء فقط
  • الصحة والناس
  • من هنا وهناك
  • علوم وتكنولوجيا
    • أرشيف
  • تربية وتعليم

موسوعات أقلام

  • أدباء ومثقفون
  • قصص الأنبياء
  • التاريخ الإسلامي
  • شعراء وقصائد
  • عقائد وأديان

تسالي وترفيه

  • شرح الأبراج
  • ابتسم مع أقلام
  • ألغاز سريعة
  • اختبر ثقافتك

في المعادلة : الدين أم المصلحة : السنة أم الشيعة

التفاصيل
كتب بواسطة: محمود الزهيري
نشر بتاريخ: 20 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 20 مايو 2001
الزيارات: 5

في المعادلة : الدين أم المصلحة : السنة أم الشيعة ؟؟


محمود الزهيري


القضية الفلسطينية كانت في الماضي هي قضية القضايا التي كانت تتعلق بها الأنظمة العربية منذ إحتلال إسرائيل لأرض فلسطين بل وكانت هي شماعة الأخطاء الكبري التي كان العرب يعلقون عليها أخطائهم , وكانت تلك القضية يتم المتاجرة بها من جانب الأنظمة العربية ومن جانب الفلسطينيين
أنفسهم , وكانت هي الأزمة الكبري للأنظمة العربية المحرجة من شعوبها ومن التيارات القومية والوطنية واليسارية بصفة عامة , ولكن ماتزال هذه الشماعة أمر قائم وموجود بالنسبة للتيارات الإسلامية من التيارات الإسلامية السنية , والشيعية علي حد سواء , والمقولة الرائدة عن القدس حتي الآن عند التيارات الدينية : هذه القدس أولي القبلتين , وثالث الحرمين , فتحها عمر بن الخطاب , وحررها صلاح الدين , فمن لها الآن ؟ بل والقرآن فصل سورة خاصة عن القدس وبالإجمال فلسطين تسمي سورة الإسراء , وأصبحت القدس تسبب هوس ديني لدي الإسلاميين وصداع مزمن لدي باقي التيارات القومية والوطنية واليسارية بصفة عامة , والدينيين ينظرون إلي قضية فلسطين من منظور جهادي ديني له مرجعيته الدينية الفارضة ذاتيتها علي العقل والوجدان الديني , والضاغطة علي المشاعر والأحاسيس الدينية والتي تشعرهم بالعجز والقصور والتخاذل تجاه قضيتهم الأساسية وهي تحرير فلسطين من العدو الإسرائيلي المغتصب لفلسطين بل ويتعدي الأمر الجهادي إلي كل الأقطار والمناطق المحتلة في العالم أجمع , ووجود أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في أفغانستان ومعه أيمن الظواهري , والأول سعودي
والثاني مصري لهو دليل حي علي هذا التصور , وكذا وجود الأردني أبو مصعب الزرقاوي في العراق , وفي الأزمة الفلسطينية المزمنة كانت كل الدول تقدم العون والمساعدة للشعب الفلسطيني والجميع كانوا علس السواء في ذلك ولم تتم التفرقة بين دولة أوروبية أو أسيوية أو معونات ومساعدات من
مسلمين أو مسيحيين المهم أنه كانت تقدم يد العون والمساعدة دون السؤال عن ديانة مقدم المساعدة والعون , وكانت الفصائل المناضلة داخل فلسطين المحتلة من أقصي اليمين لأقصي اليسار لم تلقي الإدانة من العرب والمسلمين بمعني الرفض لتلك المقاومة , إلا إذا كانت بعض الدول لها مصالح مع إسرائيل أو أمريكا ومن ثم يتم التفاوض بالوكالة عن الفلسطينيين كطرف ثالث في المفاوضات لإضفاء مشروعية مصطنعة علي القرارات التي تنتج من المفاوضات وكانت مصر لها السبق في هذا المضمار الذي جعل القضية الفلسطينية تدخل في مجاهيل السياسة وسراديب المفاوضات التي سميت بمسيرة السلام التي لن يتوقف سيرها إلا بالقضاء علي فلسطين جملة وتفصيلاً وهنا سوف يتحقق للإسرائيليين السلام وتتوقف المسيرة .
بل كان رجال الدين من الشيعة والسنة يحرضون علي الجهاد والحرب ضد العدو الإسرائيلي المغتصب لأرض فلسطين والمغتصب للمقدسات الإسلامية والمسيحية وكان لهم صوت عالي في هذه القضية , وما سمعنا بأحد قد كفر أياً من قادة الفصائل الفلسطينية من المسلمين الشيعة أو السنة أو اليساريين أو
المسيحيين , فهذا جورج حبش , وياسر عرفات , وأحمد ياسين , وغيرهم من قادة الفصائل والمنظمات الفلسطينية فهل تم تكفير أحد من هؤلاء سواء علي مستوي المؤسسات الدينية الرسمية الخاضعة للأنظمة العربية , أو من المؤسسات الدينية الغير رسمية ممثلة في الجماعات الدينية ؟!! هذا لم يحدث!!
فإذا كانت فلسطين محتلة وجميع الفصائل تناضل من أجل تحريرها كل حسب قدراته وإمكاناته , وإذاكانت لبنان مازالت أجزاء منها محتلة وسيادتها علي كامل الأرض اللبنانية منقوصة , وأمنها مهدد , وإذاكان داخل السجون والمعتلقات الإسرائيلية آلاف من العرب من لبنان وفلسطين وغيرهما من
الدول , وإذا قامت حركة حماس بأسر جندي إسرائيلي وتلتها منظمة حزب الله بأسر ثلاث جنود إسرائيليين , وقتلت وجرحت منهم ودمرت دبابات ومدرعات للإسرائيليين , فلماذا يعاب علي حزب الله ويلام اللوم الشديد بل ويتعدي الأمر إلي تكفيره وتكفير الشبعة والتحريض علي عدم مساعتهم في
المحنة علي إعتبار أنهم شيعة كفار ديناً ومصيرهم جهنم وبئس المصير !!
ومن الذي يكفرهم ويلعنهم ويحرض علي عدم مساعتهم ومد يد العون لهم والتحريض علي قتلهم وقتالهم إذا لزم الأمر ؟؟أنهم السلفيين الوهابيين السعوديين من أهل المملكة العربية السعودية !! ولماذا هذا التكفيرفي هذا التوقيت بالذات ؟ ولماذا قطع يد المعونة والمساعدة والتحريض غلي ذلك الأمر الآن ؟ ولماذا تنتشر تلك الفتاوي بين السلفيين الوهابيين في سائر البلدان العربية والأجنبية ولمصلحة من تلك الفتاوي ؟
وهل الشيعة فعلاً كفار يستوجب قتالهم ؟ ومن الذي عليه واجب قتالهم ؟ أيها المشايخ يامن تدعون لأنفسكم العلم والفقه والدراية : لن أقول هذا ليس من الدين !! بل أقول هذا ليس من الإنسانية ومن يكون علي هذه الشاكلة ليس من حقه أن ينسب لبني البشر , وإنما ينسب لبني الجهالة والتخلف والرجعية , بني التعصب والتطرف وإراقة الدماء , بني جهل , وبني قتل وذبح , وتدمير وتشريد وتكفير وترعيب وترهيب وإرهاب وتخريب , والحقيقة أنه ليس بيننا وبين اليهود من خلاف سوي المحتلين والمغتصبين لأرضنا والمحاربين لنا فقط , فالعداء للصهاينة المغتصبين للأرض وليس لليهود الذين بيننا وبينهم ميثاق وعهد , فما بالنا بمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقوم بأداء نفس الفرائض التي يؤديها المسلمين من السنة ولكنه يخالفني الرأي في بعض النقاط أيجوز ويحق لي تكفيره ؟ !! وهل لايجوز للشيعي أن يكفر السني ؟ وإذا فعل وكفر السني فهل سيذداد كفراً علي كفره ؟!! وماهذا الإسلام الذي قطعتموه وقطعتم قماشته وكل يفصل جلباباً يلبسه للإسلام علي حسب تفصيله وقياسه الذي يدعي أنه علي الصواب والآخرين علي خطأ ؟ أي إسلام هذا الذي يقبل بأن يلبسه معتنقيه الجلباب الذي يراه مناسباً له ؟ أي إسلام هذا الذي يكفر معتنقيه من يخالفهم في الرأي والعقيدة والدين ؟ أي إسلام هذا الذي يبيح القتل وإراقة وسفك الدماء والقتل لمن خالفه في
العقيدة والتصور ؟ وأي علماء هؤلاء الذين يفتون بذلك ومن أعطاهم هذا الحق المبسوط لهم علي مصائر الناس ورقابهم ؟ من أوصاكم علي الناس وجعلكم أوصياء لكم حق الولاية والقوامة والوصاية علي الناس ؟ وياأيها العلماء ماذا أنتم قدمتم للفلسطينيين واللبنانيين من فداءات وتضحيات
ومعونات ومساعدات ؟ وهل تجيدون فنون الحرب والقتال أم فنون الجدال والكلام ؟ ! أنتم يامن كبرت بطونكم وعظمت كروشكم , وتصدغت أفواهكم , وملئت بالطعام والشراب بطونكم , وجعلتم من الدنيا جنتكم وتحرمونها علي أتباعكم المضللين بفتاويكم الخائبة التي قصرتموها علي العبادات فقط ,
وجعلتم فقهكم فقه المراحيض والحيض والنفاس والطهارة والنجاسة !! ومن وجهة نظري إذا كان السنة يكفرون الشيعة فمن حق الشبعة أن يكفروا السنة !! وليظل مسلسل التكفير مستمر ومتوالي !! ووجهة النظر السليمة أنه ماشأنكم بالتكفير والجنة والنار سواء أكنتم سنة أم شيعة , وهل منكم من
أعطاه الله مفاتيح الجنة أو مفاتيح النار ؟!! وما شأنكم بمن يكفر أو يؤمن ؟ أتريدون أن تدخلوا الناس في جنتكم رغماً عن أنفهم ؟ وما مصلحتكم في ذلك ؟ أصلحوا أنفسكم أولاً فإن إقتنع بكم الناس اتبعوكم ولا لوم عليهم وإن رفضوكم فلا شأن لكم بهم , وأعلموا أن مفاتيح الجنة والنار لم ولن
يسلمها الله لأحد كائن من كان حتي الأنبياء والمرسلين , إعلوا من شأن الإنسانية أولاً فالإنسان وجد قبل الدين فمن آمن بدينكم لابأس به ومن جحده فلاحرج عليه وإتركوه وشأنه , واعملوا لصالح أوطانكم وإعلوا من شأن المواطنة وإجعلوها هي المبدأ ولاتجعلوا الدين بديلاً عن المواطنة فالأوطان وجدت أيضاً قبل الدين , فهل يمكن أن نتفهم هذه الأمور ؟ أعتقد أن هذا من الصعب بمكان إن لم يكن من المستحيل !!
لأن البعض يستثمر الدين في المصلحة , والبعض الآخر يغلف المصلحة بغلاف ديني ليستثمر المصلحة وفي حقيقة الأمر أن الدين خارج من إطار المعادلة وإنما المصلحة أياً كانت طبيعتها هي الموجودة في المعادلة فقط سواء كانت مع لبنان أو فلسطين أو مع الشيعة أو ضد السنة , في مصر أو الأردن أو
السعودية ,أو حتي إيران وسوريا , فالجميع أصبح يلعب مبارياته مع الخصوم في لعب سياسيةعلي ملعب الولايات المتحدة الأمريكية , فالشيعة في العراق ليس لهم دور في مقاومة المحتل الأمريكي , ويبحثون عن دور في العراق بقيادة حزب الله , وسوريا مرتفعات الجولان محتلة من الجانب الإسرائيلي
ولا تقدر علي إطلاق رصاصة في إتجاه إسرائيل , وتساعد حزب الله في حربه ضد إسرائيل , وتريد أن تفتح مجالات مع أمريكا بدعوي مساعداتها في الحرب علي الإرهاب وتنظيم القاعدة متناسية أن حزب الله من المنظمات الإرهابية لدي أمريكا وإسرائيل والإتحاد الأوروبي , ومصر تريد توريث جمال مبارك بدلاً من مبارك الأب الرجل الكهل الذي بلغ من العمر عتياً مقابل تمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير والتعاون مع أمريكا وإسرائيل في إنفاذ هذا المشروع ومحاربة الإرهاب حسب الرؤية الأمريكية / الإسرائيلية ,
والسعودية والأردن تخافان علي مستقبليهما من الضياع إذا غضبت أمريكا وإسرائيل والجميع يتحدثون حين تكون المصلحة بإسم الدين !!
من فضلكم أين الدين إذاً ؟!! وأيهما صاحب الدور الدين أم المصلحة

لا إبداع بلا حرية !!

التفاصيل
كتب بواسطة: بشير خلف
نشر بتاريخ: 13 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 13 مايو 2001
الزيارات: 5

                                              لا إبداع بلا حرية !!
                                                                                                               بشير خلف  ?(
        قال الله تعالى: ( بَديعُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ إذَا قَضَى أمْراً فَإِنَّمَا يَقُـولُ لَهُ كُـنْ  فَـيَكُونُ( .     سورة البقرة الآية 117
       الصلة بين الإبداع و الحرية صلة بين المقدمة و النتيجة، بين الغذاء والكائن الحي، بين الأم ووليدها .. فإذا كان الإبداع عطاء جديدا نافعا في ميدان إنساني ما، فهذا العطاء و ذلك الثراء للحياة الإنسانية فضاؤه الحرية، الإبداع الحر لا ينبع إلا من الذات الحرة، من النفس التواقة، المغرمة بالكشف عن المجهول و تجاوز المعلوم.
       الإبداع الحر ينبع، من الرغبة في الإضافة الكائنة داخل الإنسان الفرد ذي الموهبة أولا و في الجماعة التي تحررت من القيود التي تربط بينها أواصر عديدة و ترى الحياة صيرورة متجددة في جميع المجالات تطويرا لما هو كائن و إيجاد لما لم يكن، و غرسا دائما لما يجب أن يكون.
     و طالما أن الإبداع الحر في عمقه توق دائم للأفضل و تجاوز لما هو كائن و تحرر من كل القيود كيفما كان نوعها و مهما كان مصدرها، فإنه يتعارض مع الخضوع لأي قيد ، أنه يهفو دوما لتجاوز الواقع إلى ما هوأبعد منه، و إلا لما استحق أن يطلق عليه صفة الإبداع .. و الإبداع الحر المتحرر بصفة أخص.
     الإبداع يتعارض مع كل قيد مادي أو معنوي، و مع كل نص مؤسساتي هدفه الإبقاء على ما هو موجود. الإبداع فكر خلاق، و هج أخّاذ، صيرورة متجددة، عملية تجاوز عملية بناء جديدة ومتجددة، قد تكون خطوته الأولى الهدم لإنشاء الجديد محل ما هدم و يهدم، و قد  يكون إنشاء جديداً ... ديدن الإبداع التطوير.. التحسين.. تيسير الحياة الإنسانية.
     إذا كان هذا هو حال الإبداع دوما، فإن المبدع الحقيقي، المبدع الحر ديدنه دوما و عبر كل المراحل التاريخية في كل بقاع المعمورة، التحرر من القيود و الانطلاق في الفضاءات الكونية الفسيحة،مغردا لإسعاد البشرية أولا و ملبيا نداء داخليا و مفجرا طاقات متميزة و هبه الله إياها وخصه بها، محققا للبشرية بعضا من سعادتها ... المبدع هذا الإنسان المنفرد.. نفسه تواقة إلى الانفلات مما ألفته و تألفه الأنساق القائمة في المجتمع و خضع لها الناس راضين.. روحه تسبح في عوالم أخرى غير عوالم غيره، تتعارض مع النمطية السائدة، مع الخضوع و الإخضاع ترفض قبول ما هو كائن والإبقاء عليه.
المبدع بطبيعته الدنياميكية الثائرة على الرداءة و الواقع المتردي، يضيق بكل ما يحاصر عقله، ويقيد حركته، يضيق بقيود المؤسسة أيا كانت المؤسسة حتى و لو كانت مؤسسة الأهل و العشيرة والأسرة،يربد أن يقول ما يؤمن به بصرف النظر عما يراه غيره و يفكر فيه أو يشعر به أو يؤثره عن غيره .. يريد أن يبدع بفكره، بيده يريد دوما تتجاوز الواقع وصولا إلى فكر جديد يشع على الإنسانية، يفتح أمامها آفاقا أفضل و أجمل، يتوق و يعمل دوما من اجل تقديم منتوج جديد.. اختراع حديث يقيد به الغير بغض النظر عن الزمان و المكان و الجنس و الأمة.
     المبدع في رؤاه و في فكره دوما يشكل شوكة مؤلمة في حلق المؤسسة و أهل الحل و الربط و حتى لدى الأفراد و لو كانوا من أولي القربى، تحركه، ديناميكيته و آراؤه ، فلسفته هي قلب للأوضاع الكائنة، هز للطاولة و ما عليها ... المبدع الحر المتحرر الذي ينشد الفضاءات الشاسعة و بعمل على تجسيد الحرية فيما يبدعه.
       الإبداع الحقيقي إيجاد لعوالم جديدة بدلا لما هو كائن، البديل يناقض الواقع بكل ما فيه من مفارقات و تناقضات و ترسيخ لنمطية عادة تُبقي على الرداءة ... الإبداع الصادق ذاته ثورة حرة ..ثورة تحريرية، و المبدع الحر صانع هذه الثورة التي يراها من ألفوا الرداءة،من وجدوا مصالحهم فيها و في الإبقاء عليها مسّا بمكانتهم تهديدا لوجودهم، خطرا على مكتسباتهم
في كل مراحل التاريخ الإنساني، سيما في عالمنا العربي و الإسلامي بصفة أخص .. العقل المبدع المتجدد والمجدد مستهدف لإسكان صوته بشتى الطرق و الأساليب، بالحجر.. بالنفي .. بالإغراء، بالقتل بـ ... إلخ.
ما لنا نتكلم عن الإبداع الحر و المبدع المجدد و المتجدد و الذي يقلق أصحاب المصالح و يخلخل الواقع، و لم نتكلم عن الحرية ؟، هل يمكن أن يكون إبداع إذا انتفت الحرية ؟، هل يمكن للمبدع أن يبدع في بيئة مقيدة و مغلولة ؟، أليس المبدع جزءا من الكل ؟، أليس عضوا من مجتمع يؤثر في المبدع و يوفر له المناخ المناسب للإبداع ؟، ماذا لو كان المجتمع يخلو من الحرية، بل يعاديها و يحاربها ؟ هل يبرز منه مبدعون ؟.
ألا ترى معي أيها القارئ الكريم أن الإبداع باعتباره تجديدا،و إيجادا لما هو غير موجود و تجاوزا للمألوف يأتي إلا ممن تحرر مما ألفه غيره واستسلموا له طائعين راضين أو خاضعين شعارهم ؟ ليس في الإمكان أبعد مما كان .. الإبداع صنو الحرية و الحرية هي الشرط الأساسي لوجود الإبداع، و لكن ما الحرية ؟.
يرى العديد من المفكرين، أن الحرية مفهوم مطلق لا وجود له إلا في الذهن، أما في الواقع لا توجد حريات و ما وجد منها فهو نسبي، لأن نقيضها (الحتمية) مرافقة لها دوما .. و لكن يوجد تحرر و التحرر يصنعه العظماء و العباقرة و الموهوبون و المبدعون " فالحرية ظاهرة، أو واقعـة أو حالة " 1و هي بهذا تشترك مع الإبداع في كونها فعلا ينتقل من الإمكانية إلى الوجود بفعل التحرر الذي يقوم به الإنسان، و إذا كان الإبداع فعلا للتحرر و تجاوزا للواقع و قفزا على المألوف يعبر عن نفسه من خلال الصراع المعقد بين المبدع و ذاته و مجتمعه فهّذا هو جوهر الحرية.
و لئن كانت الحرية و كما سبق، مفهوم مطلق لا وجود له إلا في الذهن، فإن إدراكها و تحقيقها لا يمكن أن يتم إلا في صميم الفعل الذي تمارس فيه، الفعل الذي يتجسد بين الإنسان و الوسائط التي من خلالها وبها يصنع ذاته، و الحرية كما هو معروف مرتبطة بالاختيار الذي يفترض كينونة الحرية،و كينونة الحرية تفترض ملكية الحرية، أي نمتلك قرار الحرية ")2، إذ لا قرار بدون اختيار و لا اختيار بدون قرار، و ليس كل اختيار في الحقيقة اختيار حر، و حتى يكون الاختيار حرا و حقيقيا وخاليا من الزيف، ينبغي أن يصدر عن إرادة الحرية، و الحرية تأبى الإلزام، تتعارض مع التعيين الفوقي و حتى الأفقي الذي يعطي لنفسه حق الوصاية، لأن كل تعيين إخضاع، و كل وصاية حدّ و تحديد، ولا حرية بالإلزام و التعيين والحدّ والتحديد .
إن الإبداع يأبى الإلزام .. الإبداع ينمو في فضاء الحرية، كما أن الإبداع شرط كي تصبح أفعالنا ذات طابع حر، و هذه العلاقة بين الإبداع و الحرية تعبر عن نفسها في التجديد المستمر لأفعال الإنسان عبر صيرورة التاريخ.
     " إن ما تنعم به البشرية اليوم ما هو إلا محصلة تلك العملية الذهنية الراقية ألا و هي الإبداع، إذْ لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية الابتكارات التي طورت الحياة من تلك الصورة  البدائية الجافة إلى صورتها الحالية بما فيها من وسائل راحة و إنجاز للمهام بأقل جهد، كما أن الإبداعات الفنية من شعر و أدب و رسوم تضفي على النفوس السعادة و المتعة و تجعلها مرهفة سعيدة، فالإبداع هو تعبير عن إنسانية الإنسان و وسيلة للرقي بها 3"
     " و في المنظور الإسلامي فالفكر يعني حركة العقل الواعية، العقل الذي يتأمل، ينظر، يتدبر. والقرآن الكريم باعتباره نصا مفتوحا ثريا متجدد العطاء، و الآيات التي تدعو إلى التدبر.. إلى النظر ومخاطبة ذوي العقول.. ذوي الألباب، و التفكر و استعمال الفكر و تدبر الكون تدبرا دقيقا من سماواته و أراضيه و من كواكبه إلى نجومه و من حيواناته إلى سائر المخلوقات القائمين عليه ، و على الإنسان بعد التدبر أن يسجل النتائج و يقدمها فيهمل ما يضر و يحتفظ لنفسـه و مـن بعـده بالنافع 4"
حثنا الإسلام منذ البداية على إعمال عقولنا في التفكير بالظواهر الكونية حولنا للوصول منها إلى الإيمان الصحيح بالاستناد على الأدلة العقلية، و لا يحجر على العقل و هو أداة التفكير و لا يحدده ولا يضيق عليه:
" بل يطالبه بالتحرك و التجوال الهادف في هذا الكون، ليكتشف أسراره، و يطلع على قوانينه ويستكنه علاقاته و معادلاته و يسخر ذلك كله من أجل تعميق العبودية للخالق  الحق و لخدمة الإنسان بتجلييْه المادي و المعنوي، و لقد كرر الإسلام في كتابه الدعوة إلى النظر و التفكّر كثيرا وهذه الدعوة و ذاك الطلب يصب في مصب ـ الإبداع ـ فعلى الجميع أن ينظر و لكل مجاله وميدانه من أجل النظر و على الجميع أن يعرفوا إذ يدعون إلى النظر فمن أجل ـ الإبداع ـ والتجديد موقف إسلامي مطلوب، و قد تكفل الله ببعث مجدد على رأس كل مائة سنة  كما جاء في الحديث الصحيح 5 ".
      رُبّ قائل يقول:  موضوعنا، لا إبداع بدون حرية و مركز الثقل في الموضوع، الإبداع الحر فلماذا الاستطراد في الحديث عن الحرية ؟، و الجواب: أن الحرية لدى المبدع شرط ضروري لكي يبدع، و لما نتحدث عن الإبداع، و عن هذا الفعل المتميز الصادر عن الموهوبين فليس القصد الحديث عن الإبداع في الفكر أو الأدب أو الفنون الجميلة بما في ذلك الإبداع في الموسيقى فحسب، بل قصدنا كل ما يبدعه الإنسان في شتى مناحي الإنجازات الإنسانية من علوم و تكنولوجيا و صناعات و حرف مختلفة و فنون و صناعات تقليدية و أعمال تجارية و زراعية و بنى تحتية، أي كل ما يهم الإنسان ويلبي له طلباته المعنوية و المادية.
و قد ارتبط مفهوم الحرية عند الإنسان عبر التاريخ بالانفلات من السلطة.. من القهر.. من الكتب..من القيود التي تبدأ من الأسرة مرورا بالعادات و التقاليد و القهر الجمعي في مؤسسة التعليم إلى كل مؤسسات المجتمع، فالسلطة بهذا المفهوم تعمل على ثبات و تثبيت الواقع على ما هو عليه .. هذا العقل الجمعي خاصة في عالمنا العربي و الإسلامي يرسخ ثقافة معينة، ليس هذا المقام مجال لتشخيصها، هذه الثقافة تقتل الإبداع و تقضي على المبدع، تحد حرية الفرد و تكبله، و لا تمكنه من الانفلات من أسر هذه الثقافة الجامدة المقولبة للأفراد و المتجسدة في نمطية الحياة التي يحددها المجتمع للفرد و يأبى أن يتجاوز الخط الأحمر فيها.
يذهب بعض المفكرين إلى الإقرار بأن غياب الإكراه هو الشرط الكافي لتحديد الحرية فإذا كان الإنسان يتصرف بملء إرادته و لا يخضع لأي إكراه فهو حر، هذا الفيلسوف " هوبر " يقرر: " إن الحرية هي انعدام القسر، و كل فعل يتم وفقا لدوافع حتى لو كان الدافع هو الخوف من الموت يعد حرا، و الإنسان يكون حرا بقدر ما يستطيع التحرك على طرق أكثر، حرية المواطن و العبد لا تختلف إلا من حيث الدرجة، فالمواطن ليس تام الحرية و العبد ليس تام العبودية ".
و عند " سبينوزا " نجد نفس المفهوم للحرية من القسر: " هذا الشيء يعد حرا إذا كان يوجد وفقا لضرورية ماهيته وحدها و يعين ذاته بذاته للفعل "، و عند الفيلسوف " لــوك " أن الحرية هي: " أن نفعل أولا نفعل فحسب ما نختار أو نريد ".
أما " هيدجر " فيقول: " إن ماهية الحقيقة هي الحرية، و الإنسان لا يوجد إلا من حيث هو مملوك للحرية، فالحرية هي من ماهية الإنسان الجوهرية، و الحرية هي الأساس المطلق، و هي التأسيس و هي الوجود الأساسي ".
و أغلب المفكرين و الفلاسفة يربطون الحرية بالوعي، فلكي نحقق الحرية لا بد أن نعي أن الضرورة مرتبطة بالزمان و المكان و الضمير الجمعي، فالحرية الإنسانية ليست حرية مطلقة، بل تمر بمرحلة من الصراع و التناقض حتى تصل إلى مرحلة الوجود الضروري التي يصبح فيها اختيارها لذاتها مجرد تعبير زمني عن حقيقتها الأزلية و الوعي بالمصير لدى المبدع، فهو ذلك الموقف الذي يجد المبدع نفسه فيه، إذ لا يمكن أن يتصور أنه يوجد في عالم آخر أو يكون موجودا آخر.
و الحرية تعبر عن نفسها في جدل الإثبات و النفي، و هذا يعني أنها في الإبداع لا تعني دوما العفوية أو التلقائية، و إنما يقوم الوعي بدور خلاق في تقديم مقاصد المبدع، و فكرة الوعي و فكرة المصير تجعلان المبدع الحر يتجاوز ذاته الضيقة ليعبر عن مجتمعه، و يستشرف صورا جديدة في التفكير و السلوك و الحياة، فالحرية تقوم على المعرفة، لأن الجهل نقيض الحرية، فالمبدع الذي يجهل تاريخ أمته و حاضرها و مستقبلها و طموحاتها، لا يتكون لديه وعي بمصيرها، و كذلك الفنان الذي يجهل تاريخ الفن و مدارسه و حاضر فن بلده و ما يحمله من موروث و قيم، لا يقدر على إثراء فنه بل حتى من الإفادة مما قدمه غيره، و  نفس الكلام ينطبق على كل مجالات النشاطات الإنسانية، فالذي يجهل قوانين المادة التي يستخدمها في الإبداع لا يستطيع أن يسيطر و من ثمة لا يستطيع أن يكتسب حريته، و بالتالي لا يتمكن من الإبداع. المهندس المعماري، على سبيل المثال الذي بفعل دراسته للنموذج المعماري الغربي وانبهاره و تشبعه فكريا بذلك النموذج، لا يتمكن من ممارسة حريته و هو يؤدي مهامه كي يبدع أنماطا أخرى من الفن المعماري لحضارات أخرى، وبلدنا مثلٌ للنموذج العمراني المسيطر و الذي لا يتماشى مع نفسية الأسرة العربية المسلمة، و القيم التي تربط بين أفرادها .. النموذج المعماري الإسلامي من الروعة بمكان و بإمكان المعماري الجزائري أن يستمد منه ما يتوافق مع حياتنا و أن يبدع فيه أيما إبداع في الهيكل و الواجهة، و في المرافق الداخلية و في التجميل الداخلي و الخارجي و تحديد المساحات الخضراء.
       هل المغني ـ عفوا ـ لا نقول المطرب لأن المطرب من أبدع و أطرب غيره و حلق بالحاضرين في آفاق رحبة بفضل اللحن المميز و الكلمة الساحرة الجميلة الهادفة و تجاوز بهم واقعهم إلى لحظات ممتعة يشعرون فيها بالسعادة، فيتخلصون من الكدر و القلق و يشعرون بأن الحياة جديرة أن تحيا .قصدنا هؤلاء الدخلاء على فنون الغناء والطرب.. و ما أكثرهم في هذا البلد، الذي يؤدي أغنية بالحرف اللاتيني كُتبت له ..يجهل معاني عباراتها وكنه كلماتها    يعادي لغته الأصلية ..لغته الجميلة ..هذه الأداة السحرية التي تمكنه من معرفة تاريخ الموسيقى و مدارسها و فطاحلها، و الشعراء الغنائيين، و لغة الموسيقى ونوتاتها وطبوع الأغنية ... و هذا المغني الجاهل الفاقد للحرية، و الفاقد للوعي لمصير  أمته .. هل يمكن أن يبدع ؟.
      "إن الإبداع فعل حر و الفعل الحر يتضمن قبولنا و مشاركتنا فيه، و هذه المشاركة سندها الوعي و هي تعمل على نفي الواقع بالصورة التي هو عليها و العمل على نقله إلى حالة أخرى، فاستقلالية المبدع عن الواقع تفرض عليه نبذ الحرية السلبية وصولا إلى الحرية الإيجابية بالمفهوم الإبداعي الذي يحقق صورا جديدة للواقع" 6.
لئن أسهبنا في الحديث عن العلاقة المتينة، بل الضرورية بين الإبداع و الحرية فما هو الإبداع ؟ قد تتعدد التعاريف تبعا للرؤى الفردية و تبعا للمدارس و وفقا للأيديولوجيات و النظم السياسية والاجتماعية، و أقرب التعاريف في رأينا ما يلي:
إن الإبداع نمط من أنماط التفكير و مستوى متقدم في سلم القدرات الذهنية للإنسان، حيث يتميز به أولا عن غيره من الكائنات الحية، و يختص به ذووا المواهب و الذكاء العالي. و الإبداع من الناحية العملية يُعرف بأنه العملية التي تؤدي إلى ابتكار أفكار جديدة و أساليب متجددة و وسائل تقنية مستحدثة و تطبيقات في شتى مجالات الحياة غير مألوفة .. ابتكارات يشترط فيها نقله نوعية أحسن وأفضل مما هو كائن من أجل إسعاد الإنسان و تيسير سبل الحياة أمامه.
و وفقا لما سبق ذكره فإن الإبداع موهبة و عبقرية و ذكاء و إحساس بالحرية و سعي دائم للتحرر، هي عناصر متلازمة. الإبداع مطلب حضاري جوهري لجميع الأمم باعتبار أن الفرد المبدع لا يبدع لذاته حتى و إن سعى هو ذلك مؤمنا بأنه يملك شحنات إبداعية و رؤى تجاه الكون و الحياة يحرص على إخراجها بغض النظر عما إذا كان غيره يراها أولا يراها ... فالأفكار  و الآراء و المواقف و الانتاجات كيفما كان نوعها.. فالخبرات الإنسانية المتراكمة تجد بصماتها فيها و بالتالي فالمبدع الذي إذا أتيحت له فرصة الانفلات و الذهاب إلى مجتمع آخر يقدر المواهب و المبدعين، فإنه يتألق و إبداعه سرعان ما يعم البشرية.
       الإبداع و الابتكار و التجديد مفاهيم متقاربة لبعضها و هي دليل على التقدم الحضاري، و هي الدافع و المحفز لأي تقدم علمي أو فكري أو تقني أو صناعي أو تربوي أو اجتماعي أو زراعي.
     و المبدعون هم ثروة الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها لدى الأمم الواعية، و هم الشموس التي تضيء غياهب التخلف، و عقولهم تكتسح حواجز التقليد، و نفوسهم التواقة تخترق المألوف، تبحر صوب المستقبل. و من ثمة فبقدر ما تنجح أمة في الكشف عن الطاقات الإبداعية لأبنائها و الإفادة منها، تكون أمة متقدمة و متطورة حضاريا.
       الإبداع يشير إلى القدرات المميزة للأشخاص الموهوبين، و القدرة على إظهار السلوك الإبداعي إلى درجة ملحوظة، و يشمل السلوك الإبداعي فيما يشمل الاختراعات و التصاميم و الاستنباط، و التأليف الفكري و الأدبي و الفنون التشكيلية و التأليف الموسيقي والإنشاءات الهندسية و العمرانية و الابتكار والتجديد و التطوير في شتى مناحي الحياة و مجالاتها الإنسانية. إن الأشخاص الذين يظهرون مثل هذه الأنواع من السلوكات هم الذين يوصفون بالمبدعين.
الإبداع ليس تفكيرا مزاجيا أو شطحات عفوية، أو نزوعا فجا، و إنما هو النظر للمألوف يعين ناقدة وبطريقة غير عادية قد لا تتراءى لغير المبدع، و من زاوية غير مألوفة، ثم تطوير هذا النظر ليتحول إلى فكرة، ثم إلى تصميم، ثم إنشاء إبداعي قابل للتطبيق و الاستعمال.
     و يذكر أحد الكتاب: " أن من أهم خصائص التفكير الإبداعي، ، الحرص على الجديد من الأفكار و الآراء و المفاهيم و التجارب و الوسائل، و البحث عن البدائل لكل أمر و الاستعداد لممارسة الجديد منها 7"
يقول الفيلسوف العربي الدكتور " زكي نجيب محمود": " و معجزة الحيـاة في مجراهـا هـي أنها ـ تبدع ـ جديدا بعد جديد في أثر جديد ... خلال ذلك الجريان يموت ما يموت و من يموت من أبنائها، فتلد الجديد، و ضربٌ من المحال في عالم الأحياء أن يولد جديد ليكون صورة مكررة بكل حذافيرها وتفصيلاتها من سالفه 8 ".
و يواصل فيلسوفنا: " معجزة الحياة في إبداعها سواء أكان ذلك الإبداع في المجال الإنساني على مستوى الإفراد أم كان على مستوى الجماعات، و إن حيوية الإنسان في شتى جوانب حياته لتقاس بمقدار ما أبدع، أعني بمقدار ما أضافه من ناتج جديد، أما الذي يحيا حياته محاكاة لحياة غيره، من السلف، أو من الخلف، على حدٍّ سواء، فهو إنما يحيا صورة باهتة لأصلٍ كانت له قوتـه عنـد صاحبه 9 "
الدكتور زكي نجيب محمود و كأنه يقول لنا و لمن يأتي بعدنا أن الحياة متجددة، عبارة عن نهر مياهه جارية دوما.. متدفقة .. متجددة و سر الحياة في تجددها في كل لحظة و لدى كل الموجودات حتى و إن كنا لا نلاحظ هذا التجديد المتواصل، و كل تجديد فيه تميز، فيه تفرد لا يكرر نفسه، فيه دوما تجاوز إلى الأحسن.
إن الإبداع الإنساني باعتباره تجديدا جوهريا و أساسيا ضمن حركية الحياة و الكون لكونه صادرا عن ذات واعية حرة تعي مصيرها و مصير الكون، تنزع دوما نحو الخير والسموّ بالإنسانية ، أيّا كان نوع هذا الإبداع  ، والإبداع في حاجة إلى عوامل مساعدة تعمل  على إبرازه ..من تجسيده  ..من أنمائه ..من نشره وتجذيره .
 المبدع في حاجة إلى أجواء نفسية وصحية و بيئية سوسيولوجية مشجعة على اكتماله و على رأس هذه العوامل الحرية، و ما أدراك ما الحرية، فلا يعقل أن يصدر الإبداع من ذات تكبلها العبودية من الداخل، ترسخ فيها القهر منذ نعومة الأظافر، يستحيل أن يصدر الإبداع في بيئة يسودها القهر و الظلم و الحد من الحريات الفردية و الجماعية، و إن صدر الإبداع واخترق الأسوار الحديدية، يستحيل أن يحيا و أن ينمو و أن يعطي ثماره و أن يشع في بيئة تسودها العقد النفسية و الأمراض الاجتماعية و يسيطر فيها القهر المؤسساتي، و تكبلها التقاليد و العادات البالية وتنهش فيها أنياب المحسوبيات و المنافع الشخصية و المافياويات التي تدنس كل القيم وتدوس كل شيء جميل.
        ما أكثر المبدعين الذين برزوا يبرزون يوميا في حياتنا في هذا البلد في مجالات عديدة عرفناهم عن قرب، و رأينا بأم أعيننا إبداعاتهم الفكرية و الأدبية، الفنية و التقنية، ابتكارات عديدة بروزا فيها وعرضوا ما أبدعوه على الناس في معارض، في مناسبات عديدة، و انبهر الجميع بهذه المواهب ... تقرب هؤلاء المبتكرون المبدعون من أهل الحل و الربط، شرحوا لهم و  لههم بالبحث،عشقهم للتجدد، حرصهم على التطوير و التجديد ... يريدون التشجيع المادي للمواصلة ... و لا حياة لمن تنادي. تمر الأيام والزمن يفعل فعله ... تخمد المواهب في النهاية و يخسر البلد طاقات هائلة .
السؤال الجدير بالطرح، لماذا نخسر الإبداع دوما ؟ لماذا نكره التطوير ؟ لماذا نعادي التجديد ؟ ما العلل الكامنة في نفوسنا التي تكبلنا و تقيد حركتنا ؟، لماذا أبناء هذا الوطن لما يستقرون في أوطان أخرى يتفردون بالابتكار ؟ يتميزون بالإبداع ؟، في كل البلدان تبؤوا  الريادة و أثروا باختراعاتهم وبأفكارهم حياة الآخرين أينما حلّوا؟
لماذا دائما نحدد الإبداع  عندنا إلا في الإبداع الأدبي و الفكري و الفنون الجميلة و الموسيقى ؟ أليست مجالات الحياة الأخرى أكثر و أوسع و بصمات الإبداع فيها عبر التاريخ ظاهرة للعيان ولولاها لما تطورت الحياة الإنسانية و لما وصلت إلى ما وصلت إليه من تقدم و تطور ؟.
هل خلت العلوم الأخرى من الإبداع و الابتكار ؟ كيف ستكون الحياة لو لم يكن هناك إبداع في الصناعة و الزراعة و التكنولوجيا و الطب و الإعلام و الموصلات و التجارة و العمران والإنشاءات القاعدية و البنى التحتية و مستلزمات الحياة ؟.
شعوب عديد على كوكبنا الأرضي تستمد مواردها و مصادر عيشها من الصيد البحري وأخرى من الثروات الغابية، و أخرى من السياحة و صناعتها، و الصناعة السياحية تعني العديد من الحرف للصناعة التقليدية التي يضفي عليها المبدعون اللمسات الفنية و الجمالية و بصمات التفردات المحلية،فنون جميلة في النقش والحفر و الزخرفة وغيرها من نسيج و عمارة متناسبة مع الأذواق وتتوافق مع البيئات الجغرافية و المناخية، يمارس فيها المبدع موهبته و ذوقه مستندا إلى رهافة حسه و سعة خياله و ذكائه ... بل حريته في التصميم و التخطيط و الإنجاز و حسن الإتقان ... هل هذه النشاطات الإبداعية التي يصب فيها المبدع ذاته و خبرته و الموروث الثقافي للجماعة، و قد تقوم بها عائلات و أسر عديدة توارثتها عن الآباء و الجدود و تورثها لأبنائها و أحفادها، و كل جيل يضيف ويُثري كسْبا للعيش ونماء للدخل القومي و حفاظا على قيم الجماعة و مكتسباتها و كينونتها ؟... هل هي نشاطات لا توصف الإبداع ؟.
لماذا نفغر أفواهنا لما ندخل معرضا مخصصا لابتكارات النجارين و نشاهد فيه روائع فن الخشب وصناعته من نماذج مختلفة قد ينفرد بعضها بعهد معين أو بشخصية معينة تاريخية ما. ضفْ إلى ذلك تلكم اللمسات الفنية المتميزة من نقش و حفر و تخطيط و كتابة بخط جميل، و نفس الكلام ينطبق على الإبداع في الأدوات النحاسية، و صناعة الجواهر الثمينة، و نسج الزرابي و الأغطية و الأفرشة التي هي صناعة و إبداع، و تتميز بها كل منطقة عن غيرها، فهذه زربية وادي ميزاب، و تلك زربية وادي سوف، و هاتيك زربية أولا نايل ... إلخ، هي كلها إبداعات جميلة تتسم بالروعة و الأصالة و الجمال ... أيعقل أن نسقط صفة الإبداع عن هذه الزرابي و تلك الحلي و الحلل التي تفننت و تتفنن فيها جداتنا و أمهاتنا في مناطق عديدة من بلادنا ؟، و ماذا نقول عن تصميم و خياطة و نقش و زخرفة (القندورة) القسنطينية أو التلمسانية أو الوهرانية أو الصحراوية أو ... أليس من الروائع التي أبدع فيها الإنسان و ضمنها خلاصة رؤاه و فكره و نظرته للحياة ؟.
إن الإبداع الذي يتألق فيه حرفيو المجوهرات قمةٌ في العطاء الإنساني، قمةٌ في الموهبة و الذكاء و سعة الخيال و المعرفة التخصصية .. في كل بلداتنا و قرانا و مدننا العشرات من الشباب كأفراد أو في شكل تعاونيات صغيرة ... أبدعوا كلٌّ في مجال النشاط الذي فضله و اختاره ... إبداع متميز في صناعة الحديد و تشكيله إلى حاجيات و مستلزمات للمواطن .. و كذلك الأمر في صناعة الألمنيوم ... إتقان جيد و ابتكارات رائعة في التشكيل و حتى أصبحت المرافق والمؤسسات والمحال التجارية وحتى المنازل و العمارات، بفضل هذه الإبداعات تحفة في الأداء و العرض و الفن المعماري.
و بإمكاننا أن نسقط هذه الفضاءات الإبداعية على جل ما له علاقة بحياتنا، نلمس فيها قدرة تتسم بالأصالة في سبك عناصر البيئة ببعضها و استنباط مركبات جديدة منها ... و ماذا نحن قائلون عن العشرات من الشباب الذين توجهوا بحماس لخدمة الأرض و استصلاحها و ابتكار طرق وأساليب وأدوات مستحدثة في السقي و البستنة و استنباط محاصيل لم تكن موجودة، أو كان إنتاجها ضئيلا، فتمكنوا بفضل الطرق المستحدثة و الإبداع في التعامل مع الأرض و الاستفادة من الأبحاث العلمية و الآلات و المخصبات و غيرها من أن يجنوا ثمارا و محاصيل على مستوى عال من الجودة إضافة إلى الكم الذي وفر لهم أرباحا طائلة ساعدتهم على التطوير المستمر، و شجعت غيرهم من الشباب المتعلم و الجامعي من أن ينضم إلى هذا النشاط الهام في الحياة الإنسانية.
إن هؤلاء و غيرهم كل في إطار نشاطه و حرفته، إذا ما أحسوا بالاهتمام و فتح لهم المجال ومنحت لهم الحرية فإن الطاقة النفسية و الروحية و القدرات الكامنة عندهم تتفتق و تبدع و تطور وتجدد.
الإبداع إنتاج مهما تنوعت أشكاله. فالتفكير الإبداعي، وكل إبداع أصيل إنما هو ابتكار، أية عملية إبداعيه إنما هي نتاج قدرات عقلية. و ليس الإبداع عملية افتراضية بل هو حقيقة عيانية بشرط توفر الشروط المساعدة على بروزه و تجسيده في إنتاجات إنسانية راقية.
يقول الدكتور " عبد الرزاق قسوم " لما سئل عن مقاييس العمل الإبداعي، في حوار معه بمجلة -المجاهد الأسبوعي - :
" من خصوصيات الإبداع التمرد على المتعارف عليه و الثورة على الروتين و الخروج على المألوف كي ينفرد بصفة فردية تغدو بمثابة النسق العقلي المتفرد و المتميز.
فالإبداع هو فن السمو بالذوق عن السذاجة و العلو بالفكر من الاتباعية و إطلاق عنان المواهب العقلية في سماء الإلهام الحر المطلق 10 ".
هناك من يرى بأن لا بد من وضع حدود للحرية حتى يأخذ الإبداع بدوره حدودا له   وإلاّ تحوّل إلى معول هدم لقيم الأمة و ثوابتها و مقدساتها و موروثها الثقافي ... انطلاقا من هذا الرأي يدافع الطرف الآخر عن الحرية المطلقة في الإبداع الغير الفكري ... إذ لو كانت حدود أمام الإبداع لما وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه، و لما اكتشفت القارات و المحيطات و لمَا سبر الإنسان أغوار الكون و طوع الموجودات إليه ... و شعار هؤلاء لا إبداع بدون حرية، و لا يمكن أن تكون هناك حدود لوقف حرية الإبداع.
إن العالم النفسي " غليفور " بعد دراسته للموهوبين و ذوي القدرات غير العادية استنتج إلى أن هؤلاء مما يمتازون به تلكم القوة الدافعة و الإحساس بالمشكلات و القدرة على النفاذ إلى غير المألوف و امتلاك القدرة على التصور التجريدي و كذلك القدرة على الإنشاء، أي إيجاد عنصر جديد مستنبط من مركب أو مركبات موجودة.
      " من أهم العوامل أو القدرات الأولية التي يمكن أن تساهم في عملية الإبداع هي: وجود القوة الدافعة أو الإحساس بالمشكلات، و الطلاقة في توليد و إنتاج الأفكار في وحدة زمنية ما، و درجة التجديد في طرح الأفكار، و المرونة في التفكير و القدرة على التغيير، و تنظيم الأفكار في أنماط أوسع و أشمل، كالقدرة التركيبية، و القدرة التحليلية و القدرة على إعادة التنظيم و التعريف و التمويل للأفكار و الاستخدام الجديد و كذلك درجة التعقيد للبناء المفهومي الذي يستطيعه الفرد، و القدرة على التعامل مع عدد من الأفكار و إدارتها في وقت واحد، و درجة الضبط التقويمي من أجل الاختيار الأفضل للأفكار "11
       إن الحديث عن الإبداع وحريته يجرنا بالضرورة إلى المبدع الذي هو في الأصل شخص موهوب حباه الله قدرة متميزة عن غيره عندما يسمو بها بواسطة الإطلاع المستمر و البحث و الصقل للتجربة، فهو في حاجة ماسة إلى حرية حقيقية، ليتحرر من أسر الواقع و التقاليد و العادات و الجمود و الروتين،ويحلق في آفاق جديدة، و يبحر صوب المجهول، ذلك أن التقاليد الصارمة و الموروثات النمطية و الحدود المصطنعة و الممنوعات الكاذبة المظهرية، كلها موانع و إحباطات تصيب المبدع في مقتل و تقضي على إبداعه، بعد أن تكبله و تسجنه و تشل تفكيره و خياله فتلقي به كما مهملا.
       إن مصادرة الحرية و التسلط الذي نمارسه على أنفسنا و أبنائنا كما سُلط علينا نحن و على من قبلنا، يقتل كل روح للإبداع  و يقف حجر عثرة أمام روح الابتكار و المغامرة لدى إنساننا ،فالتسلط الأبوي هو البداية الأولى لسحق بدايات الإبداع الناشئة، فالتنميط والإخضاع المستمر والقهري للتقيد بنموذج الكبار ونمطية الحياة السائدة ..سلوكات تقتل الروح الإبداعية لدى الناشئة وتعيق عملية النمو لديهم وجدانيا وعقليا وحسحركيا ، وتشلّ كل تفكير آني ومستقبلي لديهم .. سلوكات تغرس في نفوسهم روح القهر الداخلي مما يؤدي بهم إلى الدخول تحت مظلة الكبار طائعين.
كل مؤسساتنا لا تختلف عن مؤسسة الأسرة التي تنبني على التسلط الأبوي، فالتدجين و الترويض و الإخضاع لنزعة الامتثال.فالكل يرفع شعار التسلط و القهر بدءًا من الوالدين و مرورا بالمؤسسة التعليمية و المسؤول في إدارته و المدير في معمله حتى إلى رئيس الحزب و غيرهم.
إن تجاهل ذوي القدرات العالية و الموهوبين في المؤسسة التعليمية و في المؤسسة الإدارية و غير الإدارية، و عدم الاهتمام بالتميز و الفروق بين الأفراد و الاعتراف بذلك التميز، فضلا عن تجاهل الكفاءات المبدعة في أغلب الأحوال و إسناد الوظائف و الأعمال إلى غير الأكفاء لها، هي عوامل محبطة للمبدع و موانع للشعور بالحرية التي يتم بها الإبداع.
إن الإبداع في بلدنا على غرار العالم العربي في أزمة، و من تكرار القول أن نشخص أسباب هذه الأزمة فالكل يعرف واقع الإبداع العربي، و الكل يعرف الكثير عن آلاف الموهوبين الذين غادروا هذه الديار نجاة بإبداعاتهم و مواهبهم التي تفتحت أكثر في الخارج الذي احتضنهم و رحب بهم فأبدعوا في شتى المجالات و أصبحوا مضرب المثل في الإعلام و الفكر و الطب والتكنولوجيا و الفضاء و البحث العلمي ... مساراتنا كلها تعادي كل ما هو جميل ... و الإبداع من أجمل ما في الحياة، لأنه إشراق روحي و تفكير شعوري يرتشف المبدع عناصره من واقعه و واقع غيره الجميل، فيتمثلها في نفسه ثم يسبغها جديدا على واقعه ، فيتلقاه الآخرون بما فيه من إشباع لذواتهم وتجديدا لمعالم حياتهم .
و قمة الإبداع الإلهي للكون: " بديع السماوات و الأرض إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون"، لقد حثنا الإسلام على التفكير بإعمال عقولنا في معرفة الظواهر الكونية حولنا للوصول منها للإيمان الصحيح بالاستناد على الأدلة العقلية: " إن في اختلاف السماوات و الأرض لآيات لقوم يوقنون "، و اليقين مرتبط بحرية البحث و التحري، اليقين يدفع إلى الإبداع و التجديد في التفكير وأسلوب البحث و منهج التحري، و يدعوا الإسلام أيضا إلى تأمل الإنسان لنفسه: " و في أنفسكم أفلا تبصرون "، كما يلوم القرآن الناس على عدم استعمال العقل: " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون "، كما يدعو الإسلام إلى التحرر من التقليد  و اتباع الهوى، و قد سبق الإسلام الجميع إلى طريقة عرض القضايا في صورة مشكلات لتحفيز العقل على التفكر: " أفلا ينظرون  إلى الإبل كيف خلقت، و إلى السماء كيف رفعت، و إلى الجبال كيف نصبت، و إلى الأرض كيـف سطحت ".- سورة الغاشية -
نخلص إلى القول بأن الإبداع الحقيقي يتعارض مع الخضوع و القهر، فالخضوع قبول القهر وسلب الحرية التي بدونها لا يكون إبداعا، و المبدع بطبيعته يضيق بكل القيود و بكل ما يحاصر عقله وذاته، تنزع نفسه دوما إلى الجديد و التجديد، ..تشعر باستمرار أنه جزء من الكون الفسيح المترامي اللامتناهي، المبدع يضيق من التقاليد و العادات، يختنق من النمطية، يريد أن يقول ما يؤمن به بصرف النظر عما يراه غيره أو يحس به أو يفضله، ومن هذا فهو دائما خطر على الأفراد والمؤسسات التي همها الثبات على التقليد و ترسيخه و الولوع بالعيش في عباءة الماضي بدعوى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان و كذلك التسلط و القهر، و قولبة الأغلبية. و في المجتمعات المتخلفة التي تسيطر عليها مثل هذه الممارسات تنظر إلى الموهوبين و الأذكياء و المتفوقين نظرة الدهشة و الاستغراب، لا نظرة الإعجاب ...وأحيانا وصْم هؤلاء بالجنون .
و طالما أن  هذا السائد عندنا فلا ننتظر من الإبداع أن يسود، فالرداءة هي السائدة في جميع المجالات و مع ذلك بصيص الأمل سيبقى موجودا و الانتظار لشعاع الأمل لن يخبو .
وإجمالا  :" أن لا إبداع في أي مجال بدون حرية،" فالحرية أثمن ما في الوجود و لا حــدّ أو حدود لها إلا ما تعارض مع مقدسات الأمة.
الهوامش :
1- القرآن الكريم.
2- عن الحرية أتحدث، الدكتور: زكي نجيب محمود.
3- الأدب و الحرية، شكري عباد.
4- ما الحرية ؟، الدكتور: جميل قاسم.
5- الإبداع خلاصة فكر، الدكتور: محمود عكام.
6- الحرية قلق الغياب و دعوى الحضور، حيدر الجراح.
7- أزمة الإبداع العربي .. إلى أين ؟، الدكتور: ماهر عباس جلال.
8- فعل الحرية في كينونة الإبداع، موضوع من الإنترنت.
9- الإبداع و الحرية، مجلة المجاهدالأسبوعي العدد: 2186 الكاتب م، ع.


( - كاتب وقاص .. رئيس رابطة الفكر والإبداع بالوادي .
1  - الادب والحرية .شكري عياد
2  - المرجع السابق
3  - ما الحرية .الدكتور جميل قاسم
4  - الابداع خلاصة فكر لا تنتهي عجائبه .الدكتور محمود عكام
5  - الابداع - موقع :google .com
6  - حيدر الجرّاح .العدد 27 مجلة البيان .السنة الرابعة
7 - أزمة الإبداع العربي ...إلى أين ؟ الدكتور ماهر عباس جلال
8  - عن الحرية أتحدّث .الدكتور زكي نجيب محمود
9  - المرجع السابق
10  - الابداع والحرية .صحيفة المجاهد الأسبوعي .العدد : 2186
11  - الابداع والابتكار ضرورة حتمية .موقع :google.com

القوة أم الحق؟

التفاصيل
كتب بواسطة: ثامر سباغنة
نشر بتاريخ: 06 مايو 2001
انشأ بتاريخ: 06 مايو 2001
الزيارات: 7

القوة أم الحق

بقلم ثامر سباعنه

تجلس أمام التلفاز لتشاهد الحال الصعب الذي وصل إليه العالم أجمع ، حروب ونزاعات ، قتل وجرح وتشريد واغتصاب وخطف ، العالم يئن من أوجاعه وآلامه ، القوة أصبحت الحاكم لكل العلاقات الدولية ، ضاع القانون الدولي وحقوق الإنسان ليصبح القوي هو القانون ، وشعبه فقط هو من يستحق الحياة وله حقوق الإنسان ، هو فقط من يجب الحفاظ على أمنه .
تعلمنا من الدنيا ان نجتهد في صنع الحياة ، وان نحرص على الانسان والمجتمع ، وقرأنا في القانون الدولي عن مفاهيم تتعلق بحقوق الانسان ، وبالشرعية الدوليه ، ولكننا وللاسف الشديد اكتشفنا زيف هذه المفاهيم ووهم المناداة بها ، خاصة عندما يتعلق ذلك بشعب فلسطين الاسير تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ اكثر من خمسين عاما ، فالآلة الصهيونية تقتل الطفل والشيخ ، وتعدم النساء والاشجار والبيوت ، وتدمر المستشفيات والجامعات ومحطات الكهرباء، تحاصر شعب اعزل وتستخدم كل انواع السلاح - حتى المحرم دوليا - من اجل ان تقتل اكبر عدد من ابناء فلسطين ، الدبابات الاسرائيلية تدوس كل مفاهيم وعناوين السلام وحقوق الانسان ، أكثر من مئة قرار وقانون دولي وضع بخصوص فلسطين وقضيتها لكن للأسف لم يطبق أي جزء من هذه القوانين .
الأمم المتحدة وجدت لتضبط التعامل بين الدول ولتوقف الحروب وتمنع العدوان ، لكن أصبح القرار فيها هو لمن يملك القوة والسيطرة حتى وان ظلم و اعتدى، أصبحت مجرد مشرع للظلم والعدوان  ، وراعي لدول القوة ومساعد لها وحامي مخلص. من حق القوي المعتدي أن يمتلك كل انواع القوة والسلاح سواء الذري أو الكيميائي أو النووي ولكن يمنع لغيره أن يمتلك أي منها ،  اسرى الحرب والمعتقلين لهم حقوق خطها المجتمع الدولى وتعهد بالحفاظ عليها ، لكن كل تلك العهود والمواثيق والقوانين توقفت أمام بوابة معقل غوانتينامو ومنعت من الدخول لتطبق على معتقليه لأن المعتقل لأم القانون والقوة أمريكا.
العراق ضاع تحت الدبابات الأمريكية التي حرثت ارضه لتزرع الحرية والديمقراطية المزعومة !! فزرعت بدلا منها الدمار والقتل والتشريد ،الجندي الامريكي محمي وفوق القانون ولا يحق لأي محكمة غير أمريكية أن تحاكمه أو تسجنه حتى وان نفذ جرائم حرب ، نساء العراق يغتصبن ويعتقلن في السجون ، والعالم المتحضر يطالب بحقوق المر أه متناسيا النساء في العراق وفلسطين وافغانستان.
لبنان تضيع مكانته كدولة ، تستباح أرضه ويقتل شعبه وتضيع كرامته ، ورد فعل العالم هو أن من حق إسرائيل الدفاع عن النفس ؟؟ تباد عائلات كاملة ولا رد عالمي ولا مكان لحقوق الانسان أو القوانين الدولية للحروب ، العالم يطالب بالإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لوقف العدوان ويستثنون أكثر من عشر آلاف اسير عربي ومسلم في سجون العدو الإسرائيلي ، من حق اسرائيل ان تعدي وتقصف وتقتل وليس من حق المقاومة ان تنتقم أو ان ترد ، بل ليس من حق المعتدى عليه أن يشتكي.
أصبح مقياس التعامل مع الجميع هو القوة  وأدركت الشعوب و  الاجيال القادمة من كل شعوب العالم ان الذي يحكم هو القوة وليس الحق والعدل والقانون ، وأصبح العالم غابة يحكمها الأقوياء بدلا من مجتمعات متمدنة راقية .
لكن قول الله وقوله الحق الذي لا تشكيك بحكمه :
{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأعراف
وقال سبحانه : {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ }الأنفال
وفي سورة يونس قال تعالى  : {وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ }
{وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً }الإسراء.
فالحق قادم منتصر وان طغت أمم الفساد ومحاور الشر ، الحق هو الحق وسيملك القوة التي تصنع النصر والتمكين باذن الله.

 

أزمة أخلاق

التفاصيل
كتب بواسطة: د. عثمان قدري مكانسي
نشر بتاريخ: 29 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 29 أبريل 2001
الزيارات: 6


أزمة أخلاق

د. عثمان مكانسي

 
نحن معشر المسلمين - في الغالب والحمد لله - يحب بعضنا لبعضنا الخير ويتمنى له حياة طيبة وصحة ممتازة وعمُراً مديداً. ويمد أحدنا لجاره أو صديقه أو  قريبه يد العون ما استطاع إلى ذلك سبيلاً . هكذا علمتنا الحياة ، وهكذا طلب  منا ديننا الحنيف .
زرت من دول أوربا وأمريكا وأفريقيا وآسيا الكثير ، واطلعت على بعض أخلاقهم فوجدت الحلو والحامض، والمالح والمر، وخبرت الغث والسمين. وجدت فيهم ما أريده وما لا أطيقه. هم بشر، والبشر خلقوا من عجل - بفتح العين لا كسرها وفتح الجيم لا تسكينها -. وسررت لبعض ما رأيت، وتأففت استنكاراً لأشياء أخرى، أعجبت ببعض التصرفات، واغتممت لغيرها. وعدت لأصل إلى قناعة لم تتأثر بالقول المشهور:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة.......... ولكنّ عين البغض تُبدي المساويا
وبصيغة أخرى كانت قناعتي أن المسلمين عامّة والعرب منهم خاصّة أسلم صدوراً، وأقرب إلى الفطرة، وأكثر تحملاً للمآسي من كثير من البشر. قد يخالفني أحدهم وقد يوافقني فيما ارتأيت، والموافقة قد تعزز رؤيتي، والمخالفة أقبلها - ديموقراطياً، فالديموقراطية على كل الألسن هذه الأيام - ولا تفت في عضُدي، فأنا لا أعتقد شيئاً إلا بعد تمحيص وقناعة. وتركه - على هذا الأساس - قليل الإمكان. لكننى أفيء إلى الحق سريعاً لأن الحق هدفي، ولأن العمل به والتزامه بغيتي وقرة عيني. ولا أعتبر هذا مديحاً للنفس إنما أراه صفة ينبغي التحلي بها، وشيمة لا فكاك عنها للمسلم ونصب عيني القول المأثور "لا خير فيمن يمدح نفسه". ولا أنسى ما حييت قول عمر رضي الله عنه "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي".
وعلى الرغم أنني أفضّل العربَ المسلمين في صفاتهم العامة، وأرغب العيش في البلاد العربية، وحين أقول:البلاد العربية أنأى عن لفظ "الشرق الأوسط" فهذا تعبير فرضه اليهود والأوربيون ليبرروا وجود إسرائيل بيننا، أما "البلاد العربية" فتظهر اليهود طارئين، وجسماً غريباً عن أهل البلاد ديناً وعاداتٍ ومفاهيم ....أقول: فينا - معشر المسلمين العرب - مفاهيم لا يقبلها الإسلام، وتصرفات لا يُقِرّ بها، وعادات غير حضارية تؤذي الجميع وتظهرنا متخلفين عن غيرنا من الأمم.
ففي الولايات المتحدة - مثلاً- تجد كل جالية تتجمع في أحياء أو كانتونات بعضها إلى بعض فتدخل أحياءهم لتجد الناس - مع أنهم في أمريكا - يواصل بعضهم بعضاً ويعيشون حياتهم بعاداتهم التي تشرّبوها في بلادهم، ويتكلمون مع بعضهم لغتهم الوطنية، ولهم أسواقهم التي يتسوّقون منها، ويساعد بعضهم بعضاً ماديّاً واجتماعيّاً وفكريّاً، وبهذا تراهم محافظين على كيانهم، فلا يذوبون في المجتمعات .. هذا واضح في كل مدينة زرتها من بوسطن في الشمال الشرقي إلى المكسيك جنوباً. حتى إن بعض المواطنين من أصل أسباني أباً عن جد ممن ولدوا في الولايات المتحدة على التحديد لايعرفون الإنجليزية .. أما العرب المسلمون - ناهيك عن النصارى - فهم ينصهرون في سنوات عدّة في المجتمع الأمريكي، وينسى الفتى لغته العربية التي تعلمها في بلده أو يكاد، أما الأطفال الذين ولدوا هناك فيسمعون العربية من آبائهم دون ممارستها غالباً. وليس لهم مجتمعات خاصة بهم كغيرهم. ومما آلمني أن عدداً لا بأس به من الأبناء ينسلخ عن دينه فيكون علمانياً - لانقطاعه وأسرته عن المسجد - أو يدرس النصرانية فلا يعرف غيرها ديناً. وعلى هذا فقل: على الحجاب والمظاهر الإسلامية السلامُ ... وقد سئل بعض المسؤولين في الغرب عن سبب قبول المسلمين الملتزمين مقيمين أو لاجئين فكان الجواب: إننا نتقبلهم لأن أولادهم أو أحفادهم على أبعد تقدير سيكونون مثلنا بل منّا بمفاهيمهم وأخلاقهم ومبادئهم، ونحن بحاجة إلى دماء جديدة، فنتحمل الكبار لكسب الجيل الجديد الذي سيذوب في مجتمعنا. ومن هنا خطورة البقاء في المجتمعات الغربية على الجيل الجديد من أبناء المسلمين. وقد يدلل أحدهم على النظرة التشاؤمية فيما أقول حين يعرض صوراً لبعض الأسر المحافظة على تدينها وإسلامها في الغرب وتأثيرها في مفاهيمه، فأكرر: إن هذا أمر إيجابي ملموس، لا ننكره، إنما هو  شمعة في ظلام، وبضّة من ماء زلال في بركة مالحة. ومن هنا نفهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البقاء في بلاد الكفر دون ضرورة فالمآسي أكبر من الفائدة بما لا يُقاس. والأمثلة أكثر من أن تُحصى. وإنك لتجد من العادات والمفاهيم المتولدة عند المسلمين في الغرب ما تبتعد عن الإسلام أشواطاً من حيث يدرون أو لا يدرون. وتربية الأولاد هناك تحتاج إلى أضعاف ما تحتاجه من جهد في بلد مسلم.
وهذا لا يعني أن المسلمين في بلادهم يحيَون حياة إسلامية!! ويعيشون في بحبوحة من الرغد المادي أو الأخلاق الفاضلة. لكن الرمد أقل سوءاً من العمى، ولربما يشفى المرء من رمد، لكنّ بصره لا يعود إليه من عمىً.ولن أكون متشائماً إن قلت الحقيقة التي قد تنبه الإنسان إلى السلبيات الشنيعة التي تطرأ على مجتمعاتنا لتكون بعد فترة جزءاً منها - مع الأسف - فالفساد الأخلاقي في بلاد المسلمين ينشر أجنحته بدفع وعون من أولي الأمر الذين خرجوا عن دينهم أو ابتعدوا عنه، وهؤلاء ظهروا بشكل واضح لا لبس فيه. وقد أخبرنا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" . .. قالوا صفهم لنا يا رسول الله. قال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" ... هؤلاء الذين ما فتئوا يؤصلون الفساد في عادات المجتمع ومفاهيمه عن طريق القنوات الفضائية التي لا همّ لها سوى تغيير المفاهيم والعادات الإسلامية بمفاهيم الخنا والفجور والدعوة إلى نبذ كل ما هو أصيل وشريف، فالزنا حاجة طبيعية، والخمر مشروبات روحية منعشة، والعُري حرية في التصرف، وأكثر من ذلك أن كل الدعايات تعتمد على الجنس، حتى غدت الأمور مألوفة بين الناس، وما عادوا يخجلون منها أو يستنكرونها، ولن تجد في أي بلد عربي أو مسلم من الإسلام سوى صور ميتة لا تنبئ عن دين ولا أخلاق، وقد قنـّنـَت القوانين لإباحة ما يقتل الحياء والخفر والشرف، أو يئد القوانين الشرعية من بنوك ربوية ومعاملات مخالفة لصريح الدين وإحلال للقوانين الأوربية مكان الشريعة الإسلامية في أطهر بلاد الله وأكرمها عليه سبحانه.
ناهيك عن تأصيل الحرية الشخصية على حساب الحريات العامة. وبهذا تُزرع الأنانية محل الأثرة، والشخصانية محل الغيْريّة، والفردية مكان الجماعية... أي مجتمع يكون هذا المجتمع، وأي راحة يمكن أن يتمتع بها الإنسان في مثل هذه الغابات؟!.
في بلاد الغرب سوق أوربية مشتركة، فما عادت الحدود موجودة، وصار الأوربي يتنقل من بلد إلى آخر، ومن مدينة إلى غيرها كأنه يتحرك في بلده وموطنه، وفي البلاد العربية والإسلامية تضييق على الإنسان، فلا يستطيع زيارة بلد "مسلم" آخر إلا بشق الأنفس. وليست له في ذلك البلد من حقوق سوى الأقل الأقل ولو ولد أبناؤه فيها أو عاش شطر شبابه في خدمتها، بل إنه يعتبر "أجنبياً" نعم..أجنبياً .. يرى هذه الكلمة تجابهه أول ما يصل إلى حدودها البرية أو الجوية، وقد يراها أخف اسميا في بلد آخر حيث يسمى "وافداً" لكن النتيجة واحدة تشعرك بالغربة ولو كانت لغتك هي لغتهم، ودينك دينهم، وسحنتك سحنتهم!!. ومما ينتج عن ذلك أن راتبك يمكن أن يكون ثلث راتب أحدهم وهو أقل منك إنتاجاً، وأضعف منك فهماً وأقل منك دراية!. ولكنها الإقليمية والبعد عن الحضارة - وهذا لا تجده على الأغلب في بلاد "الكفر والزندقة" - ومن ثم الشعور كذباً وزوراً بالفوقية المصطنعة التي تقصم ظهر الأخوّة، وتعصف بالحقوق، وتؤصل التباعد والتنافر بين المسلمين... فالجهل رائدهم، والأنانية حاكمتهم.
فضلاً عن أنظمة الحكم المستبدة التي سيطرت ملكيـّة كانت أم جمهورية أم جمهوكيـة. لا فرق، فالثروة بيد المتنفذين يستأثرون بها كاملة في بنوك أوربة، وقد يوزع بعضهم الفتات - إن كان كريماً - على شعبه المقهور، أو يفرض بعضهم الآخر ضرائب باهظة، فلا يكفيه ما سرقه واستأثر به. ولا بأس أن تزهق أرواح عشرات الآلاف ليبقى هؤلاء جاثمين على صدور الأمة المسكينة!. قد يقول بعضهم: هذه ليست أزمة أخلاق - كما ذكرت في عنوان المقال - إنما هي انعدام الأخلاق وغيابها... أقول: لعلي أظل بعد هذا كله متفائلاً أن يؤوب المسلمون إلى أصالتهم، وأن يتجاوزوا محنتهم، وأن ينشطوا من سباتهم، ليأخذوا مكانهم الذي ينتظرهم في قيادة العالم كما فعل أسلافهم حين ترجم الخليفة الفاروق الحقيقة الصادقة: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".

 

لم يبق في غزة إلا الهواء

التفاصيل
كتب بواسطة: أحمد الخميسي
نشر بتاريخ: 24 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 24 أبريل 2001
الزيارات: 6

لم يبق في غزة  إلا الهواء
 
أحمد الخميسي
 
أرسلت إلي زميلة - شاعرة فلسطينية من غزة - رسالة قصيرة على المحمول تقول فيها : " لا ماء ولا كهرباء ولا تلفونات ، كمان شوي ويقطعوا الهواء " . وقد فعل النازيون من قبل شيئا كهذا عندما حاصروا ليننجراد في الحرب العالمية الثانية ستة شهور كاملة ، ظلت المدينة تقاوم خلالها إلي أن خرجت أسطورة من بين الأنقاض والموت. ويأتي حصار غزة وقصفها الآن ، استكمالا عسكريا للحصار السياسي والاقتصادي لحكومة حماس الذي نظمته أمريكا وشاركت فيه الدول العربية والأوروبية والمنظمات الدولية كافة ، حتى أصبح " تهريب مليون دولار إلي الشعب الفلسطيني " مشكلة عجزت جامعة الدول العربية عن حلها ، بينما يعد تهريب المليارات من الأمور المألوفة كل يوم . الحصار السياسي والاقتصادي لحكومة حماس ، ثم التذرع بقصة الجندي الإسرائيلي الأسير ، جاء لكي تستكمل القنابل ما بدأته السياسة ، بهدف التنحية النهائية لمبدأ المقاومة . هذا بعد أن ظنت إسرائيل أن اتفاقية كامب ديفيد المشئومة المذلة ، واتفاقية الأردن ، واتفاقيات أوسلو ، قد قضت جميعها على آمال الشعب الفلسطيني في أرضه ودولته ، ورسخت عبر ثلاثين عاما روح الهزيمة ، فإذا بمنظمة حماس وحكومتها تغير كل الحسابات وتعيد للأذهان قدرة الشعب الفلسطيني على مواصلة القتال ورفض الاحتلال وانتخاب حكومة تدعو إلي المقاومة وتعلن أن طريق السلام مسدود ، وأنه لم يفضي في الواقع الفعلي إلا لمزيد من الاحتلال ، والتوطين ، والمذابح ، والعربدة الإسرائيلية العسكرية بحرية تامة في سماء دمشق ، ولبنان ، وأي عاصمة عربية، والتهديد بقصف السد العالي في مصر على لسان شارون . أما الشعب المصري فقد ذاق مرارة " الرخاء " الذي وعدوه به إذا جنح للسلم ، وذاق مرارة حالة الطوارئ ، وتعميق التبعية السياسية والتخلف الاقتصادي .   
وليست المسألة ، هي اعتراف حماس بإسرائيل من عدمه ، فقد اعترفت منظمة فتح بإسرائيل ، واعترفت بها مصر والأردن وبطرق أو بأخرى اعترفت بها غالبية النظم العربية . فما الذي حصده الشعب الفلسطيني من ذلك الاعتراف ؟ وما الذي جنته الشعوب العربية من ذلك ؟ . النتيجة بعد ثلاثين عاما واضحة : المزيد من الغطرسة والعدوان وتكريس احتلال الأرض الفلسطينية وعدم الانسحاب من شبر واحد ، واستمرار الأسرى الفلسطينيين بالآلاف في المعتقلات ، وقتل الجنود المصريين من وقت لآخر عند الحدود في رفح ، والتهديد الإسرائيلي لدمشق وطهران وبيروت والمساهمة في احتلال العراق . أما أوهام الدولة الفلسطينية ، فلم يبق منها سوى غزة ، بينما تم إخراج الضفة الغربية فعليا من خارطة فلسطين بتوطين ربع المليون إسرائيلي فيها . فما الذي تبقى من أحلام الشعب الفلسطيني ؟ وما الذي قدمته إسرائيل لمن اعترف بها على الصعيد الفلسطيني أو العربي ؟ . لا شئ . سوى مشاهد من نوع مشهد شاطئ غزة الذي يغتال فيه الطيران الإسرائيلي أسرة فلسطينية بأكملها كانت تتنزه متخيلة أنها تتنشق هواء بلادها عند بحرها . فما الذي يعنيه الاعتراف بإسرائيل في ظل هذه الظروف المحددة ؟ هل حصلت فتح على شئ مقابل اعترافها لكي تكون نموذجا يشجع حماس على تلك الخطوة ؟ إن الاعتراف بإسرائيل الآن ، بهذه الشروط ، لا يعني سوى الاعتراف بحقها في احتلال الأرض دون مقابل . لقد تم الاعتراف بإسرائيل من قبل دون مقابل ، واعتراف حماس بها الآن يعني المزيد من تكريس الاعتراف بواقع " احتلال بلا مقاومة " . اعتقدت إسرائيل بعد ثلاثين عاما ، في ظل الهمود السياسي العام أنها صارت أقرب ما تكون إلي أحلامها ، أي تلخيص كل حقوق الشعب الفلسطيني في مجرد مقاطعة ملحقة بإسرائيل يرفرف منها علم في الهواء وإذا دعت الحاجة تم اجتياحها في دقائق جوا وبرا وبحرا ؟ . وفجأة إذا بحماس تقفز عبر انتخابات شرعية وديمقراطية إلي الحكم ، وفجأة تتجدد فكرة المقاومة ، وهو أخطر ما تخشاه إسرائيل . 
 وما هو " الجندي الإسرائيلي الأسير " الأسطورة ؟ وهل تأبه إسرائيل حقا بمصيره إلي هذه الدرجة ؟ فإذا كانت معنية بمصيره فلماذا لم تفرج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين وبينهم نحو أربعمائة طفل فتنقذ بذلك الجندي الأسطورة ؟ أم أن الجندي الأسير رمز يتصارع الطرفان عليه ، ويختفي من خلفه صراع حقيقي حول استمرار المقاومة أو استمرار الاحتلال ؟ بعث المقاومة ، أو تكريس القوة الإسرائيلية ، إلي درجة تساوي  معها حياة جندي واحد حياة شعب بأكمله ، وتساوى معها حياة شعب بأكمله الاحتفاظ بالجندي أسيرا ؟ . تسعى إسرائيل بالقوة البربرية والقصف الوحشي لكي تؤكد للشعب الفلسطيني أن " المقاومة " خطر عليه ، وأنه سيلقى أشد أنواع العقاب الجماعي إذا فكر في العودة لذلك الطريق ، وأن عليه أن يقبل فقط  بالاحتلال .
أما الأطراف العربية التي أظهرت قدرتها دائما على إسداء النصح للفلسطينيين ، وتوجيههم إلي طريق التسوية والسلام الموهوم ، فإنها - ما أن يتعلق الأمر بالوحشية الإسرائيلية - حتى تقف كالعادة عاجزة عن تقديم أي شئ لذلك السلام ، عندما يتم اختطاف أحمد سعدات ، وعندما تقوم إسرائيل بدك غزة على مرأى من العالم ، وهدم محطة الكهرباء الوحيدة فيها ، واختطاف الوزراء ، وقصف مبنى الحكومة ، وقتل الأطفال الذين يتساقطون كل يوم ولا يبلغون أبدا سن الشباب . وبالرغم من كل شئ فإن التحدي الذي أظهرته حكومة حماس لإسرائيل برفضها التسوية السياسية بنتائجها وشكلها الراهن ، هو الذي حرك موجات التأييد الشعبي الواسعة لقضية فلسطين بين الشعوب العربية ، وبفضل هذا التحدي تتسع القطاعات المؤيدة للحق الفلسطيني داخل أوروبا ، وبفضل هذا التحدي الباسل تتعرى إسرائيل أمام العالم كدولة نازية ترتكب على كافة جرائم الحرب ، وبفضل هذا التحدي تعري عجز الأنظمة العربية أمام شعوبها ، وتجد تلك الأنظمة نفسها في تناقض مباشر وصريح مع شعوبها ، وبفضل هذا التحدي تتعرى السياسة الأمريكية المؤيدة على طول الخط لإسرائيل ، وتتكشف للناس الحقيقة البسيطة المذهلة وهي أننا نسعى للسلام منذ ثلاثين عاما ، فلم نحصد سوى الحرب علينا وعلى مستقبل بلادنا . إن غزة المحاصرة ، والتي لم يبق فيها شئ يعمل سوى الهواء ، غزة التي تعيش تحت الأنقاض وبين أشلاء أبنائها ، هي ذاتها غزة التي تلوح للعالم من فوق قمة دمائها بالحقيقة وبأن الشعب الفلسطيني لم يفقد أمله في تحرير أرضه ولا قدرته على ذلك . أما ردود الأفعال الإسرائيلية فتؤكد - رغم عنفها - شيئا واحدا : أن صواب إسرائيل قد طاش ، ليس بسبب جندي أسير ، ولكن لأن التسويات والهزائم والخداع الطويل والمؤتمرات السياسية والمبادرات، لم تفقد ذلك الشعب أمله، ولا وعيه،  ولا بطولته ، إذ لم يعد لديه ما يخسره سوى الهواء .  
 

 

درس من اليابان

التفاصيل
كتب بواسطة: رضا محافظي
نشر بتاريخ: 16 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 16 أبريل 2001
الزيارات: 5

   تناقلت بعض الصحف مؤخرا أن بنك اليابان للتعاون الدولي اعتمد آليات و تقنيات التمويل الاسلامي اللاربوي ، دون فوائد بنكية ، و توجه نحو دراسة القواعد المالية المعتمدة لدى المصارف الاسلامية مستعينا بخبراء من ماليزيا و باكستان و السعودية من أجل احداث شراكة في التعاملات بين البنوك " الاسلامية " و البنوك اليابانية الكبيرة . كما تناقلت الصحف أن اليابان يسعى لأن يصبح عضوا في مجلس المصالح المالية الاسلامية .

 

   بين اليابان و بين الدول الاسلامية كما هومعروف فجوة كبيرة بالرغم من تواجد أعداد معتبرة من الجالية العربية و الاسلامية على ارضه و بالرغم من المعاملات التجارية الكبيرة التي تربط الجانبين .  ثقافته مختلفة تماما عن الثقافة العربية الاسلامية ، و لغته بعيدة كل البعد عن اللغة العربية من حيث الكلمات و التراكيب و النطق و غير ذلك ، وذلك اضافة الى الموقع الجغرافي لليابان البعيد عن معظم البلاد العربية الاسلامية . هذه الوضعية جعلت أن سبل التواصل بين اليابان و بين العالمين العربي و الاسلامي غالبا ما تمر عبر قنوات وسيطة و لا تجمع البلدين روابط قوية مثلما هو الحال مع الدول الأوربية مثلا أو الولايات المتحدة الامريكية . لكن على الرغم من ذلك فان اليابان لم يغفل الحقائق الموجودة في هذا العالم و من بينها أنه مرتبط ارتباطا وثيقا بالدول العربية المنتجة للبترول على الخصوص و التي تزوده بمادة هي العمود الفقري لاقتصاده المزدهر و تعتمد الكثير منها على مصارف تكتسي طابعا اسلاميا في المعاملات المصرفية و هو ما جعله يتوجه بغير حرج الى اعتماد تقنيات هذه البنوك .

 

    لو اقتصر الأمر على اعتماد اليابان استراتيجية تجارية وثيقة مع العالم العربي و الاسلامي لبدا الأمر عاديا لكونه علاقة طبيعية انسانية بين مختلف البلدان بحكم مشروعية ضمان المصالح المختلفة للبلدان ، لكن أن يلجأ الى اعتماد نظام مصرفي في بلاده غير ذلك المتوفر لديه ، من أجل ربح المزيد من التغلغل غير المباشر في العالمين العربي و الاسلامي فذلك ما يدعو الى الأنتباه و الاعجاب في آن واحد .

 

   ما يثير الانتباه في التصرف الياباني أنه منطقي و جميل حيث أنه خطوة تهدف الى تحقيق المصالح العليا للبلد و الذي نفتقده نحن في الكثير من أمور تسيير بلداننا . و الجميل فيه ، و الذي يدعو الى الاعجاب ، أن اليابانيين لم يجدوا حرجا في تبني نظام بنكي يرتكز على قناعات دينية تختلف جوهريا عن القناعات الدينية السائدة في بلادهم . و عندما نتحدث عن القناعات الدينية فاننا نضع أصبعنا على جانب مهم في حياة الشعوب كثيرا ما كان – و لا يزال – مصدر نزاعات و صراعات و اختلالات في الكثير من نقاط العالم . لكن هذا الجانب على أهميته لم يحرج اليابانيين و لم يجعلهم يتوجسون خيفة من دخول ثقافة جديدة الى اقتصادهم و مجتمعهم بتلك الصورة الرسمية ما دام ذلك يخدم مصالحهم الحاضرة و المستقبلية . الأمر ينبع بكل تاكيد من تفكير شعب يدرك بعمق أنه لا يعيش وحده و يدرك أيضا أن متطلبات هذا العصر المزدحم السريع تقتضي الاحتكاك مع الغير و الانتفاع بما لديه و ليس رفضه و محاربته .

 

   بالموازاة مع هذا التصرف الياباني ، نجد العالم العربي و الاسلامي يتخبط في صراعات ايديولوجية ضيقة و يغرق في خلافات بسيطة أتت على الأحلام المشروعة و ردمتها تحت انقاض الهزائم المتراكمة و أبدلتها احباطات متتالية لشعوبها المستضعفة . في الوقت الذي بنى فيه غيرنا اقتصاديات متينة و فعالة و أنظمة بنوك مبهرة ، لا نزال نحن نراوح مكاننا و نجادل بعضنا بعضا جدال الصم البكم ، نرفض في غالب الأحيان و نقبل في أحيان قليلة لكن بدون سند و بدون وعي أو منطق ، و لم نستطع أن نصل الى تصور المرتكزات الأساسية لوحدة عربية يحلم بها الكثيرون ناهيك عن تصور المشروع العربي المتكامل أو تصور مشروع أوسع من ذلك يضم البلدان الاسلامية مثلا . و الدليل على ذلك تلك القمم العربية التي لا تنعقد قبل أن تسبقها ضجة اعلامية كبيرة عن مشاركة طرف ما و امتناع طرف آخر عن المشاركة و شروط طرف ثالث للمشاركة و هلم جرا . و تنعقد القمم و ترفع جلساتها خاوية الوفاض و تدفن معها في كل مرة الأحلام في قاعات الاجتماعات ، و تخرج بصراعات قديمة في حلل جديدة ، خفية كانت أو ظاهرة ، لتترك المجال للآخرين ليغزوا أرضنا و يجوّعوا أهلنا و يمنعونا حتى من تقديم المساعدة ، أبسط المساعدة ، مثلما يحدث في فلسطين هذه الأيام .

 

    تفكر اليابان اليوم في أن يلتحم نظام بنوكها مع النظام البنكي الاسلامي اللاربوي و تحاول أن تجمع بين المتناقضين لتوسع من امتدادها المالي و الاقتصادي الى الشرق الأوسط بطريقة قوية ، في الوقت الذي نعجز فيه نحن العرب عن ايصال حفنات قليلة من الدولارات الى اخواننا في فلسطين المحكوم عليهم بالجوع ، خوفا من ان نوصف بأننا نساند حكومة تصفها الولايات المتحدة الامريكية بالارهابية ، مبرهنين أنّنا عجزنا عن تحقيق أبسط أنواع التكامل و التلاحم في أعضاء الجسد العربي الواحد و أن الطريق أمامنا لا تزيل طويلة ان كانت لنا نيّة صادقة في النهوض .

 

 

        رضا محافظي – الجزائر

                                              

 

مخلوقات الأشواق الطائرة لإدوار الخراط

التفاصيل
كتب بواسطة: حورية الظل
نشر بتاريخ: 12 أبريل 2001
انشأ بتاريخ: 12 أبريل 2001
الزيارات: 7

عدوانيـــة الفضــاء الخارجــي في رواية
 "مخلوقات الأشواق الطائرة لإدوار الخراط"

حورية الظل*

مع تطور الرواية الجديدة أضحى الفضاء يفرض إرادته على الشخصية حيث أصبح فضاء شخصية، فهو ودي أو عدواني، فاستطاع بذلك أن يسهم في بنينة المحكي. والفضاء الخارجي في غالبيته فضاء عدواني، ويحضر ذلك بقوة في الرواية الفرنسية الجديدة1. فما أن تغادر الشخصية الفضاء الداخلي وتتواجد بالخارج إلا وتصيبها عدوانيتهم. والمدينة بشوارعها وحاراتها أضحت مكانا معاديا للإنسان المعاصر، حيث لا يبقى فيها إلا الدمار والخراب والامتهان لإنسانيته، ومن الروائيين الغربين الذين عبروا عن ذلك Joyce من خلال تصويره لمدينة "دبلن" في روايته Ulysse.
 والفضاء الخارجي عند إدوار الخراط لا يهادن الشخصية المتواجدة به فيؤذيها، ويبدو ذلك واضحا بمجرد مغادرة السارد، في نص "وجه مقطوع" للفضاء الداخلي الآمن (الغرفة) لتتبدى عدوانية الفضاء الخارجي (الشارع) في ترسخها ووثوقيتها، وقد تمظهرت في هبات البرد، ويعبر السارد عن ذلك بقوله: "صدمتني هبات البرد ونفذت إلى عظمي، أحكمت لف الإيشارب الصوف حول رقبتي تحت ياقة المعطف الثقيل" (الرواية، ص 14)، وفعل "صدمتي" الذي يحيل على الماضي جاء مفتتحا لهذا الفضاء وتحذير للقارئ أو إعداد له لتلقي صدمات متوالية تتمثل في طوبوغرافية الشارع والأشياء والشخصية، كلها عناصر صادمة لأنها تبنت المغايرة والمفاجأة قانونا لها، يقول السارد: "كانت أكوام الثلج الصغيرة، القذرة على جانبي الأرصفة ومفارق الطرق تذوب ببطء، وتسيل بماء قليل له خرير مسموع في صمت ما قبل الفجر، وأنوار مصابيح الشوارع صفراء تومض بهالات غير منتظمة الاستدارة في بلل الهواء المحمل بقطرات دقيقة جدا من ماء الضباب"2.
يعرض السارد من خلال هذا المشهد، فضاء باردا في وقت تتضاعف فيه برودة الجو (ما قبل الفجر)، كما أن الأوصاف التي منحت لمؤثثاته، تضعنا في فضاء كل وحداته التوصيفية تشير إلى عدوانيته، فلم يمنح للشخصية المتورطة فيه أية حماية أو ود، وإنما تركت لمواجهة مصيرها، وهي لا تبلغ عن عدوانية الفضاء بنفسها، وإنما نكتشفها من خلال الأوصاف الممنوحة لها وللمكان الذي تتواجد فيه: "كان الرجل راقدا على الرصيف المبلول، معطفه مفتوح عن بطنه الضخم الذي يرتفع وينخفض في إيقاع التنفس الصعب وقميصه مشعث خرجت أطرافه من حزام البنطلون" (الرواية، ص 12).
وقد وصفت الشخصية وهي تواجه مصيرها دون أن تتمكن من تجنبه، لكن: "إظهار التعاسة والبؤس اللذين يهددان الإنسان إنما يعني (...) السعي إلى تلافيهما"3 رغم أن هذا الإظهار في المثال السابق يتمظهر بطريقة حيادية.
ويبدو تأثر الخراط واضحا بالفضاء العدواني الخارجي، كما صورته الرواية الفرنسية الجديدة، حيث حضور الفضاء فيها قويا، وهي تهتم بالفضاء المديني الحديث، والأشكال الهندسية الباردة والعدوانية، حيث: "ينزع الطابع الإنساني على العالم، وتعالج الشخصيات كالأشياء، ويتم التخلي عن كل الأعماق الميتافيزقية، وتفضل المدن الهندسية الحديثة الباردة"4 هذه البرودة التي تسربت كذلك إلى كل العلاقات الإنسانية فغاب التآزر والتراحم، والأمر نفسه نجده عند إدوار الخراط، خاصة وأنه يتناول فضاء مدينيا، ووظيفة هذا الفضاء تحاكي وظائفها المرجعية.والخصيصة التي يؤكد عليها الكاتب من خلال توظيفه للفضاء الخارجي العدواني، هي إدانة تشييء الإنسان وامتهانه: "ومحاولة تأكيد كرامة الإنسان في وجه قوى القهر والامتهان الكونية ... بكل ما تحمل من قسوة، وكل ما تستثير من مقاومة"5، فجاء فضاء الشارع والشخصية المتمركزة فيه لكشف ضياع الإنسان في الفضاء المديني الحديث.
ويصبح الثلج والظلمة والريح عوامل تكاثفت لأجل انتهاك إنسانية الشخصية، لكن البنية العميقة للنص تدين المسؤول الحقيقي عن هذا الوضع المتمثل في الواقع المعاق الذي شيأ الشخصية وسلبها كرامتها وحقوقها.
وإذا كان السارد يملك الوسيلة لرد عدوانية الفضاء الخارجي المتجلية في البرد القارس: "أحكمت لف الإيشارب الصوف حول رقبتي تحت ياقة المعطف الثقيل"، فإن الشخصية كما يبدو من خلال مقروئية النص، لا تمتلك الوسائل لفعل ذلك. حيث أن: "قميصه مشعث خرجت أطرافه من حزام البنطلون"، فينبسط أمامنا وجه المكان السافر والمتعجرف أمام ضعف الشخصية واستسلامها لما اتخذته ملاذا ومكانا للنوم، رغم عدم صلاحيته لذلك.
وقد تسلح المكان (الشارع)، لإيذاء الشخصية بالعوامل المناخية بالدرجة الأولى حسب ظاهر النص، وسنوضح ذلك من خلال الترسيمة التالية:
ـ هبات البرد
ـ أكوام الثلج الصغيرة القذرة
ـ بلل الهواء المحمل بقطرات دقيقة
ـ الرصيف المبلل
إن هذه الإشارات المكانية المتمثلة في العوامل المناخية تعتبر ترميزا إلى دلالات تفصح عن القيم السائدة في المجتمعات التي ترسخت به العدوانية ضد الإنسان.
لكن ما يبرز مظاهر العدوانية، ويجعل الكاتب في مواجهة معها من أجل مساءلتها هي طريقة الكتابة: "لأن الكاتب الحقيقي ليس لديه ما يقوله: لأنه لا يمتلك سوى طريقة للقول"1. وطريقة إدوار الخراط في تبئيره للفضاء هي لغة الحياد2. ومن ثمة فإنه يمتلك طريقة للقول، وفي نفس الوقت يمتلك ما يقوله، ليستطيع الاستجابة لمتطلبات الواقع العربي الذي يحتاج لنوع خاص من الكتابة، فاستطاع أن يخضع مقولة التشييء لخصوصية الرواية العربية، حيث وضع الكثير من مقولات الرواية الفرنسية الجديدة في خلاف ما وضعـت له من أجـل خدمـة رؤيتـه الخاصة. فإذا كان العالم عند A.Robbe-Grillet لا يمتلك أية دلالة، يصبح عند الخراط مالكا لدلالة خاصة، فينجز بذلك عملا يخدم الواقع والرواية العربيين.
وإذا كان الفضاء العدواني بطبيعته: "يذكي الحقد أحيانا، كما يذكي الثورة أحيانا أخرى، في قلب الشخصية"3 فإن قراءتنا للنص تفرض علينا أن نضيف: "وفي قلب السارد" وقد أبدى السارد رفضه لهذا الواقع وحقده عليه بطريقة غير صريحة، تبدت في تخلصه من فضاء الشارع، واستعادته لفضاء طفولي، مستوحى من الذاكرة والحلم، عاش فيه نفس ما تعيشه الشخصية: "تحركت أشواق الطفولة القاهرة، وقلت ما أكثر ما يحمل الفجر من مرارة، قلت في ليلي: أيسقط دمي في الشوارع أمام وجهك؟" (الرواية، ص12).   
ليصبح للفضاء ذي المرجعية الواقعية تأثيرا ضاغطا، جعل السارد يستحضر فضاءات طفولية، ورغم كونها تعود إلى عوالم طفولية، إلا أنها لا تنتمي إلى طيمة "الفردوس المفقود" وإنما هي الأخرى محملة بالمرارة والقهر والعدوانية.
وبانتقالنا إلى طوبوغرافية الشارع، فإن طبيعته تفرض عليه أن يكون فضاء انتقال للشخصيات، وكل انتهاك لهذا القانون يجعله عدوانيا، فالذي يستعمله من خلال وظيفته الطبيعية يستطيع اتقاء شره من خلال الألبسة كما فعل السارد، الذي جعل الشخصية تنتهك هذه القوانين، حتى يتمكن من عرض إيديولوجية معينة وكذا طريقة للقول، تحقق للنص خصوصيته وفرادته.
إن الفضاء المديني يتبنين بطريقة تقسمه إلى قسمين، قسم تحتله البنايات، ويعتبر فضاء مغلقا وآمنا، لكنها تبدو في المقطع الوصفي (مغلقة وباردة) في وجه الشخصية، رافضة لها، وقسم تحتله الشوارع كفضاءات عدوانية لمن لم يستعملها لما وضعت له في الأصل، لأنها بطبيعتها تعتبر فضاء للتنقل وليس فضاء للنوم.
فاستطاع السارد من خلال تبئيره للشخصية والفضاء العدواني، أن يكشف عن تناقضات المجتمعات الحديثة وتنطعها بالشعارات الجوفاء، حيث فقدت بعض المفاهيم والقيم مصداقيتها، وأصبحت مجرد شعارات، كحقوق الإنسان، والحرية والعدل. إنها مفاهيم أهدرت تحت قدمي الأشياء التي أصبحت لها السيادة في الواقع الراهن. ويفرض الفضاء الخارجي بطبيعته علاقته بالشخصية، حتى تكون علاقة تلاؤم بينهما، وفقا للواجبات والمحظورات القائمة في عرف المكان، لكن الكاتب مكن الشخصية من انتهاك القانون المكاني، كما انتهك هو القانون الكتابي للرواية التقليدية، فعرض بذلك الشخصية للعقاب، لاتخاذها الشارع مكانا للنوم وليس للتنقل، ليصبح الانتهاك مستوجبا إيجاد حل لنفي هذا الانتهاك الذي قامت به الشخصية، ويتمثل في إيجاد سكن لها. لكن: "الأبنية الراسخة تبدو (...) ثقيلة ومغلقة وجدرانها السميكة لا منفذ منها، وطأتها لا تحتمل" (الرواية، ص12) . إن البنايات هي الأخرى لا تحمل الود للشخصية فهي ترفضها، لتظل غير مالكة لمأوى يجنبها اتخاذ الشارع مكانا للنوم، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن مشكلة الشخصية ستظل قائمة، ولن تجد مسكنا يحميها من عدوانية الفضاء الخارجي الذي يعاقبها على مخالفة ليست مسؤولة عنها.
وقد تولد تجاه المكان إحساسان:  إحساس السارد، وإحساس الشخصية، وسنطلع على إحساس هذه الأخيرة من خلال المقطع التالي: "وجهه محمر مربد ومغمض العينين في نسيان تام، قلت هل تتركه هذه المدينة، هذا العالم كما تركهما" (الرواية، ص 12)، إن ملفوظات مثل (مغمض، نسيان، تتركه)، تعمق حس القهر الذي تعيشه الشخصية، فضلا عن اللامبالاة وعدم الاهتمام الذي تواجه به المكان، فلم تكترث لعدوانيته حتى تستطيع تحقيق الاستمرارية، فاستطاعت بذلك التعايش معه، وتمكنت من الاستغراق في النوم الذي يتطلب الدفء، في مكان شديد البرودة.
أما السارد فإنه يكشف عن مدى إحساسه بالحبوط والأسى، والرفض لهذا الفضاء المترجم للواقع، وقد ظهر ذلك جليا من خلال اللغة الواصفة المتسمة بالجمود والحياد، وبتخلصه من هذا الفضاء وولوجه فضاءات ذاتية داخلية، وهذا الإحساس سينتقل، حتما، إلى القارئ الذي يحس هو الآخر بعمق المأساة فيسحب ثقته من الواقع.
لينزاح الفضاء الخارجي عما قال به "هنري ميتران" حيث يرى أن الإحساس القلق الذي يتملك الشخوص تجاهه نستشف من ورائه اغتباطا كتيما يتملك السارد، وينتقل بالطبيعة إلى القارئ1. لكن الفضاء الخارجي عند الخراط يكشف عن أن الحس المتولد عن المأساة المتولدة عن عدوانية هذا الفضاء قد أصبح مشتركا بين الأقطاب الثلاثة "الشخصية والسارد والقارئ". ويبدو أعمق وقعا عند السارد منه عند الشخصية. ويتمظهر ذلك من خلال ولوجه عوالم ذاتية مستحضرة من الذاكرة، وكذا تعليقه على وصف الشخصية الذي سيعمل على تغطية بعض القصور: "قلت ألن يسعفه شيء ولا أحد؟ قلت: أبحاجة هو إلى نجدة، أم في هذه الظلمة نجدته" (الرواية ص 12)، فبرزت الإدانة جلية عبر هذه الأسئلة التي تمظهرت من خلال حوار داخلي عميق موجه من الذات وإليها، رغم أن وصف الشخصية والفضاء كاف لإبراز ملامحها وواقعها.
إنها أسئلة تعبر عن الإدانة المغيبة تحت قشرة اللغة الصلبة والحيادية التي بأرت الفضاء الخارجي، فهذه اللغة تعبر عن ذات لا إحساس لها، وهي شخصية أنتجها العصر الحاضر بتشييئه للفرد، إن الذات في تصويرها للفضاء تعبر عن الإنسان المعاصر المقموع الفاقد لهويته وشخصيته والمفروغ من العاطفة والإحساس، فلم تعد تنتج إلا لغة جافة لا حرارة فيها ولا حلم.
وتصل عدوانية الفضاء الخارجي ذروتها حين يورد الشخصية الموت، وذلك حين خرجت لفضاء الطريق ويصور السارد هذه الشخصية بطريقة مجردة مستمرا في الإخلاص لحياده: "كان يجري على الطريق، جلبابه الأبيض القصير يضربه هواء الجري على منتصف ساقيه... سقط بوجهه على بعد خطوات، دون أدنى حركة أو صرخة، على حشائش الرصيف التي كانت قد توحشت وطالت تحت شجرة التين البنغالي الجسيمة الهائلة" (الرواية ص 13). لقد تحول الفضاء الخارجي إلى فضاء للموت، وسقوط الشخصية لم يغير من إصرار السارد على الاستمرار في بروده وحياده مع نقاء المقطع من أي لوثة عاطفية، رغم أن الموت بطبيعته يثير الأسى والشجن والرهبة والكثير من مشاعر التعاطف، لكن وصفه للشخصية الميتة جاء محايدا، وكأنه يصف سقوط شيء عادي وتافه، وزيادة في اللامبالاة فقد اتجه ببصره لوصف حشائش الطريق التي سقطت فوقها الجثة، وشجرة التين التي تظللها. فإدوار الخراط يسعى إلى التنويع في رواياته بين اللغة الحيادية ولغة الحلم، ومن خلال الطرق الكتابية يقترح بدائل للواقع.
وينزاح السارد عن الحياد التام ليفسر ما رصده من خلال الوصف الحيادي البارد عن طريق تقنيات كتابية مختلفة تتمثل في انسرابه إلى عالم داخلي، أو طرح أسئلة بدون جواب، أو الحديث عن الذات، وكل ذلك عن طريق لغة شعرية تعتمد المجاز والرمز.
إن لغة وصف الفضاء مهما بدت جافة وحيادية، فإنها قد وضعتنا وجها لوجه أمام مأساة الشخصية التي تواجه عدوانية الفضاء الخارجي، الذي يكشف الوجه السافر لمادية المجتمعات الحديثة وتشييئها للإنسان. ليظل الفضاء كاشفا عن إيديولوجية معينة، كما ينزاح الفضاء عن أن يكون مجرد مؤطر للشخصية، وإنما يصبح شخصية تفرض إرادتها عليها فتؤذيها، فيسهم بذلك في بنينة المحكي. واستطاع الكاتب من خلال الفضاء الخارجي، بعدوانيته وبروده، أن يمرر انتقاداته ورفضه للواقع.
* باحثة من المغرب
1- إدوار الخراط. مخلوقات الأشواق الطائرة. دار الآداب. بيروت. ط 1. 1990 .ص 11-12.
2ـ البير- يس، الاتجاهات الأدبية الحديثة، دار الآداب- بيروت، ط1. 1996 .ص 82.
3 - J.y. tadié, le roman au xxe siècle. Belfond, 1990, p : 161.

 4 ـ إدوار الخراط: مهاجمة المستحيل، دار المدى للثقافة والنشر، ط1 . 1996 . ص 131.
5 ـ جان ريكاردو: قضايا الرواية الحديثة.ترجمة صياح الجهيم. منشورات وزارة الثقافة. دمشق. 1997. ص 65.
6 ـ لقد تم الحديث عن لغة الحياد وأسباب توظيفها من قبل الكاتب في تبئيره للفضاء الخارجي في الفصل الأول من هذا البحث.
7 ـ رولان بورنوف وريال أويلي. معضلات الفضاء ضمن الفضاء الروائي، جماعة من المؤلفين. ترجمة عبد الرحيم حزل. نشر افريقيا الشرق. ط. 1. 2002. ص 120.
8 ـ هنري ميتران. المكان والمعنى . ضمن الفضاء الروائي لجماعة من المؤلفين. م.م. ص 155.

الحس الجمالي ونعمة التذوق

التفاصيل
كتب بواسطة: بشير خلف
نشر بتاريخ: 31 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 31 مارس 2001
الزيارات: 7
 

                     الحـــس الجمــالي .. ونعمة التذوّق!!

                                                                      ? بشير خلف /الجزائر

        الإحساس بالجمال ، والميل نحوه مسألة فطرية متجذرة تحيا في أعماق النفس البشرية ؛ فالنفس الإنسانية السوية تميل إلى الجمال ، وتشتاق إليه ، وتنفر من القبيح وتنأى عنه بعيدا . إن الطبيعة الإنسانية تنجذب إلى كل ما هو جميل ؛ وقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال " . والإحساس بالجمال والوله به ، والاعتناء  به ، واقتناء الأشياء الجميلة قد يقوم بها الإنسان تلقائيا بفعل ذاك الميل الفطري المتجذّر في أعماق النفس ... شاء الله سبحانه وتعالى المبدع البديع الخالق أن يجعل من الجمال في شتّى صُوره مناط رضا وسعادة لدى الإنسان ، واستصاغة الجمال حقٌّ مُشاعٌ لكلّ

إنسان ، والأكيد أن تذوّق الجمال والتمتع به يختلف بين فرد وآخر ،ومن أمة إلى أخرى ، ومن عصر إلى آخر ، لكنه اختلاف محدود قد يمسّ جانبا من الجوانب ، أو عنصرا من العناصر التي تشكّل القيمة الجمالية

      كيف نعرّف الجمال ؟ وكيف نحدّد جوهره وأسسه الموضوعية ؟  فهل الجمال كل ما ترتاح إليه عينا الإنسان ؟ هل هو كل ما يعجبنا ويفرحنا ويشدّنا إليه ؟ أم أن ما ترتاح إليه عينا الإنسان ، وما يثير الإعجاب ، لا يكفي لتعريف الجمال وتحديد جوهر الجمال الحقيقي السامي ..ربما يخفي " الجمال الظاهري" الذي تراه العينان القبح والبشاعة ..

       وننطلق من الطبيعة فهي نبْعُ الجمال الفيّاض ... الذي لا يجفّ ، فإذا جفّ هذا النبع لا يندثر الجمال فحسب ، إنما تفنى الحياة وتموت الكائنات كلها ..أي لا حياة إذا ماتت الطبيعة ، فالحياة مرتبطة بالطبيعة ، والجمال مرتبطٌ بالطبيعة . تُشبع الطبيعة حاجة الإنسان للجمال ، وتُنمّي لديه شعوره به الذي يرتبط بالميل نحْو الطبيعة ، لأننا كبشر نشعر في تنوّع موضوعاتها ، وثرائها بما يمتع أبصارنا ويبعث الراحة في نفوسنا بما تُمثّله من شفافية وطُهْرٍ ونقاء ، فنحن نستمتع بتعدّد ألوان أوراق الشجر ، وبدقة نظامها البنائي ، وبالانسجام العجيب والعلاقات بين خطوطها ، والتي تتّصف بالرشاقة والنقاء .. من ذاك نعثر في الطبيعة على معايير التناسق والتوازن ، وعلى تجسيدات الثراء اللوني ، والإحساس بالرحابة المكانية ، وبالصفاء الضوئي ، وبتناغمات الكائنات في هذه الطبيعة .

      والحقيقة أن إعجاب الإنسان بجمال اللون والوله به ، يتجلّى على سبيل المثال في ألوان ريش الطاووس والتناسق في تمدّده ، وخُيلاء الطاووس لمّا يتحرّك ..وكذلك إحساسنا بالرضا والارتياح ونحن نتملّى الجو المشبع باللون في منظر غروب الشمس ، وانبهارنا بالنضارة اللونية في شروقها ، كلّ ذلك يرجع إلى كوْن الإحساس باللون هو من أكثر أنواع الشعور بالجمال شيوعا بين بني البشر، وأشدّهم جذبا.

     للألوان تأثيرٌ عميقٌ في دواخل النفوس ، فتظهر بهيئة ملموسة ساحرة تارة تحرّك أغلب الناس محرّكة فيهم الذوق الجمالي المتماشي مع كلّ إنسان ، وتارة أخرى بنفس إيماني ، وروحانيات ، واعتقادات تتداخل في كنف الدين والأعراف ، وحتى الأسطورة لدى بعض الشعوب ...إن اللون هو صفةٌ للنور والضوْء ، وأن للنور السماوي الآتي من الشمس قدسية وحظوة يكتسيها في جلّ المعتقدات .

      في العقيدة الإسلامية جاءت دلالات اللون تعبيرية أو رمزية أو حسّية أو جمالية ، وارتبط اللون بمصدرين جوهريين : أولهما ، النور القادم من السماء المقترن بالخالق الأعلى ، فهو ( نور الله ) سبحانه وتعالى ، أو ( نور القلوب ) بما يعنيه الإيمان المنوِّر لدواخل النفس المظلمة ..وثمّة تداخلٌ لغوي ذو دلالات بين كلمتي " ظلمة " و " ظلم " المقترن بقُبْح الظلم والطغيان المنافي لجمال العدل ، وهكذا فكل انحراف واختلال هو قُبْح لأنه ابتعادٌ عن الجمال الواجب اقترانه بإرادة الله ؛ وبذلك فإن اللون وجماله يقترن مع وجود الضياء ، ثم يتداخل المفهوم مع العدل والقسطاس الإلهي . وأصبح الأسود المظلم لدى أغلب شعوب الأرض رمزا للحزن ، والألوان المشعّة الفاتحة دليلا على الحبور والمسرّة في الأعراف الشعبية .[i][i]

     ثاني الحوافز المرتبطة باللون والتي تؤدي إلى التذوق الجمالي،هي العين كأداةٍ جاسّة للنور واللون .والعين ذكرها الله في مُجمل نعمه على الناس ..ناهيك عن اعتبار اختلاف الألوان في ناموس الطبيعة والخَلْق في حدّ ذاته معجزة ربّانية تدعو الانتباه ، وإن تكريسها ما كان ولم يكن عبثا ، كما ورد ذلك في الذكر الحكيم : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) (فاطر:27) و: (من الآية28 ).

      قد يطرح القارئ السؤال التالي وما علاقة الألوان بالجمال وتذوّقه ؟ وأيّ الألوان أجمل ؟ وهذا بطبيعة الحال يجرّنا إلى أقوال بعض علماء النفس الذين من بينهم العالم النفساني الألماني " فشنر " إذْ يقول : ( صحيحٌ أن اللون الأحمر جميلٌ إذا ظهر على وجنة الفتاة ، ولكنه ليس جميلا إذا برز في أرنبة الأنف .) وهكذا نحسّ بجمال اللون من خلال مضمونه وأهميته ، وبذلك تكون نظرتنا إلى وهَج الغسق الأحمر مختلفة عن احمرار الوجه البشري . كما أن للطبيعة المحيطة وصورة الكون حضورُهما في المدى الفلسفي للألوان ، فالأزرق يلْقى الحظوة لارتباطه بالسماء ولوّن الماء الذي هو جوهر الحياة : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُـلَّ شـْيءٍ حَيٍّ ) . واللون الأخضر يرمز إلى الأمل والخصوبة والخلود المرتبطة أساسا مع بُعْدي اللونين المكوّنين له وهما الأزرق الدّالّ على الماضي والأصفر الدّالّ على المستقبل ، وما يعاكسهما في ذلك والذي يمثّل الزمن الحاضر فيبدو احمر اللون .[ii][ii]

    يقفز أمامنا والحالة هذه سؤال مهمٌّ : هل كل كائن قادر على تذوّق الجمال والإحساس به ، والتعرّف على الجمال الحقيقي الأصيل ؟ أم أن الإحساس بالجمال والتعرّف عليه يحتاج إلى طاقة وقدرات ، وملكات رفيعة ، بل وخبرة ومستوى معرفي معيّن .. ونعتقد كما يعتقد العديد من ذوي الخبرة والاختصاص ،أن ليس كل إنسان يملك القدرة لاستيعاب وإدراك الجمال .

        تذوّق الجمال في رأينا يحتاج منّا :

1.  ـ إلى عقْلٍ نشطٍ ناضج ، فالعقل الخامل لا يملك القدرة على العثور على الجمال ، ولا التعرّف على ميزات الجمال ، ومن ثمّ الإحساس به ، وتحديد جوهره ، وتذوّقه والتنعّم به .

2.    ـ إلى قلْب مُحبٍّ ، فالمحبة هي التي تنير الطريق على مواطن الجمال والتوقف عندها والتأثر بها .

3.  ـ إلى عين نشطة ومشاعر مرهفة حسّاسة ، فالإنسان الذي اعتاد أن يقضي حياته بين جدران أربعة ، لا يدرك جمال نهر تعانقه المروج والبساتين ، والذي لا يرى من الحياة غير وجهها الحالك ، لا يدرك الجمال ولا يعيه البتّة .

4.  إلى نفس طيّبة ، متّزنة ، سويّة ، متسامحة ترى الوجود كله جميلا .. إلى أخلاق رفيعة سامية..نفس تنطوي على الخير والحبّ والجمال ، والفضيلة ، غير ميّالة للقبح والبشاعة في أذى الغير ..نفس طيّبة وتعتقد الطيبة في غيرها .

5.  ـ إلى خبرة بالحياة ومكوناتها ، وإلى إدراك للوجود ، وإلى قناعة بالموازنة بين الجانب الروحي ، والجانب المادّي ، وبين الجانب الحسّي والجانب المعنوي .

     إن الجمال يلبّي ويروي لنا حاجة إنسانية سامية ، وعلينا هنا أن نميّز بين الحاجات الإنسانية السامية للإنسان وبين الحاجات الوضيعة ، وإدراك قيمة الشيء معناه معرفته ، على سبيل المثال إذا لم ندرك ونقدّر ونعرف قيمة الوطن ، فهل يمكن أن نشعر بجمال الوطن ؟ قد نختلف حول العديد من القضايا ؛ إلا أننا لا يمكن أن نختلف حول الوطن الذي نعتبره أسمى وأرقى وأنبل مراتب الجمال .

        الإنسان هو الوحيد من بين الكائنات قادرٌ على التطوّر ..قادر على استكمال ميزاته الإنسانية التي تُمي|زه عن باقي الكائنات ، لأنه يملك العقل والإرادة ..الإنسان يملك غرائز نبيلة سامية نافعة ، ويملك بالمقابل غرائز عدوانية وحشية مخرّبة ضارّة ..إلاّ أن نزعة الخير موجودة أصلا فيه ..والجمال قادر على إبرازها وتوظيفها في سبيل الخير .وهو الوحيد من بين الكائنات كلّها ، قادرٌ على مجاراة الطبيعة التي هي نبْعُ الجمال ، في أن يكون جميلا ، وهو القادر على حماية الطبيعة لتكون مصدر قوّته وإلهامه ..بإمكانه أن يرفد ينابيع الجمال فيها ؛ وقدرته هذه تنبع من طموحاته وأحلامه .. فطموحات الإنسان وأحلامه تعبّر أيضا عن جانبٍ مهمٍّ للكشف عن القيم الجمالية ، والتواصل معها ، وتعبّر عن جانب مهمٍّ من طموح الإنسان وسعْيه ، واجتهاده لكي يكون جميلا .[iii][iii]

     إن القيم الجمالية هي غذاء الروح ، وغذاء الروح لا يقلّ أهمية عن الغذاء الطبيعي للإنسان ؛ إنْ لم نقل : إن الغذاء الروحي أكثر وأشدّ أهمية من الغذاء الطبيعي المادّي للإنسان ..ونعني بالغذاء الروحي ، كل ما يساعدنا على أن يبقى عالمنا جميلا يسرّ العين والروح ، ويفي الجسد .

     ويشكل الموقف من القيم الجمالية ، والإبداع الجمالي ، والتعامل مع الجمال بُعْدا أساسيا في الحضارة الإنسانية ..فالحضارة التي تخلو من الجمال ، وتنتفي وسائل التعبير عنه فيها ، وتنعدم صناعة موضوعاته فيها ، لهي حضارة متخلفة ، لا تتجاوب مع مشاعر الإنسان ، ولا تلبّي أشواقه النفسية ونزعته الفطرية إلى الخير والحقّ والجمال ، ولا تعبّر في الآن نفسه عن إنسانيته .(1)

         قد لعب الجمال والفن بمعناه الواسع دورا كبيرا في حياة الإنسان ، إذْ كان وما يزال مظهرا من مظاهر تميّز الإنسان العاقل عن باقي المخلوقات ، ووسيلة تعبير هذا الإنسان عمّا يحسّه من مشاعر وانفعالات ، وكلما ارتفع مستوى هذا التعبير ، ارتفع معه مستوى هذا الإنسان ، ومستوى الحضارة التي يعيش فيها .

      إن المجتمع الذي يُعنى بالفن والجمال ، هو مجتمعٌ يستطيع أن يحافظ على توازنه وترابطه ، ويسمو بأفراده إلى مراتب تساعدهم على الوئام مع محيطهم ، والحرص على تحسين واقعهم ..مجتمع يرتفع بأفراده فوق مستوى الحياة العادية ، ويمنحهم خبْرات إيجابية ، ويشحنهم بطاقات روحية يسمون بها فوق الروتين اليومي ، فيحقّقون ذواتهم أفرادا ومجتمعا .

       يقول المرحوم الدكتور زكي نجيب محمود :

     " الإنسان العادي من جمهور الناس ، إذا عرف في حياته الجارية كيف يفرّق بين ما هو جميل وما هو قبيح فيما يحيط به من أشياء ، فإنه في معرفته تلك ، يظلّ بعيدا أشدّ البعد عن القدرة على بيان الأسس التي إذا توافرت في شيء ما ، كان ذلك الشيء جميلا ، وإذا غابت عن شيء ما ، كان ذلك الشيء مسلوب الجمال ، بمقدار ما غاب عنه من تلك الأسس ، وقد يحدث هنا أن يتصدّى للمشكلة مفكر موهوب في عمق التفكير ودقّته ، فيتناول هذه التفرقة بين الجمال والقبح ، حتى يصوغ أسسها ومبادئها وشروطها ، وعندئذ يُقال عن مثل هذا المفكر : إنه فيلسوفٌ ، كما يقال عمّا يكتبه في هذا الموضوع : " إنه فلسفة الجمال "  ولنلحظْ هنا أن عملية النقد في مجال الفن والأدب ، إنما هي فرْعٌ يتفرّع عن فلسفة الجمال ، ولذلك فقد يختلف النقاد في الأساس الذي يقيمون عليه نقدهم ، باختلافهم في المذهب الفلسفي الذي يناصرونه "

   يطرح بعد ذلك الدكتور زكي نجيب محمود عدة أسئلة حول فهم الناس للجمال ، فإذا هم اتفقوا حول الفهم وربّما حتى التعريف ، فإنهم تأكيدا سيختلفون في التفسير والتعليل ، وما هو المقياس الذي يجعل ذلك الشيء قبيحا وهذا جميلا :

      (( ... قد تلتقي أنظار الناس جميعا على الشيء الجميل فتتفق على جماله ، ثم يبدأ اختلاف الرأي فيما بينهم حين يبدؤون في التفسير والتعليل ، فماذا في هذا الشيء أو ذاك قد جعله في أعين الناس جميلا ؟ أهو ـ في نهاية التحليل ـ ما به ممّا ينفع الناس في حياتهم الكاملة ؟ أم هو صورة بنائه وتكوينه ، بغضّ النظر عمّا ينفع وما لا ينفع ، أم هو شيء غير هذا وذاك ؟ )) ـ هموم المثقفين ص 249[iv][iv]

      ويربط المرحوم الدكتور نجيب محمود تذوّقنا للجمال بالجانب الروحي المتأصّل فينا والمستمد من عالم الروح ، وما نصفه بالقبح يتنافر مع ذلك ؛ فيرى أن الجمال في الأشياء الجميلة ما هي إلاّ صفةٌ ندركها ، فندرك أن بينها وبين الجانب الروحي فينا شيئا من حيث الجوهر ؛ وعلى عكس ذلك الشيء الذي نصفه بالقبح ، إنما هو شيء يحمل صفة تتنافر مع حقيقة أرواحنا ، فالأشياء الجميلة تُذكّر الروح فينا بطبيعتها الروحانية ، وذلك لأن هذه الأشياء الجميلة كلها تشترك في " الصورة " المستمدة من عالم الروح ، وإذا ما خلا شيء من تلك الصورة كان قبيحا .  

     ومن الخطإ أن نعتقد أن للجمال مقاييسه الحسية وحدها ، تلك التي تقع عليها العين ، أو تسمعها الأذن ، أو يشمها الأنف ، أو يتذوقها اللسان ، أو تتحرك بها لمسات الأطراف العصبية ... فالجمال مادة وروح ، وإحساس وشعورٌ ، وعقل ووجدان ، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر ، فستضل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها ، والوصول إلى أبعادها . فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه ، ولحكمة يقول الله تعالى في كتابه العزيز ( ...فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.) (الحج: من الآية46)

      وبعيدا عن الفلسفة وأهلها ، فالإنسان العادي السوي مثلما يشاهد الجمال في عالم الطبيعة يشاهده ويتذوّقه في الأشياء الجميلة التي يقتنيها ، ويلحظه في الإبداع الفني الذي يصنعه الإنسان كالعمارة التي يبدع فيها المهندسون ، والطرق الفسيحة التي تحاذيها من الجانبين مساحات ظللتها أشجار وارفة وزخرفتها زهور وورود تفوح عطرا ..مساجد تألقت بعمارتها الإسلامية المميزة ، كما أن الإنسان السوي يشاهد الجمال وينعم به في اللوحة الفنية ، الملابس الزاهية ، ترتيب غُرف المنزل ، الكُتب المزخرفة ، الخط ، ترتيل القرآن الكريم ، الزخارف والنقوش في الأواني والأبنية والفُرُش والزرابي ، في الإيقاع الموسيقي الأصيل والصوت الشجي ، والوزن الشعري العذب ، في الكلام الحسن ، في الحوار الهادئ ، في الاحترام المتبادل ، في فنّ الإصغاء للغير ، في حُسْن التعامل مع الجار ، مع الأقارب ، مع الزملاء في العمل ، في آداب الأكل ، في سلوك النظافة في داخل المنزل وخارجه ، في الحفاظ على البيئة .

      وكما نشاهد الجمال ونتذوقه في الإبداع الذي يصنعه غيرنا ونصنعه نحن أيضا ، فإن موضوعات الجمال التي كرّم الله بها عباده في الطبيعة أفسح وأجمل وأكثر جاذبية ؛ حيث يغمرنا الجمال في عالم الأزهار والطيور وسفوح الجبال ، وجداول الأنهار ، وشلالات المياه المنحدرة ، وكثبان الرمال الذهبية ، ومغيب الشمس ، وفي شكل الإنسان الذي قال الخالق عزّ وعلا في شأن تكريمه :  ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الاسراء:70)         وقال أيضا : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) .. كما نسعد بالجمال ونحن  نتذوقه في سماء الليل الصافية ، وفي النجوم المتلألئة ليلا ، والقمر وهو يغمر الكون بضيائه ..نتذوّق الجمال في الغيمة ، في قوس قزح ، في الضباب وهو يدثر ما حولنا بغلالة شفافة منعشة ، نتذوقه في نزول الغيث وتجمُّع قطراته وهي تنساب والأرض تتشرّبها في نشوة ..الجمال نتذوّقه في عيون الضباء ، وفي عيون المها وابتسامات الأطفال ، في ألوان الأسماك وشاطئ البحر ورماله الذهبية ، وأمواجه ..في حقول الزرع المترامية ، في السنابل الناضجة وهي متمايلة بما حملت من ثمار الخير ..في الخضار بألوانها المختلفة ..في الأشجار المثمرة وتدلّي الثمار بألوانها وأشكالها يانعة شهية في عراجين النخلة وهي مدلاّة ، مثقلة بحبات التمر في لونها الذهبي الرائق الشفاف ..وفي الأزهار بألوانها وأريجها .. وفي ملكها الورد بدون منازع ..

      عموما ، فالجمال قد يكون متعلقا بالإنسان ، أو الحيوان ، أو النبات ، أو الصخور ، أو الجبال ، أو البحار ، أو السماء ، أو حتى السحب وتشكيلاتها ، تهاطل الأمطار ، تساقط الثلوج ، أو التعبير الإنساني خاصة في الفنون المختلفة ، وقد يكون مرتبطا بالجانب المادي ، أو الحسّي ، وقد يكون متعلقا بالجانب العقلي أو المعرفي ، أو التأمّلي قد يتمثّل في حالات صامتة ، أو حالات متحرّكة ، أو في مزيجٍ من الصمت والحركة ، وقد يكون في وجْهٍ جميل ، أو جسد جميل ، أو مسرحية جميلة ، أو مقطوعة موسيقية جميلة ، أو فيلم جميل ، أو لوحة فنية جميلة ، أو حديقة طبيعية جميلة لم تطلها أيدي البشر ، أو حديقة أخرى تولاّها الإنسان بالرعاية والاهتمام .

     اختلافات هائلة بين تكوينات وحالات الجمال وتنويعاته ، فوصفنا العام لها بالجميلة إلاّ لكونها تثيرنا وتبعث المتعة والراحة في نفوسنا ؛ حيث يوجد الجمال في جميع مظاهر الحياة ، في الطبيعة والمباني والبشر والفنون واللغة ... كما يوجد في العلوم ، فالفيزيائي  ريتشارد فينمان يرى بأن " المرْء يمكن أن يستبين الحقيقة بفضل جمالها وبساطتها " ويعلن فيزيائي آخر بقوله : " إن الجمال في العلوم الدقيقة وفي الفنون على السواء هو أهمّ مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح " .(3)

     كلٌّ تلك موضوعات تجسّد الجمال ، بل الطبيعة بأسرها لوحة فنية تفيض بالحسن والجمال ، والنفوس السوية تثير لديها الإعجاب ، وتتفاعل معها روحيا ، إذْ تتحوّل لديها شعرا ، أنشودة ، عبادة وإجلالا وتسبيحا وتعظيما لمبدع هذه الطبيعة وخالقها .

      أين نحن من هذا العطاء الربّاني ؟ هل نحسّ بهذا الجمال الفياض في سلوكنا اليومي ؟ هل نتذوق القليل أو الكثير في يومياتنا وليالينا ؟ ...هي أسئلة مطروحة علينا أفرادا وجماعات ، ولا أعتقد أننا نجهل واقعنا وسلوكنا الذي يجهل في أغلب الحالات كُنه الجمال ومفهومه ، ومعاداتنا لكل ما هو جميل ، وإنْ جهلْنا التذوقَ الجماليَّ فإننا في نفس الوقت نترفع عن تعلّم التذوق الجمالي ونرى بأنه من الصغائر التي ننزل إليها ، والبعض يراه أنه من الضعف والدونية .. نحن أغلبنا معطوبٌ من الداخل. لكن  كيف السبيل إلى إصلاح هذا العطب ؟ ؟

       صُور الجمال في الكون والحياة ، دليل على قدرة الله تعالى وعظمته وحكمته ، والقيم العليا في الديانات السماوية ، سيّـما في الدين الإسلامي الحنيف ، ترمز إلى نواحٍ جمالية مثلى ، لأنها ينبوع السعادة الحقيقية المتمثلة في الحق والخير والجمال ، للبشر في كل زمان ومكان ، فالخير والفضيلة ، والحب والصدق ، والعدل والرحمة ، والتآخي والبرّ ، والطهر والعفاف ، وغيرها من الصفات والسلوكات الإنسانية الحميدة التي تبعث في النفس الطمأنينة والأمن والأمان ..جميعها ينابيع للخير والوفاق وجمال النفس والكون في شموليته الواسعة ، والبيئة المحيطة بالإنسان .

      لقد دعت الآيات القرآنية إلى تأمل الكون ، واكتشاف روعة التنظيم والتنسيق فيه ، والجمال به ، حتى يزداد الإنسان إيمانا ويقينا ، ويسعد بتلك الثروة الهائلة التي تغمر الإنسان والكون في كل كوقع عملا بقوله تعالى : " وإنْ تعدّوا نعمة الله لا تحصوها " . إن تذوق الجمال واليقين من أعظم نِِعم الله ، وقد رمز إليها أحد المفكرين القدماء بقوله : ( إن بين جنبيّ من اللذة ، ما لو علمها الملوك لقاتلوني عليها بالسيوف . )

       إن القرآن يوجه الحسّ البشري للجمال في كل شيء ، وإنه يسعى لتحريك الحواس المتبلّدة لتنفعل بالحياة في أعماقها ، وتتجاوب تجاوبا حيا مع الأشياء ، والأحياء ، وهنا يلتقي الفن بالدين ، ويلتقي الجمال مع التوجيهات الربانية في تأمل الكون وتذوق الجمال به ؛ (4) { الأستاذ محمد قطب ، منهج الفن الاسلامي } ..والفن الصحيح هو الذي يهيّئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق ، فالجمال حقيقة في هذا الكون ، والحقّ هو ذروة الجمال .

                                       في الجمالية والجمال

     ونعني بالجمالية ، تلكم المعرفة التي نهتدي بفضلها إلى الحكم على الحُسْــن وتقييم الجمال ،فالجمالية كمذهب مشهور في الفن بمعناها الواسع هي ( محبّة الجمال ) ..حيث ترى طائفة كبيرة من أصحاب هذا المذهب أن قيمة الفن تُوجد في ممارستنا المباشرة له ..والجمالية تُعطي الشكل أهمية كبرى وتكون قيمة العمل الفني في الشكل دون الموضوع ، بينما يرى آخرون من أتباع الجمالية : أن الجمال قيمةٌ لا غنًى عنها ، تقديرها ضروري للحياة الخيّرة ، ولكن لا يمكن فصْلها عن قيمتي الخير والحقّ .

        وعموما فالجمال يقابله القبح ..والجمال قيمة من القيم السامية مرغوبة ، ولكن القبح قيمة أيضا ولكنها مستهجنة ، ومن القبح أيضا ما يكون في حدّ ذاته جميلاً ؛ ولذلك فإن الجمال في معناه المطلق " قد يكون " صعْب التحديد ، سيّما في هذا العصر الذي اختلطت فيه القيم ، واختلفت الاتجاهات ، وتغيّرت الأذواق ، فإنك تجد من الناس مَنْ يستحسن الشيء الذي تستقبحه أنت وتنفر منه ، ويجد فيه من الأريحية والهزّة الداخلية ما تراه أنت فيه من اشمئزاز وكُرْه .ومهما يكن من أمْرٍ ، فإن لثقافة الفرد ، ولنوع الحضارة التي طبعت حياته ، ولنوْع البيئة الطبيعية والاجتماعية التي يتواجد فيها ، تأثيرا في إكسابه " الجمالية "  ودرجة إحساسه بالجمال ، والمعايير التي يوظّفها في التلذّذ بذلك .

    " الجمال إحساسٌ بروعة ، وشعورٌ بهزّة ،وانطباعٌ بأثرٍ وانجذاب لأريحية تعرو النفس فتتملّى وتتغذّى .

فأن تُِؤخذ بالاستماع أو تنبهر بالمشاهدة ، أو تتحرّك سواكنك أمام الرقّة والحُسْن مهما كان مأتاهما ، فقد شعرتَ بالجمال ، واستفزّك الجمال فتأثّرتَ به " (5)

    وليس غريبا أن يختلف الناس في تذوّق الجمال ، وأن لا يكونوا على درجة واحدة في الشعور به ، فمنهم مَنْ لا يؤثر فيه الجميل المألوف ، ومنهم مَنْ لا يرى جمالا فيما أجمع عليه بعضهم ، ومنهم من لا يرى أثرا للقيمة الجمالية الحقّ التي أجمع الناس عليها ، أو فيما يتأثرون به على أنه مُثيرٌ للإعجاب ..ومنهم من يستوي عنده القُبْح والجمال ، فلا يهتزّ لهذا ولا يشمئزّ من ذلك .ومنهم من تستهويه البشاعة ويركن إلى القبح في كل سلوكاته ، ولو أضرّ بغيره وبنفسه ؛ وتُمثّل الخطيئة ، والشرّ والفساد ، والظلم والتعدّي على الغير ، والاستغلال وتعاطي الحرام في جميع أشكاله ، وانتهاك حُرُمات الله ، والبعد عن مبادئ السماء ، والغفْلة والتغافل عن المبادئ الخيّرة ، كلّها صُورٌ بشعة ومُشينة للقُبْح الذي يُضادّ الجمال.

       لكن لحكمة يعلمها إلاّ الله سبحانه وتعالى ؛ هناك من الناس من لهم أعينٌ لا يُبصرون بها ، وآذانٌ لا يسمعون بها ، وقلوبٌ لا يفقهون بها ن إنهم كالأنعام بل هم أضلُّ ..وقد دعت الآيات القرآنية إلى تأمّل هذا الكون الشاسع اللامتناهي ، واكتشاف روعة التنظيم والتنسيق والجمال فيه ، حتّى يزداد الإنسان إيمانا ويقينا ، ويسعد بتلك النعم التي لا حصْر لها ، والتي تغمر الإنسان والكوْن في كل موقع : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا )(النحل: من الآية18)  .) إن الإحساس بالجمال وتذوّقه من أعْظم نِعم الله على عبده .

      لكن ما هو الجمال ؟ ما الضدّ للجمال ؟ هل الجمال كما هو متداول لدى شبابنا ، أو مترسّخ لدى كبارنا بأنه ينحسر في المرأة وما له علاقة بها  فحسب ؟ إن مفهوم الجمال وكنهه أسْمى من ذلك بكثير.

      الجمال ضدّ القبح ، وهو الحُسْن والزينة ، ومنه الحديث : ( إن الله جميلٌ يحبّ الجمال .) أي حُسْن الأفعال ، كامل الأوصاف . واصطلاحا : الجمال حُسْن الشيء ، ونضرته وكماله على وجْه يليق به ؛ ومعنى ذلك : أن كل شيء جماله وحُسْنه كامنٌ في كماله اللائق به ، فإنْ كانت جميع خصوصياته وكمالاته الممكنة ، فهو في غاية الجمال ...فالخط الجميل هو الذي جمع ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها ، واستقامة ترتيبها ، وحُسن انتظامها ، فكل شيء له خصوصياته الجمالية ، فما يُجمّل الإنسان لا يجمل الحيوان مما هو من خصوصياته ، وما يجمّل فنّ الخط لا يجمّل فن الأصوات ، وما يجمّل الأواني ويزخرفها غير ما يجمل الثياب ، وهكذا في سائر الموجودات .

       وكما أشرنا فيما سلف ، فالجمال سمةُ واضحة في الصنعة الإلهية ، وحيثما يمّم الإنسان وجهه ، يجد من صُنْع الله ما يجذبه بلونه ، أو يستهويه بصوته ، أو يتملّك فؤاده بتناسقه ودقته المتناهية وصنعته المُحكمة ، فالجمال بعضُ آيات الله التي أودعها في مخلوقاته ، وطلب من الإنسان أن ينظر فيها ، أن يتأملها بالبصيرة قبل البصر ، ويستجلي الأسرار منها ، ويعتبر . قال الله تعالى :

  ( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:99)      قد تضمّنت الآية جمالا من الطبيعة ومظاهرها ، ما يدعو الإنسان إلى النظر والتأمل فيها ، بل إن هذا الجمال لم يُذكر ليُعْلم فحسب ، بل ذُكر أيضا كي يستمتع به الإنسان ، لأن المنفعة المادية ليست وحدها الغاية من خلْق هذه المخلوقات على هذا الوجه ..فالجمال منفعته معنوية تُغذّي الروح والنفس ؛ لذلك قال الله تعالى في سورة الأنعام : ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل: 5 ، 6)       ذكر الله تعالى المنافع المادية وأعقبها بالمنافع المعنوية المتمثّلة في الناحية التي تُحْدثها في نفْس مالك هذه الأنعام .

      تحدّث القرآن الكريم في آيات كثيرة عن الزينة والجمال ، ولفت نظر الإنسان إلى ما في عالم الموجودات من جمال وروعة وفنٍّ وإبداع لتكون دليلا على قدرة الله وعظمته ، ويتضح ذلك ونحن نتلو الآيات الكريمة التي وصف الله فيها نفسه بأنه ( بديع السماوات ) و( المصوّر ) و( الخالق ) وغيرها ممّا أضفى على كلّ شيء في هذا الوجود مسْحة الجمال والإتقان . والرسول صلّى الله عليه وسلّم كان المثل الأعْلى في الطهارة والنظافة ، والأناقة والجمال ، وسموّ الذوق .

     والجمال في الحقيقة ليس قيمة كمالية لمجرد الزينة ، كما أنه ليس تشكّلا ماديا فحسب ، ولكنه بالمعنى الصحيح حقيقة مركّبة في مداخلها وعناصرها ، وتأثيراتها المادية والروحية ن وفي انعكاساته على الكائن الحيّ ، ذلك لأن اثر الجمال لدى النفوس السوية يخالط الروح والنفس والعقل ، فتنطلق ردود أفعال متباينة ، بعضها يبدو جليا وبعضها وبعضها الآخر يفعل فعله داخليا ، لكن محصّلة ذلك كله ما يتحقّق للإنسان من سعادة ومتعة ، وما ينبثق عن ذلك من منفعة تتجلّى فيما يأتي أو يدع من أفعال وأقوال ، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر .. والجمال بداهة لدى كل ذي لُبٍّ لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها .. وإذا كان تذوّق الجمال والاستمتاع به مباحا في الشريعة الإسلامية ، فإنه مدخلٌ على إلى ارتقاء الروح والذوق ، وسموّ النفس وخلاصها من التردّي والسقوط في الرذيلة ، ومحرّك للفكر كي يرتقي ويجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي مآلها الفناء والزوال ، فالجمال عنصر من عناصر الإيمان ، والقيم الجمالية الفنية تحمل في ثناياها ما يعمّق هذا الإيمان ، ويقويه ، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في هذه الحياة .

                                    

                             لكل إنسان رؤية ورد فعل تُجاه الجمال

     إن لكلّ إنسان رؤية وردود فعل حول الجمال كمفهوم ، والجمال كانطباع تجاه أشياء مادية وروحية مختلفة يتذوّق جمالها حسّيا وعقليا ، تترك في نفسه إحساسا بالبهجة والاهتزاز والنشوة والدهشة ..هذا الإحساس هو المقياس الذي يحدّد جمال المادة التي تترك لدى المتلقّي ، الانطباع الممتع ، والإحساس بالبهجة ، سواء عن طريق التأمل العقلي ، أو عن طريق حواس السمع ، أو النظر ، أو التذوّق .

     ولكي يكون لدى الإنسان إحساسٌ جماليٌّ راقٍ ، يتطلّب ذلك تربية للذوق الفني والجمالي لديه منذ الصغر ، ولا يعدم أن يتدارك ذلك ولو نسبيا عند الكبر ..قد يقول قائل كيف ؟ ومتى ؟ وما السبل إلى تحقيق ذلك والعصر عصر السرعة لا يترك للإنسان المعاصر الذي تدفعه الحاجات اليومية ، ومطالب الأسرة والأبناء فرصة كي يستردّ أنفاسه فيلتفت إلى نفسه المتعبة .. يمنحها فُرصا للراحة والتأمل  بين الحين والآخر ؟ الإحساس بالجمال وتذوّق الفن في كل مناحيه الطبيعية والبشرية ، وما ينتجه الإنسان نفسه وهو كثيرٌ ، يتطلّب الهدوء والأناة والتأمل ودقة الملاحظة فيما هو مرئي .. بشاعة السلوك البشري المتنامي ..قساوة الإنسان تجاه أخيه الإنسان التي يمارسها بطرق وأساليب تنوعت وتعدّدت في كل بقاع الدنيا ..هذه السيولات من الفيض الإعلامي الذي يلاحق الإنسان في جلساته ببيته ..في لقاءاته مع أحبائه وأصدقائه ..في سيره اليومي العادي في الطرقات والأسواق ، تهزّه في اليوم الواحد عشرات المرّات بهول ما يقع يوميا من مآسٍ وتراجيديات ، هل تركت وتترك للإنسان المعاصر ما يبعث في نفسه الأمل ، والسكينة حتى ينظر للحياة بمنظار الخير والفضيلة اللذين هما مكوّنان أساسيان من الجمال ، ومحرّكان داخليان للتمتع بالجمال أينما هو .

       وماذا نحن قائلون عن الإنسان الجزائري الذي مرّ بمحنٍ قاسية وفضيعة في السنوات الأخيرة ، حتى ان هناك دراسة حديثة نُشرت أخيرا بيّنت أن 90 %  من الجزائريين مرضى  يعانون من أمراض نفسية ، والخوف بطريقة أو بأخرى مترسّب لديهم في اللاشعور ، وحوالي سبعة ملايين شخص أغلبهم من النساء أميون ، وفي دراسة حديثة أيضا حوالي سبعة ملايين شخص يعانون من مرض ضغط الدم ، فضلا عن أمراض أخرى مختلفة بعضها معروف منذ القديم ، وبعضها الآخر ممّا جاد به العصر ..فضلا عن تاريخ الإنسان الجزائري المُوغل في القدم والممتد إلى آلاف السنين ، ما عرف فيه هذا الإنسان الأمن والاستقرار والسكينة ، والحياة الهنية إطلاقا ..فالغزاة دوما وراءه ، ما تركوه يستقرّ مرحلة ينعم فيها برفاهية الحياة كباقي الشعوب الأخرى على المعمورة ..ومرحلة الاستعمار الفرنسي كانت أشدها قسوة عليه ، حيث كادت تمحو أثره من الوجود ، بعد الاستقلال خرج محطم النفس معطوبها ، فارغ اليدين ..لتتلقفه محنة أخرى أكثر قساوة ، وأشدّ إزهاقا للأرواح ، وأوسع تدميرا لأغلب ما أنجزته الأمة في مسيرتها بعد الاستعمار ..كانت الفاجعة على النفوس التي أُزهقت ، والمكاسب التي أُتلفت ، والآثار النفسية التي ترسّبت ، والأمل الذي تبخّر في غدٍ مشرقٍ .. لا نعجب أبدا فيما نشاهده يوميا حولنا من بشاعة في السلوك ، ومن بلادة في الطبع ، ومن لامبالاة من أغلب الجزائريين فيما يجري حولهم ، ومن لهف وراء المكاسب الدنيوية ، ومن تكالب وحشي وراء الربح وكسْب المال بالطرق الشرعية وغير الشرعية ، وتفشّي الرشوة والمحسوبية ، والاغتناء بالمال العام ..الكلّ يشعر بالقلق والتوتر ، وبعدم الثقة فيما هو موجود ، الكلّ يعادي الطبيعة البشرية الجميلة ويراها ضعفا ..الكل يشنّ حربا على الطبيعة وينأى عن التمتع بما فيها من نقاء وجمالية ..نعادي الجمال ..حربنا متواصلة ضد البيئة التي نحيا فيها .. منها نستمدّ أسباب بقائنا في هذا الوجود ..

 لو نتكلم عن يوميات الإنسان الجزائري في تعامله مع البيئة التي حوله من منطلقها الضيق فالقريب ، فالأبعد ، ونقارنها بالبيئة والوئام والمصالحة معها في دول أخرى ، لانعدم وجه المقارنة البتّة لبعدنا كثيرا عمّا عندهم ..ومن الغريب أننا لمّا نزور تلك الدول نعود إلى ديارنا ونحن مبهورون بالنظافة والتنسيق ، والجمال الذي يمسّ كل شيء ، ويصل إلى كل ما له علاقة بالإنسان ، ولا نُسائل أنفسنا لِم كان ذلك عندهم ، وما كان عندنا ؟ ..مآسينا في العطب النفسي الذي نعانيه لا تُحصى وهي تتوالد باستمرار ..ولكن هذا لا يمنعنا من العودة إلى الأصل .

     يمكن أن يكون الإنسان هو المخلوق الوحيد الأكثر تحسّسا للشيء الجميل برغم المحن التي يمرّ بها وخاصة لدى الإنسان المؤمن الذي بحكم إيمانه المتين بخالق الكون والمتصرّف فيه وفي عباده ، سلّ أمره إلى الله الرحمن الرحيم ، حينها تطمئن نفسه ويعود الهدوء والأمل إليه ، فينعم بما كرّمه به ، ويُحسن امتلاكه والتصرّف فيه وتذوّقه بما في ذلك الجمال .. الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتجاوز واقعه ويسمو بنفسه على مراتب أعلى وصولا إلى سلوك الخير والفضيلة والحب في أسمى مراتبه .

      إن القرآن الكريم حثّ الإنسان المسلم تأمّل الكون ، والتدبّر فيما أبدعه الله فيه من مظاهر الجمال هو وصولٌ إلى محبّة مبدع هذا الجمال ، فالجمال سببٌ من أسباب حبّ الخالق ..إن المسلم الحقيقي والسوي في نفسه وإيمانه بخالقه ، كلّ ما يحيط به يذكّره بالله ..وكل ما في الكون يأخذ وجهته نحو الخالق .

      يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه ، " إحياء علوم الدين " :

      ((  ... والمسلمون يحيطون أنفسهم بكل ما هو من شأنه أن يذكّرهم بالله ، فإن كل شيء داخل هذه الأمة يأخذ وجهته نحو الله عزّ وجلّ ، والجمال هو الطاقة المحرّكة للنفس الإنسانية من خلال فعْل الحبّ لله من حيث كونه عزّ وجلّ موضوع الجمال ، فالله جميلٌ يحبّ الجمال ، فالله الواحد الأحد هو منتج الخلْق ومبدع الجمال .)) وبذلك نلاحظ التداخل أو التكامل بين الخلْق والإبداع في الذات الإلهية . ويضيف الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : (( ... إن الجمال مرتبط بالمحـبّـة ، فالجمال دافعٌ للحبّ ، وسببٌ من أسبابه))      إلاّ أن الحبّ المرتبط بالجمال ، لا يُنتظر منه فائدة ولا منفعة ، فالإحساس بالجمال عنده كما عند الفيلسوف الألماني المعروف ( كانط ) منزّهٌ عن الغرض ، فالحبّ لذاته وليس لفائدته ..فالغزالي جعل الجمال الظاهر من شأن الحواس ، والجمال الباطن من شأن البصيرة ـ القلب ـ وقد اقترن رأي الإمام ابو حامد الغزالي ببناء الاتجاه الأخلاقي الموحّد على أساس وقيم ، ومعالم التخلّق بأخلاق الله ( المطلق ) ، هو بالقدْر ذاته رؤية الجمال الحقّ والتحلّي به ..وهي المقدمة التي تحوي في ذاتها وحدة الخير المحض ، والجمال في الوجود كلّه .

       كما كان للأفكار الصوفية تأثيرٌ على مفهوم الجمال ، حيث تقوم الفكرة الأساسية لدى الصوفية ، أن الإنسان يستطيع أن يتّحد في ذات الله روحيا عن طريق الوجْد ن والحياة المتقشّفة ، والتنسّك ن والعبادة الخالصة ، وتنقية الروح والنفس من جميع الرغبات ، والشهوات الدنيوية ؛ ومتى ما يصبح في حضرة الذات الإلهية يدرك أن الجمال الحقيقي هو فيما يرى من نورٍ ، وما جمال العالم إلاّ انعكاسٌ للجمال الإلهي.

في هذا السياق نجد أن الفقيه والمتصوّف " أبو حامد الغزالي " جعل الجمال الظاهر من شأن الحوّاس ، والجمال الباطن من شأن البصيرة ..فيقول : ( الصّورة ظاهرة وباطنة ، والحُسْن والجمال يشملهما ،  وتُدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر ، والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة ، فمَنْ حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ، ولا يتلذّذ بها ، ولا يحبّها ، ولا يميل إليها .. ومَنْ كانت عنده البصيرة غالبة على الحواس الظاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة أكثر من حبّه للمعاني الظاهرة ، فشتّان بين مَنْ نقْشا مُصوّرا على الحائط بجمال صورته الظاهرة ، وبين منْ يحبّ نبيا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة .)

      وهناك قولٌ حاسم للغزالي أيضا في موضوع الجمال وهو يقول :

    (( منْ لم يُحرّكه الربيعُ وأزهارُه ، والعودُ وأوتارُه ، فهو فاسدُ المزاجِ ليس له علاج ٌ . ))

     وبالرغم من مآسي الحياة وقساوة عوادي الأيام ، أجمع البشرُ على حبّ الجمال والتعلّق به ، والبحث عنه وسطوته على مشاعرهم وأثره في نفوسهم ، ولكنهم تباينوا في  تعريفه أو تفسيره . ويذهب البعض من اللغويين العرب إلى أنّ كلمة " الجمال " يمكن أن تكون واردة من كلمة :  " الجمل " الذي يقرن الجمال بالمنفعة . ويجوز أن تكون التعابير الواردة في الذكر الحكيم مثل ( سَراحا جميلا ) أو ( صفْحا جميلا ) أو ( هجْرا جميلا ) ما يرمز للتسامح وروح الإيثار .(6)

       أمّا الجمال الذي نستعمله للدلالة الفنية ، ولا سيّـما في العمارة ، فهو يقابل كلمة " أسطاطيقا " اليونانية الأصل والتي تعني علم الإحساس ، والإدراك ، والمعرفة الحسّية ، وهو عِلْـمُ قوانينِ تطوّرِ الفن ، ويتبوّأ موقعا بارزا في الفلسفة وفي علوم الفن . ولعلم الجمال جانبان نظري وعملي ، الأول يبحث في تطوّر التطبيق الفني ووضْعه في قوانينه المعيّنة ، والثاني أساسي في تجسيد الجمال التطبيقي في الثقافة والنقد الفني ..وفي علم النفس نجد الجمال يتلاقح مع المشاعر الرقيقة ، والأفكار السامية إلى جانب المشاعر الأخلاقية والثقافية ..ولعلّ أفلاطون الفيلسوف اليوناني مِـن أوائل مَنْ بقيت تدويناته عن الجمال ، وصرّح بأن ( الجمال والخير والحقّ حقيقةٌ واحدة ، فليس بجميل على ما يقوم على الباطل ويأتي السوء منه ) وهذا الأقرب للمفهوم الإسلامي ، ويأتي الفيلسوف أرسطو فيما بعد ليفرّق بين العمل وبين الشكل ، فالعمل لديه هو الخير بعينه ، ولكن الشكل هو الذي يضطلع بالجمال ، والشيء الجميل يتنزّه عن الغرض ، وهذا لا يعني لديه أنه يخلو من الفائدة ، ويصف في ذلك " الموسيقى " بأنها مرادفٌ للطهارة والسرور والتهذيب وهذا هو الجمال بعينه .(7)

       عالج العديد من الفلاسفة فيما بعد النواحي العاطفية والروحية والإنسانية التي ترتبط بالجمال لدى الفرد ، وذهب البعض منهم بأن الحكم الأخير في ذلك هو الفرد فيما يقبله ، أو يرفضه تبعا لِما يُمليه عليه خياله ، وتمشّيا مع سجيّته وفطرته . ومن العلماء مَنْ شرح الجمال " بالراحة البيولوجية " ، أي شعور الإنسان بالارتياح ؛ ومنهم مًنْ قال بأن الجمال محسوسٌ وليس ملموسا ، ويَرجع الإحساس هذا على الصورة ، وليس للمادة ، وإن تقدير الجمال أمْرٌ كيفي لا كمّي ، وهو بذلك لا يُقاس بالأعداد أو المقادير حيث يعتبر ـ كانط ـ : ( أن الجمال هو ذاك الذي يكون ممتعا بالضرورة ، وهذه المتعة تنبعث من نفوسنا ، ونحن ندرك أن هذا الجمال مقطوع الصلة بأية فائدة مهما كانت ) ..وحدّد ـ كانط ـ نوعيْن من الجمال حدهما حرٌّ ، والآخر تابعٌ ، فيكون حرّا إذا انعدم الغرض ، وتابعا إذا هدف إلى غرض ما .

       وفي نفس السياق نجد هذا المفهوم الجمالي لدى البعض من العرب المُحدثين مرتبطا بإدراك القيم حيث يصف " محمود الشكرجي ، ذلك المفهوم بقوله :

     (( إن الإدراك الحسّي هو صفةٌ جوهريةٌ في الجمال ، والصفة الثانية هي النقد الواعي المشتمِل على الأحكام القيْمية الغريزية المباشرة ، أي يشتمل على حالتي اللذة والألم . والمجال الذي يشترك فيه كلٌّ من النقد الحسّي والنقد الواعي هو المجال الذي توجد فيه الإدراكات الحسّية النقدية ، أو مجال الإدراك النقدي التشوّقي ، وبذلك يصبح علم الجمال ؛ هو إدراكٌ للقيم . ))(8)

      وعودةٌ إلى كُنْه الجمال في التراث الإسلامي حيث جاء مقترنا بإحدى صفات الله سبحانه وتعالى ، كما ورد في الحديث النبوي الشريف ( الله جميلٌ ويحبّ الجمال ) ، وجاءت الحظوة بالجمال من مصادرها الصريحة في جمال الخلْق الإنساني ، وجمال الطبيعة والكون التي أنعم الله سبحانه بها على البشر . وقد عرّف لنا ابن منظور ذلك في لسان العرب بقوله :

     (( ... المسلم مدعوٌّ إلى الإتّصاف بالجمال الذي هو البهاء ، والحُسْن في العقل وفي الخُلُق ، وإلى تنمية إحساسه بالجمال الذي أوْدعه الله سبحانه في الكوْن : جمال الصورة ، وجمال المعاني على حدٍّ ســواء .))

     إن التربية الشاملة المُثلى بما تتضمنه من تربية جمالية تسمو بالإنسان إلى عالم القيم العليا ، فتشرق روحه بالخير ، وتتحلّى نفسه بالحقّ ، ويعبق قلبه بالحبّ ، وتنفد بصيرته حيث ينابيع الجمال . وإن تذوّق الجمال ، باعتباره قيمة من القيم العليا ، يُدخل الإنسان في عالم باقي القيم ..والفضائل السامية ، والخصال الحميدة ، وهذه ما هي إلاّ مظاهر من جمال النفوس الخيّرة .

     يقول المرحوم العلاّمة محمد الغزالي : (( إن الضغط على الطبيعة البشرية ، خُيّل لبعض الناس أن محبّة الجمال في آيات الكون نزعةٌ تخالف التقوى ! . وليت شعري لمنْ تُرسم صور الإبداع في قوله جلّ اسمه : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) (قّ:6)   كما انه يجدر بالذكر أن تقدير العرب للجمال قبل الإسلام كان معكوسا على الأشياء المادية الحسّية مثل جمال المرأة والبعير والفرس والأطلال ، فكان مقتصرا على ردود الفعل والمشاعر العاطفية المباشرة من حُبٍّ وشوقٍ وحنينٍ ولوعة ولهفة اللقاء فكانوا ينظّمون شعر الغزل فيمن يحبون ويعشقون . وحينما جاء الإسلام اهتمّ بجمال النفس ، والخُلُق والخِلْقة ، فقد حثّ الناس على النظافة والاهتمام بمظهرهم وزينتهم ، فقد قدّر الإسلام الجمال وكلّ ما هو جميلٌ ، والجمال هنا يشمل الجانب الشكلي والروحي .

 



 

 

 

 

العنف السعيد

التفاصيل
كتب بواسطة: محمد العرادي
نشر بتاريخ: 30 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 30 مارس 2001
الزيارات: 5

العنف السعيد

 

يعرف العنف بأنه إيذاء باليد أو باللسان، أو بالفعل أو بالكلمة في الحقل التصادمي مع الأخر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون فعل العنف والإيذاء على المستوى الفردي، أو المستوى الجماعي، فلا يخرج في كلتا الحالتين من ممارسة الإيذاء سواء باللسان أو اليد ..

فالعنف ظاهرة فردية أو مجتمعية، تختلف دوافعها من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر، فقد تكون لها دوافع شخصية أو سياسية أو اقتصادية، فهي متعددة الأسباب والجوانب، ولقد انتشر في الأونه الأخيرة وخاصة في المجتمع الغربي مصطلح غريب، وظاهرة عنفيه جديدة لتضاف لرصيد العنف، الذي يعيشه العلم بأسره من حروب واستعمار مبطن، ودمار شامل وأسلحة فتاكة، وتشريد ومجاعة وإرهاب مقيت .

والغريب في الأمر ان هذه الظاهرة العنيفة المتفرعة من العنف، تتكون من كلمتين متناقضتين، فقد أطلق عليها (( العنف السعيد )) وكيف يكون سعيداً وهو لا يولد إلا الألم والحزن إنها فعلا ظاهرة تدعو للبحث والتأمل !!!

وربما تعدت هذه التسمية لتتعمق في أصلها ومحتواها ويصبح أسمها (( القتل السعيد لتصل بذلك لمستوى من الإجرامية لا مثيل لها ؟؟

وتتلخص هذه الظاهرة العنيفة في قيام بعض الشباب المراهقين، بإيقاف المارة في الشوارع العامة، ليقوموا ضدهم بالإيذاء والعنف عبر الركل والرفس والصفع ليتركوا ضحاياهم خائرة القوى، لا تملك المقدرة على القيام بالرد والدفاع عن النفس والملاحظ ان هذا النوع من العنف الجديد ،لا يقوم به شخص واحد ليدخل على اثر ذلك في سياق العنف الجماعي، فلا يكتفي المجرم بضرب ضحيته وإنما يقوم بتصويرها عبر جهاز تلفوني مزود بكاميرا ليحول تلك اللقطات فيما بعد لصور انترنتيه، ليشاهدها محبوا العنف وإراقة الدماء البريئة !!

وفي جانب آخر يلحظ على هذه الظاهرة بأن غاياتها ليست السرقة والنهب، فكل القضايا المسجلة لم يكشف فيها الضحايا بأنهم سرقوا من قبل الجاني، وهذا يدل على أن الجاني أراد أن يجترح العنف من أجل العنف فقط، ومن أجل أن يشبع غريزته النهمة لحب الإعتداء والعنف ..

وقد يتسأل القارئ التي صدمته مثل هذه الأعمال البعيدة عن الدين والإنسانية، عن الانتماءات الفكرية والعقائدية لمنتهجي هذا السلوك المنحرف والشاذ ..

والمتتبع لتاريخ الأديان وتعاليمها، يصل لنتيجة مفادها ان الأديان لا تأمر بالعنف ولا تحبذه، فلو تتبعنا الاتجاهات الإسلامية والنظرة إلى العنف، فإننا نرى بأن الإسلام ينبذ العنف ويحاسب عليه ويدعو إلى اللاعنف في القول والعمل .

وقد جاءت آيات القرآن الكريم واضحة لا لبس فيها فهي تدعو في طرحها للسلم واللاعنف قال تعالى (( أدخلوا في السلم كافة )) وكيف لا والإسلام مشتق من السلم والسلام والقرآن الكريم يأمر بالرفق والمداراة ، والإسلام ينظر إلى الإنسان نظرة اعتبارية لا دونية (( ولقد كرمنا بني آدم )) ..

ولو انتقلنا للديانات الأخرى ونظرتها إلى العنف، وليكن مثالنا الديانة المسيحية فهي لا تدعو إلى العنف في منهجيتها وتنبذه (( لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك )).

ولكي يكتمل نسق الديانات الرئيسة في العالم، نتعرض أيضا للديانة اليهودية ونظرتها للعنف من زاويتها الإيديولوجية، فاليهودية ( الموسوية ) أي المستمدة تعاليمها من النبي موسى عليه السلام، تدعو إلى الوصايا العشر المنفرة من ارتكاب العنف والقتل والسرقة والكذب والحسد .

وعلى هذا النسق فانه لم تدعو ديانة من الديانات في العالم إلى العنف، فإضافة للديانات الثلاث هناك الديانات الأخرى مثل الهندوسية والكونفوشيوسية ووصايا بوذا الخمسة، وما ذكرنا لهذه الديانات الا للإشارة بأنه ليس هناك من يدعو للعنف في الأيديولوجيات الدينية، بغض النظر عن صحتها أو عدمها فهم يشتركون في النظرة لأنسنة الإنسان والاهتمام به فكرا وجسداً وروحاً .

ولنعود عودا على بدا لنرى انتماءات هؤلاء المنحرفين عن كل الديانات،ونشير بشكل مختصر عمن يقف وراء خلفياتهم الإجرامية، واعتقد ان الأمر راجع للموروث الذهني الملوث بالفضائيات والأفلام الغربية التي تدعو من خلال طرحها أدلجة هؤلاء المراهقين، لصتبغوا بأفكارها الموجهة لتدمير طاقات الشباب كالشيطان تماما عندما يبث وساوسه في عقل صاحبه، فهي تبث العنف المنظم ليحاكيه المراهق ليكون نموذجاً يقتدي به، فالجاني يحاكي نموذج ذهني جاهز على منوال قاطع الطريق الأسطوري ، بروكست الذي كان يخطف ( الآخر) من قارعة الطريق ، ويضعه فوق سرير ( رمز للقالب الجاهز ) فإذا كان المخطوف أطول من سريره ضغطه حتى يتناسب مع طوله وإذا كان أقصر منه مطه ليناسبه ، وفي الحالتين ، المخطوف ضحية مزدوجة .

الصحافة المستقلة وحرية التعبير بالمغرب

التفاصيل
كتب بواسطة: مصطفى غلمان
نشر بتاريخ: 24 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 24 مارس 2001
الزيارات: 7
 

الصحافة المستقلة وحرية التعبير بالمغرب

هل هناك حدود لحرية التعبير في الصحافة؟

 

مصطفى غلمان

 

كانت الفرصة سانحة عندما أعلن اتحاد كتاب المغرب بسطات ونادي الصحافة بمراكش تانسيفت الحوز، خلال الندوة التي أقيمت مؤخراً بمدينة سطات بدعم من مجلس بلديتها، دعمهما المطلق واللامشروط للصحافة المستقلة وحرية التعبير بالمغرب، ومساندتها في المحنة التي مربها، والتي تحاول، حسب ورقة العمل المقترحة، مخزنة الأقلام الرصينة، وإعدام الأصوات الحرة، وإفلاس المنابر الجادة، حتى لا تبقى في الساحة إلا الصحافة الخاضعة والخنوعة. وهو ما يحرم المغرب من رؤية نفسها في المرآة دون مساحيق عبر الكشف عن عوراتها، وإظهار سلبياتها، ونقد خروقها، بغرض بناء الوطن الجديد وعهد يليق بالألفية الثالثة، ويدافع عن حقوق الإنسان والحريات العامة، بهدف تحقيق التنمية الحقة، وتطوير ملكة الحكم لدى الأفراد، وتدويل المعلومة بين الناس، وتنسيب الحقيقة، وتدبير الحوار، واحترام الاختلاف، والاعتراف بالآخر، والدفاع عن الأقليات..

وقد أعرب الكاتب العام لفرع الاتحاد بمدينة سطات الدكتور المفكر عمر أوكان، في كلمته التي ألقاها بالمناسبة، بعد افتتاح أشغالها من لدن الناقد والباحث الفصيح محمد آيت لعميم، عن إيمانه العميق بضرورة انفتاح مهنة المتاعب على عالم الحرية، من خلال تناول كل الموضوعات بتلقائية وشفافية، دون وضع الحواجز والعقبات، وتعيين الأضواء الحمراء والخضراء، واللجوء إلى المقدس، بغرض كبح جماح الصحافة وانطلاقها، وتشويه صورتها أمام المتلقي. علماً أن المقدس، يضيف أوكان، لا وجود له إلا عند من يؤمن به، وأن العقل النقدي والتفكيكي لا يقيم حدوداً بين المقدس والمدنس، بل إنه يدرس المقدس على أساس أنه ليس مقدساً، مدركاً أن الدولة في رفعها لورقة المقدس، فإنها إنما تفعل ذلك بغية حماية رأسمالها وتقويته عبر اللجوء إلى العنف المادي والرمزي اللذين يفضحانها أمام الرأي العام الوطني والعالمي، ويبديان زيف الشعارات المرفوعة والمتداولة، والتي لا تعبر بحق عن الحداثة والديمقراطية والمواطنة ودولة المؤسسات والحق والقانون، وغيرها من الشعارات الخادعة والفارغة. وهو ما يتطلب، يقول أوكان، فضح هذه الممارسات التي تحاول أن تعود بنا إلى الوراء، إلى أحضان الجاهلية الجهلاء وسنوات الرصاص العمياء. فإذا كانت للديمقراطية سيئاتها، وإذا كانت لحرية التعبير انزلاقاتها، فإن ذلك لا يعطي الدولة الحق في مصادرتهما، وإنما ينبغي عليها تعزيزهما من خلال دعم استقلالية القضاء ونزاهته وحياده، وجعله فوق الجميع ومطبقا على الجميع، وذلك بغرض تشجيعه على القيام بوظيفته التي أكدت عليها نظرية العقد الاجتماعي وفلسفة الأنوار منذ أمد بعيد.

وخلص الدكتور أوكان إلى القول بأن الصحافة المستقلة بالمغرب تعاني الأمرين جراء المضايقات والتضييقات التي ألهمت الدولة جوانب من حوادثها وأحاديثها. فأعاقت بذلك تقويم الاعوجاج التي تعانيه، جراء الفساد المستطير الذي خرب عمق السير العادي . وبذلك تكون الدولة قد أفصحت عن رغبتها العميقة والدالة في التراجع عن المكتسبات الحقوقية والمدنية، في مجال حقوق التعبير وارأي والتفكير. وما ذلك سوى بشارة لمن يريد مغالبة الحقيقة والواقع.

وفي معرض حديثه عن التجربة الكبيرة التي خاضها منذ ما يقرب من نصف قرن تناول قيدوم الصحفيين المغاربة الأستاذ مصطفى العلوي مدير جريدة الأسبوع الصحفي، تناول الظروف الصعبة التي يشتغل فيها الصحافيون المغاربة. فبعد أفول نجم الداخلية، والبصرية أم الوزارات على وجه الخصوص،بدأ الحياة الإعلامية وكأنها ستتحرر من ربقة الماضي، الذي استنزف طاقتها وأرداها مفككة لا طائل من ورائها سوى الزعيق في واد لا قرار له. وانجلى الأمل، مسترجعا كل الضغوض المعيشة، وبفضل بعض الالتزامات السياسية للدولة المغربية، بدا من الواضح أن أمورا ستتغير، لولا غربان الظلام التي ما فتئت تعيد صناعة الخوف من جديد، ووتذيق الصحافة المستقلة عدابات العهد الذي مضى.

وأضاف العلوي إنه لا يطيق هذا التراجع المثير لجدل التاريخ، حيث القطيعة الابستمولوجية لا تقيم علاقاتها التداولية مع التجريب الفاشل والرجعي. ومن هنا يطالب العلوي الدولة بالالتزام بما تعهدت به، من أجل إضفاء الشرعية الحقوقية للتعبير والواجب المهني الصحفي.

أما الأستاذ عبداللطيف حسني مدير مجلة :وجهة نظر" فاستعاد بنا عبر التاريخ القريب، وخصوصاً ما قبل الاستقلال وبعده بقليل، بعض الظروف التي كانت أقرب إلى الحرية منها إلى ما أصاب الصحافة المستقلة ببلادنا. فقد كانت الصحافة آنذاك تنعم بغير قليل من الحرية غير المشروطة، في ظل وعي إعلامي بمدى أهمية هذه الحرية التي تكفلها كل المواثيق الدولية. وقال حسني إن ما يحصل الآن بالمغرب هو نوع من الهروب إلى الخلف، عبر تقزيم دور الإعلام وتحديد أسلوبه في التعامل مع القضايا المستهدفة. وأضاف ا، السياسة الآن كانت الفارق الأساس الذي حفز المتتبعين على معرفة مسؤولية التاريخ، معرباً عن استيائه الكبير مما خلفته ماكينة حكومة الوفاق أو التوافق الوطني التي أسس لها الحسن الثاني قبل رحيله. وقال إن مخلفات الانتهاكات الجسيمة ضد حقوق الصحفيين في عهد الحكومة إياها، أضرت بقضية الإعلام ببلادنا بشكل كبير، وأضرت أيضا بالتوافق السياسي، ما خلف بؤراً لا تزال لم تنطفئ بعد. وما وقع لمجلة:وجهة نظر: التي يديرها الصحفي المتدخل، بعد حجز أحد أعداده في المطبعة قبل الإصدار، بسبب موضوع يعارض طريقة الحكم، سوى دليل بسيط على اتساع الهوة بين الحرية والواقع، بين الحقيقة والخيال.

الأستاذ الصحفي عبد العزيز كوكاس مدير أسبوعية الأسبوعية الجديدة، تطرق إلى منحي التعتيم الذي يخلفه انزياح السياسة عن العمل الواجب. وفرق بين الأمل والواقع، بين حرية التعبير وشرود هذه الحرية. بين أن نتواصل والبناء الديمقراطي الحر والنزيه، وأن نتداوله عبر المكروفونات، دون جدوى.

كوكاس تساءل عن مرد هذه الدوخة المدوية في متن تاريخ لايعيد نفسه، سوى باستذكار يزيح غيمة الطفرات التي لا تريد أن تكون كذلك إلا على ظهر المناورة والمخزنة. ما معنى يقول المحاضر، أن تتصرف الدولة في ملكية ليس لها فيها ما يشرع التدخل الكولونيالي المتسارع والمتهور في نفس الآن؟ ذلك أن أسلوب الإكراه على فعل الحرية لا يوائم الطابع الأساس الذي من أجله خلقت هذه الحرية، وأن انتظار من يعبث بالمكتسبات، خصوصاً إذا كان من داخل صف الحرس القديم، سيثير الخلخلة بين سلوك الميكيافيلية والتظاهر بالتنوير والتنويرية والواجب المقدس. ثم إن المقدس هنا، يضيف كوكاس، ليس إلا حلقة من حلقات التوارد الانطباعي الذي يحجم عن مواكبة التاريخ والصيرورة. فالمقدس لا يعترف بالضرورة الملحة للتعبير وللرؤية الخالصة للفكر والأفكار والاستنتاجات، ولهذا ينطبع لدى الغالبية العظمى للمقدسيين الغرباء أن ثمة ما يفصل الحرية عن النظر في السماء، ما دامت هذه الحرية غير مشرعة، بل ليس لديها أي دليل على بقائها.

الأستاذ المحامي الحقوقي المعروف أحمد أبا درين أفرز من خلال حديثه عن تجربة الصحافة المستقلة بالمغرب مقاربة قانونية صرفة أبصر من خلالها بعين ثاقبة ورأي راجح المسافة الحدية بين الحرية واللاحرية، بين التواصل الخبري والتناظر الشخصاني. حيث يستهلك أغلب الصحفيين ظروف التعاطي مع الكتابة النقدية، من حيز أضيق من عين الإبرة. حيث التعاطي مع الاستنتاج الخالي م أي تحوير أو تدبير دلالي وحججي. وقال إن هذا الرهان يتصادى مع نظرة القانون المغربي، ويجعل التمثل لمواده أمراً في غاية التعسير، حيث تنافي رؤية واقعية من لدن القاضي، تحجب نية الفعل، أو الكتابة. ويصير التقابل بين المكتوب والنص القانوني هوة سحيقة تلزم النظر بالزاوية الأخرى لما هو ملموس ومحسوس. وقليل من الصحفيين يضيف أبادرين من يحرص على تشكيم حوصلة الخبر والتعليق عليه، في الحد الذي لا يجد فيه القارئ ما يثير الانتباه بالمباشرة والتوجه. والحصيلة يقول المحاضر أن الصحافة هنا يجب أن تعمل على تمتين شخصيتها المادية والمعنوية بالاستشارة القانونية، التي هي جزء من المضمار التي تعيشه أزمة القطيعة بين الدولة والصحافة المستقلة.

ودعا أبادرين في ختام حديثه عن حال حرية الصحافة بالبلاد، إلى ضرورة تصحيح نظرتنا للأشياء وإبداء الرأي فيما لا يخدم الصالح العام، وما يضيع الوقت ويصرفنا عن مواكبة الانتظارات التي تتسارع عقدها يوما بعد يوم..

كما كانت الورقة التي أعدها رئيس نادي الصحافة بمراكش (كاتب هذه السطور) قمينة بوضع اليد على الجرح، فقد تناولت في مجملها الوضع العام الذي تعيشه الصحافة المستقلة بالمغرب، من حيث الإطار الإشتغالي وظروفه. معتبراً الطفرة النوعية التي أضافت للمشهد البروباجندي بعضا من التواصل الانتقالي، بين حرية التعبير ومسامير الماضي طوقاً باطنيا لا ينشد الديمقراطية والشفافية، بقدر ما يستوعب الانتقال السيروري وحسم الانتهاكات الجسيمة، على حساب استيعاب الظرفية الدولية والانتقادات ذات الخاصية الدقيقة، مدرجا أسباب انحسار هذه الحرية مؤخراً، خصوصاً بعد تولي محمد السادس الحكم. وقال غلمان، إن التضييق الممنهج الذي يمارسه زبانية السلطة الآن على بعض المنابر الإعلامية المشاكسة يضع التجربة المغربية في المحك، ويسائل أبعادها التاريخية والمعرفية. وما استدراج الصحف المعارضة والمنتقدة للأداء الحكومي للوقوع في مأزق القضاء سوى علامة من علامات هذا التضييق والقتل البطيء.

مسك هذا اللقاء الهام أسبغه الشاعر الكبير إسماعيل زويرق عضو مكتب نادي اليونسكو، في كلمة ألقاها باسمه، بعطف أريحيته ونبل مقصديته، أزاح من خلاله هم التناظر ولفح التجاسر بقول هو أقرب للشعر منه للنثر، أبلغ فيه الصحافة والصحفيين بحب الخير وترغيبه، ونبذ الشر وتطويعه، بما يأمل المحجة البيضاء، التي يبقر ليلها النهار، وينثر حجبها رشف البهار.وما الكتابة في البداية والنهاية عند زويرق سوى ذلك الطلح النضيد الذي يملأ أصواتنا المتهاطلة على مسرج الحرية، ساكنة وبهية في أدراج السمو، لا تلبدها حدود، ولا تغصبها ألقاب نزاع؟

 

 

نحو التغيير والاصلاح

التفاصيل
كتب بواسطة: نبيل عودة
نشر بتاريخ: 17 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 17 مارس 2001
الزيارات: 5
 

نحو التغيير والاصلاح

نبيل عودة

 

المشهد الثقافي العربي مليء بحالات التكلس الذي يمنع تدفق "الدماء الثقافية" ويجعل ثقافتنا تعاني من التوقف والانقطاع عن التواصل مع جمهورها المفترض.
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن فساد الأنظمة وعن غياب المساحة الحرة الضرورية لجعل المشهد الثقافي مؤثرًا على مجمل المشاهد السياسية والاجتماعية والتربوية.
حتى في ثقافة بعيدة عن تسلط أنظمة الفساد, مثل الثقافة العربية في اسرائيل, نجد أنها لم تقع بعيدًا عن شجرتها الأم، والأجواء السائدة في ثقافتنا لا تختلف عن الأجواء المرضية للثقافة العربية. ماتطلبه الأنظمة من مثقفيها لا يختلف عنما تطلبه القيادات العربية المحلية من "مثقفيها".
من ظواهر هذه الحالة ظهور فئة المثقفين "الوصاة" الذي يتصدرون المشهد الثقافي, دون أن يواجهوا بحقيقتهم, إنهم إهانة للثقافة والمثقفين, وإنهم مجرد مهرجين في المشهد الثقافي.
أمام هذه الحالة نرى أن ثقافتنا أصبحت منقسمة على ذاتها, بين "ثقافة رسمية" تدافع عن "المصلحة العامة" وثقافة متمردة على هذه الوصاية, تواجه ليس الرفض الثقافي الرسمي من الأوصياء الثقافيين. وإنما القمع الرسمي أيضًا.
صحيح أنه في حالة ثقافتنا العربية في اسرائيل, الحالة مختلفة بعض الشيء. ولكن تأثيرات الحالة العربية العامة تمتد وتشكل عائقًا على الفكر الثقافي عندنا أيضًا.
هذه الوصاية كثيرًا ما تبرز تحت عباءة الرقابة على الفكر والإبداع الذي تمارسه الأنظمة بتعاون كامل مع عناصر دينية متزمتة وتشكل التيار الديني الرسمي للنظام.
في السنة الأخيرة منع توزيع عدد من الكتب في دول عربية مختلفة, وتعرض عدد من الكتاب إلى التهديد والضغوطات الفظة.
هذه الحالة تعبر عن واقع سياسي مريض..... حقًا نحن بعيدين عن انظمة القمع السياسي والثقافي. وكم تبدو الأحاديث عن الإصلاح الدمقراطي مقطوعة من جذورها, حين تقرن بالفساد العربي... وأنا أدعي أن الفساد العربي له امتداده المحلي هنا أيضًا... وهذا يبرز بقوة في توقف تدفق الدماء الثقافية في جسد ثقافتنا, وفي تحول الثقافة إلى الشيء الزائد غير الأساسي في ممارستنا السياسية.
إن الفصل بين الثقافي والسياسي يقود إلى التعثر والانكفاء... تعثر ثقافي وانكفاء سياسي.
وهذه هي الحالة المرضية لثقافتنا ولسياستنا, حين تتحول السياسة إلى لعبة صراع بين مجموعة من الديكة لإبراز قوة مناقيرهم, وألوان ريشهم وتوهمهم أنهم الأوصياء الذين لا تسير الأمور بدونهم, أي بكلمات أخرى يمارسون عملية النفي للرأي المختلف, وللعقل الآخر ويرون بكل مبادرة اجتماعية, أو سياسية, أو ثقافية, تجاوزًا لمكانتهم... أو خطرًا يهدد امتيازاتهم. في هذه الحالة الحل يكون بإحداث انتفاضة ثقافية تنهي الابتذال والوهن, تنهي الطغيان السلطوي والفساد السياسي. تنهي العداء المتأصل بين القيادات السياسية والثقافية, بصفتها أبرز تعبير عن الضرورة في التغيير والاصلاح الاجتماعي والسياسي, وهذه المعادلة تصلح لواقعنا السياسي والثقافي أيضًا, رغم اختلاف العديد من المعايير.

 

المرأة والإبداع

التفاصيل
كتب بواسطة: ابراهيم جادالله
نشر بتاريخ: 14 مارس 2001
انشأ بتاريخ: 14 مارس 2001
الزيارات: 6

المرأة والإبداع
الكتابة كقضية ،والذات كوسيط
 
ابراهيم جادالله

             كتابة المرأة الابداعية يمكن أن تتطور الى خصائص وسمات ظلت مغيبة طوال الفترة التي انفرد فيها الرجل بكتابة النصوص الأدبية، فهل يمكن أن يتغير هذا الأمر وأن نشاهد ولادة جديدة لأدب المرأة بعيداً عن الإحساس بالدونية والسيطرة الذكورية؟
            نظرياً، وبعيداً عن التصوّر التمييزي، العنصري، تتوافر المرأة العربية ومنذ الأزل، على نفس الإمكانات الإبداعية المحتملة لدى الرجل. والتذكير بهذه البديهية يُسعف على تبديد الكثير من الالتباسات التي تُرافق، في الفترة الراهنة، الجدالات المتصلة بإبداعية المرأة العربية في مجالات متعددة ومتنوعة والتي ظلّت مطموسة بسبب شروط اجتماعية معينة أو نتيجة فهم محدود للإبداعية وفهم ضيق لفعل التعبير عن قيم حياتية تتعدى السياق الظرفي.
          ومنذ سبعينيات القرن الماضي، عندما برزت أقلام نساء عربيات متميزة في مجالات الشعر والقصة والرواية، اتخذ النقاش حول هذه الظاهرة الإبداعية المكتوبة منحى لا يخلو من مغالطات ونزوع الى الاختزالية وتذويب الظاهرة في مستنقع خطاب ذكوري آيس يعزف عن رصد التعبيرات الناتئة الحاملة لبذور المناهضة وزحزحة مركزية الذكورية العربية، المستأثرة بالتشريع والتقييم ومنح المشروعية للإبداعات التي تعتبرها ذات جدارة.
             ومع المسافة الزمنية، يتبيّن اليوم، أن الكثير من تلك الالتباسات التي حفّت بمناقشة إبداعات المرأة العربية المكتوبة، يعود الى استعمال مصطلحات ومفهومات ذات طابع جوهرانيّ تُسقط على هذه الظاهرة المعقّدة، المنغرسة في سباق تاريخي واجتماعي يستوجب الاستحضار.
           في طليعة تلك المصطلحات المغلوطة، مصطلح "كتابة نسائية" الذي يُستشفّ منه افتراض "جوهر" محدد لتلك الكتابة يُمايز بينها وبين كتابة مفترضة للرجل. وبترابط مع هذا المصطلح، نجد أن الذين بادروا الى رفض الممايزة بين الكتابتين، استندوا أيضاً الى مفهوم عام للأدب، له عناصر مكوّنة "ثابتة" ترتكز على تشابه المشاعر والخبرة الفنية والجمالية وتشغيل المخيّلة، وهي عناصر مشتركة بين الجنسين، ومن ثم لا سبيل الى الحديث عن فروق أو تمايزات بين أدب يُنتجه رجل أو أدب تكتبه امرأة!
                 إن هذا الطرح، رغم منطقيته الخادعة، ينطوي على مغالطة وتعميم يحتميان بالتجريد، ويغفلان إعادة تحليل الإشكالية وتبريز عناصر تخصيصها في ضوء سياقها التاريخي والاجتماعي، يترابط مع أسئلة الثقافة والإبداع في المجتمعات العربية، وبترابط مع دورها في تكسير المنوالية ووصائية "التعبير بالنيابة". وإذا كنا لا نجادل في أن التعبير عن الذات فنياً، له عناصر مشتركة بين معبّر رجل أو امرأة، فإن الذات المعبّرة تخضع وتستجيب لتجربة حياتية، فيزيقية، مشروطة اجتماعياً وتاريخياً وقانونياً بشروط تترك بصماتها على نوعية التعبير الإبداعي ومضمونة وتشكلاته. وهذا بالضبط هو ما يستوجب التنسيب عند صوغ إشكالية المرأة والكتابة من خلال استبدال التخصيص بالتعميم لتحديد ما هو مغاير في كتابات المرأة العربية على اعتبار هذا التخصيص والاحتفاء بما يمايز إنما هو تأكيد للاختلاف بوصفه عنصراً دينامياً في الحراك الاجتماعي، يستهدف الإسهام في ضبط ( Regulation) خطوات المجتمع العربي برمّته، وهو المجتمع الذكوري بامتياز، كما أوضحت ذلك العديد من الدراسات السوسيولوجية.
             بتعبير آخر، نحن ننظر الى الإبداع في جوانبه المشتركة بين الرجل والمرأة على أنه نزوع الى تغيير ما هو قائم وتطلّع الى إزاحة ما يعرقل استبدال الرؤية والمتخيل الاجتماعي. لكننا، في الآن نفسه، ننظر الى إبداعات المرأة العربية المكتوبة على أنها تعبير ضروري ومطلوب لكي تستقيم جدلية التحويل والتعديل والتجديد، أي إزاحة الاستقطاب الذكوري الأحادي لمفهوم الإبداع وتجلياته. وهذا ما يفتح الطريق لكي نطالب، نظرياً، بأن يكون لإبداع المرأة العربية أفق مغاير، يستدرك ويكمل ما أغفلته إبداعات الرجل، ويعيد للجدلية تعارضاتها الحيوية المخصبة.
            في ضوء هذه الملاحظات، نحاول الآن تحليل إشكالية "المرأة العربية والإبداع المكتوب" من خلال استعادة وتحليل أربع محطات:
موقع هذه الإشكالية من قضية المرأة العربية في التصوّر العام.
الكتابة بوصفها أدباً والأدب بوصفه علاقة مع الذات.
علاقة المرأة العربية بالكتابة.
صوغ إشكالية الإبداع المكتوب عند المرأة العربية.
         إن ما نتوخاه من إعادة تحليل هذه العناصر المكوّنة لإشكالية المرأة والكتابة، هو الابتعاد عن التعميم والتجريد لنقترب أكثر من أسئلة تكتسب شرعيتها من اقترانها بسياقات محددة لا تبغي الوصول الى أحكام جوهرانية، نهائية، وإنما تتقصّد تخصيص المجال الذي يُطرح فيه السؤال ومحاولة التطلع الى أفق أجوبة ممكنة.
المرأة: الكتابة والقضية
           عندما طُرحت قضية المرأة في العصر الحديث - كما هو معلوم - جاء الطرح مقترناً بوعي متعدد الأبعاد والمظاهر. وهو وعي أنضجته كتابات ونضالات ذكورية ونسائية، إلا أنه دخل في منعطف حاسم عندما تولّت النساء أنفسهن المطالبة والتعبير والتنظيم لانتزاع الحقوق المهضومة،وتقويم الحيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المفروض على المرجع نفسه. وهذا المسار الذي عرفته قضية المرأة في أوروبا وأمريكا هو الذي عرفناه في المجتمعات العربية منذ الثلاثينات بغض النظر عن حجم وصلابة النتائج والمكتسبات المتباينة عندنا وعندهم.
            وحتى لا نضيع في التفاصيل، سنكتفي بالإشارة الى العناصر المشتركة التي كانت أساس حركات تحرير المرأة والدفاع عن قضيتها، وهي عناصر سلبية تحول دون تنظيم المجتمع تنظيماً متوازناً، ولذلك أصبح موضع رفض يحظى بالإجماع:
الحيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في حق المرأة.
إبعاد المرأة عن السلطة والمشاركة في اتخاذ القرار.
الاحتكام الى منطق ذكوريّ في المجالات الاجتماعية والسلوكية مما يعوق تحرير المرأة ويحول بينها وبين تحقيق النديّة والتكافؤ مع الرجل.
إعادة إنتاج هيمنة الرجل عبر محافل مؤسسية مؤثرة، مثل المدرسة والدولة والأسرة.
             نتيجة لهذا التدبير الاجتماعي الجائر، وتحت ستار من أغلفة إيديولوجية متعددة، ظل صوت المرأة مبعداً، محروماً من إسماع كلمتها ونقل همومها ورأيها بوصفها مواطنة تضطلع بمسؤولية جسام داخل المجتمع.
ليس غريباً، إذن، أن تكرز حركات الدفاع عن قضية المرأة، على انتزاع حق الكلام لأنه وسيلة مزدوجة لفضح السلّط الذكوري والمؤسساتي، وايضاً لبلورة وعي يوجّه نضال المرأة ويوسع نطاق قضيتها.
                   على هذا المستوى، لا نجد أن الكتابة الأدبية، كما سنحدد بعض ملامحها، قد لعبت، منذ البدء، دوراً في تخصيص قضية المرأة، وإبراز سماتها المميزة. صحيح أن نصوصاً كثيرة، مثلاً، قد نشرتها نساء اتصلت أسماؤهن بمجال النضال النسائي مثل: ملك حفني ناصف، وهدى شعراوي، ومنيرة ثابت، ودريّة شفيق، لكنها كانت كتابات ذات طابع اجتماعي، إصلاحي، لا يمكن إدراجها - رغم بلاغتها - ضمن الكتابة الأدبية بمعناها العميق، إنها بالأحرى، تندرج في الخطاب السياسي العام للمجتمع.
                 غير أن تنامي قضية المرأة وما أحرزته من مكاسب، كان فيه ولا شك، تعزيز لحق الكلام والتعبير الفني بالنسبة للمرأة الكاتبة. بعبارة ثانية، فإن قضية تحرير المرأة العربية اقترنت بحركة سياسية اجتماعية مشتركة بين الجنسين، وكانت تتوخى تجديد البنيات المجتمعية والعلائق المواطنية كشرط ملازم للنهضة والتحديث. ومن ثم، نجد أن الكثير من الأحزاب والزعماء والمفكرين وضعوا قضية تحرير المرأة على رأس اهتماماتهم وتحليلاتهم. لكن ظاهرة ارتياد المرأة العربية لعوالم الكتابة الإبداعية ضمن سياق الحقل الأدبي العام وصراعاته وتحوّلاته، هو ما أضفى على هذه التجربة طابع الخصوصية وجعلها وسيطاً في صوغ أسئلة مختلفة. ومن أهم تلك الأسئلة التي تسهم كتابة المرأة العربية في صوغها، سؤال الذات الفردية، ووضعها الاعتباري داخل المجتمع العربي. ذلك أن الكتابة الإبداعية تقتضي التباعد عن الخطابات التعميمية ذات النبرة الجمعية التي تستهدف تأطير المجتمع ولحمه وإبراز السمات المشتركة التي تتيح التعايش لأفراده وتنظيم صراعاتهم.
الذات كوسيط
              في الكتابة الإبداعية، تغدو الذات وسيطاً كيميائياً يحلل مختلف الخطابات والقيم والتجارب لصوغ نص يقع على الحدود من كل ذلك، ويلامس المشاعر والأفكار والمواقف معيشة من منظور ذات المبدع ووضعيته، وعبر لحظات التحوّل التي تتيح وضع الإيديولوجيا موضع تساؤل.
             من ثم، فإن المرأة عندما تكتب، رغم تشاركها مع الرجل في "المناخ" العام، فإنها تكتشف أن لذاتها الفردية وضعاً اعتبارياً مغايراً داخل سُلّم القيم الذكورية وتحت وطأة المعاملات والأحكام المسبقة.
                    في مجال الدفاع عن الحقوق والمطالبة بالإنصاف، يكون صوت المرأة مشدوداً الى تحقيق حريتها المصادرة من لدن مجتمع وتاريخ حؤلاها الى متاع تابع لمشيئة الآخر / الرجل، أو كما تعبر عن ذلك سيمون ديبوفوار:
" . . . ما يُحدّد وضعية المرأة بطريقة خاصة، هو أنها مع كونها حرية مستقلة مثلها مثل أي كائن بشري، فإنها تكتشف نفسها وتختار طريقها داخل عالم يفرض فيه الرجال عليها أن تتحمل مسؤوليتها ضد الآخر".
                   أما في مجال الكتابة الإبداعية، فإن المرأة تواجه وتستوحي ذاتها الحاضرة و"سلالتها" التاريخية، فيما هي تعيش داخل واقع مطبوع بالحيف وتقسيم الأدوار تقسيماً يفرض عليها أن تكون امرأة بشروط الرجل.
                  الكتابة، تستطيع المرأة أن تتخلى عن المقتضيات "الأخلاقية" التي تطوّقها كامرأة مشيّأة أو خاضعة لـ "إرادة" المجتمع، لتقترب من تلك الأصقاع الحميمية التي تجعل ذاتها تبرز في خصوصيتها وتميّزها ومعارضتها لقيم الذكورة السائدة.
                    بتعبير ثان، المرأة الكاتبة تستطيع، مثل الرجل الكاتب، أن تذهب الى حافة جنونها لتستعيد حريتها وإنسانيتها المغيّبتين، ولتسائل الرجل في مقاييسه وقيمه الموروثة وتحاصره بصورة المرأة المتحققة داخل حرية الكتابة بعيداً عن الصورة التي شيّدتها استيهاماته.
الكتابة بوصفها أدباً
                تجنّباً لسوء تفاهم محتمل في هذه المسألة، نشير الى أن تاريخ الأدب العربي قد عرف منذ العصور القديمة، أسماء شاعرات وأديبات، ولكننا نحرص، في هذا التحليل، على التمييز بين مفهومين، على الأقل. للأدب: مفهوم يربطه بجملة من المعايير والتصورات البلاغية والأخلاقية، ومفهوم يفتحه على المتغيرات الكثيرة التي حملتها الأزمنة الحديثة وكذلك طرائق تنظيم المجتمعات واحتداد الصراع بين الفرد ومؤسسات الدولة المفترسة لحقوقه وحريته.
                   من هذا المنظور الثاني، تغدو الكتابة، بوصفها أدباً، هي مساءلة الذات والذاكرة والجسد للاقتراب من موقعها داخل سراديب ودهاليز تقود الى الضياع والتشظّي واهتزاز الهويّة. وهذا شرط مشترك بين الرجل والمرأة لأن "تطور" المتجمع آل الى تعزيز الاستلاب ومضاءلة قيم التكافل والتواصل، إلا أن المرأة التي فُرض عليها، لآماد طويلة، أن تعيش مهمّشة، خاضعة للحيف والدونية والاستغلال غير المشروع، تمتلك تجربة شعورية واجتماعية مغايرة لتجربة الرجل المتشبث بمنطق الذكورية وسلطتها. لذلك، عندما تكتب المرأة أدباً، أي نصوصاً لا تتوخى المطالبة بحقوق مباشرة والتنديد بقوانين جائرة أو سلوكيات موروثة، فإننا نتوقع أن تكون هذه الكتابة نبْشاً في الذاكرة والجسد، واستعادة للذات بحمولاتها النفسية ومجابهاتها العنيفة لكل ما ، ومَن يخنق هويتها ويهتضم حريّتها.
                 بعبارة أخرى، فإن المرأة الكاتبة، رغم اشتراكها مع الكُتّاب في شروط تنعكس على الكتابة الحديثة شكلاً ومضموناً، فإنها بحكم تكوينها الفيزيقي ووضعيتها الاجتماعية وإرثها التاريخي، تتوافر على عناصر من شأنها أن تُخصّص تجربتها الحياتية وأن تُميّز كتابتها الابداعية وسط طرائق واتجاهات مشتركة بينها وبين الرجل.
                    لكن هذا التمييز في كتابة المرأة مشروط بوعيها لوضعيتها وبالسياق الذي تكتب فيه، وبالسلطة الخاصة التي تمنحها إياها الكتابة.
تأريخ كتابة المرأة
                    في ضوء ما تقدم، يمكن أن نستعيض عن التأريخ لكتابة المرأة العربية في العصر الحديث، باستجلاء التجارب التي سعت الى تحقيق هذا التمايز في الكتابة الأدبية العربية، أي الوقوف عند كتابة المرأة التي سعت الى استرجاع منطقة وسلطة كان الرجل الكاتب يضطلع فيهما بدور النيابة أو الوصاية. ونحن لا ننكر وجود كتابات لأدباء رجال تتعاطف مع المرأة وتحاول أن تتقمّص أوضاعها ومشاعرها، لكنها تظل مع ذلك مختلفة عن كتابة المرأة الواعية لخصوصية تجربتها وشروطها.
                  من هذه الزاوية، نجد أن كتابة المرأة العربية الإبداعية، رغم اشتراكها في خصائث كثيرة مع كتابة الرجل، فإنها تملك أن تُقلق الرجل المتشبّع بقيم المجتمع الأبوي، الذكوري. ويمكن أن نشير في هذا الصدد، الى نموذجين أثارا سُخط وغضب العقلية الوصائية:
                 تجربة الكاتبة مي زيادة التي سعت الى بلورة كتابة تعلو على الظرفية والمطلبية، وترتاد عوالم الذات المستترة وأسئلتها المحيّرة. ورغم أنها لم تكن تجهر بدعوة الى كتابة نسائية مناهضة، فإن حساسيتها ولغتها، وممارستها لحرية الحوار مع الشعراء والكُتاب المعاصرين لها، جعلت المجتمع الذكوري يحاصرها ويلفظها لتنزوي عن الحياة وهي تشارف الجنون، ولعل مي زيادة هي أول كاتبة عربية دفعت ضريبة الدفاع عن حق الاختلاف انطلاقاً من الكتابة الأدبية ومن ممارسة حرية الإبداع.
                      النموذج الثاني يتشخّص في كتابات ليلى بعلبكي وفي ما تعرضت له من محاكمة بعد إصدار مجموعتها القصصية "سفينة حنان الى القمر" سنة 1964، فبالرغم من أن صكّ الاتهام ينص على انتهاك ليلى بعلبكي للقيم الأخلاقية المتصلة بالجنس، فإن المحاكمة تترجم، في العمق، ضيق المجتمع الذكوري بصوت المرأة المقلق الذي يسائل السلوكات الذكورية الوصائية المغيبة لنصف المجتمع. وإعادة قراءة روايتها "أنا أحيا"، الصادرة سنة 1958، تؤكد أهمية وجرأة الأسئلة الضمنية لهذه الرواية التي تضع موضع تساؤل كلا من مفهوم الرجل للمرأة ومفهومه للشهوة والجسد، وكذلك وصاية الأب على ابنته الراشدة.
                  أكثر من ذلك، فإن رواية "أنا أحيا" شخّصت بشكل حداثي مجدد في التعبير، الوعي المغلوط للرجل والمرأة العربيين في الخمسينيات نتيجة فصلهما بين حرية الفرد والجسد. . وبين الالتزام السياسي المسقط من حسابه حرية المرأة وكينونتها المختلفة.
                 في ضوء هذين المثالين، نستطيع القول إن الكتابة الإبداعية للمرأة العربية التي تتسم بمثل هذه الخصائص، هي مؤشر قطيعة بدأت، ممهّداتها تتكون وتتنامى في أحشاء المجتمعات العربية منذ نهاية الأربعينيات لتُفسح في المجال أمام صوت "الأنا العميق" للمرأة التي أخذت تسترجع حقها في الإبداع والقول المختلف عن خطابات تولّت النيابة عنها فجمّدتها في صورة ثنائية: إما المعشوقة المؤمثلة أو المتعهّرة المبتذلة!
               صوت المرأة الإبداعي، في هذا المفهوم الجريء، المغاير، هو قطيعة عميقة مع ماض طويل لم تكن شروطه المادية وعلائقه الاجتماعية تُتيح للمرأة أن تمارس الإبداع في مثل شروط الرجل، وبعض الإشراقات القليلة، المتقطعة، من نصوص كتبتها نساء عربيات عبر القرون، إنما هو استثناء سمحت به الظروف لنساء ينتمين الى أسر مترفة أو الى فضاء السلطان. لكن الفرق يظل كبيراً بين تلك المقطوعات الشعرية، وبين نصوص مثل تلك التي كتبتها مي زيادة وليلى بعلبكي ولطيفة الزيات وفدوى طوقان وآسيا جبار ونوال السعداوي وصولاً الى رضوى عاشور وسلوى بكر وحنان الشيخ وليلى العثمان وعالية ممدوح وسمية رمضان ونورا أمين ومي التلمساني وهدى بركات وهدى حسين ومرام المصري وربيعة ريحان، واللائحة طويلة على امتداد الرقعة العربية.
هل هو إحساس بالدونية؟
               إن هذا النوع من الكتابة الإبداعية، رغم أنه يندرج ضمن مجال الحقل الأدبي العربي العام بتياراته وطرائقه الغنية وإرغاماته، فإنه يتوافر على ما يباعد بينه وبين كتابة الرجل، لأن الذات الكاتبة عند المرأة تمتلك وعياً بالشروط التي تفرض عليها دونية غير مُبرّرة. فتعرف كيف تستبطن تجاربها الحياتية من واقع معيش يجعلها تتخلص من القيم الذكورية المهيمنة التي لا تُقرّ بالاختلاف. كتابة المرأة، إذن، أرض شاسعة للحرث، وفضاءات تحتاج الى ذات المرأة العربية بما هي عليه والى مغامراتها الوجودية، لتستكشف، لحسابها الخاص، صورتها العميقة، بدلاً من أن تظل - كما كانت - مرآة للرجل يستعملها ليضخّم صورته أو ليشْحن نفسه بالحيوية والمحفزات.
                   إن أخذ المرأة على عاتقها مسؤولية التعبير عن ذاتها تعبيراً أدبياً متفاعلاً مع منجزات الطرائق الفنية المكتسبة، هو ما يجعلنا نقول باحتمال وجود أفق لكتابة المرأة يستنطق مشاعر وتجارب مغايرة لما يكتبه الرجل. وعلى هذا الأساس، تبرر الطرح النظري الذي يقول بأن كتابة المرأة العربية - داخل الإطار الإبداعي المشترك بينها وبين الرجل - تستطيع أن تبلور خصائص وسمات تضيء مناطق وفضاءات ظلّت مغيّبة طوال الفترة التي استفرد فيها الرجل بكتابة النصوص الإبداعية.
                 ومن هذا المنظور، فإن من شأن ذاكرة النساء المبثوثة في نصوصهنّ الإبداعية أن تساعد على تعديل التاريخ وتصحيحه، لأن علاقة الإبداع بالتذكّر - كما نعلم - قوية وأساسية، خاصة عندما يتمكّن المبدع / المبدعة من فتح الذاكرة على المستقبل.
                في الاتجاه نفسه، يجب التأكيد على أن إبداعات المرأة العربية المكتوبة، هي بحاجة الى قراءة واعية للشروط والتحوّلات قراءة تُسهم في هدم كثير من الأحكام المسبقة تجاه المرأة، وتسير باتجاه التأكيد على قيمتي الغيرية والاختلاف اللتين يحملهما - ضمن ما يحمل - إبداع المرأة العربية المكتوب.
إشكالية الكتابة النسائية
                  في ضوء الملاحظات السابقة، نحاول الآن، صوغ إشكالية الإبداع المكتوب عند المرأة العربية.
                     لقد تجنّبنا استعمال مصطلح "الأدب النسائي" أو "الكتابة النسائية" حتى لا يُفهم، لأول وهلة، أننا نفترض وجود اختلاف بالجوهر يميّز كتابة المرأة عن كتابة الرجل، ذلك أن صفة الإبداع أو عناصره الأدبية ليست معطاة مسبقاً، ولا منفصلة عن تحققها وسياقها. وعندما يتعلق الأمر بالإبداع الأدبي، فإن سماته ومكوناته تنتمي الى ذخيرة مشتركة من النصوص والممارسات والعلائق باللغة والمخيّلة والأشكال وتنويعاتها . . . ومع ذلك يجب التمييز بين شيئين:
 أ‌- اشتراك الخصائص الأدبية بين الثقافات والأجناس لا يعني وجود مفهوم أحاديّ، ثابت، للكتابة والأدب. وإنما هناك مجالات تتيح تغيّر مفهوم الكتابة الأدبية باختلاف السياق والمتلقي واستراتيجية الكاتب. إن المبدع لا يكتب نصاً معطىً مسبقاً في خصائصه ودلالاته وتشكّلاته، بل هو يُحيّن إنتاجه للنص من داخل التراث الإبداعي وفي ضوء أسئلته وتجاربه الذاتية وعلائقه بالمجتمع والكون. من ثم لا يكون التكرار أو المحاكاة أو النسج على المنوال هو ما يُبرّر الكتابة الإبداعية، بل اختلافها وخصوصيتها داخل النّسق / الأنساق الأدبية المعاصرة والموروثة.
ب - كون الكتابة صادرة عن امرأة لا يضمن لها، تلقائياً، الخصوصية والتميّز، كما لا يضمن لها أن تُنتج أدباً جيداً بحسب المقاييس المعتبرة عند النقّاد والمتلقّين.
                      لكن، رغم ذلك، نجد أن السياق الذي أشرنا اليه والمتعلق بمفهوم الأدب في العصر الحديث وارتباطه بالذات وخصوصية التجربة، يُفسح أمام المرأة الكاتبة أفقاً مغايراً يتعدّى نطاق "التعبير" أو امتلاك "أسرار" الإبداع. وإذا كان هذا الاشتراط مطروحاً أيضاً على الرجل الكاتب، فإنه، عند المرأة، يأخذ طابع الإلحاح والضرورة باعتبارها متوافرة بالقوة، على خصوصية اجتماعية وفيزيقية وتاريخية تضمن لها أن تكتب باتجاه أفق مغاير يستنطق ويستوحي ويشكل عوالم طالما لفّها الصمت وحجَبَها النسيان.
              إن هذا لا يعني مطلقاً التحديد المسبق لمجال كتابة المرأة، وإنما المقصود الإلحاح على عنصر التذويت في الكتابة بوصفه عنصراً ملازماً للأدب الرافض للاجترار واستنساخ الخطابات الأخرى، ومن ثم الالحاح على حضور عَيْن المرأة وصوتها ولغتها وحميميتها ورؤيتها للصراعات داخل المجتمع الذكوري، الأبوي.

 

الصفحة 23 من 29

  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27

المتواجدون الآن

57 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

البحث

اشترك في نشرتنا البريدية

انضم إلى مجموعتنا على Google لتصلك آخر الأخبار عبر بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا البريدية

منطقة الأعضاء

  • تسجيل الدخول
  • كاتب جديد؟
  • نسيت كلمة المرور؟
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • أرسل مشاركة

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

مواقع شقيقة

  • منتديات مجلة أقلام
  • المرشد في الإداراة
  • الشاعر سامر سكيك